Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب الجهاد / باب كتاب النبى معَّه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ ، وَكَذلكَ الإِيمَانَ حَتَّى يَتَمَّ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَدْ
قَاتَلْتُمُوهُ. فَتَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَتَلُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ
تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ العَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَّعَمْتَ أَنَّهُ لا يَغَدرِ، وَكَذَلَكَ الرُّسُلُ
لا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا . فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذَا
القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ اثْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ:
يَأْمُرُنَا بِالصَّلاة والزَّكَاةِ والصَِّة وَالعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فيه حَقّاً ، فَإِنَّهُ نَبِىٌّ، وَقَدْ
كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنَكُمْ، وَلَوْ أَنَّى أَعْلَمُ أَنَّى أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لِأَحْبَيْتُ
مقالة معروفة فى عيسى - عليه السلام - ويقال لهم: (( الأروسيون )) أيضا ، وهم
لايقولون بإلهية عيسى ، متمسكون - أيضا - بما كان عليه (١).
:
وقوله: (( ولو أعلم أنى أخلص إليه لأحببت لقاءه )): كذا فى مسلم، وكذا فى البخارى :
((لتجشمت لقاءه))(٢)، وهو أصح فى المعنى من ((أحببت)). ويحتمل أن ((أحببت))
مغيرة / منها . والتجشم منها أشبه ، وهو تكلف الوصول إليه على مافيه من المشقة عليه ؛ ٨٠ / ب
لبعد داره ، ومخالفة حاله ، ولكنه رأى أن تخلصه إليه بعيد من كثرة من بينه وبينه ، ممن
كان يختطفه ويحول بينه وبين الوصول إليه ، ولما كان من الملك الذى كان يزول عنه ،
وكان الإسلام لم يتمكن من قلبه ولم يرد الله - سبحانه - هدايته كما أراد هداية النجاشى
جل اسمه .
وقوله: ((ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ماتحت قدمى )) : يعنى
أرضه ومكانه ؛ لأنه كان حينئذ بالشام وتحقيقاً منه أنه علم أنه النبى حقا ، لكنه شح بحاله
وخشى خلع قدمه له ، على ماجاء مفسراً فى البخارى (٣) ، فأصر على كفره بعد علمه به
وكان أشد فى الحجة عليه .
قال الإمام: وقول أبى سفيان لأصحابه: ((لقد أمر أمْر ابن أبى كبشة)): يعنى
عظيم أمره ، إنه ليخافه ملك بنى الأصفر : ونسبه لأبى كبشة ، قيل : لأنه كان جدا من
(١) الأدريسى هو الأكار (عن ثعلب)، والأمير (عن كراع) . حكاه من باب فعيل، والأصل عنده فيه
رئيس على فعيل ، من الرياسة . وقال الأزهرى : هى من كلام أهل الشام . انظر : لسان العرب ،
مادة ((أرس)).
(٢) البخارى ، ك بدء الوحى ، ب حديث أبى سفيان مع هرقل ١ / ٨.
(٣) لفظ البخارى: ((فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمى هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن
أنه منكم، فلو أنى أعلم ... )) ك بدء الوحى، ب حديث أبى سفيان مع هرقل ١ / ٨.

كتاب الجهاد / باب كتاب النبى معَّه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
١٢٢
لِقَاءَهُ ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَبْلُغَنَّ مُلكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَىَّ.
قَالَ: ثُمَّدَعَا بِكَتَابٍ رَسُولِ اللهِ عَُّ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مِنْ
مُحَمَّدَ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلامٌّ عَلَّىَ مَنْ أَتَّبَعُ الهُدَى. أَمَّا بَعْدَّ ، فَإِنَّى
أَدْعُوكَ بدعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ
عَلَّكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، و﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىْ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَا وَبَيْتَكُمْ أَ نَعْبُدَ إِلَّ اللَّهُ
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
مُسْلِمُون﴾ (١) .
أجداده لأمه ، وقيل : إنه خالف العرب وكان يعبد الشعرى - العبور - ويقول : فإنها
تقطع السماء عرضاً ، وليس فى النجوم مايقطع السماء عرضا سوى هذا النجم ، فعبده
دونها ؛ لمخالفته لها . والمنجمون ينكرون هذا القول ، كأنه أشار إلى أنه خالف مذهب
العرب فى العبادة كما خالف أبو كبشة .
1
قال القاضى : قال أبو الحسن الجرجانى النسابة : فى معنى نسبة الجاهلية للنبى :
لأبى كبشة عداوة له ، ودعوة له إلى غير نسبه المعلوم المشهور ؛ إذ لم يمكنهم الطعن فى
نسبه الشهير . وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو آمنة يكنى أبو كبشة ، وكذلك
عمرو ابن زيد بن أسد البخارى أبو سلمى (٢) بن عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة ،
وكذلك - أيضا - فى أجداده من قبل أمه أبو كبشة جده من غالب بن الحارث ، هو أبو
قيلة أم وهب ابن عبد مناف أبو آمنة أمه عليه، وهو خزاعى، وهو الذى كان يعبد الشعرى ،
وكان أبوه من الرضاعة يدعى أبا كبشة ، وهو الحارث بن عبد العزى السعدى (٣) . وقال
مثله كله محمد بن حبيب البغدادى . وزاد أبو نصر بن ماكولا : وقيل : أبو كبشة هم ولد
حليمة مرضعته ﴾ (٤).
وقوله: ((إنه ليخافه ملك بنى الأصفر)): قال ابن الأنبارى : وسمى الروم بنو
الأصفر لأن جيشا من الحبشة غلب على ناحيتهم فى بعض الدهور ، فوطئ نساءهم ،
فولدن أولادا أصفر من بياض الروم وسواد الحبشة ، فنسب الروم إليهم . وقال أبو إسحق
(١) آل عمران : ٦٤.
(٢) فى الأصل : أبو سهل ، والمثبت من س .
(٣) البيهقى فى دلائله ١ / ١٨٢، أعلام الحديث للخطابى ١ / ١٣٨، الفتح ١ / ٤٠.
(٤) انظر: الإكمال لابن ماكولا ٧ / ١٥٦.

١٢٣
-
كتاب الجهاد / باب كتاب النبى عَ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ ارْتَفَعَتْ الأَصْوَتُ عنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغْطِ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرَجْنَا .
قَالَ : فَقُلْتُ لأَصْحَابِى حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِى كَبْشَةَ ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِى
الأَصْفَرِ .
قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُول الله عَّهُ أَنَّهُ سَيَظهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَىَّ الإِسْلامَ .
( ... ) وحدَّثَنَاه حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثْنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . وَزَادَ فِى
الحربى : إنما نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عبصى بن إسحق بن إبراهيم ، وهذا أشبه
من قول ابن الأنبارى .
وقوله تعالى: ((أسلم تسلم)): من محاسن الكلام وبليغه وإيجازه واختصاره ، وجمع
بقوله : ((تسلم)) نجاة الدنيا من الحرب والخزى بالجزية، وفى الآخرة من العذاب.
وقوله فى كتابه عي له: ((إلى عظيم الروم)): أى الذى تعظمه الروم ، ولم يقل له:
إلى ملك الروم، لما تحت هذه الكلمة من المعانى التى لا يستحقها إلا من أوجبها له الإسلام ،
ولما فيه من التسليم له بالملك لهم ، لكنه لم يخله من المبرة والتكريم بما تقدم من مخاطبته
بعظيم الروم ؛ تأليفاً وحسن أدب وتليين كلمه ، وتأنيساً على الإسلام .
وقوله: ((السلام على من اتبع الهدى)) : حجة على منع السلام على غير المسلم .
وقد اختلف الناس فى ذلك ، فأجازه كثير من السلف ومنعه آخرون ، وأجازه بعضهم إذا
كان للاستئلاف أو لحاجة له إليه أو للإمام معه، وقد جاء فى الحديث عنه عمي النهى عن
ابتدائهم بالسلام (١) وسيأتى هذا بعد بأفسر من هذا فى كتاب السلام والاستئذان . وقال
بعضهم : إنما يسلم عليهم كما فعل النبى عَّ فى هذا الحديث ، وقد اتخذه الناس أصلا فى
صفة السلام على من كره السلام ديناً أو دنيا ، واضطر إلى مخاطبته . وفى الحديث حجة
لأحد القولين فى جواز معاملة المشركين بالدراهم المنقوشة فيها اسم الله - سبحانه -
للضرورة (٢) إلى ذلك ، وإن كان عن مالك الكراهة فيها ، ولأن مافى هذا الكتاب من ذكر
الله - تعالى - أكثر مما فى الدراهم.
وقوله : ((يؤتك الله أجرك مرتين)): أى لإيمانك بعيسى واتباعك شريعته ،
(١) قال ابن حجر : ليس المراد من هذا التحية، إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم ، وهو تفسير له وجه .
الفتح ١ / ٥٠ .
(٢) راجع: الاستذكار ١٤ / ٥٢ .

