Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل معَّ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَا عَنِ النِّبِىِّ ◌َّهِ بِمِثْله . ١٥١ _ (٢٣٧٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا الْمُغيرَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَّ: (( اخْتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِىُّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ ». قال القاضى : هذا وإن كان خبر من النوع الذى يدخله النسخ لأن أمر الفضائل والمنازل مما منحه الله عبيده ، وتعظيما لمن شاء ، وأخبر - عليه السلام - أولا بما اعتقده وظهر له من منزلة إبراهيم ، ثم إن الله أعلمه بمنزلته هو وأنه خير البرية ، فلزمه اعتقاد هذا ويعبد الله بذلك، ونسخ ما كان أمرنا به - عليه السلام - قبل من ترك التفضيل من الأنبياء، واعتقاد ما لزمناه اتباع النبى فى اعتقاده فى تفضيل إبراهيم ، فقد تعلق بهذين الخبرين عبادتان، إحداهما ناسخة للأخرى . وقوله : (( اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم )) كذا رويناه مخففا هنا ، وفسرها بعضهم بآلة النجار ، وهو قول محمد بن المواز وغيره . وقيل : هو موضع يثقل ويخففه آخرون . حكى الباجى فيه الوجهين ، وبالتخفيف رواه بعض رواة البخارى ، وضبطه المروزى بالتشديد ، وأنكر [ يعقوب بن أبى شيبة ] (١) فيه التشديد ، وقال الهروى: هو مَقِيل له. وقيل : قرية بالشام . ولم يحك فيه غير التخفيف. وحكى أبو عبيد البكرى ((قدوم)) مخفف ثنية بالسراة . وقاله ابن دريد ، قال : والمحدثون يشددونه. قال البكرى : وأما فى حديث إبراهيم فمشدد ، ورواه أبو الزناد بالتخفيف ، وهو قول أكثر اللغويين . وحكاه البخارى (٢) عن سعيد . واختلفت الرواية فيه عن أبى الزناد فى حديث أبى هريرة بالتخفيف والتشديد، وحكى البكرى عن محمد بن جعفر اللغوى / ، أن (( قدوم )) المكان مشدد معرفة ، لا يدخله الألف واللام . قال : ومن رواه فی حدیث إبراهيم مخففا فإنما عنى الآلة التى ينجر بها . ٢٣٧ / ١ قال القاضى : من هنا شرع الختان فى العرب فى ولد إسماعيل ، وفى اليهود ولد إسحق بن إبراهيم ، وتقدم [ الكلام فى ] (٣) الاختتان بأول الكتاب . وقد قيل : إن هذا من الكلمات التى ابتلاه الله بها . وقوله : وهو ابن ثمانين سنة : كذا فى كتاب مسلم ، وقد جاء هذا الحديث من رواية مالك والأوزاعى ، وفيه: (( اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة [ ثم عاش ] (٤) بعد (١) من ح . (٢) البخارى، ك الأنبياء، ب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (٣٣٥٦). (٣، ٤) سقط من الأصل، والمثبت من ح . ٣٤٢ صَلىالله كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل ١ - (١٥١) وحدّثْنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرِنِى بُونُسُ، عَنِ ذلك ثمانين سنة)) ، إلا أن مالكا ومن تبعه أوقفوه على أبى هريرة. وكذا ذكره فى الموطأ من رواية القعنبى وبعض رواة الموطأ ، ولم يكن الحديث عند غير واحد منهم رواة الموطأ . وذكر غيره عكس هذا أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة ، كما قال مسلم. وعاش مائة وعشرين سنة . وقوله - عليه السلام -: (( نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾)) الآية، قال الإمام: من الناس من ذهب إلى أن إبراهيم - عليه السلام - إنما أراد بهذا اختبار منزلته واستعلام قبول دعوته ، فنسأل البارى - جلت قدرته - فى أن يخرق له العادة ويحيى الموتى ؛ ليعلم بذلك قدر منزلته عند الله - سبحانه - ويحمل هؤلاء قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٍ﴾ (١) على أن المراد به : بقربك منى ولفضلك لدى ، فيكون التقدير - لو ثبت حمل الآية على هذا المعنى - : نحن أولى أن يختبر حالنا عند الله من إبراهيم على جهة الإشفاق منه عَّه والتواضع لله - سبحانه . وإن قلنا بما يقتضيه أصل المحققين ، وأن المراد أن ينتقل من اعتقاد إلى اعتقاد آخر هو أبعد من طريان الشك ونزغات الشيطان ؛ لأنا نساوى بين العلوم الضرورية والعلوم النظرية، ونمنع التفاضل بينهما فى نفس التعلق ، وإنما يصرف التفاضل إلى أن الشك [لا أن](٢) يطرأ على الضرورى، فى العادة، والنظرى قد يطرأ عليه، فيكون إبراهيم عَّ سأل زيادة فى الطمأنينة وسكون النفس ، حتى ينتفى الشكوك أصلا . أو يكون المراد من نبينا عَّ: إنما نحن أحق بالسؤال فى هذا منه على جهة الإشفاق ، وأيضا أو يكون المراد بذلك أمته ◌َّة ، ليحضهم على الابتهال إلى الله - عز وجل - بالتعوذ من نزغات الشيطان فى عقائد الدين . قال القاضي : في هذا الحديث تأويلات ، منها الوجهان اللذان ذكر . وثالث : أنه إنما سأل مشاهدة الإحياء واطمئنان القلب بمشاهدة ذلك ، وترك منازعته هذه الأمنية ، فيحصل له العلم أولا بالجواز والوقوع ، والثانى بالمشاهدة والكيفية . ووجه رابع : أنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيى ويميت طلب ذلك من ربه ليصحح احتجاجه عيانا . ووجه خامس : أنه سؤال على طريق الأدب ، / والمراد : أقدرنى على إحياء الموتى ٢٣٧ / ب (١) البقرة : ٢٦٠ . (٢) فى الأصل: أبى، والمثبت من ح . ٣٤٣ كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهَ عَّهُ قَالَ : «نَحْنُ أَحَقُ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيٍ﴾ (١) وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِى إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لْأَجَبْتُ الدَّاعِىَ)) . ( ... ) وحدّثناه - إن شَاءَ اللهُ - عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّد بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْد أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول ليطمئن [ قلبى ] (٢) بهذه الأمنية . ووجه سادس : وهو أنه أرى من نفسه الشك وما شك ، لكن