Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الزهد والرقائق / باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب
(٩) باب تشميت العاطس ، وكراهة التثاؤب
٥٣ _ (٢٩٩١) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا حفْصٌ - وَهُوَ ابْنُ
غَيَاث - عَنْ سُلَيْمَانَ الَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكِ، قَالَ: عَّطَسَ عِنْدَ النَّبِىِ عَ رَجُلان،
فَشَمَّتَ أحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ . فَقَالَ الَّذِى لَمْ يُشَمَّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتَّهُ،
وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّثْنِى. قَالَ: ((إنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللهِ)) .
وذكر تشميت العاطس ، قال أبو عبيد (١) : يقال : شمت العاطس سمته بالسين
والشين: أى دعوت له بالخير ، والشين أعلى اللغتين . قال ثعلب : معنى التشميت
بالشين: أبعد الله عنك الشماته . قال : وأصله السين من السمت ، وهو القصد
والهوى(٢). وقال ابن الأنبارى: كل داعٍ بالخير مسمت (٣).
قال القاضى : اختلف العلماء فى تشميت العاطس ، بعد اجتماعهم على أن تشميته
إذا حمد الله مشروع . فمنهم من أوجبه على كل من يسمع حمده ، وإلى هذا ذهب أهل
الظاهر لقوله - عليه السلام -: ((إذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته))
وهو الذى ذكره ابن مزين (٤) عن مالك، وهو مشهور مذهب مالك ومَنْ اتبعه فى جماعة
من العلماء ، إلى أنه فرض لكن على الكفاية يجزئ فيه دعاء بعض عن بعض كرد السلام.
وحكى الشيخ أبو محمد بن أبى زيد (٥) هذين القولين. وذهبت / فرقة إلى أنه على الندب ١٢٩/ ب
والاستحباب ، وإليه ذهب القاضى أبو محمد بن نصر وأنّ قوله: (( حق )) أى فى حكم
الأدب وكرم الأخلاق، كقوله: (( حق الإبل أن يحلب على الماء)) (٦).
(١) انظر: غريب الحديث ٢ / ١٨٣.
(٢) فى ز: والهدى ، والمثبت من ح .
(٣) فى ح : مشمت .
(٤) هو أبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن مزين ، مولى رملة بنت عثمان بن عفان ، أصله من طليطلة ، فانتقل
إلى قرطبة ، روى عن عيسى بن دينار ومحمد بن عيسى الأعشى وغيرهما ثم رحل إلى المشرق فلقى
مطرف بن عبد الله، وروى عنه الموطأ . قال ابن لبابة : هو أفقه من رأيت فى علم مالك وأصحابه ، ولى
قضاء طليطلة ، ومن تصانيفه تفسير الموطأ، وتسمية رجال الموطأ ، توفى سنة ٢٥٩ هـ . انظر: الديباج
المذهب : ٢ / ٣٦١، الأعلام ٨ / ١٣٤.
(٥) هو عبد الله بن عبد الرحمن القيروانى ، وكان إمام وقته ، وجامع مذهب مالك وشارح أقواله ، وذاباً عن
مذهبه حتى أنه عرف بمالك الصغير ، تفقه بأبى بكر بن اللباد وأبى الفضل القيسى ، ومن تصانيفه مختصر
المدونة ، وعليها المعول، وكتاب الذب عن مذهب مالك وغيرهما، وتوفى - رحمه الله - سنة ٣٨٦هـ.
انظر : الديباج المذهب ١ / ٤٢٧ ، شجرة النور ١ / ٩٦ .
(٦) سبق فى ك الزكاة ، حديث رقم (٢٤).

٥٤٢
كتاب الزهد والرقائق / باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب
( ... ) وحدّثْنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو خَالد - يَعْنِى الأحْمَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ الَّيمِىِّ، عَنْ
أنَسِ، عَنِ النَّبِىِّ عَ﴾ . بمثله.
٥٤ _ (٢٩٩٢) حدّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْن نُمَيْر - واللفظ
الزهير - قَالا: حَدَّثْنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكِ، عَنَّ عَاصِمٍ بْنٍ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، قَالَ :
دَخَلْتُ عَلَى أبِى مُوسَى، وَهُوَ فِى بَيْتِ بِنْتِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّْنِى،
وَعَطَسَتْ فَشَمَّتُهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّى فَأَخْبَرْتُهَا. فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِى فَلَمْ
تُثَمَّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا ، فَقَالَ : إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَمْ أَشَمِّتُهُ ،
ثم اختلف العلماء فى كيفية الحمد والرد ، واختلفت فى ذلك الآثار ، فقيل : يقول :
الحمد لله ، وقيل: الحمد لله رب العالمين (١)، وقيل: الحمد لله على كل حال. وخيّره
الطبرى فيما شاء من ذلك .
ولا خلاف أنه مأمور بالحمد، وأما المشمت (٢) فيقول : يرحمك الله . وقيل :
يقول: الحمد لله ، يرحمك الله . وقيل : يرحمنا الله وإياكم.
واختلفوا أيضا فى رد العاطس على المشمت ، فقيل : يقول : يهديكم الله ويصلح
بالكم. وقيل: يقول: [ يرحمنا الله وإياكم ] (٣)، يغفر الله لنا ولكم . وقال مالك
والشافعى : إن شاء قال : يغفر الله لنا ولكم ، أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.
ومَنْ تكرر منه العطاس فالذى يأخذ به مالك أن يشمته ثلاثا ثم يمسك ، للحديث
الذى رواه فى الموطأ. لكنه فى الموطأ على الشك: ((لا أدرى فى الثانية أو الثالثة)) (٤)
وجاء فى كتاب أبى داود وغيره مبينا : (( شمت أخاك ثلاثا ، فما زاد فهو زكام))(٥) ووقع
فى كتاب مسلم: ثم عطس أخرى، فقال له النبى معَّه: ((الرجل مزكوم)) وهذا لم يذكر
أنه تكرر منه ، وظاهره أنه مَنْ عرف أنْ عطاسه من زكام فلا يرد عليه ، أو يكون قد تكرر
العطاس من هذا الرجل . وقيل : وكانت هذه بعد الثالثة ، فتتفق الأحاديث . ولعل
الراوى لم يحضر إلا بعد الثالثة ، أو لم يجعل باله إلا حينئذٍ - والله أعلم .
(١) رواه ابن أبى شيبة عن النخعى مقطوعًا به، برقم (٦٠٤٦).
:
(٢) فى ح : التشميت .
(٣) من ح .
(٤) انظر: الموطأ، ك الاستئذان، ب التشميت فى العطاس ٢ / ٩٦٥ .
(٥) أبو داود، ك الأدب، ب كم مرة يشمت العاطس. رقم (٥٠٣٤) .

