Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب الجنة / باب إحلال الرضوان على أهل الجنة ... إلخ
(٢) باب إحلال الرضوان على أهل الجنة
فلا يسخط عليهم أبدا(١)
٩ - (٢٨٢٩) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ
الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَالكُ بْنُ أَنَس. ح وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعِيدَ الأَيْلِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى مَالَكُ بْنُ أَنَسِ، عَنْ زَيّد بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَار، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُّدْرِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ: ((إنَّ الله يَقُولُ لأهْلِ الْجَنَةِ: يَا أَهْلَ
الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُونَ: لَّكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِى يَدَيْكَ . فَيَقُولُ : هَلْ رَضِيتُمْ ؟
فَيَقُولُونَ : وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ؟ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ . فَيَقُولُ:
أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُولُونَ: يَارَبِّ ، وَأَىُّ شَىْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ:
أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِى، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا » .
(١) لم يُعلَّق عليه فى جميع النسخ .

٣٦٢
كتاب الجنة / باب ترائى أهل الجنة أهل الغرف ... إلخ
(٣) باب ترائى أهل الجنة أهل الغرف، كما يرى الكوكب فى السماء
١٠ - (٢٨٣٠) حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْد الرَّحْمَن
الْقَارِىُّ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَّعْدٌ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ قَالَ: ((إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةَ
لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرْفَةَ فِى الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الَكَوْكَبَ فِى السَّمَاءِ » .
(٢٨٣١) قَالَ فَحَدَّثْتُ بِذَلكَ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِى عَيَّاش فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعيد
الْخُدْرِىِّ يَقُولُ: كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوَّكَبَ الدُّرِىِّ فِى الأَفُقِ الشَّرْقِىِّ أَوْ الْغَرْبِىِّ)) .
ء
( ... ) وحدثناه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِىُّ، حَدَثْنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَبِ حَازِمِ،
بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا ، نَحْوَ حَدِيثَ يَعَّقُوبَ .
١١ - (٢٨٣١) حدثنى عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَر بْنِ يَحْبَى بْنِ خَالد، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا
مَالكٌ. ح وَحدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -َ حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب ،
أَخََّرَنِى مَالكُ بْنَ أَنَس، عَنْ صَفْوَنَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِى سَعِيِّد
الْخُدْرَىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ قَالَ : ((إِنَّ أَهْلَ أَلْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَ وَّنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنَّ فَوْقِهَمَّ ،
كَمَا تَتَّرَاءَوْنَ الْكَوْكَبِ الدُّرِّىَّ الْغَابِرَ مَنَ الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلَ مَا
بَيْنَهُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، تلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءَ، لَا يَبْلُغُهَ غَيِّرُهُمْ. قَالَ: (( بَلَّى، وَلَّذِى
نَفْسِى بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ )) .
وقوله: (( كما تراءون الكوكب الدرى)) : درارى النجوم : عظامها ، سميت
الكواكب درارى لبياضها . وقيل : بإضاءتها . وقيل : لتشبهها بالدرر ؛ لأنها أرفع
الكواكب كالدر فى الجواهر. وقوله فى الرواية الأخرى: ((الكوكب الدرى الغابر من
الأفق)): كذا فى أكثر نسخ مسلم ((من الأفق)). و ((من)) لابتداء الغاية . قال بعضهم:
والأشبه هنا ما ذكره البخارى فى ((الأفق)) (١).
قال القاضى: قد ذكر أصحاب المعانى أن ((من)) تأتى لانتهاء الغاية ، كقولهم :
١٠٣/ ب رأيت الهلال من/ خلال السحاب، وهذا مثله . ولكن قولهم : إنه انتهاء غاية غير مسلم،
بل هو على بابه ، أى كان ابتداء رؤيته إياه ، وبابه إدراكه إنما كان من خلل السحاب ومن
الأفق الغربى. ومعناه : الغابر الزاهد الماضى، ومعناه : الذى تدلى للغروب وبَعُد عن العين.
وقد روى فى غير مسلم الغارب (٢) بتقديم الراء بمعنى ما ذكرناه ، وروى - أيضا -:
((العازب)) بالعين المهملة والزاى، ومعناه: البعيد فى الأفق، وكلها راجعة إلى معنى.
(١) البخارى ، ك بدء الخلق، ب ما جاء فى صفة الجنة ٤ /١٤٥ .
(٢) البخارى، ك الرقائق ، ب صفة الجنة والنار (٦٥٥٦).

٣٦٣
فیمن یود رؤية النبى ګ بأهله وماله
(٤) باب فيمن يود رؤية النبى عليه، بأهله وماله(١)
١٢ - (٢٨٣٢) حدثنا قُنَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْد الرَّحْمَن -
عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ قَالَ: ((مِنْ أَشَدِّ أُمَّى لِى حُبًا،
نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِى، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِى، بِأَهْلِهِ وَمَاله)) .
(١) لم يُعَلَّق عليه فى جميع النسخ .

