Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب المساقاة / باب الأمر بقتل الكلاب ... إلخ
(١٠) باب الأمر بقتل الكلاب ، وبيان نسخه ، وبيان تحريم اقتنائها
إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك
٤٣ - (١٥٧٠) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِكِ ، عَنْ نَافِعِ ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ ؛ أَن رَسُولَ الله عَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ.
٤٤ _ ( .. ) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِقَتْلِ الْكِلَبِ، فَأَرْسَلَ فِى أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ أَنْ
تُقْتَلَ .
٤٥ _ ( ... ) وحدّثّنى حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُفَضَّل - حَدَّثْنَا
إِسْمَاعيلُ - وَهُوَ ابْنُ أُميَّةَ - عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَِّ يَأْمُرُ بِقَتْل
الْكَلاَبِ ، فَنَنْبَعثُ فِى الْمَدِينَةِ وَأَطْرَّافِهَا فَلاَ نَدَعُ كَلْبَا إِلَّ قَتَلْنَاهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَّ
الْمُرَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، يَتْبَعُهَا .
وقوله: ((أمر رسول الله عَّه بقتل الكلاب))، وفى الحديث الآخر: ((إلا كلب
صيد، أو كلب غنم، أو ماشية))، وفى حديث آخر: (( عليكم بالأسود البهيم ذى
النقطتين، فإنه شيطان))، وفى الآخر: (( ما بالهم وبال الكلاب ، ثم رخص فى كلب
الصيد وكلب الغنم))، وفى الحديث الآخر: ((وكلب الزرع))، قال الإمام : أما إذا
حبست الكلاب لغير منفعة وحاجة إليها ، فإن ذلك ممنوع منه ؛ لما فيها من ترويع المسلمين
والتوثب عليهم ، وإذا دعت الضرورة لاقتنائها للتكسب بها فى الصيد أو حراسة المال،
كانت الحاجة إليها فى تكسب المال أو حراسته تدعو لإجازة اقتنائها .
وقد اختلف الناس فى اتخاذها لحراسة الدور ، هل يجوز ذلك ؟ قياسا على ما وقع فى
الحديث من إجازة اتخاذها لحراسة الزرع والضرع ، أم لا يجوز ذلك ؟ وقد اعتل بعض
أصحابنا للنهى عن اتخاذها لحراسة الديار بأن فى ذلك مضرة وترويعاً للناس، وهى إنما تتخذ
حراسة من السارق، وقد تؤذى - إذا كانت فى الديار - من ليس بسارق ومن لم يسرق
بعد. وفى الحديث: ((أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب)) (١) وهذا المعنى هو المفرق بين
اتخاذها فى الديار واتخاذها لما ذكر فى الحديث ، وكذلك - أيضا - تنازع العلماء فى كلب
(١) سيأتى ، ك اللباس ، ب تحريم تصوير صورة الحيوان.

٢٤٢
كتاب المساقاة / باب الأمر بقتل الكلاب ... إلخ
٤٦ - (١٥٧١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا حمَّادُ بْنُ زَيْد، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَار ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَب، إِلَّ كَلِبَ صَيْدٍ أَوْ كَلَبَ غَمْ ، أَوْ
مَاشِيَةٍ. فَقِيلَ لَاِبْنِ عُمَرَ : إِنَّأَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: أَوْ كَلِبَ زَرْعٍ. فَقَالَ أَبْنُ عُمَرَ : إِنَّ لأَبِى
هُرَيْرَةٌ زَرْعًا.
٤٧ _ (١٥٧٢) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَف، حَدَّثَنَا رَوْحٌ . ح وَحَدَّثَنِى
إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيِّج، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِقَتْلِ الْكِلاَّبِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرَأَةَ تَقْدَمُ
مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلِهَا فَقْتُ ، ثُمَّنَهَى النَّبِىُّ ◌َهُ عَنَ قَتْلِهَاَ، وَقَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِى
النُّقْطَيْنِ ، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ)) .
٤٨ _ (١٥٧٣) حدّثْنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى التَّاحِ،
سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ الَمُغَفَّلِ ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ. ثُمَّ
قَالَ: ((مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلاَبِ؟ )) ثُمَّ رَخَّصَ فِى كَلْبِ الصَّيِّدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ.
٤٩ - ( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثْنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِى
مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّنَا يَخْبَى بْنُ سَعِيدٍ. حَ وَحَدَّثَنِىَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَنُ
الصيد إذا اتخذه من ليس بصايد ، هل يجوز ؟ أخذا بظاهر هذا الحديث أو ينهى عن ذلك،
ويكون معنى الحديث إلا كلب صيد للصائد به .
قال القاضى : ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث فى قتل الكلاب ، إلا ما
استثنى من كلب الصيد وما ذكره معه ، وهو مذهب مالك وأصحابه . ثم اختلف القائلون
بهذا ، هل حكم كلب الصيد وما ذكر معه منسوخ من العموم الأول ، وأن القتل كان عاما
فى الجميع ؟ أم كان مخصوصا على ما جاء فى بعض الأحاديث ؟ وذهب آخرون إلى جواز
اتخاذ جميعها ونسخ الأمر بقتلها والنهى عن اقتنائها ، إلا ما خصه آخرا من الأسود البهيم.
وقوله: ((ما لى والكلاب )) والذى عندى فى تنزيل هذه الأحاديث أو ظواهرها
تقتضى أولا النهى العام عن اقتنائها والأمر بقتلها ، ثم تحمل الأحاديث الأخر على نسخ
العموم باقتصار القتل على الأسود ، ومنع الاقتناء إلا لكلب الصيد والضرع والماشية ، وقد
أشار بعضهم إلى منع القتل فيما عدا الأسود يدل على جواز اقتنائه وليس نهى وجوب .
وقول ابن عمر - لما سمع فى حديث أبى هريرة: ((أو كلبَ زرع)) -: ((رحم الله

