Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب المساقاة / باب بيع الطعام مثلا بمثل
١٠٠ - ( ... ) حدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْراهِيمَ، أخَبَرنَا عَبَدُ الأَعْلَى، أخْبَرِنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِى
نَضْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَلَمْ يَرَبَا بِهِ بَأْسًا ، فَإِنِّى لَقَاعِدٌ
عِنْدَ أَبِى سَعيد الْخُدْرِىِّ، فَسَأَلُهُ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ : مَازَادَ فَهُوَ رِبَا، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ،
لِقَوْلِهَمَا. فَقَالَ: لا أُحَدِّثُكَ إِلا مَا سَمَعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِعَّهُ. جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعِ
مِنْ تَمْرِ طَيِّبٍ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِىِّ ◌َ هَذَا الَّوْنَ. فَقَالَ لَّ النَّبِىُّ عَِّ: ((أَنَّىَ لَكَ هَذَا؟)).
قَالَ : أَنْطَلَقْتُ بِصَاعِيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سعْرَ هَذَا فِى السُّوقِ كَذَا ، وَسَعْرَ
هَذَا كَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( وَيّلَكَ! أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ، ثُمَّ
اشْتَرِ بسلعَتَكَ أَىَّ تَمْرِ شِئَتَ)).
قَالَ أَبُو سَعيد: فَالثَّمْرُ بِالنَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَم الْفِضَّةُ بالْفِضَّةَ؟ قَالَ : فَأَيْتُ ابْنَ
عُمَرَ بَعْدُ فَتَهَانِى، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ : فَحَدَّثَنِى أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاس عَنّهُ
بِمَكَّةَ، فَكَرِمَهُ.
١٠١ - (١٥٩٦) حدّثنی مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَابْنُ أَبِی عُمَرَ ، جَمِيعًا
عَنْ سُفْيَانَ بْن عُبِينَةَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ عَبَّاد - قَالَ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو، عَنْ أَبِى صَالِحٍ،
قَالَ: سَمِعْتَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّيْنَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ،
مَنْ زَادَ أَوَ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبِى. فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا. فَقَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِى تَقُولُ، أَشَىْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِعَّ أَوْ وَجَدْتَهُ
فِى كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ تَِّ ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِى كِتَابِ اللهِ،
وَلَكِنَّ حَدَّثَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيّدٍ، أَنَّالنَِّيَّ ◌َهَ قَالَ: ((الرَّا فِى النَّسِشَةِ».
١٠٢ - ( ... ) حدّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَقُ بْنَ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ
أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لعَمْرو - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عَُّةَ - عَنْ عُبَيِّدِ الله بْنِ أَبِى يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيِّدٍ؛ أَنَّ
والمراد بالصرف هنا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلاً ولهذا ، وإلا يداً
بيد، ولحجة أبى سعيد بقوله : التمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة ؟ وهذه
الأحاديث تدل أنها لم تبلغ ابن عباس ولا ابن عمر قبل ، فلما بلغتهما رجع إليها ولا رأی

٢٨٢
كتاب المساقاة / باب بيع الطعام مثلا بمثل
النَََِّّّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا الرَّا فِى النَّسِيئَةِ)).
١٠٣ - ( ... ) حدّثنا زُهْيرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم،
حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُس، عَنْ أَبِيِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةً
أبْن زيّد؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((لا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدَابِيَدِ )) .
١٠٤ - ( .. ) حدّثْنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنَى
عَطَاءُ بْنُ أَبِى رَبَاحِ ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِىَّ لَقَى ابْنَ عَبَّاس فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فى
الصَّرْف، أَشَيْئًا سَمَعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِعٍَّ؟ أَمْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ
ابْنُ عَبَّاس: كَلاَّ، لا أَقُولُ. أَمَّا رَسُولُ اللهِلَّهِ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ، وَأَمَّا كِتَابُ الله فَلاَ أَعْلَمُهُ ،
وَلَكِنْ حَدَّثَنِى أُسَامَةٌ بْنُ زَيّد؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ قَالَ: ((أَلا إِنَّمَا الرَّبَا فِى النَّسِيئَةِ)) .
لأحد مع النسيئة ولا قياس بعدها، وإنما كان احتج ابن عباس بعموم حديث أسامة: « لا ربا
إلا فى النسيئة)) على ما ذكر مسلم ، وقد تقدم الكلام على هذا ووجه التأويل فيه . وقيل :
هو منسوخ بهذه الآثار ، وبه إجماع المسلمين بَعْدُ على ترك الأخذ به برده ، ويصحح نسخه
إن صح رفعه .

٢٨٣
کتاب المساقاة / باب لعن آكل الربا ومؤكله
(١٩) باب لعن آكل الربا ومؤكله
١٠٥ - (١٥٩٧) حدّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لعُثْمَانَ -
قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثْنَا جَرِيرٌ - عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ : سَأَلَ شِبَاكٌ إِبْرَاهِيمَ،
فَحَدَّثَنَا عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبَدِ اللهِ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ آكِلَ الرَّبَا وَمُؤْكِلَهَ. قَالَ :
قُلْتُ: وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ. قَالَ : إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا .
١٠٦ - (١٥٩٨) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَزْهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ،
قَالُوا: حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ آكِلَ الرِّبًا،
وَمُوكَلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: ((هُمْ سَوَاءٌ )) .
قال الإمام: خرج مسلم فى (( باب أكل الربا )) حديثاً عن جرير ، عن مغيرة ، قال :
سألت إبراهيم ، فحدثنا عن علقمة . هكذا فى نسخة ابن ماهان ، وعند الجلودى : عن
جرير ، عن مغيرة ، قال : سأل شباك إبراهيم ، فحدثنا علقمة ، فجعل السائل هو شباك،
وفى رواية أبى العلاء وابن ماهان : أن السائل هو المغيرة ، وشباك هذا هو صبىٌّ كوفى
مشهور بالرواية عن إبراهيم النخعى .
قال القاضى : شباك هذا ، بكسر الشين المعجمة . قال البخارى : شباك الضبى
الكوفى عن إبراهيم روى عنه مغيرة فى مسلم. وشباك ، بفتح الشين وكسر الباء غيره ، هو
شباك بن عائز بن المنخل الأزدى ، ويقال : هو قيسى بصرى ، حدث عنه نصر بن على
وهذبة، ذكره البخارى، والدارقطنى، قال عبد الله : لعن رسول الله ټ﴾ آكل الربا وموكله،
قلت - يعنى علقمة - : وكاتبه وشاهديه ، قال : إنما نحدث بما سمعنا ، وفى حديث
جابر : لعن رسول الله عَّه آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: ((هم سواء ))، كذا
لعامة شيوخنا، وللطبرى قال: قلت: وشاهديه، قال: (( هم سواء )) فهذا يحتمل أنه من
قول النبى عَّه، والسائل جابر ، ويحتمل أنه من قول جابر والسائل غيره ، لكن ذكر
الكاتب والشهيدين فى الحديث ، وروى عن ابن المسيب . وقد ذكره البخارى فى الترجمة ،
ودخل الكاتب والشاهد هنا لمعونته على هذه المعصية ومشاركته فيها .