٣٦٤
كتاب الجنة / باب فى سوق الجنة ... إلخ
(٥) باب فى سوق الجنة ، وما ينالون فيها من النعيم والجمال
١٣ - (٢٨٣٣) حدثنا أَبُو عُثْمَانَ، سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((إنَّ فِى الْجَنَّة
◌َسُوقًا ، يَأْنُونَهَا كُلَّ جُمْعَةً ، فَتَهُبُّرِيِحُّ الشَّمَّالِ فَتَحْثُو فِى وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمَّ، فَيَزْدَدُونَ
حُسْنَا وَجَمَالاَ ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَد ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاَ . فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ :
وَالله، لَقَد ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنَا وَجَمَالاَ . فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ ، وَاللهِ ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا
وَجَمَالاً )) .
وقوله: ((إنّ فى الجنة لسوقا)) الحديث، يريد: مجتمعاً لأهل الجنة، كما تجتمع إلى
السوق فى الدنيا ، وهذا يوم المزار (١) وهو يوم الجمعة ، ويوم المزيد ، كما قال فى الحديث.
وسُمى (٢) السوق سوقا ؛ لسوق من يأتيها من الناس ببضائعهم إليها . والسوق يذكر
ويؤنث .
وقوله: (( فتهب ريح الشمال )): بفتح الشين والميم ، قال صاحب العين : الشمال
والشمأل ساكنة الميم [ مهموز ] (٣) والشأمل بتقديم الهمزة ، والشمل بفتح الميم بغير ألف،
والشمول بفتح الشين وضم الميم : الريح ، وهى التى تأتى من دبر القبلة . وخص ريح
الجنة بالشمال - والله أعلم - بأنها ريح المطر عند العرب ، كانت (٤) تهب من الشام،
وبها يأتى سحاب المطر ، وكانت ترجى السحاب الشامية ؛ ولذلك أيضا سمى (٥) هذه
الريح فى الحديث الآخر: ((المثيرة))، أى المجداة (٦) كما قال: ((فتحثو فى وجوههم))
يعنى ما يثيره من مسك أرض الجنة وغير ذلك من نعيمها وهو مقابلة الجنوب .
٦
(١) فى الأبى : التزاور .
(٣) زائدة فى ح .
(٥) فى ح : سميت .
(٢) فى ح : سميت .
(٤) فى ح : فكانت .
(٦) فى ح : المحركة .

٣٦٥
كتاب الجنة / باب أول زمرة تدخل الجنة ... إلخ
(٦) باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر
وصفاتهم وأزواجهم
١٤ _ (٢٨٣٤) حدثنى عَمْرٌوَ النَّاقدُ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ
عُلَيََّ - وَاللَّفْظُ لَيَعْقُوبَ - قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدَ
قَالَ: إِمَّا تَفَاخْرُوا وَإِمَّ تَذَاكَرُوا: الرِّجَالُ فِى الْجَنَّةُ أَكْثَرُ أَمْ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَلَمْ
يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ عَّهُ: ((إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةَ تَدْخُلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدِرِ ، وَالَّتِى
تَلِيها عَلى أَضْوَاً كَوْكَب دُرِّيٌّ فِى السَّمَاءِ ، لِكُلِّ امْرِىٌّ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ ، يُرَى مُخْ
سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِى الْجَنّةِ أَغْرَبُّ؟)) .
( ... ) حدثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ :
اخْتَصَمَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ: أَيُّهُمْ فِى الْجَنَّةِ أَكْثَرُ؟ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ
عَِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ .
١٥ - ( ... ) وحدثنا قُنَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِد - يَعْنِى ابْنَ زِيَاد - عَنْ
عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُوِ زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَةٍ:
((أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)). ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ -
قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنَّ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ:
((إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةَ يَدْخُلُوُنَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدِر ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَىَ أَشَدِّ
كَوَكَب دُرِّىٌّ فِى السَّمَاءِ إضَاءَةً ، لا يُبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخطُونَ وَلا يَتْفُلُونَ ،
أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ .
أَخْلاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِد ، عَلَى صُورَةٍ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا ، فِى السَّمَاءِ)) .
مـ
وقوله : إما تفاخروا وإما تذاكروا : الرجال أكثر فى الجنة أم النساء ، وقول أبى
هريرة: أولم يقل - عليه السلام -: ((أول زمرة تدخل الجنة)) إلى قوله: (( بكل واحد
منهم زوجتان)) إلى قوله: ((وما فى الجنة عزب)) أى من لا زوجة له، قال الإمام
العزب: البعيد عن النساء، والعازب: البعيد [ عن ] (١) المرعى.
(١) من ح .

٣٦٦
كتاب الجنة / باب أول زمرة تدخل الجنة ... إلخ
١٦ - ( ... ) حدثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَن
الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِى صَالِحِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( أَوَّلَ زُمْرَةَ تدْخُلُ
الْجَنَّةِ مِنْ أُمَتَى عَلَى صُورَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّنَجْم فِى السَّمَاءِ
إِضَاءَةً ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ . لَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَبْقُونَ ،
أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، أَخْلاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ
وَاحِدٍ ، عَلَى طُولِ أَبِهِمْ آدَمَ ، سِتُّونَ ذِرَاعًا » .
ء
قَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ: عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ . وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ . وَقَالَ ابْنُ
أَبِى شَيْبَةَ : عَلَى صُورَةٍ أَبِيهِمْ .
قال القاضى: كان عند العذرى: ((أعزب)) وليس بشىء، وظاهر احتجاجه على أنّ
النساء أكثر فى الجنة ؛ لأنّه إذا كانت هذه الزمرة والنساء مثلاهم ومن عداهم أقلة أن يكون
النساء مثلهم ، دل على كثرتهم ، وأنهم أكثر من الرجال فى الجنة ، وجاء فى أهل النار
أن أكثرهم النساء (١) ، فخرج من جملة هذا أن أكثر بنى آدم النساء ، إذ هم أكثر أهل
الجنة وأهل النار وهذا كله فى الآدميات ، وإلا فقد جاء أن للواحد من أهل الجنة من
الحوريات العدد الكثير .
(١) سبق فى ك الإيمان برقم (١٣٢) عن ابن عمر، رضى الله عنهما.