٢٤٣
كتاب المساقاة / باب الأمر بقتل الكلاب ... إلخ
جَعْفَر. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى،
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيْرٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ .
وَقَالَ ابْنُ حَاتِمِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَحْبَى : وَرَخَّصَ فِى كَلْبِ الْغَمِ وَالصَّدِ وَالزَّرْعِ .
٥٠ _ (١٥٧٤) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ نَافِعِ ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( مَن اقْتَنَى كَلْبَا إِلَّ كَلِبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِى، نَقَصَ مِنْ
عَمَلِهِ ، كُلِّ يَوْمٍ قِرَاطَانٍ )) .
٥١ - (.) وحدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
٥٠٠٠٠٠٠٠٠
سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَِّّ ◌َّهُ، قَالَ: « مَنِ اقْتَنَى كَلَا إِلا
كَلَبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِرَاطَانٍ )) .
٥٢ _ ( ... ) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْر - قَالَ يَحْيَى
ابْنُ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوْ ابْنُ جَعْفَر - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
دِينَارِ؛ أَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: (( مَنِ اثْتَتَى كَلْبًا إِلَّ كَلْبَ ضَارِيَّةً أَوْ
مَاشِيَةً، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِرَاطَانٍ )) .
٥٣ _ ( ... ) حدّثْنَا يَحْنَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أُّوبَ وَقُتَيَِّةُ وَابْنُ حُجْر - قَالَ يَحْتَى :
أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّد - وَهُوَ ابْنُ أَبِى حَرْمَّلَةَ - عَنْ سَالِمِ
ابْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: (( مَنَ اقْتَتَى كَلْبًا إِلَّ كَلبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلبَ
صِيٍّ، فَقَصََّ مِنْ عَمَّلَهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيَرَاً)».
قَالَ عَبْدُ الله: وَقَالَ أُبُو هُرَيْرَةَ: ((أَوْ كَلبَ حَرْث)) .
٥٤ _ ( .. ) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْن إِبْراهِيم، أَخْبَرَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ،
عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((من اقْتَنَى كَلباً إِلا كَلبَ ضَارٍ أَوْ مَاشِيَّةٍ،
نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِرَاطَانٍ » .
أبا هريرة كان صاحب زرع )) ليس على تكذيبه واتهامه ، وأن ما قال تصحيح لروايته ؛ لأنه
كما كان صاحب زرع أثبت بحفظ هذه الزيادة ، ويدل على صحتها رواية غير أبى هريرة ،
وقد ذكرها مسلم من رواية عنده ، ومن رواية سفيان بن أبى زهير عن النبى - عليه السلام.

٢٤٤
كتاب المساقاة / باب الأمر بقتل الكلاب ... إلخ
قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ((أَوْ كَلْبَ حَرْث)) وَكَانَ صَاحِبَ حَرْث .
٥٥ _ ( .. ) حدّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ
ابْنِ عَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعََّ: (( أَيُّمَا
أَهْلِ دَارِ اتَّخَذُوا كَلْبَا إِلَّ كَلِبَّ مَاشِيَةٍ أَوَ كَلَبَ صَائِدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ ، كُلَّ يَوْمٍ ،
قِيرَاطَانٍ».
٥٦ - ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَابْنُ بَشَّار - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِى الْحَكَمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ
عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىُّعَّهِ قَالَ: «مَن اتَّخَذَ كَلَا إِلَّ كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمِ أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ
مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِرَاطٌ ».
٥٧ _ (١٥٧٥) وحدّثْنى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولَ اللهِعََّ،
وذكرها مسلم - أيضا - من رواية أبى الحكم ، وهو عبد الرحمن بن أبى نُعم البَجَلَى،
عن ابن عمر . فلعل ابن عمر لما سمعها من أبى هريرة وتحقق هذه اللفظة عن النبى - عليه
السلام - زاده فى حديث بعد - والله أعلم .
وقوله فى حديث داود بن رشيد: ((إلا كلب صائد)): حجة لأحد القولين ، على
اختصاص جواز اتخاذ كلب الصيد لمن يصيد لا لمن لا يصيد ، على ما تقدم . وأكثر
الأحاديث إنما فيها كلب صيد ، وفى حديث يحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب ومن ذكر
معه: ((إلا كلب ضارية)) وتخريجه فى العربية: إلا كلب ذى كلاب ضارية أو إلا كلب
كلاب ضارية. وجاء فى حديث إسحق بن إبراهيم: (( من اقتنى كلبا إلا كلب ضارية ))
فى رواية العذرى وغيره . ويخرج على إضافة الشىء إلى نفسه كقوله / : كماء بارد ومسجد
الجامع ، أو يكون (( ضار)) هنا وصفا للرجل المعتاد للصيد [ كقوله: أو ضارى . هو
للعذرى دون ياء ولغيره دون ياء وللسجزى هنا ضاريا بياء منونة وبعدها ألف وتخريج
الأولى والثانية على إضافة الشيء إلى نفسه ] (١) الضارى : هو المعلم للصيد.
٢٢٦ /أ
وقوله: ((أو ضرع)) مثل قوله: ((أو ماشية))، [ وأجاز غير مالك اتخاذها للتحفظ
من السارق ](٢). وأما إن اتخذ الكلب ليحفظ الدار من السراق، فليس مما أبيح اتخاذه عنده،
وكذلك كلب الزرع، إنما هذا إذا كان يحفظه من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من الحشرات.
(١) مطموسة فى الأصل ، ونقلت بتصرف من الأبى ٤/ ٢٥٥.
(٢) طمس وبياض فى جميع النسخ ، والمثبت من الأبى بتصرف ٢٥٣/٤.