٥٤٣
كتاب الزهد والرقائق / باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب
وَعَطَسَتْ ، فَحَمدت الله، فَشَمَّتُهَا. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: ((إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ
فَحَمْدَ اللهَ، فَشَمَّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلا تُشَمَّتُوهُ)) .
٥٥ _ (٢٩٩٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّار، عَنْ إِياسٍ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أبيهِ. ح وَحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ
لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارِ، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ
سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ؛ أنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ◌َ، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ:
(يَرْحَمُكَ اللهُ)) ، ثُمَّ عَطَسَ أخْرَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((الرَّجُلُ مَزْكُومٌ )) .
٥٦ _ (٢٩٩٤) حدّثنا يَحْبَى بْنُ أُيُوبَ وَقَتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ،
قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرِ - عَنِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أنَّ
رَسُولَ الله عَُّ قَالَ: ((التَّنَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا تَشَاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَكظِمْ مَا اسْتَطَاعَ )).
٥٧ _ (٢٩٩٥) حدّثَنى أبُو غَسَّانَ المسْمَعِىُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الوَاحد، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
المُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَا لأبِى سَعِيد الخُدْرِىِّ يُحَدِّثُ أبى
عَنْ أبيه، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( إِذَا تَثَاوَبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدَه عَلَى فِيهِ ، فَإِنَّ
الشَّيْطَانَ يَدَخُلُ)) .
١
٥٨ _ ( ... ) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثْنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبَدِ الرَّحْمَنِ
٠
وقوله : (( إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإن لم يحمد فلا تشمتوه)) : دليل أن
هذا الحق إنما هو إذا حمد . قال مالك : لا يشمته حتى يُسمع حمده وإن بعد عنك ، فإن
رأيت مَنْ يَلِيَهُ [ فشمته. واستحب له العلماء أن يسمع بالحمد من يليه ](١) قال بعض
شيوخنا: وأمر العاطس بالحمد لما فيه من المنفعة ؛ لخروج ما اختنق من الأبخرة بدماغه .
وقوله: (( دخلت على أبى موسى وهو فى بيت ابنة الفضل بن عباس)) كذا لكافة
الرواة ، وفى نسخ شيوخنا وسمعناه من القاضى أبى على : وهو فى بيت ابنة ابن الفضل
ابن عباس ، وهو وهم ، والصواب ما للكافة . وهى أم كلثوم بنت الفضل زوج أبى موسى
المذكور ، خلف عليها بعد فراق الحسن بن على لها ، وعنها مات أبو موسى وولدت له ابنه
(١) سقط من ز .

٥٤٤
كتاب الزهد والرقائق / باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب
ابْنِ أبِى سَعِيد، عَنْ أبيه؛ أنَّ رَسُولَ الله عَيْ قَالَ: ((إِذَا تَنَاوَبِ أحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ،
فَإِنَّالشَّيْطَانَ يُدْخُلُ )) .
٥٩ _ ( .. ) حدّثَنِى أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكَيْعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ
أبِى صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إِذَا
تَوَبَ أَحَدُّكُمْ فِىَ الصَّلَةِ، فَلَكَّظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ )) .
( ... ) حدّثْناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شََّةً، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهّلٍ، عَنْ أَبِهِ، وَعَنِ ابْنِ أبِى
سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى سَعيد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّه. بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرِ وَعَبْدِ العَزِيزِ.
٠٠
موسى ، وتزوجها بعده عمران بن طلحة ففارقها وماتت بالكوفة ، وقبرها بظاهرها .
وقوله: ((التثاؤب من الشيطان)) : أى من تكسيله وسببه . وقيل : أضيف إليه لأنه
يرضيه، كذا جاء للرواة ((التثاؤب)) من تثاءب، ممدودة . قال ثابت : لا يقال: تثاءب،
وإنما يقال: تثائب بشد الهمزة ، وهى الثوباء بالمد . وقال ابن دريد : أصله من ثاب الرجل
فهو مثوب : إذا استرخى وكسل .
وقوله: ((فليكظم ما استطاع))، قال الإمام: قال ابن عرفة: فى قوله: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ﴾ (١): الكاظم: الممسك على ما فى قلبه . وأصله فى الكظم للبعير ، وهو أن
يردد(٢) فى حلقة . وكظم فلان غيظه : إذا تجرعه ، وكظم خصمه : إذا أجابه بالمسكت
فأفحمه ، وكظه كذلك أيضا .
قال القاضى : أمر النبى عَّه بكظم التثاؤب ورده ، ووضع اليد على الفم ؛ لئلا يبلغ
الشيطان / العدو أمله فى المسلم بكل ما يسوءه ويكره منه ، من تشويه صورته ، ودخوله
فى فمه ، وضحكه منه ، وتفله فيه . ولهذا - والله أعلم - أمر المتثائب بالتفل لطرح ما
عسى أن يكون ألقاه الشيطان فى فيه ، أو لما مسه من ريقه إن كان دخل .
١٣٠/ ب
(١) آل عمران : ١٣٤.
(٢) فى ز : يدركها .

٥٤٥
كتاب الزهد والرقائق / باب فى أحاديث متفرقة
(١٠) باب فى أحاديث متفرقة
٦٠ - (٢٩٩٦) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ عَبْدٌ: أخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاق، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ،
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( خُلِقَتِ الملائِكَةُ مِنْ نُورِ ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارِ،
وَخُلقَ آدَمُ مَمَّا وُصِفَ لَكُمْ )) .
وقوله: ((وخلق الجان من مارج من نار))، قال الإمام : المارج : اللهيب المختلط
بسواد النار . وقال الفراء : المارج: نار دون الحجاب ، ومنها هذه الصواعق، وترى جلد
السماء منها .

