Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب البر والصلة / باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ... إلخ (( أَجَلْ ، إِنِّى أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَن مِنْكُمْ )) . قَالَ : فَقُلْتُ : ذَلَكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَةٍ: (( أَجَلْ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصيبُهُ أَذِّى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَهُ، إِلاَّ حَطَّ اللّهُ بِهِ سَيَِّاته، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا )) . وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ : فَمَسَسْتُهُبِيَدِى . ( ... ) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْب، قَالاَ: حَدَّثَنَا أُبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمّدُّ بْنُ رَافَع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ . ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَيَحْى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى غَنَّةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرِ ، نَحْوَ حَدِيثِهِ . وَزَادَ فِى حَديثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ: (( نَعَمْ ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، مَا عَّلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ)) . ٤٦ - (٢٥٧٢) حدّثَنا زهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِير . قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُور، عَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ ، قَالَ : دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْش عَلَى عَائشَةً، وَهِىَ بِمِنَّى وُّهُمْ يَضْحَكُونَ . فَقَالَّتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا : فُلاَنٌ خَرَّ عَلَى طُنُبَ فُسْطَاط، فَكَادَتْ عُنُقُهُ أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ . فَقَالَتْ: لاَ تَضْحَكُوا، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلَّ كُنْبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ ، وَمُحَيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)) . لهم الخير ، ويعظم لهم به الأجر، ويستخرج منهم حالات الصبر والرضى [ والشكر والتسليم، والتوكل والتفويض،والتضرع والدعاء، إعظاما لأجرهم](١) وتوفية لثوابهم [وتأكيداً](٢) لتصابرهم فى رحمة الممتحنين ، والشفقة على المبتلين ، ويذكره به عن دونهم، وموعظة لمن ليس فى درجتهم ليتأسوا بهم ويقتدوا برضاهم وصبرهم. ومحو السيئات التى سلفت منهم ، لاسيما لمن اجترأ الصغائر على الأنبياء . وقول عائشة للذين ضحكوا من الذى سقط: ((لا تضحكوا)): الضحك فى (٣) مثل هذا غير مستحسن ولا مباح ، إلا أن يكون من غلبة مما طبع عليه البشر . وأما قصدا ففيه شماتة بالمسلم وسخرية بمصابه ، والمؤمنون إنما وصفهم الله بالرحمة والتراحم بينهم ومن خلقهم الشفقة بعضهم لبعض . (١) فى هامش ح . (٢) يلاحظ أن ما بعد هذه الكلمة غير موافق فى ح ، ووجد توافقها فى الصفحة التى بعدها بورقتين فوجد خلط فى نسخة الحرم (٣٥٨ أ) بعدها (٣٦٢ ب ) فى ح . (٣) فى ح من . ٤٢ كتاب البر والصلة / باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ... إلخ ٤٧ _ ( ... ) وحدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب - وَاللَّفْظُ لَهُمَا. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحْقُ الْحَنْظَلِىُّ - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ: (( مَا يُصِيب المُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّ رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةٌ، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً )) . ٤٨ _ ( ... ) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللّه بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((لاَ تُصِيبُ الْمُؤْمِّنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلاَ قَصَّ الله بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ)) . ( .. ) حدّثنا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثْنَا هِشَامٌ، بِهَذَاَ الإِسْنَادِ . ٤٩ - ( .. ) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرِنَا ابْنُ وهْب، أَخْبَرَنِى مَالكُ بْنُ أَنَس وَيُونُسُ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّ قَالَ: (مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلاَّ كُفْرَ بِهَا عَنَّهُ، حَتَّى الشّوْكَةِ يُشَاكُهَا)) . ٥٠ _ ( ... ) حدّثنا أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَس ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزَّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِىِّ ◌َّهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَ لَّهُ قوله: ((وطنب الفسطاط)): حباله التى يشتد بها . والفسطاط : الخباء ونحوه ، ويقال: بضم الفاء وكسرها ، ويقال أيضا : فسياط بضم الفاء وكسرها فيهما أيضا . وقوله : (( ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ، [ ومحيت عنه بها خطيئة))، وفى الرواية الأخرى: ((رفعه الله بها درجه))] (١)، وفى الأخرى: ((إلا كتب الله له بها حسنة)) أى تصيبه شوكة وهو أدنى الأذى . ومصائب الدنيا ورفعة الدرجات وزيادة الحسنات بذلك خلاف ، من ذهب أنها (٢) تكفر فقط ، وقد روى نحوه عن ابن مسعود ، قال : الوجع لا يكتب به الأجر ولكن يكفر به الخطايا ، واعتمد على الأحاديث التى جاءت فيها تكفير الخطايا فقط ، ولعله لم يبلغه قوله فى هذا الحديث: (( إلا كتب الله له بها حسنة))، وقوله: ((إلا قص الله بها من خطيئته))، وفى رواية