كتاب الجهاد / باب كتاب النبى معَّه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
١٢٤ -
الحَديث: وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، شُكْرًا
لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ. وَقَالَ فى الحَديثِ:(مِنْ مُحَمَّد عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ)). وَقَالَ:((إِثْمَ الَيَرِيسِيِّينَ)).
وَقَالَ : ((بِدَاعِيَةِ الإِسْلامِ)) .
ثم إيمانك واتباعك لى ، بخلاف الجاهلية وأهل الأوثان الذين لم يكونوا على شىء من
دين ولا كتاب (١) .
وقوله: ((أدعوك بدعاية الإسلام)»: بكسر الدال ، أى بدعوته . والدعاية مصدر
كالرماية والشكاية. ودعوة الإسلام: التوحيد، وهى مستعارة من الشهادتين ، وهى الكلمة التى
احتج عليه بها فى الكتاب من الآية . وأما على الرواية الأخرى: (( داعية الإسلام)) راجع
إلى ما تقدم بالكلمة الداعية إلى الإسلام ، أو تكون (( داعية )) هنا بمعنى دعوة ، كما قال
بعضهم فى قوله : ﴿خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ (٢) أى خيانة، وأنه قد جاء فاعله [ مصدر] (٣)،
ومثله : ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (٤) أى كشف .
[وقوله] (٥): ((شكراً لما أبلاه الله)): أى اختبره به وفضله به، ويستعمل فى
الخير والشر ، يقال : أبلاه الله بلاءً حسناً وبلاءً سيئاً .
(١) قال الله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْن﴾ القصص: ٥٤، وذكر ﴾ هذا المعنى فى
تضعيف الأجر لأهل الكتاب الذين أسلموا ، فعن أبى موسى: قال : ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين :
رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ، وأدرك النبى #﴾ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ... )) الحديث وهو
فى الصحيحين، وسبق لمسلم، ك الإيمان، ب وجوب الإيمان برسالة محمد على برقم (١٥٢) فراجعه
هناك.
(٢) غافر : ١٩ .
(٤) النجم : ٥٨ .
(٣) ساقطة من س .
(٥) ساقطة من الأصل .

١٢٥
كتاب الجهاد / باب كتب النبى معَّ إلى ملوك الكفار ... إلخ
(٢٧) باب كتب النبى عَّ إلى ملوك الكفار
یدعوهم إلى الله عز وجل
٧٥ _ (١٧٧٤) حدَّثَنِى يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ المَعْنِىُّ، حَدَّثْنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعيد،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس؛ أَنَّنَبِىَّ الله ◌َُّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ ، وَإِلَى النَّجَاشِىِّ،
وَإِلَى كُلَّ جَّارٍ، يَدْهُّوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَلَى، وَلَيْسَ بِلنَّجَاشِ الَّذِ صَلَّى عَلَيْهِالنَُّّ ◌َِّهُ.
( .. ) وحدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَُّّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَطَاءِ عَنْ سَعِيد،
عَنْ فَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ عَنِ النَِّّ ◌َُّ بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَقُلْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِ الَّذِ
صَلَّى عَلَيْهِ النَِّىُّ ◌َُّ.
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ الْجَهْضَمِىُّ، أَخْبَرَنِى أَبِى، حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ قَيْسِ عَنْ
فَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَلَّمْ يَذْكُرْ: وَيْسَ بِالنَّجَاشِ الَّذِىِ صََّّى عَلَيْهِ النَُّّ ◌َّه (١).
(١) ترك القاضى هذا الحديث وكذلك الإمام، وقال الأبى: فى قوله: ((كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى
النجاشى)): قال: قلت: فى السير من زيادات ابن هشام أنه عَّهُ خرج على أصحابه ذات يوم بعد
العمرة التى صد عنها يوم الحديبية، فقال: (( أيها الناس ، إن الله بعثنى رحمة وكافة ، فأدوا عنى يرحمكم
الله، فلا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى)) . قيل: وكيف اختلفوا يارسول الله ؟ قال :
((دعاهم إلى الذى دعوتكم إليه ، فأما من بعثه مبعثاً قريباً فرضى، وأما من بعثه مبعثاً بعيداً فكره وجهه
وتثاقل ، فشكا ذلك عيسى - عليه السلام - إلى الله، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة
التى بعث إليها، فكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى)) . وهذه ألقاب على ملوك هذه الطوائف . فكسرى ،
بفتح الكاف وكسرها، هو لقب لكل ملك من ملوك الفرس وكان حينئذ اسمه (( برويز)) والذى ذهب إلى
كسرى عبد الله السهمى فمزق الكتاب فمزقه الله. وقيصر لقب لملك الروم، وكان حينئذ اسمه ((هرقل))
والصحيح أنه لم يسلم كما مر فى الباب السابق. والنجاشى لكل من ملك الحبشة، وكان اسمه ((أصحمة))،
وبعث إليه عمرو بن أمية ، وأسلم النجاشى ، وكان وكيله على أم حبيبة .
قوله: ((وإلى كل جبار)) أى هو من العام المخصوص؛ لأنه بعث إلى المقوقس صاحب الأسكندرية ،
وإلى المنذر بن ساوى صاحب هجر ، وإلى هودة بن على صاحب اليمامة وغيرهم .
®)) : يريد أن يقول : إن النجاشى الذى صلى
وقوله : ( ولیس بالنجاشی الذی صلی علیه النبی
عليه النبى ليس بجبار ، بل ثبت إسلامه ، وصلاة النبى عليه - كما سبق فى مسلم . قال النووى : هذه
أسانيد ثلاثة كلهم بصريون ماخلا (( محمد بن عبد الله الرزى)» بصرى بغدادى . وفيه جواز مكاتبة الكفار،
ودعاؤهم إلى الإسلام ، والعمل بالكتاب وبخبر الواحد - والله أعلم .
انظر: الأبى ٥ / ١٠٤ بتصرف، النووى ١٢ / ١١٢ بتصرف، ابن هشام ٢ / ٦٠٦ بتصرف.