٢٨٤
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات
(٢٠) باب أخذ الحلال وترك الشبهات
١٠٧ - (١٥٩٩) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا
زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ التّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْثُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَّ
يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ،
وَبَيَنْهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُُّهَاتِ اسْتِبْرَاً لِدِينِهِ
قوله - عليه السلام -: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات))
الحديث : اختلف الناس فى ذكر المشتبهات، فقيل : مواقعتها حرام ، وقيل : حلال ،
لكنه يتورع عنه لاشتباهه، وقيل : لا يقال فيها: حلال ولا حرام؛ لقوله - عليه السلام -:
((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات)) فلم يحكم لها بشىء من الحكمين.
وقوله: ((لا يعلمها كثير من الناس)): فقد دل هذا أن ثَمَّ من يعلمها ، فمن علمها
لابد أن يلحق عنده أحد الوجهين ، فيكون لها حكمه .
قال القاضى : وما حصل عند العلماء فى هذا الحد فقد خرج من المشتبه إلى البين ،
وإنما الكلام فيما لم يتبين لا فى طريق رد ، أو لم يظهر له دلالة لأحد الوجهين .
قال الإمام : هذا الحديث جليل الموقع عظيم النفع فى الشرع ، حتى قال بعض الناس
بأنه ثلث الإسلام ، وذكر حديثين آخرين هما الثلثان الباقيان .
قال القاضى : ما أشار إليه - رحمه الله - هو ما روى عن أبى داود السجستانى،
قال: كتبت عن رسول الله على خمسمائة ألف حديث ، الثابت منها أربعة آلاف حديث ،
وهى ترجع إلى أربعة أحاديث، قوله - عليه السلام -: (( إنما الأعمال بالنيات))،
وقوله: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وقوله: (( لا يكون المؤمن مؤمناً حتى
يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه)) الحديث، وقوله: ((الحلال بين والحرام بين)) الحديث. وقد
روی فیها مکان حدیث: (( لا يكون المؤمن مؤمنا )) حديث: (( ازهد فى الدنيا يحبك الله/،
وازهد فيما فى أيدى الناس يحبك الناس» . وقد نظمها أبو الحسن طاهر بن مفوز فى بيتين
بقوله :
٢٣٣ / أ
أربع من كلام خير البرية.
عمدة الدین عندنا كلمات
ما ليس يعنيك وعملن بنيةٍ
اتق الشبهات وازهد ودع

٢٨٥
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات
وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشَّبُّهَاتِ وَقَعَ فِى الْحَرَامِ ، كَالرَّأَعِى يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ
قال الإمام : وإنما نبه أهل العلم على عظم هذا الحديث ؛ لأن الإنسان إنما يعتبر بطهارة
قلبه وجسده ، فأكثر المذام والمحظورات إنما تنبعث من القلب ، فأشار عَّه لإصلاحه ، على
أن صلاحه هو صلاح الجسد ، وأنه الأصل . وهذا صحيح ، يؤمن به حتى من لا يؤمن
بالشرع ، وقد نص عليه الفلاسفة والأطباء .
والأحكام والعبادات التى ينصرف الإنسان عليها بقلبه وجسمه ، تقع فيها مشكلات
وأمور ملتبسات التساهل فيها ، وتعويد النفس الجرأة عليها يكسب فساد الدين والعرض ،
فنبه عَّهُ على تَوقِّى هذه، وضرب لها مثلا محسوساً ؛ لتكون النفس له أشد تصوراً، والعقل
أعظم قبولاً ، فأخبر - عليه السلام - أن الملوك لهم حمية ، لاسيما وهكذا كانت العرب
تعرف فى الجاهلية ، أن العزيز فيهم يحمى مروجاً وأبنية ، فلا تجاسر عليها ، ولا يدنى
منها ، مهابة من سطوته ، وخوفاً من الوقوع فى حوزته ، وهكذا محارم الله - سبحانه -
من ترك منها ما قرب فهو من متوسطها أبعد ، ومن تحامى طرف الشىء أمن عليه أن
يتوسط ، ومن طرف توسط . وهذا كله صحيح ، وإنما بقى أن نتكلم على هذه المشتبهات
[ فنقول :
قد أكثر العلماء من الكلام على تفسير المشتبهات ] (١) ، ونحن ننبهكم على أمثل
طريقة ، فاعلم أن الاشتباه هو الالتباس ، وإنما يطلق فى مقتضى هذه التسمية هاهنا على أمر
ما أشبه أصلاً ما ، ولكنه مع هذا يشبه أصلاً آخر يناقض الأصل الآخر ، فكأنه كثرت
أشباهه ، وقيل : اشتبه بمعنى اختلط ، حتى كأنه شىء واحد من شيئين مختلفين .
وإذا أحطت بهذا علما فيجب أن تطلب هذه الحقيقة ، فنقول : قد تكون أصول الشرع
المختلفة تتجاذب فرعاً واحداً تجاذباً متساوياً فى حق بعض العلماء، ولا يمكنه تصور ترجيح،
ورده لبعض الأصول يوجب تحريمه ، ورده لبعضها يوجب تحليله ، فلا شك أن الأحوط
تجنب هذا ، ومن تجنبه وصف بالورع والتحفظ فى الدين ، وما أخذه من المسلمين بعيب
فاعل هذا ، بل المعلوم انتظار الألسنة بالثناء عليه والشهادة له بالورع إذا عرف بذلك.
وقد سئل مالك عن خنزير الماء فوقف فيه، وكان شيخنا - رحمه الله - يقول: لما
تعارضت الآى عنده فنظر إلى عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْئَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِزِيرُ﴾(٢)
فخاف أن يدخل فى عمومه فيحرم، ونظر إلى عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
(١) سقط من الأصل، واستدرك بالهامش بسهم .
(٢) المائدة : ٣ .