السمرقندى: ((نقص)) وكلاهما متقارب المعنى ، أى حوسب بقدرها وحط عنه مثلها ، كما جاء فى الرواية الأخرى: (( حط وكفر)) وأصل القص : الأخذ ، ومنه : القصاص أخذ حق المقتص من صاحبه . (١) من ح . (٢) فى ح : أنه . ٤٣ كتاب البر والصلة / باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ... إلخ قَالَ: ((لاَ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ، حَتَّى الشَّوْكَةِ، إِلَّ قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)) . لاَ يَدْرِى يَزِيدُ أَيْتُهُمَا قَالَ عُرْوَةٌ . ويسـ ور ٥١ - ( ... ) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَا حَيْوَةٌ، حَدَّثْنَا ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائشَةَ قَالَتَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللـه عَِّ يَقُولُ: ((مَا مِنْ شَىْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ، حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيُبُهُ ، إلاَّ كَتَبَ الله لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِئَةٌ )) . ٥٢ _ (٢٥٧٣) حدّثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاء، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِى سَعِيد وَأَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ عَهُ يَقُولُ: (( مَا يُصِيبُ الْمُّؤْمِنَ مِن وَصَبٍ، وَلَّ نَصَبٍ ، وَلاَ سَقَمٍ ، وَ حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّيُهَمُّهُ، إِلَّ كُفْرَ بِهِ مِنْ سَيَِّاتِهِ)) . وقوله: ((لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب))، قال الإمام : الوصب : لزوم الوجع ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴾ (١) أى لازم ثابت، والنصب : التعب . قال القاضى : الأشبه هنا أن يكون النصب بمعنى الوصب . قال الخليل : النصب : الداء ، يعنى بسكون الصاد ، ففتحه على اتباع وصب ، والله أعلم ، وليس هذا موضع الإعياء . وقوله: (( حتى الهم يهمه )) بضم الياء وفتح الهاء على ما لم يسم فاعله . وقوله : حدثنا سفيان - يعنى ابن عيينة ، عن ابن محيصن شيخ من قريش . كذا هو بتنوين الصاد فى رواية أكثرهم فى سند الحديث . وعند العذرى : ابن محيص بغير نون فى آخره . قال مسلم : عمر بن عبد الرحمن بن محيصة من أهل مكة ، كذا رواية السمرقندى والعذرى: ((عبد الرحمن بن محيص)) كذا لكافة شيوخنا عنه. وعند ابن عيسى: ((ابن محيصن)) بزيادة نون، وصوابه: عمر بن عبد الرحمن [ بن محيص ] (٢) كذا ذكره البخارى (٣)، وقال: هو أبو حفص (٤). المكى السهمى القرشى روى عنه سفيان بن عيينة وعبد الله بن مؤمل ، وقال عن ابن جريج : أخبرنى عمر بن عبد الرحمن ، وكانت أمه بنت المطلب بن أبى وداعة . (١) الصافات : ٩ . (٣) انظر: تاريخ البخارى ٥٣/٨. (٢) فى هامش ح . (٤) فى الأبى : محيض . ٤٤ كتاب البر والصلة / باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ... إلخ (٢٥٧٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ - وَلَّفْظِ لقُتََّةَ - حَدَّثْنَا سَفْيَانُ، عَنِ ابْنِ مُحِيَصِنٍ ، شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿مَن يَعْمَلَّ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾(١). بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمينَ مَبّلِغًا شَدِيدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَفِى كُلِّ مَا يُصَابُ بِّهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكِبُّهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكَّهَا)). قَالَ مُسْلِمٌ: هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيِّصِنِ ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةً . ٥٣ _ (٢٥٧٥) حدّثَنِى عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوََّفُ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ. فَقَالَ: ((مَك يَا أُمَّ السَّائِب - أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّب - تُزَقْرِفِينَ؟)) قَالَت: الْحُمَّى، لَ بَارَكَ الله فيهَا. فَقَالَ: ((لاَ تَسْبَّى الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ )) . وقوله: [ لما](٢) نزلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءَا يَجْزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديداً، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (( قاربوا وسددوا ، ففى كل ما يصاب به المؤمن كفارة )) الحديث ، قيل فى معنى الآية: ما جاء فى هذا الحديث ، من أن المسلم يجزى عن سيئاته بالمصائب فى الدنيا. وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين . وقال الحسن : نزلت فى الكفار خاصة . وقوله: ((قاربوا)) : أى اقتصدوا ولا تغلوا ولا تقصروا ، ولكن حالا بين حالين : ((وسددوا)) : أى اقتصدوا السداد ، وهو الصواب . وقوله: (( حتى النكبة ينكبها )): وهى مثل العثرة بالرجل ، وقد ينجرح منه أصبعه . وأصل النكب : القلب ، وهو مثل اللب . وقوله : (( مالكِ يا أم السائب تزفزفين (٣))) بالزاى (٤) [ المعجمة ] (٥) والفاء فيهما والتاء مضمومة ومفتوحة معًا ، كذا روينا فى هذا الحرف هنا عن جميع رواة مسلم ، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء . قال أبو مروان بن سراج : بالقاف والفاء معاً بمعنى واحد صحيحان ، بمعنى : ترعدين . والزفزفة بالزاى والفاء : صوت خفيف الريح ، ومنه زفزفت الريح الحشيش : حركته ، وزفزف النعام فى طيرانه : حرك جناحيه . (١) النساء : ١٢٢ . (٤) فى ز : بالراء . (٣) فى ز : ترفرفين . (٢) فى هامش ح . (٥) ساقطة من ز . ٤٥ كتاب البر والصلة / باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ... إلخ ٥٤ _ (٢٥٧٦) حدّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد وَبَشْرُ ابْنُ الْمُفَضَّلَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَى عَطَاءُ بْنُ أَّبِى رَبَاحِ ، قَالَ : قَالَ لِى ابْنُ عَبَّاس: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةُ ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِه الْمِرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَنَتِ النََِّّ ◌َّهُ قَالَتْ: إِنِّى أُصْرَعُ ، وَإِّىَ أَنْكَشَُّ، فَادْعُ الله لِى. قَالَ: ((إِنْ شِئْت صَبَرَّتِ وَلَك الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَك)). قَالَتْ: أَصْبرُ. قَالَتْ: فَإِّى أَنَّكَشَّفُ، فَادْعُ اللهِ أَلَّ أَنْكَشَّفَ، فَدَعَ لَهَا . قال الإمام: قوله: ((ترفرفين)) قال أبو عبيد: قوله فى الحديث: ((إن الشمس ترفرف)) معناه : تدور وتجىء وتذهب ، ورفرفت الثريد بالسمن : كثرته . قال القاضى : كأنه فسر بهذا الحديث المتقدم على رواية من رواه بالقاف ، ولعله لم يرو الأخرى المشهورة ، ومنه : رفراف السحاب ، وهو ما اضطرب منه . ورفرف الخمر بالماء مزجها به . وهو من الاضطراب . ٤٦ كتاب البر والصلة / باب تحريم الظلم (١٥) باب تحريم الظلم ٥٥ _ (٢٥٧٧) حدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد الدِّمَشْقِى - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى إِذْريَسَ الْخَوْلاَنِىِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َُّ - فِيَمَا رَوَى عَنِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِى، إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرّمًا ، فَلاَ تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِى، كُلُّكُمْ ضَالٌ إِلَّ مَنْ هَدَيَتُهُ، فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِى، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِى، كُلُّكُمْ عَارِ إِلَّ مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِى أَكْسُكُمْ. بَعِبَادِى، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وقوله تعالى: (( يا عبادى ، إنى حرمت الظلم على نفسى )) الحديث ، قال الإمام : معنى قوله: (( حرمت الظلم على نفسى)) : أى تقدست عنه وتعاليت ، والظلم مستحيل منه سبحانه وتعالى جده ؛ لأنه إنما يكون إذا تعديت الحدود وتجوزت المراسم ، والبارى - جلت قدرته - ليس فوقه أحد يحد له حدا أو يرسم له رسماً ، حتى يكون متجاوزًا لذلك ظالما ، ولا فوقه من يستحق أن يطيعه حتى يحلل له الحلال ويحرم عليه الحرام ، ولكن تحريم الشىء يقتضى المنع منه والكف عنه ، فسمى البارى تقدسه عن الظلم بهذا اللفظ فقال: (( حرمت على نفسى الظلم)) . أما قوله: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته)) فكان ظاهره أن الناس على الضلال يُخلقون إلا من هداه الله - سبحانه - وقد ذكر فى الحديث أنهم على الفطرة مولدون ، وقد يراد بهذا [ هاهنا ] (١) : وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبى - عليه الصلاة والسلام - إليهم ، أو إنهم إن تركوا وما فى طباعهم من إيثار الراحة وإعمال النظر ضلوا ، إلا مَنْ هداه الله - سبحانه . وظاهر هذا يطابق مذهب الأشعرية ؛ فى قولهم : إن المهتدى بهدى الله اهتدى ، وأنه - سبحانه - إنما أراد هداية مَنْ اهتدى مِنْ خلقه خاصة . والمعتزلة تقول بأنه - سبحانه - أراد من سائر الخليقة أن يهتدوا ، ولكن منهم من استحب العمى على الهدى . وقوله - عليه الصلاة والسلام - هاهنا: (( كلكم ضالٌ إلا مَنْ هديته )) فجعل من هداه (١) فى ز : هنا، والمثبت من ح . ٤٧ كتاب البر والصلة / باب تحريم الظلم . جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِى أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِى، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّى فَتَضُرُّونِى، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِى فَنَفَعُونِى. يَا عِبَادِى، لَوْ أَنَّ أَوَلَّكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبِ رَجْلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِى مُلْكِى شَيْئًا. يَا عِبَادِى، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجَنَّكُمْ ، كَانُوا عَلَى أَنْجَرِ قَلْبِ رَجُل وَاحِد ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِى شَيْئًا. يَا عِبَادِىَ، لَوْ أَنَّ أَوَلَّكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمَّ وَجِنَّكُمْ ، قَامُوا فِى صَعِيد وَأَحَدٍ فَسَأَلُونِى ، فَأَغْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانِ مَسْأَلَتَهُ ، مَا نَقَصََ ذَلِكَ مَّمَا عِنْدِى إِلَّ كَمَا يَنْقُصَُ المَخْبِطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ . يَا عِبَادِى، إِنَّمَا هِىَ أَعْمَالُكُمْ أُخْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِيكُمْ إِيَّها، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلَيَحْمَدِ اللـه، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلَّ نَفْسَهُ)) . قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، جَا عَلَى رُكْبَيْهِ . ( .. ) حَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثًا . مستثنى من الجملة يدل على بطلان قولهم : إنه أراد [ هدايته بالجملة . قال القاضى : وقول أبى ذر فى أول الحديث ] (١) : فيما يرويه عن ربه ، وقد جاء مثل هذا فى غير حديث عن ابن عباس وغيره ، حجة فى جواز إطلاق هذا اللفظ فى حق النبى - عليه الصلاة والسلام - فيما أوحى إليه . وقوله: (( ما نقص ذلك مما عندى إلا كما نقص المخيط إذا أدخل فى البحر)) : معناه : إنه لم ينقص شيئا، كما قال فى الحديث الآخر له: ((لا يغيضها نفقة)) (٢) أى لا ينقصها؛ لأن ما عند الله لا يدخله نقص ، وإنما يدخل النقص المقدر المحدد الفانى ، وما عند