١٢٦
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
(٢٨) با ب فى غزوة حنين
٧٦ - (١٧٧٥) وحدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب،
أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثْنِى كَثِيرُ بْنُ عَّاسٍ بَنِ عَبِّدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَلَ
عَبَّاسُ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ يَوْمَ حُنَيْنَ، فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سَّفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ
المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ تَّةٍ، فَلَمَّ نُفَارِثُهُ وَرَسُولُ اللهِ عَّه عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، بَيْضَاءَ، أَهْدَاهَا لَهُ
قوله فى غزوة حنين: (( ورسول الله عَّه على بغلة له بيضاء)) - وفى الحديث الآخر:
((بغلته الشهباء)) وهى تلك المسماة دلدل، لايعلم له سواها - ((أهداها له فروة بن نفاثة
الجذامى )) : كذا لجميعهم فى هذا الموضع أول حديث بالفاء وبالثاء المثلثة بعد الألف [ وعند
ابن أبى جعفر من طريق الباجى: (( ابن نباتة)) بالباء أو كلا بواحدة بعد النون وبالتاء
بالثنتين فوقها بعد الألف ] (١) ، وذكر مسلم بعد هذا من رواية معمر بن نعامة ، والمعروف
الأول . واختلف فى إسلامه ، فذكر الطبرى (٢) أنه أسلم وعمَّر عمراً طويلاً ، وذكر أنه
القائل فى شعر له :
حتی اکتست من الإسلام سربالاً
الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى
وذكر أبو عمر بن عبد البر أن الذى أسلم وقال هذا الشعر هو فروة بن نباتة السلولى .
وقد روى [ أيضا ] (٣) هذا البيت الليث، وأنه لم يقل منذ أسلم شعراً سواه ، وقد قيل :
إن البيت الذى قاله غير هذا [ وقد جاء فى غير كتاب مسلم : أن مهدى البغلة البيضاء
التى كان يركبها النبى معَّه إنما هو مقوقس صاحب مصر] (٤) ، وفى البخارى : أن مهديها
له ملك أيلة (٥) [ واسم ملك أيلة ] (٦) فيما ذكر ابن إسحق - بحينة بن ريبة (٧) - والله
أعلم .
ولا يعارض (٨) فى قبوله علي الهدية من المسلم والمشرك مع قوله: ((هدايا الأمراء
(١) سقط من الأصل .
(٣) ساقطة من س .
(٢) فى س : مسلم .
(٤) من هامش س .
(٥) أحمد ٥ / ٤٢٥، البخارى، ك الزكاة، ب خرص التمر ٢ / ١٥٥، أبو داود، ك الخراج والإمارة
والفىء، ب فى إحياء الموات ٢ / ١٥٩، الدارمى، ك السير، ب فى قبول هدايا المشركين ٢ / ٢٣٣.
(٦) سقط من الأصل ، والمثبت من س .
(٧) فى الأصل : رؤية ، والمثبت من الأبى .
(٨) فى س : نعارض .

١٢٧
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِىُّ . فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْرِينَ ، فَطَفَقَ
رَسُولُ اللهِ عَّةٍ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قَبَلَ الكُفَّارِ. قَالَ عَبَّاسُ: وَأَنَا آخذٌ بِلجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ الله
عَُّ، أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُقْبَانَ آَخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ عَّهَ. فَقَالَ رَسُولَّ الله
غلول))(١) ورده بعض الهدايا من المشركين، وقال: ((إنا لانقبل زبد المشركين)) (٢) أى
رفدهم ، وذلك مما نسخ عند بعضهم ، لما تقدم من قبوله ماقيل ، والأكثر أنه لانسخ فى
ذلك ، وإنما ذلك لأن النبى ◌ّ مخصوص بكل ما أفاء الله عليه من غير قتال أن يتملكه
وتصرف فيه لنفسه فيما يحتاج إليه ، وغيره بخلافه. فقبل عمّه ممن طمع فى إسلامه
واستئلافه لذلك ، ولمصلحة يرجوها / للمسلمين ، وكافأ بعضهم عليها ، كل ذلك تماماً ٨١ / ب
للاستئلاف . ورد هدية من لم يطمع فى إسلامه ، أو لم يكن لقبول هديتهم وجه ولامنفعة
من الكفار ؛ إذ قبول الهدية يوجب التواد والمحبة ، وغيره من الأئمة والأمراء لم يسوغ له
ذلك ولا أخذها لنفسه عند أكثر العلماء . ومن قبلها فهى كسائر فى المسلمين ؛ إذا لم
يهدها له إلا لأنه أمامهم . وإن كان فى جيشه حاضر فهى غنيمة ، وهذا قول الأوزاعى
ومحمد بن الحسن وابن القاسم وابن حبيب من أصحابنا ، وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من
أهل العلم . وذهب آخرون إلى أنها له خاصة وهو قول أبى يوسف ، وبه قال أشهب
وسحنون من أصحابنا . وقال سحنون : إذا أهدى ملك الروم إلى أمير المسلمين هدية فلا
بأس بقبولها ، قال : إلا أن يكون الروم فى ضعف فهى رشوة .
وذهب الطبرى إلى أن النبى عَّ إنما رد من هدايا المشركين ما أعلم أنه أهدى إليه فى
خاصة نفسه ، وقبل ماعلم منه خلاف ذلك مما فيه استئلاف المسلمين ، قال : ولاحجة لمن
احتج بنسخ أحد الحديثين الآخرين ؛ إذ لم يأت فى ذلك بيان ، وحكم الأئمة بعده
تصريفها مجارى مال الكفار من الغنيمة والفى بحكم اختلاف الحال كما قدمناه (٣) ، وإلى
هذا يرجع قوله: (( هدايا الأمراء غلول )) - والله أعلم - أى إذا خصوا به أنفسهم لأنه
لجماعة المسلمين ، إما بحكم الفىء أو بحكم الغنيمة ، ومايخمس كما تقدم . وقد يرجع
إلى مايهديه إليهم رعاياهم . وأصل الغلول : الخيانة ؛ لأنهم إنما أهدوا لهم من قبل
ولا يتهم ؛ ولهذا أنکره ع﴾﴾ وقال: « هلا جلس فى بيت أبيه وأمه حتی یری يهدى له )) (٤)
كل هذا حماية عن الهوادة لهم فى الحقوق بسببهما . وكان النبى معَّه قبلها لتنزيهه عليه عن
(١) مجمع الزوائد ، وعزاه إلى الطبرانى فى الأوسط، وقال: حسن ٤ / ١٥١.
(٢) أحمد ٤ / ١٦٢، والطبرانى فى الكبير بلفظ: ((إنى لا أقبل هدية مشرك)) ١٩ / ٧١، وقال فى المجمع:
رجاله رجال الصحيح ٦ / ١٢٧ .
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ١٢ وما بعدها .
(٤) أبو داود، ك الخراج والإمارة والفىء، ب فى هدايا العمال ٢ / ١٢٢.