٥٤٦
كتاب الزهد والرقائق / باب فى الفأر وأنه مسخ
(١١) باب فى الفأر وأنه مسخ
٦١ - (٢٩٩٧) حدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى العَنَزِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْد الله الرُّزِّىُّ، جَميعًا عَنِ النَّقَفِىِّ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الُثَنَّى - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّاب، حَدَّثْنَا
خَالَدٌ عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((فُقَدَتْ أمٌَّ
مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، لا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلَا أرَهَا إلا الفَأَرَ، ألا تَرَوْنَهَا إذَا وَضِعَ لَهَا أَلْبَانُ
الإِلِ لَمْ تَشْرَبّهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتُهُ؟)) .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الَحَدِيثَ كَعْبًا فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللهِ عَّهُ؟
قُلْتُ: نَعَمْ . قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا. قُلْتُ: آآقْرَأُ التَّوْرَةَ ؟
قَالَ إِسْحَقُ فِى رِوَيَتِهِ: (( لا نَدْرِى مَا فَعَلَتْ)).
٦٢ - ( .. ) وحدّثْنى أبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ: ((الفَأْرَةُ مَسْخٌ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الغَنَمِ
فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الإِبل فَلا تَذُوقُهُ )) فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ
رَسُولِ اللهِ عَّهُ؟ قَالَ : أَفَأَنْزِلَتْ عَلَىَّ التَّوْرَةُ ؟ .
وقوله : (( فقدت أمة من بنى إسرائيل)) وذكر الفأر ، وذكر أنها لا تشرب ألبان
الإبل، وتشرب ألبان الشاة ، قال القاضى : استدل - عليه السلام - بهذا على أنها من
بنى إسرائيل ؛ لتحريم الإبل عليهم وألبانها .
وقول أبى هريرة لما قال له كعب فى هذا الحديث: أسمعت هذا من رسول الله عَطّعٍ ؟
((أأنزلت علىّ التوراة؟)) يريد أبو هريرة: أنه لا علم عنده إلا من جهة ما سمع من النبى
عَّه، وأنه لا يحدث عن غيره من الكتب ، كما يحدّث كعب الذى سأله ويخبر عن التوراة
والكتب المتقدمة . وفى الحديث الآخر قبله قلت: ((أأقرأ التوراة ؟ )) كذا هو بمد همزة
التقرير، مثل : آقرأت التوراة ؟ بمعنى ما تقدم ، وهو صحيح - والله أعلم .

٥٤٧
كتاب الزهد والرقائق / باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
(١٢) باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
٦٣ - (٢٩٩٨) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ
ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ عَّهِ، قال: (( لا يُلْدَغُ المؤمنُ ، مِنْ جُحْرِ وَاحد ،
رشده
مَرْتَیْنٍ )) .
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب عَنْ يُونُسَ . ح
وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُّ حَرْبٍ وَمُحَّمَّدُ بْنُ حَاتِمِ ، قَالا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثْنَا ابْنُ
أخِى ابْن شِهِابٍ عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ . بِمِثْله .
٠٠٠
وقوله: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)): هذا يروى على وجهين : أحدهما :
بضم الغين على الخبر ، ومعناه : المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذى لا يستغفل فيخدع
مرة بعد أخرى ، وهو لا يفطن بذلك . وقيل : إنه إنما أراد الخداع فى أمر الآخرة دون
الدنيا . والوجه الآخر : كون الرواية بكسر الغين لالتقاء الساكنين على جهة النهى ، على
أن يؤتى من ناحية الغفلة ، وهذا يصح إذا يتوجه أيضا ؛ لأنه من كلامه المخترع البديع
الجامع الذى لم يسبق إليه ، وسببه معروف حين أسر أبا عزة (١) بن عمير الشاعر أخا
مصعب بن عمير يوم أحد ، فسأله أن يمن عليه وقد كان أسره يوم بدر ، فسأله ذلك ،
فمنّ عليه وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه . فلما لحق بقومه رجع إلى ما كان عليه ،
فلما أسر هذه الثانية وسأله المن ، قال مي هذا الكلام . ومعرفة هذا السبب مخرجة عن
معنى من ذهب فيه إلى النهى، وإنما هو على الخبر منه عَّة.
وفيه تنبيه عظيم للغافل وتأديب العاقل ، وأنّ المراد إذا جرب الأذى من موضع أو
وجه ما تنبه حتى لا يعود إليه ثانية منه .
(١) فى ز: أبا عزيز، والمثبت أولى. وهو: عمرو بن عبد الله بن عمير بن أهيب (وهب ) ابن حذافة بن
جمع الجمحى ، نسب إلى جده ، قتله رسول الله عَّه صبرا بحمراء الأسد ، وكان ذا بنات فلم يبق إلا
النساء . نسب قريش ص ٣٩٧ ( بنو جمح)، وجمهرة أنساب العرب ص ١٦٢ . الموريطانى ٢ / ١٧٩.
وقد تبين من نسب أبى عزة ، أنه الجمحى - من بنى جمح - ولكن مصعب بن عمير بن هاشم بن
عبد مناف بن عبد الدار ، من بنى عبد الدار ، فزيادة (( أخا مصعب بن عمير )) فى تعريف أبى عزة
الجمحى وهم ، ولعل سبب ذلك أنه كان لمصعب بن عمير أخا اسمه : زرارة بن عمير ، يكنى : أبا
عزيز، وكان أيضا ممن أسر يوم بدر، فلذا جاء الضبط فى (( ز)) أبا عزيز لما جاء بعده؛ (( أخا مصعب بن
عمير)) فهو وهم على وهم. وانظر نسب ((مصعب)) و((زرارة)) ابنى عمير بن هاشم ، من بنى عبد
الدار فى جمهرة ابن حزم ص ١٢٦ .