٢٨٦
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات
وَطَعَامُهُ﴾ (١) وأمكن عنده أن يدخل فى عموم هذه الآية فيحل ، ولم تظهر له طرق الترجيح
الواضحة فى أن يقدم آية على آية ، ووقف فيه ، ومن هذا المعنى أن يعلم أصل الحكم ،
ولكنه يلتبس وجود شرط الإباحة حتى يتردد بينه وبين شرط التحريم ، وذلك أن الإنسان
يحل له أن يأكل ملكه أما فى معناه مما أبيح له تملكه ، ويحرم عليه أكل ملك غيره وما فى
معناه .
وقد وجد النبى عَّه تمرةً ساقطةً فترك أكلها واعتل بأنه لولا أنه يخاف أن تكون صدقة
لأكلها ، فلما كانت الصدقة محرمةً عليه وشك ، هل حصل هذا التحريم فى هذه التمرة
تركها ، ولحقت بالمشتبهات ، وهذا إذا كان الاشتباه من جهة أصول الشرع بعد نظر صحيح
فيها ، أو فى القسم الأخير الذى ذكرناه مع فقد أصول ترد إليها ، وعدم أمارات وظنون
يعول عليها .
وأما إذا كان الأمر خلاف ذلك ، فليس من الورع التوقف بل ربما خرج بعضه إلى ما
يكره ، وبيان ذلك بالمثال : أن من أتى إلى ماء لم يجد سواه ليتوضأ منه فقال فى نفسه :
لعل نجاسة سقطت فيه قبل أن أرد عليه ، وامتنع من الطهارة به ، فإن ذلك ليس بممدوح ،
وخارج عما وقع فى الحديث ؛ لأن الأصل طهارة المياه وعدم الطوارى ، واستصحاب هذا
كالعلم الذى يظن أنه لم يسقط منه شىء ، مع أن هذه الفكرة إذا / أمر معها تكررت ولم
يقف عند حد وأدى ذلك إلى انقطاع عن العبادات .
٢٣٣ / ب
وكذلك لو أن إنساناً اشتهى النساء ثم قال : لعل فى العالم من رضع معى فلا يلقى
امرأة إلا والعقل يجوز ذلك فيها إذا كانت فى سنَّ يمكن أن ترضع معه ، فاجتنبت جميع
النساء لهذا الخاطر الفاسد لم يكن مصيباً ، كمثل ما قلناه فى الماء من استصحاب الحال فى
عدم هذه الأمور .
وما يقع من الضرر بالإصغاء إلى هذه الخواطر قد يتسع فيها الخرق فقد صارت الشكوك
التى لا أصول لها ، وتتكرر [ على ](٢) نفسه ويعظم الضرر بالمرور على موجبها ساقطةً فى
الشرع حتى كانت المداواة عند بعض الفقهاء ، والمستحسن إضراب النفس عنها والتغافل عن
إخطارها بالبال ، كما يقولون فى الموسوس فى الحدث بعد الوضوء : إنه يؤمر بأن ينهى
عن ذلك ويعرض عنه ، حتى إذا اعتاد الإعراض عنه لم يتكرر عليه .
وقد يكون هذا الشك له مستند ولكن الشرع عفى عنه لعظم الضرورة ؛ كمن تحقق أن
امرأة أرضعت معه والتبست عليه بنساء العالم ، فإنا إن قطعنا عليه شهوته وحرمنا عليه نساء
%
(١) المائدة : ٩٦ .
(٢) من ع ، وفى نسخة الإكمال : فى .

٢٨٧
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات
العالم جملة كان ذلك إضراراً عظيما وكلهن محلل ، فلا يغلب حكم محرمة واحدة على
مائتى ألوف محللات ، ولو اختلطت هذه الرضيعة بنساء محصورات لنهى عن التزوج
منهن؛ لأن الشك ههنا له مستند وهو العلم بأن هناك رضيعة وقد شك فى عينها ، وله قدرة
على تحصيل غرضه ، مع القطع بسلامته من الوقوع فى الحرام بأن يتزوج من نساء قوم
آخرين ، وليس من الحرام فى الدين أن يكون له طريقان فى تحصيل غرضه : أحدهما :
محلل هو أسهل وأكثر ، فإن وقع فيه قطع على عين التحليل . والطريقة الأخرى ، أقل
وأندر وإن وقع فيه خاف أن يقع فى عين الحرام ، فيعدل عن المتحلل بما يجوز أن يكون
محرماً . وبهذا فارقت هذه المسألة التى قبلها ؛ لأنه متى اختلطت بنساء العالم لم يقدر على
تحصيل غرضه بطريق أخرى ، فوجب ألا يكون للشك تأثير ، وإنما أريتك بهذه المسألة
طريقة تسلكها ، وإلا فمسائل هذا النوع لا تحصى كثرة ، ولكن أصول جميعها لا تنفك عن
الأصول التى مهدت لها ، وقد يقل الضرر بالتحريم فى بعض المسائل ويعظم فى أخرى ،
ويتضح كون الشك له مستند فى بعض المسائل وتخفى فى أخرى ، [ وقد تكثر أصول
بعض المسائل، وقد تتضح مساواة الفرع للأصل وقد تخفى ] (١) .
ومن مجموع هذا كله واختلاف نظر الفقهاء فيه يقع به بينهم التنازع والاختلاف . من
ذلك مسائل الشاك فى عدد الطلاق ، والشاك هل حنث فى يمينه أم لا ؟ والشاك فى زوجته
هل هى تحبه أم لا ؟ وقد حلف على أنها تحبه والشك فى الإناءين أيهما النجس ؟ والشاك
هل أصاب ثوبه نجاسة أم لا ؟ والشاك فى موضعها مع علمه بإصابتها ثوبه . إلى غير ذلك
من المسائل التى كثر اضطراب العلماء فيها، وطريقتهم فيها هى التى نبهناك عليها .
وأنت إذا أحطت بهذه الطريقة علما أغنتك عن اضطراب الفقهاء - أيضًا - فى هذا
الحديث، هل المشتبهات المذكورات فيه واجب اجتنابها ؟ وهل قوله: (( من وقع فى الشبهات
وقع فى الحرام )) دلالة على أن اجتنابها واجب ، أم يكون المراد أنه قد يقع فى الحرام لقوله
بعد ذلك: ((كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه))، ولم يقل: ((يرتع
فيه))، فلابد مع وضعه إياها جاز اجتنابها استبراء للدين والعرض ، والاستبراء يشير إلى أنها
ليست بنفس الحرام الذى يجب أن يجتنب ؛ لأن هذه المسائل التى نصصنا على بعضها ،
وأشرنا إلى بقيتها تختلف طرق الاشتباه فيها على ما أشرنا إليه به ، فقد يقتضى بعضها
التحريم وأن الاجتناب واجب ، وقد تدق طرق الاشتباه وتضعف فيكون الاجتناب حينئذ
مستحبًا غير واجب، ولكنه ◌ّ أتى بلفظ دال على استحباب التوقى. ولا شك أن
استحسان التوقى يعم جميعها ما لم تكن من الشكوك الفاسدة التى أشرنا إليها.
(١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم.