١٢٨
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
◌َُّ: ((أَىْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ)). فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلاً صَيْتًا -: فَقُلْتُ
بِأَعْلَى صَوْتِى: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ : فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ، حينَ سَمِعُوا صَوْتِى،
عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا. فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ ، يَا لََّّكَ قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ ، وَالدَّعْوَةُ فى
الأَنْصَارِ، يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. قَالَ: ثُمَّ قُصِرَت الدَّعْوَةُ عَلَى
بَنِى الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنَى الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِى الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ،
فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتَهِ، كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا، إِلَى قِتَالِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِعَّه:
هذا وعصمته منه، وقيل: إنما قبل عَّه هدايا الكفار من أهل الكتاب ممن كان على
النصرانية كمقوقس والنجاشى وملوك الشام ، فلا تعارض بينه وبين قوله: (( إنا لا نقبل زبد
المشركين )) ، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب وذبائحهم ومناكحتهم ، فهم خلاف غيرهم .
وركوبه ◌َّ البغلة فى مواطن الحرب تعويلاً على الثبات ، وليكون فيه ، يرجع إليه
المسلمون وتطمئن قلوبهم إلى مكانه . وقد كانت له عَّ أفراس معروفة مسماة . وفيه ما
كان ◌ّ من الشجاعة والإقدام ، من تقدمه بركض بغلته إلى جمع المشركين والناس كلهم
قد فروا. نزوله إلى الأرض فى الرواية الأخرى: (( لما غشوه )) مبالغة فى ذلك ونهاية فى
الثبات . وقيل : مواساة لمن كان نازلاً معه بالأرض راجلاً ، وقد اعترف الصحابة كلهم -
رضى الله عنهم - بشجاعته. وفى مسلم: ((أن الشجاع منا الذى يحاذى به)) ، وأنهم
كانوا يتقون به . وفيه : أن ذمة الرحم وقاية القرابة فوق كل ذمة ، وشفقتها تربى على كل
شفقة، إذ فر فى تلك المواطن كل أحد إلا آل النبى معَّه فى عمه وبنى أعمامه ومواليه .
وقوله: ((ناد أصحاب السمرة)) : أى الذين بايعوا عند الشجرة .
وقوله: ((وكأن عطفتهم عطفة البقر على أولادها)»: دليل على أن فرارهم لم يكن
٨٢ / أ بعيداً أولاً من جميعهم، وإنما شق عليهم من فى قلبه مرض من سالمه أهل / مكة
ومشركيها ، الذين لم يسلموا حتى قالوا : لا يردهم إلا البحر ، وإنما كانت هزيمتهم فجأة
من انصبابهم عليهم بحرة ورشقهم بالسهام ، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يقر الإيمان
فى قلبه ، وممن يتوقع بالنبى معَّ الدوائر ، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة وصف
إخفاؤهم وحسارهم كما ذكر فى الحديث: (( فرجعت أولاهم لأخراهم)) (١) إلى أن أنزل
الله سبحانه سكينته - كما ذكر فى كتابه - على المؤمنين وأيدهم بجنوده.
(١) البخارى ، ك مناقب الأنصار، ب ذكر حذيفة بن اليمان العبسى ٥ / ٤٩.

١٢٩
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
(( هَذَا حِينَ حَمِىَ الوَطِيسُ)) قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بهنَّ وُجُوهَ
الكُفَّارِ ، ثُمَّ قَالَ: ((انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّد)) قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَّا الْقَالُ عَلَى هَيْئَتَه
فِيمَ أَرَى. قَالَ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلا أَنْ رَمَّاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَازِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً،
وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا .
٧٧ - ( ... ) وحدَّثَنَاه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، جَميعًا
عَنْ عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَرْوَةٌ
ابْنُ نُعَامَةَ الْجُذَامِىُّ. وَقَالَ: ((انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الكَعْبَةِ)) . وَزَادَ فِى
الحَدِيثِ: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ.
قَالَ: وَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى النَِّىِّ ◌َُّ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَعْلَتِهِ .
( ... ) وحدَّناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى
وقوله: ((الآن حَمِىَ الوطيس))، قال الإمام: قال [ أبو عمر المطرز] (١):
الوطيس : شبه التنور يُخبز فيه ، ويضرب مثلاً لشدة الحرب التى يُشَبَّ حرها بحره . وقال
غيره : الوطيس : التنور نفسه (٢) . وقال الأصمعى : هى حجارة مدورة إذا حميت لم
يقدر أحد يطأ عليها ، فيقال : الآن حمى الوطيس ، على وجه المثل للأمر إذا اشتد .
وقيل: الوطيس جمع ، واحده (٣) وطيسة .
قال القاضى: وقوله: ((وأخذ حصيات))، وفى الرواية الأخرى: ((قبضة من تراب.
[ ورماهم بها ] (٤)، فما [ فى ] (٥) خلق الله تعالى منهم إنساناً إلا ملأ الله عينيه بتلك
القبضة تراباً، فولوا مدبرين)): هو دلالة من دلائل (٦) نبوته، وفى قوله: ((انهزموا ورب
محمد)). قال العباس: فنظرت فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، إلا (٧) أن رماهم بحصياته ،
فمازلت أرى حدهم [ بعد ] (٨) كليلاً أى شدتهم ضعيفة ، آية أخرى من إخباره ما (٩) لم
يكن ثم (١٠) كان على ما أخبر بها ثانٍ . فى هذا الموطن معجزتان : إحداهما فعلية ،
والأخرى خبرية .
(١) فى ع : قال أبو عمرو .
(٢) فى ع : عينه .
(٣) فى ع : واحدته .
(٤) لیست فى نص الحديث .
(٦) فى الأصل : دلالة ، والمثبت من س .
(٥) زائدة فی س ..
(٧) فى س والأصل : إلى .
(٩) فى س : مما .
(٨) غير موجودة فى نص الحديث .
(١٠) فی س : شهر .

٠١٣٠
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
كَثِيرُ بْنُ العَبَّاسِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّ
حَدِيثَ بُونُسَ وَّحَدِيثَ مَّعَمَرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَتَمُّ .
٧٠ - (١٧٧٦) حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُوَ خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ، قَالَ:
قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَفْرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ: لا، وَالله، مَاوَلَّى رَسُولُ اللهِّهِ،
وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخْفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَّيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلاحِ ، فَلَقُوا
قَوْمًا رُمَةٌ لا يَكَادُ يَسْقُطُ لَّهُمْ سَهَمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِى نَصْرٍ. فَرَشَقُوهُمَّ رَشْقَا مَا يَكَادُونَ
يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللهِعَهُ، وَرَسُولُ الله ◌َْ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ ، وَأَبُو
سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُوذُ بِهِ. فَنَزَلَ فَاسْتَّصَرَ . وَقَالَ:
وقوله: ((خرج شُبان أصحابه وأَخِفَّاؤُهم حُسَّراً)» : أى بغير دروع ولا ما يتقون به
النبل، كما فسره فى الحديث نفسه: ((ولا سلاح معهم))، أو ليس معهم كثير سلاح .
والحاسر: الذى لا درع عليه. وفى الرواية الأخرى: ((انطلق أخفاء من الناس وحسرٌ)).
والأخفاء هنا المسارعون المستعجلون . وروى أبو إسحق الحربى وأبو عبيد الهروى (١) هذا
الحرف: ((فانطلق جفاء من الناس)) بجيم مضمومة وتخفيف الفاء. قال القتبى والهروى :
أى سرعانهم ، شبههم بجفاء السيل .
قال القاضى : إن صحت هذه الرواية فإنما معناها ماتقدم من خروج من خرج معهم
من أهل مكة ، ومن انضاف إليهم ممن لم يستعد للقتال ، وإنما خرج للغنيمة ، من النساء
والصبيان والضعفاء ، ومن مرض من مسالمة الفتح . فهؤلاء شبه جفاء السيل الذى لا ينتفع
به ويرميه بجانبيه ، وهو الغثاء أيضا .
وقوله: (( فرشقوهم رشقا)) بكسر الراء فى الاسم ، قال الإمام : يقال : رشقت
بالسهم وأرشقت : إذا رميته . وأما قوله: (( كأنها رجل من جراد )) فهى الجماعة منها .
وقوله: ((شاهت الوجوه )) : أى قبحت .
قال القاضى : الرشق قيل : اليد الواحدة من السهام ، وقيل : الوجه من الرمى ،
ومعناه هنا: رموا بمرة واحدة لغرض واحد منهم ؛ ولهذا صح تشبيهه لهم (٢) برجل الجراد ،
هكذا بكسر الراء . فأما الرشق بالفتح والمصدر (٣) بمعنى : انكشفوا ، أى انهزموا وولوا
عن مواضعهم وكشفوها .
(١) لم نعثر عليها فى كتابى الهروى والحربى ((غريب الحديث)).
(٢) فی س : لها .
(٣) فى الأصل : المصدرة .