٥٤٨
كتاب الزهد والرقائق / باب المؤمن أمره كله خير
(١٣) باب المؤمن أمره كله خير(١)
٦٤ - (٢٩٩٩) حدّثْنَا هَدَّابُ بْنُ خَالد الأَزْدِىُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، جَمِيعًا عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ - وَاللَّفْظُ لشَيْبَانَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِى لَّيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((عَجِبًا لِأَمْرِ المؤمن، إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ
خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٌ إلا للمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتَّهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، فَكَانَّ خَيْرَاً لَّهُ. وَإِنْ أَصَابَتُهُ
ضَرَّاءُ صَبَرَ ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)) .
(١) لم يُعلَّق عليه فى جميع النسخ .

٥٤٩
كتاب الزهد والرقائق / باب النهى عن المدح ... إلخ.
(١٤) باب النهى عن المدح إذا كان فيه إفراط
وخيف منه فتنة على الممدوح
٦٥ _ (٣٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ خَالد الْحذَّاءِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنَ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلاً عِنْدَ النَّبيَّ ◌َّهِ قَالَّ،
فَقَالَ: (( وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنْقَ صَاحبكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ)) مِرَارًا ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ
مَدِحًا صَاحِبَهُ لا مَحَالَةَ، فَلَيَقُلْ: أَحْسبُ فُلانًا، وَاَلله حَسيبُهُ، وَلَا أُزَكِّى عَلَى الله أَحَدًا .
أَحْسِبُهُ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ، كَذَا وَكَذَا)) .
٦٦ - ( ... ) وحدّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَاد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ جَعْفَر . ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ ، أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَنْ خَالد
الحَذَّاءِ، عَنْ عَبّدِ الرَّحَمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عُنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّه؛ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلَّ .
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنْ رَجُل، بَعْدَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ، أَفْضَلُ مِنْهُ فِى كَذَا
وَكَذَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َةُ: (( وَيْحَكَ ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحبكَ)) مِرَارًا يَقُولُ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إِنْ كَانَ أَحدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ، لاَ مَحَالَةَ، فَيَقُلْ : أَحْسِبُ فُلانًا - إنْ
كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ - وَلا أُزَكِّى عَلَى الله أَحَدًا)) .
وذكر أحاديث المدح وقول النبى عَّهِ: ((قطعت عنق أخيك)): قال أهل العلم : هذا
كله فى التفاوت فى المدح ووصف الإنسان مما ليس فيه ، أو لمن يخشى عليه العجب والفساد
بسماع المدح وإلا فقد مدح - عليه السلام - ومدح بحضرته غيره بالنظم والنثر فلم ينكر ،
بل قد حض كعب بن زهير . قال بعض : هذا المتقدم من المقتصد فى المدح ، فى الحديث
أنه كان عَّه لا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، أى من مقتصد فى المدح على أحد التأويلات .
احتج أيضا لهذا بقوله : (( لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح)) (١).
١٣٠/ب
وأما قوله : ((احثوا التراب فى وجوه المدّاحين)) فقد حمله المقداد / وغيره - ممن جاء
بعد - على ظاهره ، وقال : خيبوهم ولا تعطوهم شيئا لأجل مدحهم من قولهم . تربت
يداه . وقيل : إذا مدحتم فتذكروا أنكم من تراب وتواضعوا ، ولا تعجبوا بالمدح . وكان
(١) البخارى، ك أحاديث الأنبياء، ب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [ مريم: ١٦]٤ /٢٠١، أحمد
٢ /٢٤،٢٣ .

٥٥٠
كتاب الزهد والرقائق / باب النهى عن المدح .. إلخ
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌوَ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى
شَيْبَةً، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، كَلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ
زُرَبِّعٍ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا: فَقَالَ رَجُلٌ: مَا مِنْ رَجُلٍ ، بَعْدَ رَسُولَ اللهِ عَّهَ، أَفْضَلُ مِنْهُ.
٦٧ - (٣٠٠١) حدّثنى أَبُو جَعْفَرِ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرَّاءَ
عَنْ بُرَيِّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِىُّ عَّهِ رَجُلاً يُثْنِى عَلَى
رَجُلٍ ، وَيُطَرِيِهِ فِى الِدْحَةِ فَقَالَ: ((لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ)).
٦٨ _ (٣٠٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنى، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ
مَهْدِىٌّ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الُثَنِى - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِى عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ . فَجَعَلَ المِقَدَادُ يَحْثِى
عَلَيْهِ الْتَُّبَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ أَنْ نَحْثِىَ فِىْ وُجُوهِالََّحِينَ التُّرَابَ .
٦٩ - ( .. ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمنَتَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ - وَاللَّفْظُ لابنِ المثنى - قَالا:
حَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَّمَّامٍ بْنِ الْحَارِثِ؛
أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ . فَعَمِدَ المِقْدَادُ ، فَجَثًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ - وَكَانَ رَجُلاً ضَخْمًا -
بعض من لقيناه يحكى أنّ معناه : قوموا عنهم وأثيروا بقيامكم النقع عليهم والتراب ، وهو
أبعد التأويلات .
وقوله : ((أحسب ، ولا أزكى على الله أحداً)) فى هذا أنه لا يقطع على عاقبة أحد
ولا على ضميره ؛ وإذ ذلك مغيب عنا ، وإنما يقول بحسب الظاهر. ومعنى قطع العنق هنا
وقطع الظهر : الهلاك ، وأصله القتل ، وهذا استعارة له من ذلك بهلاكه من جهة الدين ،
وربما كان من جهة الدنيا أيضا ، وما يسببه عليه عجبه.
قال الإمام : خرج مسلم فى حديث : قام رجل يثنى على أمير ، فجعل المقداد يحثى
عليه التراب : حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وابن المثنى ، جمعيا عن ابن مهدى عن سفيان،
عن حبيب ، عن مجاهد عن أبى معمر ، الحديث . هكذا إسناده عن حبيب ، عن مجاهد،
عن أبى معمر . وفى نسخة ابن ماهان ؛ عن حميد ، عن مجاهد . جعل (( حميدا )) مكان
( حبيب)) وهو تصحيف ، والصواب : حبيب ، وهو ابن أبى ثابت .
قال القاضى : وذكر بعده : حدثنا ابن مثنى وابن بشار قالا : حدثنا عبد الرحمن ،

