Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب السلام / باب لا عدوى ولا طيرة ... إلخ
شُعَيْب، عَنْ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى سِنَانُ بْنُ أَبِى سِنَانِ الدُّؤْلِىُّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِىُّ
◌َُّ: ((لا عَدْوَى))، فَقَامَ أَعْرَابِىٌّ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَصَالِحٍ .
وَعَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ : حَدَّثَنِىِ السََّئِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ أَخْتِ نَمِر ؛ أَنَّ النَّبِىَّ
عَ قَالَ : « لا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ)) .
١٠٤ - (٢٢٢١) وحدَّثْنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ - وَتَقَارَبَا فى اللَّفْظ - قَالا: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
وقال أبو الزبير فى تفسير الغول: هذا الغول التى تغول ، كذا لكافتهم وهو الصواب ،
وعند الطبرى: ((قال أبو هريرة)): كان (١) ((أبى الزبير))، وفى بعضها: ((وكان
يعجبه الفأل))، قال: وفسره قال: ((الكلمة الطيبة والكلمة الحسنة)) (٢)، وفى رواية:
((الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)) (٣) .
والطيرة: التشاؤم ، وهو مصدر التطير، قالوا: تطير طيرة، كما قال: تحير حيرة (٤)،
وليس فى المصادر غيرهما ، وفى السماء (٥) حرفان، [ قالوا لنوع من السحر ] (٦) وشىء (٧)
طيبة أى طيب. قال الخطابي: وكذلك ضبطناه عن شيوخنا بفتح الباء، وحكى الصابونى (٨)
أن بعضهم قال : إنما هى بسكون الياء .
قال الإمام : اضطرب الناس فيما ذكر عن أبى هريرة من الحديثين اللذين أسقط
أحدهما، فقال بعض أصحابنا: (( لايورد ممرض على مصح)) منسوخ بقوله: ((لا عدوى))،
وقال آخرون : ليس بينهما تناف فيقتصر إلى المنسوخ ، ولكن نفى العدوى ، وهى اعتقاد
كون بعض الأمراض بفعل فى غيرها بطبيعتها ، وأما أن يكون سبباً بخلق الله - سبحانه -
(١) فى ح : مكان .
(٢) الحديث رقم (١١١) من الباب التالى .
(٣) الحديث رقم ( ١١٠) من الباب التالى.
(٤) فى ح : تخير خيرة . وانظر : العين للخليل ٤٤٧/٧، الخطابى معالم السنن ٢٣٦/٤، المجموع المغيث
٣٧٨/٢ .
(٦) فى ح : قولهم : قوله لنوع من السحر .
(٥) فى ح : الأسماء .
(٧) فى ح : وسبى .
(٨) الصابونى : لعله إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن اسماعيل أبو عثمان الإمام ، العلامة المفسر
المحدث ، كان من أئمة الأثر له مصنف فى السنة واعتقاد السلف ، توفى سنة ٤٤٩ هـ، السير ١٨/ ٤٠،
النجوم الزاهرة ٥/ ٦٢، كشف الظنون ٢١٠١٥ .
ولعله ابن الصابونى أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن القرطبى المالكى المعروف ، كان فقيها محدثاً ،
صنف كتاباً فى شرح غريب صحيح البخارى . فهرست ابن خير ١٩٨ ، هدية العارفين ٦ / ٥٠٩ .

١٤٢
كتاب السلام / باب لا عدوى ولا طيرة ... إلخ
حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَظُّهُ قَالَ: ((لا عَدْوَى))، وَيُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((لا
بُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصَحِّ)).
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهِمَا كَلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللهَِّهُ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو
هَرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْله: ((لاعَدْوَى))، وَأَقَامَ عَلَى: ((ألا يُورِدُ مُمْرَضٌ عَلَى مُصِحٍّ)) .
قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِى ذَبَابِ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِى هُرَيْرَةَ -: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ، تَحَدَّثْنَا مَعَ هَذَا الحَديثِ حَدِيثًا آخَرَ ، قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ، كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله
عندها مرض ماوردت عليه فلم ينفه ، فإنما نهى أن يورد المرض على المصح ؛ لئلا يمرض
الصحاح من قبل الله جلت قدرته عند ورود المرضى، فيكون المرضى كالسبب فيها (١) .
وقال آخرون: إنما المراد هذا الاحتياط على اعتقاد الناس لئلا يتشاءم بالإبل المبيضة (٢)
ويعتقد أنها أمرضت إبله ، فيأثم فى هذا الاعتقاد (٣) وقال آخرون : إنما ذلك التأذى
بمشاهدة المرضى ، ويقبح صور الجذماء ، وتعذيب النفس برؤيتهم ، والتأذى بها قد يكون
منهم من رائحة تؤذى (٤)، وهو المراد بما يوقع فى بعض الأحاديث: ((فإنه أذى))(٥)،
وقال بعض أصحابنا : هذا إن كان مندوحة عن مخالطة من يتأذى به كره للوارد وإلا فلا ،
وكذا فى أهل الجذام إذا تأذى الناس بمخالطتهم فى البئر ، فإن كان لهم مندوحة بماء آخر
ينصرفون إليه أمروا أن ينصرفوا إليه ، دفعًا للضرر عن هؤلاء ، وإن لم يكن لهم مندوحة
قيل للآخرين : أوجدوهم العوض وإلا فشاركوهم ؛ لأن كل ذى مال أحق بماله .
وقوله: ((لاعدوى)) : تفسيره : أن العرب كانت تعتقد أن المرض يعدى وينتقل إلى
الصحيح ، فأنكر ◌َّه اعتقادهم ، ونهى عنه (٦) .
وأما قوله: ((ولا صفر)): ففيه قولان : قيل : تأخيرهم المحرم إلى صفر فى النسىء
الذى كانوا يفعلونه (٧)، وإلى هذا ذهب مالك (٨) وأبو عبيدة (٩) ، وقيل : الصفار :
(١) انظر: المنتقى ٧ /٢٦٥ .
(٢) فى ح : المريضة .
(٣) ممن قال بهذا القول أبو جعفر الطبرى. تهذيب الآثار ص ٣٥ مسند على بن أبى طالب ، وأبو جعفر
الطحاوى . انظر : شرح معاني الآثار (٣١١/٤).
(٤) الباجى فى المنتقى ٧/ ٢٦٤ .
(٥) انظر: الموطأ ٦ / ٩٤٦ رقم (١٨) باب عيادة المريض.
(٦) المنتقى ٧ / ٢٦٣.
(٧) رواه الطبرى فى تهذيب الآثار ص ٣٩ مسند على .
(٨) نقله عنه الباجى فى المنتقى ٧ / ٢٦٤، ابن بطال فى شرح البخارى ٤ ق / ١٨٨، القرطبى فى المفهم
٣ ق / ٢١١، النووى فى شرح مسلم ١٤ / ٢١٥.
(٩) نقله عنه أبو عبيد فى غريبه ، ولم يقل أحد منهم إنه من الشهور غير أبى عبيدة. غريب الحديث ١ / ٢٧ .
- -