٢٨٨
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات
أَنْ يَرْنَعَ فِيهِ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِك حمّى، أَلا وَإِنَّ حمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِى الْجَسَد
مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِىَ
القَلبُ» .
وقد يقال هذه المشتبهات إمَّا أن تكون حرامًا أو حلالاً، وقد قال عَّ: ((إن الحلال
بين ، وإن الحرام بين))، فإن كانت محرمة فيجب أن تكون بينة على ظاهر قوله ، وإن
كانت محللة فيجب أن تكون بينة على ظاهر قوله أيضًا . قيل : قد يقع منها ما هو مكروه
وهو كثير فيها فلا يقال: / إنه حرام بين ، ولا حلال بين لا كراهية فيه .
٢٣٤ / أ
وأيضًا فقد يكون المراد ما استقر عليه الشرع من تحريم وتحليل وما نزل بيانه واضحًا
بينًا، وإليه أشار بقوله عَّه: ((الحلال بين، والحرام بين))، ولا شك أن تحريم الربا
والميتة والدم ولحم الخنزير بين ، ولا شك أن تحليل الأكل من طيبات ما اكتسبنا، وتزويج
النساء، حلال بين . وإلى هذا وأمثاله أشار ، وإن كانت المشتبهات لها أحكام ما ؛ ولهذا
قال: ((لا يعلمهن كثير من الناس))، ولو كانت لا حكم [إلا ] (١) لله فيها لم يقل: ((لا
يعلمهن كثير من الناس))؛ لأن الكل حينئذ لا يعلمونها ، وقد يدخل هذا الحديث فى
الاستدلال على حماية الذريعة وصحة القول به كما ذهب إليه مالك؛ لقوله - عليه السلام:
((كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه )) .
قال القاضى : ما ذكره - رحمه الله - صحيح ، لكن قوله فى ذكر الأخت من
الرضاعة إذا كانت هى بين من يرضع معه ، كلام لا وجه له ، ورُبَّ أخوين من الرضاعة
يمكن أن يكون أحدهما فى سن أمّى الأخرى أكبر لتقدم رضاع الأكبر لأم الأصغر فى شبابها
وأول بطونها وليس من حكم الرضاع عند أحدٍ ، أو يكون فى لبن ولادة واحدة وبطن
واحدٍ، ولا أعلم ما اضطره إلى ذكر هذه الزيادة التى لا معنى لها وأتيا هنا(٢) خطأ.
وقوله : (( ألا وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد
الجسد كله ، ألا وهى (٣) القلب)): المضغة: القطعة من اللحم ، وسميت فى الحديث
مضغة إشارة إلى تصغير هذا العضو ؛ لأن أصل المضغة قدر ما يمضغه الإنسان فى فيه
كالأكلة للقمة . تصغير هذا العضو بهذا اللفظ لإضافته إلى سائر الجسد.
قال الإمام : واختلف الناس فى محل العقل من الإنسان ، فذهب بعض الأئمة من
المتكلمين أنه فى القلب ، وإليه صار جمهور الفلاسفة، ويحكى عن أرسطاطاليس - وهو
(١) من ع .
(٢) هكذا رسمت من الأصل .
(٣) فى المخطوطة : وهو ، والمثبت من الصحيحة المطبوعة .

٢٨٩
-
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات
( ... ) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، قَالا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهَ.
( ... ) وحدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَّبِى فَرْوَةَ الْهَمْدَانِىِّ.
رئيس الفلاسفة ، وقالت الأطباء : إنه فى الدماغ ، ويحكى هذا عن أبى حنيفة.
وقد احتج بعض الأئمة من المتكلمين على أنه فى القلب بقوله سبحانه وتعالى:
﴿ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (١) فأضاف العقل إلى القلب، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب﴾ (٢)، واحتجوا - أيضًا - بهذا الحديث، وقد جعل النبى عَّه
صلاح الجسد كله وفساده كله تابعًا للقلب [ والدماغ من جملة الجسد، فاقتضى ظاهر الحديث
كون فساده وصلاحه تبعًا للقلب ] (٣) ، وهذا يدل على أنه ليس بمحل العقل.
وأمَّ الأطباء ، فإنما عمدتهم أنَّ الدماغ يفسد فيفسد العقل ، ويكون منه الصرع والهوس
عندهم ، ويتغير مزاجه فيتغير العقل ، ويكون فيه عندهم المالنخونيا ، وغير ذلك من العلل
التى يسمونها ، فاقتضى ذلك عندهم كون العقل فى الدماغ . ولا حجة لهم فى هذا ؛ لأن
الله - سبحانه - قد يُجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ وإن لم يكن العقل فيه،
لاسيما على أصولهم فى الاشتراك الذى يذكرونه فى كتبهم بين الدماغ والقلب، نعم وهم
يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكًا وينصون (٤) فى كتبهم على أن المالنخونيا على
قسمين شرًا سبعية وهى أبخرة عندهم تصعد من نواحٍ قريبة من المعدة ، وقد يكون برأس
المعدة خلط يبخر لأعلى فيتغير العقل ، وهذا منهم نقضٌ لاستدلالهم ، والنوع الآخر دماغية
وهو من فساد مزاج الدماغ ، والعلم عندهم عليهما أن ما دام على وتيرة واحدة وهو من
الدماغ وما كان تختلف الأزمان فيه فهو من أسفل البدن ، فإذا صعد البخار تحرك وإذا سكن
سكن .
قال القاضى : تأمل قول النعمان بن بشير فى هذا الحديث : سمعت رسول الله عَ﴾﴾
يقول ، وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه ، يصحح سماع النعمان بن بشير عن النبى - عليه
السلام - كما قال أهل العراق ، ويرد ما ذكر يحيى بن معين عن أهل المدينة أنهم لا
يصححون له سماعاً من النبى ◌ّ . وقد ذكر البخارى (٥) حديثه هذا من طرق ، وفى
(١) الحج ٤٦.
(٢) ق : ٣٧ .
(٣) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم فى ظ .
(٤) فى ع : وتصدق.
(٥) البخارى ، ك البيوع، ب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات (٢٠٥١).

٢٩٠
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات
ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - عَنِ ابْنِ
عَجْلاَنَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الُّغَمَانِ بَّنِ بَشِيرٍ، عَنِ
الَِّّ ◌َةِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيّرَ أَنَّ خُّدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَثَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأَكْثَرُ.
١٠٨ - ( .. ) حدّثْنَا عَبّدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ
جَدِّى، حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنَّ أَبِى هِلاَلَ، عَنْ عَّوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
عَامِرِ الشَّعْبِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ثُعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ بْنِ سَعْدِ - صَاحِبَ رَسُولَ اللهِعَ ـ وَهُوَ
يَخْطَبُ النَّاسَ بحمْصَ، وَهُوَ يَقُولُ: سَمَعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: ((الْحَلاَلُ بَيِّنٌ،
وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ )). فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِىِّ. إِلَى قَوْلِهِ: (( يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ
فیه)).
٠
بعضها : عن النبى معَّ، وفى بعضها : فإن النبى قسمها على علة الحديث . وقد جاء فى
الحديث الآخر فى صدقة ابن علية وإشهاده النبى له وقول النبى: (( متى ذلك؟ )) وقد حكاه.