٥٥١
كتاب الزهد والرقائق / باب النهى عن المدح ... إلخ
فَجَعَل يَحْثُو فِى وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله عَُّ
قَالَ: (( إِذَا رَأَيْتُمُ الَدََّحِينَ، فاحْثُوا فِى وُجُوهِهِمُ التُّرابَ)) .
( .. ) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنِى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ مَنْصُورٍ . ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَّةً، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْد
الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَنِ الثَّوْرِىِّ، عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَن هَّمَّام ، عن
الِقْدَادِ عَنِ النَِّّ ◌َّهُ. بِمِثْلِهِ.
عن سفيان ، عن منصور . وحدثنا عثمان بن أبى شيبة . حدثنا الأشجعى عبيد الله بن
عبيد الله بن عبد الرحمن بن سفيان . كذا لجميعهم ، وعند السمرقندى وبعضهم : عبيد
الله بن عبيد الرحمن مصغرا. وكذا [ ذكره البخارى (١). وكذا وجدته فى حاشية صحيح
مسلم بخط شيخنا التميمى ] (٢). وكذا قيدناه عن أصحاب العذرى .
٠
(١) التاريخ الكبير ٥ / ٣٩٠.
(٢) سقط من ز .

٥٥٢
كتاب الزهد والرقائق / باب مناولة الأكبر
(١٥) باب مناولة الأكبر(١)
٧٠ _ (٣٠٠٣) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثْنَا صَخْرٌ - يَعْنِى
ابْنَ جُوَيْرِيَةَ - عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ قَالَ: ((أَرَانِى فى
الْمَنَامِ أَنَسَوَّكُ بِسِوَاكِ فَّجَذَبَنِى رَجُلانِ؛ أحدهما أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَكَ الأَصْغَرَ
مِنْهُمَا. فَقِيلَ لِى: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ)) .
(١) لم يُعلَّق عليه فى جميع النسخ .

٥٥٣
كتاب الزهد والرقائق / باب التثبت فى الحديث ... إلخ.
(١٦) باب التثبت فى الحديث، وحكم كتابة العلم
٧١ - (٢٤٩٣) حدّثْنَا هَرُونُ بْنُ مَعْرُوف، حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ هِشَام ،
عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: اسْمَعَى يَارَبَّةَ الْحُجْرَةِ ، اسْمَعِى يَارَبَّةَ
الحُجْرَةَ ، وَعَائشَةُ تُصَلِّى. فَلَمَّا قَضَتْ صَلاَتَهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا وَمَقَالَتِهِ
آنفًا؟ إِنَّمَا كَانَ النَّبِىُّ ◌َّهُ يُحَدِّثُ حَدِيثًا ، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لِأَحْصَاهُ .
٧٢ _ (٣٠٠٤) حدّثْنَا هَذَابُ بْنُ خَالد الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىُّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ:(( لاَ تَكْتُبُوا عَنِّى،
وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ القُرْآنَ فَلَيَمْحُهُ ، وَحَدِّثُوا عَنِّى وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ - قَالَ
هَمَّامٍ : أَحْسِبُهُ قَالَ - مُتَعَمِّدَا فَلَيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )) .
وقوله - عليه السلام -: ((لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه))،
قال الإمام : روى عن زيد بن ثابت أنه دخل على معاوية فسأله عن حديث ، فأمر إنسانا
فكتبه . فقال له زيد: إن النبى عَّه أمر ألا نكتب [ شيئا] (١) من حديثه فمحاه (٢).
وهذا النهى قال فيه بعض العلماء : إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن فى صحيفة
واحدة لئلا يختلط به ، فيشتبه على القارئ . ويحتمل أن يكون النهى منسوخا ، وقد قال
عَيُّ فى خطبته: ((اكتبوا لأبى شاه)) (٣) لما استكتبه، وقال عَّه لرجل شكا إليه سوء
الحفظ: ((استعن بيمينك)) (٤)، وكتب - عليه السلام - كتابا فى الصدقات والديات (٥)،
أو كتب عنه فعمل به الأمة ولم ينكرها أحد، وقد أمر عَّهُ أمته بالتبليغ ، فإذا لم يكتب
ذهب العلم .
قال القاضى : بين السلف اختلاف كبير فى كتابة العلم من الصحابة والتابعين، فكرهه
كثير منهم ، وأجازه الأكثر . فمنعه لما جاء من النهى عنه ، ومخافة الاتكال على الكتاب
وترك الحفظ ، ولئلا يكتب شئ مع القرآن . ومنهم من كان يكتب ، فإذا حفظ محا . ثم
(١) فى هامش ح .
(٢) أبو داود، ك العلم، ب كتابة العلم، رقم (٣٦٤٧).
(٣) سبق فى ك الحج ، ب تحريم مكة وصيدها، برقم (٤٤٧).
(٤) الترمذى ، ك العلم ، ب ما جاء فى الرخصة فى كتابة العلم (٢٦٦٧).
(٥) سبق فى ك الحج ، ب فضل المدينة ، برقم (٤٦٧) .

٥٥٤
كتاب الزهد والرقائق / باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب
وقع بعد الإتفاق على جوازه لما جاء عنه - عليه السلام - من إذنه لعبد الله بن عمرو فى
الكتاب (١).
قوله: ((حدثوا عنى ولا حرج))، قال القاضى : فيه إباحة الحديث عنه ، وتبليغ ما
١٣١/أ سمع منه، بل قد جاءت الآثار(٢) بالحض على التبليغ والأمر به /. لكنه قرن هذا بقوله
بعد: ((ومن كذب على)) الحديث. قال: أحسبه قال: ((متعمداً)) تحذيرا من التساهل
بالحديث عنه مما لم يتحقق ، وتنبيها على التحرز فى ذلك لئلا يقع فى الكذب ، لا سيما
على الرواية التى ليست بقول ((متعمداً))، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث أول الكتاب .
وقول أبى هريرة حين حدث: (( اسمعى ياربة الحجرة )) يريد عائشة، ذلك - والله
أعلم - ليكون قوة فى حديثه لإقرارها له ما يحدث به ، ولم تنكر شيئا منه سوى إكثاره كما
قالت فى الحديث: ((كان عَّ يحدث حديثا لوعدّه العاد لأحصاه)). وفيه إكرام الحرم،
وأنه لم ينادها باسمها ولا بلقبها المعلوم من أم المؤمنين ، بل بالكتابة ، بلفظ تشترك فيه
مع سواها من النساء .
(١) أبو داود، ك العلم ، ب كتابة العلم ، برقم (٣٦٢٩).
(٢) منها: فى البخارى: ك العلم، ب قول النبى معَُّ ((رب مبلغ أوعى من سامع)) ١/ ٢٦.