٣٦٧
كتاب الجنة / باب فى صفات الجنة وأهلها ... إلخ
(٧) باب فى صفات الجنة وأهلها ، وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا
١٧ - ( ... ) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام
ابْنِ مُنْبِه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أُبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول اللـه ◌َّهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عٍَّ: (( أَوَّلُ زُمْرَةَ تَلِجُ الْجَنَّةَ، صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، لا
يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَّا يَتَغَوَّطُونَ فِيهَا، آنِيَتُهُمْ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ،
وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلَكُلِّ وَحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانَ ، يُرَى مَّخُ سَاقِهَمَا
مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ ، لاَ اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ ،
يُسَبِحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشيا)) .
١٨ - (٢٨٣٥) حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لعُثْمَانَ -
قَالَ عُثْمَان: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ ، عَنْ
جَابِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َّهُ يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةُ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ ، وَلَا يَتْفُلُونَ،
ولا يُّبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخطُونَ)). قَالُوا: فَمَّا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: (( جُشَاءٌ وَرَشْحٌ
كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ )).
وقوله: ((أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون)) : هذا مذهب أهل السنة وكافة المسلمين:
أنّ نعيم أهل الجنة وملاذها بالمحسوسات وغيرها من الملاذ العقليات كأجناس نعيم أهل
الدنيا ، إلا ما بينهما من الفرق الذى لايكاد يتناسب ، وأنّ ذلك على الدوام لا آخر له ،
خلافاً للفلاسفة وغلا (١) الباطنية من أنّ نعيم الجنة (٢) إنما هو لذات عقلية ، وانفصال من
هذا / العالم إلى الملأ الأعلى ، وهو عندهم المعبر به عن الجنة ، وهو مذهب كافة
النصارى. وخلافا لبعض المعتزلة فى أنّ نعيم أهل الجنة غير دائم ، وإنما هو إلى أمد، ثم
يُسْألُون (٣). وقال مثله جهم، إلا أنهم يفنون عندهم . وهذا كله خلاف ملة الإسلام
وسخف العقول والأحلام . والآثار الصحيحة وكتاب الله يدل على خلاف هذا كله . وقد
ذكر مسلم فى ذلك ، وفى دوام حالهم ، وأنه لا يتغير ولا يغنى ما فيه كفاية .
١/١٠٤
(١) فى ح : غلاة.
(٣) فى ح : يسكنون .
(٢) فى ح : أهل الآخرة .

كتاب الجنة / باب فى صفات الجنة وأهلها ... إلخ
٣٦٨
( .. ) وحدثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ ، عَنِ
الأَعْمَشِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِه: ((كَرَشْحِ الْمِسْكِ » .
١٩ - ( ... ) وحدثنى الحَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلْوَانِىُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كلاهُمَا عَنْ
أَبِى عَاصِمٍ . قَالَ حَسَنٌ : حَدَّثْنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيَجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
جَابِرَ بْنَ عَبْد اللـه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهُ: ((يَأْكُلُ أَهْلِ الجَنَّةَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ ، وَلا
يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ ، وَلَا يُبُولُونَ، وَلَكِنْ طَعَامُهُمْ ذَاكَ جُنَّاءٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ ،
يُلْهَمُوْنَ التَّسْبِيحَ والَحَمْدِ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ)) .
قَالَ : وَفِى حَدِيْثِ حَجَّاجٍ : ((طَعَامُهُمْ ذَلِكَ )) .
ومعنى: ((تشبُّوا ولا تهرموا)) (١) : أى يدوم شبابكم.
وقوله: ((ولا تبأسوا)) (٢): أى لا يصيبكم بأس، وفى (٣) الشدة فى الحال وتغيره
وهو البأس والبأساء والبؤس [ والبؤساء ] (٤) .
وقوله: ((ولا يمتخطون ولا يتفلون)) بكسر الفاء ، أى لا يبصقون ، كما جاء فى
الحديث الآخر مفسراً . والتفل والتفال : البصاق . والتفل : رميك الشىء من فيك ، يقال
من هذا : تفل يتفل ، فأما تفل بالكسر يَتَفَلُ بالفتح فمن نتن الرائحة ، ولو روى هنا
بالفتح لصح معناه .
وقوله : ((ورشحهم المسك)): أى عرقهم . ورواه السمرقندى فى حديث ابن أبى
شيبة وأبى كريب : (( ريحهم المسك )) وهو وهم ، والمعروف الأول .
وقوله: ((ومجامرهم الألوة)) : هو العود الهندى ، وقد تقدم الكلام فى هذا الحرف.
وقوله: ((على خلق رجل واحد)) (٥): بَيَّن مسلم اختلاف الرواة فيه ، وأن ابن أبى
شيبة قاله بضم الخاء واللام ، وأبو كريب بفتح الخاء وسكون اللام . وقد اختلف فى ضبطه
الرواة عن البخارى أيضا ، وكلاهما صحيحان ، وقد ترجح رواية الضم بقوله فى الحديث
الآخر : ((لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم قلب [ رجل ] (٦) واحد)) وقد يترجح
(٣) فى ح : وهى .
۔
(١، ٢) حديث رقم (٢٢) بالباب التالى .
(٤) من ح .
(٥) حديث رقم (١٦) بالباب السابق.
(٦) زيادة فى الأصل غير موجودة فى متن الحديث فى مسلم، بل هى عند البخارى بلفظ: ((قلوبهم على
قلب رجل واحد))، ك بدء الخلق ، ب صفة الجنة ٤/ ١٤٥ .

٣٦٩
كتاب الجنة / باب في صفات الجنة وأهلها ... إلخ
٢٠ - ( .. ) وحدثنى سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنِ أَبِى، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج ،
أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِىِّ ◌َّهِ. بِمِثْلِه. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (( وَيُلْهَمُونَ النَّسْبِيْحَ
وَاَلْتَكْبِيرَ ، كَمَا يُلَهَمُونَ النَّفَسَ )) .
رواية الفتح لقوله: ((على طول أبيهم آدم ستون ذراعا)) (١)، وحكى مسلم عن ابن أبى
شيبة أنه قال هنا: ((على صورة آدم)) وكلاهما صحيح ، وقد جاء فى الحديث الآخر :
((على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً)) (٢). وضبطنا هذا الحرف على أبى بحر: ((وطوله))
بالرفع، ولا يصح سواه ؛ لأن بعده: (( فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن)) .
(١) حديث رقم (١٦) بالباب السابق .
(٢) حديث رقم (١٥) بالباب السابق .