١٤٣
كتاب السلام / باب لا عدوى ولا طيرة ... إلخ
عَّةُ: ((لا عَدْوَى))، فَأَبَى أَبُو هَرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ. وَقَالَ: (( لا يُوردُ مُمْرَضٌ عَلَى
مُصِحٍّ )) ، فَمَا رَهُ الْحَارِثُ فِى ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ . فَقَالَ
لِلْحَارث: أَدْرِى مَاذَا قُلْتُ؟ قَالَ : لا. قَالَ أَبُو هَرَيْرَةَ : قُلْتُ: أَبَيْتُ .
دواب فى البطن ، وكانوا يعتقدون أن الصفر دابة فى البطن يهيج عند الجوع وربما قتلت ،
ويراها العرب أعدى من الجرب (١) / وإلى هذا ذهب مطرف (٢) وابن وهب وابن حبيب (٣) ١٩٥ / ب
من أصحاب مالك ، وهو اختيار أبى عبيد (٤) ، وقد تقدم ما فى مسلم من التفسير لهذا .
وأما قوله: ((ولا هامة)) فاختلف فيه ، فقيل : كانت العرب تتشاءم بالهامة إذا
سقطت على دار أحدهم ، فيراها ناعية نفسه أو أحدًا من أهله ، وإلى هذا التفسير ذهب
مالك . وقيل : كانت العرب تعتقد أن عظام الميت تنقلب هامة تطير ، فأنكر عَّه هذا كله
وأبطله ، ويسمى الطائر الذى يعتقد خروجه من هامة الميت صيدًا (٥) ، وجمعه أصدى ،
وقد قيل : إن المراد بالحديث هذا الطائر الذى يخرج من الرأس ، قال لبيد :
فليس الناس بعدك فى بعير (٦)
ولاهم غير أصداء وهام (٧)
وقال أبو زيد (٨): ((هامة)) مشددة الميم .
وأما الفأل بالهمز وجمعه فؤول ، فقد فسره فى كتاب مسلم . والطيرة مأخوذة مما كانوا
يعتادونه فى الطير ويعتقدونه فى البوارح (٩) والسوائح (١٠) . وكان لهم فى التشاؤم
والتيامن طريقة معروفة (١١) ، وقيل: منها أخذ اسم الطيرة ، وقال بعضهم : فإن الفأل
(١) ذكره أبو عبيد فى غريبه ١ / ٢٦، تهذيب الآثار ص ٣٨ مسند على.
(٢) هو ابن عبد الله بن مطرف بن سليمان اليسارى الهلالى أبو مصعب المدنى، وهو ابن أخت الإمام مالك
وكان أصم ، روى عن مالك وتفقه به ، وروى عنه البخارى فى صحيحه ، توفى سنة ٢٢٠ . تهذيب
التهذيب ١٠ / ١٧٥ .
(٣) نقل الباجى وذلك عن ابن وهب فى المنتقى ٧ / ٢٦٤، ونقل القرطبى عن مطرف وابن وهب وابن حبيب
فى المفهم ٣ ق / ٢١٢، والنووى فى شرح مسلم ١٤ / ٢١٥ .٠
(٤) غريب الحديث لأبى عبيد بن سلام ١ / ٢٧ .
(٥) فى ح : صدنى .
(٦) فى ح : نقير .
(٧) البيت نقله أبو عبيد فى غريبه ، وعزاه للبيد وقال : إنه يرثى فيه أخاه أريد بن قيس أخو لبيد لأمه ، وكذلك
البيت فى اللسان فى موضعين، مادة ((نقر)) ومادة ((صدى)). وانظر: الاستيعاب ٣ / ٣٢٤ - ٣٢٦.
(٨) نقله أبو عبيد فى غريبه ١ / ٢٧، فتح البارى ١٠ / ١٩٧ .
(٩) البارح: ما مر من الطير والوحش من يمينك إلى يسارك، والعرب تتطير به . انظر: النهاية ١ / ١١٤ .
(١٠) فى ح : السوانح . وهو مامر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن
به ؛ لأنه أمكن للرمى والصيد . النهاية ١ / ١١٤ .
(١١) قال ابن حجر : أصل التطير أنهم كانوا فى الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر فإن
رأى الطير طار يمنة تيمن به ، وإن رآه طار يسرة تشاءم به. الفتح ١٠ / ١٧٤ .

١٤٤ -
كتاب السلام / باب لا عدوى ولا طيرة ... إلخ
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرى، لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثْنَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَيْ قَالَ: (( لا
عَدْوَى)) فَلا أَدْرِى أَنَسِىَ أُبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ القَوْلَيْنِ الآخَرَ ؟
١٠٥ - ( .. ) حدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ عَبْدٌ:
حَدَّثَنِى . وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَاَ - يَعْقُوبُ - يَعْنُون ابْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ ـ حَدَّثَنِى أَبِى
عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاَ هُرَيْرَةَ
يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهَ قَالَ: (( لا عَدْوَى)) وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: (( لا يُوَرِدُ المُمْرِضُ
عَلَى المُصِحِّ) بِمِثْلِ حَدَيْثِ يُونُسَ .
( ... ) حدَّثَنَاه عَبْدُ الله بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أُبُو الْيَمَان، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ،
عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَهُ.
رجوع إلى قول مسموع وأمر محسوس ، يحسن معناه فى العقول ، فتخيل للنفس وقوع مثل
ذلك المعنى . وتحسين الظن بالله سبحانه ورجاء الخير منه بأدنى سبب لايُقْبَح ، الطيرة أخذ
المعانى من أمور غير محسوسة ولا معقولة ولا معنى يشعر العقل بما يتوقع من ذلك ، فلهذا
فارقت الفأل وبأنها لاتقع إلا على توقع بأمر مكروه ، والفأل يقع على ما يحب ومايكره ،
والمستحسن منه ما يحب [ ويكره ما ينفى فألاً كان وهو أحسن ] (١) فسمى الفأل أو طيرة
هكذا قال بعضهم .
قال القاضى : وقيل فى الفرق بين الطيرة والفأل : وكلاهما فأل من سماع كلام
يُستحسن أو يُستقبح أو رؤية حيوان يمثل ذلك تعليق النفس بمايقتضيه المسموع أو المرئى ،
فإذا عقلها بخير على ماسمعه أو رآه من خير واقعه (٢) فهو من حسن الظن بالله ، وبضده
التطير بالمكروه والشر ، وتعليق النفس به ، فهو من سوء الظن ، وقد قال الله تعالى :
((أنا عند ظن عبدى بى)) (٣).
وقوله: (( فمن أعدى الأول)) : بيّن واضح فى الحجة فى قطع دعوى العدوى ؛ لأنه
إذا وجدنا هذا الداء أولاً من غير عدوى فى الأول فبم يحكم فى الثانى أنه من سبب الأول ،
(١) فى ح : وما يكره ويتقى فألاً كان وهو أحد .
(٢) فى ح : وافَقَهُ
(٣) أحمد ٢ / ٢٥١، ٣١٥، البخارى، ك التوحيد، ب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرِكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٧٤٠٥)،
مسلم ، ك التوبة ، ب فى الحض على التوبة والفرح بها (٢٦٧٥ / ١)، الترمذى ، ك الزهد ، ب ما جاء
فى حسن الظن بالله (٢٣٨٨)، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، ابن ماجة ، ك الأدب ، ب فضل
العمل (٣٨٢٢) .
---