ليجاوب فيزداد قربة . وهذا هو تكلف فى اللفظ والمعنى . وقيل فى قوله: (( نحن أحق بالشك من إبراهيم)): هذا نفى لشك إبراهيم لا إثبات له ، وإبعادًا للخواطر الضعيفة أن تظن أن بإبراهيم الشك، فكأنه قال: نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى ، فلو نشك لكنا أولى منه على طريق الأدب وإكثار حال إبراهيم لا على تجويزه على واحد منهما . قيل : إنما جاوب بذلك من سمعه بترك شك إبراهيم ولم يشك نبينا . وقوله: ((لو لبثت فى السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعى)) : المراد به قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّك﴾ الآية (٣). هذا منه [ُّ أيضا غاية فى الأدب والتواضع وإظهار منزلة يوسف ] (٤) - عليه السلام - فى التثبت والصبر وألاّ يخرج إلى الملك حتى يظهر براءته ولا تناله عنده حجلة التهمة ، ودعوى المرأة ما ادعته عليه من مراودته لها عن نفسها ، وأنه - عليه السلام - لو امتحن هو بهذا أو مثله من طول السجن ، لكان التخليص إليه منه لأول داع أحب إليه للنجاة من عذابه وبقائه ، ولأخذ بالحزم فى الأمر ؛ مخافة حوادث تطوى وإشغال للملك بضرورة ، فينساه كما نسيه ويشتغل عنه ، فيبقى فى سجنه كما كان حاله معه . قيل : ولا يظن أن مراده بإجابة الداعى هنا دعوة المرأة ، وهذا مما لا يجوز على يوسف ولا محمد - عليهما السلام . وقوله: ((يغفر الله للوط، إنه أوى إلى ركن شديد)): يعنى الله تعالى، كأنه - (١) البقرة : ٢٦٠ . (٢) ساقطة من الأصل ، والمثبت من الحديث المطبوع رقم (١٥٢). (٣) يوسف : ٥٠ . (٤) سقط من الأصل ، والمثبت من ح . ٣٤٤ - - - كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل صَّ اللّه علينا الله عَُّ . بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. ١٥٣ _ ( .. ) وحدّثْنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النِّبِىِّ ◌َّ قَالَ: ((يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطِ إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شدید )) . ٠ ١٥٤ - (٢٣٧١) وحدّثّنى أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِم، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهُ قَالَ : ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِىُّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَطُ إِلاَّ ثَلاَثَ كَذَّبَات، ثنْتَيْنِ فِى ذَاتِ الله. قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (١). وَقَولُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٢) وَوَاحِدَةٌ فى شَأن سَارَةَ ؛ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النّاسِ ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَارَ ، عليه السلام - أخذ عليه فى قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد ﴾ (٣) يريدك لو كان مع عشيرته ليمنعوه من قومه ويحموا أضيافه ، فيرحم - عليه السلام - لقوله ــ عليه السلام - وسهوه عن الاعتصام بالله تعالى عن ضيق صدره بما لقى من قومه حتى قال هذا ، وإنه بالحقيقة كان يأوى إلى ركن شديد وهو الله تعالى ، أشد الأركان وأقواها . والركن يوضع لما استند إليه ويشد به لأن أركان البناء أقوى ما فيه ، وعليها اعتماد ، وبها انتظامه. والركن الناحية من الجبل يلجأ إليها . وقد تقدم من هذا أول الكتاب . وقوله: ((لم يكذب قط إبراهيم إلا ثلاث كذبات : ثنتين فى ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَّهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وواحدة فى شأن سارة ، قوله : إن سألك فأخبريه أنك أختى [فإنك أختى] (٤) فى الإسلام))، قال الإمام : أما الأنبياء معصومون من الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله - سبحانه وتعالى - قل ذلك أو جل ؛ لأن المعجزة تدل على صدقهم فى ذلك. وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة فى شىء من أمور الدنيا فيجزى ذلك على الخلاف فى عصمتهم من الصغائر ، وقد تقدم الكلام عليه . وقد وصف عَّ أن اثنتين من كذبات إبراهيم - عليه السلام - كانتا فى ذات الله سبحانه ، والكذب إنما يترك لله ، فإذا كان إنما يفعل لله انقلب حكمه فى بعض المواضع على حسب ما ورد / فى الشريعة ، فالقصد بهذا التقييد منه عمّ نفى مذمة الكذب عنه لجلال قدره فى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . ٢٣٨ / أ (١) الصافات : ٨٩ . (٣) هود : ٨٠ . (٢) الأنبياء : ٦٣ . (٤) سقط من ح . ٣٤٥ صَلى الله كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل : إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَنِى يَغْلِبْنِى عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبرِيهِ أَنَّكَ أُخْتِى ، فَإِنَّكَ أُخْتِى فِى الإِسْلاَمِ، فَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ فِى الأَرْضِ مُسْلِمَا غَيْرِى وَغَيْرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ. أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لاَ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّلَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِىَ بِهَا ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - إِلَى الصَّلاَةِ. فَلَمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدْهُ قَبْضَةً شَديدَةً . فَقَالَ لَهَا : ادْعَى اللهَ أَنْ يُطْلقَ يَدَى وَلا أَضُرُّكِ . فَفَعَلَتْ، فَعَادَ ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى. فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ . فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَيْنِ الأُولَيْنِ. فَقَالَ : ادْعِى اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِى، فَلَك اللهَ أَلَا أَضُرَّك . فَفَعَلَتْ ، وَأُطْلقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِى جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ : إِنَّكَ إِنَّمَا أَيْتَنِى بِشَيْطَان، وَلَمْ تَأْتِى بِإِنْسَانِ ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِى، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ . وقد تأول بعض الناس كلماته هؤلاء حتى يخرج عن كونها كذبا ، ولا معنى لأن يتحاشا العلماء مما لم يتحاش منه النبى معَّة ، ولكن قد يقال : إن المراد بتسميتها كذبا على ظاهرها عندكم فى مقتضى إطلاقكم عند استعمالكم اللفظ على حقيقته ، ألا تراه يحكى عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قال لسارة: ((أخبريه أنك أختى، فإنك أختى فى الإسلام)) ، ومن سمى المسلمة أختًا له قاصدًا أخوة الإسلام فليس بكاذب ، لكنه عَُّ إنما أطلق عليه لفظة الكذب [ لما قلناه ] (١) من أن الأخت فى الحقيقة المشاركة فى النسب وأما المشاركة فى الدين فأخت على المجاز ، فأراد بها كذبة على مقتضى حقيقة اللفظ فى اللغة ، وعلى أن قوله : ((إنها أختى)) ، قد يكون فى ذات الله ، إذ أراد بها كف الظلم وصيانة الحريم ، لكن لما كان له فيها منفعة ميزها عَّ عن الأولتين اللتين لا منفعة له فيهما ، وهذا اللفظ يظهر ما فى تأويل هذا الحديث . قال القاضى : الصحيح علي القولين من تجويز الصغائر على الأنبياء ، ومنها أن الكذب وإن قل فيما طريقه البلاغ لا يجوز عليهم وأن ينصب النبوة ، فحاشا معصوم من قليله وكثيره ، سهوه وعمده ؛ وعمدة النبوة البلاغ والخبر عن الله وشرعه وتجويز كلام منه على خلاف مخبره قادح فى صدقه مناقض لمعجزته ، ونحن نعلم قطعا من مذاهب الصحابة وسيرة السلف الصالح ، مبادرتهم إلى تصديق أقواله ،والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت وعلى أى وجه جاءت ، ولم يحفظ عنهم تردد ولا توقف ولا سؤال ولا استثبات (١) سقط من ح . ٣٤٦ كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل عن حاله عند ذلك ، هل وقع منه على سهو أو ضجر أو غيره ؟ ولا حفظ عنه أنه استدرك شيئًا قاله ، أو اعترف بوهم فيما أخبر به . ولو كان شىء من ذلك لنقل كما نقل رجوعه عن أشياء من أفعاله وآرائه وما ليس طريقه الخبر ؛ كرجوعه عن رأيه فى ترك تلقيح النخل (١)، وكقوله: (( والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً [ منها ] (٢) إلا فعلت الذى حلفت عليه [وكفرت ] (٣) عن يمينى))، وكقوله: ((إنكم تختصمون إلى)) الحديث إلى قوله: ((قضيت له من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) (٤)، وكقوله ((إنى لأنسى، أو أنسى لأسن)) (٥) ولم يأت عنه استدراك لشىء مما قاله أو يتبع لسهو فيه ، أو غلط صدر عنه فيه . ٢٣٨ / ب وقوله: (( ثنتان فى ذات الله، وواحدةً فى شأن سارة)) / إشارة أن تلك فى ذات الله وتبليغ رسالاته ومجادلة الكفرة عداه ، فخصهما هنا لذلك . وقصة سارة فقد كانت فى ذات الله أيضا لكافه مسلمة أذى مشرك وعصيان الله تعالى ومواقعة محارمه ، وقد جاء ذلك مبينا فى غير مسلم فقال : ما فيها كذبة إلا بما حل فيها عن الإسلام ، أى يماكر ويجادل ويدافع . وقد قيل: فى قوله : ﴿ إِنّي سَقِيمٌ﴾ (٦) تأويلات، منها : أنه ورَّى بقوله ذلك سأسقم ، فإن ابن آدم عرضة للأسقام ، واعتذر بقوله عن الخروج معهم إلى غيرهم بهذا القول المحتمل الظاهر . وقيل : سقيم بما قدر على من الموت . وقيل : سقيم القلب بما أشاهد من كفركم وعنادكم . وقيل : بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم ، فلما رآه اعترض بعاديه، وهو معنى قوله عند هذا: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾. وقيل : بل عرض بسقم حجته عليهم [ وضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التى كانوا يشتغلون بها ، وأنه إما نظره فى ذلك وقبل استقامة حجته عليه ] (٧) فى حال سقم ومرض حال ، مع أنه لم يشك ولا ضعف إيمانه ، ولكن ضعف فى استدلاله وسقم نظره ، كما يقال : حجة سقيمة ، ونظر معلول ، حتى ألهمه الله صحة حجته عليهم بالكوكب والقمر والشمس مما نصه . وكذلك قوله : ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (١) فإنه علق خبره بشرط نطقه ، كأنه قال : (١) ابن ماجه، ك الرهون، ب تلقيح النخل (٢٤٧١). (٢، ٣) سقطتا من الأصل . (٤) البخارى ، ك الشهادات، ب من أقام البينة بعد اليمين (٢٦٨٠)، مسلم ، ك الأقضية، ب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ( ١٧١٣ / ٤)، أبو داود ، ك الأقضية ، ب فى قضاء القاضى إذا أخطأ (٣٥٨٣)، الترمذى ، ك الأحكام ، ب ما جاء فى التشديد على من يقضى له بشىء ليس له أن يأخذه (١٣٣٩) وقال: حديث حسن، وكله من حديث أم سلمة - رضى الله عنها. (٥) الموطأ، ك السهو، ب العمل فى السهو ١ / ١٠٠ (٢). (٦) الصافات : ٨٩ . (٧) سقط من الأصل ، والمثبت من ح . ٣٤٧ كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل صَ لّه قَالَ : فَأَقْبَلَتْ تَمْشِى، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنْصَرَفَ. فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّاللهُ يَدَ الْفَاجِرِ ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتَلِكَ أَمُّكُمْ يَا بَنِى مَاءِ السَّمَاءِ. إن كان ينطق وهو فعله على طريق التنكيت لقومه ، وهذا كله ليس بكذب وخارج عن حد الكذب فى حق المخبر ، داخل فى باب المعاريض التى جعلها الشرع مندوحة عن الكذب عند الضرائر ، ولكن سماها النبى عَّهُ كذبات ؛ لأنه أتى بها لمن خاطبه على ظاهرها ومعتقده خلاف ذلك ، فلما كان فى حقى المخبر والخبر ظاهرها بخلاف باطنها جاءت فى صورة الكذب ، وإن لم يكن كذبا فى الباطن . وهذه على صورة المعاريض . ولما جاءت بهذه الصورة سماها النبى محمد وإبراهيم - عليهما السلام - كذبات، أشفق إبراهيم عليه من المؤاخذة بها يوم