٣٧٠
كتاب الجنة / باب فى دوام نعيم أهل الجنة ... إلخ
(٨) باب فى دوام نعيم أهل الجنة، وقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَن تَلْكُمُ الْجَنَّةُ
أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)
٢١ _ (٢٨٣٦) حدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ مَهْدِىٌّ. حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ عَّهِ قَالَ: (( مَنْ
يَدْخُلُ الجَنََّ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ. لا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ » .
٢٢ _ (٢٨٣٧) حدثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - وَاللَّفْظُ لإسْحَقَ - قَالا:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق. قَالَ : قَالَ الثَّوْرِىُّ: فَحَدَّثَنِى أَبُو إِسْحَقَّ؛ أَنَّ الأَغَرَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى
سَعيد الْخُدْرِىِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َُّ، قَالَ: ((يُنَادِى مُنَاد: إنَّ لَكُمْ أَنْ تَصحُوا فَلا
تَسْقَمُوا أَبَدًا. وَأَنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيُوا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا. وَإِنَّ لَكُمْ أَنَّ تَشْبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًّا .
وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبَّأَسُوا أَبَدًا)) فَذَلَكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ
أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾.
(١) الأعراف : ٤٣ . وقد سبقت الإشارة إليه فى الباب السابق.

٣٧١
كتاب الجنة / باب فى صفة خيام الجنة ... إلخ
(٩) باب فى صفة خيام الجنة ، وما للمؤمنين فيها من الأهلين
٢٣ _ (٢٨٣٨) حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، عَنْ أَبِى قُدَامَةَ - وَهُوَ الْحَارثُ بْنُ عُبَيْد -
عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِىِّ ◌َّهِ قَالَ:
((إِنَّلِلْمُؤْمِنِ فِى الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةَ مُّجَوَّقَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلاً، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا
أَهْلُونَ ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا » .
٢٤ - ( ... ) وحدّثْنى أَبو غَسَّنَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَد، حَدَّثَنَا أَبُو
عِمْرَانَ الْجَوْنِىُّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْس، عَنْ أَبِيه؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ قَالَ:
((فِى الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةَ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ، مَا
يَرَوْنَ الآخَرِينَ ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ )) .
٢٥ _ ( ... ) وحدثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ، عَنْ أَبِى
عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى مُوسَى بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ قَالَ: ((الْخَيْمَةُ
دُرَّةٌ، طُولُهَا فِى السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا، فِى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ، لا يَرَاهُمُ الآخَرُونَ).
وقوله: ((إنّ للمؤمن فى الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة)) : كذا لهم بالفاء ،
وعند السمرقندى : [ مجوبة ] (١) بالباء فى حديث سعيد بن منصور ، والمعنى متقارب .
ومعنى رواية الباء : مثقوبة مفرغ داخلها ، وهو مثل مجوفة ، قال الله تعالى: ﴿وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ (٢) [أى] (٣) نقبوه ومزجوه، وجعلوا فيه بيوتا ومنازل، كما
قال: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ (٤)، والخيمة: بيت مستدير من بيوت الأعراب معروف.
وقوله: (( فى كل زاوية منها أهل للمؤمن ، لا يراهم الآخرون)» : أى ناحية ، يعنى
لسعته (٥) وبعد أقطاره . وإذا كان طوله فى السماء ستين ميلاً، أى فى الارتفاع [ كما ذكر
فى الحديث ] (٦) ، فما ظنك بطوله فى الأرض وعرضه ! وذكر مسلم فى الباب : حدثنا
أبو بكر بن أبى شيبة ، حدثنا يزيد بن هرون ، أنبأنا همام عن أبى عمران الجهنى. وسقط
من رواية ابن الحذاء (( يزيد بن هرون )) وإثباته الصواب .
(١) من ح .
(٢) الفجر : ٩ .
(٤) الأعراف : ٧٤ .
(٣) من ح .
(٥) فى ح : لسعتها .
(٦) فى هامش ح .

٣٧٢
-
كتاب الجنة / باب ما فى الدنيا من أنهار الجنة
(١٠) باب ما فى الدنيا من أنهار الجنة
٢٦ - (٢٨٣٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ الله بْنُ نُمَيْر
وَعَلَىُّ بْنُ مُسْهِر عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن نُمَيْرُ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَشْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَجِ: (( سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، كُلٌّ
مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ » .
وقوله: ((سيحان وجيحان والفرات والنيل، [كل] (١) من أنهار الجنة)): هذه
الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام النيل ببلاد مصر والفرات بالعراق ، وسيحان
١٠٤/ ب وجيحان - ويقال سيحون وجيحون - ببلاد خراسان . وقيل يحتمل أن المراد بذلك أنّ /
الإيمان عم بلادها وفاض عليها ، وأنّ الأجسام المتغذية بهذه المياه صائرة إلى الجنة ، ويحتمل
أنه على ظاهره ، وأنّ لها مادة من الجنة ، إذ الجنة موجودة مخلوقة عند أهل السنة ، وأنها
التى أُنزل منها آدم . وقد ذكر مسلم أول الكتاب فى حديث الإسراء : أنّ النيل والفرات
يخرجان من أصلها ، وبينه فى البخارى، فقال: (( من أصل سدرة المنتهى)) (٢).
(١) من ح .
(٢) البخارى، ك بدء الخلق ، ب ذكر الملائكة ٤/ ١٣٤.