١٤٥
كتاب السلام / باب لا عدوى ولا طيرة ... إلخ
١٠٦ - (٢٢٢٠) حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرِ - عَنِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ
قَالَ : ((لا عَدْوَى وَلا هَامَةَ وَلَا نوْءَ وَلَا صَفَرَ )) .
١٠٧ - (٢٢٢٢) حدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرُ، عَنْ
جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزَبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( لا عَدْوَى وَلَا طَرَةَ وَلَا غُولَ )) .
١٠٨ - ( ... ) وحدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ
النُّسْتَرِىُّ - حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((لا عَدْوَى وَلا غُولَ
ولم يكن للأول سبب إلا مشيئة الله وقدره ، والممرض صاحب المشيئة المريضة ، والمصح
صاحب المشيئة الصحيحة .
واختلف فى قوله: ((لا عدوى)) ، هل هو على جهة النهى أن يقال ذلك أو يعتقد ؟
فعلى هذا يصح دخول النسخ فيه ، وأن يكون ناسخًا على قول بعض لقوله: ((لا يوردن
ممرض على مصح)) (١)، وقيل: هو على وجه الخبر لنفيها، وأنه غير موجود ولا مملق (٢)،
وعلى هذا لا يصح دخول النسخ فيه . وكذلك اختلفوا ، هل قوله على العموم أو الخصوص
وقد تقدم فيه ما تقدم / من التأويلات ، وهو على جملة العموم ، وذهب فى معنى قوله فى
زيادة فى حديث: ((لايوردن ممرض على مصح)) فإنه أذى ، هل ذلك راجع إلى نفس
العدوى أو إلى تأذى النفس بذلك (٣) .
١٩٦ / أ
وقيل معنى إعجابه بالفأل الحسن ؛ فلما جبلت عليه النفوس من استحسان الحسن من
كل شىء بالميل إليه ، كما جاء أنه كان يعجبه الأترج والفاغية (٤) والحمام الأحمر ونحوه .
وقيل فى قوله: ((ولاغول)) أى أن الجنى لاتستطيع أن تغول أحدًا ، أو تضله ، أو
تُغيِّر صفته ، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر ولاغول ولكن السعالى قالوا والسعالى:
(١) هذا الكلام رد عليه الباجى حيث قال : إن كان بمعنى النهى يريد : لاتكرهوا البعير الجرب بين إبلكم غير
الجربة، ولا تمنعوا ذلك ولاتمتنعوا منه، فإنا لانعلم أيهما قال أولاً، وإن تعلقنا بالظاهر فقوله: ((لاعدوى))
ورد فى أول الحديث فمحال أن يكون ناسخاً لما ورد بعده أو لما لا يدرى ورد قبله أو بعده لأن الناسخ إنما
يكون ناسخًا لحكم قد ثبت قبله . المنتقى ٧ / ٢٦٥ .
(٢) فى ح : ممكن .
(٣) انظر: المنتقى ٧ / ٢٦٤ .
(٤) الفاغية : وهو كل ما كان من الشجر له ريح طيبة لا تكون لغير ذلك، وقيل: نور الريحان ، وقيل : نور
كل نبت . اللسان ، وغريب الحديث لابن قتيبة ١ / ٨٨ .

١٤٦
-
كتاب السلام / باب لا عدوى ولا طيرة ... إلخ
وَلَا صَفَرَ )) .
١٠٩ - ( ... ) وحدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثْنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثْنَا ابْنُ جُرَيْج ،
أَخْبَرَنِى أَبُو الزَّبَيْرِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َّهُ يَقُولُ: (( لا
عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا غُولَ )) .
وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ؛ أَنَّ جَابِرًا فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ: (( وَلَا صَفَرَ )) . فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْر:
الصَّفَرُّ : البَطْنُ . فَقيلَ لِجَابِرِ : كَيْفَ ؟ قَالَ : كَانَ يُقَالُ دَوَابُ البَطْنِ . قَالَ : وَلَمْ يُفَسِّرِّ
الغُولَ . قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هَذِه الْغُولُ الَّتِى تَغَوَّلُ.
شجرة (١) الجن. ومثله حديث عمر: (( أن أحدًا لا يستطيع أن يغير أحدًا عن خلق الله ،
ولكن للجن [ شجرة كشجرتكم ] (٢)، فإذا رأيتموهم فأذنوا بالصلاة)) (٣)، ومضى
الكلام فى قوله: ((ولا صفر )) ، وبقى منه ما حكاه بعضهم أن أهل الجاهلية كانوا
يتشاءمون بصفر (٤) .
قال الإمام : وأما الخط فقد تقدم الكلام عليه فيما سبق ، وأما النوى فقد تقدم الكلام
عليه فيما سبق أيضا ، وأما البوم فالأنثى منه الهامة والذكر يسمى صدى (٥).
قال القاضى : لم يقع عند أشياخنا وفى جميع الروايات التى فى كتبهم فى هذا الحرف
إلا النوء وحده .
قال الإمام: وأما قوله: ((ولا غول)): فإن العرب كانت تقول: إن الغيلان فى [ القلوب
برأى ] (٦) للناس فتتغول تغولاً ، أى تتلون تلونا ، فيضلهم عن الطريق فيهلكهم وقد
ذكروها فى أشعارهم فأبطل ذلك - عليه السلام .
(١) فى ح : سحرة الجن. انظر: الحيوان ٦ / ١٥٨، غريب الخطابى ١ / ٤٦٣.
(٢) فى ح : سحرة كسحرتكم .
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ، ك الحج ، ب ذكر الغيلان ٥ / ١٦٢ .
(٤) انظر: أبا داود، ك الطب، ب الطيرة (٣٩١٥) ٤ / ١٨.
(٥) انظر: مشارق الأنوار ٢ / ٢٧٢ .
(٦) فى ح : الفلوات تراءى .

١٤٧
كتاب السلام / باب الطيرة والفأل ... إلخ
(٣٤) باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم
١١٠ - (٢٢٢٣) وحدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَُّ يَقُولُ:
(( لا طَيَرَةَ وَخَيْرُهَا الفَالُ)). قيلَ: يَارَسُولَ الله، وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: ((الكُلمَةُ الصَّالِحَةُ
يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ )) .
( ... ) وحدَّثَنِى عَبْدُ الَك بْنُ شُعَيْب بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جِدِّى، حَدَّثَنِى
عُقَيْلُ بْنُ خَالد. ح وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو اليَمَانَ، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ، كِلاَهُّمَا عَنِ الزُّهَرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ .
وَفِى حَدِيثِ عُقَيْلٍ: عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ . وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ. وَفِى حَدِيثِ شُعَيْبٍ:
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َ. كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ .
١١١ - (٢٢٢٤) حدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالد، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ،
عَنْ أَنَس؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهَ عَّهِ قَالَ: ((لا عَدْوَى وَلاَ طَيَرَةَ، وَيُعْجُبُنِى الفَأْلُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةَ،
الكَلِمَةُ الْطَيَّةَ)) .
١١٢ - ( ... ) وحدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
حَدَّثْنَا شُعْبَةُ ، سَمِعْتُ قَنَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َهِ، قَالَ: « لا عَدْوِّى
وَلَا طَيَرَةَ، وَيُعْجُبنَى الفَأْلُ)). قَالَ: قيلَ: وَمَا الفَالُ؟ قَالَ : ((الكَلِمَةُ الطَّةُ )).
١١٣ - (٢٢٢٣) وحدَّثْنى حَجَّاجُ بْنُ الشََّعرِ، حَدَّثَنِى مُعَلَّى بْنُ أَسَد، حَدَّثَنَا
عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَتَيْقِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ،
قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهُ: ((لا عَدْوَى وَلاَ طِرَةَ، وَأُحِبُّ الفَالَ الصَّالَحَ)) .
١١٤ - ( ... ) حدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ
حَسَّان، عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَهُ: ((لاعَدْوَى وَلَا
هَمَةً وَلاَ طِيَرَةَ، وَأُحبُّالفَأَلَ الصَّالِحَ)) .