١٣١
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
((أَنَا النَّبِىُّ لا كَذِبْ
أَنَا ابْنُ عَبْد المُطَّلبْ))
٠٠٥٠
و ہ
ثُمَّ صَفَّهُمْ.
٧٩ - ( .. ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَاب المصِّيصىُّ، حَدَّثَنَا عيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ
زِكَرِيَاءَ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَّى الْبَرَاءِ، فَقَالَ: أَكْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ يَا أَبَا
عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِىِّ اله ◌َ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ، وُحُسِّرُ
إِلَى هَذَا الْحَىِّ مِنْ هَوَازِنَ ، وَهَّمْ قَوَّْ رُمَةٌ . فَرَمُوهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ، كَأَنَّهَا رِجْلٌّ مِنْ جَرَادِ.
فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ القَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللهِعََّ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَتَزَلَ،
وَدَعَا ، وَأَسْتَنْصَرَ ، وَهُوَ يَقُولُ:
وقوله عَّ: ((أنا النبى لا كذب أنا، ابن عبد المطلب))، قال الإمام : أنكر بعض
الناس أن يكون الرجز شعراً لوقوعه من النبى عَّه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ
الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه﴾ (١) ، وهو مذهب الأخفش، واحتج بهذه الآية على فساد مذهب
الخليل فى قوله: / إنه شعر . وجواب الخليل عن هذا : أن الشعر ماقُصد إليه، واعتمد ٨٣ /أ
الإنسان أن يوقعه موزوناً مقفَّى، يقصد إلى القافية والروي . وقد [ تقع من ] (٢) كثير من
العوام ألفاظ موزونة وليست بشعر ؛ لأن الشعر إنما يسمّى به فيما قصد إليه ، مأخوذ من
شعر الشاعر بالمعنى ، فقد قال الناس: فإن الجزار يقول فى ندائه على اللحم : ((لحم
الخروف بزبد أمه)) وهذا موزون ، ولا يظن بالجزار أنه شاعر قصد إلى عمل الشعر، إلى
غير ذلك مما يكثر التقاطه من ألفاظ العامة .
وهكذا وجه الجواب عما وقع فى القرآن من الموزون ؛ أنه ليس بشعر ؛ لأنه لم يقصد
إلى تقفيته وجعله شعراً، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب﴾ (٣) ، وقوله
تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ (٤)، ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من
العرب شعراً لما قلناه .
وقد أدى بعض الناس غفلته عن هذا الجواب إلى أن قال بأن الرواية: « أنا النبى لا
كذب )) بفتح الباء ، حرصا منه على أن يفسد الوزن فيستغنى عن هذا الاعتذار .
(١) يس : ٦٩ .
(٢) فى الأصل: يقع ، والمثبت من ع، س .
(٣) الصف : ١٣ .
(٤) آل عمران : ٩٢ .

١٣٢
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
(( أَنَا النَّبِىُّ لا كَذِبْ
اللَّهُمَّ، نَزِّلْ نَصْرَكَ » .
قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللهِ، إِذَ احْمَرَّ البَاسُ نَِّى بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّ لَلَّذِى يُحَاذِى بِهِ -
يَعْنِى النَّبِّ ◌َ.
٨٠ - ( ... ) وحدَّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ المُنَّى وَأَبْنُ بَشَّارِ - وَاللَّفْظ لابْنِ الْمُنَّى - قَالا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَقَ ، قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ - وَسَأَلَهُ
رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ -: أَفَرَّرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَهَ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ فَقَالَ البَرَّاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ الله
بَّ لَمْ يَفِرِ. وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَيْنَا عَلَى
فإن قيل : فإن الاعتزاز إلى الآباء والافتخار بهم من عمل الجاهلية ، فكيف قال :
(( أنا ابن عبد المطلب)) ؟ قيل : إنما كان هذا لأنه يحكى أن سيف بن ذى يزن لما قدمت
عليه قريش، أخبر عبد المطلب أنه سيكون جد النبى عليه ، وأنه يقتل أعداؤه ، وذلك
مشهور عند العرب ، وأراد عَّه ذكر هذا الاسم ليذكرهم بالقصة ، فتقوى مُنْتهم فى
الحرب، وربما ثارت الطباع فى الحروب بهذا وأمثاله . وقيل : بل رؤيا رآها عبد المطلب ،
تدل على ظهوره ﴾ وغلبته ، وكانت مشهورة عندهم ، أراد - أيضا - أن يذكرهم بها.
قال القاضى : لا ينكر السجع فى كلامه عليه ودعائه وخطبه، وإذا كان هذا فمجيئه
بـ ((ابن عبد المطلب)) سجع لا كذب، لا يحتاج إلى عذر، وأيضاً فإنه عليه إنما كانت
الجاهلية تنسبه إلى عبد المطلب ، وبذلك كان يعرف ؛ لأن عبد المطلب كان سيد مكة ،
وبنوه وبنو بنيه ينسبون إليه ؛ ولأن أباه عبد الله مات شاباً فى حياة أبيه قبل اشتهاره فى
إنما كان يدعوه كثير منهم بابن عبد المطلب ، وفى حديث ضمام :
العرب ، والنبى
((أيكم ابن عبد المطلب)) (١) فذكر النبى معَّه هنا نفسه ونسبه تعريفا لأصحابه بنفسه ، وأنه
ثابت ملازم مركزه لم يخف مع من خفى ، ولازل فيمن زل وراعه هول الأعداء ، ولا
زعزعوه عن مكانه لما ناداهم عمه العباس بشدة صوته وميزوه ، فرجعوا إليه وقربوا منه ،
ناداهم هو بنفسه ليفيؤوا إليه ، وتقوى عزائمهم بمكانه .
ومعنى قوله عليه: ((أنا النبى لا كذب)): أى حقا، ويرجع مراده فى ذلك إلى
(١) البخارى، ك العلم، ب ماجاء في العلم ١ / ٢٤، أبو داود، ك الصلاة ، ب ما جاء فى المشرك يدخل
المسجد ١ / ١١١، النسائى، ك الصيام، ب وجوب الصوم ٤ / ١٢٤ (٢٠٩٤)، الدارمى ، ك الصلاة ،
ب فرض الوضوء والصلاة ١ / ١٦٦، أحمد ١ / ٢٦٤ .