القيامة فى الحديث المعروف فى الشفاعة . قال أهل العلم : وهذا أصل فى جواز المعاريض ، قالوا : والمعاريض شىء يتخلص به الرجل من المكروه إلى الجائز ، ومن الحرام إلى الحلال ، ومن دفع ما يضره . وإنما يكره له التحيل فى حق فيبطله ، أو باطل فيموه به . وفى هذا الحديث - فى قصة سارة - إجابة دعوة إبراهيم ، وعلامات نبوته ، ومنع الكافر ما أراده . وقوله فى هاجر: ((فتلك أمكم يا بنى ماء السماء)): قال الخطابى / : إن المراد بهذا العرب ؛ لانتجاعهم المطر وماء السماء للعير ؛ لأن أكثرهم أصحاب مواشى ، وصلاحهم بالخصب والرعى ، وسيرتهم فى ذلك معلومة . ٢٣٨ / أ قال القاضى : والأظهر عندى أن المراد بذلك الأنصار ، ونسبهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وكان يعرف بماء السماء ، وهو مشهور . والأنصار كلهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور ، ويكون ذلك على قول من جعل العرب من ولد إسماعيل ، وهذا مثل قوله فى الحديث الآخر لا لمسلم : ((ارموا يابني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا)) (٢)، وكله حجة لمن يجعل اليمن والعرب كليهما من ذرية إسماعيل . وقد ترجم البخارى على هذا الحديث (( باب نسبة (١) الأنبياء : ٦٣ . (٢) البخارى ، ك الجهاد، ب التحريض على الرمى (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع ، ابن ماجه، ك الجهاد ، ب الرمى فى سبيل الله (٢٨١٥) وفى الزوائد: إسناده صحيح ، أحمد ٣٦٤/١ من حديث ابن عباس . ٣٤٨ كتاب الفضائل / باب من فضائل إبراهيم الخليل اليمن (١) إلى إسماعيل)) (٢). وقيل : أراد بـ ((بنى ماء السماء)): العرب ؛ لخلوص نسبهم وصفائه . وفى الحديث قبول هدية المشرك ، وقد تقدم الكلام فيها . وقوله: ((مهيم)) قال الخليل : هى كلمة لأهل اليمن خاصة ، معناها : ما هذا؟ قال الطبرى : معناها : ما شأنك وما أمرك . : (١) فى الأصل: العرب، والمثبت من ح وهو ما وافق تراجم نسخ البخارى." (٢) البخارى، ك المناقب، ب نسبة اليمن إلى إسماعيل ٤ / ٢١٩. ٣٤٩ صلى الله كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى (٤٢) باب من فضائل موسى عَّه ١٥٥ _ (٣٣٩) حدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنبّة، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَةُ : ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَّةً ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إَلَى سَوْأَّةٍ بَعْضِ؛ وَكَانَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَغْتَلُ وَحْدَهُ. فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسلْ مَعَنَا إلَّ أَنَّه آدَرُ )). قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ ، فَوَضَعَ ثوْبَّهُ عَلَّى حَجَرَ ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ )) . قَالَ : فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْنِى حَجَرُ!ِ ثَوْنِى حَجَرُ أُ حَتّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةٍ مُوسَى. فَقَالُوا : وَاللهِ، مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ . فَقَامَ الحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ)) . قَالَ : ((فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْباً » . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالله ، إنَّهُ بِالْحَجْرِ نَدَبٌ سِنَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بالحجَرِ . قوله : (( كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى رجلاً حييا يغتسل وحده ، فقال بنو إسرائيل : ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر . فاغتسل)). قال فى الحديث الآخر: ((عند مشربه))، وفى رواية العذرى: ((عند مُوَيَه))، (( فوضع ثوبه على حجر ، ففرَّ الحجر بثوبه ، فجمح موسى بأثره يقول: ثوبى حجر» ، وفى الحديث الآخر: (( واتّبعه بعصاه يضربه ، حتى نظرت بنو إسرائيل إليه ، فقالوا : والله ما بموسى من بأس)). قال أبو هريرة: ((والله، إنه الحجر نَدَبُ)): الأنبياء منزهون عن النقائص فى الخلق والخلق سالمون من المعايب ، ولا يلتفت إلى ما قاله من لا تحقيق عنده فى هذا الباب من أصحاب التواريخ فى صفات بعضهم ، وإضافة بعض العاهات إليهم ، فالله تعالى قد نزههم عن ذلك ورفعهم عن كل ما هو عيب ونقص مما يغض العيون وينفر القلوب . وفيه ما ابتلى به الأنبياء والصالحون من أذى السفهاء وصبرهم على الجهال ، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية(١)، وقال نبينا - عليه السلام -: ((إن موسى أوذى بأكبر من هذا فصبر)). (١) الأحزاب : ٦٩ . ٣٥٠ كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى عدّه ١٥٦ - ( ... ) وحدثنا يَحْيَى بْنُ حَبيب الْحارثِىُّ، حَدَثَّنَا يَزِيدُ بْنُ زُرِيْعِ، حَدَثَّنَا خَالدُ الْحذَّاءُ ، عَنْ عَبْد الله بْن شَقيق ، قَالَ: أَنْبَنًا أَبُو هَرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلاً حَيَّا. قَالَ : فَكَانَ لاَ يُرَى مُتَجَرِّداً. قَالَ: فَقَالَ بَنُو إِسْرائيلَ: إِنَّهُ آدْرُ. قَالَ: فَاغْتَسَلَ عَنْدَ مُوَيْهِ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرَ ، فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَى، وَتَبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ : ثَوْبِى، حَجَرُ ! ◌ُوْبِى حَجَرُ ! حَتَّى وَقَفِّ عَلَى مَلأ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (١). ١٥٧ - (٢٣٧٢) وحدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا . وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّقِ، أَخْبَرَنَا مَغْمِّرٌّ، عَنِ ابْنِ طَاوَّسٍ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ أَبِى وفيه أن ستر العورة لم يكن وحياً فى شرع