١٤٨
كتاب السلام / باب الطيرة والفأل ... إلخ
١١٥ - (٢٢٢٥) وحدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا مَالِكِ بْنُ أَنَسِ. ح
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِك عَنِ ابْنِ شَهَبٍ ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالَم -
ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((الشُّؤْمُ فِى الدَّارِ
وَالَرْأَةِ وَالْفَرَسِ » .
١١٦ - ( .. ) وحدَّثَنَا أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةَ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب،
أَخْبَرَنَى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ - ابْنَىْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - عَنْ عَبْد الله
ابْنُ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: (( لا عَدْوَى وَلَا طَيَرَةَ، وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِى ثَلاثَةِ: المَرْأَةِ
وَالفَرَسِ وَالدَّارِ )) .
وقوله: فى حديث ابن عمر: (( الشؤم فى الدار والمرأة والفرس ))، وفى رواية أخرى
عنه: ((إنما الشؤم))، وفى رواية أخرى عنه: (( إن يكن من الشؤم شىء حق )) وذكر مثله ،
ومثله فى حديث سهل بن سعد ، وجابر بن عبد الله .
قال الإمام : أما ذكره الشؤم فى الدار والمرأة والفرس ، فإن مالكًا أخذ هذا على ظاهره
ولم يتأوله ، فذكر فى كتاب الجامع من العتبية أنه قال : (([ زيد أرسلها ] (١) قوم فهلكوا ،
وآخرون بعدهم فهلكوا ))، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره ، فإن هذا محمله على أن
المراد به : أن قدر الله - سبحانه - ربما اتفق بما يكره عند سكنى الدار ، فيصير ذلك
كالسبب ، فيتسامح فى إضافة الشؤم إليه مجازًا واتساعاً ، قالوا : وقد قال فى بعض طرق
مسلم: (( إن يكن الشؤم حقاً )) فهذا لفظ ينافى القطع، ويكون محمله أن يكون الشؤم حقاً ،
فهذه الثلاث أحق به ، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها .
وقد وقع فى بعض الأحاديث: أنه عَّ لما شكى إليه فى بعض الديار ذهاب الأهل
والمال، قال: ((دعوها ذميمة)) (٢).
وقد اعترض بعض أهل العلم فى هذا الموضع بأن قال: فإنه نهى عَّ عن الفرار من
بلد الطاعون ، وأباح الفرار من هذه الدار ، فما الفرق ؟ قيل : قال بعض أهل العلم إن
الجامع لهذه الفصول كلها ثلاثة / أقسام :
١٩٦ / ب
(١) فى ح: رُبَّ دار سكنها .
(٢) مالك فى الموطأ، ك الاستئذان، ب ما تبقى من الشؤم ٢ / ٩٧٢ (٢٣)، أبو داود ، ك الطب، ب فى
الطيرة ( ٣٩٢٤) عن أنس بن مالك - رضى الله عنه .
---

١٤٩
كتاب السلام / باب الطيرة والفأل ... إلخ
( ... ) وحدَّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمِ وَحَمْزَةَ - ابْنَىْ
عَبْدِ الله - عَنْ أَبِهِمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهُ. ح وَحَدَّثَنَا يَخْيَى بْنَّ يَحْيَى وَعَمَّرَّو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ
ابْنَّ حَزَّب، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَِّّ ◌َّهُ. حَ وَحَدَّثَنَا
عَمْرٌوَ النَّاقَدُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِى ، عَنْ صَالِحِ ، عَنِ ابْنِ
شَهَبٍ، عَنْ سَالِمِ وَحَمْزَةَ - ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ عَهُ.
حَ وَحَّدَّثَنِى عَبْدُ الملِكَ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللََّثِ بَنِ سَعْدِ، حَدَّثَنِى أَبِّى، عَنْ جَدّى، حَدَّثَنِى
عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَثْنَهُ يَحْيَى بَنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بَنُ المُّفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ
ابْنِ إِسْحَقَ حَ وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو اليَمَانِ ، أَخْبَنَا
شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، فِى الشُّؤْمِ . بِمِثْلٍ
حَديث مَالك. لا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : العَدْوَى وَالطَّرَةَ، غَيْرَ يُونُسَ
ابْنِ يَزِيدَ .
١١٧ - ( .. ) وحدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدُ بْنِ زَيّدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحِّدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَِّىِّ
◌َِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَىءٌ حَقٌّ، فَفِى الفَرَسِ وَالَرْأَةِ وَالدَّارِ)) .
فأحد الأقسام : مالم يقع التأذى به ولاضطرب (١) فيه عادتهم خاصة ولاعامة ، نادرة
ولامتكررة . فهذا لا يصغى إليه ، والشرع أنكر الالتفات إليه وهو الطيرة لأن [ نفى
الغراى ] (٢) فى بعض الأسفار ليس فيه إعلام ولا إشعار بما يكره ، أو يختار بلاجهة النذور
ولا التكرار، فلهذا قال - عليه السلام -: ((لاطيرة)).
والقسم الثانى: مما يقع به الضرر ، ولكنه يعم ولايخص، ويندر ولا ينكر (٣) كالوباء ،
فإن هذا لا يقدم عليه احتياطًا ، ولايفر منه ، لعدم أن يكون وصل الضرر إلى الفأل على
الندور والتكرار .
والقسم الثالث : يخص ولايعم ، ويلحق منه الضرر كالديار ، فإن ضررها مختص
بساكنها . وقد ذهب فيها أهله وماله، على حسب ما قال الشاكى (٤) للنبى معَّه فهذا يباح
(١) فى ح : اضطررت .
(٣) فى ح : يتكرر .
(٢) فى ح : لقيا الغراب .
(٤) الشاكية امرأة، على حسب رواية مالك وأبى داود. قال ابن العربى : هى دار مكمل بن عوف أخى عبد
الرحمن بن عوف . القبس ٢ / ٣٥٦ .
٠

١٥٠
كتاب السلام / باب الطيرة والفأل ... إلخ
( ... ) وحدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ عَبْد الله، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَاَ
الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ . وَلَمْ يَقُلْ : حَقٌ .
١١٨ - ( .. ) وحدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ
ابْنُ بِلال، حَدَثَنِى عُبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله
عََّ قَالَّ: ((إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِى شَىْءٍ ، فَفِى الفَرَسَِّ وَاَلَسْكَنِ وَالَرَّأَةِ » .
١١٩ - (٢٢٢٦) وحدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى
حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعََّ: ((إِنْ كَانَ ، فَفِى المَرْأَةِ وَالفَرَسِ
ء
وَاَلَسْكَنِ )) يَعْنِى : الشُّؤْمَ .
له الفرار .
فهذا التقسيم الذى قسمه بعض العلماء (١) يشير إلى الفرق بين هذه المسائل بعضها من
بعض .
قال القاضى: وقد عارض بعض الملحدة هذا الحديث بقوله: ((لاطيرة)). قال القتبى :
وهذا تعسف ، ووجهه : أن هذا الحديث مخصوص بحديث الشؤم ، كأنه قال : لاطيرة إلا
فى هذه الثلاثة ، والطيرة على من تطير . كان أهل الجاهلية يقولون ذلك ، فنهاهم النبى
عَّ عن الطيرة ، فلم ينتهوا فبقيت فى هذه الثلاثة الأشياء .
· وقد روى أبو هريرة عنه - عليه السلام -: (( الطيرة على من تطير ، وإن يكن فى
شىء ففى المرأة والدار والفرس)) ، وهذا يعضد قول من قال (٢) : إنه على الاستثناء ، وقد
جاء فى حديث آخر (٣): ((لاشؤم))، وقيل : معناه : أن هذه الأشياء مما يطول التعذب
بها وكراهة أمرها ، وذلك لملازمتها بالسكنة والصحبة ، وإن دفع الإنسان ذلك عن اعتقاده ،
فكلامه - عليه السلام - بذلك بمعنى الأمر بفراق ذلك وزوال التعذب به، كما قال: ((اتركوها
ذميمة)) (٤) .
قال الخطابي : معنى هذا الحديث : [ إن طال ] (٥) مذهبهم فى التطير بالسوائح
والبوارح ، إلا أنه قال : إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها ، وإمرأة يكره صحبتها ، أو
(١) منهم: أبو الوليد الباجى. المنتقى ٧ / ٢٩٤ .
(٢) الخطابى فى معالم السنن ٤ / ٢٢٣٧ .
(٣) رواه الترمذى ٥ / ١١٧ (٨٢٤).
(٤) سبق تخريجه .
(٥) فى ح : إبطال .