٢٤٥
كتاب المساقاة / باب الأمر بقتل الكلاب ... إلخ
قَالَ: ((من اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبٍ صَيْدٍ وَلاَ مَاشِيَةٍ وَلاَ أَرْضِ ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ
قِرَاطَانٍ، ◌ُلَّ يَوْمٍ)) .
وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَبِى الطَّاهِرِ: ((وَلاَ أَرْضِ)).
٥٨ - ( ... ) حدّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ،
عَنْ أَبِى سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: (( مَن اتَّخَذَ كَلْبًا، إلَّ كَلْبَ
مَاشِيَةٍ أَوْ صَّيِّدٍ أَوْ زَرْعٍ ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيَراطٌ ».
قَالَ الزُّهْرِىُّ: فَذَكرَ لاِبْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِى هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ
صَاحِبَ زَرْعٍ .
٥٩ - ( .. ) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ
الدَّسْتَوَائِىُّ، حَدَّثَنَا يَحَْى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ عَُّ: ((مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ
ماشية )).
٠٠
وقوله : (( انتقص من أجره كل يوم قيراط))، وفى الرواية الأخرى : ((قيراطان))،
وفى الرواية الأخرى: ((نقص من عمله قيراطان)): ومعنى نقص من أجره : [ قيل : إنه
يحتمل بـ ((القيراطان)) جزءًا ما فى نوعين من كلاب ] (١) أحدهما أشدّ أذى من الآخر
لهم، وبسبب الترويع للمسلمين والأذى لهم يكتسب من الإثم ما ينقص من أجر عمله هذا.
[ وقوله: ((نقص من عمله )) وقيل : ينقص مما مضى من عمله، وقيل : من
مستقبله] (٢) لاتخاذه ما نهى عنه وعصيانه فى ذلك . وقيل : بل من امتناع دخول الملائكة
بيته بسببه [ وقيل: بل لما يلحق من ترويع الكلاب ] (٣) ومراقبة أحكام اتخاذه من غسل
الإناء من ولوغها ، ومن نجاستها عند من يراها نجسة فى الاتجار للتملك منه ، ولا يرعى
ذلك ، فيدخل عليه الإثم من أجله فيدخل عليه فى هذه الوجوه من السيئات ما ينقص من
أجره فى يومه ، فيحتسب أجره فى إحسانه إليه ، لما جاء من أن (( فى كل ذى كبد رطبة
أجر)) (٤)، فقد يمحو أجره فى ذلك، أو ينقصه ما يلحق مقتنيه من السيئات بترك أدائه العبادات
فيه ، ولمراعاة أحكامه ، أو لترويع غيره . وقيل : يختص هذا النقص من البر ما يطابق
(١- ٣) طمس وبياض فى جميع النسخ، والمثبت من الأبى بتصرف ٢٥٣/٤.
(٤) سيأتى فى كتاب السلام برقم (١٥٣).

٢٤٦
-
كتاب المساقاة / باب الأمر بقتل الكلاب ... إلخ
( .. ) حدّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَقَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى
يَحْبَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ
﴾ . بمثله.
( .. ) حدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ
أَبِى كَثِيرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٦٠ - ( .. ) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِد - يَعْنِ ابْنَ زِيَاد - عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَزِينٍ، قَالَّ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولَ الله عٍَّ:
(مَنِ أَّخَذَ كَلْبَا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيِّدٍ وَلَّ غَنَمِ، نَقَصََّ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِرَاطٌ)».
٦١ - (١٥٧٦) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
خُصَيّفَةَ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِى زُهَيْرِ - وَهُوَ رَجَّلٌ مِنَ
شَنُوءَةَ مِنْ أَصْحَبِ رَسُول الله عَّهِ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهُ يَقُولُ: ((مَنِ اثْتَتَى
كَلْبَا لاَ يُغْنِى عَنْهُ زَرَّعًا وَلاَ ضَرَّعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَّاطٌ)) قَالَ : أَنْتَ سَّمِعْتَ
هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ عٍَّ؟ قَالَ : إِى، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِد .
الإثم ، وهو أجره من تغيير المنكر كل مرة ، فينقص منه ذلك القدر لموافقته فى اتخاذ
الكلب مثله ، والله أعلم بما أراد رسوله .
وذكر القيراط هنا تقرير لمقدار الله أعلم به ، والمراد نقص جزء ما ، وما جاء فى
الحديث الآخر من جعله قيراطا ، وقيل : يحتمل أن يكون فى نوعين من الكلاب ؛
أحدهما أشد أذى من الآخر ولمعنى فيهما ، أو يكون فى اختلاف المواضع ، فيكون
القيراطان فى المدينة خاصة ، والقيراط فى غيرها ، أو القيراطان فى المدائن والحواضر ،
والقيراط فى غيرهما ، أو يكون ذلك فى زمنين فذكر القيراط أولا ، ثم زاد التغليظ فذكر
القيراطين ، والله أعلم بمراده .
وفى جملة هذه الأحاديث جواز اتخاذها للأشياء المستثناة من الصيد وغيره، على ما تقدم.
وقد استدل بعضهم من تنبيه النبى على هذه المنافع على جواز اتخاذها لكل منفعة فى
نحو من ذلك، وأن النهى [ إنما هو لاتخاذها لغير منفعة مقصودة، واستدل بعضهم بقوله :
((نقص من أجره، ومن عمله)) على أن النهى ليس نهى تحريم، وإنما ] (١) نهى كراهة ؛
(١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش.