٣٧٣
كتاب الجنة / باب يدخل الجنة أقوام ، أفئدتهم ... إلخ
(١١) باب يدخل الجنة أقوام ، أفئدتهم مثل أفئدة الطير
٢٧ _ (٢٨٤٠) حدثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ
اللَّيْثِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْد - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَِّّ ◌َِّ قَالَ : ((يَدْخُلُ الْجَنَةَ أَقْوَامٌ أَقْتَدَتُهُمْ مِثْل أَفْئِدَةِ الطَّرِ )) .
٢٨ _ (٢٨٤١) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْن مُنْبِّه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أُبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول اللـه ◌َ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا :
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ عَلَى صُورَتَهَ ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا
وقوله: ((يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير)) : يحتمل أنه أراد : فى رقتها
وضعفها ، كما قال لأهل اليمن: ((أرق قلوبا، وأضعف أفئدة))، وقد تقدم الكلام على
معناه (١) . ويحتمل أنه أراد : فى الخوف والهيبة . والطير أكثر الحيوان ذعراً وفزعاً ؛
ولهذا قالوا : أحذر من غراب ، وكالطائر الحذر ، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عباده العلماء﴾ (٢) ، فكأنه يريد بذلك قوما غلب عليهم الخوف، كما قد روى عن جماعة من
السلف وغيرهم ممن أماتهم الخوف ، وصدع قلوبهم الوعظ ، وفاضت أنفسهم عند سماع
الوعد والوعيد ، وتذهلت عقولهم عند مشاهدة الهول والحادث الشديد .
قال الإمام : ذكر مسلم فى الباب : حدثنا حجاج بن الشاعر ، حدثنا أبو النضر ،
حدثنا إبراهيم بن سعد ، حدثنا أبى عن أبى سلمة عن أبى هريرة . هكذا إسناد هذا
الحديث عن أبى العلاء ، وفى نسخة السجزى عن أبى أحمد مثله ، ووقع فى نسخة الرازى
والكسائى : حدثنى أبى عن الزهرى عن أبى سلمة بزيادة رجل فى السند وهو الزهرى ،
قال بعضهم : والصواب رواية أبى العلاء ومن تابعه ، ولذلك خرجه أبو مسعود من طريق
مسلم من حديث إبراهيم عن أبيه عن أبى سلمة قال : ولا أعلم لسعد بن إبراهيم رواية عن
الزهرى ، والله أعلم . وقال الدارقطنى (٣) فى كتاب العلل : لم يتابع أبو النضر على
وصله عن أبى هريرة ، والمحفوظ عن إبراهيم عن أبيه عن أبى سلمة مرسلاً . كذا رواه
يعقوب وسعد ابنا إبراهيم بن سعد ، قال : والمرسل الصواب .
قال القاضى: وقوله: (( خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا)) الحديث ،
تقدم الكلام فى هذا بوجوه مستوعبة .
(١) سبق فى ك الإيمان، ب تفاضل أهل الإيمان برقم (٨٤).
(٢) فاطر : ٢٨ .
(٣) الإلزامات والتتبع ص ١٢٨ .

كتاب الجنة / باب يدخل الجنة أقوام ، أفئدتهم ... إلخ
٣٧٤
خَلَقَه قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ - وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ جُلُوسٌ - فَاسْتَمِعْ مَا
يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيِّئُكَ وَتَحِيَّةُ دَرِّيَتَكَ)) . قَالَ : (( فَذَهَبَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . فَقَالُوا :
السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحَمَةُ الله)). قَالَ: ((فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ الله)). قَالَ: (( فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةٍ آدَمَ ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الآنَ )) .
وقوله هنا: (( طوله ستون ذراعًا)) يبين الإشكال ، ويزيح التشابه، ويوضح أنّ
الضمير راجع إلى آدم نفسه ، وأنّ المراد على هيئته التى خلقه عليها ، لم ينتقل فى النشأة
أحوالا ولا تردد فى الأرحام أطوارًا . وقد مرّ من هذا ، ويكون معناه : على الصورة التى
كان بها فى الأرض وأنه لم يكن فى الجنة على صورة أخرى ، ولا اختلفت صفاته
وتصوراته اختلاف تصورات الملائكة فى أصول صورهم . وفى الصور التى يتراءون فيها
[غالبا ] (١) للخلق.
وقوله: (( اذهب فسلم على أولئك النفر ــ وهم نفر من الملائكة جلوس)) : فيه تسليم
الواحد على الجميع ، والماشى على الجالس ، وقد مرّ منه .
وقوله: ((واستمع ما يحيونك به من التحية))، ويروى: ((يجيبونك)) من الجواب.
فيه رد السلام ، والتعليم بالفعل .
:
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم.