١٣٣
-
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
الغَنَائِمِ ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَمِ، وَلَقْدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَهْ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا
سُفْيَانَ بْنَ الْحَارثِ آخذٌ بِلجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ:
((أَنَّالنِّىُّلا ◌َذِبْ
أَنَا ابْنُ عَبْد الْمُطَّلِبْ))
( ... ) وحدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاد، قَالُوا: حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو إِسْحَقَ، عَنِ البَّرَاءِ، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ:
يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَذَكَرَ الَحَدِيثَ. وَهُوَ أَقَلُّ مِنَّ حَدِيثِهِمْ، وَهَؤُلاءِ أَنَمُّ حَدِيثًا .
٨١ - (١٧٧٧) وحدَّنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِى أَبِى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللهُِّ
حُنَيْثَا ، فَلَمَّا وَاجَهْنَا العَدُوَّ تَقَدَّمْتُ، فَأَعْلُو ثَنَيَّةً ، فَاسْتَقْبَلَنِى رَجُلٌ مِنَ العَدُوِّ ، فَأَرْميه
بِسَهْمٍ، فَتَوَرَى عَنِّى، فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ. وَنَظَرْتُ إِلَى القَوْمِ فَإِذَا هُمَ قَدْ طَلَعُوا مِنْ تََّ
أُخْرَى، فَالْتَقَوْاُ هُمْ وَصَحَابَةُ النَِّّ ◌َّةِ، فَوَلَّى صَحَابَةُ الَِّىِّ ◌َُّ، وَأَرْجِعُ مُنْهِزِمًا، وَعَلَّىَّ
وجوده هناك (١) حقا ؛ ليعلمهم بنفسه فيثبتوا بثباته ، أو يكون ثبتاً حقاً . ومن صفات
الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين : أنهم لا يفرون ، أو أنه لا كذب فى حديثه ، وما
أخبرهم من غلبتهم وظهورهم على عدوهم ، وليذكرهم بنبوته/ ؛ لتقوى بصائرهم بوفاء ٢/٨٣
عهده وظهور أمره. وفيه جواز قول الرجل فى الحرب: (( خذها وأنا ابن فلان))، وقد
روى فى ذلك عن جماعة من السلف ، وقاله ابن عبد الحكم من أصحابنا . وإنما يكره من
هذا الانتماء (٢) على طريق الافتخار بالأب ، كفعل الجاهلية .
وقول البراء: ((كنا والله إذا احمر البأس نتقى به)) : كناية عن اشتداد الحرب
واحمرارها ، إمّا لحمرة الدم وجريانه من الجراح والقتل ، أو لاستعار الحرب واشتعالها
كاحمرار الجمر ، كما قال - عليه السلام -: ((حمى الوطيس))، وكما قال [الوطيس] (٣)
الشاعر : ضرب كعمق إلا بالمحرق .
وقول ابن الأكوع : وأرجع منهزماً - إلى قوله، ومررت على رسول الله عَّه منهزماً.
(١) فى س : هنا لما .
(٢) فى الأصل : الانتهاء ، والمثبت من س .
(٣) هذه الكلمة غير موجودة فى س ، ومقحمة فى الأصل.

١٣٤
کتاب الجهاد / باب فى غزوة حنين
بُرْدَتَان. مُتَّزْرًا بإِحْدَاهُمَا، مُرْتَدِيًا بِالأُخْرَى ، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِى، فَجَمَعْتُهُمَا جَميعًا ،
وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولُ اللهِ عَّهُ مُنْهَزَمًا، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتَهِ الشَّهْبَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اله ◌َّ: «
لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزِعًا))، فَلَمََّ غَثُوا رَسُولَ اللهِ عَهَ نَزَلَ عَّنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضََ قَبْضَةً
مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: ((شَاهَتِ الوُجُوهُ))، فَمَا خَلَقَ اللهُ
مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَبًا بِتَلَكَ القَّبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، فَهَزَمَهُمْ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ،
وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِعَُّ غَنَائِمَّهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
فقال: ((لقد رأى ابن الأكوع [فزعا] (١))): كما قال أولاً: ((وأرجع منهزماً))، ولم
يرد أن النبى ◌َّهُ انهزم ، ولا يصح هذا عنه ، وقد قالوا كلهم : إنه ما انهزم ، ولا يجوز
أن يقال ذلك فيه فى خاصة نفسه . وقد ذكر بعضهم الإجماع على هذا ، وأنه لا يجوز أن
يعتقد فيه ، ولا يجوز عليه . والحديث كله يدل على أنه لم ينهزم ، بل ثبت وتقدم حتى
كان العباس أو أبو سفيان يأخذان بلجام بغلته يكفيانها عن التقدم ؛ شفقة عليه على ما
قررناه ، وعلى ما صرح به البراء فى حديثه .
(١) ساقطة من الأصل ، والمثبت من س .

١٣٥
كتاب الجهاد / باب غزوة الطائف
(٢٩) باب غزوة الطائف
٨٢ - (١٧٧٨) حدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَابْنُ نُمَيْر، جَميعًا
عَنْ سُفْيَانَ . قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِىِ العَبَّاسَِ الشَّاعِرِ
الأَعْمَى، عَنْ عَبّد الله بْن عَمْرو ، قَالَ: حَصَرَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ أَهْلَ الطَّائِفِ، فَلَمْ يَثَلْ مِنْهُمْ
شَيْئاً. فَقَالَ: ((إِنَّا قَافِلُّونَ، إِنْ شَاءَ اللهُ)) قَالَ أَصْحَابُهُ: نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَحْهُ ! فَقَالَ لَهُمْ
وَسُولُ اللهِ عَِّ: ((اغْدُوا عَلَى القَتَّالِ ))، فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهَمْ جِرَاحٌ . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله
تُ: ((إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا)). قَالَ: فَأَعَجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اله ◌ٍَّ.
ذكر مسلم فى حصار أهل الطائف حديث سفيان ، رفعه عن عبد الله بن عمرو، قال :
حاصر رسول الله عَّي أهل الطائف. قال القاضى: كذا فى رواية الجلودى وأكثر الأصول،
وعند ابن ماهان : عن عبد الله بن عمرو . قال لنا القاضى الشهيد أبو على : صوابه : ابن
عمر ، وكذا ذكره البخارى (١) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضى الله عنهم . وكذا
صوبه الدارقطنى ، وذكر ابن أبى شيبة فى مسنده الحديث عن سفيان ، فقال : عن عبد الله
ابن عمرو بن العاص ، ثم قال: ابن عيينة حدث به مرة أخرى عن عبد الله بن عمر (٢).
وقوله تعَّ: ((إنا قافلون غداً))، فقال أصحابه: نرجع ولم نفتحه! فقال لهم:
((اغدوا على القتال)): فيه ترك الإنسان رأيه لرأى الجماعة ومساعدتهم ، لاسيما وكان هو
ذهب إلى الرفق بهم والحيطة عليهم ، لما رأى من تحصين أهل الطائف وجدهم ورجاءه ،
أو تيقنه فتح ذلك عليه بغير مشقة بعد كما كان ، فلما رأى منهم الجد والصبر فى الجهاد
ساعدهم على ذلك ، فلما أصابهم من الجزع ما أصابهم رجع إلى رأيه من الرفق بهم ،
وقال: ((إنا قافلون غداً)) فساعدوه إذا رأوا أنه الرأي ؛ لما خبروه من الحال .
وضحك النبى معَّ حين وافقهم ذلك تعجب (٣) من اختلاف قولهم بين أمس واليوم
للحالين المختلفين ، ورجوعهم إلى الرأى السديد .
(١) البخارى، ك المغازى، ب غزوة الطائف فى شوال سنة ثمان ٤ / ١٩٨ وهذه الرواية عن ابن عمرو ( ط
الشعب ) وفى نفس الحديث فى الفتح عن عبد الله بن عمر، وفى ك التوحيد، ب ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ
كَلِمَتَا ... ﴾ عن عبد الله بن عمر .
(٢) ابن أبى شيبة ، ك المغازى، ب ما ذكروا فى الطائف ( ١٨٧٩٨).
(٣) فى الأصل : تعجباً ، والمثبت من س .