موسى؛ إذ ذكر فإنه إنما فعل ذلك حياء ، وإنه لم ينكر على قومه ما كانوا يفعلونه ، وإن الله تعالى أظهر ذلك منه لقومه حتى نظروا إليه . وفيه خرق العادة فى الجماد . وآيتان لموسى فى هذا الحجر عظيمتان : إحداهما : مشى الحجر بثوبه ، والثانية : حصول الندب فى الحجر من ضربه بعصاه ، والندب هنا : الأثر بفتح الدال ، وأصله : أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد . قال الإمام: ومعنى: (( جمح موسى بأثره)) : أى أسرع فى مشيه إسراعا ، لا يرد ٢٣٩ / ب وجهه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُون﴾ (٢)، / قال القاضى: أسرع وراء ثوبه. وفرس جموح : أى سريع ، وهو مدح . وقد يكون ذما ، وهو الذى يركب رأسه ولا يرده لجام ، وكل شىء مضى لوجهه فقد جمح كذا . وعلق وجعل وأقبل وظل معناه كله : ما زال يفعل ، ويقال : طفَق وطفِق ، بفتح الفاء وكسرها . والمشربة هنا - والله أعلم - بفتح الميم ، المراد بها : الشربة ، وهى حفرة فى أصل النخلة ، يجتمع فيها الماء لسقيها. والمشربة، بكسر الميم : الذى يشرب ، فسمى مشربة . والمشربة - أيضا - : أرض لبنة فيها نبت . والمشربة : الغرفة ، هذه بفتح الراء وضمها. ومن رواه: (( مُوَيْهِ)) فهو تصغير ماء، وأراه مصحفا من المشربة - والله أعلم - وهى روايتنا من طريق العذرى . قال الإمام: جعل بعض المحدثين هذا الحديث حجة فى جواز نزول الرجل الماء عريانا ، (١) الأحزاب : ٦٩ . (٢) التوبة : ٥٧ . ٣٥١ كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُرْسلِ ملَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَّمَا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ . قَالَ: فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عِيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعْ يَدَّهُ عَلَى مَتْنِّ ثَوْرِ ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بَكُلِّ شَعْرَةَ سَنَّةٌ . قَالَ: أَىْ رَبِّ ، ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالأَنَ . فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرَ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبٍ الطَريقِ، تَحْتَ الْكَثِيّبِ الأخْمَرِ )) . ١٥٨ _ ( .. ) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَثَنَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام ابْنِ مُنبّه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِعَّهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّةُ: ((جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَالَ لَهُ: أَجَبْ رَبَّكَ). قَالَ: ((فَلَطَمْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَيْنَ مَلَكِ الْمَوتِ فَفَقَها)). قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى الله - تَعَالَى، فَقَالَ: إنَّكَ أَرْسَلَتَنِى إلى عَبْد لك لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَاً عَيْنِى)). قَالَ : وجمهور العلماء على إجازته . ونهى عنه ابن أبى ليلى وقال : إن للماء سكاناً واحتج للنهى بحديث ضعفه أهل العلم . وقوله : (( جاء ملك الموت إلى موسى فقال : أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت - عليهما السلام - ففقأها . قال : فرجع الملك إلى الله تعالى ، فقال : إنك أرسلتنى إلى عبد لك لا يريد الموت ، وقد فقأ عينى . قال : فرد الله إليه عينه وقال : ارجع إلى عبدى فقل : الحياة تريد ؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور ، فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة . قال : ثم مه ؟ قال : ثم تموت . قال : فالآن من قريب))، قال الإمام : هذا الحديث مما يطعن به الملحدة ويتلاعب بنقله الآثار بسببه ، ويقول : كيف يجوز على نبى مثل موسى أن يفقأ عين ملك الموت ؟ وكيف تنفقئ عين الملك ؟ ولعله لما جاء عيسى أذهب عينه الأخرى فعمى ؟ ولأصحابنا عن هذا ثلاثة أجوبة : قال بعضهم: إن الملك يتصور فى أى الصور شاء مما يقدره الله عليها ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيا﴾(١)، قيل: إنه تمثل لها فى صورة رجل يسمى تقياً ؛ ولهذا قالت : ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيَّ﴾ (٢) ، وقد تمثل جبريل - (١) مريم : ١٧ . (٢) مريم : ١٨ . ٣٥٢ كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى عَّه. عليه السلام - بصورة دحية . وقال أصحاب هذه الطريقة : إن هذه الصور (١) قد يكون تخييلا ، فيكون موسى - عليه السلام - فقئ عينا فخيله لا عينا حقيقة . وهذا الجواب عندى قد لا يقنعهم ، وقد يقولون : إن علم أنه ملك وأن ذلك تخيل فكيف يصكه ويقابله بهذه المقابلة وهذا لا يليق بالنبيين ؟ وقال آخرون من أصحابنا : الحديث فيه تجوز ، إذا حمل عليه اندفع طعن الملحدة . ٢٤٠ / أ ومحمله عندنا : أن موسى - عليه السلام - حاجه فأوضح الحجة لديه. وقد يقال / فى مثل هذا : فقع فلان عين فلان ؛ إذ غلبه بالحجة . ويقال: عورت هذا الأمر إذا أدخلت نقصا فيه، فإذا صرف ذلك إلى غلبة موسى - عليه السلام - بالحجة سقط الاعتراض . وهذا أيضا قد يبعد من ظاهر اللفظ ؛ لقوله عَّ: ((فرد الله إليه عينه))، وإن قالوا معناه : فرد الله إليه حجته ، كان بعيدا عن مقتضى سياق اللفظ . وجواب ثالث ، مال إليه بعض أئمتنا من المتكلمين وهذا مثل ما قالوا فيه ، وهو أنه لا يبعد أن يكون موسى ◌َّ أذن الله له فى هذه اللطمة محنة للملطوم ، وهو سبحانه يتعبد خلقه بما شاء ، ولا أحد من عباده تمنعه فضيلته بأن يتصرف بحكم التكليف فيما ساء وسر، ونفع وضر، فإذا سلمنا لهم حقيقة الحديث وحملناه على هذه الطريقة لم يبق لهم تعلق . ويظهر لى جواب رابع وهو : أن يكون موسى - عليه السلام - لم يعلم أنه ملك من قبل الله - عز وجل - وظن أنه رجل أتاه يريد نفسه ، فدافعه عنها مدافعة أدت إلى فقئ عينه ، وهذا سائغ فى شريعتنا ؛ أن يدافع الإنسان عن نفسه من أراد قتله ، وإن أدى إلى قتل الطالب له ، فضلا عن فقئ عينه . وقد قدمنا فى كتاب مسلم إباحته ◌ّه فقء عين من اطلع على قوم ، وأنه حلال لهم فقء عينه إذا اطلع عليهم بغير إذنهم ، على ما تقدم بيانه، ومعنى الحديث فيه ؛ فكيف بهذا ؟ ! وإنما يبقى على هذا الجواب أن يقال : قد رجع إليه ثانية واستسلم موسى إليه ، فدل على معرفته به . قلنا : قد يكون أتاه فى الثانية بآية وعلامة علم بها أنه ملك الموت ، وأنه من قبل الله - عز وجل - فاستسلم لأمر الله ، ولم يأته أولا بآية يعرفه بها ، وكان منه ما كان ، وأحسن ما اعتمد عليه فى المسألة هذا الجواب الذى ظهر لنا ، أو كالجواب الثالث الذى ذكرناه عن بعض أئمتنا ، وعندى أن جوابنا أرجح منه . قال القاضى : قال بعض الشيوخ: ليس فى لطم موسى لملك الموت ما يعظم ويشنع ، وليس ذلك بأعظم من أخذه برأس أخيه ولحيته وجره إياه وهو نبى [ مكرم كما ذاك ملك معظم، والنبى عند المحققين أفضل من ملك ، وقد نص الله - تعالى - على ذلك فأخبر عنهما به فى كتابه العزيز ، ولم يعده على موسى ذنبا ، ولا استغفر منه موسى ، ولا أظهر (١) فى الأصل : الشريعة، والمثبت من ح ، ع المخطوطة ، والمطبوعة. ٣٥٣ صَلى الله كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى ((فَرَّ اللهُ إِلَيْهِ عِيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِى فَقُلْ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرِ ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرِةِ ، فَإِنَكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً . قَالَ : ثُمَّ مَهُ؟ قَالَ : ثُمَّ تَمُوتُ . قَالَ : فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ ، رَبِّ أَمِثْنِى مِنْ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، رَمْيَةً الندم عليه، ولا عتب الله ولا أخبرنا بالعتب من غيره عليه، بل نص اعتذار هارون لموسى - عليهما السلام - لا غير ، وموسى فى كل ذلك فاعل فى ذات الله - تعالى - ما رآه ، من جر هذا إليه ودفع ذاك عنه . وأما فقؤه عينه ، فلم يتعمد ذلك ولا فى الحديث ما دل عليه ، ولكن لما لطمه حدث بقدرة الله ومشيئته عند تلك اللطمة فقء عينه ، فهو الفعال لما يريد . والوجه الذى ذكر الشيخ الإمام - رحمه الله -: أنه ظهر له وحسنه وهو حسن، وهو تأويل الإمام أبى بكر ابن خزيمة وغيره من المتقدمين ، وبنصه احتجاجه ، وأرى الشيخ لم يكن رآه لغيره - والله أعلم . قوله: (( فرد الله عينه)): ظاهره : أن الحديث من لطمه وفقء عينه على وجهه قد يكون على ذلك التأويل الآخر ؛ رد العين: إلهامه الحجة التى جاء بها بعده - والله أعلم. وقول موسى - عليه السلام - لما خيره الله فى الحياة وتطويلها فقال: ((ثم مه ؟ قال: ثم تموت. قال : فالآن من قريب ، رب أمتنى من الأرض المقدسة رمية بحجر)) : قال أبو القاسم بن أبى صفرة: إنما سأل ذلك ](١) لتقرب عليه المشى إلى المحشر فتسقط عنه المشقة على من بعد عنه ، وقيل : لينال فضل مجاورة من دفن فيه من الأنبياء والصالحين وفضل [البقعة] (٢)، وهذا أظهر، وقيل [ فى قوله] (٣): قدر رمية بحجر: لئلا يكون فيها فيشتهر ، بل لئلا يعرف قبره فيعبده جهال ملته . وفيه الترغيب فى الدفن فى المواضع المباركة ، والمواطن الفاضلة ، والمشاهد الشريفة ، والدفن فى مدافن الصالحين . ٢٤٠ / ب وقوله : (( فما توارت يدك من شعرة)) معناه : فما وارت / أى سترت . وقوله فى الذى لطم وجه اليهودى إذ قال : والذى اصطفى موسى على البشر ، وقال له : تقول هذا ورسول الله عَّه بين أظهرنا؟! الحديث (٤). وقوله: فغضب النبى معَّه لذلك ثم قال: ((لا تفضلوا بين الأنبياء)) وفى الرواية الأخرى: ((لا تفضلونى على موسى))، قال الإمام: أما قوله: (( لا تفضلوا بين الأنبياء )) فيحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى (١) سقط من الأصل ، والمثبت من ح . (٢) ساقطة من ز . (٣) سقط من ز . (٤) حديث رقم ( ١٥٩) بالباب . ٣٥٤ كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى بِحَجَرَ )). قَالَ رَسُولُ اللهِعَّةِ: ((وَالله، لَوْ أَنَّى عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ » . ( ... ) قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى، حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَديثِ . إليه بالتفضيل ، وكان بعض شيوخى يقول : يحتمل أن يريد : لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلا يؤدى إلى نقص بعضهم . وقد خرج الحديث على سبب ، وهو لطم الأنصارى وجه اليهودى، فقد يكون - عليه السلام - خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص [ حق] (١) موسى - عليه السلام - فنهى عن التفضيل المؤدى إلى نقص الحقوق . قال القاضى : وقد قيل : إن هذا منه - عليه السلام - على طريق التواضع والبر بغيره من الأنبياء . وقد يحتمل أن يقول هذا وإن علم بفضله عليهم وأعلم به أمته ، لكن نهى عن الخوض فيه والمجادلة به ؛ إذ قد يكون ذلك ذريعة إلى ذكر ما لا يجب منهم عند الجدال ، وما يحدث فى النفس لهم بحكم الضجر والمراء ، فكان نهيه عن المماراة فى ذلك ، كما نهى عنه فى القرآن وغير ذلك . وقيل : لا يفضل بينهم فى حق النبوة والرسالة ؛ فإن الأنبياء فيها على حد واحد ، إذ لا تفاضل فى ذاتها وإنما التفاضل فى زيادة الأحوال ، والخصوص والكرامات والرتب ؛ فلذلك منهم الرسل ، وأولى العزم من الرسل ، ومن رفع مكانا عليا، ومن أوتى الحكم صبيا ، وأوتى بعضهم الزبر ، وبعضهم الكتاب ، ومنهم من کلم الله ورفع بعضهم درجات. [ تم تم تم تم الجزء الخامس بحمد الله وعونه ، يتلوه فى الجزء السادس قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٢)] (٣). (١) ساقطة من الأصل . (٢) الزمر : ٦٨ . (٣) سقط من ح . ٣٥٥ كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى عليه السلام ١٥٩ - (٢٣٧٣) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَتّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا يَهُودِىٌ يَعْرِضُ سِلِعَةً لَهُ أُعْطِىَ بِهَا شَيْئًا، كَرِهَهُ أَوْ لَمْ يَرْضَهُ - شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ - قَالَ: لا ، وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَى الْبَشَر! قَالَ : فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ . قَالَ : تَقُولُ : وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَى الْبَشَر! وَرَسُولُ اللهِ عَّهُ بَيْنَ أَظْهُرْنَا؟ قَالَ : فَذَهَبَ الْيَهُودِىُّ إِلَى رَسُول الله عَّهُ . فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّلِى ذِمَّةً وَعَهْدًا. وَقَالَ : فُلانٌ لَطَمَ وَجْهِى . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( لَمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟)). قَالَ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَى الْبَشَرِ! وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ الله عَُّ حَتَّى عُرفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ . ثُمَّ قَالَ: ((لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ الله ، فَإِنَّهُ يُنْفِخُ فى الصُّور ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِى السَّمَواتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ الله)). قَالَ: (( ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَلَ مَنْ بُعِثَ،أَوْ فِى أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ ، فَإِذَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِى أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الُّورِ ، أَوْ بُمِثَ قَبْلِى، وَلا أَقُولُ : إِنَّ أَحَدَّا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَّى عَلَيْهِ السَّلامُ)) . ( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، سَوَاءٌ . ١/٢ / [ بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على من لا نبي بعده ] (١). [ وقوله: ((إنه ينفخ فى الصور، فيصعق ] (٢) من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ، ثم ينفخ (٣) فيه أخرى ، فأكون أول من يبعث - أو فى أول من يبعث - فإذا موسى - عليه الصلاة والسلام - آخذ بالعرش، فلا [ أدرى ] (٤) أحوسب بصعقة (١) سقط من ح . (٢) فى الأصل : ونفخ فى الصور فصعق ، والمثبت من ح . (٣) فى الأصل : نفخ ، والمثبت من ح . (٤) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش. ٣٥٦ : كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى عليه السلام ١٦٠ - ( ... ) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلانِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمينَ . فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِىِ اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَّهَ عَلَى الْعَالَمِينَ ! وَقَالَ الْيَهُودِىُّ: وَّذِى اصْطَفَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَى الْعَالَمِينَ! قَالَ : فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيُهُودِىِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِىُّ إِلَى رَسُول الله عََّ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرٍ الْمُسْلِمِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّمَ: ((لاَ تُخَيُِّونِى عَلَى مُوسَى، فِإِنَّ النَّاسَ يَضْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشُ بِجانِبِ الْعَرْشِ ، فَلا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى ، أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله ؟ )) . يوم الطور، أو بعث قبلى؟))، وفى الرواية (١) الأخرى: (( فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى (٢) [وممن كان ] (٣) استثنى الله)): الصعق: الهلاك والموت، وهو الصعق والصاعقة والصعقة . وقيل : كل (٤) عذاب مهلك، ويكون - أيضاً - الغشية تعترى من فزع وخوف لسماع صوت وهول . وأصله : صوت النار وصوت الرعد الشديد ، ونحوه . يقال منه : صعق الرجل وصعق ، وأنكر بعضهم الضم ، وصعقتهم الصاعقة ، بالفتح ، وأصعقتهم . وتميم تقول : الصاقعة بتقديم القاف . وهذا من أشكل الحديث ؛ لأن موسى قد مات قبل ، فكيف (٥) تدركه صيحة الصعق وإنما تصعق الأحياء ؟ ! وقوله: ((ممن استثنى الله)): يدل أنه كان حيا ، فلم يأت أن موسى ممن رجع إلى الحياة؛ ولأنه حى كما جاء فى عيسى. وقد قال - عليه السلام -: ((لو شئتم أريتكم قبره إلى جانب الطور (٦) عند الكثيب الأحمر)) (٧)، على أن بعض أصحاب المعانى قال: يحتمل أن موسى ممن لم يمت (٨) الأنبياء ، وهذه الأحاديث ترد قوله . (١) فى الأصل : البعثة ، والمثبت من ح . (٢) فى الأصل : مليحا ، والمثبت من ح . (٣) بتقديم وتأخير فى نسخة ح . (٤) فى الأصل : كان ، والمثبت من ح . (٥) فى الأصل : كيف . (٦) فى ح : الطريق . (٧) حديث رقم (١٥٨) بالباب . (٨) فى الأصل : يستثن ، والمثبت من ح . ٣٥٧ كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى عليه السلام ١٦١ - ( ... ) وحدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَأَبُو بَكْر بْنُ إسْحَقَ قَال: أَخْبَرَنَا أُبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ ، أَخْبَرَنِى أُبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْبَّهُودِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . ١٦٢ - (٢٣٧٤) وحدّثَنِى عَمْرٌوَ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْنَى ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ قَالَ: جَاءَ يَهُودِىٌّ إِلَى النَّىِّ ◌ُِّ قَدْ لُطْمَ وَجْهُهُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلا أَدْرِى أَكَانَ ممَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى، أَوِ اكْتَفِى بِصَعْقَةِ الطُّور )) . ١٦٣ _ ( .. ) حدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْبَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّةُ: (( لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ)) . وَفِى حَديثِ ابْنِ نُمَيْرِ : عَمْرِو بْنِ يَحْنَى، حَدَّثَنِى أَبِی. ويحتمل أن المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرضون فتستقل معانى الأحاديث والآيات وتطرد على الوجه المفهوم . وقوله : ((أفاق، [ فلما أفاق ] (١))): يدل غير صعقة موت ؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشى ، وبُعث من الموت . وصعقة الطور لم تكن موتاً . وقد ذهب إلى هذا بعض المتأولين ، وقال الداودى عن بعضهم نحوه : إن هذه الصعقة فى الموقف وأن المستثنى منها الشهداء ، وقال : وهذا بعيد أن تصعق الأنبياء وهم أكرم . وأما قوله: (( فلا أدرى أفاق قبلى )) فيحتمل أن يكون قبل أن يعلم أنه أول من تنشق [ عنه الأرض ] (٢) إن حمل اللفظ على ظاهره وانفراده بذلك وتخصيصه، وإن يحمل على أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض ، لاسيما على رواية أكثرهم بزيادة قوله: أو فى أول من [ تنشق ] (٣) يبعث ، فيكون موسى - أيضا - من تلك الزمرة ، وهى - والله أعلم - زمرة الأنبياء . (١) مثبتة من ح . (٣) ساقطة من ح . (٢) فى نسخة ح تقديم وتأخير . ٣٥٨ كتاب الفضائل / باب من فضائل موسى عليه السلام ١٦٤ - (٢٣٧٥) حدّثْنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِد وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابت الْبُنَانِيِّ وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهِ قَالَ: (أَيْتُ - وَفِى رِوََّةٍ هَذَابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَّيْلَةً أُسْرِىِّبِى عِنْدِ الْكَثِبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى قَبْرِهِ)). ١٦٥ - ( ... ) وحدّثْنَا عَلَىُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كلاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ النَّيْمِىِّ، عَنْ أَنَس. حِ وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَِّةَ، حَدَّثْنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ النََّّمِىِّ، سَمِعْتُ أَنَسَّا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: (( مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّى فِى قَبْره )) . وَزَادَ فِى حَديث عيسَى : (( مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى)) . وقوله: «مررت [ على موسى ] (١) ليلة أسرى بى وهو يصلى فى قبره)» : قد تقدم الكلام عليه أول الكتاب ، عند ذكره وذكر عيسى وحجتهما ، بما يغنى عن إعادته . (١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش. ٣٥٩ كتاب الفضائل / باب فى ذكر يونس عليه السلام ... إلخ (٤٣) باب فى ذكر يونس عليه السلام، وقول النبي عَّ﴾: صَلى الله (( لا ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى )) ١٦٦ - (٢٣٧٦) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَّدَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّعَلَّهَ؛ أَنَّهُ قَالَ - يَعْنِى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: ((لا يَنْبَغِى لِعَبْد لِى - وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنِى: لعَبْدِى - أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُؤنُسَ بْنِ مَتَّى - عَلَيْهِ السَّلامُ)). قَالَ ابْنُ أَّبِى شَيْبَةَ : مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر عَنْ شُعْبَةَ . ١٦٧ _ (٢٣٧٧) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى وَابْنُ بَشَّار - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولَ : حَدَّثَنِى وقوله: ((ولا أقول: إن أحدا أفضل من يونس بن متى))، وفى الحديث الآخر - فيما يذكر عن الله تعالى -: ((لا ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى))، وفى حديث آخر هو من قوله - عليه السلام، قال الإمام: يحتمل قول النبى عَّه هذا أن يكون قبل أن يوحى إليه بأن غير يونس بن متى أفضل منه ؛ فلهذا امتنع أن يقول بالتفضيل ولم يوح إليه به ، وهو - عليه السلام - لم يقل هنا : إن يونس أفضل من سائر المرسلين (١) حتى يكون ذلك معارضا فى ظاهره لقوله: (( أنا سيد ولد آدم)) (٢) فيفتقر إلى التأويل، ولكنه إذا قال: ((لا أقول: إن أحداً أفضل من يونس [بن متى] (٣)))، وحملناه [على] (٤) / ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، ثم أوحى إليه بالتفضيل . يقال له : لم يكن فى ذلك من التعارض ما يغمض فيفتقر إلى التأويل . قال القاضى : ويدخل فى هذا من التأويلات ما تقدم فى قصة موسى ، ويحتمل أن يكون قوله: (( أنا )) راجعاً إلى تأويل ذلك ويعنى نفسه ، أى لا يظن أحد ولم يبلغ من (١) فى ح : المسلمين . (٢) سبق فى هذا الكتاب برقم (٣). (٣) سقط من ح . (٤) ساقطة من ح . ٠.٠ ٢/ ب كتاب الفضائل / باب فى ذكر يونس عليه السلام ... إلخ ٣٦٠ ابْنُ عَمِّ نَبِّكُمْ عَلَّهُ - يَعْنِ ابْنَ عَبَّاس - عَنِ النَّبِىِّ عَّهُ قَالَ: « مَا يَنْبَغِى لَعَبْد أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَى)) . وَنَسَبَهُ إِلَى أَبيه . الذكاء والفضائل ما بلغ ، أن يكون خيرا من يونس لأجل ما حكاه الله عنه ، فإن درجة النبوة لا تلحق ، وما جرى على يونس من الأقدار لم يحطه عن رتبة النبوة ذرة (١) . ٠ (١) فى ح : خردلة .