٢٤٧
كتاب المساقاة / باب الأمر بقتل الكلاب ... إلخ
( ... ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ أَبُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ يَزِيدَ
ابْنِ خُصَيَّفَةَ، أَخْبَرَنِى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ؛ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنَّ أَبِىِ زُهْرِ الشَّتِىِّ .
فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّه . بمثله.
إذ ليس وعيد المحرمات نقص الأجور وفى هذا نقص.
وفى الباب حديث يحيى بن يحيى وقتيبة وابن حجر ، ذكر سفيان بن أبى زهير
الشنئى ، بفتح الشين المعجمة والنون بعدها همزة مكسورة ، منسوب إلى أزد شنوءة ، وقد
وقع مبينا فى الحديث قبله. قال: وهو رجل من شنوءة، ووقع عند السمرقندى: (( الشنوى ))
بدون الهمزة على التسهيل، ورواه بعض رواة البخارى: ((الشنُوى)) بضم النون على
الأصل ، وذكر بعده ابن أبى علية السبائى ، بسين مهملة وباء موحدة ، منسوب إلى سبأ .

٢٤٨
كتاب المساقاة / باب حل أجرة الحجامة
(١١) باب حل أجرة الحجامة
٦٢ - (١٥٧٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْيَةُ بْنُ سَعيد وَعَلَىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَر - عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَّ أَنَسُ بْنُ مَالك عَنْ حَسْب
الْحَجَّامِ؟ فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ الله عَّهُ. حَجَمَهُ أَبُو طَيْيَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامِ ،
وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. وَقَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَّامَةُ، أَوْ هُوَ
مِنْ أَمْثَلِ دَوَاتِكُمْ )) .
٦٣ - ( ... ) حدّثْنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَنُ - يَعْنِى الْفَزَارِىَّ - عَنْ حُمَيْد، قَالَ:
سُلَ أَنَسٌّ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ
الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِىُّ، وَلاَ تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ )).
وقوله: ((احتجم رسول الله .. )) الحديث ، وثناؤه على منفعة الحجامة : دليل على
جواز الحجامة للحاجم والمحجوم ، وجواز المعاناة وإعطاء الأجر عليها على ما تقدم .
وأبو طيبة : هو بطاء مهملة ، ثم ياء اثنتين تحتها على الباء. بواحدة . وسؤال النبى -
عليه السلام - سيده أن يخففوا عنه من ضريبته ، فيه جواز إلغاء الضريبة على العبيد الذين
لهم صناعة ، وجواز سؤال ساداتهم التخفيف عنهم .
قوله : ((ولا تعذبوا صبيانكم بالغَمْزِ)) : يعنى من العذرة ، وقوة اللداد . كذا فسره
فى حديث آخر . والعذرة : وجع الحلق ، وهو سقوط اللهاة . وحضه على معاناته بالقسط
البحرى حكم على الرفق فى المعاناة ، ولا سيما بالصغار ، وقد فسر صفة معاناته بالقسط
البحرى، وهو العود الهندى المذكور فى هذا الحديث وقال : يسعط به من العذرة وفيه بقايا
٢٢٦ / ب المعاناة / والاستعاط: ضم بالعرض فى الدماغ، وقد ذكر مسلم أنه - عليه السلام - احتجم
وأعطى الحجام أجرة واستعطى .

٢٤٩
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر
(١٢) باب تحريم بيع الخمر
٦٧ - (١٥٧٨) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ
عَبْدِ الأعْلِى أَبُو هَمَّامٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيّرِىُّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِّ الله ◌َّهُ يَخْطُّبُ بِالْمَدِيَنَةِ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله تَعَّلَى يُعَرَّضُ
بِالْخَمْرِ ، وَلَعَلَّ اللّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَىْءٌ فَلْيَبِعُهُ وَلَنْتَفَعْ بِهِ)) . قَالَ :
فَمَا لَبِثْنَا إِلَّ يَسِيرًاً حَتَّى قَالَ النَّبِىُّ عَّهِ: ((إنَّالله تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ ، فَمَنْ أَدْرَكَنَّهُ هذه الآيَةُ
وَعَنْدَهُ مِنَّهَا شَىْءٌ فَلاَ يَشْرَبْ وَلَاَ بَيَعْ)) . قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا فِى طَرِيقٍ
وقوله (١) - عليه السلام -: ((إن الله يُعرِّضُ بذكر الخمر، ولعله سَيُنْزِلُ فيها أمراً،
فمن كان عنده منها شَىْءٌ فليبعها (٢) وينتفع به)): دليل على أن الأشياء على الإباحة فى
جميع المنتفعات إلا ما حرمه الشرع ، وأنها على ما كانت عليه قبل زمن الشرب . وقوله :
النصيحة اللازمة للعامة فى أمر دينها ودنياها ؛ لأنه لما أحس - عليه السلام - أنه سيحدث
فيها أمر بنصحهم فى تعجيل الانتفاع بها ، ما دام لهم ذلك حلالاً .
وقوله : ((إن الله حرم هذه الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شىء فلا يشرب
ولا يبع)) ويروى: ((ولا ينتفع)). وفى الحديث الآخر: ((إن الذى حرم شربها حرم
بيعها)) : فيه حجة أن ما حرم مقصود المنفعة منه وعظمها فما بقى منه من المنافع تابع
للتحريم ، والمقصود من الخمر الشرب ، فلما حرم حرم الانتفاع بها جملةً ومالا منفعة فيه
لا يجوز بيعه ، وقد جاء فى حديث ابن عباس : أن الله إذا حرم على قوم أكل شىء حرم
عليهم ثمنه . وهذا يحمل على ما بيناه مما المقصود منه جل منفعية الأكل ، بخلاف ما
المقصود منه غير ذلك ، كالحيوان والطير عند من يعتقد تحريمها والحُمر الأهليه وشبهها ؛ إِذْ
المقصود من جميعها منفعة غير الأكل ، فلم يجز بيعه بإجماع .
وقوله : ((فمن أدركته هذه الآية)» : أى من أدركته حيا ، ولزمه الخطاب ، يريد قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالَيْسِر) الآية (٣)، وسيأتى الكلام على هذه الآية، ومقتضى حكمها،
وما يتعلق بها من أحاديث الخَمْر والمسكر فى الأشربة إن شاء الله .
وقوله: ((فاستقبل الناس بما كان عنده منها فى طريق المدينة فسفكوها)) : أى صبوها.
(١) باب جديد . وكتب فى أصل المخطوطة: أول الجزء السابع عشر.
(٢) فى متن الصحيحة : فليبعه .
(٣) المائدة : ٩٠ .