٥٥٥
كتاب الزهد والرقائق / باب قصة أصحاب الأخدود ... إلخ.
(١٧) باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام
٧٣ - (٣٠٠٥) حدّثَنَا هَدََّبُ بْنُ خَالد، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ صُهَيْب؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (( كَانَ مَلَكٌ فِيمَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ ، فَلَمَّا كَبَرَ قَالَ لَلِمَلِكِ: إِنِّى قَدْ كَبَرتُ، فَابْعَتْ إِلَىَّ غُلاَمَا أُعَلِّمْهُ
السِّحْرَ . فَبْعَثَ إِلَيْهِ غُلاَمَا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِى طَريقه، إِذَا سَلَّكَ، رَاهِبٌ ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ
كَلَمَهُ فَأَعْجَبَهُ ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّبِالرَّأَهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرِ ضَرَبَهُ،
فَشَكَا ذَلِك إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنَى أَهْلِى، وَإِذَا خَشِيتَ
أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنَى السَّاحِرُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أَنَى عَلَى دَبَّةٍ عَظيمَة قَدْ حَبَسَّت النَّاسَ.
فَقَالَ: الْيَومَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَم الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَراً فَقَالَ : اللَّهُمّ، إِنْ كَانَ
أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذه الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِىَ النَّاسُ . فَرَمَاهَا
فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ . فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَىْ بُنَى، أَنْتَ اليَوْمَ
أَفْضَلُ مِّى، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى ، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِن ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَىَّ . وَكَانَ
الغُلامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِى النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْواءِ . فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلِمَلِكِ
كَانَ قَدْ عَمِىَ ، فَأَتَاهُ بِهَدَيَا كَثِيرَةَ. فَقَالَ: مَا هَهُنَا لَكَ أَجْمَعُ، إِنْ أَنْتَ شَفَيْنِى .. فَقَالَ : إِنِّى
لا أَشْفِى أَحَداً، إِنَّمَا يَشْفِى اللَّهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوَتُ اللهَ فَشَفَاكَ . فَآمَنَ بالله
فَشَفَاه اللـه . فَأَتَى الَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَان يَجلَسُ. فَقَالَ لَهُ الملكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ
بَصَرَكَ ؟ قَالَ : رَبِّى. قَالَ : وَلَكَ رَبُّ غَيْرِى؟ قَالَ : رَبِّى وَرَبُّكَ اللهُ. فَأَخَذْهُ فَلَمْ يَزَلْ
يُعَذَّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ ، فَجِىءَ بالغُلامِ . فَقَالَ لَهُ الَلِكُ: أَىْ بُنَىَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ
مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ . فَقَالَ: إِنِّى لاَ أَشْفِى أَحَداً، إِنَّمَا يَشْفِى اللهُ.
فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذَّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ ، فَجِىءَ بِالرَّاهِبِ . فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ
وقوله فى حديث صاحب الأخدود : (( إذا خشيت أهلك فقل : حبسنى الساحر)) :
جواز الكذب للضرورة لا سيما فى الله ، وفى المدافعة عن الإيمان ، ومن يصدع عنه .
قوله : ((دعا بالمنشار)): كذا هو مهموز، وعند السمرقندى: ((المنشار)) بالنون ،
وهما لغتان صحيحتان ؛ بالنون والهمز . ويسهّل فيقال بالياء ولا يهمز .

٥٥١٦
كتاب الزهد والرقائق / باب قصة أصحاب الأخدود ... إلخ
دِينكَ. فَأَبَى. فَدَعَا بِالمِنْشَارِ ، فَوَضَعَ الِشَارَ فِى مَفْرِقٍ رَآسِهِ ، فَشَقّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّهُ. ثُمَّ
جىءَ بِجَلَيسِ الَلِكِ فَقِيلَ له : ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى. فَوَضَعَ الِثْشَارَ فِى مَفْرِقِ رَأْسِهِ ،
فَشَقَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِىءَ بِالقُلاَمِ فَقِيَلَّلَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِنِكَ. فَأَبَىَ. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَر
مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ ، فإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ،
فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ ، وَإِلا فَاطْرَ حُوُهُ . فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ . فَقَالَ : اللّهُمَّ، اكْفِنِهِم
بِمَا شئتَ . فَرَجَفََ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا. وَجَاءَ يَمْشِى إِلَى الَلِك. فَقَالَ لَهُ الَلِكُ: مَا فَعَلَ
أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِهِمُ اللـه . فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذهَبُوَ بِهِ فَاحْمِلُوهُ
فِى قُرْقُورِ ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ ، فَإِنْ رَجَعَ عَنَّ دِينِهِ وَإِلا فَاقْذِفُوهُ . فَذَهُبُوا بِهِ . فَقَال:
اللّهُمَّ، اكفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرَقُوا، وَجَاءَ يَمْشِى إِلَى الَلِكِ. فَقَالَ
لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ : كَفَانِيهِمُ اللهُ. فَقَالَ لِلْمَلِك: إِنَّكَ لَسْتَ بَقَاتِلَى حَتَّى
تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ . قَالَ: وَمَاهُوَ ؟ قَالَ : تَجْمَعُ النَّاسَ فَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَتَصَلَبِنِى عَلَى
جذْع، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِى، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِى كَبِدِ القَوْسَِّ ثُمَّ قُلَّ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ
الغُلامِ ، ثُمَّ ارْمِنِى. فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِى. فَجَمَعَ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ وَاحِد ، وَصَلَبَهُ
ء
٢
قوله: [ ((فرجف بهم الجبل))، قال الإمام: ((أى تحرك حركة شديدة ، ومنه قوله:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾(١) ](٢) أى: تتزلزل.
قال القاضى: روى هذا الحرف لنا الخشنى عن الطبرى: ((فزحف)) بالحاء والزاى .
والرواية الأولى عليها جماعة شيوخنا ، وهى أصح ، وإن كان قد يكون الزحف بمعنى
الحركة والتقدم ، يقال : زحف القوم إلى عدوهم : إذا نهضوا .
وقوله: ((فإذا بلغتم ذروته )): قال الإمام : أى أعلاه . وذروة كل شىء : أعلاه .
وقوله: ((اذهبوا به فاحملوه فى قُرْقُور)) بَضم القافين ، القرقور: أعظم السفن ،
وجمعه قراقير.
قال القاضى : الذى عرفناه فى هذا أن القرقور صغير السفن [ وفى العين : هو ضرب
من السفن ، وفى الهروى : القرقور : صغير السفن ](٣) ، كذا رويناه عن شيخنا الحافظ
أبى الحسين بن سراج اللغوى ، وقرأناه عليه فيه ووقع فى بعض الروايات عن الهروى فيه :
أعظم السفن ، كما ذكره الإمام . وكذا كان عند شيخنا القاضى الشهيد فيه . وكذا فى
(١) المزمل : ١٤ .
(٢، ٣) سقط من ز .