الله هو (٣) رحمته وأفضاله على عباده ، وهى صفاته الباقية التى لا تفنى ، ولا يأخذها حد ولا حصر . وقوله: ((إلا ما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)) : غاية فى باب التمثيل فى هذا ، ويقرب لك أفهام بما يشاهد ؛ فإن ماء البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكثرها . ودخول المخيط فيه ، وهى الإبرة التى يخاط بها ، وخروجها لا ينقص شيئا ؛ إذ لا يعلق بها من ماء البحر (١) سقط من ز، والمثبت من ح. (٣) فى ح : هى . (٢) أحمد ٢/ ٣١٣، ٥٠٠ . ٤٨ كتاب البر والصلة / باب تحريم الظلم ( ... ) قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَديثِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، ابْنَا بِشْرِ، وَمُحَمّدُ ابْنُ يَحْيَى ، قالوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِر. فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . ( ... ) حدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَد بْنِ عَبْد الْوَارث ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسَمَاءَ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ - فَيَما يَرْوِى عَنْ رَبِّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: ((إِنِّى حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِى الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِى، فَلاَ تَظَالَمُوا)). وَسَاقَ الْحَديثَ بِنَحْوِهِ. وَحَدِيثُ أَبِى إِدْرِيسَ الَّذِى ذَكَرْنَاهُ أَتَّمُّ مِنْ هَذَا . ٥٦ _ (٢٥٧٨) حدّثَنَا عَبِّدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِى ابْنَ قَيْس - عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ مِقْسَم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَُّ قَالَ: (( اتَّقُوا الظُّلمَ فَإِنَّ الظُّلُمَّ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَنَُّواَ الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)). ٥٧ - (٢٥٧٩) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزيز الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إنَّ الظُّلِمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . ! : شىء لصقالتها . قوله: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)): قيل: ظاهره أنه ظلمات على صاحبه [ حتى](١) لا يهتدى يوم القيامة سبيلا حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم . وقد تكون الظلمات هنا : الشدائد ، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢) أى شدائدهما. وقد تكون الظلمات هاهنا عبارة عن الاتكال بالعقوبات عليه، وقابل بهذه اللفظة قوله: ((الظلم)) لمجانسة الكلام، كما قال تعالى: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٣). وقوله : (( اتقوا الشح ، فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم)) : يحتمل أن هذا هو الهلاك الذى أخبر عنهم فى الدنيا ، ويحتمل أنه أراد هلاك الآخرة . وهذا الشح : الحرص على ما ليس عندك والبخل بما عندك، قال الله تعالى: ﴿أَشِحَّةٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) . قيل : يأتون الحرب معكم لأجل الغنيمة . (١) فى هامش ح . (٤) الأحزاب : ١٩ . (٣) البقرة: ١٤، ١٥ . (٢) الأنعام : ٦٣ . ٤٩ كتاب البر والصلة / باب تحريم الظلم ٥٨ _ (٢٥٨٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ قَالَ: ((الْمُسلمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَاَ يَظْلَمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِى حَاجَةٍ أَخِيهِ كَانَ اللّهُ فِى حَاجَتَهِ ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمْ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ بها ١ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوَمَ الْفِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمَا سَتَرَهُ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) . ٥٩ - (٢٥٨١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَعَلَىُّ بْنُ حُجْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْماعيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَُّ قَالَ : وقوله : (( مَنْ فرّج عن مسلم كربة [ من كرب الدنيا ] (١) فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)): فى هذا فضل معونة المسلم للمسلم فى كل خير، وفعله المعروف إليه ، وستره عليه. وهذا الستر فى غير المستهترين، وأما المنكشفون المستهترون الذين يقدم إليهم فى الستر وستروا غير مرة فلم يرعوا وتمادوا ، فكشف أمرهم وقمع شرهم مما يجب ؛ لأن كثرة الستر عليهم من المهادنة على معاصى الله - تعالى - ومصانعة أهلها . وهذا - أيضا - فى ستر معصية [ انقضت وفاتت] (٢)، وأما إذا عرف انفراد رجل بعمل معصية واجتماعهم لذلك فليس الستر هاهنا السكوت على ذلك وتركهم إياها ، بل يتعين على من عرف ذلك إذا أمكنه بتغييرهم عن ذلك كل حال وتغييره، وإن لم يتفق ذلك إلا بكشفه لمن يعينه أو للسلطان . وأما إيصاء حال من يضطر إلى كشف حاله من الشهود والأمناء والمحدثين، فبيان حالهم ممن يقبل منه ذلك وينتفع به مما يجب على أهله . فأما فى الشاهد فعند طلب ذلك منه لتجريحه ، أو إذا رأى حكماً يقطع بشهادته وقد علم منه ما يسقطها ، فيجب رفعها . وأما فى أصحاب الحديث وحملة العلم المقلدين فيه ، فيجب كشف أحوالهم السيئة لمن عرفها ممن يقلد فى ذلك ، ويلتفت إلى قوله ؛ لئلا يغتر بهم ويقلد فى دين الله من لا يجب. على هذا اجتمع رأى الأئمة قديما وحديثا . وليس الستر هنا بمرغب فيه ولا مباح . وفيه أن المجازاة فى الآخرة قد تكون من جنس العمل فى الدنيا من خير أو شر . وليس فى الحديث ما يدل على الإثم فى كشفه ورفعه إلى السلطان ، وإنما فيه الترغيب