٣٧٥
كتاب الجنة / باب فى شدة حر نار جهنم ... إلخ
(١٢) باب فى شدة حرّ نار جهنم، وبعد قعرها
وما تأخذ من المعذبين
٢٩ - (٢٨٤٢) حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْص بْن غِيَات، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ الْعَلَاءِ بْن خالد
الْكَاهِلِىِّ، عَنْ شَقيق، عَنْ عَبْد الله، قَالَ: قَالَ رَّسُولُ الَّلِهِعَّه: ((يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا
سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامَ ، مِّعَ كُلِّ زِمَامَ سَبَّعُونَ أَلْفَ مَلَك يَجُّرُونَهَا)) .
٣٠ (٢٨٤٣) حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا الْمُغيرَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْد الرَّحْمَن
الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً ؛ أَنَّ النَّبِّ ◌َهُ قَالَ: «نَارُكُمَّ
هَذَهَ، الَّتِى يُوقِدُ ابْنُّ آدَمَ، جُزْءٌ مَنْ سَبْعِينَّ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمْ)). قَالُوا: وَالله، إنْ كَانَتْ
لَكَافَيَّةً يَارَسُولَ اللهِ! قَالَ: ((فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بَتَسْعَةٍ وَسِتِّيْنَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثَلُ حَرِّهَا)).
( ... ) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبَه،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ يَّهُ. بِمِثْلِ حَديثِ أَبِى الزَّنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (( كلُّهُنَّ مِثْلُ
٠٠
حَرِّهَا)) .
٣١ - (٢٨٤٤) حدثنا يَحْيَى بْنُ أُّوبَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةً، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّه؛ إِذْ سَمِعَ وَّجِبَةً .
فَقَالَ النَّبِّ عَّهَ: ((تَدْرُونَ مَا هَذَا؟)). قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولَهُ أَعَلَمُ. قَالَ: (( هَذَا حَجَرٌ
قال الإمام : وخرج مسلم فى أول باب صفة النار : حدثنا عمر بن حفص قال :
حدثنى أبى عن أبى العلاء بن خالد الكاهلى ، عن شقيق . ووقع فى نسخة أبى العلاء بن
ماهان بدل ((الكاهلى)): ((الباهلى))، وهو وهم، وصوابه: الكاهلى . وكاهل من بنى
أسد بن خزيمة .
١٠٥ /أ
قال القاضى: وهذا الحديث مما استدرك / على مسلم ، وتبعه عليه الدارقطنى (١)،
قال: ورفعه وهم ، رواه الثورى ومروان وغيرهما عن العلاء مرفوعا .
وقوله: إذ سمع وجبة فقال: (( هذا حجر رمى به فى النار)) : أى وقعة وهزة ،
يريد: صوت سقوطه، ومنه: (( فسمعتم وجبتها))، قال الإمام : أى سقطتها ، يقال :
وجب الشىء وجبا : سقط ، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢).
(١) الإلزامات والتتبع ص ٢٢٦ .
(٢) الحج : ٣٦ .

--
كتاب الجنة / باب فى شدة حر نار جهنم ... إلخ
٣٧٦ -
رُمَى بِهِ فِى النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِى فِى النَّارِ الآنْ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا)) .
( ... ) وحدثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ ، قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيّرَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((هَذَا وَقَعَ فِى أَسْفَلِهَا،
فَسَمِعْتُمْ وَجْتَهَا )) .
٣٢ - (٢٨٤٥) حدثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثْنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ
ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن ، قَالَ : قَالَ قَتَادَةُ: سَمَعَّتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةً؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَبِىَّ
الله عََّ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأَخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيَهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ،
٠٠٠٠٠
وَمَنْهُمْ مَنْ تَأَخُذُهُ إِلَى عُنُقِهِ » .
٣٣ - ( ... ) حدثنى عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى ابْنَ عَطَاء -عَنْ
سَعِيد، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ بَنْ جُنْدَّب؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ
قَالَ: ((مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَخُذُهُ النَّارُ إِلَي رُكْبَيْهِ ، ومِنْهُمْ مَنْ
تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَّى حُجْزَتِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَّى تَرْقُوتِهِ)) .
( ... ) حدثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ، قَالا: حَدَّثْنَا رَوْحٌ، حَدَّثْنَا سَعِيدٌ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَجَعَلَ مَكَانَ ((حُجْزَتَهِ)): ((حَقْوَيْهِ )) .
بے
قال القاضى فى رواية ابن عباد فى هذا الحديث: ((وقال هذا وقع فى أسفلها)) كذا فى
عامة النسخ ، قيل : وجهه : هذا حجر وقع . وقد جاء هذا الحديث فى كتاب القاضى
التميمى: (( الآن وقع فى أسفلها)) وهو يبين مدى اختلاف الرواية ؛ لأنّ فى الحديث قبله:
(( الآن انتهى إلى قعرها)).
وقوله: ((ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته)): هى معقد السراويل والإزار.
وقوله: ((ومنهم من تأخذه إلى ترقوته)) بفتح التاء وضم القاف ، هو العظم الذى
بين ثغرة النحر والعاتق .

٣٧٧
كتاب الجنة / باب النار يدخلها الجبارون ... إلخ
(١٣) باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء
٣٤ - (٢٨٤٦) حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((احْتَجَّتِ الْنَارُ وَالْجَنَةُ، فَقَالَتْ هَذهَ:
يَدْخُلُنَى الْجَبَّارُونَ وَالْمُنْكَبِّرُونَ. وَقَالَتَ هَذه: يَدْخُلُنى الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ . فَقَالَ اللهُ -
عَزَّ وَجَلَّ - لِهَذِه: أَنْتِ عَذَابِى، أُعَذِّبُ بِكَ مَّنْ أَشَاءُ - وَرَبَّمَا قَالَ: أُصيبُ بِك مَنْ أَشَاءُ -
وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتَ رَحْمَتِى أَرَّحَمُ بِكِ مَنَ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَنْكُمَا مِلَؤُهَا)) .
٣٥ _ ( ... ) وحدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنِى وَرْقَاءُ ، عَنْ أَبِى الزَّنَادِ ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ بَّهُ قَالَ: ((تَحَاجَّت النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَّت النَّارُ:
أُوَثَرَتُ بالَمُتْكِرِينَ وَالْمُتَجَبَرِينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فَمَالِى لاَ يَدْخُلُنِى إلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ
= ويَرررومه
وَسَقْطُهُمَّ وَعَجَزُهُمْ ؟ فَقَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِى أَرْحَمُ بِكِ مَّنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِى .
وَقَالَ لِلنَّارِ : أَنْت عَذَابِى، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاء مِنْ عِبَادِى. وَلَّكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَّكُمَ مِلْؤَهَا ،
فَأَمَّا النَّارُ فَلا تَمْتَّلِىُّ، فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ . فَهِنَالِكَّ تَمْتَلِئُ . وَيُزْوِى
بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ )) .
وقول الجنة: (( لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم)) ويروى: ((وسقاطهم
وعجزهم)»: سقطهم، بفتح السين والقاف ، السقط من كل شىء : ما لا يعتد به . وسقط
المتاع: رديئه. وكذلك كل شىء سقاطته مثله ، والساقط والساقطة من الناس السفلة واللئيم.
وقوله : ((وعجزهم)) بفتح ، العين والجيم ، جمع عاجز ، وهو العيى الضعيف ،
قيل : العجاز فى طلب الدنيا . كذا فى حديث ابن رافع عن شبابة ، ولبعض الرواة فى
حديث ابن رافع عن عبد الرزاق مثله، إلا أنه قال: ((وعجزتهم))، وعند أكثر شيوخنا :
(( وغرثهم )) بفتح الغين المعجمة وفتح الراء وثاء بعدها مثلثة ، ومعناه قريب من قوله :
((ضعفاؤهم وسقطهم))، أى مجاويعهم. والغرث: الجوع. ورواه الطبرى: ((غرّتهم))
بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وتاء باثنتين فوقها ، ومعناه قريب مما تقدم ، أى بلههم
وغافلوهم، كما قال فى الحديث الآخر: ((أكثر أهل الجنة البله)) (١). سماه بالمصدر،
أى ذوو الغرة ، والبله منهم ، ومعناه : سواد الناس وعامتهم من أهل الإيمان بالله ،
الذين لا يتفطنون للشبه فيدخل عليهم الاختلافات ويلقيهم فى الأهواء ، وهم صحاح
العقائد ، ثابتو الإيمان ، وهم أكثر المؤمنين .
(١) انظر: الكامل لابن عدى ٣/ ١١٦٠، ومجمع الزوائد ١٩/٨.