٢٥٠ -
-
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر
الْمَدَيَنَة فَسَفَكُوهَا .
٦٨ _ (١٥٧٩) حدّثنا سُوَيّدُ بْنُ سَعيد، حَدَّثْنَا حَقْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ - أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنْس وَغَيْرُهُ، عَنْ
زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ وَعْلَةَ السََّىِّ - مِنْ أَهْلِ مِصْرَ - أَنَّهُ سَأَّلَ عَبْدَ الله بْنَ
عَبَّاسِ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَّاس: إِنَّ رَجُلاً أَهْدَى لِرَسُولِ الله ◌ِعَُّ رَاوِيَةً
خَمْرٍ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَ: ((هَلْ عَلَمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟)) قَالَ: لا، فَسَارَّ إِنْسَانًا .
فيه دليلٌ على منع الانتفاع بها البتة ، وعلى منع تخليلها . ولو كان جائزاً لبين لهم النبى
عَّ هذا، وبينه للآخر الذى نهاه عن بيعها وصبها ، ولنصحهم فى ذلك ونهاهم عن
إضاعة أموالهم ، كما نصحهم عند مخافة تحريمها فى الحديث قبل هذا ، وكما نبه أهل
الميتة على الانتفاع بجلدها . وقد حكاه فى حديث آخر: (( صبها )) ، وجاء فى حديث آخر
ذكره مسلم بعد هذا إلخ . سئل - عليه السلام - عن تخليلها فقال: ((لا)). ويمنع تخليلها
قاله مالك والشافعى وأحمد والعنبرى، وأجاز تخليلها أبو حنيفة والأوزاعى والليث، وحكى
عن مالك. وكذلك قال أبو حنيفة: إن عولج بالملح والسمك. حتى صار مديا جاز، وخالفه
صاحبه ابن الحسن وقال: إنما يجوز التخليل فقط. وهو قول أكثر من أجاز تخليلها.
ثم اختلف المانعون لذلك إذا فعل ذلك ، فعن مالك فى ذلك قولان ؛ أشهرهما : أن
تؤكل . وقال الشافعى : خلها حينئذ محرم نجس كما كان قبل تخليله ، وقاله كبراء
أصحابنا . وقال الجمهور : إذا صارت خلاً من ذاتها بغير معالجة آدمى أنها تؤكل ، وهو
قول مالك والشافعى وعامة أصحابهما ، وروى عن عمرو بن شهاب وجماعة من السلف
والخلف . وحكى القاضى عبد الوهاب وغيره أنه لا يختلف فى جوازه ، لكن روى ابن
وضاح عن سحنون أنه منع ذلك وإن تخللت من غير صنع آدمى . وفى هذا - أيضاً - يمنع
الانتفاع بها للتداوى وغير ذلك من العطش عند عدم الماء أو لتجويز لقمة غص بها . وهذا
قول مالك والشافعى وغيرهما . وأجاز ذلك أبو حنيفة وأحمد ، وقاله بعض أصحابنا ،
وروى عن الشافعى نحوه إذا خاف التلف ، وقاله أبو ثور .
وقوله: ((هل علمت أن الله حرمها؟)): دليل على جهالة الرجل بهذا الحكم ، فلعله
كان بإثر التحريم وقبل انتشاره، وقد جاء فى حديث آخر: ((أشعرت أن الله حرم الخمر