على ستره . ولا خلاف أن رفعه له وكشفه معصية الله مباح له غير مكروه ولا ممنوع ، إن كانت له نية من أجل عصيانه لله ، ولم يقصد كشف ستره والانتقام منه مجردًا فهذا يكون (٣) له . (١) سقط من ح . (٣) فى ح : يكره . (٢) فى ز : الغضب وعايته ؛ والمثبت من ح . ٥٠ - كتاب البر والصلة / باب تحريم الظلم ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ )). قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتَّى، يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاة ، وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكْلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هُّذَا. فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنَيَتْ حَسَنَتُهُ ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِىَ النَّارِ » . وقوله : فى المفلس: (( هو الذى يأتى بصلاة وصيام وزكاة ، وقد شتم هذا ، وضرب هذا، وسفك دم هذا)) الحديث ، يعنى : أن هذا هو حقيقة المفلس خاصة ؛ لأنه فى استعمال الناس فيمن قل ماله وعدمه حتى صار فلوسا ، وهذا لمن ينقطع وقد تنقلت به الحال، ويرجو الانجبار لحاله ، وإذا بقيت له صحته وسلم له دينه لم يهلك فى الدنيا ولا فى الآخرة . فأعلمهم أن حقيقة المفلس هو الهلاك التام والعدم المتصل المهلك ، مثل هذا الذى كانت له حسنات وللناس عليه تباعات ، فأخذوا حسناته كما يؤخذ من الغريم ما بيده ، ثم لما لم يكن (١) له حسنات طرحت عليه سيئاتهم ، وطرح فى النار ؛ ليتم هلاكه وتأبد فلسه، وأيس من فلاحه وانجبار حاله ، إلا ما يكون بعد ، مما تفضل الله به من إخراج المذنبين وإدخالهم الجنة ، بعد الأمر الذى قدره الله فى هذا البوار ، نعوذ بالله من فلس الدنيا والآخرة . وقد ردت المبتدعة هذا الحديث ، وقالوا: يعارضه قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وقد غلطوا فى النظر والتأويل ، وهذا إنما عوقب بوزره وظلمه أخاه ولا حبط عمله ، كما احتجت به المعتزلة لمذهبها ، لكنه سقطت حسناته لما قوبلت سيئاته ومظالمه وزادت عليها فى الوزر (٣) ، واستوجب العقوبة بما زاد وكان ثواب حسناته الساقطة فى الوزن للمظلوم ثوابا على صبره ومحنته به، [و] (٤)فضلا زاده الله من عنده. وإنما عوقب بما اجترح وعلى وزره، ولم يظلم ، ولا أخذ شىء من عمله ، ولا أحبط إلا بحكم الموازنة والمحاسبة، ورجحان السيئات، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالدون﴾(٥) .. فمعنى أخذ الحسنات وطرح السيئات نوع من العقوبات التى أعدها الله للظالمين ، وزيادة فى ثواب المظلومين الصابرين ، لا أنه مؤاخذ بذنب لم يعمله من ذنوب غيره ، ولا أُحبطت حسناته لسيئاته ، ولا دفعت لغيره ، بل زيد المظلوم على أجره مثل ثواب حسنات ظالمه ، (١) فى ح : تكن . (٤) فى هامش ز . (٣) فى ح : الذنوب . (٢) الإسراء : ١٥ . (٥) المؤمنون : ١٠٣ . ٥١ كتاب البر والصلة / باب تحريم الظلم ٦٠ - (٢٥٨٢) حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ أُّوبَ وَقَتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرِ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَر - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَظَِّ قَالَ: ((لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشََّةِ الْقَرْنَاءِ)). فضلا من الله تعالى . هذا مذهب أهل السنة والجماعة ، وعليه يتأول ظاهر هذا الحديث ، حتى لا يجد ملحد فيه مطعناً ولا له به حجة. وقوله: (( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء))، قال الإمام : اضطرب العلماء فى إعادة البهائم ، ووقف الشيخ أبو الحسن الأشعرى فى ذلك ، وجوز أن يُعاد المجانين ومن لم يبلغه الدعوة وجواز أن يعادوا ولم يرد عنده قطع فى ذلك . والمسألة موقوفة على السمع . وأقوى ما يتعلق به من يقطع بإعادة البهائم قوله عزوجل : ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾(١). ومن لم يقطع على الإعادة يقول : معنى ﴿حَشِرَتْ﴾: أى ماتت ، والأحاديث الواردة فى ذلك عنده من أخبار الآحاد إنما توجب الظن ، والمراد من المسألة القطع . وقد قال بعض شيوخنا فى قوله: ((تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) : أن المراد به ضرب مثل ؛ ليشعر البارى - سبحانه - الخليقة أنها دار قصاص ومجازاة ، وأنه لا يبقى لأحد عند أحد حق ، فضرب المثل بالبهائم التى ليست مكلفة حتى يستحق فيها القصاص ، ليفهم منه أن بنى آدم المكلفين أحق وأولى بالقصاص منهم . ويصح عندى أن يخلق البارى - سبحانه - هذه الحركة فى البهائم فى الآخرة ليشعر أهل المحشر بما هم صائرون إليه من العدل بينهم . وسمى ذلك قصاصا لا على معنى قصاص التكليف ، ولكن على معنى قصاص المجازاة . والقطع فى هذا لا سبيل إليه ، وإجراء الكلام على ظاهره إذا لم يمنع منه عقل ولا سمع أولى وأوجب . والجلحاء : هى الجماء التى لا قرن لها ، ويقال : قرية جلحاء لا حصن لها . والأجلح من الناس : الذى انحسر الشعر عن جانبى رأسه ، وسطح أجلح : الذى لم يحجب بجدار ولا غيره ، ومنه حديث أبى أيوب: (( مَنْ بات على سطح أجلح فلا دية له )) ، وهودج أجلح : الذى لا رأس له . (١) التكوير : ٥ . ٥٢ كتاب البر والصلة / باب تحريم الظلم ٦١ - (٢٥٨٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللّه بْن نُمِيْر، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ ابْنُ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِى لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١) . قال القاضى : توقف مَنْ توقف [ من الأئمة ] (٢) فى إعادتها، إنما هو على القطع بذلك على الله ، كما يقطع بإعادة أهل الثواب والعقاب ومن يجازى ، ولم تكن الظواهر الواردة فى ذلك نصاً ولا أخباراً متواترة ، ولا هى مما تحتها عمل ، فيجب العمل بها (٣) ، كما يجب بالظواهر وأخبار الآحاد ، والمسألة