٢٩١
كتاب المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه
(٢١) باب بیع البعير واستثناء ركوبه
١٠٩ - (٧١٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا زَكَريَّاءُ، عَنْ
عَامر، حَدَّثَنِى جابرُ بْنُ عَبْدِ الله؛ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَل لَهُ قَدْ أَعْيَا ، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيَِّهُ.
قَالَ: فَلَحِقَنِى النَّبِىُّعَهُ، فَدَعَالِى وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَالَ: ((بعْنيه بوُقِيَّةً ».
قُلْتُ: لا. ثُمَّ قَالَ: ((بعْنِيهِ)) ، فَبَعْتُهُ بُوُقِيَّةٍ. وَاسْتَنْتَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلاَتَهُ إِلَى أَهْلِى، فَلَمَّا
بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَتَقَدِّنَى ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِى أَثَرِى. فَقَالَ: (( أَثْرَانِى
مَاكَسْتُكَ لِآَخُّذَ جَمَلَّكَ ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ ، فَهُوَ لَكَ)) .
( ... ) وحدّثَنَاه عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا عَيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ
عَامِرٍ ، حَدَّثِى جَابِرُ بْنَّ عَبْدِ اللهِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ ثُمَيْرٍ .
١١٠ - ( ... ) حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لعُثْمَانَ - قَالَ
إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ
الله . قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ، فَتَلاَحَقَ بِى، وَتَحْتِى نَاضِحٌّ لِى قَدْ أَعْيَا وَلاَ يَكَادُ
يَسيرُ. قَالَ: فَقَالَ لِى: (( مَا لَبَعِيرَكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: عَليلٌ. قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهُِّ
فَزَّجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيَّنَ يَّدَىِ الإِيلِ قُدََّمَهَا يَسِيرُ. قَالَ: فَقَالَ لِى: ((كَيِّفَ تَرَى
وذكر مسلم حديث جابر وجمله وبيعه له من النبى معَّه ، على أن له فقار ظهره إلى
المدينة، وزجر النبى ◌َّ له وانطلاقه أمام الإبل بعد قد أصابته بيركته عَّه . وفى قوله :
((بل بِعْنِيه)) جواز طلب البيع من الرجل سلعته إبراءً وإن لم يعرضها للبيع . وقد مضى
الكلام على ما يسمى بأحكام النكاح والخلاف فى معنى قوله: (( تُلاعِبُكَ وتلاعِبُها)) والحض
على ركعتى المسافر إذا قدم . وفيه جواز الزيادة والرجحان فى ثمن المبيع كثر أو قل ، كان
فى مجلس القضاء أو بعده ، وبهذا قال مالك وكافة العلماء ، واختلف أصحاب مالك فى
الزيادة فى الاقتضاء من السلف فى المجلس ، إذا كانت الزيادة عدداً أو زيادة وزن وأجازوه
فى غير المجلس ، وأجاز ذلك بعض أصحابنا بكل حال فى الوزن والكيل فى المبيع على
البائع وفى الثمن على المشترى ، إذ توفيه ما يأخذ من كل واحد منهما عليه .

٢٩٢
كتاب المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه
قال الإمام : من الناس من أجاز بيع الدابة واستثناء البائع ركوبها ؛ أخذاً بظاهر هذا
الحديث ، وأما مالك فيجيزه بشرط أن تكون مسافة هذا الركوب قريبة ويحمل هذا الحديث
عليه ، وأمَّا أبو حنيفة والشافعى فيمنعانه أصلاً لنهيه عَّ﴾ عن بيع الثنيا وعن بيع وشرط ،
وكأنهما يريان أن هذا لم تكن فيه حقيقة البيع ؛ لأنه أعطاه الجمل والثمن لما وصل إلى
المدينة، أو كان شرط الركوب لم يكن مقارناً للعقد ، ويرون أن التعلق بنهيه عمله عن بيع
الثنيا وعن بيع وشرط أولى من هذه الفعلة المحتملة ، ونحن نخص الحديثين بهذه الفعلة ؛
لأنهما عمومان وهذه أخص منها ، والخاص يقضى على العام . ورده الجمل عليه لا يناقض
كون الأول بيعاً ، وليس من وهب ما اشتراه بعد حجة اشترائه رافعاً لكونه مشترياً له أولا ،
ولو ارتفع شراؤه وسقط لارتفعت هبته وسقطت ، فلا يصح حمل الحديث على أنه لم
يقارن البيع هذا الشرط مع قوله: ((فبعته إياه على أن لى فقار ظهره))، وهذا نص فى
الاشتراط عند البيع . وقد اختلفت الأحاديث فى الشروط ، ومن لم يكن يتفطن ذلك
ونيابها اضطرب الأمر عليه .
وقد حكى أن رجلا استفتى أبا حنيفة عن بيع وشرط ، فقال : هما باطلان ، ثم
استفتى ابن شبرمة فقال : هما صحيحان ، ثم استفتى ابن أبى ليلى فقال : البيع صحيح
والشرط باطل . قال السائل : فقلت : سبحان الله ، ثلاثة من فقهاء القرآن اختلفوا على
فى مسألة واحدة هذا الاختلاف ! وأتى أبا حنيفة فأعلمه بما قال صاحباه ، فقال : نهى النبى
* عن بيع وشرط، وأتى ابن شبرمة فاحتج له بحديث جابر هذا، وأتى ابن أبى ليلى
فاحتج له بحديث بريرة المتقدم .
ونحن نبين الأحاديث فنقول : من الشروط ما يفسد العقد ، ومنها مالا يفسده . فما
كان منهما من مقتضى العقد - كالتسليم - أو مصلحته - كالرهن والجعل - صح البيع
والشرط، وما كان ينافى موجب العقد ويدخل فى الغرر والجهالة بالمبيع فسد العقد والشرط.
وكان شيخنا - رحمه الله - يقول : ما لا فائدة فيه ولا يؤدى إلى فساد فى البيع ولا يزاد
فى الثمن ولا ينقص منه لأجله ، فهذا الذى قد يقول فيه بعض أصحابنا : البيع صحيح
والشرط باطل. وقال بعض الناس: قول جابر: ((وزن لى ثمن البعير فأرجح لى فيه ))
دلالة على جواز هبة المجهول .
وقوله: ((أفقرنى ظهره)): الإفقار فى اللغة : إعارة الظهر للركوب .
قال القاضى: [المماكسة] (١) معناها : المكالمة فى النقص من الثمن . وأصلها من
النقص، ومنه : مكس العشار ، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس . والناضح :
(١) هكذا فى الأصل ، وفى الأبى : المكايسة .
-

٢٩٣
-
كتاب المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه
بَعِيرَكَ؟ )). قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرِ ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَالَ: (( أَفَتَبِيعُنيه؟)) فَاسْتَحْيَيْتُ،
وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ. قَالَ : فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، عَلَى أَنَّلِى فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ
الْمَدِيَنَةَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّى عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ، فَأَذْنَ لى، فَتَقَدَّمْتُ
النَّاسََ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى انْتَهَيْتُ . فَلَقِيَنِى خَالِى فَسَأَلَنِى عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرَتُهُ بِمَا صَنَعْتُ
فيه ، فَلَمَنِى فِيهِ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِعَّهِ قَالَ لَى حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: (( مَا تَزَوَّجْتَ ؟
أَبِكْرًا أَمْ تًَّا؟ )). فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ نَيِّبَا. قَالَ: (( أَفَلاَ تَزَوَّجْتَ بَكْرًا تُلاَعِبُكَ
وَتُلاَعِبُهَا؟)). فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، تُوُقِّىَ وَالدى - أَو اسْتُشْهِدَ - وَلَى أَخَوَاتٌ صِغَارٌ،
فَكَرَهْتُ أَنْ أَنَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلاَ تُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ نَّا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ
وَتُؤَدَِّهُنَّ. قَالَ: فَلِمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ عَِّ الْمَدِينَةَ ، غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِ ثَمَنَهُ،
وَرَدَّهُ عَلَىَّ.
١١١ - ( .. ) حدّثْنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ
ابْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ عٍَّ، فَاعْتَلِّ
جَمَّلَى. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقْصَّتِهِ. وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِى: ((بِعْ لَى جَمَلَكَ هَذَا)). قَالَ: قُلْتُ:
لاَ ، بَلْ هُوَ لَكَ. قَالَ: ((لَاَ، بَلْ بَعْنِيهِ)). قَالَ: قُلْتُ: لاَ، بَلْ هُوَ لَكَ، يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ:
الجمل ، ومن تفسيره : ومضى أهل قسيمته بذلك . وفى حديث جابر ابتداء المشترى بذكر
الثمن .
وقوله: ((على أن لى فقار ظهره)): كناية عن الركوب عليه ، كما بينه فى الحديث
الآخر . وفقار الظهر: مفاصل عظامه. وصرار ، بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء ، وكذا
رواه بعض رواة البخارى: هو موضع قريب من المدينة. وقيده الدارقطنى والخطابى وغيرهما،
وكذا عند أكثر شيوخنا ، وقال الخطابى : هى بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة على
طريق العراق ، والأشبه عندى أنه موضع لا بئر ، بدليل قول الشاعر :
لعل صراراً أن تجيش بيارها
وإليها ينسب محمد بن عبد الله الصرارى. وعند الصدفى والعذرى: ((ضراراً)) بضاد
معجمة ، وعند الصدفى عن العذرى وهو خطأ وكذا لابن الحذاء فيما رواه البخارى وحجة
فى نفس الروايات .