١٥١
كتاب السلام / باب الطيرة والفأل ... إلخ
( .. ) وحدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْد،
عَنْ أَبِى حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَِّّعَّهُ . بِمِثْلِهِ.
١٢٠٠ - (٢٢٢٧) وحدَّثَناه إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الخَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ الْحَارث،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزَّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمعَ جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ رَسُول اللهِعَّهِ. قَالَ: ((إنْ
كَانَ فِى شَىْءٍ ، فَفِى الرَّبْعِ وَالْخَادِمِ وَالفَرَسِ » .
فرس لا تعجبه ارتباطه - فليفارقه ، بأن ينتقل عن الدار ، ويبيع الفرس ، ويفارق المرأة .
وكان مجرى هذا الكلام عن استثناء الشىء من غير جنسه ، وتسهل الخروج من كلام إلى
غيره .
وقد قيل : شؤم الدار ضيقها ، [ سوء جارها ] (١)، وشؤم الفرس ألا يغزى عليه .
وشؤم المرأة ألا تلد (٢) .
وقد يكون الشؤم هنا على غير المفهوم منه من معنى التطير ، لكن بمعنى قلة الموافقة
وسوء الطباع، كماجاء فى الحديث الآخر: (( سعادة ابن آدم فى ثلاثة ، وشقوة ابن آدم فى
ثلاثة : فمن سعادته : المرأة الصالحة ، / والمسكن الواسع ، والمركب الصالح . ومن
شقاوته : المسكن السوء، والمرأة السوء ، والمركب السوء)) (٣) ، وجاء فى حديث آخر من
رواية جويرية عن مالك عن الزهرى ؛ أن بعض أهل أم سلمة - زوج النبى - أخبره أن أم
سلمة كانت تزيد السيف فى الحديث (٤) .
١٩٧ / أ
(١) سقط من ز ، والمثبت من ح .
(٢) انظر: معالم السنن ٤ / ٢٣٦ .
(٣) أحمد (١ / ١٦٨) عن سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن جده.
(٤) الفتح ٦ / ٤٨، ابن ماجة، ك النكاح (١ / ٦٤٢) (١٩٩٥) ب ما يكون فيه اليمن والشؤم ،
ومصنف عبد الرزاق ( ١ / ٤٠١) ب الشؤم.

١٥٢
-
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان.
(٣٥) باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
١٢١ - (٥٣٧) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قالا: أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهّب ،
أَخْبَرَنِى يُوسُ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةً
ابْنِ الَحَكَمِ السُّلَمِىِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَرَسُولَ اللهِ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَاَ فِى الْجَاهِلَيَّةِ. كُنَّا نَأْتِى
الكُهَّانَ. قَالَ: «فَلا تَأْتُوا الْكُهَانَ)). قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيِّرُ. قَالَ: ((ذَاكَ شَىْءٌ يَجِدُهُ
أَحَدُكُمْ فِى نَفْسِهِ ، فَلا يَصُدُنَّكُمْ)).
( .. ) وحدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنِى حُجَيْنٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُثَنِّى - حَدَّثَنَ اللَّيْثُ،
عَنْ عُقَيْل. ح وَحَدَّثَنَاَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قاَلًا: أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّزَّاق،
أَخْبَرَنَاَ مَغَّمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَاَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَاَ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارِ ، حَدَّثَنَاَ ابْنُ أَبَى
ذِئْبٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَ إِسْحَقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَاَ مَّالِكٌ، كُلُّهُمْ عَنِ
الزُّهَرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَدِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ يُونُس. غَيْرَ أَنَّ مَالكاً فِى حَديثه ذَكَرَ الطِّرَةَ .
وَلَيْسَ فِيهِ ذَكْرُ الْكَّهَانَ.
( ... ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قالا: حَدَّثَناَ إِسْمَاعِيلُ -
وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ عيسَى بْنُ
يُونُسَ ، حَدَّثَنَ الأَوْزَاعِىُّ، كَلَاهُمَا عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ ، عَنْ مَّعَاوِيَّةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىَّ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َهَ. بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ
عَنْ أَبِى سَلَمَةً، عَنْ مُعَاوَيَّةَ. وَزَادَ فِى حَدِيثٍ يَحْبَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ قَالَ : قُلْتُ: وَمَنَّا رِجَال
يَخُطُونَ قَالَ : (( كَانَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَفَقَ خَطُّهُ فَذَاكً)) .
قوله: كنا نأتى الكهان، قال: ((فلا تأتوا الكهان))، قالوا: كنا نتطير، قال: ((ذلك
شىء يجده أحدكم فى نفسه فلا يصدنكم)): أى لا يصدنكم عما كنتم تريدون فعله. قيل :
دل من هذا أن النبى معَّه إنما نهى عن الطيرة أن تعتقد أن لها تأثيراً ، ويصمم على العمل
بها عمل أهل الجاهلية ، وأن نفيه لها نفى لحكمها لا نفى لوجودها إذا كانت الجاهلية
تعتقدها ، وتدين بها ، ويجدون تأثيرها مما يقع فى أوهامهم وتصادف قدر اللّه وما أمر
الكهان .
- - -
٠٠٠
----

١٥٣
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
١٢٢ - (٢٢٢٨) وحدّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَاَ عَبْد الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، عَنْ يَحْبَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزَّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ. قالَتْ: قُلْتُ: يَاَرَسُولَ الله،
وقوله فى الحديث الآخر: إنهم يحدثونا بالشىء فنجده حقاً، قال: (( تلك الكلمة
الحق يخطفها الجنى ، فيقذفها فى أذن وليه ويزيد فيها مائة كذبة )»: كذا لهم ، وهو
الصواب. وفى رواية: ((يحفظها))، والأول المحفوظ ونص كتاب اللّه، قال الله -
سبحانه : ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (١).
قال الإمام : أما الكهان فهم قوم يزعمون أنهم قوم يعلمون الغيب بأمر يلقى فى
أنفسهم (٢) ، وقد أكذب الشرع من ادعى علم الغيب ، ونهى عن تصديقهم ، وقد ذكر
مسلم عن النبى - عليه السلام - وجه إصابة بعضهم فى بعض الأحايين ، وأنه من استراق
السمع ، يسترقه ولى الكاهن من الجن ويوصله إليه .
قال القاضى : الكهانة كانت فى العرب على أربعة ضروب :
أحدهما : [ أن يكون له إنسان أى من الخير ] (٣) فيخبره بما يسترق من السمع من
السماء ، وهذا القسم قد بطل منذ بعث اللّه محمدًاً عَّ، كما نص اللّه - تعالى - فى
الكتاب (٤) .
الثانى : أن يخبره بما يطرأ فى أقطار الأرض وما خفى عنه بما قرب أو بعد ، وهذا لا
يبعد وجوده ونفت هذا كله المعتزلة (٥) وبعض المتكلمين (٦) وأحالوه ، ولا إحالة ولا بعد
فى وجود مثله ، لكنهم يصدقون ويكذبون ، والنهى عام فى تصديقهم والسماع منهم .
الثالث : التخمين والخرز ، وهذا يخلق اللّه منه لبعض الناس قوة ما لكن الكذب فى
هذا الباب أغلب .
ومن هذا الفن العرافة ، وصاحبها عراف ، وهو الذى يستدل على الأمور بأسباب
ومقدمات يدعى معرفتها بها (٧) ، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن فى ذلك بالزجر
والطرق والنجوم وأسباب معتادة وهذا الفن هى العيافة بالياء ، وكلها ينطلق عليها اسم
الكهانة عندهم، ويعلمها فى أكثر كتبهم. وفى الحديث الذى ذكر مسلم: (( من أتى
(١) الصافات: ١٠ . وهذا الكلام المذكور عن الكهانة مذكور قبل كتاب الكهانة وهو واضح.
(٢) انظر: معالم السنن ٤ / ٢٢٥ واللسان، مادة ((كهن)).
(٣) فى ح : أن يكون للإنسان ولى من الجن .
(٤) قوله تعالى فى سورة الجن: ٨، ٩، والصافات: ٦ - ١٠.
(٥) الملل والنحل ١ / ٥٣
(٦) انظر: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ص ٤٣٧ .
(٧) انظر: معالم السنن ٢٢٥/٤ .