علمية مجردة ، والأظهر حشر المخلوقات كلها مجموع ظواهر الآيات والأحاديث ، وإنه ليس من شرط الإعادة المجازاة والعقاب والثواب ، فقد وقع الإجماع على أن أولاد الأنبياء فى الجنة ولا مجازاة على الأطفال . واختلف الناس فيمن بعدهم اختلافاً كثيراً [ بإمضاء ] (٤) ذكره ، ويأتى منه إن شاء الله. قال الإمام: وقوله: ((إن الله يملى للظالم)): أى يمهل ويؤخر ويطيل له المدة. قال ابن الأنبارى : اشتقاقه من الملوة ، وهى المدة والزمان قال غيره : يقال : ملوة [ بفتح الميم وضمها ] (٥) وكسرها . وقوله: (( حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال القاضى : قيل : أى لم ينفلت منه ، وقيل : يكون معناه : أى لم يخلصه أحد منه . يقال : انفلت الرجل من الآخر وأفلت وأفلته أنا . (١) هود : ١٠٢ (٢) سقط من ح . (٣) فى ح : بذلك . (٤) فى ح : إنما مضى . (٥) فى ح : بضم الميم وفتحها . ٠ ٥٣ كتاب البر والصلة / باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما (١٦) باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما ٦٢ - (٢٥٨٤) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْد اللّه بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ قَالَ: اقْتَتَلَ غُلاَمَانِ؛ غُلاَمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلاَمٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَو الْمُّهَاجِرُونَ: يَالَ الْمُهَاجِرِينَ! وَنَادَى الأَنْصَارِىُّ: يَالَ الأَنْصَارِ ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فَقَالَ: (( مَا هَذَا؟ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ!)). قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ الله، إلَّ أَنَّ غُلاَمَيْنِ اقْتَلًا، فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. قَالَ: ((فَلَ بَأْسَ ، وَلَيَنْصُرُ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إنْ كَانَ ظَالِمًا فَلَيَنْهَهُ ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ ، وَإِنْ كَانَ مَظْلَوْمًا فَلْيَنْصُرْهُ)) . ٦٣ - ( .. ) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَّبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِىُّ وَأَبْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ ابْنُ عِبْدَةَ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ : حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرُو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ عَّهُ وقوله عليه الصلاة والسلام - حين سمع : يا للأنصار ، يا للمهاجرين ، من الرجلين اللذين اقتتلا -: ((ما هذا؟ أدعوى الجاهلية)): نهى النبى ◌ّه عن الدعوى (١) بالقبائل كما كانت الجاهلية تفعل ، وأن تناصفها إنما كان بالعصبة . والإسلام جاء بالقضاء والفصل بالحق فى الأمور، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: ((دعوها، فإنها منتنة)): أى قبيحة ودنيئة . لكن قوله هاهنا لما قيل له القصة: ((لا بأس)). دليل على الرخصة فى ذلك إذا كان لنصرة الحق، كما قال فى حلف الفضول: ((لو دعيت فيه لأجبت))(٢) . وقد يكون قوله: ((لا بأس)): أى لم يقع تحت هذه الدعوة بأس كان خافه قبل، وهو (٣) أظهر. وقوله: ((فكسع أحدهما الآخر)) ، قال الإمام : كسعت الرجل : إذا ضربت مؤخره فاكتسع، [ أى سقط على قفاه. وفى حديث آخر: ((فضرب عرقوب فرسه حتى اكتسعت))](٤) أى سقطت من مؤخرها. قال الهروى: ((كسع رجل من الأنصار)): أى [أى] (٥) ضرب دبره . (١) فى ز : المدعو ، والمثبت من ح . (٢) البداية والنهاية ٢ / ٢٧٠ . (٣) فى ح : وهذا . (٤) فى هامش ح . (٥) من ح . ٥٤ - كتاب البر والصلة / باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما فِى غَزَةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ . فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ: يَا لِلأَنْصَارَ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَِّ: (( مَا بَالَّ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةَ؟ )). قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ . فَقَالَ: ((دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْنَةٌ)) فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللّه بْنُ أُبِيِّ فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا. وَالله ، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّمِنَّهَا الأَذَلَّ. قَالَ عُمَرُ: دَعْنِى أَضْرِبْ عُثْقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَال: (( دَعْهُ ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ » . ٦٤ _ ( ... ) حدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع ـ- قَالَ ابْنُ رافِعٍ: حَدَثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ : أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزََّقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: حَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ قال القاضى : قال الطبرى : والكسع : هو ضرب الرجل عجزة الآخر بظهر الرجل . وقال : هو ضرب الدبر . وقيل : هو ضربه بالسيف على مؤخره . وقال الخليل : هو ضربك دبر الرجل بيدك أو رجلك . وقوله : « ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوما ، إن كان ظالما فلينهه ، فإنه له نصر ، وإن كان مظلوما فلينصره)): وفسره فى الحديث كما تراه . قال بعضهم : هذا من فصيح الكلام ووجيزه ، وتسمية الشىء بما يؤول إليه ؛ لأنه لو لم ينهه ففعل ما لا يجب أدى ذلك إلى القصاص منه ، فنهيه له كمنعه أن يقتص منه ، ونصره على ذلك ، وليس عندى هذا بین . والكلام أبين من أن يحتاج إلى هذا التكلف ، وهو على وجهه . فنصره بكفه عن الظلم ونهيه عنه نصره له