٢٩٤
كتاب المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه
((لَاَ، بَلْ بِعْنِيهِ)). قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُل عَلَىَّ أُوْقِيَّةَ ذَهَب، فَهُوَ لَكَ بِهَا. قَالَ: (( قَدْ
أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ )). قَالَ: فَلَّمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِعَّ لبلال:
(( أَعْطِه أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَب، وَزَدْهُ)). قَالَ: فَأَعْطَانِى أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَب ، وَزَادَنَى قِيرَاطًا. قَالَّ:
فَقُلْتُ: لاَ تُفَارِقُنى زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ عَُّ. قَالَ: فَكَانَ فِى كِيسٍ لِى، فَأَخَذَه أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ
الحَرَّةِ.
١١٢ - ( ... ) حدّثنا أُبُو كامل الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَاد، حَدَّثَنَا
الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ◌َ فِى سَفَرٍ،
فَتَخَلَّفَ نَاضِحِى. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فيه: فَنَخَسهُ رَسُولُ اللهِ عَةٍ. ثُمَّ قَالَ لِى :
(رُكَبْ بِاسْمِ اللهِ)) وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ: فَمَا زَالَ بَزِيدُنِى وَيَقُولُ: (( وَهُ يَغْفِرُ لَكَ)).
١١٣ - ( ... ) وحدّثَنِى أَبُو الرَّبيع الْعَتْكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابٍ ، قَالَ: لَمَّا أَتِى عَلَىَّ النَّبِىُّ ◌َّهِ، وَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِى، قَالَ: فَتَخَسَهُ فَوَثَبَ،
فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَّ أَحْبسُ خِطَامَهُ لأَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَحِقَنِى النَّبِىُّ ◌َِّ فَقَالَ:
((بعْنيه )) ، فَبَعْتَهُ مِنْهُ بِخَمْس أَوَاق. قَالَ: قُلْتُ: عَلَى أَنَّلِى ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةَ. قَالَ :
((وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَة) . قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَيُهُ بِهِ ، فَزَادَتِى وُقِيَّةَ، ثُمَّ وَهَبَهُ
لِی.
٢٣٥/ ب
وقوله : أنه باعه بخمس أواق / ، فزادنى أوقية ، وفى بعضها : بأوقيتين ودرهم أو
درهمين، وفى بعضها : بأوقية ذهب، وفى رواية: بأربعة دنانير ، وفى الأخرى : بأوقية،
ولم يقل: ذهبا . وقد ذكر البخارى(١) اختلاف بعض الروايات ، وزاد قول من قال عن
سالم عن جابر : بمائتى درهم ، وقول أبى نضرة عن جابر : بعشرين دينار ، وقول ابن
القاسم عنه : أحسبه بأربع أواق . قال البخارى : وقول الشعبى : بأوقية ، إنما هو الأكثر.
قال أبو جعفر الداودى : ليس أوقية الذهب وزن يحفظ ، وأمَّا أوقية الفضة فأربعون درهما.
أما اختلاف هذه الروايات فبسببه الحديث على المعنى ، وبمثل هذا يحتج من غير ذلك .
وقال : أما فى الحديث الواحد قد حدث به جماعة من الصحابة والتابعين بالألفاظ مختلفة
وعبارات متقاربة ترجع إلى معنىّ واحد ، وإنما قاله النبى - عليه الصلاة والسلام - مرة
(١) البخارى، ك الشروط، ب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز (٢٧١٨) .

٢٩٥
-
كتاب المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه
١١٤ - ( ... ) حدّثْنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمَ الْعَمِّىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَقَ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ
ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ الله
◌َُّ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ - أَظْنُّهُ قَالَ: غَازِيًا - وَقْتَصََّ الَحَدِيثَ وَزَادَ فيه : قَالَ: ((يَا جَابِرُ ،
أَتَوَقَّيْتَ الثَّمَنَ؟)) قُلْتَّ: نَعَمْ. قَالَ: ((لَكَ الثَّمَنُ وَلَكَ الْجَمَلُ، لَكَ الثَّمَنُ وَلَكَ الْجَمَلَّ)).
١١٥ - ( ... ) حدّثْنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شْعْبَةُ، عَنْ
مُحَارِبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبِّدِ اللهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنِّى رَسُولُ اللهِ عَُّ بَعِيرًا بوُقَّتين
وَدِرْهَّمٍ أَوْ دِرْهَمِيْنِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرةِ فَذُبَحتْ، فَأَكَلُوا مِنْهَاَ. فَلَّمََّ قَدِمَّ
الَّذِينَةِ أُمَرِنِى أَنْ آَتِى الْمَسْجِدَ فَأَصَلَّى رَكْعَتَيْن، وَوَزَّنَ لِى ثَمَنَ الْبَعِيرِ فَأَرْجَحَ لِى.
واحدة وفى قصة متعددة .
فأمَّا ذكر ذهب الأوقية المهملة فيفسرها قوله: ((أوقية ذهب))، وإليه يرجع اختلاف
الألفاظ؛ إذ هى فى رواية سالم بن أبى الجعد [عن جابر] (١) مفسرةً بقوله: ((إن لرجلٍ
علىَّ أوقية ذهب)) فهؤلاء بها ، ويكون قوله فى الرواية الأخرى: (( فبعته منه بخمس أواق))
أى من فضة ، صرف أوقية الذهب حينئذ ، كأنه أخبر مرة عما وقع به البيع أوقية الذهب،
أو لأمره عما كان به القضاء من عدلها فضة أخرى - والله أعلم .
وبعد هذا قوله: ((خذ جملك ودراهمك))، ورواية من قال: ((مائتى درهم))؛ لأنه
خمس أواقٍ، أو يكون هذا كله زيادة على الأوقية كما قال: ((فماذا لو زيد)).
وأما ذكر الأربعة الدنانير فموافقة للأوقية ؛ إذْ قد يحتمل أن يكون وزن أوقية الذهب
حينئذ وزن أربعة دنانير كبار ؛ لأن دنانيرهم كانت مختلفة ، وكذلك دراهمهم على ما بيناه
فى الزكاة ؛ ولأن أوقية الذهب غير مخففة الوزن بخلاف الفضة ، ويكون المراد بذلك أنهما
صرف أربعين درهماً ، فأربعة دنانير موافقة لأوقية الفضة ؛ إذ هى غير قيمته. ثم قال:
(«أوقية ذهب)) كأنه أخذ عن الأوقية عدلها من الذهب الدنانير المذكورة ، وإلى هذا نحا
البخارى (٢) فى الجمع بين الروايتين ، أو يكون ذكر الأربعة الدنانير فى ابتداء المماكسة
وانعقد البيع بوقية .
(١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش.
(٢) البخارى ، ك الشروط، ب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز (٢٧١٨).