٢٥١
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ: (( بمَ سَارَرْتَهُ؟ )). فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بَيْعِهَا. فَقَالَ: ((إِنَّ الَّذِى حَرَّمَ
شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا)). قَالَ : فَفَتَحَ الْمَزَادَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا .
( ... ) حدّثْنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَل ، عَنْ بَحْتَى
ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبِّدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهُ عَِّ، مِثْلَهِ.
بعدك؟)) (١) فهذا يدل على قرب المال . وقوله فى هذه الرواية هل يفسر قوله فى رواية
مالك: (( هل علمت أن الله حرمها؟)) (٢) وأنه على الاستفهام ليبين الحال ، لا على
التوبيخ على ما ذهب إليه بعضهم . وفيه دليل على أن الجاهل / قبل هذا لا إثم عليه
بالتحريم ، ما لم يفرط فى التعليم بعد إمكانه .
٢٢٧ / أ
وقوله: لا. فسار إنساناً، وقال له رسول الله عَّه: ((بم ساررته؟))، قال : أَمرتُه
ببيعها : الآمر هنا والمسؤول هو المهدى الأغر ، كذلك جاء مفسراً فى رواية غسان على زيد
ابن أسلم فى هذا الحديث، وفيه: أن رجلاً من دوس جاء إلى النبى عَّه ، وذكر القصة،
وفيه: فأمر الدوسى غلامه ببيعها، فلما ولى بها قال له النبى - عليه السلام -: ((ماذا
أمرت بها ؟)) قال: أمرته ببيعها - الحديث . هنا خلاف ما ظنه بعض الشارحين، يوهم
ظاهر اللفظ أن الذى ساره وأمره وخصه النبى - عليه السلام - هو رجل أجنبى غيره ،
وفيه: أن على العالم أن يكشف عما يظن أن باطنه فاسد . وقيل عن ذلك : أن يجرى فيه
ما لا يجوز ، كما سأل النبى - عليه السلام - عن مسارته فى شأنها وعلم من جهله
بحكمها، لما قد جريه قداح منه فاستكشفه عن ذلك ، فإذا به كما ظنه . ولم يكن هذا من
التجسس والكشف عن الأسرار وكثرة السؤال ؛ لأن المذموم من ذلك كله والمنهى عنه فيما لا
يختص بالإنسان ولا بما يلزمه القيام به، وأما ما يختص بالإنسان منفعته أو مضرته أو يكون
النظر والإسناد فيه والعضاء له فعليه البحث فى كل ذلك ومعرفة صحيحه وسقيمه والكشف
عن الأسرار ؛ لئلا يجرى من ذلك شىء يضره ، أو يضاف إليه مما لا يرضاه ولا يسيغه .
وقوله : ((إن الذى حرم شربها حرم بيعها)) : قال بعضهم : فيه دليل على منع بيع
الذبول والعذرة وغيرها من النجاسات ، وهو قول مالك والشافعى ، وأجاز ذلك الكوفيون
والطبرى وبعض متقدمى أصحابنا ، وأجازه آخرون منهم للمشترى دون البائع ، وكذلك
يقول الشافعى فى أبعار ما يؤكل لحمه وروثه لقوله: ((نجاسته))، ومالك يجيز بيعه
(١) أحمد فى المسند ٤/ ٢٢٧.
(٢) مالك فى الموطأ، ك الأشربة ، ب جامع تحريم الخمر ٨٤٦/٢ رقم (١٢).

٢٥٢
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر
٦٩ - (١٥٨٠) حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا .
وَقَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ أَبِى الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ،
لقوله: ((بطهارته))، ويحتمل أن يريد قوله: ((إن الذى حرم شربها حرم بيعها)»، أى
أن الله قد حرم الحكمين لا أن معناه : أن السبب الموجب بتحريم شرائها أوجب تحريم
بيعها ؛ لأن موجب تحريم الشرب ما نص الله عليه من إلقاء العداوة والبغضاء ، والصد عن
ذكر الله، وعن الصلاة ، ومن لا يمنع البيع أدى بيعها من الكفار وممن لا يمنع من ذلك .
والأظهر أنه على الخبر عن الله لا على ذكر التعليل بدليل الحديث الآخر : لما نزلت
آخر سورة البقرة خرج رسول الله عَّ على الناس ، فأقبل على الناس ، ثم نهى عن التجارة
فى الخمر ، وقد يحتمل أن الحكم فيمن حرم شربه أو أكله مما هو المقصود من تحريم بيعه
وسائر منافعه ، كما جاء فى حديث شحوم اليهود ، وفى سفكهم لها فى طرق المدينة ما
يحتج به ربيعة ، ومن قال بقولهم فى طهارة الخمر ، وإليه ذهب سعيد بن الحذاء والهروى
لو كانت نجسة لتنجست بها الطرق ، وتأذى بها المسلمون كما لا يباح إجراء الأقذار فى
الطرق ، ويمنع من فعله ، وكافة السلف والخلف على نجاسة الخمر والدليل على نجاستها مع
إجماع الكافة عليها قديما وحديثاً إلا من شذ تحريم بيعها ، وما حرم بيعه لا يخلو تحريمه أن
يكون لحرمته كالجرو ، ولا حرمة للخمر ، فيقال : منع من بيعها مذهبنا ومالا منفعة فيه
أصلا كالجعلان والخمر ، فقد تخلل على ما تقدم وينتفع بها ، أو لنجاسته كالميتة والدم
والخمر من هذا القليل ، ويتأول معنى صبها فى طرق المدينة أن الطرق كانت واسعة يفى
منها من حيث يمر المار ، ولا يتأذى بذلك ، وكذلك كانت طرق المدينة ، وقد قيل : فعل
ذلك ليشتهر الأمر ويذيع حكمه فيها بالأذقة ويمنع البيع .
وقوله : (( ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما )) ولم يذكر أنه شقهما ، وفى ظاهره
حجة لمن لا يرى كسر أوانى الخمر ، ويرى غسلها واستعمالها . وقد اختلف العلماء فى
ذلك . وعن مالك فيه قولان ؛ فقال: من وجد عنده خمر من آنية كسرت الظروف
وشقت. فقيل : لعل ذلك عقوبة له فى القول بالعقوبة فى الأموال ، وقيل : لأن ما فيها
لا يظهر بالغسل / لتداخله فيه ولو كان يوجد الغسل لم يفسد ، ونحوه لمالك إذا طبخ فيها
الماء وغسلت أنها تستعمل ، وقد يحتمل أن يكون أمر مالك بكسرها فيمن خيف منه العود
إلى عملها وإن ضاربه ليستعين بذلك على معصية ، وحديث أبى طلحة فى كسرهم الجراب
حجة. ولمالك وليس فى هذا الحديث تصريح أنها لم تشق، وإنما قال: ((ففتح))، وقد
يكون الفتح بشق أجوافها .
٢٢٧ / ب

