Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب البر والصلة / باب تحريم الكبر (٣٨) باب تحريم الكبر ١٣٦ - (٢٦٢٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْن غيَاثِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ، عَنْ أَبِى مُسْلِم الأغَرِّ ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِّى سَعيد الْخُدْرِيِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((الْعَزّ إِزَارُهُ، وَالكِبْرِياءُ ردَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنَى عَذَّبْتُهُ)) . وقوله: ((العز إزارى ، والكبرياء ردائى فمن نازعنى عذبته))، قال الإمام : هذا مجاز: واتساع على عادة العرب ، وهم يقولون : فلان شعاره الزهد والورع ، ودثاره التقوى ، ولا يريدون بذلك الثوب الذى هو شعار ودثار ، وإنما يريدون أنه صفته ونعته ، ووجه الاستعارة فى هذا : أن الرداء والإزار يلصقان بالإنسان و يلزمانه بجملته وفيها ستر له وجمال ، فضرب ذلك مثلا لكون العز والكبرياء بالبارى تعالى أحق ، وله ألزم وأوجب ، واقتضى جلاله لهما آكد . وكذلك العرب يقولون : فلان غمر الرداء ، إذا كان واسع العطية تجوزاً أيضا بذلك ، فعلى هذا يحمل هذا الحديث ؛ لأن الدليل العقلى قام على أن اللباس من صفات الأجسام، وهو - سبحانه - ليس بجسم ، ولا يمسه جسم ، ولا يستره جسم ، وهذا واضح لكل متأمل. ١٠٢ كتاب البر والصلة / باب النهى عن تقنيط الإنسان ... إلخ - (٣٩) باب النهى عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى ١٣٧ - (٢٦٢١) حدّثنا سُوَيْدِ بْنُ سَعيد، عَنْ مُعْتَمَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبيه، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الجَوْنِىُّ، عَنْ جُنْدَب؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَِّ حَدَّثَ: ((أَنَّ رَجُلاً قَالَ: وَالله، لاَ يَغْفَرُ الله لِفُلاَن، وَإِنَّ الله تَعَلَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِى يَتَلَّى عَلَىَّ أَلَّ أَغْفِرَ لِفُلاَنِ ، فَإِّى قَدْ غَفَرْتُ لفُلاَنِ، وَ أَخْبَطْتُ عَمَلَكَ)) أَوْ كَمَا قَالَ. قال القاضى: وقوله فى الذى قال والله لا يغفر الله لفلان: ((من ذا الذى يتألى على الله)): أى يحلف عليه. والتألى: الخلف ، والآلية اليمين. وقوله : (( قد غفرت لفلان وأحبطت عملك)): فيه الحجة لمذهب أهل السنة فى غفران الله ذنوب عباده ، وعفوه عنهم وإن ماتوا مصرين عليها ، ولا حجة فيه للمعتزلة ومن يقول بأنَّ الذنوب تحبط الأعمال ؛ لأن هذا المتألى قانط من رحمة الله ومكذب بها ، والقنوط كفر، والكفر يحبط العمل ، وإن لم يكن هذا قانطا وإنما كان هذا مذهبه إنفاذ الوعيد للعاصين ، فيكون هنا قوله: (( أحبط عمله )) مجازاً لرجحان معصيته بما قال ، فاعتقده بطاعاته حتى كأنه لا حسنة له . ١٠٣ كتاب البر والصلة / باب فضل الضعفاء والخاملين (٤٠) باب فضل الضعفاء والخاملين ١٣٨ - (٢٦٢٢) حدّثْنِى سُوَيَدُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنِ الْعُلاَءِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَلْ قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ ، لَوْ أَفْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ)) . وقوله: ((رب أشعث مدفوع بالأبواب)): الأشعث : الملبد شعر الرأس ، المغبر غير مدهن ولا مصلح الشعر . و((مدفوع بالأبواب)) : أى لا قدر له عند الناس فيحجبونه ويردونه عن أبوابهم. وقوله: (( لو أقسم على الله لأبره)): أى لفضله ، ومنزلته عند الله أنه يجيب رغبته ودعاءه ، ولا يخيب أمله وبره لرجائه وعزيمته فى رغبته لربه والقسم هنا عبارة عن قوة العزيمة فى الرغبة والدعاء ، أو يكون عن وجهه فيما أقسم عليه من الأمور ؛ أن الله قد أجرى قدره وتقدم فى سابق علمه ، أنه ممن لا يخالف مجارى القدر قسمه ، ويبر خلقه ، ويمضى عزيمته . وقيل : معنى القسم هنا : الدعاء ، وأبره أجابه . ١٠٤ كتاب البر والصلة / باب النهى من قول : هلك الناس (٤١) باب النهى من قول : هلك الناس ١٣٩ - (٢٦٢٣) حدّثْنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُزَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّه. ح وَحَدَثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيِىَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َُّ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ)). قَالَ أَبُو إِسْحَقَ : لاَ أَدْرِى، أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ . ( ... ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ . ح وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَاَل ، جَمِيعًاً عَنْ سُهَيْلٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلُهُ. وقوله : ((إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم)) وقول الراوى عن مسلم - وهو أبو إسحق بن سفيان -: لا أدرى أهلكهم ، بالنصب أو بالرفع ، قال الإمام : يحمل هذا [عند العلماء] (١) أن القائل قال ذلك ازدراء بالناس ، واحتقارًا لهم ، وإعجابًا بنفسه . فأما قوله على جهة [ التفجع والإشفاق، وذهاب الصالحين ] (٢)، وتفضيل من مضى من الصالحين ، وتفضيل من مضى من الأولين - فإنه خارج عن هذا والقصد (٣) بغير أحكام اللفظ وتصرفه، فالأول عنوانه الكبر والاستهزاء بالناس، [ وهو مذموم ](٤)، والثانى: عنوان الإشفاق والتقصير بالنفس وتعظيم السلف ، وذلك لا يكون مذموما . قال القاضى : وقيل هذا فى الغالين والمبتدعين ، الذين يقولون : هلك الناس ، أى استوجبوا الخلود فى النار بمعاصيهم ، والذين يؤيسون الناس من رحمه الله . وقيل: ((أهلكهم)) : أى أنساهم الله ، وقيل : أفشلهم وأرداهم . ومن رواه بالنصب فمعناه: هو الذى قال فيه ذلك ، واعتقده فيه من الضلال واستحقاق النار ، لا الله تعالى. (١) فى المعلم : عند بعض العلماء . (٢) فى المعلم : الإشفاق والتفجع ولذهاب الصالحين . (٣) فى المعلم : والفصل . (٤) سقط من المعلم . ١٠٥ كتاب البر والصلة / باب الوصية بالجار والإحسان إليه (٤٢) باب الوصية بالجار ، والإحسان إليه ١٤٠ _ (٢٦٢٤) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَس. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. حَ وَّحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِىّ شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَبْدَةٌ وَيَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، كُلَّهُمْ عَنْ يَحْبَى بْنِ سُعِيد.حِ وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب - يَعْنِى النَّقَفِىَّ - سَمَعْتُ يَحْبَى بْنَ سَعِيد، أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْر - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّد بْنْ عَمْرَو بْنَ حَزْم -َ أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ ؛ أَنَّهَا سَمَعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ يَقُولُ: ((مَا زَالَّ جِبْرِيلُ يُوصِيِنِى بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنْتُ أَنَّهُ لَّيُوَرَّثَنَهُ)) . ( .. ) حدّثنَى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبّدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ ، حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ يَّهُ . بِمِثْله . ١٤١ _ (٢٦٢٥) حدّثَنِى عُبَيْدُ اللّه بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ عُمَرَ بْن مُحَمَّد، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: (( مَا زَالَ ويتو رور يوم جِبْرِيلُ يُوصِينِىّ بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَّنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرَنَّهُ )) . ١٤٢ - ( .. ) حدّثنا أَبُو كامل الْجَحْدَرِىُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لإسْحَقَ . قَالَ أَبُو كَامِل : حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحُقُ : أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الْعَزِيزِ بَنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّرَانَ الْجَوْنِىُّ، عَنَّ عَبْد الله بْنِ الصَّامِتِ، عَنَّ أَبِى ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله عَُّ: (( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَّةٌ، فَأَكْثَرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدَ جِيرَانَكَ )) . ١٤٣ _ ( ... ) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيْسَ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ ، عَنْ عَبْد الله بْن الصََّمتِ، عَنْ أَبِى ذَرِّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِى عَّهُ أَوْصَانِ: ((إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيْرَاتِكَ، فَأَصِبَّهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفَ )) . ذكر مسلم الأحاديث فى الوصية بالجيران ومواساتهم ، وأن لهم حقاً يزيد على حق غيرهم من المسلمين ، وقد مرّ منه فى أول الديوان . وقوله: ((فأصبهم منه بمعروف)) : أى ناولهم منه ، واجعلهم يصيبون منه ، يقال : أصاب من الطعام : إذا أكل منه ، وأصله من الأخذ . أصاب الشىء : إذ أخذه . ١٠٦ كتاب البر والصلة / باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء (٤٣) باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء ١٤٤ _ (٢٦٢٦) حدّثَنِى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامر - يَعْنِى الْخَزََّزَ - عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ : قَالَ لىَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: ((لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوُفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوجْه طَلُقٍ)). وقوله: (( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أَنْ تلقى أخاك بوجه طلق)) ، ويروى : ((طليق)) بكسر اللام فيهما، ويقال: ((طلق)) بسكونها ، وهو المنبسط السهل. فيه الحض على فعل الخير ، قلّ أو كثر ، وألا تحقر منه شيئاً ، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (١). وفيه أن طلاقة الوجه للمسلمين والانبساط إليهم محمود مشروع مثاب عليه ، وبخلافه التجهم [ لهم ] (٢) والازوراء عنهم إلا لغرض كنبى، وكفى بخُلق نبينا - عليه السلام - فى ذلك ، وبما وصفه الله به ونزهه عنه من قوله: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لا نفَضُّوا مِنْ حَوْلِك﴾ (٣). (١) الزلزلة : ٧ . (٢) غير واضحة فى ز . (٣) آل عمران : ١٥٩ . ١ ١٠٧ كتاب البر والصلة / باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام (٤٤) باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام ١٤٥ - (٢٦٢٧) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِر وَحَفْصُ بْنُ غيَاث ، عَنْ بُرَيّدِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ : كَانَ رَسُولُ الله عَّهِ، إِذَا أَنَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ، أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: (( اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا ، ولَيَقْضِ اللـه عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ مَا أَحَبَّ)). وقوله: ((اشفعوا فلتؤجروا ، ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب)): الشفاعة لأصحاب الحوائج والرغبات عند السلطان وغيره مشروعة محمودة مأجور عليها صاحبها بشهادة هذا الحديث ، وشهادة كتاب الله بقوله: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ حَسَنَةً﴾(١) على أحد التأويلين . وفيه أن معونة المسلم فى كل حال بفعل أو قول فيها أجر ، وفى عموم الشفاعة للمذنبين، وهى جائزة فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره ، وله قبول الشفاعة فيه والعفو عنه إذا رأى ذلك كما له العفو عنه ابتداء ، وهذا فيمن كانت منه الذلة والفلتة ، وفى أهل الستر والعفاف، ومن طمع بوقوعه عند السلطان والعفو عنه من العقوبة أن يكون له توبة ، وأما المُصِرون على فسادهم ، المستهزئون فى باطلهم ، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم ، ولا ترك السلطان عقوبتهم ، ليزدجروا عن ذلك ، وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم وقد جاء الوعيد فى الشفاعة فى الحدود . (١) النساء : ٨٥. ١٠٨ كتاب البر والصلة / باب استحباب مجالسة الصالحين ... إلخ (٤٥) باب استحباب مجالسة الصالحين ، ومجانبة قرناء السوء ١٤٦ _ (٢٦٢٨) حدّثْنَا أَبُو بكر بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ بُرَيّد بْن عَبْد الله ، عَنْ جَدِّ، عَنْ أبى مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ عَّهُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ الهَمَّدَانِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الِسْكِ وَنَافِخِ الكبير. فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّ أَنْ تَبَتَاعَ مِنْهُ ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طَيَِّةَ. وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)) . وقوله : فى تمثيل الجليس السوء والجليس الصالح بحامل المسك أو نافخ الكير: فيه تجنب خلطاء السوء ومجالسة الأشرار وأهل البدع والمغتابين للناس ؛ لأن جميع هؤلاء ينفذ أثرهم إلى جليسهم ، والحض على مجالسة أهل الخير وتلقى العلم والأدب ، وحسن الهدى والأخلاق الحميدة . وقوله : (( فحامل المسك إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة)) ، قال الإمام : جمهور الفقهاء على طهارة المسك وجواز بيعه . وقال قوم بنجاسته والدليل عليهم قوله هاهنا: ((وإما أن تبتاع منه))، والنجس لايباع؛ ولأنه عَّه استعمله ، ولو كان نجسا لم يستعمله ، والناس فى الأعصار الماضية ما أحد منهم ينكر استعماله، فدلَّ ذلك كله على طهارته . وقوله: ((إما أن يحذيك)): يقال: أحذيت فلانا ، بمعنى أعطيته . قال القاضى : قد ذكر بعض أئمتنا الإجماع على طهارة المسك وطهارة فارغه ، وهى جلده التى يوجد فيها ، وهى قطعة ميتة أو صيدُ غير مسلم له حكم الميتة . وكذلك توضح قطعها من الغزالة حال الحياة ، فما أخذ من الحى وقطع منه فهو ميتة ، وكيف ولا يصح أخذها منه حال الحياة ، ثم الشىء المجتمع فيه دم متعفن نجس أو مواد حكمها حكم ذلك ، كما يجتمع فى الجراحات ، ولا معقل عند المحققين من الفقهاء على طهارته إلا على الإجماع باستعماله ، والثناء عليه وعلى ريحه وبائعه ومبتاعه ومستعمله ؛ ولذلك قال بعض أئمتنا : هى نجسه لكن يصلى بها ، يعنى أنه مما خص وعفى عنه شرعا ، والقياس يقضى بنجاسته ، وصحة الآثار والاقتداء يقضيان باستعماله ، وما روى من كراهة العمرين له فليس فيه نص على نجاسته عندهما ، ولا يصح الخبر بذلك عنهما ، بل صح قسمة عمر بن الخطاب له على ١٠٩ - كتاب البر والصلة / باب استحباب مجالسة الصالحين ... إلخ. ٥٦/ ب نساء / المسلمين . والمعروف عن ابن عمر استعماله ، ولا تعويل على قول من قال من شيوخنا فى تعليل طهارته : إنه متولد من الحيوان ، يؤخذ منها حال الحياة كالبيض ، فهذا قياس فاسد وتمثيل لا يصح ؛ فإن البيض ينفصل بنفسه حال الحياة غير متصل بجسد الحيوان، وهو كالمولود إذا خرج وانفصل كان طاهراً فى نفسه ، وأما فارة المسك فقطعة من جلد الحيوان. ولا يعول أيضا على قول من قال : هو جاف ولا يضره المحل النجس ، فإن المسك فى أصله ليس فى صوابه ولو كان جافاً لكانت جلدة الحيوان تنجسه وإنما أصله رطب وإنما يجففه المكث بعد جلبه وبقائه الزمان فى صوابه (١) ، ولو كان جافا لكانت جلدة الحيوان تنجسه لأنها رطبة لظاهر جعل فى وعاء رطب نجس ؛ ولذلك لا تعويل على قول مَن قال : إنه منقلب عن الدم متحول العين كالخل والخمر ، فإنا لو سلمنا هذا لبقى علينا تنجيس طرفه وهو قطعة جلد الميتة الرطبة التى فيها ، بخلاف دن الخمر ؛ لأن دن الخمر إنما ينجس أولا بنفس الخمر لا بغير ذلك ، فلما انقلبت خلاً انقلبت سائر الأخرى التى داخلته ونجسته . قيل خلاف ذلك الحكم جملة ، ولو كان الدن نجسا بنجاسة أحد لما تطهرت الخمر إذا تخللت(٢) فيه ولا الدن أبدًا ، فلم يبق للقياس فى طهارة المسك وفارته مجال إلا التسليم واتباع السنة ، وقبول الرخصة ، واستثناء طهارته من هذه الأبواب ، والاقتداء فى ذلك بصاحب الشريعة ، وإجماع أمته على طهارته . (١) فى الأبى : وعائه . (٢) فى الأبى : تحللت . ١١٠ كتاب البر والصلة / باب فضل الإحسان إلى البنات (٤٦) باب فضل الإحسان إلى البنات ١٤٧ - (٢٦٢٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّه بْنِ قُهزَاذَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، أخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شهابٍ. حَدَّثَنِى عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللّهِ بْنِ بِهْرَامَ وَأَبُوبَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ - وَ اللَّفْظُ لَّهُمَا - قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُوَ الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللّه بْنُ أَبِى بَكْرِ؛ أَنَّ عُرْوَةً ابْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ - زوْجَ النَّبِىِّ ◌َّهُ - قَالَتْ: جَاءَتْنِى امْرَةٌ وَمَعَهَا ابْتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتْنِى فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِى شَيئاً غَيْرَ تَمْرَةَ وَأَحدَةٍ فَأَعْطَيُّهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْها فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْتَتَيْها، وَلَمْ تَأَكُلْ مِنْهَا شَيئاً، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجْتْ وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ عَّهِ فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا ، فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َ:( مَنِ ابْتُلِىَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَىْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّلَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ». ١٤٨ _ (٢٦٣٠) حَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ - عَنِ ابْنِ الْهَاد ؛ أَنَّ زِيَادَ ابْنَ أَبِى زِيَادِ - مَوْلَى ابْنِ عَّاشِ - حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالك، سَمِعْتُهُ يُحَدَّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِى مِسْكِنَةٌ تَحْمِلُ ابْتَيْنِ لَّهَا ، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاثَ تَمَرَاتِ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةٌ، وَرَفَعَتْ إِلَى فيها تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطِعَمَتْهَا ابْتَتَاهَا، فَشَقَّت الثَّمْرَةَ، الَّتَى كَأَنَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا، بَيْنَهُمَا ، فَأَعجَبَنِى شَأْنُها، فَذَكَرْتُ الَّذِى صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ عَّهُ، فَقَالَ: ((إنَّ اللهَ قَدْ أَوَجَبَ لَها بها الجنَّةَ، أَوْ أعْتَقَهَا بِها مِنَ النَّارِ)». ١٤٩ - (٢٦٣١) حدثنى عَمْرو النَّاقدُ، حَدَثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبْرِىُّ، حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ وقوله: (( مَنْ ابتلى مِنْ هذه البنات بشىء فأحسن إليهن، كنَّ له ستراً من النار )) و((مَنْ عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين )) وضم أصابعه ، يعنى يقال : قام عليها ومأنها وأنفق عليها ، ولعلها مأخوذة من العول وهو العوب ، قال الله تعالى: ﴿أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾(١) وقال عليه السلام: ((وابدأ بمن تعول)) (٢). (١) النساء : ٣ . (٢) سبق فى ك الزكاة، ب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى برقم (٩٥، ٩٧)، أحمد فى مسنده ٢ / ٩٤ من حديث ابن عمر . ١١١ كتاب البر والصلة / باب فضل الإحسان إلى البنات. عَبْد الْعَزِيزِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله ◌َُّ: ((مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ)) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ . ١ قال الإمام : قال صاحب الأفعال : عال الحاكم عولاً : جار ، والسهم عن الهدف والميزان : مالا ، والفريضة : مالت ، والرجل قمت بمؤنته عولاً ، والشىء عول عليك : ثقل ، وعال الرجل عليه (١) افتقد ، والشىء عيلاً: أعجزك ، والضالة عيلاً وعيلانا : لم أدر أين أطلبها، وعيل الصبر: غلب. والذى يصح أن يراد من هذا الحديث : القيام بالمؤنة . قال القاضى : قد جعل - عليه السلام - فى هذه الأحاديث من الفضل لمن قام على البنات ما جعلن له أو لغيره ، وقد جاء فى الحديث الثانى فى غير الأم: (( مَنْ عال يتيما)). وقوله : (( جاء يوم القيامة أنا وهو)) وضم أصابعه ، جاء فى غير الحديث: ((كهاتين)) يريد: رفاقته معه فى الجنة ، أو دخوله معه إياها فى أول من يدخل ، وكفى بهذا فضلاً ولذلك فى الحديث الآخر: (( كُنَّ له حجاباً من النار)) . (١) فى المعلم : عيلة. ١١٢ كتاب البر والصلة / باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه (٤٧) باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه ١٥٠ _ (٢٦٣٢) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهاب ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةٍ، عَن النَّبِىِ لَّهُ قَالَ: ((لَا يَمُوتُ لأحَد مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَُّ النَّارُ، إِلا تَحِلَّةَ الْفَسَمِ)). ( ... ) حدّثْنَا أَبُوبَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرُو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةٍ . ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ رافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، كلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بإسْنَادِ مَالِكِ وَبِمَعْنَّ حَدِيثِهِ . إِلا أَنَّ فِى حَدِيثِ سُفْيَان: ((فَيَلِجَ النَّار، إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ )) . ١٥١ _ ( ... ) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد - عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ لنسوَةَ مِنَ الأَنْصَارَ: (( لا يَمُوتُ الإِحْدَاكُنَّ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُ، إلا دَخَلَت الْجَنَةِ )) . فَقَالَتْ امْرَةٌ مِنْهُنَّ: أَو اثْنَّيْن يَارَسولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَوِ اثْنَيْنِ » . ١٥ - (٢٦٣٣) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِىُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَنَةٍ ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِ، عَنْ أَبِى صَالِحِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِى سَّعيد الْخُدْرِىِّ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّه فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُّ بَحَدِيثِكَ، فَاجْعَل وقوله: ((لايموت لأحد من المسلمين [ ثلاثة](١) فتمسه النار، إلا تحلة القسم)): أى ما تحلل به القسم وهو اليمين، وجاء تفسير القسم فى الحديث ، قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾(٢) وإلى هذا ذهب أبو عبيد وغيره والقاسم قوله عند بعضهم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِين﴾ أول الآية (٣)، وقيل فى قوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ﴾ أى: فو الله إن منكم ، وقيل: يدل عليه قوله : ﴿حَتْمَا مَّقْضِيًّا﴾ فسره الحسن وابن مسعود قسماً واجباً وقال ابن قتيبة : معناه: التعليل لأمر ورودها . ((وتحلة القسم)) تستعمل فى هذا فى كلام العرب، واحتج بهذا وقد يحتمل قوله: ((إلا تحلة القسم)): أى ولا تحلة القسم ، أى لا يمسه قليلاً ولا مثل تحلة القسم ، كما قيل فى قوله: ((إلا الفرقدان))، أى: ولا الفرقدان. (١) مثبتة من الحديث المطبوع . (٣) مريم : ٦٨ . ٠ (٢) مريم : ٧١ . ١١٣ كتاب البر والصلة / باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه لَنا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأتيكَ فيه، تُعَلِّمُنَا ممَّا عَلَّمَكَ اللهُ. قَالَ: ((اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا)). فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ عَّهِ فَعَلَّمُهُنَّ ممَّا عَلَّمَهَ اللهُ. ثُمَّ قَالَ: (( مَا مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيّها، مِنْ وَلَدِهَا، ثَلاثَةً، إلا كانُوا لَها حِجَاباً مِنَ النَّارِ)) فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَ اثْنَيْنِ ، وَثْنَيْنِ ، وَاثْنْن؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( واثْنَيَنٍ، واثْنَيْنِ ، وَاثْنَينٍ )) . ١٥٣ - (٢٦٣٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتّى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ معاذ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَّهَانِ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ. وَزَادَا: جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِ، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا حَازِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَّيْرَةَ قَالَ:(ثَلاَةٌ لَمْ يَبْلُغُّوا الْحِنْثَ)) ١٥٤ - (٢٦٣٥) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعيد وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلِى - وَ تَقَارَبَا فى اللفْظ - قَالا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى السَّلِيلِ، عَنْ أَبِى حَسَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِى هُرَيْرَةَ : إِنَّه قَدْ مَاتٍ لِى ابْنانِ ، فَمَا أَنْتَ مُحَدَِّى عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ بِحَديث تُطَيِّبُ به أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْثَانَا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ ((صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الجَنَّةِ، يَتَلَفَّى أَحَدُهَمْ أَبَّه - أَوْ قَالَ : أَبَوَيْهِ - فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ - أوْ قَالَ بِيَدِه - كَمَا آَخُذُ أَنَا بِصَنِفَةٍ ثَوْبِكَ هَذَا، فَلاَ يَتَنَهَى - أَوْ قالَ : فَلاَ يَنْتَهِى - حَتَّى يُدْخِلَهُ اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ)) . وَفِى رِوَايَةٍ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ، وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحِىَ - يعنِى ابْنَ سَعِيدٍ - عَنِ النَّيْمِى، بِهذَا الإِسْنَادِ. وقَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَّهِ شَيْئاً تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْثَانَا ؟ قَالَ : نَعَم . وقوله : (( فما يتناهى - أو قال: ينتهى - حتى يدخله الله وأبويه الجنة)) هما بمعنى، أى: ما يترك أخذه بيد أبويه . قال الإمام : قال بعض أهل العلم : المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ (١) فالمراد هنا الوقوف عليها ، وقيل : يمرون عليها وهى خامدة ، وقيل : يمرون على الصراط ، وهو جسر عليها ، وقيل : هو ما يصيبهم فى الدنيا من الحمى، لقوله عَّهُ: ((إن الحمى من فيح جهنم)) (٢). وجعله أبو عبيد أصلاً فى الرجل (١) مريم : ٧١ . (٢) سبق فى ك السلام، ب لكل داء دواء برقم (٨٠). ١١٤ كتاب البر والصلة / باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه ١٥٥ - (٢٦٣٦) حدّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أبى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ - واللَّفْظُ لأَبِى بَكْر - قَالُوا: حَدَّثَنَا حَقْصٌ - يَعْنُونَ ابْنَ غِيَاتٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُمَّرُ ابْنُ حَقْصِ بْنِ غِيَاثَ ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ جَدِّهِ، طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةً، عَّنْ أَبِى زُرْعَةً عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : أَنَتِ امْرَأَةٌ النَّبِىَّ ◌َّهُ بِصَبِىٌّلَها . فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللهِ، ادْعُ اللهَ لَّهَ، فَلَقَدْ دَقْنتُ ثَلاَثَةٌ. قَالَ: (( دَفَنْتِ ثَلاثَةً؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((لَقَدِ يحلف ليفعلن كذا بأنه يبوء(١) بالقليل ، وهو خلاف مذهب مالك . وأما قوله: ((لم يبلغوا الحنث)) : قيل : معناه : قبل أن يبلغوا فيكتب عليهم الإثم. وقوله : قلت لأبى هريرة إنه قد مات لى اثنان ، فما أنت محدثى عن رسول الله ٹ﴾. بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا. قال: نعم ((صغارهم دعاميص الجنة)) قال الإمام: أما أطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم فأولاد الأنبياء صلوات الله عليهم منهم، قد تقرر الإجماع على أنهم فى الجنة ، وكذلك جمهور العلماء على أن أولاد من سواهم من المؤمنين فى الجنة ، وبعضهم ينكر الخلاف فى ذلك ويتعلقون بظاهر القرآن ، وما ورد فى بعض الأخبار ، وقال عزّ من قائل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِيَّتُهُم بِيْمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) ، وبعض المتكلمين يقف فيهم ولا يرى نصا قاطعاً مقطوعاً به ورد بكونهم فى الجنة ولم يثبت عنده الإجماع فيقول به . وقوله: ((دعاميص الجنة)): قال : الدعاميص دابة الماء . قال القاضى : سيأتى بقية الكلام فى الأطفال بعد هذا ما سيبقى منه ، والخلاف فى أولاد المشركين. وهذا الباب ليس من العمليات التى يلزم التعويل فيها على أخبار الآحاد والظواهر وغلبات الظنون والقطع فيها متعذر ، ولا يبعد فى دليل العقل على مذهب أهل السنة رحمة الله لجميعهم حتى مؤمنيهم وكافريهم ، وتنعيم جميعهم فى الجنة وما شاء من ذلك ، وإنما يفسر هذا التجويز والقول على مذاهب أهل البدع فى تحكيم العقول فى هذه الأبواب ، وتعويلهم على التحسين والتقبيح والتعديل والتجويز والصلاح والأصلح ، وحكمهم على الله بآدابهم فى سلطانه وقدرته ومشيئته وحكمته وطمعهم فى مشاركته فى علم قدره وغيبه . وقوله: (( فيأخذ بثوبه كما آخذ بصفة ثوبك)) : وصنفة الثوب : طرفه . وقوله: (( فلا يتناهى - أو قال: ينتهى - حتى يدخله الله وأبويه الجنة)) أى ما يترك ذلك، يقال : انتهى وتناهى وأنهى بمعنى . (١) فى المعلم : يبرأ . (٢) الطور : ٢١ . ١١٥ كتاب البر والصلة / باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه احْتَظِرَتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِن النَّارِ » . قَالَ عُمَرُ ، مِنْ بَيْنِهِمْ: عَنْ جَدِّهِ. وَقَالَ الباقُونَ: عَنْ طَلْقٍ. وَلَمْ يَذْكُرُوا الجَدَّ. ١٥٦ - ( ... ) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ وَزُهَيَرُ بْنُ حَرْبِ، قَالا: حَدَّثْنَا جَرِيرٌ عَنْ طَلْق أَبْن مُعَاوِيَةَ النَّخَعِىِّ أَّبِى غِياثٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِّ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ : جَاءَتِ امْرَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ◌َّهُ بِابْنِ لَهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَشْتَكِى، وَإِنِّى أَخافُ عَلَيْهِ، قَدْ دَفَنْتُ ثَلاثَةٌ. قَالَ: ((لَّقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ)» . قَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ . وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُنْيَةَ . وقوله : ((احتظرت بحظار شديد من النار)) أى امتنعت منها والحظار كالحائط حول البساتين وغيرها ، من عيدان وقضبان يصغر ويخطر بها عليها . وقوله: ثم قال بعد ذلك لما سئل: ((أو اثنين)) يحتمل أنه أوحى إليه أولاً بثلاث، ثم بعد ذلك لما سئل باثنين ، وقد جاء أثر أنه سُئل فى واحد فقال: ((أو واحد )) وعليه يدل معانى غيرها من الأحاديث ، ويُحتمل أنه - عليه السلام - قاله ابتداء ، للأتم لأمته؛ لأن ثلاثا أول الكثرة ، فأخبرهم بذلك الثلاثة كل مَنْ مات له ولد على شفاعته ودخره ، وسكت عما وراءه ، فلما سئل أعلم بما عنده فى ذلك. وفى قولها : أو اثنان بعد ذكر النبى عَّه ذلك فى الثلاثة ، وهى من أهل اللسان ، دليل على أن تعلق الحكم بعدد ما لا ينفيه من جهة دليل الخطاب عمن عداه من العدد كان أقل أو أكثر . قوله: (( فتحتسبه)): يدل أن هذا الأجر إنما هو لمن احتسب أجره على الله وصبر. والاحتساب والحسبة والحساب بالكسر : ادخار الأجر عند الله وأن يعتد مصابه ويحسبه من حسناته ، وهو مأخوذ من الحساب. ١١٦ كتاب البر والصلة / باب إذا أحب الله عبدا ... إلخ (٤٨) باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده ١٥٧ - (٢٦٣٧) حدّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ أَبِی هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا، دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّى أُحِبُّ فُلانًا فَأحبَّهُ). قَالَ: ((فَيُحِبُّهُ جبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِى فِى السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحبُّ فُلانا فَأَحُبُّوه، فَيُحِبُُّ أَهَلُ السَّمَاءِ)). قَالَ: (( ثَمَّيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِى الأَرَضِ. وَإِذَا أَبْغَضَّ عَبْدًا دَعَا جَبَرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّى أُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضْهُ)). قَالَ: ((فَيُبْغَضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّيُنَادِى فِى أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُبَغْضُ فَلاَنَا فَأَبْغِضُوهَ)). قَالَ: (فُبْغِضُونَهُ، ثُمَّتَوَضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِى الأَرضِ ». ( ... ) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِىَّ - وَقَالَ قُتِبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ. ح وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشعَنِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. ح وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنِى مَالِكٌ - وَهُوَ ابْنُ أَنَسِ - كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ حَديثَ الْعَلَاءِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِّ . وقوله: ((إذا أحب الله عبداً دعا جبريل: إنى أحبه فأحبه)) إلى قوله: (( فوضع له القبول فى الأرض)): وقال مثله فى البغض . محبة الله عبده: إرادة الخير به فى الدنيا والآخرة ، من هدايته له وإنعامه عليه ورحمته له ، وبغضه له : أراد به شقاء عقابه وشقاوته فى الدنيا والآخرة ، وقد تكون محبة جبريل والملائكة على وجهها من معنى المحبة وظاهرها التى تليق بالمخلوقين ، ويتنزه عنها الخالق ، وهو ميل النفس ونزوع الروح والقلب إليه وحبه لقاءه ، وأنه لما كان ممن أطاع وأحبه الله كان ممن يجب أن يكون مع جبريل والملائكة متحابين في الله . وقد يكون من جبريل والملائكة استغفارهم له ، وذكرهم الجميل فى الملأ الأعلى له ودعائهم له . وقوله : (( فيوضع له القبول فى الأرض )) وهو الرضا والحب فى القلوب ، أى تقبله وتميل إليه ، ولا تنفر عنه ولا ترده ، قال الله تعالى: ﴿فَقَبِّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾(١)، أى: رضى. قال أبو عمر: هو مصدر، ولم أسمع غيره بالفتح فى المصدر . وقد جاء فى رواية القعنبى مفسراً : فتوضع له المحبة . (١) آل عمران: ٣٧ . ١١٧ كتاب البر والصلة / باب إذا أحب الله عبدا ... إلخ ١٥٨ _ ( ... ) حدَّثْنِى عَمْروُ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، أَخْبَرَنَا عِبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، الماجِشُونُ، عَنْ سُهَيَل بْنِ أَبِى صَالِحٍ، قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ، فَمَرَّ عُمَرُ ابْنُ عَبْد العَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الَوْسِمِ ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِليهَ. فَقُلْتُ لأبى: يَا أَبَتِ ، إِنِّى أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ. قَال: وَمَا ذَاكَ ؟ قُلَتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّفِى قُلُوَبٍ النَّاسِ. فَقَالَ. بِأَبِيكَ أنْت، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللـهِ عٍَّ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيث جَرِيرِ عَنْ سُهَيْلٍ . وقوله : (( وهو على الموسم)) يعنى الحج بالناس ، سمى بذلك من الوسم وهى العلامة ، ومنه : مواسم الأسواق : علاماتها التى يجتمع إليها الناس ، أو تكون إشارة إلى الإهلال الذى هو علامة الحج . . ١١٨ كتاب البر والصلة / باب الأرواح جنود مجندة (٤٩) باب الأرواح جنود مجندة ١٥٩ - (٢٦٣٨) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد - عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَِّ قَالَ: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَّةٌ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اثْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)) . ١٦٠ - ( .. ) حدّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ. قَالَ: ((النَّاسُ مَعَادنُ كَمَعَادن الفضَّةَ والذَّهَبِ ، خِيَارُهُمَّ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَّارُهُمْ فِى الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا . وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اثْتَلَفَ، وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ )) . وقوله: ((الأرواح جنود مجندة)) أى أجناس مجنسة (( فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف)): قيل: معنى ((أجناد مجندة)): أى جموع مجمعة ، وقيل: أجناس مختلفة . هذا التعارف لأمر جعله الله فيها وجبلها عليه ، وأشبه ما فيه أن يكون تعارفها موافقة صفاتها التى خلقت عليها ، وتشابهها فى شيمها التى خلقت بها ، وقيل : تعارفها أنها خلقت مجتمعة، ثم فصلت / فى أجسادها كل قسم فى جسدين، فمن وافق قسمه ألفه، ومن باعده نافره ، وقيل : هو ما يعرف الله به إليها من صفاته ودلها به عليه من لطفه وأفعاله ، فكل زوج عُرفَ من الإجزاء به تعرف إلى الله بمثل ما تعرف هو به إلفه . وقال الخطابى : تآلفها : هو ما خلقها عليه من السعادة أو الشقاوة فى المبدأ الأول . وفيه تقدمها على خلق الأجساد ، كما جاء فى الحديث ، وأخبر أنه قسمها قسمين : مختلفة ومؤتلفة . ٥٨/أ ١١٩ كتاب البر والصلة / باب المرء مع من أحب (٥٠) باب المرء مع من أحب ١٦١ - (٢٦٣٩) حدّثْنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنَّ أَعْرَابِياً قَالَ لِرَسُول اللـهِ نَّهُ: متى الساعة؟ قال له رسول الله عَّهُ: (( مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ )) قَالَ: حُبَّ الله وَرَسُوله . قَالَ : ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيتَ )) . ١٦٢ - ( .. ) حدّثنا أَبُوبَكْر بْنُ أَّبِى شَيْبَةَ وَعَمْروُ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِزُّهَيْرِ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسَ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ: يَارَسُولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (( وَمَا أَعْدَدْت لَهَا؟ )) فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيراً. قَالَ: وَلَكِنِّى أحبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: ((فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ )) . ( ... ) حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ عَبْد: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رافع : حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمُّرُ ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ عَه بمثْلِه. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِى. ١٦٣ - ( ... ) حدّثنى أَبُو الرَّبيع الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْد - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (( وَمَّا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟)) قَالَ: حُبَّ اللهِ وَرَسولِهِ . قَالَ : ((فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحّْْتَ )). وقوله فى الذى سأله عن الساعة، فقال: (( ما أعددت لها ؟ )) فقال : ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكنى أحب الله ورسوله قال: ((فأنت مع مَنْ أحببت))، وفى الحديث الآخر: ((المرء مع مَنْ أحبّ)) فيه أنّ محبة الله ومحبة نبيه الاستقامة على طاعتهما وترك مخالفتهما ، وإذا أحبهما تأدب بأدب شريعتهما ، ووقف عند حدودهما وفى حبه لله ولنبيه ولمن أحبه من الصالحين وميله بقلبه إليهم ، إنما ذلك كله لله تعالى ، وطاعة له وثمرة صحة إيمانه ، وشرح قلبه ، وهو من أعظم الدرجات وأرفع منازل الطاعات، ومن أعمال القلوب التى الأجر عليها أعظم من أجر أعمال الجوارح ، وإثابة الله على ذلك أن رفع إلى منزلة مَنْ أحبه فيه، وإن لم يكن له أعمال مثل أعماله، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء. ١٢٠ كتاب البر والصلة / باب المرء مع من أحب قَالَ أَنَسُّ: فَمَا فَرِحْنَا ، بَعْدَ الإِسْلامِ، فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْل النِبِى لَّهُ : ((فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ)) . قَالَ أَنَسٌّ: فَأَنَا أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَأَبَا بَكْر وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ. ( ... ) حدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِىُّ، حَدَّثْنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُغَنِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَِّىِّ ◌َّهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَنَس: فَأَنَا أُحِبُّ. وَمَا بَعْدَهُ . ١٦٤ - ( ... ) حدّثْنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالك قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللهِ عَّهُ خَارِجَيْنِ مِنْ المَسْجِد، فَلَقِينَا رَجُلاً عِنْدَ سُدَّةً المسجد ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟)) . قَالَ: فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ، ثُمَّ قَالَ: يَارَسُولَ اللهِ ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلاة وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: ((فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ)) . ( ... ) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ ابْنِ جَبَلَةَ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِىِ الْجَعْدِ ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َّهُ . بِنَحْوِهِ. ( .. ) حدّثْنَا قُتَّبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنْس. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الُثَنِى وَابْنُ بَشَّارِ قَالا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمْعتُ أَنساً. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو غُسَّانَ المسْمَعِى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى، قالا: حَدَّثْنَا مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، بِهَذَا الحَديثِ . ١٦٥ - (٢٦٤٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَ إِسْحَقُ بْنُ إِبراهيمَ - قَالَ إسْحقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثْنَا - جرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ الله ، قَالَ : وقوله : (( ما أعددت لها كثير صلاة ولاصوم ولاصدقة)) يزيد فيما زاد على الفرائض، والله أعلم . لكن فى حبه لله تعالى ولرسوله بما ذكرناه من أعظم العبادة وأفضل