١٥٤.
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَ بِالشَّيْءٍ فَنَجِدُهُ حَقًا . قَالَ: «تلْكَ الْكَلمَةُ الحَقُّ ، يَخْطَفُهاَ الْجَنِّىُّ
فَيَقْذِفُهَاَ فِى أُذُنٍ وَلِهِ ، وَيَزِيَدُ فِيهاً مِائَةً كَذْبَةٍ)) .
١٢٣ - ( ... ) حدّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبيب، حَدَّثَنَاَ الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَاَ مَعْقُلٌ -
وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ الله - عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ : قَالَتْ
عَائِشَةُ: سَأَلَ أَنَسٌَ رَسُولَ اللهِنَّهُ عَنِ الْكُّهَّانِ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ عَّهُ:(( لَيْسُوا بِشَىْءٍ)).
قَالُوا: يَاَ رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيانًا الشَّىْءَ يَكُونُ حَقًا. قَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ: (( تَلْكَ
عرافاً فسأله عن شىء لن تقبل له صلاة أربعين يوما )) تقدم معنى العرافة ، وأنه من
الكهان. قال الهروى: العراف: الحاذى والمنجم الذى يدعى علم الغيب، وقد استأثر اللّه به.
وأما معاقبته بترك قبول صلاته ، فمذهب أهل السنة : أن السيئات لا تبطل الحسنات
ولا يحبطها شىء إلا الكفر، والمراد بهذا [ القبول ] (١) - والله أعلم - قبول الرضى
وتضعيف الأجر ، ولا قبول الأداء وسقوط العهدة (٢) .
وما اختصاصه بأربعين ليلة فى قبول صلاته ، وقد جاء مثل هذا فى شارب
الخمر (٣) _ فمن أسرار الحكمة الشرعية ، وقد جاء عدد الأربعين فى تنقل أطوار الخلق فى
الرحم ؛ من النطفة ، والعلقة ، والمضغة (٤) ، وجاء الحد فى قصة الأظافر والشارب ،
وحلق العانة أربعون يوماً (٥)، وجاء: (( من أخلص اللّه أربعين صباحاً ، ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه)) (٦)، فيحمل فى شارب الخمر أنه ينتقل اللحم المتولد عما
شرب من الخمر وتبدله بغيره .
وقد ذكر أهل التجارب أن السمن يظهر فى الحيوان فى أربعين يوماً . وكذلك المخلص
أربعين يوماً يظهر بذلك تغيير طباعه عما كانت عليه وانتقال صفاته ، ولذلك تغير نبات
الشعر والأظفار فى أربعين يوماً .
٠
وقوله فيهم: (( ليسوا على شىء )) دليل على بطلان قولهم ، وأنه لا صحة ولا حقيقة
(١) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ح .
(٢) نقل مثل هذا القول القرطبى فى المفهم ٣/ ق٢١٥، شرح مسلم ١٤/ ٢٢٧.
(٣) رواه الترمذى، ك الأشربة، ب ما جاء فى شارب الخمر ٢٥٧/٤، أحمد ١٨٩/٢، ابن ماجة
١٧٦/٢، النسائى ٣١٧/٨.
(٤) البخارى ٧٨/٤ ب ذكر الملائكة، ك بدء الخلق .
(٥) صحيح مسلم ٢٢٢/١ ، الترمذى ٨٦/٥، أبو داود ٤ / ٨٤ .
(٦) الحلية ١٨٩/٥، ابن الجوزى فى الموضوعات ١٤٤/٣.
-----
---- -

١٥٥
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
الكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ يَخْطَفُهاَ الْجِنَّىُّ، فَيَقُرُّهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّالدَّجَاجَةَ، فَيَخْلِطُونَ فِيهاَ أَكْثَرَ
مِنْ مِائَةٍ كَذْبَةٍ )) .
( ... ) وحدّثْنى أَبُو الطَّهرِ، أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، بِهَذَا الإِسْنَدِ، نَحْوَ رِوَةٌ مَعْقِلٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ .
١٢٤ - (٢٢٢٩) حدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - قاَلَ حَسَنٌ:
حَدَّثَنَ يَعْقُوبُ. وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَاْ أَبِى عَنْ صَالِحٍ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عَلَىُّبْنُ حُسَيْن ؛ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسَ، قَالَ: أَخْبَرَنِى رَجُلٌ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِىُّ ◌َّهُ مِنَ الأَنْصَارِ ؛ أَنَّهُمْ بَيْتَماَ هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَّةً مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ رُمِىَ
بِنَجْمٍ فَاسْتَرَ . فَقَالَ لَّهُمْ رَسُولُ اللهِ عَ: (( مَاذَا كُمْ تَقُولُونَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِىَ بِمِثْلٍ
هَذَا؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ .
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةُ : (( فَإِنَّهَاَ لا يُرْمَى بهاَ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلا لِحَيَّاتِه، وَلَكِنْ رَبُّنَاَ - تَبَارَكَ
وَتَعَلَى اسْمُهُ - إِذَا قَضَى أَمْرَا سَّحَ حَمَلَةُ الَعَرْشِ، ثُمَّ سَّحَ أَمْلَّ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،
حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَاَ، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةٍ
له ، وفيه جواز الغلو فى اللفظ وإطلاق مثل هذا اللفظ العام ، والمراد به الخاص من
أحوالهم لا ذواتهم ؛ لأنهم أشياء بلا شك ، ولا يعد هذا كذباً . والخط تقدم الكلام فيه
أول الكتاب (١) .
وقوله : ((أن نبياً كان يخط فمن وافق خطه فذاك)) (٢): أى الذى يصيب ، وليس
فيه دليل على جوازه ، وإنما أخبر عن وقوعه وسبب الإصابة فيه أحيانا إذا وافق ، كما ذكر
أن علم النجوم كان آية لبعض الأنبياء ، ثم حرم الشرع النظر فيه (٣) . ودخل كل هذا
تحت النهى عن الكهانة وتخرص (٤) علم الغيب . وقيل : فيه رخصة للنظر فى الخط ،
وقد تقدم أول الكتاب .
وقوله : فى الحديث الآخر (( تلك الكلمة من الجن يخطفها (٥) الجنى فيقرها فى أذن
(١) ك المساجد ١٠٢ .
(٢) حديث رقم (١٢١) بالباب
(٣) نقله القرطبى فى تفسيره ٩٢/١٥ آية ٨٨ من سورة الصافات.
(٤) هو الكذب والافتعال، ومنه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ انظر: اللسان، مادة ((خرص)).
(٥) فى ح : يحفظها .