٥٥٧
كتاب الزهد والرقائق / باب قصة أصحاب الأخدود ... إلخ .
عَلَى جِذْعِ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِى كَبِدِ القَوْسِ ثُمَّ قَالَ : باسمِ اللهِ
رَبِّالْغُلاَمِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُّ فِى صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِى صُدْغِهِ فِى مَوْضِعِ السَّهْمِ،
فَمَاتَ . فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِزَبِّ الغُلام، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ. فَأُتِى الَلِكُ
فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ ، وَالله، نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ
بالأُخْدُودِ فِى أَفْوَاه السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيْرَانَ . وَ قَالَ : مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ
فَأَحْمُوهُ فَهَا، أَوْ قِيَلَ لَهُ: اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا. حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِىٌّ، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ
تَقَعَ فِيهَا . فَقَالَ لَهَا الغُلامُ: يَا أُمَّه، اصْبِرِى، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ)) .
كتاب الحربى . وأرى هذه الرواية رأى الإمام ، وأنكرها لنا أبو الحسين وقال : إنما هو
الصغير على ما وقع فى أكثر نسخ الهروى، وهو الذى يدل عليه معنى الحديث ؛ لأن السفن
الكبار لا تستعمل فى مثل هذا ، وإنما يستعمل فيه ما صغر منها ، وكذلك فى حديث
موسى - عليه السلام -: ((فلما رأوا التابوت)) يريد فى اليم ((ركبوا القراقير حتى أتوا به)).
وقال ابن دريد فى الجمهرة : القرقور ضرب من السفن ، عربى معروف . والمعروف
عند الناس فيه استعماله فيما صغر منها وخف للتصرف فيه . وعظام السفن إنما يستعمل
لعظيم الأشغال وحمل الأثقال لا للتصرف فى الحوائج . ووقع فى رواية العذرى : ((قرقورة))
على معنى السفينة ، والكل بضم القاف .
وقوله: (( فى صعيد واحد )) ، قال الإمام : الصعيد : الطريق الذى لا نبات فيه ،
وكذلك الزلق الصعيد أيضا : وجه الأرض كالتراب .
قال القاضى : المراد فى هذا الحديث بالصعيد الأرض نفسها ، لا الطريق .
وقول الغلام هذا ، وفعله ما فعل بنفسه ، ودل عليه الملك من قتله ليشتهر فى الناس
أمر الإيمان ويروا برهانه كما كان .
وقوله /: ((فأمر بالأخدود))، قال الإمام: هو الشق العظيم فى الأرض، وجمعه ١٣١/ ب
أخاديد ، وقد تقدم ذكر السكك .
وقوله : (( فمن لم يرجع عن دينه فاحمه فيه أو قيل له: اقتحم)) ، قال القاضى : كذا
هو فى جميع النسخ ، وقال بعضهم: لعل صوابه : (( فأحموه فيها ، أو قولوا له : اقتحم))
ولا يبعد عندى صحة معنى ((أحموه )) على ماروى من أحميت الحديدة والشىء فى النار .
وفى هذا الحديث صبر الصالحين على الابتلاء فى ذات الله، وما يلزمهم من إظهار دينه
والدعاء لتوحيده ، واستقتالهم أنفسهم فى ذلك، وهو مراد الغلام بقوله للملك: ((لست

٥٥٨.
كتاب الزهد والرقائق / باب قصة أصحاب الأخدود ... إلخ
بقاتلى حتى تصلبنى وتجمع الناس وتضع السهم فى كبد القوس وتقول : بسم الله رب
الغلام ليرى الناس ذلك فيؤمنوا بالله كما كان .
وفيه إثبات كرامات الأولياء وإجابة دعواتهم باختبارهم كما أظهر الله فى قصة هذا
الغلام ، وكفاية الله له من تلك المهالك.
وكبد القوس : مقبضها عند الرمى .