١٣٦
کتاب الجهاد / باب غزوة بدر
( ٣٠) باب غزوة بدر
٨٣ _ (١٧٧٩) حدَّثَنَا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْئَةَ، حَدَّثْنَا عَفَّنُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَس؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَِّ شَاوَرَ ، حينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِى سُفْيَانَ . قَالَ : فَتَكَلَّمَ
أَبُو بَكَرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَّرُ فَأَعْرَضَ عَنّهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنَّ عُبَادَةً فَقَالَ: إِيَّنَا تُرِيدُ
يَا رَسُولُ اللهِ؟ وَلَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا البَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْنَا أَنْ
نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَادِ لَفَعَلْنَا. قَالَ: فَتَدَبَ رَسُولُ اللهِ عَُّ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى
نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَّدَتْ عَلَيْهِمْ رَّوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلامٌ أَسْوَّدُ لِبَنِى الْحَجَّاجِ، فَأَخَذُوهُ،
فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ لَّهُ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِى سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَيَقُولُ : مَالِى عِلْمٌ بِأَبِى
سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلِ وَعُتْبَةُ وَشَيَِّةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ . فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، ضَرَبُوهُ. فَقَالَ:
نَعَمْ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ. هَذَا أَبُوَ سُفْيَانَ . فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ : مَالِى بَأَبِى سُفْيَانَ عِلْمٌ،
وقوله تعَّ فى مشاورة المسلمين فى خروجهم إلى بدر وإعراضه عمن تكلم من
المهاجرين ؛ لأنه ما كان المقصود إلا أن يعرف ما عند الأنصار ؛ إذ لم يكن فى بيعتهم
الخروج معه وطلب عدوه (١) ، وإنما كان فيها منعه من الأحمر والأسود . فلما عرض
الخروج لعير أبى سفيان أراد أن يعلم : هل يجيبوه إلى هذا . ففيه المشاورة ومعرفة الرأى
من أهله قبل الفعل . وكان من إجابة الأنصار له ما ذكره فى الحديث .
وقوله: ((لو أمرتنا أن نضرب أكبادها - يعنى الخيل - إلى برك الغماد لفعلنا)).
٨٣ / ب كذا / ضبطناه هنا بفتح الباء وسكون الراء من ((برك)). وقال أهل اللغة : صوابه:
((برك)) بكسر الباء. وكذا قيده شيوخ أبي ذر فى البخارى (٢)، وضبطنا ((الغماد)) فى
الصحيحين بكسر الغين المعجمة ، وحكى ابن دريد الكسر والضم فى الغين. ((وبرك الغماد))
موضع بأقاصى هجر. وضبط الأصيلى (( برك)) بفتح الراء وسكونها معاً ، والمعروف
السكون . قال أبو إسحق الحربى : برك الغماد، وسعفان هجر ، [ وذى ] (٣) بليان كان
يقال فيما تباعد ، وذكر ألفاظاً أخر اختصرناها .
(١) فى س : عدوٍ .
(٢) البخارى، ك الهجرة، ب هجرة النبى عليه وأصحابه إلى المدينة ٥ / ٧٣.
(٣) فى س : وذو .

١٣٧
کتاب الجهاد / باب غزوة بدر
وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلِ وَعُثْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف فى النَّاسِ . فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ .
وَرَسُولُ اللهِ عٍَّ قَائِمٌ يُصَلِّى، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَنْصَرَفَ . قَالَ: ((وَلَّذِى نَفْسِى بَيْدِهِ
لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ)) .
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((هَذَا مَصْرَعُ فُلان)). قَالَ: وَيَضَعُ يَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ ،
هَهُنَا وَهَهُنَا. قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُول الله عَّهِ .
قال القاضى: ويقال فيه: ((بليان)) بكسر الباء وتشديد الياء أيضاً، ويقال: ((بذى
بلى )) بتخفيف اللام أيضا .
وفى ضرب أصحاب النبى معَّه غلام قريش ليسألوه ، جواز تهديد المتهم وتخويفه
ليصدق ، وجواز ضرب الأسير من العدو لمعنى يوجب ذلك ، ويستخبر ما عنده من سر
العدو . ويحتج به فى تهديد الحكام للمتهمين ليصدقوا عن أحوالهم ، وينكشف لهم
تهمتهم .
واختلف فى إقرارهم فى تلك الحال هل يقبل أم لا ؟ فعند أصحاب الشافعى وكثير من
أصحابنا : لا يقبل حتى يتمادى على إقراره ، سواء عين ما أقر به من سرقة أو قتل أم لا .
ومن أصحابنا من ألزمه ذلك إذا المقر به وإن رجع عن إقراره ، ومنهم من أجازه وإن لم
يعين ، ومنهم من منعه وإن تمادى عليه لأن خوفه أن يعاد عليه العقاب باق . وأما ضربه
ليقر فلايجوز عندهم ، ولا يعتد بإقراره إلا أن يتمادى عليه . ويختلف فى التمادى على
ما تقدم .
وإعلام النبى ◌ّ أصحابه بأنهم يضربونه إذا صدق ويتركونه إذا كذب ، من آيات
نبوته على ، وذلك أن أصحابه كانوا يكذبونه فيما يقول من أمر قريش ؛ إذ لم يكن عندهم
إلا خبر العير ولا طلبوا سواها . وكذلك إخبار النبى عّه بمصارع قريش وإشارته لها
وتعيينها فلم يَعد ، ذلك آية أخرى ومعجزة ثانية فى هذا الحديث .
وقوله: ((فما ماط أحدهم عن موضع يده))، قال الإمام : أى تباعد ، يقال : ماط
الرجل : إذا تباعد ، وأماط غيره : إذا باعده ، ويقال : ماط الرجل وأماط : إذا تباعد ،
لغتان .

١٣٨
-
كتاب الجهاد / باب فتح مكة
(٣١) باب فتح مكة
٨٤ - (١٧٨٠) حدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ
البُنَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبّاحٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ - وَذَلَكَ
فِى رَمَضَانَ - فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضِ الطَّعَامَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُونَا إِلَى
رَحْلِه . فَقُلْتُ : أَلا أَصْنَعُ طَعَامًا فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِى؟ فَأَمَرْتُ بِطَعَّامٍ يُصْنَعُ، ثُمَّ لِقِيتَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ منَ العَشْىِّ، فَقُلْت: الدَّعْوَةُ عِنْدَى اللَّيْلَةَ. فَقَالَ: سَبَقْتَنِى. قُلْتُ: نَعَمْ . فَدَعَوْتُهُمْ،
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَلا أَعْلِمُكُمْ بِحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةً،
فَقَالَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ عَِّ حَتَّى قَدَّمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزَّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى المُجْنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ
خَالِدًا عَلَى المُجَنّةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الوَادِى، وَرَسُولُ
قال القاضى: وقوله فى حديث فتح مكة: ((وفدت وفودٌ على معاوية ، فكان يصنع
بعضنا لبعض الطعام)) وفى الحديث الآخر : ((فكان كل رجل منا يصنع طعاماً يوماً
لأصحابه فكانت نوبتى))، وفى الحديث الآخر: ((فقال أبو هريرة: سبقتنى)) فيه مكارمة
الرفقاء بعضهم بعضا ، وجواز جعل (١) ذلك نوباً بينهم ، وأن مثل هذا من باب المكارمة
لا من باب المعاوضة ، وفيه ما كان عليه الصدر الأول من الكرم والمسابقة فيه ، والبر
بعضهم لبعض. ومعنى ((نوبتى)): أى وقتى. وفى قول أبى هريرة: ((إن سبقتنى))
دليل أن نوبهم ومكارمتهم لم تكن على المشاحنة والمنافسة . وحديث أبى هريرة لهم بفتح
مكة ليقيد بذلك من لم يحضر من أبناء الأنصار ؛ ولذلك قال لهم: ((ألا أعلمكم (٢)
بحديث من بحديثكم )) وفيه أن أحسن ما يحدث به عند الاجتماع فى الولائم وانتظار الطعام
٨٤ / أ أمثال هذا من أخبار الحدثان / وما جرى من الحروب وغيرها ؛ لنشاط النفوس لسماعه ،
وقطع مدة الانتظار بذلك؛ إذ ليس فى ذلك ما يدخل إثما ، لاسيما ما فيه للنبى عَّه فخر ،
والذى ذكر وكان حديثهم هذا كما جاء فى الحديث: (( وهم ينتظرون نفخ الطعام )) وهو
معنى قوله: ((ولم يدرك طعامنا)).
وقوله: ((وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر)) كذا رويناه ، وهو الصواب . قال الهروى :
أى على من لا درع عليه ، والذى يظهر لى فيه أنه سمى الرجالة ومن ليس عليه شكاية
(١) فى س : فعل .
(٢) فى الأصل: ((أحدثك))، والمثبت من المطبوع رقم (٨٤) والأبى.