٢٩٦
كتاب المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه
١١٦ - ( ... ) حدّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبيب الْحَارِثِىُّ، حَدَّثْنَا خَالدُ بْنُ الْحَارث، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا مُحَارِبٌ، عنْ جَابٍ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ بِهَذِه الْقِصَّةَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاشْتَرَاهُ مِنِّى
بَثَمَن قَدْ سَمَّهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُفِيَيْنِ وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرَّمَمَّنِ. وَقَالَ: أَمَرَ بِبَقَرَةِ فَنُحِرَتْ، ثُمَّ
فَسَمَّلَحْمَهَا .
١١٧ - ( ... ) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ،
وأما قوله: ((أوقيتان)): يحتمل أن الواحدة هى التى وقع بها البيع ، والثانية زاده
إياها ، ألا تراه كيف قال فى الرواية الأخرى: ((فزادنى الأوقية))، وذكره الدرهم أو
الدرهمين مطابقة لقوله: ((وزادنى قيراطاً)). فى بعض الروايات: أنه أرجح له فى كل
دينار قيراطاً ، وإنها الزيادة التى زاده أولا ، فذكر مرةً قيراطاً فى هذه الرواية وشك فى هذه
الرواية فى مقدار الزيادة ، إذ صرف قيراط الذهب على ما كان قبل درهم ونحوه ؛ لأن
دنانيرهم كان بعضها من عشرة قراريط ، وبعضها من عشرين قيراطاً ، فوجد بناء هذه
الروايات المختلفة لهما مرويا . والجمع بينها وترتيب منازلها أنه - عليه السلام - أوتر أو
أعطاه أربعة دنانير حين ساومه به ، ولم ينعقد البيع بذلك ولا أمضاه جابر ، وإنما أمضاه
له بأوقية الذهب، ألا تراه إنما قال له: (( قد أخذت منك أربعة دنانير)) ولم يرد فى هذا
الحديث على ذلك .
وفى الحديث أنه ماكسه فى البيع ثم أمضاه له بأوقية ذهب ، وبها انعقد البيع ، كما
بينه فى حديث سالم بن أبى الجعد ، وهذا يضاعف تأويل البخارى أن الأوقية دراهم توافق
أربعة دنانير ، وقول البخارى (١) هذا يكون على حساب الدينار بعشرة دراهم ، وقد تفسر
فى الحديث أنها أوقية ذهب؛ وبدليل قوله فى الرواية الأولى: ((عشرين ديناراً)) إذْ كانت
دنانيرهم مختلفة ، فيها ما هو من درهم وثلثين ، ومن درهم وثلاثة إصاع ، ومن ثلاثة
دراهم . فقد يحتمل إذا اجتمعت منها عشرون كان وزنها أربعين درهما وهى أوقية ، ويكون
ما فى الرواية الأخرى من ذكر الخمس الأواقى خبراً عما وقع به الاقتضاء ، وأن هذه الخمس
الأواقى دراهم ؛ بدليل قوله فى الرواية الأخرى: (( خذ جملك ودراهمك))، وفى الرواية
الأخرى: ((مائتى درهم)) وذلك صرف العشرين ديناراً لكل دينار عشرة دراهم ، وذكره
أوقية الذهب. وأمَّا رواية ((أربع))، فغير شك فيه روايتان، ولا تعتبر. وكذلك الرواية
باقتضاء أربعة ، دنانير وهم ، / ولأن سائر الروايات تخالفهما ، وكذلك فى الرواية
١/٢٣٦
(١) البخارى ، ك البيوع، ب إذا اشترط البائع ظهر الدابة ٢٤٨/٣.

كتاب المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه
-٢٩٧
عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابر ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َهُ قَالَ لَهُ: ((قَدْ أَخَذْتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانيرَ ، وَلَكَ
ے
ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ )) .
الأخرى: ((أوقيتين))، أى الأولى التى وقع بها البيع من الذهب ، وزاده كما بين ذلك
فى الحديث المتقدم: (( وزادنى أوقية )) فيحتمل أن يكون ذهبا ، ويحتمل أن تكون فضة ،
ألا تراه قال: ((فما زال يزيدنى))، وتكون زيادة الأوقية زيادة فى عدد الأواقى ، كل ذلك
تفضل منه وإحسان، ثم زاده زيادةً فى الوزن والرجحان . وقوله: (( فزادنى قيراطاً )) وهو
وفق الدرهم أو الدرهمين فى الرواية الأخرى ، كما بيناه - والله أعلم .
وقوله: (( فما زال يزيدنى ويقول : والله يغفر لك)) جاء فى هذه الرواية فى كتاب
النكاح : قال أبو نضرة : وكانت كلمةً يقولها المسلمون : افعل كذا وكذا والله يغفر لك .
وقوله فى حديث ابن نمير: « أترانى ماكستك لآخذ جملك ؟ خذ جملك ودراهمك»:
كذا عند كافة شيوخنا وعامة الرواة ، وغيره زاد: ((على اثنى عشر لآخذ جملك ؟ خذ
جملك )) .

٢٩٨
كتاب المساقاة / باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه ... إلخ
(٢٢) باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه
و« خیر کم أحسنكم قضاء »
١١٨ _ (١٦٠٠) حدّثنا أبو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب،
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله
عَّ اسْتَسْلَفََ مِنْ رَجُلِ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبَلَّ مِنْ إِيَّلِ الصَّدَّقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعِ أَنَّ
يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَّجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدَ فِيَهَا إِلَّ خِيَارًا رَبَاعِيًا. فَقَالَ:
(أَعْطَه ◌ِيَّاهُ، إِنَّ خَيَارَ النَّاسِ أَخْسُهُمْ قَضَاءً)».
١١٩ - ( ... ) حدّثنا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ جَعْفَر،
سَمِعْتُ زَيْدَ بَنَ أَسْلَمَ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارِ عَنْ أَبِى رَافِع - مَوْلَى رَسُولِ اللهِلَّه ◌ِ قَالَ:
وقوله: ((استسلف بكراً ، فقضى جملاً [خياراً ] (١) رباعيا))، وفى رواية الطبرى:
((رباعاً)) الحديث: فيه جواز الاستسلاف والأخذ بالدين للضرورة. وقد كان - عليه السلام -
يستقرض الدين والمغرم ، لكن دعته الضرورة إلى ما كان يكره من ذلك لحكم زهده فى
الدنيا ورغبته عنها ، ولو شاء لكان على غير ذلك ؛ إذ خيره الله - تعالى - فى ذلك ،
فاختار التقلل والقناعة . وقد قال أبو عبيد الهروى : الدين ما كان لأجل ، والغرم ما ليس
لأجل .
وفيه جواز استسلاف الحيوان ، وهو قول كافة العلماء ، ولا خلاف بينهم فى جواز
استسلاف ما له مثل فى العيش والمكيل والموزون . وأجاز جمهور العلماء استسلاف سائر
الأشياء من الحيوان والعروض ، واستثنوا من ذلك الجوارى ، وعلته أنه قد يردها بنفسها
فتكون من عارية الفروج . وأجازه بعض أصحابنا بشرط أن يرد غيرها ، وأجاز استقراض
الجوارى الطبرى والمزنى ، وروى عن داود الأصبهانى . ومنع الكوفيون، فدخل جميع
الحيوان ، وهذا الحديث حجة عليهم ، وليس للسنة موقع وليس دعواهم (٢) النسخ بغير
حجة تدفعها . وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجوز استقراض غير المكيل والموزون ، وذكر
عن داود .
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت من الهامش بسهم.
(٢) هكذا فى الأصل ، ولعلها : دعواه .