٣٧٨
كتاب الجنة / باب النار يدخلها الجبارون ... إلخ
( ... ) حدثنا عَبْدُ الله بْنُ عَوْن الْهلالىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ - يَعْنِى مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْد -
عَنْ مَعْمَرَ، عَنْ أُوبَ، عَّنْ ابْنِ سِّيرِيَنَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ: (( احْتَّجْت
الْجَنَّةُ وَالنَّارُ)) . وَقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِى الزِّنَادِ .
٣٦ - ( ... ) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام
ابْنِ مُنَبه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أُبُو هُرَيْرَةً عَنْ رَسُول اللـه عَّهُ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((تَحَاجَّت الْجَنَّةُ وَالنَّارُ. فَقَالَت النَّارُ: أُوثرتُ بِالْمُتَكَبِّرِيَنِ وَالَّمُتَجَبَرِينَ.
وَقَالَتْ الْجَنَّةُ : فَمَالِ لا يَدْخُلُنِى إلا ضُعَفَاءُ النَّاسَِ وَسَقَطُهَمْ وَغَرَّتْهُمْ؟ فَقَالَ اللهُ للَجَنَّة:
إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِى أَرْحَمُ بِكِ مَّنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِى. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِى، أُعَذِّبُ
بَكِ مَنْ أَشَاء مَنْ عِبَادِىَ. وَلَكُلِّ وَاحِدَةَ مَنَّكُمَا ملؤُهَا، فَأَمََّ النَّارُ فَلا تَمَتَلِئْ حَتَّى يَضَعَ
اللهُ - تَبَارَكَ وَتَّعَالَى - رِجْلَهُ. فَتَقُولُ: قُطْ قَطْ قَطْ . فَهِنَالكَ تَمْتَلِئُ. وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى
بَعْضٍ ، وَلا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ يُنْشِئُّ لَهَا خَلْقًا)) .
ء
وأمّا العارفون والعلماء والحكماء فالأقل ، وهم أصحاب الدرجات العلى ، وقيل :
البله فى أمر دنياهم ، وقيل: معنى الضعفاء هنا وفى الحديث الآخر: (( أهل الجنة كل
ضعيف متضعف)) (١) أنه الخاضع لله ، المذل نفسه لله تعالى. ضد المتجبرين المستكبرين.
قال أبو بكر بن خزيمة : الضعيف هنا : الذى يبرى نفسه من الحول والقوة فى اليوم
عشرين مرة إلى خمسين . ولم يرد الشيخ - والله أعلم - التحذير من حول وقوة، إنما أراد
اتصافه بالتبرى من الحول والقوة واللجأ إلى الله متى يذكر .
وقوله: ((فلا تمتلئ حتى يضع رب العزة فيها قدمه))، وفى رواية ((عليها قدمه))
وفى رواية: ((رجله، فتقول قط قط)) بالسكون، و((قط قط)) بالكسر غير منون وبالتنوين،
قال الإمام: أى حسبى، ((وقطنى)) بمعنى ((حسبى))، ومنه قول الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطى
أى : حسبى .
قال القاضى: ومعنى ((تنزوى)): تنقبضٍ ويجتمع على أهلها ومن ألقى فيها ،
١٠٥/ ب وتشتعل بعذابهم، أى / تنقبض عن سؤال: ﴿هلَ مِن مَزِيدٍ﴾ (٢) لملئها.
قال الإمام : هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التى وقعت موهمة للتشبيه ولما نقله
الأثبات ، واشتهر عند الرواة ، كلف العلماء قديما وحديثا الكلام عليه والنظر فى تأويله ،
فمنهم من حمل القدم على السابق المتقدم ، ويقال للمتقدم : قدم ، فيكون تقدير الحديث :
حتى يضع الجبار فيها من قدم لها من أهل العذاب ، وهذا كقوله تعالى : ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ
(١) حديث رقم (٤٦) بالباب.
(٢) ق : ٣٠.