١٣٩
کتاب الجهاد / باب فتح مكة
الله عَُّ فِى كَتَيْبَةَ. قَالَ: فَنَظَرَ فَرَآنِى. فَقَالَ: (( أُبُو هُرَيْرَةَ)) . قُلْتُ: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ الله .
فَقَالَ: ((لا يَأْتِينِى إِلا أَنْصَارِىٌّ» .
زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ: فَقَالَ: ((اهْتُفْ لِى بِالأَنْصَارِ)). قَالَ: فَأَطَافُوا به، وَوَّشَتْ قُرَيْشٌ
أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا. فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَىْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصيبُوا
أَعْطَيْنَا الَّذِى سُئِلْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((تَرَّوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَنْبَاعِهِمْ))، ثُمَّ قَالَ
بَيَدَيْهِ، إِحْدَهُمَا عَلَى الأُخْرَى. ثُمَّ قَالَ: ((حَتَّى تُوَافُونِى بِالصَّفَا)). قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَمَا
كاملة حسراً ، ليس عليهم كبير سلاح. وبينه فى الحديث الآخر: ((وجعل أبا عبيدة على
البياذقة وبطن الوادى)) أى الرجالة . وأصله بالفارسية : أصحاب ركاب الملك ومن
يتصرف فى أموره . كذا رويناه فى هذا الحرف هنا .
وقد وقع فى بعض روايات ((الساقة)) (١) مكان (( البياذقة)) و ((الجيش)) مكان ((الحسر))
فى الرواية الأخرى. ورواه بعضهم: ((الشارفة)) مكان ((البياذقة)) وفسروه : الذين
يشرفون على مكة وليس بشىء ، والأول أظهر ؛ لأنه ذكر أنه قدم على المجنبتين خالداً على
الواحدة ، والزبير على الأخرى ، وكان هو عمَّه فى القلب فى الدارعين من المهاجرين
والأنصار ، وقدم أبا عبيدة على الرجالة ، وقد يعبر بها عن ساقة الجيش ، وقد تكون ساقة
ورجالة فيجتمع الوصفان وهم الحسر أيضا .
وقوله: (( وبطن الوادى)). أى جعل طريقه بطن الوادى كما بينه فى الحديث الآخر :
((فأخذوا بطن الوادى))، وهذا يبطل رواية ((الشارفة)) المتقدمة ويناقضه.
وقوله تعَّ: ((اهتف لى بالأنصار)): أى ادعهم لى .
وقوله: ((لا يأتنى إلا أنصارى)) فأطافوا به : ثقة منه بهم واستماعه إليهم ، وتقريباً
لهم لما قرب من داره وقومه ، وقد كان معه هناك المهاجرون - أيضاً - يحيطون به ، كما
كان فى كتيبته، ومعنى ((يهرولون)): يسرعون ، وإنما أراد : لا يأتنى من قابل العرب
النافرين معه - والله أعلم - غير الأنصار . وهذا يجمع بين ما جاء فى البخارى (٢) من أن
كتيبة الأنصار كانت مع سعد بن عبادة، وأن كتيبة المهاجرين مع الزبير فيهم رسول الله عَّةٍ .
وبعض ماجاء فى السير أن النبى عَّه كان في كتيبة من المهاجرين والأنصار ، فيدل ما فى
كتاب مسلم أنه دعا الأنصار فجمعهم بعد افتراقهم ، أو أنه فرقهم بعد هذا الاجتماع بذى
(١) هذه الرواية ليست فى صحيح مسلم .
(٢) البخارى، ك المغازى، ب أين ركز النبى عليه الراية يوم الفتح ٥ / ١٨٦.

١٤٠
کتاب الجهاد / باب فتح مكة
شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إلا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجُّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْش، لا قُرَيْشَ بَعْدَ الَيَوْمِ. ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ
دَرَ أَبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ )) ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أَمَّ الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فى
قَرْيَتَه، وَرَقَةٌ بَعَشِيرَتَهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الوَخَىُ ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الوَحْىُ لا يَخْفَى
عَلَيْنَ، فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَِّ حَتَّى يَنْقَضِىَ الوَحْىُ . فَلَمَّا
انْقَضَى الوَحْىُ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((يَامَعْشَرَ الأَنْصَارِ)) قَالُوا: لَبَّكَ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:
((قُلْتُمْ: أَمَّ الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِى قَرْيَتَهِ)) . قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ. قَالَ: ((كَلا، إِنِّى عَبْدُ
الله وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيَكُمْ، وَلَحْيَا مَحْيَكُمْ، وَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)) . فَأَثَلُوا إِلَيْه
بَيْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَله، مَا قُلْنَا الَّذِى قُلْنَا إِلا الضِّنَّبِاللهِ وَبِرَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: ((إِنَّ
اللّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ)) . قَالَ : فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِى سُفْيَانَ ، وَأَغْلَقَ
النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ. قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ عَِّ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ
بالبَيْت. قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمِ إِلَى جَنْبِ البَيْتِ كَانُوا يَعْبَّدُونَهُ، قَالَ : وَفِى يَدِ رَسُولِ اللهِ
◌َ﴾ قَوْس، وَهُوَ آخذٌ بِسيَةِ القَوْسِ،فَمَّا أَتَى عَلَى الصََّمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِى عَيْنِهِ وَيَقُول: ((جَاءَ
الحَقُ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ))، فَلَّمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ، حَتَّى نَظَرَّ إِلَى البَيْتِ،
وَرَفَعَ يَدَيّهِ ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ الهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ .
٨٥ - ( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الله بْنُ هَاشم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغيرَةِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى الْحَّدَيْثِ: ثُمَّ قَالَ بَيَدَيَّهِ، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى: ((اخْصُدُوهَّمْ
خَصْدًا)). وَقَالَ فِى الَحَدِيثَ: قَالُوا: قُلْنَا: ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَمَا اسْمِى إِذَا؟
كَلَا إِّى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) .
طوى ، على ما جاء فى السير . فوجه بعضهم من أسفلها وبعضهم من أعلاها - والله
أعلم(١) .
وقوله : ((وَوَبَّشت قريش أوباشاً لها)) بشد الباء ، قال الإمام : أى جمعت جموعاً
من قبائل شتى، وهم الأوباش والأوشاب .
(١) انظر: البداية والنهاية ٤ / ٢٨٩ وما بعدها.