١٥٦
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبِّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونُهُمْ مَاذَا قَالَ. قالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ
وليه قر الدجاجة ، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة)). قال الإمام : يقال : قررت الخبر
فى إذنه أقره قراً : أودعته ، وقر الطائر قراً : صوت، قال بعضهم . وقال غيره : قرت
الدجاجه قراً. وفى رواية المقريزى (١) عن البخارى (٢): ((قر الدجاجة))، بكسر القاف ،
وهو حكاية صوتها . قال الخطابى فى غريبه : قرت يقر قراً : وإذا رجعت فيه ، قيل :
قرقرت وقرقريرا (٣) ، قال الشاعر :
[ إذاً قر قرت هاج الهوى قرقر يرها ] (٤)
وقال الراجز : [ صوت الشقراق إذا قال قرقر ] .
فأظهر لعلة التضعيف على الحكاية ، قال : والمعنى : أن الجنى يقذف بالكلمة إلى
وليه الكاهن فيتسامع بها الشياطين (٥) ، كما يؤذن الدجاجة بصوتها صواحباتها فيتجاوب ،
قال: وفيه وجه آخر وهو أن تكون الرواية كفر الدجاجة ، يدل عليه رواية البخارى :
((فيقرها فى أذنه كما تقر القارورة)) (٦)، فذكر القارورة فى هذه الرواية يدل على ثبوت
الرواية بالدجاجة .
قال القاضى : أما مسلم فلم تختلف الرواية فيه (( الدجاجة )) بالدال ، وأما رواية
الزجاجة بالزاى فاختلفت فيها الروايات عن البخارى (٧) ، فقد ذكر الدارقطنى أنه مما
صحفوا فيه (٨)، وأن الصواب: ((الدجاجة)) بالدال، تكن رواية ((القارورة)) تصحح
(١) فى ح: الفربرى، وهو الصحيح. وهو محمد بن يوسف بن مطر بن صاح بن بشير الفربرى، نسبه إلى
فربر ، أبو عبد الله راوى الجامع الصحيح عن البخارى سمعه منه بفرير مرتين، مات سنة ٣٢٠. انظر:
وفيات الاعيان ٤/ ٢٩٠، السير ١٠/١٥، معجم البلدان ٢٤٦/٤.
ء
(٣) انظر: غريب الحديث للخطابى ١/ ٦١٢ .
(٢) البخارى ، ك الأدب، ب قول الرجل للشىء ليس بشىء وهو ينوى أنه ليس بحق (٦٢١٣).
(٤) البيت فى تهذيب اللغة ٢٨٢/٨، الصحاح ٢ / ٧٩٠.
(٥) تفسير الخطابى مخالف لنص حديث البخارى الذى ساقه هو فى خلال شرحه . قالته الباحثة فى الرسالة .
قال القرطبى فى المفهم بعد أن ذكر كلام الخطابى : والأشبه بمساق الحديث أن يكون معناه : أن الجنى يلقى
إلى وليه تلك الكلمة بصوت خفى فيراجع بزمزمة ويرجعه له ، كما يلقيه الكهان للناس ، فإنهم تسمع لهم
زمزمة وأسجاع وترجيع ، على ما علم من حالهم بالمشاهدة والنقل .
(٦) البخارى، ك صفة إبليس، ب بدء الخلق. الفتح ٦/ ٢٦٣ .
(٧) ذكره القاضى فى المسارق عن مسلم ، أنه لم يختلف الرواية فيه ، قال: واختلفت فيه الروايات فى
البخارى . المشارق ٢٥٤/١ .
(٨) ذكره القاضى فى المسارق ٢٥٤/١، والقرطبى فى المفهم ٢١٥/٣، وابن حجر فى الفتح ١٠/ ١٨٠.
--

١٥٧
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
بعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذه السَّمَاءَ الدُّنْيَاَ، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ،
وَيُرْمَوْنَ بِهِ، فَمَ جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌ ، وَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيْهِ وَيَزِيدُونَ)) .
( ... ) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَاَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثْنَا أَبُو عَمْرو الأَوْزَاعِىُّ. ح
وَحَدَّثَنَاَ أَبُو الطَّاهرِ وَحَرْمَلَةُ، قَلاَ: أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ
ابْنُ شَبِيب، حَدَّثَنَ الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ ، حَدَّثَنَاَ مَعْقِلٌ - يَغْنِى ابْنَ عُبَيْدِ اللهِ - كُلُّهُمْ عَنِ
ذلك، وأنه بمعنى الزجاجة، ويكون قرها [ بمعنى] (١)، قال القابسى (٢) معناه: يكون
لما يلقيه لوليه حس كحس القارورة عند تحريكها مع [ التدار وعلى ] (٣) صفا ، وكذا يفهم
من الإسناد الآخر ، وكذا فى الحديث الآخر (٤) الذى فيه: (( كقرقرة الدجاجة))، أى كما
يسمع من صوت الدجاجة إذا حكت على شىء .
وقد قيل : قر الزجاجة صوت صب الماء فيها أو الشىء يلقى ، يقال : قر عليه دلواً
من ماء : إذا صبها عليها. قال صاحب الأفعال: قررت وأقررت الماء فى السقاء : صببته ،
أو يكون صوت تردد الماء فى القارورة حين صبها. وكذا جاء فى الحديث: (( كما تقر
القارورة )) إذا فرغ ما فيها .
وقال ابن الأعرابى (٥) : القَر: ترديد الكلام فى أذن الأبكم حتى يفهمه ، وقال : قر
ذلك فى أذنه : إذا ساره به . وقال صاحب الأفعال : قررت الخبر فى أذنه أقره قراً :
أودعته . وقال أبو زيد : أقره بالكسر ، قال بعضهم : فالمعنى على هذا : أنه يقر الكلمة
فى أذن الكاهن من غير صوت وعلى القرقرة ، والتفاسير الآخر : أنه يضعها بصوت ،
قالوا: وقوله : (( كما يقر القارورة وقر الزجاجة على من رواه ، وإنما هو على الاتساع ، أى
كما يقر الشىء فى القارورة أو يصب الماء فيها ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾(٦)
أى مكر (٧) بالليل والنهار .
(١) ساقطة من ز، والمثبت من ح .
(٢) هو أبو الحسن على محمد بن خلف المعافرى القروى القابسى المالكى، ولد سنة ٣٢٤ هـ ، راوى الجامع
الصحيح للبخارى ، كان عارفاً بالعلل والرجال والفقه والأصول والكلام ، وكان ضريراً ، له من
التصانيف: المهذب فى الفقه ، وأحكام الديانات وملخص الموطأ وغيرها ، توفى سنة ٤٠٣ هـ . وفيات
الأعيان ٣/ ٣٤٠، السير ١٥٨/١٧، تذكرة الحفاظ ١٠٧٩/٣ .
(٣) فى ح : اليد أو على .
(٤) البخارى ، ك التوحيد، ب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم ٢١٨/٨ .
(٥) نقله عنه الهروى فى الغريبين ٤٦/٣، والخطابى فى الغريب ٦١٢/١، واللسان، وأعلام الحديث
١٥١٦/٣ .
(٦) سبأ : ٣٣ .
(٧) فى ح : مكرهم .

١٥٨
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَد ، غَيْرَ أَنَّ يُونُسَ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ، أَخْبَرَنِى رِجَالٌ مِنْ
أَصْحَابِ رَسُول الله ◌َّهُ مِنَ الأَنْصَارِ. وَفِى حَديثِ الأَوْزَاعِىِّ: (( وَلَكِنْ يَقْرِفُونَ فِيه
وَيَزِيدُونَ)) . وَفَى حَدِيثِ يَّنُسَ: (( وَلَكِنَّهُمْ يَرْقَوْنَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ)) . وَزَادَ فِىَ حَدِيثَ
يُونُسَ: ((وَقَالَ اللهُ: ﴿ حَتَّى إِذَا فُرِّعَ عَنَ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَّ﴾ (١).
وَفِى حَدِيثِ مَعْقِلٍ كَمَاَ قَالَ الأَوْزَاعِىُّ: (( وَلَكِنَّهُمْ بَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ)) .
١٢٥ - (٢٢٣٠) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنَاَ يَحْيَى - يَعْنى أبْنَ
سَعيد - عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَفِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِّ ◌َّهُ، عَنِ النّبِىِّ
ہِ صابته
قَالَ: (( منْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ)) .
وقيل : إن معناه : أن الجنى يقرها فى أذن وليه الكاهن يسامع بها الشياطين ، كما
تؤذن الدجاجة بصوتها صواحبها ، فيتجاوبن ، وذلك من شأنهن قوله وأما ما ذكر عن
الفربرى أنه رواه: ((قر)) بكسر القاف ، فلم يضبطه عن الفربرى من جميع الطرق ولا
عن غيره ، ولا يصح الكسر فيه ولو / صحت به الرواية ، لكنه وضع فى كتب بعض
الشيوخ كما قال .
١٩٩ / أ
وقوله: (( فيقذفها فى أذن وليه)): أى بلغتها (٢) ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِي
يَقْذِفُ بِالْحَقِّ (٣) عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٤). قال نفطويه (٥) : أن يلقى الحق فى قلب من يشاء،
ويحتمل أن يكون معناه : أن يقول فى أذن وليه ما لا يعلم ، ولاحقيقة عنده منه إلا ما
استرق من كلمة من قصة لا يدرى شرحها وتمامها ، قال الله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ
مِن مَّكَانٍ بَعِيد ﴾ (٦) ، أى يتخرصون ويقولون ما لا يعلمون .
وفى الحديث الآخر من رواية صالح عن الزهرى: (( يقرفون (٧) فيه ويزيدون (٨) فيه))
بالذال ، هذه رواية الجلودى وغيره ، وهى بمعنى ما تقدم من التخوص ، وقول مالا يعلمون.
وفى رواية ابن ماهان من طريق الهوزنى: ((ويقرفون )) بالراء ، وكذا جاء بغير خلاف
(١) سبأ : ٥٣.
(٣) فى ز : بالغيب .
(٥) هو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان العتلى الأسدى المشهور بنفطويه لذمامته وأومته،
تشبيها له بالنفط ، توفى سنة ٣٢٣ هـ ، وفيات الأعيان ٤٧/١، السير ١٥/ ٧٥.
(٦) سبأ : ٥٣ .
(٨) فى ز : تريدون .
(٢) فى ح : يلقتها .
(٤) سبأ : ٤٨ .
(٧) فى ز : يقذفون .
۔
---
---
----

