Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ هِلاَلَ بْنَ أُمَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهَ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: ((لا، وَلَكنْ لاَ يَقْرَبَنَّك)) فَقَالَتْ: إِنَّهُ، وَاَللهِ، مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَىءٍ . وَوَاللهِ ، مَازَالَ بَيْكِى مُنْذُ كَانَ مِنّ أَمْرِهِ مَا كَانَ، إِلَى يَوْمِهِ هَذَا . قَالَ: فَقَالَ لى بَعْضُ أَهْلِى: لَوِ اسْتَذَنْتَ رَسُولَ اللهِ عَّهُ فِى امْرَأَتِكَ ؟ فَقَدْ أَذْنَ لِامْرَأَةُ هلَاَل بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَّهُ. قَالَ فَقُلتُ: لَاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِعَّهُ ، وَمَا يُدْرِيِنِى مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ لَّه، إذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ. قَالَ : فَلَبْتُ بِذَلَكَ عَشْرَ لَيَال، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِىَ عَنْ كَلاَمِنَا. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَةَ الْفَجْرِ صَبَّاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَال الَّتِى ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَّىَّ نَفْسِى وَضَاقَتْ عَلَى الأَرْضَُ بِمَا رَحُبَتَّ سَمِعتُ صَوْتَ صارخٍ أَوْ فَى عَلَى سَلَعِ، يَقُولُ بِأعْلَى صَوْتِهِ : يَا كَعْبُ بْنَ مَالِك ، أَبْشِرْ. قَالَ : فَخَرَرْتُ سَاجِداً وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ . قَالَ : فَآذَنَ رَسُولُ اللهِ عَهُ النَّاسِ بَتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، حينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجرِ. فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَىَّ مُبَشِرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَىَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِى، وَأَوْفَى الْجَبَل، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَا جَاءَتَى الذَّى سَمَعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرِّنِى، فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَىَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّهُ بِبِشَارَتَه . وَالله، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَذْ، ء لزوجها ، وأنه من حسن عشرتها [ له ](١) وحقه عليها ، وإن لم يقض به . وقوله: (( قد ضاقت [ على الأرض بما رحبت)) أى بما اتسعت ، أى على سعتها والرحب ](٢): السعة ، ومنزل رحب ورحيب ورحاب . وقوله: ((سمعت صارخا أوفى على سلع)): أى أشرف وعلا عليه. و ((سلع)) جبل بالمدينة معروف ، بفتح السين وسكون اللام . وقوله: ((أبشر يا كعب . وذهب الناس يبشروننا))، وكسوته ثوبيه للبشير : دليل على جواز البشارة والتهنئة بين الناس فيما يسر من أمر الدنيا والآخرة ، وجواز إعطاء البشير جعلاً على بشارته ومكافأته . وقوله : (( واستعرت ثوبين فلبستهما)) : فيه جواز عارية الثياب عند الضرورة وقد كره (٢) سقط من ز ، والمثبت من ح . (١) ساقطة من ح . ٢٨٢ كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ وَاسْتُعرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَأَمَّمُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ. يَتَقَّانِى النَّاسُ فَوْجًا فَوجًا ، يُهَنَّتُونِى بِالثَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ: لتَهْئُكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلتُ المَسْجِدَ ، فَإِذَا رَسُولُ اللـه عَُّ جَالسٌ فى المَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ النَّاسَُ . فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِى وَهَنَّأَنِى. وَاللهِ، مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. قَالَ : فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَّلْحَةَ . قَالَ كَعْبُ: فَلَمَا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَِّ قَالَ - وَهُوَ يَبْرِقُ وَجْهُهُ منَ السَّرُورِ وَيَقُولُ -: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)). قَالَ : فَقُلتُ: أَمِنْ عندكَ يَارَسُولَ الله، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: ((لاَ، بَل مِنْ عند الله)). وَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَهَ إِذَا سُرَّ اسْنَارَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ وَجَهَهُ قطْعَةُ قَمَر. قَالَ : وَكُنَّا نَعَرَفُ ذَلِكَ . قَالَ: فَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِى صَدَقَةً إِلَى الله وَ إِلَى رَسُولِهِعَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( أَمْسِكْ بَعْضَ مَالكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) قَالَ: فَقُلْتُ : فَإِّى أُمْسِكُ سَهْمِىَ الَّذِى بَخَيْبَرَ. قَالَ: وَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله، إِنَّ اللهَ إِنَّمَا أَنْجَانِى بِالصِّدْقَ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتَى أَلَّ أَحَدِّثَ إِلَّ صدْقًا مَا بَقِيتُ، قَالَ: فَوَ الله، مَا عَلَمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَأُهُ اللهُ فِى صِدْقِ الَحَدِيثَ، مُنْذَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُوَل الله ◌َّهِ إِلَى يَوْمِى هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّ أَبْلَانِىَ اللهَّ بِهَ. وَاللهِ، مَا تَعَمَّدْتُ كَذْبَةً مُنَذُ قُلتَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ◌َّهُ، إِلَى بَوْمِى هَذَا، وَإِنِى لِأَرْجُوَ أَنْ يَحْفَظَنِى اللهُ فِيمَا بَقِىَّ. ذلك مالك فى العتبية ، يريد : لأنه ليس من مكارم الأخلاق ، لا من المعير ولا من المستعير . وأما عند الضرورة فحال آخر منهما . وقوله: ((فانطلقت أتأمم رسول الله عليه)): أى أقصده ((وتلقانى الناس فوجاً فوجاً)) أى جماعة جماعة ، يهنئونه بالتوبة . ٨٩ / ١ وقيام طلحة له حتى صافحه دليل على جواز التهنئة والقيام والتلقى للقادم من سفر / ولمن عزاه أمر عظيم ، مثل هذا ، وجواز المصافحة . وقوله: ((إن من توبتي أن أنخلع من مالى)): فيه شكر نعم الله تعالى بالعمل الصالح والصدقة ، قال الله تعالى: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾(١). (١) إبراهيم : ٧ . ٢٨٣ كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ لَقَد تَّبَ اللَّهُ عَلَى النَِّىِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). قَالَ كَعْبُ: وَاللهِ، مَا أَنْعَم اللهُ عَلَىَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ ، بَعْدَ إِذْ هَدَانِى اللهُ لِلإِسْلاَمِ ، أَعْظَمَ فِى نَفْسِى، مِنْ صِدْقِى رَسُولَ اللهِ عَ. أَلَّ أَكُونَ كَذَبَتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوا . إنَّ اللهَ قَالَ للَّذِينَ كَذَّبُوا - حينَ أَنْزَلَ الْوَحْىَ - شَرَّ مَا قَالَّ لأحَد . وَقَالَ الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمَّ إِذَا انْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾(٢) قَالَ كَعْبُ: كُنَّا خُلِّقْنَا - أَيُّهَا الثَّلاثَةُ - عَنْ أَمْرَ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبَلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ عَّهُ حِينَ حَلَفَوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ أَمَرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ فيه . فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذى ذَكَرَ اللهُ ممَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّنَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرِنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيّهِ فَقَبَلَ مِنّهُ . وقوله: ((أمسك بعض مالك فهو خير لك)) : دليل على كراهة صدقة الرجل جميع ماله ويبقى عالة . وقوله: ((فوالله ما علمت أحداً أبلاه الله فى صدق الحديث أحسن مما أبلانى الله به)): أى أنعم الله عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِى ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٣) أى نعمة. والابتلاء ينطلق على الخير والشر . وأصله : الاختبارِ ، وأكثر ما يأتى مطلقا فى الشر، فإذا جاء فى الخير جاء مقيداً، كما قال تعالى: ﴿بلاء حسنا﴾(٤)، وكما قال هنا: أحسن مما أبلانى . قال ابن قتيبة : يقال : أبلاه الله يبليه إبلاء حسنا ، وبلاه الله يبلوه فى السوء . وقال صاحب الأفعال: بلاه الله بالخير والشر بلاء: اختبره به ، وصنعه له، وابتلاه(٥) بلاء حسنا : فعله به . وقوله: ((وأرجى رسول الله عَّهُ أمرنا)): أى أخره، قال الله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ ﴾(٦) قرئ بالهمز والتسهيل . (١) التوبة : ١١٧ - ١١٩ . (٣) البقرة : ٤٩ . (٢) التوبة ٩٥ ، ٩٦ . (٤) الأنفال : ١٧ . (٦) الأحزاب : ٥١ . (٥) فى ح : وأبلاه. ٢٨٤ كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ ( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حجَيْنُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَّيْل، عَنِ ابْنِ شِهَاب بِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. سَوَاءً . ٥٤ _ ( .. ) وحدّثنى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ ، ابْنُ أَخِى الْزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمِّهِ، مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبَّدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ ◌ُبَيْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ - وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ حِينَ عَمِى - قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالك يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ، حَيْنَ تَخَلَّف عَنْ رَسُول اللهِ عَّهُ فِى غَزْوَةَ تَبُوكَ. وَسَاقَ الحَدِيثَ . وَزَادَ فِيه ، عَلَّى يُونُسَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إَلاَ وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تلكَ الْغَزْوَةُ. وَلَمْ يَذْكُرْ، فِى حَدِيثِ اِبْنِ أَخِى الزُّهْرِىِّأَبَا خَثَمَةَ وَلُحُوقَهُ بِالَِّّ ◌َّهُ. وقوله: (( لا يريد غزوة إلا ورى بغيرها)): أى ستر وراء ظهره . قالوا : وأصله من وراء ، كأنه جعل البيان وراء ظهره . وقوله : ((وكان أوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله عَمّ)): أى أحفظهم. وقوله فى حديث مسلمة بن شبيب: (( لم يتخلف فى غزوة غزاها قط غير غزوتين )) وذكر الحديث ، وفى رواية العذرى: ((غير غزوة تبوك)) [ هذا لأنه أحال على الحديث المقدم. قال فيه: ((غير غزوة تبوك ] (١) ، غير أنى تخلفت فى غزوة بدر ، ولم يعاقب الله أحداً تخلف عنها ؛ لأنه خرج يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد)) . وقد يحتمل صحة الرواية الأخرى لأنهما غزوتان كما تراه . وقوله فى أول الحديث: ((فقلّ رجل يريد أن يتغيب ، يظن أن ذلك سيخفى له )) كذا فى جميع نسخ مسلم ، وصوابه: (( ألا يظن أن ذلك سيخفى له )) وكذا فى البخارى(٢). وقوله : (( ما أنعم الله على من نعمة قط غير أن هدانى للإسلام أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله عَّة، ألا أكون كذبته)) بفتح الهمزة وتشديد اللام ((فأهلك كما أهلك الذين كانوا )) كذا فى نسخ مسلم وكثير من روايات البخارى ، ومعناه : أن أكون كذبته فأهلك ، كما قال تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك﴾(٣) [أى ](٤) أن تسجد، و(لا)) (١) سقط من ح ، والمثبت من ز . (٣) الأعراف : ١٢ . (٢) ك المغازى، ب حديث كعب بن مالك ٦ / ٣ . (٤) فى هامش ح . ٢٨٥ كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ ٥٥ _ ( ... ) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبيب، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقُلٌ - وَهُوَ أبْنُ عُبَيَدِ الله - عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحَمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بِنِ مَلِكِ، عَنْ عَمِّه عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْب - وَكَانَ قَائِدَ كَعْب حِينَ أُصيبَ بَصَرُهُ ، وَكَانَ أَعْلَمَّ قَوْمه وَأَوْعَاهُمْ لأَحَادِيثَ أَصْحَّابِ رَسُول اللَّهِ عٍَّ ـ قَالَ: سَمَعْتُ أَبِى - كَعْبَ بْنَ مَالِكِ - وَهُو أَحَدُ الثَّلَثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُول اللـهِ لَّهُ فِى غَزْوَةَ غَزَاهَا قَطُّ ، غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ. وَسَاقَ الَحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: وَغَزَا رَسُولُ اللهِ لَّهُ بِنَاسِ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَةِ آلاَفِ ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظٍ . ء 1 زائدة. وفى رواية الأصيلى عن البخارى: ((إلا أن أكون كذبته)) والأول الصواب / وذكر ٨٩ / ب مسلم فى سند الحديث من رواية يونس عن الزهرى ، وفيه : أنّ عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بيته حين عمى ، قال : سمعت كعب بن مالك ، ثم ذكر مثله من رواية عقيل عن الزهرى، وذكر الحديث من رواية ابن أخى الزهرى ، وقال فيه : أنّ عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بيته وكذلك ذكره من رواية معقل بن عبيد الله، قال أبو الحسن الدارقطنى (١): وتابع معقلاً على قوله هذا صالح بن أبى الأخضر، وكلاهما لم يحفظا ، والأول الصواب ، يريد قول من قال : عبد الله غير مصغر ، ولم يذكر البخارى فى التاريخ عبد الله بن كعب بن مالك، وإنما ذكر عبيد الله فقط ، ولم يذكر فى الصحيح رواية مَنْ روى عبيد الله . (١) الإلزمات والتتبع ص ٢٤٣. ولفظه: وتابع معقلا صالح بن أبى الأخضر على ((عبيد الله)) وكلاهما لم يحفظ ، والأول الصواب ، وقال بعد ذلك مباشرة وبدون فصل : وأخرجا جميعا ، حديث ابن جريج عن الزهرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه، وعمه عبيد الله عن كعب، أن النبى عَّة كان إذا قدم من سفر ضحى بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين . من رواية أبى عاصم وعبد الرزاق ، وقد خالفهما أبو أسامة ، رواه عن ابن جريج عن الزهرى عن عبد الرحمن عن أبيه . وكذلك قال عبد الرزاق عن معمر وقال حجاج عن الليث عن عقيل عن الزهرى عن ابن كعب عن كعب ، وحديث ابن جريج الأول عندى أصحهما ولا يضره من خالفه. ص ٢٤٤، ٢٤٥ . ٢٨٦ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ (١٠) باب فى حديث الإفك، وقبول توبة القاذف ٥٦ - (٢٧٧٠) حدّثْنا حبَّانُ بْنُ مُوسَى، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ الُبَارِك، أخْبَرَنَا يُونُسُ ابْنُ يَزِيدَ الأَيْلِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الخَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزََّقِ، أَخْبَرَنَا مِعْمَرٌ والسِّيَاقُ حَديث معمر مِنْ رِوايَةٍ عبد وابنِ رافعٍ، قَالَ يُونُسَ ومَعْمَرَ جَمِيعاً عَنْ الزُّهَرِيِّ : أخْبَرَنَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبَ وَعُرْوَةَ بْنُّ الزُّبَيْرَ وَعَلَّقَمَةُ بْنِ وَقَّاص وَعُبَيْدُ الله بْنُ عَبْد الله بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسَعُودٍ عَنْ حَدِيثَ عَائِشَّةٌ - زَوْجُ النَّبِىِّ ◌َّهِ - حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإنْكِ مَا قَالُوا، فَبََّهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا. وَكُلُّهُمْ حَدَّثِى طَائِقَةٍ مِنْ حَدِيثِها، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضِ، وَثْبَتَ اقْتصاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدَ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِى حَدَّثَنِى. وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضا. ذَكَرُوا: أنَّ عَائِشَةَ، زَوْجُ النَبِّ ◌َ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَلَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيْتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ الله ◌َِِّ مَعَه . حديث الإفك والإفك : الكذب ، وكذلك الإفك مثل النجس والنجس . وقول ابن شهاب فيه حدثنى : سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة - إلى قوله - وكلهم حدثنى طائفة من الحديث ، وبعضهم أوعى لحديثها من بعض - إلى قوله - وبعض حديثهم ليصدق بعضها ، هو مما قد انتقد قديما على الزهرى لجمعه الحديث عنهم ، وإنما عند كل واحد منهم [ بعضه ، وقيل : كان الأولى أن يذكر حديث كل واحد منهم ](١) بجهته ، ولأدرك على الزهرى فى شىء منه ؛ لأنه قد بين ذلك فى حديثه ، والكل ثقات أئمة لا مطعن فيهم ، فقد علم صحة الحديث ، ووثق كل لفظة منه ؛ إذ هى عن أحدها ولا الأربعة الأقطاب عن عائشة . وقوله: (( وبعضهم أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا )) أى أحفظ وأحسن إيراداً وسرداً وقصصا لحديثها . وقوله: ((كان رسول الله عَّه إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه))، وذكر أنه أقرع بينهن فى غزوة ، فخرج سهمها فخرجت معه : فيه أولا جواز القرعة فى القسمة بين الشركاء وما يجرى مجراها من العتق فى الوصايا عند ضيق الثلث ، وهى سنة بحالها (١) فى هامش ح . كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ ٢٨٧ قَالَتْ عَائشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَا فِى غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِى، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ خارجة عن القياس . قال أبو عبيد (١) : وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء : يونس وزكريا ومحمد - عليهم السلام . قال ابن المنذر : واستعمالها كالإجماع بين أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء ، ولا معنى لقول من ردها . وحكى عن أبى حنيفة إجازتها ، قال : ولا يستقيم فى القياس لكنا تركنا القياس للآثار ، وحكى غيره عنه ترك القول بها . ٩٠/أ وقد اختلف العلماء فى جوازها فى المشكلات / جملة لما جاء من السنة فيها ، وهو مذهب الشافعى وغيره ، ومشهور مذهب مالك وأصحابه منعها جملة ، لأنها من باب الخطر والقمار، وهو قول بعض [ أهل الكوفة ] (٢)، وقالوا: وهى كالأزلام، وحكى عن أبى حنيفة(٣) جوازها فى هذه الوجوه المذكورة ، التى وردت فيها السنة ، وقصرها عليها دون تعديتها ، وهو قول مالك والمغيرة وبعض أصحابنا على اختلاف بينهم فيما ثبت فيه السنة من ذلك ، والتفريق بين الوصية وعتق البتل (٤) وتسويتهما فيهما . واختلف فى هذا قول مالك وقد تقدم فى الوصايا (٥) منه . وفيه القرعة بين النساء فى السفر ، وقد اختلف العلماء فى ذلك ، فذهب مالك فى أحد قوليه وقاله الشافعى وأبو حنيفة : أنه لا يخرج منهن إلا من خرجت عليها القرعة ، وأنه من العدل فى [ القسمة ](٦) بينهن . وقال مالك أيضا : له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة ، وأن القسمة هنا سقطت بحكم الضرورة ؛ إذ قد تكون إحداهن أخف محملا وأقل مؤنة للسفر ؛ لخفة جسمها ، وانفرادها عن ولدها ، ونشاطها وتكون أخرى خلاف ذلك، أو يكون إحداهما أولى بالترك بالقيام على ماله وحشمه والنظر فى ذلك ؛ لعقلها وحسن نظرها وغيرها بخلاف ذلك . ولم يختلفوا أنها كيف كان الأمر فيها لاتحاسب بمدة السفر ، بل يستأنف القسمة ليلة قدومه بين جميعهن . وقد مر بنا هذا فى النكاح كفاية . وفى حديث عائشة هذا فقه كثير وغريب تفسير ، فمن فقهه سوى ما تقدم: جواز ركوب النساء فى الهوادج ، وجواز [ حرمة ](٧) الرجل لهن فى ذلك وفى الأسفار، وخروجهن لضروراتهن من حاجة الإنسان بغير إذن أزواجهن ، إذ لو استأذنت (١) انظر: غريب الحديث ٢ / ٢٣٤. (٢) فى ح: الكوفيين، وانظر لهذه الأقوال: المبسوط للسرخسى ١٥ / ٧، ٨. (٣) انظر: المرجع السابق، وبدائع الصنائع ٣ / ٢٣٣. (٤) البتل : القطع: لغة ، ولعل المراد بمعنى المبتول : أى العتق المبتول لكونه ضاراً بالورثة وأصحاب الديون . (٥) سبق فى الوصايا حديث رقم (٥٦). (٧) فى ح : خدمة . (٦) فى ح : القسم . ٢٨٨ - كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ الله عَِّ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِى هَوْدَجِى، وأنْزَلُ فِيهِ ، مَسيرنَا . النبى عَّ فى ذلك لعلم مغيبها، ومنع خروجهن إلى بيوت آبائهن وقرابتهن إلا بإذن؛ لاستئذان عائشة فى ذلك النبى عليه . وفيه حسن الأدب والمعاملة والعشرة مع النساء الأجانب ، لاسيما فى الخلوة بهن عند الضرورة ، كما فعل صفوان من تركه مكالمة عائشة وسؤالها ، وأنه لم يزد على الاسترجاع وتقديم مركبها وإعراضه بعد ذلك حتى ركب ، ثم [ تقدمه ](١) يقود بها . وفيه إغاثة الملهوف، [ وعون ](٢) الضعيف، وإكرام من له قدر ، كما فعل صفوان فى ذلك كله . وفيه ستر ما يقال فى المرء عنه إذا لم يكن لذكره فائدة ، كما عامل الجميع به عائشة ٩٠/ ب حتى أعلمته بها أم مسطح . وفيه تشكى السلطان وغيره للناس لمن يؤذيه / فى نفسه وأهله والاستعذار منه . وقوله: ((استعذر))، ((ومن يعذرنى))، ((فأنا أعذرك منه)): قيل: مَنْ يعذرنى إن كافأته على ما فعل ولا يلومنى ، وقيل: معناه: من [ يقصدنى ](٣) ، وهو أليق بهذا المكان ، قاله أبو على فى البارع ، قال : والعذير الناصر . وقال الداودى: قوله: ((أنا أعذرك منه)) : أى أنتصف لك وأقوم بما يجب لك. وفيه مشاورة الرجل بطانته فيما فيه مصلحته من فراق أهله أو غير ذلك ، كما فعل النبى معَّ مع على وأسامة . وفيه الكشف عن الأمور المسموعة والبحث عنها لمن يهمه ذلك ويعنيه . وأمّا مِنْ غَيره فتحسس وفضول ممنوع ، كما سأل - عليه السلام - زينب وبريرة . قالوا : وفيه جواز تعديل النساء والشهود ، وتعديل بعضهم بعضا . وقد ترجم البخارى (٤) على هذا ، وهذا ليس بيّن؛ إذ لم يكن شهادة . والمسألة التى اختلف فيها العلماء إنما هى فى تعديلهن للشهادة ، فمنع من ذلك مالك(٥) والشافعى ومحمد بن الحسن، وأجازه أبو حنيفة فى المرأتين والرجل ، كشهادتهما فى المال . واحتج الطحاوى (٦) (١) فى ح : تقدم. (٣) فى ح : ينصرنى . (٢) فى ح : غوث . (٤) انظر: ك الشهادات، ب تعديل النساء بعضهن بعضا ٣ / ٢٢٧ . (٥) انظر : المدونة الكبرى ٥ / ١٦١. (٦) هو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدى ، ولد سنة ٢٣٩ هـ ، وتلقى العلم على خاله إسماعيل بن يحيى المزنى الشافعى ، فانتقل من مذهبه إلى ترجيح مذهب الإمام أبى حنيفة رحمهما الله، إلا أنه لم يكن مقلدا بل كان فقيها ثقة ثبتا، فألف ((العقيدة الطحاوية)) و((كتاب شرح مشكل الآثار)) وغيرهما، وتوفى ٣٢١ هـ، انظر: الأنساب ٤ / ٥٣، وفيات الأعيان ١ / ٧١، ٧٢، تذكرة الحفاظ ٣ / ٨٠٨ - ٨١١، البداية والنهاية ١١ / ١٧٤ . ٢٨٩ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ . حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ عَهْ مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ ، وَدَنَوْنَا مِنَ الَدِينَةِ ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ . لذلك بقول زينب فى عائشة، وقول عائشة فى زينب: (( يعصمها الله بالورع)). قال ومن كانت بهذه الصفة جازت شهادتها . وهذا ركيك من الكلام جداً ، ولأنه وإمامه أبا حنيفة لا يجيزون شهادة النساء إلا فى مواضع مخصوصة ، فكيف يطلقون جواز تزكيتهن ، وفى هذا من التناقض ما فيه . وفيه فضلية من شهد بدراً ، وإنكار ذمهم والدعاء عليهم ، وكذلك يجب فى جميع المسلمين لإنكار عائشة ذلك على أم مسطح . وفيه معاداة الولى وليه فى الله ، كما فعلت أم مسطح من دعائهن [ بها ](١) على ابنها، وحلف أبى بكر ألا ينفق عليه . وفيه الحكم بالظاهر ، وحسن الظن بالمسلمين ، لاسيما بأهل الفضل ، وأنه لا يلتفت إلى افتراء مفتر عليهن ، كما اعتقده جمهور المسلمين فى شأن عائشة . وفيه تنزيه منصب النبوة عن مثل هذا فى عياله وحريمه ، وقد قال ابن عباس : ما زنت امرأة نبى قط . وفيه تقرير من رفع إليه أمر وتوفيقه على ما يقال فيه ، وأمره بالتوبة إن كان فعله . وفيه إقامة الحدود على القاذفين . قيل : وفيه ترك ذلك فى جهة من له منعة ويخشى من إقامته عليه تفريق كلمة وظهور فتنة ، كما لم يحد عبد الله بن أبى ، وهو كان رأس أصحاب الإفك ومتولى كبره. وعندى أنه ترك حد ابن أبى لغير هذا ؛ لأنه لم يأت فى الحديث أنه [ ممن ](٢) افترى، إنما ذكر [ أنه](٣) كان/ یستوشیه ویتحدث عنده به ویجمعه. وقد قيل فى الذى تولى كبره : إنه غيره ممن حدّ . والحد إنما يجب على من تكلم به . ١/٩١ واستعذار النبى عَّه منه لجمعه عنده وإشادته بحضرته وبحثه عنه ، كما قال فى البخارى (٤) أخبرت أنه كان يشاع عنده فيقره(٥) ويسمعه ويتحدث به عنده ويستوشيه ، ومثل هذا لا يلزمه حد عند الجميع حتى يقذف بنفسه . وفيه غضب المسلمين لعرض نبيهم وسلطانهم وحرمته ، كما قال فى ذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير . وفيه أن من آذى النبى - عليه السلام - فى نفسه أو ذويه كافر يجب قتله ؛ لقول سعد وأسيد: قتلناه، فلم ينكر ذلك النبى معَّه، ولو كان باطلاً لم يقر عليه ولأنكره . وقال قوم: إن من سب أزواج النبى معَّه يقتل لهذه الحجة وليس ببين ، إنما (١) ساقطة من ح . (٢، ٣) ساقطة من ز، والمثبت من ح . (٤) لم نعثر عليها فى البخارى ، ووجدناها فى جامع البيان للطبرى ١٨ / ٨٩ . (٥) فى ح : فيقرره . ۔ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ ٢٩٠ فَقُمْتُ حِينَ آذنُوا بِالرَّحيل ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأَنِى أَقْبَلْتُ يستوجب قتله لأذى النبى - عليه السلام - فى حياته وتأذيه بقوله ، ولم يكن بعد نزول القرآن فيكون مكذباً له ، فأما اليوم فمن قال ذلك فى عائشة قتل لتكذيبه القرآن وكفره بذلك ، وأما غيرها من أزواجه فالمشهور أنه يحد لما فيه من ذلك حد ، ويعاقب لغيره . وحكى ابن شعبان(١) قولاً آخر: أنه يقتل على كل [ حال](٢) وكان هذا التفات إلى أذى النبى عَّه بذلك حياً أو ميتاً - والله أعلم. وفيه أن التعصب فى الباطل يقدح فى العدالة ، ويخرج عن اسم الصلاح ؛ لقول عائشة : فاجتهلته الحمية وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً . والصلاح : القيام بحقوق الله تعالى وما يلزم من حقوق عباده ، وتجنب مخالفته . وفيه جواز سب المتعصب فى الباطل والعاصى ، والمتكلم بمنكر القول ، والإغلاظ فى سبه يشبه صفته ، فإن لم يكن فيه حقيقة كقول أسيد : كذبت ، إنك منافقٌ تجادل عن المنافقين ، وحاش لسعد من صفة النفاق ، لكن لما كان منه من ظاهر التعصب لابن أبي المنافق استحق التعرض له والسب والتأديب كمثل هذا القول الغليظ . وقال الداودى : إنما أنكر سعد بن عبادة من قول سعد بن معاذ بحكمه فى قومه بحكم أنفة العرب ، وما كان قديماً بين الحيين من الأنصار ، لا أنه رضى فعل ابن أبى . وقوله : (( كذبت، لعمر الله، لا تقتله)): أى لا يجعل النبى حكمه إليك ، قال الإمام : قول أسيد لسعد : يا منافق ، قد تقدم الكلام على أمثال هذا اللفظ الذى يقع بين الصحابة ، وأنه يجب أن يحمل على ما يليق بهم ، والأشبه أن أسيداً إنما وقع ذلك منه على جهة الغيظ والحنق ، وبالغ فى زجر سعد ، ولم يرد النفاق الذى هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر . ولعله أراد أن سعداً كان يظهر [ إليه ](٣) وإلى الأوس من المودة ما يقتضى عنده ألا يقول فيهم ما قال ، فاستلوح من هذا الكلام أن باطنه فيهم خلاف ما ظهر إليه . والنفاق فى اللغة يطلق على إظهار ما يبطن خلافه ديناً كان أو غيره، ولعله عَّه لأجل هذا لم ينكر عليه أنه كان يسمع قوله هذا . قال القاضى : وفيه حمد عاقبة الصبر ، وفيه شكر الله على إحسانه بالعمل الصالح ، كما رد أبو بكر النفقة لمسطح. ولقوله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾(٤). (١) لعله أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان ، نسبة لجده ؛ لأن ابن فرحون ذكر له كتابا مشهوراً فى الفقه (( كتاب الزاهى الشعبانى)) كان فقيه المالكية فى وقته وأحفظهم لمذهب مالك مع التفنن فى سائر العلوم من الخبر والتاريخ والأدب وكان واسع الرواية ، شيخ الفتوى حافظ البلد - مصر - وألف أيضا كتابا فى أحكام القرآن، وكتاب (( مختصر ماليس فى المختصر))، وتوفى سنة ٣٣٥. انظر: الديباج المذهب ٢ / ١٩٤ . (٤) النور : ٢٢ . (٢، ٣) ساقطة من ز، والمثبت من ح . كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ ٢٩١ - إلى الرَّحْلِ ، فَلَمَسْتُ صَدْرِى فَإِذَا عِقْدِى مِنْ جَزْعٍ ظَفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالتَّمَسْتُ وفيه جواز النزوع بالقرآن والاحتجاج به فى النوازل ، والتأسى بالأنبياء والصالحين لقول عائشة: (( ما أجد لى ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾(١))). وفيه جواز التسبيح عند استغظام الأمر والتعجب ، كما قالت عائشة : سبحان الله ! وقد تحدث الناس بهذا. وقالت بريرة مثله، وصفوان مثله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوه﴾ إلى قوله: ﴿ سُبْحَانَكَ﴾ (٢). وفيه جواز الحلف بقوله: (( لعمر الله )) وقول ذلك، ومعناه: بقاء الله والعُمَر والعَمْر واحد ، فإذا استعمل فى القسم فالفتح لا غير ، ورفعت الراء على الابتداء المحذوف، أى لعمرك ما أقسم . وقال الأزهرى : كأنهم أظهروا يميناً ثانية ، أى وعمرك ، فلعمرك عظيم . واختلف هل هى يمين أم لا ؟ [ وهل يجوز الحلف بها ؟ فكره مالك(٣) مرة الحلف بها وشك: هل هى يمين أم لا ](٤) وعلى أصله [وأصل ](٥) الكافة فى الحلف بالصفات أنها يمين ، وعلى أصل الشافعى فى الصفات إذا لم ينو بها يميناً لم يلزم (٦). وفيه من الغريب مما فسره فى المعلم. قال الإمام: قولها: ((من جزع ظفار))، قال ابن السكيت: الجزع ، بفتح الجيم وإسكان الزاى : الخرز اليمانى . وظفار بفتح الظاء وكسر الراء : قرية باليمن (٧). وقول عائشة: ((لم يهَبَّلْن)) : أى لم يكثر شحومهن ولا لحومهن. وقوله: (( العلقة من الطعام)) : أى الشىء القليل منه ، ومثله البلغة . وقولها: ((نزلوا موغرين)): أى وقت الوغرة ، هو شدة الحر. قولها : ((فتأتى الداجن)) : يقال لكل ما ألف الثبوت من الطير والشاه وغيرها : دواجن ، وقد دجن فى بيته : إذا لزمه ، وكلب داجن : ألف البيت. والمداجنة حُسْن المخالطة . قوله عَّ: ((من يعذرنى من رجل)): أى من يقوم بعذرى، [ أى ](٨) كافأته على (١) يوسف : ١٨. (٢) النور : ١٦ . (٤) فى هامش ح . (٣) انظر: المدونة الكبرى ٢ / ١٠٣ . (٥) ساقطة من ز ، والمثبت من ح . (٦) ذكر ذلك المزنى عنه فى المختصر ((مختصر الأيمان والنذور)) ص ٢٩٠. (٧) قال الياقوت : مدينة على ساحل بحر الهند ، قرب صنعاء ، بينها وبين مرباط خمسة فراسخ ، وهى التى ينسب إليها الجزع الظفأرى ، وقيل هى صنعاء نفسها ، ولعل هذا كان قديما ، أما اليوم فكما ذكر معجم البلدان ٤ / ٦٠، باب الظاء والفاء. (٨) فى ح : إن . ٢٩٢ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ عقْدِى فَحَبَسَنِى ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطِ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِى فَحَمَلُوا هَوْدَجِى، فَرَحَلُوهُ سوء صنيعه فلا يلمنى . وقولها: ((يستوشينى)): [ أى يستخرجه بالبحث والمسألة كما يستوشى] (١) الرجل جرى الفرس ، وهو ضربه جنبيه بعقبيه وتحريكه ليجرى ، يقال : أوشى فرسه واستوشاه بمعنى واحد . قولها: ((من البرحاء)) تعنى الشدة. قال [ ابن ولاد ](٢): البرحاء بضم الباء وهو ممدود : من التبريح ، وهو بلوغ الجهد من الإنسان . قوله: ((أبنوا أهلى)): أى اتهموها . قاله أبو العباس . وقول أم مسطح: (( تعس مسطح)) : قال أبو الهيثم : معناه : انكب وعثر . قال القاضى: ضبطنا هذا الحرف هنا (( يهبلن ولم يغشهن اللحم)) بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الياء على ما لم يسم فاعله من رواية العذرى [ وضبطناه من طريق الطبرى (يهبلن)) بفتح الياء والباء وسكون الهاء ](٣) ، وضبطناه فى غير مسلم بضم الياء وفتحها وهو بعيد لأن ماضيه هُبل بالضم . وفى بعض الروايات عن ابن الحذاء: (( يهبلهن ولم يمسهن اللحم)). ورواه البخارى ((يثقلن)) (٤) وهو بمعنى ما تقدم ، أى لم يثقلن باللحم ، وهو بمعنى يغشهن أيضا، أى يلزمهن ويحمل بهن. وكذلك ((أبنوا أهلى)) ضبطناه هنا بالتحقيق ، وقد ضبطه الأصيلى فى البخارى بالتشديد ، وأنكره بعضهم ، وصححه ثابت(٥) وغيره ، فبالتخفيف ما تقدم : اتهموها ، وذكروها بالسوء . وبالتشديد قال ثابت : التأبين: ذكر الشىء وتتبعه ، وأنشد (٦): فرفع أصحابى المطى وأبنو هنيدة (١) سقط من ز ، والمثبت من ح . (٢) هو أبو العباس أحمد بن أبى العباس محمد بن الوليد بن ولاد التميمى النحوى المصرى ، أصله من البصرة. قال الزبيدى: كان بصيراً بالنحو أستاذا ، وكان شيخه الزجاج يفضله على أبى جعفر النحاس ، صنف المقصور والممدود ، مات سنة ٣٣٢ هـ . انظر: إنباه الرواة ١ / ٩٩ . (٣) سقط من ز ، والمثبت من ح . (٤) فى الأصل: يثقلن، والمثبت فى صحيح البخارى ((يثقلهن))، ك التفسير، سورة النور. ب ﴿لولا إذ سمعتموه ... ﴾ ٦ / ١٢٨ . (٥) أبو القاسم العلامة الحافظ ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف السرقسطى ، سمع محمد بن وضاح ومحمد بن سلام الخشنى، وبمكة من محمد بن على الجوهرى ، وبمصر النسائى وأحمد بن عمرو البزار. .قال ابن الفرضى: كان ثابت عالما بصيراً بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر ، أكمل كتاب الدلائل فى شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث . وتوفى رحمه الله بسرقسطة عن نحو ٩٥ عاما سنة ٣١٣ هـ . انظر : تذكرة الحفاظ ٣ / ٨٦٩ . (٦) حكى ابن منظور عن ابن سيده أن قائله : الراعى النميرى، وتمام البيت : فاشتاق العيون اللوامح استشهارا = ٢٩٣ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ عَلَى بَعِيرِىَ الَّذِى كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّى فِيهِ . قَالَتْ: وَكَانَت النِّسَاءِ إذْ ذَاكَ خْفَافًا، لَمْ يُهَّلْنَ ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأْكُلنَ العُلَقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ ثقَلَ الهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةٌ حَدِيثَةَ السِّنَّ ، فَبَعَنُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدَى بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعِ وَلَا مُجِيبٌ ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِى الَّذِى كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أنَّ القَوْمَ قال ابن السّكيت : جدوا بها وذكروها . وقولها : ((معرسين فى نحر الظهيرة)) وعرس من وراء الجيش ، التعرس النزول ، ونحر الظهرية : أول القائلة ، وأصل التعريس [ النزول آخر الليل عند الخليل وغيره ؛ وقال أبو زيد ](١): أى وقت كان. وقد ذكر مسلم اختلاف الرواة [ عن] (٢) ((موغرين)) بالغين المعجمة والراء ، وفسرها فى الأم عبد الرازق نحو ما تقدم . قال : الوغرة : شدة الحر فى الهاجرة. وذكر - أيضا - مسلم فيه ((موعرين)) بالعين المهملة، والراوى فى حديث يعقوب وإبراهيم بن سعد ، كذا روايتنا فيه وفى بعض النسخ بالعين والراء المهملتين، وقال أبو مروان بن سراج (٣): لا وجه له هنا . قال القاضى: وكذلك بالراء والوجه ما تقدم . وتفسير قولها : (( [ العلقة من الطعام)) بأنه القليل منه، وأصله من الأكل والعلوقة والعلوق: الأكل والرعى ] (٤). وقولها : ((فحبسنى ابتغاؤه)): أى طلبه ، يعنى عقدها . وتيممت منزلى : قصدته . على قول شمر: التأبين : الثناء على الرجل فى الموت والحياة ، قال ابن سيدة: وقد جاء مدحا = للحى ، وهو قول الراعى : فذكر البيت قال : مدحها - هنيده - فاشتاقوا أن ينظروا إليها فأسرعوا السير إليها شوقا منهم أن ينظروا منها. انظر: لسان العرب ١٣ / ٤ مادة ((أبن)). واسم الراعى الشاعر : حصين بن معاوية من بنى نمير ولقب بالراعى ؛ لأنه كان يكثر وصف راعى الإبل فى شعره . قاله ابن قتيبة فى الشعر والشعراء وقال ابن حزم فى نسب بنى نمير : ومنهم الراعى الشاعر واسمه عبيد بن حصين بن جندل . جمهرة النسب ص ٢٧٩ . (١) سقط من ز، والمثبت من ح . (٢) فى ح : فى . (٣) هو عبد الملك بن سراج بن عبد الله الحافظ، إمام الأندلس فى وقته ، سمع من أبيه والصفاقسى وغيرهما، وحدث عنه الجيانى والصدفى والقاضى أبو عبد الله ابن الحاج وغيرهم، وكانت الرحلة إليه من جميع جهات الأندلس وغيرها توفى سنة ٤٨٩ . انظر الديباج المذهب ٢ / ١٧، شجرة النور ١ / ١٢٢ الصلة لابن بشكوال ١ / ٣٤٦ ، بغية الملتمس ص ٣٦٧ ، ٣٦٨ . (٤) سقط من ح ، والمثبت من ز . ٢٩٤ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ سَيَفْقِدُونِى فَيَرْجِعُونَ إلىَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالسَةٌ فِى مَنْزِلِى غَلَبَتْنِى عَيْنِى فَنَمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ ابْنُ اَلْعَطَّلِ السُّلَمِىُّ، ثُمَّ الذِّكْوَانِىُّ، قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءَ الجَّشْرِ فَدَّلَجَ ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِى، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانِ نَائِمٍ، فَأَتَانِى فَعَرِفَنِى حِينَ رَآنِى، وَقَدْ كَانَ يَرَانِى قَبْلَ أنْ يُضْرَبَ الحجَبُ عَلَىَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِى، فَخَمَّرْتُ وَجْهِى بِجِلْبَابِى. وَوَالله، مَا يُكَلِّمُنِى كَلِمَةٌ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَّةً غَيْرِ اسْتِرَجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَهُ، فَوَطِئْ عَلَّى يَدِهَا فَرَكَبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِى الرَّاحِلَةَ، حَتّى أَيْنَا الْجَََّ، بَعْدَ مَا نَزَلُواَ مُوغِرِينَ فِى نَحْرِ الظَّهِيرَة ، فَهَكَ مَنْ هَلَكَ فِى شَأْنِى، وَكَانَ الَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ الله بْنُ أُبَىَّ ابْنِ سَلُولَ . فَقَدِمْنَا الَدينَةَ ، فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا الَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِى قَوْلِ أهْلِ وقوله: ((فأدلج)): أى مشى بليل ، يقال منه: أدلج وادَّلج . وقيل : لا يشدد إلا فى سير آخر الليل ، وقد تقدم مستوفى الكلام فيه . وقوله: (( فاستمر الجيش)) : أى ذهب ، وقيل ذلك فى قوله تعالى : ﴿ سحر مُسْتَمِرٌ﴾ (١) أى ذاهب وهو استفعل من مر . وقوله : ((فرأى سواد إنسان)) : أى شخصه ، وكل شخص سواد . وقولها: (( فاستيقظت باسترجاعه)): أى بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهذا من صفوان لمعنيين : أحدهما : أنها مصيبة يجب الاسترجاع فيها ؛ لنسيان امرأة عورة ، وبقائها منفردة فى قفر وليل مظلم . والثانى : ليقيمها استرجاعه من نومها إذ صان حرمة النبى عن أن يناديها ويكلمها ، وقد كان كما قالت : نزل الحجاب كما فعل عمر بتكبيره لينتبه النبى - عليه السلام - ولم يناده إكباراً له، وحرجاً من عموم النهى عن ذلك؛ ولأنه - عليه السلام - كان يوحى إليه فى نومه . وقولها: ((وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون إلى)) الظن هنا بمعنى العلم ، قال الله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوتُونَ﴾(٢). وقوله: (( فخمرت وجهى بجلبابى)) أى سترته والجلباب كالمقنعة ، تغطى به المرأة رأسها يكون أعرض من الخمار ، قاله النضر وقال غيره: هو ثوب واسع دون الرداء ، تغطى به المرأة ظهرها وصدرها وقال ابن الأعرابى : هو الإزار ، وقيل : الخمار . وقيل : هو كالملاة والملحفة وبعض هذا قريب من بعض . وقولها : (( والناس يفيضون فى حديث أهل الإفك )) أى يأخذون فيه . (١) القمر : ٢ . (٢) المطففين : ٤. ٢٩٥ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ : الإِفْك، وَلَا أَشْعُرُ بِشَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يُرِيبُنِى فِى وَجَعَى أَنِّى لا أعْرِفُ مِنْ رَسُول الله يَّهِ النُّطْفَ الَّذِى كُنْتُ أَرَى مَنْهُ حينَ أشْتَكِى، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: ((كَيْفَ تِيكُمْ؟ )) فَذَاكَ يُرِيبُنى. وَلَا أَشْعُرُ بالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِى أَمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ الَنَاصِعِ - وَهُوَ مُتْبَرَّزَنَا - وَلَا نَخْرُجُ إلا لَيْلا إلى لَيْل ، وَذَلَكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنْفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأوَلَ فى التََّرُّه، وَكُنَّا تَتَذَّى بالكُفِ أنْ تَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ - وَهِىَ بِنَتُ أَبِى رُهْمٍ بِنْ الْمُطَّلِبَ بْنِ عَبْدَ مَنَافٍ، وَأَمُّهَا ابْنَهُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ ، خَالَةٌ أَبِى بَكَّرِ الصَّدِّيقِ، وَأَبْنُهَا مِسْطَحُ ابْنُ أَثَاتَ بَنِ عَبَّادِ بْنِ المُطَّلِبِ - فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتَهُ أَبِى رُهْمٍ قِبَلَ بَيْنِى حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنا، فَعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحِ فِى مِرْطِها . فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ . فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَاقُلْتِ ، أَتَسُبِينَ وقولها : ((يريبنى فى وجع (١))) أى أنكرنى مرضى، العرب تسمى كل مرض وجعاً، ومعنى ((يريبنى)): يوهمنى ويشككنى حتى أنكر ذلك من اختلاف حاله ، يقال: أرابنى (٢) الأمر يريبنى: إذا توهمته وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت : رابنى منه كذا يريبنى ، وقال الفراء وأبو زيد : هما بمعنى واحد فى الشك . وقولها: ((لا أعرف من رسول الله عَّ اللطف)) بفتح اللام والطاء، أى البر والتخفى. زاد بعضهم : إذا كان ذلك برفق ، ويقال فيه اللطف بالضم وسكون الطاء أيضا . وقوله : (( كيف تيكم ؟)) هى إشارة تنبيه للمؤنث مثل ((ذاكم)) للمذكر. وقولها : (( بعدما نقهت)) بفتح القاف ، أى أفقت من المرض . وقولها : ((وخرجت قبل المناصع وهو متبرزنا)): قال الأزهرى : أراها مواضع خارج المدينة ، وعليه يدل قوله فى الحديث نفسه فى غير كتاب مسلم ، وهى صعيد أفيح خارج المدينة . وقال غيره: هى مواضع التخلى للحدث، وهو معنى قولها: (( متبرزنا)) والبراز، بالفتح الحدث ، وأصله الفضاء من الأرض ، وسمى الحدث به لقصدهم قضاه فيه ، كما قالوا فيه : الغائط لذلك . وقولها: ((وأمرنا أمر العرب الأول فى التنزه)) كذا لجمهور الرواة ، أى فى البعد بذلك عن المنازل . وعند ابن ماهان : فى التبرز بمعناه ، أى فى الخروج للبراز . وقولها: (( تعس مسطح)) بكسر العين ، معناه : هلك ، وقيل : سقط ، والتعس (١) فى ح : وجعى . (٢) فى ح : رابنى . ٢٩٦ - كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ رَجُلاً قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ، أوَلَمْ تَسْمَعِى مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ ؟ قَالَتْ: فأخْبَرَتْنِى بِقَوْل أهْلِ الإِفْك، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضى، فَلَمَّ رَجَعْتُ إلى بَيْتِى، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ عَ. فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: ((كَيْفَ تِيكُمْ؟)) . قُلْتُ : أتأذَنُ لِى أَنْ آَتَىَ أَبَوَىَّ ؟ قَالَتْ - وَأَنَا حِينَئِذْ أُريدُ أنْ أَتَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قبلهمَا - فأذنَ لِى رَسُولُ اللهِ عَّهِ، فَجِئْتُ أَبَوَىَّ فَقُلْتُ لأمِّى: يَا أمَّنَاهُ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَابُنَّةُ، هَوَّتِى عَلَيْكِ . فَوَاَلَله، لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُل يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ ، إلا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ الله! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ، فَبَكَيْتُ تَلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَاًلِى دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمِ. ثمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِى، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ عَّه عَلَىَّ بْنَ أبى طَالِبٍ وَأَسَامَةٌ بْنَ زَيّد حِينَ اسْتَلَثَ الوَحْىُ ، يَسْتَشِرُهُمَا فِى فِرَاقِ أَهْلِهِ. قَالَّتْ: فَأَمَّ أسَامَةُ بْنُ زَيّدٍ فَأَشَارَ عَلَىَّ رَسُولِ اللهِ عَّهُ بِالَّذِى يَعْلَمُ مِنْ بَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِى يَعْلَمُ فِى نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الُدِّ. فَقَالَ: يَارَسُولُ اللهِ، هُمْ أهْلُكَ وَلاَ نَعْلَمُ إلَ خَيْرَ. وَأَمَّا عَلِىُّ بْنُ أَبِّى طَالِبٍ فَقَالَ : لَمْ يُضَّيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءَ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ . قَالَتَّ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ بَرِيرَةَ فَقَالَ: ((أىْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتٍ مِنْ شَىْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟)). قَالَتْ لَهُ بَرَيْرَةُ : وَلَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنَّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أهْلِهَا، فَتَأْتِى الدَّاجِنُ فَتَأْكُلَّهُ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ عَلَى المِنْبَرَ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبَّد الله بْنِ أُبَّىَّ ابْنَ سَلُولَ: قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ - وَهُوَ عَلَى اِنْبَرَ -: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذُرِى مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ السقوط على وجهه خاصة ، وقيل : لزمه الشىء ، وقيل : بعد . وقولها: (( يا هنتاه)): أى يا امرأة أو يل هذه، وهى كلمة يعبر بها عن كل شىء، وقد تقدم شرحها ولا يقال: هنتاه، إلا فى النداء. ومن العرب من يسكن نون ((هن)) فى كل حال، مثل ((منْ)) ومنهم من ينونها فى الوصل. وكذلك الأنثى ((هنة)) فى الوصل ((وهنة)) فى الوقف، وحكى الهروى عن بعضهم أن: ((هن، وهنة)) مشددة النون ، وأنكره الأزهرى ، والمعروف تخفيف النون . وحكى الخليل أنهم إذا أدرجوها فى المؤنث سكنوا التاء فقالوا : هذه هنتْ جاءت . وقولها: (( ما كانت قط امرأة (١) وضيئة)) ممدوداً أى جميلة، والوضاءة : الحسن (١) فى ح : امرأة قط . ٢٩٧ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ أَذَاهُ فِى أهلِ بَيْتِى. فَوَاَللهِ ، مَا عَلَمْتُ عَلَى أَهْلِى إلا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلَمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِى إلا مَعِى)). فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذ الأنْصَارِىُّ فَقَالَ: أَنَا أَعْذَرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ الله ، إنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنْقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِتَا الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَّادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجَ، وَكَانَ رَجَّلاً صَالِحًا ، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الحَمِيَّةُ - فَقَالَ لِسْعدِ بْنِ مُعَاذْ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ الله، لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدَرُ عَلَى قَتْلَهُ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرَ - وَهُوَ ابْنُ عُمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذِ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَّ . لَعَمْرُ اللهِ، لَنَقْتُنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عن الُنَافِقِينَ. فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ والخَزْرَجُ، حَتَىَّ هَمُّوا أَنَّ يَقْتَلُوا، وَرَسُولُ اللهِ عَيْهِ قَائِمٌّ عَلَىَ الَثَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ بَِّ يُخَفِضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا وَسَكَتَ . قَالَتْ: وَيَكَيْتُ يَوْمِى ذَلِكَ ، لا يَرْقَاً لِى دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ . ثمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِى الْمُقْبِلَةَ، لا يَرْقَأَ لِى دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمِ ، وَأَبَوَاَىَ يَظْنَّانِ أنَّ البُكَاءَ فَالقُّ كَبَدِى. فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عَنْدِى، وَأَنَا أَبْكِى، اسْتَأَذَنَتْ عَلَىَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ فَأَذْنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِى قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله بَّهُ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِى مُنْذُ قَيلَ لِى مَا قِيلَ . وَقَدْ لَبِثَ شَهِرًا لا يُوحَى إليْهِ فِى شَأَنِى بِشَىْءٍ . قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ عَهُ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: (( أمَّا بَعْدُ، يَا عَائشَةُ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِى عَنْكِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرَّتُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْت ممدود. وفى رواية ابن ماهان: ((حظية)) من الحظوة ورفعة المكانة وبُعده (( عند رجل يحبها ولها ضرائر)) أى شرائك وزوجات لزوجها ، سُمين بذلك لاستضرار كل واحدة بالأخرى؛ لأجل الغيرة التى بينهن على الزوج، ومقاسمتهن (١) أموره . والاسم منه الضر بالكسر ، وحكى الضم كغيره . وقولها: ((إلا كثرن عليها)) يعنى القول بعيبها. وقولها : (( من شىء أغمصه)) بكسر الميم ، أى أعيبه وأنتقصه والغمص العيب ، وأصله : الطعن والقول السيئ . وقولها: ((ولكن اجتهلته الحمية)) : كذا رواية الجلودى بالجيم والهاء فى حديث معمر عن ابن شهاب ، وفى حديث فليح عنه وعند ابن ماهان وفى رواية معمر: (( احتملته)) بالحاء والميم ، وهى رواية البخارى (٢). وكذا ذكره مسلم عن يونس وصالح ، وصوب (١) فى ح : مقاسمتهما . (٢) ك التفسير، سورة النور، ب ﴿لولا إذ سمعتموه .. ﴾ ٦ / ١٢٧. ٢٩٨ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ أَلْمَمتِ بِذَنّب، فَاسْتَغْفِرَى اللهَ وَتُوبِى إِلَيْهِ ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِ ثُمَّ تَابَ ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ )). قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ عَهُ مَقَالَتَهُ، فَلَصَ دَمْعَى حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةَ ، فَقُلتُ لأبى أجب عَنِّى رَسُولَ الله عَلْ فِيمَا قَالَ. فَقَالَ: وَالله، مَا أدْرِى مَا أَقُولُ لِرَسُول اللـه ◌َّهُ فَقَلْتُ لأمى أَجيبى عَّى رَسُولَ اللَّه عَّه فَقَالَتْ: والله ما أَدْرَى مَا أَقُولُ لَرَسُولَ اللَّهَ عَُّ. فَقُلْتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنَّ- لا أثْرَأْ كَثِيرًا مِنَ القُرَانِ: إِنِّى، وَاَلله ، لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُم بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِى نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، فَإِنْ قُلْتُّ لَكُمْ إِنِّى بَرِيَةٌ ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَرِئَةٌ لا تُصَدِّقُونِى بِذَلِكَ، وَلَئِنِ أعْتَرَفْتُ لَكُمَّ بِأَمْرٍ، وَاَللهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَرِينَةٌ، لَتُصَدِّقُونَنِى. وَإِّى، وَاللهِ، مَا أَجَدُ لِى وَلَكُمْ مَثَلاً إلا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ (١). بعضهم الرواية الأولى ، ومعناها : استخفته . قال فى الجمهرة : كل شىء استخففته فقد استجهلته ، واستجهلت الريح الغصن : إذا حركته فاضطرب ، وقيل : أغضبته . قال الهروى : من استجهل مؤمناً فعليه إثمه ، أى من حمله على ما يغضبه ، وهو من هذا ، أى من [ حملته ] (٢) الحمية على الجهل والغضب، وهو معنى الرواية الأخرى . قيل : احتملته: أغضبته، أو احتمل، كما قال: (( حتى هموا أن يقتتلوا)). وقوله: ((فتشهد رسول الله ◌َّ حين جلس ثم قال)): فيه الابتداء بذكر الله وحمده بالشهادتين فى الكلام فى الأمور المهمة . وقوله: ((ألممت بذنب)) : أى أتيته [ به ](٣) وليس لك بعادة ، وهو أصل اللمم ، وقد فسرناه قبل (٤) . قال الداودى فى قوله هذا : لا دليل على الفرق بين أزواج النبى وغيرهن؛ من وجوب اعتراضهن بما يكون منهن من ذلك [ ولا يكتمه ](٥)؛ إذ لا يحل لنبى إمساك من يفعل ذلك ، وأمر غيرهن بالستر . وليس كما قال ، ولا فى الحديث أمرها بالاعتراف، إنما قال لها: ((استغفرى الله وتوبى))، وهذا فيما بينها وبين الله وكذلك قوله: (( فإن العبد إذا اعترف)) ليس فيه تصريح بأمرها بالاعتراف له ، وإنما هو بالاعتراف لله ، كما قال . وقوله : ((فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه)): قد مضى الكلام على التوبة ، وقوله: (( تاب الله عليه)): توبة الله على عباده : الرجوع بهم من المعصية (١) يوسف : ١٨. (٢) فى ح: (( حمله )). (٣) ساقطة من ح ، والمثبت من ز . (٤) انظر: ك القدر، ب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره، برقم (٢٠) . (٥) فى ح : ولا يكتمنه . ٢٩٩ كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ . قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشى. قَالَتْ وَأَنَا، وَالله، حينَذْ أعْلَمُ أَنِّى بَرِيْئَةٌ، وَأَنَّ اللهَ مُبَرَّتَّى بِبَرَاءَتَى. وَلَكِنْ، وَاَلله، مَا كَنْتُ أَظُنُّ أنْ يُنَزَّلَ فِى شَأْنِى وَحْىٌ بے يُتْلَى، وَلَشأنِى كَانَ أَحْقَرَّ فِى نَفْسِى مِنَ أنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِىَّ بِأَمْرٍ يُتْلَىَ، وَكَتَّى كُنْتُ أَرْجُو أنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى النَّوْمِ رُؤْيَا يُرِّثِِّىِ اللهِ بِهَا. قَالَتَّ: قُوَاللهِ، مَارَامَ رَسُولُ الله ◌َّهُ مَجْلِسَه، وَلَا خَرَجَ مِنْ أهّلِ البَيْتِ أحَدٌ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِّه ◌َِّهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ من الْبُرْحَاء ، عِنْدَ الوَحْىِ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدّرَ مِنْهُ مثلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ فِى الَيَوْمِ الشَّاتِ، مِن ثِقَلِ القَوَّلِ الَّذِىِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا سَّرِّى عَنْ رَسُول الله تَُّ - وَهُوَ يَضْحَكُ - فَكَانَ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: ((أَبْشرى يَا عَائشَةُ، أمَّا اللـهَ فَقَدْ بَرَّأَك)) . فَقَالَتْ لِى أَمِّى: قَومِى إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاَلله، لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا أحْمَدُ إلا اللهَ، هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ بَرَاءَتَى. قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ إلى الطاعة، وهو بمعنى قوله : ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾(١)، ويكون قبول تبوتهم ورضاه بها كما جاء فى الحديث، وبمعنى ثبتها وأخلصها لهم . وقد يأتى بمعنىٍ الرجوعِ بهم من التشديد إلى التخفيف ، ومن الخطر إلى الإباحة لقوله: ﴿ عَلِمَ أَن لَن تُحْصُوهُ فَتَابُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢)، أى خفف. ومعنى (( قلص دمعى)) : أى ارتفع . وقولها لأبيها وأمها: ((أجب عنى رسول الله عَّه)): فيه تقديم الكبير للكلام على الصغير فى المهمات ، وفى مخاطبة أهل الأمر والموقرين. وقولهما: ((ماندرى )) إذا كان الأمر الذى سألتهما مالا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله عَّه قبل أن بأتيه الوحى ، من حسن الظن بها والسير إلى الله تعالى . وفيه أنه لا يجب الأحد أن يعترف](٣) على نفسه بمالم يفعله ، وإن علم أنه فى إنكاره يكذب وفى اعترافه يصدق لقرينة تدل على ذلك ، بل لا يجب أن يقول إلا الحق . وقولها : حين تلت : ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [ قيل : هو خبر عن مبتدأ محذوف دل عليه الكلام ، أى فصبرى صبر جميل ] (٤). وقولها : (( فما رام رسول الله عَّه مجلسه)): أى مابرحه وما فارقه، والريم: البراح والنزول ، يقال منه رام يريم ، فأما من طلب الشىء فرام يروم . (١) التوبة : ١١٨ . (٣) فى ح : أن يعترف أحد . (٢) المزمل : ٢٠ . (٤) فى هامش ح . . كتاب التوبة / باب فى حديث الإفك ... إلخ ٣٠٠ - مَنْكُمْ﴾(١) عَشْرَ آيَات، فَأَنزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - هَؤلاء الآيات بَرَاءَتَى. قَالَتْ: فَقَالَ أُبُو بَكْر - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ لِقَرَابَتَه مِنْهُ وَفَقْرِهِ : وَالله، لا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًّا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لعائشَةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِى الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾(٢) .. قَالَ حَبَّنُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِى كِتَابِ اللهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللهِ، إِنِّى لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِى. فَرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ الَّتِىِ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ . وَقَالَ : لا أَنْزِعُها مِنْهُ أَبَدًا . قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَهُ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْش - زَوْجَ النَّبِىِّ عَ لَّه ـ عَنْ أمْرِى: (( مَاعَلَمْت؟ أوْ مَا رَأَيْت؟ )) فَقَالتْ: يَارَسُولَ الله، أخْمِى سَمْعِى وَبَصَرِى. وقولها فى زينب: ((وهى التى كانت تسامينى)): أى تعاندنى وتضاهينى بجمالها أيضا ومكانتها عند النبى عَّه وأصله من السمو وهو الارتفاع. ورأيت بعض الشارحين فسره من سوم الخسف ، وهو تجشيم الإنسان ما (٣) يكرهه ويشق عليه ، كأنه ذهب إلى أن معناه : تغيظنى وتؤذينى ، ولا يصح هذا من جهة العربية أن يقال فى فاعل منه سامى ، إنما يقال فيه : ساوم . وقولها: ((وطفقت أختها حمنة تحازب لها)) [ بالزاى] (٤)، أى تتعصب. وقوله: (( ما كشفت عن كنف أنثى قط )) بفتح النون ، أى ثوبها الذى يسترها ، كناية عن الجماع . الكنف الستر . وقوله عن بريرة: (( حتى أسقطوا لها به )) كذا رواية الجلودى ، وعن ابن ماهان : لهاتها بتاء باثنتين فوقها ، وهو عند أكثرهم خطأ وتصحيف ، وأن الصواب الأول . قيل : معناه: أى بينوا لها به ، أى بالأمر ، وصرحوا . وإلى هذا ذهب الوقشى وابن بطال قال: من قولهم : سقط على الخبر ؛ إذا علمه ، أو من قولهم : فلان يساقط الحديث أى يرويه ولها (٥) لما صرحوا لها به قالت: سبحان الله. وقال أبو مروان بن سراج: معناه: أتوا بسقط من القول فى كثرة سؤالها وانتهارها ، يقال : أسقط الرجل : إذا أتى بسقط من القول . (١) النور: ١١. (٣) فى ح : بما . (٥) فى ح : ولهذا . (٢) النور : ٢٢ . (٤) فى هامش ح .