٣٧٩
كتاب الجنة / باب النار يدخلها الجبارون ... إلخ
(٢٨٤٧) وحدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِى صَالِحِ،
عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةِ: ((احْتَّجت الْجَنَّةُ وَالنَّارُ)) . فَذَكُرَ
نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ((وَلَكِلَيْكُمَا عَلَىَّ مِلُؤُهَا) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ.
٣٧ _ (٢٨٤٨) حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ
قَتَادَةً ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِك؛ أَنَّ نِبِىَّ اللهِ عَهُ قَالَ: ((لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيد،
حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَدَمَهُ. فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَعِزَّتَكَ . وَيُزْوَى
بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)) .
عندَ رَبِّهِمْ﴾ (١)، معناه: التقدم والسبق، لا قدم الرجل، فإذا وقع مثل هذا (٢) فى القرآن
حملنا ما وقع فى السنة عليه ، وإلى هذا مال النضر بن شميل. وقد أشار ابن الأعرابى إلى
أن القدم يعبر به عن هذا المعنى ، ولكن فى الشرف والجلالة .
ويحتمل أن يكون المراد ها هنا بالحديث : قدم بعض خلقه ، وتكون الإضافة هنا إلى
الله - سبحانه - إضافة فعل لا إضافة جارحة .
وقد قال بعضهم : يحتمل أن يريد أن الله - سبحانه - يخلق فى الآخرة خلقا يسمى
بهذه التسمية ، فلا تمتلئ النار إلا به .
ويحتمل وجها آخر على رواية من رواه: (( حتى يضع الجبار)) أنْ يريد به الشيطان ؛
لأنه أصل الجبارين ، أو يريد به أحد الكفرة من الجبابرة ، فيكون المعنى : لا تمتلئ حتى
يضع إبليس فيها قدمه ، أو هذا المشار إليه .
وأمّا ما خرّجه مسلم فى بعض طرقه: (( حتى يضع الله رجله)) فقد أنكر هذه اللفظة
بعض أهل العلم ، وزعم ابن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل ، ولكن لابد من تأويلها
لأجل تخريج مسلم لها وهو كما وصفناه فى كتابنا هذا أولاً ، ووصفنا أحاديثه ، فيصح أن
يكون المراد ها هنا : رجل بعض خليقته ، وأضاف ذلك إليه عز وجل إضافة فعل لا إضافة
جارحة ، كما قدمناه فى القدم .
ويصح فيه تأويل آخر أيضا وهو: أن يكون المراد ها هنا بالرجل : الجماعة من الناس،
كما يقال : رجل من جراد ، أى جماعة من جراد . وقد وقع ذلك فى أشعار كثيرة .
وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله - سبحانه -
(١) يونس : ٢ .
(٢) فى ح: ذلك .

٣٨٠ -
كتاب الجنة / باب النار يدخلها الجبارون ... إلخ
( .. ) وحدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَد بْنُ عَبْد الْوَارِث، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ
يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَثْنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ، عَنْ النَّبِىِّ ◌َّهُ. بِمَّعْنَى حَدِيثِ شَيَْنَ.
-.-
لم يصح حمله على ما يقوله المجسمة ، من إفادته إثبات الجارحة لله - تعالى الله عن
قولهم. وقد قام الدليل القاطع العقلى على استحالة ذلك عليه جلّ وعلا ، وهذا واضح .
قال القاضى : وقد قيل : إنها عبارة عن شدة القدرة والقهر للنار ، ومنه قولهم :
وطئ الجيش بنى فلان ، وقال الشاعر :
فوطئن وطنًا على خنق
وقيل : القدم هنا مستعار للذلة فى قولهم : وضعت رجلى على قفاه .
وأظهر التأويلات فيها عندى ما تقدم ؛ من أنهم قوم يقدم علم الله وقضاؤه كونهم من
أهلها ، أو خلقهم لها ، كما قال فى الحديث نفسه فى الجنة: ((ولا يزال فيها فضل حتى
ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة)). وقوله: ولكل واحدة منكما ملؤها)). وقوله
فى النار: ((فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ)) فالحديث يفسر بعضه بعضا ، ويرفع مفسره
الإشكال عن مجمله ومتشابهه .
وفى هذا الحديث حجة لأهل السنة أن الثواب والعقاب غير مستحق بالأعمال ، وقمع
للمعتزلة والقدرية فى إثباتهم الثواب والعقاب على جهة العقل ، وأنه بحسب الأعمال ولا
يصح إلا عليها. وانظر كيف قال هنا للجنة: (( فينشئ الله لها خلقا مما يشاء)) يدل أنهم
١/١٠٦ ممن / لم يوجد ، وكان هذا ظاهره وعلى هذا يحمل أمر أولاد المؤمنين، وإيلام الأطفال
والبهائم ، وغير ذلك مما يفعل منه ما شاء . ولهم فى هذا اختلاط واختلاف وروغان لم
يخلصهم ، والكلام فيه تطويل .
وقوله فى آخر الحديث: ((ولا يظلم الله من خلقه أحدًا)): يحتمل أنه راجع إلى ما
قلناه ، وأنه - تعالى - يعذب من يشاء ابتداء ويخلقه لذلك ، غير ظالم له ، كما قال :
(أعذب بك مَنْ أشاء مِنْ عبادى))، ويحتمل أنّه راجع إلى ذكر محاجة الجنة والنار، وأنّ
الذى جعل لكل واحد منهما عدل منه وحكمة ، باستحقاق كل طائفة منهم لذلك ، ولم
يظلم أحدًا منهم .
وفى جملة هذا الحديث ، وأنّ النار تحتاج إلى مزيد ، وأن الجنة يبقى فيها فضل حتى
تمتلئ أى ممن ذكره : دليل على عظمها ، وسعة أقطارها ، مع ما جاء أنه يعطى للواحد مثل
الدنيا وعشرة أمثاله . فسبحان القادر على ما يشاء ، الواسع الرحمة والعطاء ، العظيم الملك
الفعال لما يشاء .