٢٩٩
-
كتاب المساقاة / باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه ... إلخ
اسْتَسْلَفَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ بَكْرًا. بِمِثْلِه. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ».
١٢٠ - (١٦٠١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمْدُ بْنُ
جَعْفَرِ، حُدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَّبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ : كَانَ
لِرَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَُّ حَقٌ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِّ عَِّ. فَقَالَ النَُّّ ◌َهِ:
(إنَّ لِصَاحِبِ الْخَقِّ مَقَالاً)). فَقَالَ لَّهُمُ: ((اشْتَرُوا لَهُ سِنَا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ)). فَقَالُوا: إِنَّا لا نَجِدُ
إِلَّ سَنًا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ. قَالَ: ((فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِنَّهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ خَيْرَكُمْ.
أَحْسَنَكُمْ قَضَاءٌ » .
قال الإمام : قد نهى - عليه السلام - عن سلف جرَّ منفعة ، وهذا سلف جرَّ منفعة ،
فلابد من بناء الحديثين فيقول : النهى محمول على ما كان من المنفعة اشترط فى أصل
القرض ، وهذا لم يشترط ؛ فلهذا أجاز ، لكن المشهور عندنا فى المذهب فى العدد منهى
عنها وإن لم تشترط فى أصل القرض ، وكأنهم يرون هذا الحديث مخصصاً لحديث النهى
ولم يرد إلا فى زيادة الصفة فلم يتعد به ما ورد فيه . والبكر من الإبل كالغلام من الناس .
والقلوص ههنا كالجارية من النساء ، والذى استكمل منها ست سنين ودخل فى السابعة يقال
له : رباع ، والأنثى رباعية ، بتخفيف الياء .
قال القاضى : قال أبو عبيد : إذا ألقى البعير رباعيته - وذلك فى السابعة - فهو رباع،
والرباعيات - بتخفيف الياء - أربع أسنان تلى الثنايا من جوانبها خرجوا فيها . وقد استدل
بهذا الحديث من يجيز تقدم الصدقة قبل الحول ؛ لأنه - عليه السلام - لم يستسلف لنفسه ،
إذْ لو استسلف لنفسه لم يقضه من إبل الصدقة إذ كانت لا تحل له ، فدل أنه إنما استسلفها
لأصلها من أرباب الأموال . قالوا : ويحتمل أن يكون هذا الذى استسلفت منه مما لا زكاة
فيه، إذْ لو كان ذلك لما ردها النبى ، وحجة من لا يجيز تعجيلها . ومعنى الحديث عندهم:
إمَّا أن يكون استقرضها غيره على ذمته بأمره ، فلما حانت الصدقة وقبضت دفعها إليه وكان
من الغارمين ، كما جاء فى حديث عبد الله بن عمرو : أنه أمره - عليه السلام - بتجهيز
جيش فنفدت الإبل فأمرنا أن يأخذ على قلائص الصدقة (١) ، وبهذا يندفع اعتراض من
اعترض كيف ترد من أموال المساكين ما هو خير وأفضل وإنما يفعل المرء ذلك فى ماله ،
وذلك أنا قلنا : إنه إذا كان المستقرض غريماً حل له ما أخذ من الصدقة ، وإن كان فوق
حقه . وقد يكون المستقرض منه من تحل له الصدقة ؛ إما لأنه لم يكن له مال إلا ما أقرض
أو أصابته جائحة بعد الاقتضاء عند الانتظار من أهل الصدقة / ، فكانت الزيادة له من أموال
(١) الدار قطنى، ك البيوع ٣/ ٧٠ (٢٦٣).
٢٣٦/ ب

كتاب المساقاة / باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه ... إلخ
٣٠٠ -
١٢١ - ( ... ) حدّثَنَا أَبُو كُرَيّب، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
كُهَيّلٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَّةَ، قَالَ : اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ سنا، فَأَعْطَى سِنا
فَوْقَهُ. وَقَالَ: «خيَارُكُمْ مَحَاسِنُكُمْ قَضَاءٌ » .
١٢٢ - ( ... ) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَقَاضَى رَسُولَ الله ◌ِّ
بَعِيرًا. فَقَالَ: (( أَعْطُوهُ سِنَا فَوْقَ سِنّهِ)). وَقَالَ: (( خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً » .
٠
المساكين جائزة ، وقيل : بل كان هذا كله قبل تحريم الصدقة على النبى وآله وتحريمها على
الأغنياء .
وفيه حجة على جواز استقراض الإمام للمساكين والمسلمين ، كما يجوز ذلك لوصى
الأيتام لأنه الناظر لهم . وفيه حجة لجواز السلم فى الحيوان أنه إذا جاز قرضه بصفة تحصره
ويرد مثله جاز السلم فيه ، والخيار : المختار من الإبل ، يقال للذكر والأنثى .
وقوله: ((فأغلظ له، فهمَّ به أصحاب رسول الله عَّي)): يحتمل أن إغلاظه إياه كان
فى طلب حقه وتشدده فيه لا فى كلام مؤذٍ يسمعه إياه ، فإن ذلك يُعَدُّ مَعْبَةٌ مع النبى - عليه
السلام - وقد يكون الفاعل هذا غير مسلم من اليهود أو غيرهم ، كما جاء مفسراً منهم فى
خبر هذا الحديث .
وقوله: ((خيركم محاسنكم قضاءً)): أى ذوى المحاسن، سماهم بالصدقة والمعروف.
أحاسنكم جمع أحسن ، كما جاء فى حديث آخر: (( أحسنكم قضاء )) وقيل: يكون
محاسنكم جمع محسن، بفتح الميم، وجاء فى هذا الخبر فى حديث محمد بن بشار: (( إنا
لا نجد إلا سنا هو خير من سنه)) وكان عند الصدفى: ((لا نجد إلا سنا إلا هو خير من
سنه))، والصواب إسقاط ((إلا)) الواحدة منها على الروايتين المتقدمتين، وأمَّا مجمعهما
فيحتمل بهم الكلام .
,٠