بالحقيقة على الشيطان ، والهوى ، وخلق السوء الذى يحمل على الظلم، ومعونة لدينه وعقله ، ونصره على الرجوع إلى الحق والوقوف عنده . وقوله: (( لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)) : فيه ترك تغيير بعض الأمور التى يجب تغييرها ، مخافة أن يؤدى تغييرها إلى أكثر منها . وقد مضى من ذلك أول الکتاب . وكان النبى - عليه الصلاة والسلام - يستألف على الإسلام النافرين عنه ، فكان يعفو عن أشياء كثيرة أول الإسلام لذلك ؛ لئلا يزدادوا نفارًا ، وكانت العرب من حمية الأنف ، ٥٥ كتاب البر والصلة / باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما الأَنْصَارِ. فَأَتِى النَّبِىِّ يَّهِ فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: (( دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْنَةٌ)) . قَالَ ابْنُ مَنْصُور فِى رِوَايَتِهِ : عَمْرُوْ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرًاً . وإباءة الضيم ، حيث كانوا ، فكان - عليه الصلاة والسلام - يستألفهم بطلاقة وجهه ، ولين كلمته ، وبسط المال لهم ، والإغضاء عن هناتهم ، حتى يتمكن الإيمان فى قلوبهم ، ويراهم أمثالهم فيدخل فى الإسلام ويتبعهم أتباعهم عليه . ولهذا لم يقتل المنافقين ، ووكل أمرهم إلى ظواهرهم ، مع علمه ببواطن كثير منهم ، وإطلاع الله - تعالى - إياه على ذلك . ولما كانوا معدودين فى الظاهر فى جملة أنصاره وأصحابه ومن تبعه ، وقاتلوا معه غيرهم حمية أو طلب دنيا أو عصبية لمن معهم من عشائرهم ، وعلمت بذلك العرب ، فلو قتلهم لارتاب بذلك من يريد الدخول فى الإسلام ونفره ذلك عنه ، وتوقع أن يكون ذلك لأمنه وعرض آخر . وقد اختلف : هل بقى حكم جواز ترك قتلهم والإغضاء عنهم ؟ أو نسخ ذلك آخرًا عند ظهور الإسلام عند قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾(١) وأنها ناسخة لما كان قبلها ؟ وقيل : إنما العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم ، فإذا أظهروه قتلوا ، قاله غير واحد من أئمتنا وغيرهم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ لَئِنِ لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله : ﴿وَقُتِلُوا تَقْتِيلاً﴾ (٢) . (١) التوبة : ٧٣ ، التحريم : ٩ . (٢) الأحزاب : ٦٠، ٦١ . ٥٦ كتاب البر والصلة / باب تراحم المؤمنين ... إلخ (١٧) باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ٦٥ _ (٢٥٨٥) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو عَامِر الأَشْعَرِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُوْ كُرَيْبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَبْنُ إِذْرِيسَ وَأَبُو أُسَامَةَ ، كلُّهُمْ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِّى مُوسَى ، قَالَ : قَالَ ,وقر, ـوره رَسُولُ اللهِ عَةٍ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ ، يَشُدُّبَعْضُهُ بَعْضًا » . ٦٦ - (٢٥٨٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَدِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُّفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ ، تَدَاعَى لَّهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )) . ( ... ) حدّثْنا إسْحَقُ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنِ النَِّّ ◌َّهُ. بِنَحْوِهِ. ٦٧ - ( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله عٍَّ : ((الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُل وَأَحد ، إن اشْتَكَى رَأْسُهُ، تَدَاعَى لَّهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالْحُمَّى وَالسَّهَر)) . ١ ( .. ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللّه بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثْنَا حَمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَن الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنَ بَشَيْرِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ: ((الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِن اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ)) . ھ ( ... ) حدّثنا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، وقوله: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) فيه الحض على تعاون المسلمين ، وتناصرهم ، وتآلفهم ، وتواددهم ، وتراحمهم . وتمثيله - عليه الصلاة والسلام - فى ذلك فى البيان (١) ، وفى الحديث الآخر : (١) فى ح : بالبنيان . ٠ ٥٧ كتاب البر والصلة / باب تراحم المؤمنين ... إلخ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بِشَيْرٍ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ . نَحْوَهُ. ((بالجسد إذا شكا (١) بعضه شكا (٢) سائره كله)) تمثيل صحيح، وتقريب للأفهام فى إظهار المعانى فى الصور المرتبة ، فيجب على المسلمين امتثال ما حض - عليه السلام - عليه [ من ذلك](٣) والتخلق به . (١، ٢) فى ح : اشتكى . (٣) سقط من ح . ٥٨ كتاب البر والصلة / باب النهى عن السباب (١٨) باب النهى عن السباب ٦٨ - (٢٥٨٧) حدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْر، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرِ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ قَالَ: (الْمُسْتَبَّنِ مَا قَالاً، فَعَلَى الْبَادِئَ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُوَمُ )) . وقوله: ((المستبان ما قالا ، فعلى البادئ، ما لم يعتد المظلوم )): أى يجاوز القدر الذى قال الآخر له ، قال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ (١) قيلِ: جاوزوا المقدار الذى حد لهم. فيه جواز الانتصار من الظالم ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُّ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾(٣) قيل : هذا على ظاهره ، والآية محكمة والانتصار من الظالم محمود حسن وقيل : نسختها آية السيف ، فهى منسوخة ، وأبعد بعضهم النسخ فى مثل هذا ، قال : لأنه خبر ولا يبعد النسخ فيه ؛ لأنه وإن كان خبرًا لمدح من هو بهذه الصفة، فقد حض على العمل بها قوله ، ثم [ نسخ ذلك](٤)، وأن الخبر الذى لا يدخله النسخ فهو ما كان خبراً عن شىء وقع وأمر كان لا مثل هذا . ومع هذا كله فالعفو والصفح أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾(٦) وقال - عليه الصلاة والسلام - فى الحديث بعد هذا: (( ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا)) (٧) وسباب المؤمن فسوق محرم كما قال - عليه السلام . جعل هذا الإثم على البادئ إذا لم يتعد الثانى ، ومعناه : أن الثانى رد عليه مَنْ سبه مثله ما لم يتعدى إلى غيره من سلف ، وإنما سبه فى نفسه بمثل ما سبه به ونحوه ، مما هو أيضاً غير بهتان ولا كذب . وقد يكون التعدى الذى منع منه هذا من ذكر ما لا يباح له ذكره بحال من سبه بكذب وبهتان ، وإن كان الأول قد رماه به ، أو من ذكر سلفه وغير نفسه فى سبه ، أو بالزيادة فى نوع سبه ، وإن كان مما قد يجوز سب المربى عند التأديب كالأحمق والجاهل والظالم ؛ لأن أحدًا لا ينفك من بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء فهو إذا كافأه بسبه فلا حرج عليه ، وبقى الإثم على الأول بابتدائه وتعرضه (٨) لِذلك . وقد يقال : إنما يرتفع عنه حق صاحبه وتباعته ، ويبقى حق الله - تعالى - في تعديه لعرض أخيه . وقد يقال: إن الإثم يرتفع بانتصاف هذا منه، ويكون قوله: ((على البادئ)): أى اللوم والذم لتعرضه لذلك . (١) البقرة : ٦٥ . (٤) فى هامش ح . (٧) حديث رقم (٦٩) بالباب التالى . (٨) فى ح : ولتعرضه . (٣) الشورى : ٣٩ . (٢) الشورى : ٤١ . (٥) الشورى : ٤٣ . (٦) النور : ٢٢ . ٥٩ كتاب البر والصلة / باب استحباب العفو والتواضع (١٩) باب استحباب العفو والتواضع ٦٩ - (٢٥٨٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْر، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - عَنِ الْعَلَاَءِ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللـه عَلْ قَالَ: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للّه إِلَّ رَفَعَهُ الله)» . قوله: (( ما نقصت صدقة من مال)) : فيه وجهان : أحدهما : أنه بقدر ما نقص منه يزيده الله فيه وينميه ويكثره . والثانى : أنه وإن نقص فى نفسه ففى [الثواب والأجر ] (١) عنها ما يجبر ذلك النقص بإضعافه . وقوله : (( ما زاد الله [ عبدًا] (٢) بعفو إلا عزا)»: فيه - أيضا - وجهان : أحدهما : ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو ساد وعظم فى القلوب وزاد عزه . الثانى: أن يكون أجره على ذلك فى الآخرة وعزته هناك (٣). (( وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) : فيه وجهان كذلك : أحدهما : أن الله - تعالى - يمنحه ذلك فى الدنيا جزاء على تواضعه له ، وأن تواضعه يثبت له فى القلوب محبة ومكانة وعزة . والثانى: أن يكون ذلك ثوابه فى الآخرة على تواضعه . وهذه الوجوه كلها فى الدنيا ظاهرة موجودة ، وقد صدق - عليه السلام - فيما أخبر منها . وقد يكون جمع الوجهين فى جميعها . وكان هذا كله تنبيها على رد [ قول ] (٤) من يقول (٥) : الصبر والحلم الذل. ومن قاله من الجملة فإنما أراد به [ شبهه ] (٦) فى الاحتمال وعدم الانتصار . (١) فى ح : الأجر والثواب . (٢) فى هامش ح . (٣) فى ح : هنالك . (٤) فى هامش ح . (٥) فى ح : قال . (٦) فى ح : بأنه يشبهه . ٦٠ كتاب البر والصلة / باب تحريم الغيبة (٢٠) باب تحريم الغيبة ٧٠ _ (٢٥٨٩) حدّثنا يَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعيلُ ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَُّ قَالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا الغيبَةُ؟)) . قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((ذكْرُكَ أَخَاكُ بِمَا يَكْرَهُ)) . قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ؟ قَالَ : ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَقَدْ بَهَنَّهُ)) . قوله: ((أتدرون ما الغيبة؟)) إلى قوله: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن [ فيه ] (١) فقد بهته )) : كذا هو بفتح الهاء مخففة ، وأخطأ منْ شددها . قال الإمام : يقال : بهت فلان فلانا : إذا كذب عليه فبهته ، أى يخبر فى كذبه عليه ﴿[فَبُهِتَ] (٢) الَّذِي كَفَرَ﴾ (٣): أى قطع حجته [فتحير] (٤). والبهتان: الباطل الذى يتحير فى بطلانه . قال القاضى : والأولى فى تفسير هذا الحديث أن يكون من البهتان ، أى قلت فيه البهتان، ويفسره الحديث الآخر: ((وإن قلت باطلا فذلك البهتان)) (٥) . وقيل (٦): بهته وأبهته بما لم يفعل ، وهو قريب من الأول . قال صاحب الأفعال : بهت الرجل دهش ، على ما لم يسم فاعله ، وهى لغة القرآن الفصيحة . وبهت بضم الهاء حائز . وبهته بهتا وبهتانا : قذفه . الاغتياب محرم ، وأصله : ذكر الإنسان بما يسوؤه فى غيبته ، والبهت فى وجهه ، وكلاهما مذموم كان بحق أو باطل ، إلا أن يكون لوجه شرعى ، أن يقول له ذلك فى وجهه على طريق الوعظ والنصيحة . ويستحب فيمن كانت منه زلة التعريض دون التصريح ؛ لأن التصريح يهتك حجاب الهيبة ، وقد كان - عليه الصلاة والسلام - كثيراً ما يقول: (( ما بال أقوام يفعلون كذا )) (٧) . ولا يواجه به . وأما فى الظهر والغيبة ففى مثل تجريح الشاهد والعالم المقتدى به إذا دعت إليه ضرورة ، أو فى النصيحة عند المشورة ، وإن اكتفى فى المشورة بالتعريض وتركه تعيين العيب فحسن . (١) ساقطة من ز . (٢) فى هامش ح . (٤) فى هامش ح . (٣) البقرة : ٢٥٨ . (٥) الموطأ، ك الكلام، ب ما جاء فى الغيبة، رقم (١٠). (٦) فى ز : وفيه ، والمثبت من ح . (٧) حديث رقم (١٢٨) فى ك الفضائل ب علمه عَّ بالله.