٢٥٣
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر
قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَت الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورَةَ الْبِقَرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى
النَّاسِ ، ثُمَّ نَهَى عَنِ النِّجَارَةِ فِى الْخَمْرِ .
٧٠ - ( .. ) حدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ
لأَّبِى كُرَيْب - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَت الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ،
فى الرِبَا، قَالَتْ: خَرَجَ رَّسُولُ اللهَّهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرََّ التِّجَارَةَ فِى الْخَمْرِ .
وقوله: ((ففتح المزادة))، وفى أول الحديث: ((الراوية)) هما بمعنى. [ هذا قول أبى
عبيد . وقال يعقوب : لا يقال : راوية ، إنما الراوية البعير ، وإنما يقال : مزادة . وهذا
الحديث وغيره يشهد لما قال أبو عبيد ] (١)، لكن لفظ ((راوية)) يستعمل فى القربة الكبيرة
التى يحمل فيها الماء والخمر وشبهه مما يشرب وتروى صاحبها ، وبهذا سميت . وقد
تستعمل توسطا فيما يحمل فيه غير ذلك ، وكذلك المزادة لما يتزود فيه الماء من ذلك للسفر
لكبرها ، وقيل : بل سميت بذلك؛ لأنه يزاد فيها الجلد لتتسع ، وقيل فى الراوية مثله .
وقوله: (( لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة اقترأهن رسول الله عَّه على الناس ،
ثم نهى عن التجارة فى الخمر)) : يحتمل أن يكون هذا متصلاً بعد تحريم الخمر ومنها فهم،
أو أوصى إليه بمنع بيع الخمر بظاهر الحديث ؛ لأن سورة المائدة التى فيها تحريم الخمر من
آخر ما نزل من القرآن ، وآية الربا آخر ما نزل . قال ذلك عمر ، قال: ومات رسول الله
ولم يفسرها لنا ، ويحتمل أن يكون هذا بعد بيان النبى تحريم له فى الخمر . فلما نزلت آية
الربا وقد اشتملت على تحريم ماعدا البيع الصحيح أكد تحريم ذلك ، ولا علم أن التجارة فى
الخمر من جملة ذلك ، والله أعلم . كما كرر تحريمه والإعلام بذلك عام الفتح ، كل ذلك
تأكيد . ولما جمع عام الفتح من كافة المسلمين وأهل البوادى والأعراب الذين يجهلون
الأحكام .
(١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش .

٢٥٤
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
(١٣) باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٧١ - (١٥٨١) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِی حَبِيبٍ ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ
بمَكَّةَ : ((إِنَّ اللهَ وَرَّسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْنَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ » . فَقِيلَ: يَا رَسُولَ
الله، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْئَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السَّفُنُ، ويَدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا
وقوله: ((إن الله حرم بيع الخمر والميسر والخنزير والأصنام)). فقيل: يا رسول الله،
أرأيت شحوم الميتة تطلى بها السفن ، وتدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس . فقال :
((لا، هو حرام)) الحديث. ثم قال عند ذلك: (( قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم
شحومها أجْمَلُوه ، ثم باعوه ، فأكلوا ثمنه )) ، قال الإمام : قد تقدم فى العقد الذى افتتحنا
به البيوع الكلام على هذا الحديث ، وأصلنا ما يعرف منه ما يجوز بيعه مما لا يجوز ،
وكشفنا عن علة ما يجوز بيعه مما لا يجوز ، فلا فائدة من إعادته . وقد قال الطبرى : فى
المحرمات ما يجوز بيعه ، فإن اعترض به على ما يتضمنه قوله عَّه فى هذا الحديث من
إشارته إلى أنَّ ما حرم بيعه ، قيل : إنما هذا لنجاسته . واليهود ترى الشحم نجساً ، والذى
أحللنا بيعه من المحرمات ليس بنجس، والذى أراد بقوله: (( لا ، فهو حرام » تحريم البيع
لا تحريم ما ذكره من منفعة ، وإنما ظنوا أن هذه المنافع تكون سبباً للرخصة لهم فى البيع ،
فذكروا ذلك للنبي عَّه ، لعله أن يبيح البيع لذلك ، فلم يفعل . وقد تقدم فى العقد الذى
ذكرناه نحن فى افتتاح البيوع الوجه الذى من أجله لم يعذرهم عَّه ، ولم يرخص لهم فى
البيع ، قال : فإن قيل : فإن فى بعض الأحاديث كما قيل له عَّه فى شحوم الميتة : إنها
تدهن بها السفن، فقال: ((لا تنتفعوا من الميتة بشىء)). قيل: هذا على الكراهية، وتحرزاً
من النجاسة أن تمسه ، بدليل ما وقع فى حديث آخر أنه أباح الانتفاع بالسمن الذائب إذا
وقعت فيه الفأرة (١) وإن طعنوا فى بعض رواة هذا الحديث . وكذلك حديثهم الذى عارضوا
به - أيضا - يطعن فى بعض رواته هذا الذى علق بحفظتى من معنى كلام الطبرى.
قال القاضى : فى هذا الحديث إبطال الحيل ، والحجة على من قال بها فى هذا إسقاط
حدود الشرع من الكوفيين . وفيه الحجة لمالك فى مراعاة الذرائع ، وسد بابها . وقد اختلف
الناس فى الانتفاع بالنجاسات ، وقد ذكرناه . واختلفوا فى الانتفاع بشحوم الميتة .
(١) البيهقى فى السنن الكبرى، ك الضحايا، ب من أباح الاستصباح به ٩/ ٣٥٤ .