١٥٩
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
فى رواية الأوزاعى ومعقل ، ومعناه عندى: أن يكون من الخلط . قال صاحب العين :
القرف : الخلط ، أى يخلطون فيها من الكذب ، كما قال ويزيدون .
وفى حديث يونس: (( يرقون فيها ويزيدون )) كذا قيدناه على شيوخنا بضم الياء
وفتح الراء وتشديد القاف (١) وفى بعض النسخ: (( يرقون )) بفتح الياء وسكون الراء ، قال
بعضهم : وهو الصواب ، ومعناه بمعنى : يزيدون (٢) ، يقال : رقى فلان على الباطل :
إذا تقوله ، بكسر القاف . وهو من أكبر (٣) وهو الصعود ، أى أنهم يدعون فوق ما
سمعوا .
قال القاضى : ولا فرق بين اللفظين ، أحدهما مضعف والآخر على أصله .
وقوله: (( لكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العرش وسبح أهل السماء الذين
يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا ، قال الذين يلون حملة العرش : ماذا
قال ربكم ؟ فيخبرونهم )) ثم ذكر استخبار بعضهم بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء ،
فيخطف الجن السمع : فيه جواز التسبيح عند استعظام الأمور ، وذلك أن عظمتها من
عظمته تعالى وتحت قدرته فتسبح لك .
وقيل : إن حملة العرش من أقرب الملائكة وأعلاهم منزلة وأكثرهم علماً ، وأنهم
أول ما يطلع على ما ينكشف من الأمور ويظهر الله من قضائه وعلم غيبه ، وأن ملائكة كل
سماء إنما تستمد العلم من ملائكة السماء التى فوقها .
قال الإمام : وأما التنجيم ، فمن اعتقد اعتقاد كثير من الفلاسفة فى كون الأفلاك
فاعلة لما تحتها ، وكل فلك يفعل ما تحته حتى ينتهى الأمر إلينا وسائر الحيوان والمعادن
والنبات، ولا صنيع للبارى - سبحانه وتعالى - فى ذلك، فإن ذلك مروق من الإسلام (٤).
وأما من قال : لا فاعل إلا الله جلت قدرته ، وهو عز وجل فاعل الكل ، ولكن فعل
البارى سبحانه فى هذه الجواهر قوى طبيعية يفعل بها ، كما خلق فى النار قوة وطبيعة
يحرق بها ، ويحتجون على ذلك بمشاهدتهم الشمس تسخن ويصلح أكثر النباتات،
فيقولون : على هذا غيره مستنكر أن يكون امتزاج قوة المشترى وزحل فى قرانها الأصفر ،
يكون من التأثير عنه كذا وكذا ، ويكون التأثير عن قرانها الأوسط أعظم لزيادة القوة
الطبيعية ، وقرانهما الأعظم يكون فيه التأثير عظيما مهولا ؛ لعظم قوتها ، وزيادة الطبيعة
المؤثرة بانتقالها على صفة أحما (٥) .
(١) انظر: المشارق ٢٩٩/١ .
(٢) انظر: غريب الحديث للخطابى ١/ ٦١٢ .
(٣) فى ح : الترقى .
(٤) انظر فى هذا المعتقد الباطل ودحضه: الفصل لابن حزم ١٤٧/٥، النبوات لابن تيمية ص ٥١، تهافت
الفلاسفة ص ٨٦ .
(٥) فى ح : أخرى .

١٦٠
كتاب السلام / باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
ويعتذر الحذاق منهم المنتسبون إلى الإسلام العاطلون (١) بهذه الشبهة (٢) ، التى هى
القياس على ما شوهد من الشمس عن خطاياهم فى كثير من القضايا ، بأن يقولوا : فإن
القوة الحادثة عن امتزاج الكوكبين واتصالهما على بعض صفات الاتصال التى يذكر ، ومنها
لا يوقف على حقيقتها ، وإنما تؤخذ بالحدس والتخمين فيقع الغلط لأجل ذلك ، كما
يعرف الطبيب قوة كل عقار على انفراده ، ولكنه إذا مزج الكثير منها لا يقف على حقيقة
المزاج المركب ؛ فلهذا لا يقع الشفاء بكل دواء يشفيه (٣) .
ويقولون - أيضاً - : وربما صادمت بعض القوى الأرضية القوى السماوية فمنعها
التأثير ، فيغلط المنجم حينئذ ، وهذا كما أن السم قتال يقضى بذلك الطبيب ، فإذا تقدم
شاربه بشرب بازهر ذلك السم وترياقه بطل تأثيره .
وهذا مسلك الحذاق منهم ، والرد عليهم أن يبطل القول بالطبيعة أصلا ، وهذا
مستقصىً فى كتب الأصول (٤) ، ومن أقر به أن الفاعل من شرطه أن يكون عالماً قادراً
حياً، والطبيعة ليست كذلك عندهم ، فلو صح قوة (٥) الفعل إلى قوة ما وليست بحية ولا
عالمة ، صح إضافة الفعل إلى الموت أمناً (٦) ، ويقع هؤلاء فى نفى البارى سبحانه ولا
حاجة - على أصلهم - إليه ولا دليل يقوم على إثبات فاعل عالم مختار ، وما (٧) المانع
على أصلهم أن يكون الذى يسمونه واجب الوجود يفعل بقوة فيه من غير أن يكون عالما
ولا حيا، كما صح أن يفعل بالطبائع عندهم وليست بحية ولا عالمة . ومن صرح بهذا
وضح كفره .
وأيضاً ، فإن هذه القوة لا يقدرون على بيانها ، ولا يزال يضطرهم إلى تفسيرها حتى
يلحقوها بالجواهر أو بالأعراض ، وكلاهما لا يصح منه خلق الأجسام ، ولا الفعل فى
غيره.
وأيضاً ، فإن المفعول (٨) عندهم على القياس على المشاهدة ، على حسب ما قالوه فى
الشمس من شرط أفعال المحدثات بعضها فى بعض ، أن يكون باتصال أو محاسة أو
بوسائط وزحل / فى الفلك الشائع (٩) عندهم والإنسان فى الأرض التى هى غير محسوسة
عندهم بإضافتها إلى فلك زحل ، لا اتصال بينه وبين رجل (١٠) ، ولا وسائط يتصل
بعضها ببعض ، حتى ينتهى الأمر إلى الإنسان ، وقصارى ما يشتهون (١١) به الهواء ،
١٩٩ / ب
(١) فى ح : الغالطون .
(٣) فى ح : يسقيه .
(٢) فى ح : التسمية.
(٤) انظر : تهافت الفلاسفة ص ٨٦ ، النبوات ص ٥١
(٥) فى ح : إضافة .
(٦) فى الرسالة : منا .
(٧) فى ح : أما .
(١٠) فى ح : زحل .
(٩) فى ح : السابع .
(٨) فى ح : المعقول .
(١١) فى ح : يشيهون .