٥٥٩
كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر
(١٨) باب حديث جابر الطويل ، وقصة أبى اليسر
٧٤ _ (٣٠٠٦) حدّثنا هَرُونُ بْنُ مَعْرُوف وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد - وَتَقَارَبَا فِى لفْظ
الحَديث - وَالسِّيَاقِ لَهَرُونَ - قَالا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوب بْنِ مُجَاهد أبِى
حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةٌ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِى تَطْلُبُ الْعَلَم
فِى هَذَا الْحَىِّ مِنَ الأنْصَارِ، قَبْلَ أنْ يَهلِكُوا فَكَانَ أوَّلُ مَنْ لَقَيْنَا أَبَا الْيَسَرِ - صَاحِبَ رَسُول
الله ◌َُّ - وَمَعَهُ غُلامٌ لَهُ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفُ، وَعَلَى أبى اليَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعافرىٌّ ،
وَعَلَى غلامه بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِىٌّ . فَقَالَ لَّهُ أَبِى: يَا عَمِّ، إِنِّى أرَى فى وجْهكَ سَفُعةً مِنْ غَضَب
قَالَ : أجَلُ ، كَانَ لِى عَلَى فُلانِ بْنِ فُلانِ الحَرَامِىِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ. فَقَلْتُ: ثَمَّ
وقوله : (( خرجنا نطلب العلم)) : فيه الرحلة فى طلبه .
وقوله : (( معه ضمامة من صحف))، قال الإمام: أى رزمة ضم بعضها إلى بعض .
قال القاضى: كذا رويناه ((ضمامة)) كما قال بكسر الضاد ، وكذا هو فى جميع
النسخ. وكتبنا فيه عن بعض شيوخنا: ((ضمامة)). قال الهروى(١) فى حديث الرجم:
الأضاميم : الحجارة ، واحدتها أضمامة ؛ لأن بعضها ضم إلى بعض . وكذلك فى
جماعات الكتب والناس ولا يبعد عندى صحة ما جاءت به الرواية من ذلك ، كما قالوا :
ضبارة وإضبارة لجماعة الكتب ، ولفافة لما يلف من الشىء - والله أعلم .
وقوله: ((وعلى أبى اليسر بردة ومعافرى)) ، قال الإمام : البردة تقدم ذكرها ،
والمعافرى ، بفتح الميم ، منسوب إلى معافر(٢)، اسم قرية. وقوله : هى قرية تعمل فيها
الثياب تسمى المعافرية باسمها . وأصل هذا قبيل من العرب من اليمن ، سموا به باسم
جبل ببلادهم يقال له : معافر . وحكى لنا أبو الحسين فى القبيل : معافر أيضا بالضم ،
وأنكر يعقوب الضم. ((وأبو اليسر)) بفتح الياء باثنتين تحتها وفتح السين المهملة .
وقوله: ((فى وجهك سفعة من غضب))، قال الإمام: أى علامة . قال أبو بكر:
يقال : سفعت الشىء إذا أعلمته ، ومنه قول الشاعر :
(١) لم نجدها فى غريب الحديث للهروى، وإنما وجدناها فى غريب الحديث للخطابى ١ / ٢٨٣.
(٢) هى قبيلة من اليمن ، وهو معافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن عمرو بن يشجب بن
عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ، لهم مخلاف باليمن ينسب إليه الثياب المعافرية . انظر : معجم البلدان
٥ / ١٥٣ .

كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر
-
٥٦٠
هُوَ؟ قَالُوا: لا. فَخَرَجَ عَلَىَّ ابنٌّ لَهُ جَفْرٌ . فَقُلْتُ لَهُ: أيْنَ أُبُوكَ؟ قَالَ : سَمِعَ صَوْتَكَ
فَدَخَلَ أريكَةَ أَمِّى. فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَىَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أنْتَ . فَخَرَجَ . فَقُلْتُ: مَا
حَمَلَكَ عَلَى أن اخْتَبَأْتَ مِنِّى؟ قَالَ: أَنَا، وَالله، أحدَّتُكَ، ثُمَّ لا أكْذِبُكَ. خَشِيتُ، وَالله،
أنْ أحَدَِّكَ فَأَكْذِبَكَ ، وَأَنْ أعدَكَ فَأَخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللهِ عَ، وَكُنْتُ،
وَالله، مُعْسرًا. قَالَ: قُلتُ: أَلله! قَالَ: الله. قُلْتُ آلله! قال: الله. قُلْتُ: آلله ! قَالَ :
الله، قَالَ: فأتى بِصَحِيفَتَهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ . فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِى ، وَإلا أنْتَ
فى حلٌّ . فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنِىَّ هَاتَّيْنٍ - وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ - وَسَمْعُ أُذُنَىَّ هَاتَيْن،
وَوَعَهُ قَلْبِى هَذَاَ - وَأَشَارَ إلى مَنَاطَ قَلْبِهِ ـ رَسُولَ اللهِ ◌َّهُ وَهُوَ يَقُولُ: (( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًاً،
أوْ وَضَعَ عَنْهُ ، أظَلَّهُ اللهُ فِى ظلِهِ)) .
وكنت إذا نفس الجبان نزت له
سفعت على العرنين منه بميسم
قال القاضى : يقال سفعة وسُفعة بفتح السين وضمها ، وكذا رويناهما معا . وأصل
ذلك من السواد ، وهو الارتداد الذى يظهر على وجه الغضبان .
وقوله : ((على فلان بن فلان الجذامى (( كذا لابن ماهان بضم الجيم وذال معجمة ،
وعند أكثر الرواة: ((الحرامى)) بحاء مهلمة مفتوحة وراء، وعند الطبرى: ((الحزامى))
بكسرها وبالزاى ، وهى أحد روايات ابن عيسى .
وقوله: (( فخرج ابن له جفر))، قال الإمام : قال الهروى (١): فى حديث حليمة
التى أرضعت النبى معَّه: فبلغ ستا وهو جفر . يقال : استجفر الصبى : إذا قوى على
الأكل فهو جفر . وأصله فى أولاد الغنم ، فإذا أتى على أولادها / المعز أربعة أشهر ،
وفُصل عن أمه ، وأُخذ فى الرعى قيل له : جفر ، والأنثى : جفرة . ومنه حديث أم
زرع: (( يكفيه ذراع الجفرة)) (٢).
١/١٣٢
قال القاضى : قال غيره : الجفر : الذى قارب البلوغ ابن أربعة عشرة سنة ونحوها.
وقوله: (( دخل أريكة أمى))، قال الإمام: قال أحمد بن يحيى : الأريكة : السرير
فى الحجلة ، ولا يسمى مفردًا أريكة . وقال الأزهرى : كل ما اتكئ عليه فهو أريكة .
قال القاضى: وقوله: ((قلت: آلله . قال: الله)): كذا ضبطناه بالكسر هنا ممدود
وعلى القسم والتقرير عليه ، ورويناه فى غيره عن بعض شيوخنا بالفتح والكسر معا ،
(١) غريب الحديث ٢ / ٣٠٧ .
(٢) سبق فى ك الفضائل ، برقم (٩٢) .