٢٥٥
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
وأما ما ثبت فيه ميتة من زيت أو سمن وعسل ذائب أو تمسه نجاسة ، هل يستصبح به
أو يجعل من الزيت صابون ، ويعلق العسل النحل ، أو يطعم الميتة بكلابه ، أو الطعام
النجس لماشيته ، أو تطلى به السفن؟ / يتحقق من مذهب مالك وكثير من أصحابه استعمال
الزيت وغيره مما وقعت فيه النجاسة فى غير الأكل . واختلف فى ذلك أصحابه ومنعه
بعضهم ، قياساً على شحم الميتة ، وهو قول عبد الملك وأحمد بن حنبل وأحمد بن صالح.
٢٢٨ / أ
وأجاز بعضهم بيع الدهن إذا بين به ممن ينتفع به ، وأجاز بعضهم استعماله وبيعه بعد
غسله والادهان به ، وروى نحوه عن مالك ، وأن الغسل يطهره . ومنعه بعضهم ، وإن
غسل لتعذر ذلك ، ولو كان لم يخف على من مضى . وإلى ما ذهب إليه مالك من جواز
الانتفاع به ذهب الشافعى والثورى ، وروى نحوه عن ابن عمر وعلى . وممن أجاز الانتفاع
به فيما عدا الأكل وبيعه إذا بين به أبو حنيفة وأصحابه والليث ، وروى عن أُبى والقاسم
وسالم ، وهو قول ابن وهب من أصحابنا ، وقد جاء فى الحديث من رواية معمر فى الفأرة
تقع فى السمن: ((وإن كان مائعًا، فلا تقربوه)) (١). وجاء من رواية أُخرى عنه : (وإن
كان مائعاً فانتفعوا به واستصبحوا)) (٢) .
وأما شحوم الميتة ، فجمهورهم على أنه لا ينتفع بها البتة بشىء ؛ لأن عينها نجس،
خلاف ما هو آت عن النجاسة لعموم نهيه - عليه السلام - عن الانتفاع من الميتة بشىء ،
فخصت السَّنَّة من ذلك الجلد ، وبقى سائرها على التحريم ، إلا عطاء بن أبى رباح، فأجاز
أن يستصبح به ، وتطلى به السفن . وإلى نحوه أشار الطبرى ، وتأول الحديث بما أشار
إليه قبل من النهى عن البيع لا عن غيره ، وتأول عموم النهى على الندب والتنزه ؛ لئلا
تتنجس بمباشرته ، وفى تحريم بيع الميتة حجة على منع بيع جثة الكافر إذا قتلناه من الكفار
واقترابهم منا له .
وقد امتنع من ذلك النبى عَّ فى غزوة الخندق ، وقد بذلوا له فى جسد نوفل بن عبد
الله المخزومى عشرة إلا درهمًا فيما ذكر ابن هشام ، فدفعه إليهم ولم يقبل ذلك منهم ،
وقال: ((لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه )) . وقد خرج الترمذى فى هذا حديثاً نحوه . وفى
النهى عن ثمن الأصنام منع بيع الصور المقصود شراؤها كيف كانت ، إذا كان ما فيها تبعاً
لها، بخلاف إذا كانت هى تبعاً ، كتصاوير الثياب والبسط وغيرها مما جاءت فيها الرخصة،
وكذلك لعلة ما كان تبعاً للمبيع مما لم تأت فيه رخصة وكره ، كصور الأباريق والمناور
والأسرة ؛ لأنها تبع لا يفسد البيع ، لكن كره اتخاذها ويلزم طمسها وتغييرها . وقد رخص
(١) أبو داود، ك الأطعمة ، ب فى الفأرة تقع فى السمن .
(٢) البيهقى فى السنن، ك الضحايا، ب من أباح الاستصباح به ٩/ ٣٥٤ .

كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
-
٢٥٦
النَّاسُ؟ فَقَالَ: ((لاَ، هُوَ حَرَامٌ )). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ عِنْدَ ذَلَكَ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ،
إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرََّ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا، أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكُلُّوا ثَمَنَهُ)) .
( ... ) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيِّبَةَ وَابْنُ نُمَيْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ عَبْد
الْحَمِيدِ بْنِ جِعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيب ، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللهِ عَّ عَمَ الْفَتْحِ. ح وَحَدََّاَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَتِى، حَدَّثَنَا الضَّحَّكُ - يَعْنِى أَبَا عَاصِمٍ -
عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، قَالَ: كَتَبَ إِلَىَّ عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ الله يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَهُ عَمَ النَّتْجِ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ .
٧٢ _ (١٥٨٢) حدثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -
وَاَللَّفْظِ لأَبِى بَكْر - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسِ ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا. فَقَالَ: قَاتَلَ الله سُمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمَّ أَنَّ رَسُولَ
الله عَّ قَالَ: ((لَعَنَ الله الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاءُوهَا)) .
( .. ) حدّثَنا أُمَُّ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثْنَا رَوْحٌ - يَعْنِى ابْنَ الْفَاسِمِ-
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِنَارٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ .
أهل العلم فى بيع البنات وشرائها للجوارى للرخصة فى ذلك ، وإباحة لعبهن بها . وجاء
عن مالك كراهية شرائها ، ورأى الرخصة فى الاستعمال لا تقتضى أن تتخذ متجراً ،
ولعموم التغليظ فى عملها .
وقوله: ((أجملوها)) وفى الرواية الأخرى: ((جملوها))، قال الإمام: معناه :
أذابوها ، يقال : جملت الشحم وأجملته : إذا أذبته . وانشد ابن الأنبارى للبيد :
فاستوی لیلة رمح واجتمل
قال الهروى وغيره : الجميل والطهارة عند العرب : ما أذيب من الشحم ، والحم :
ما أذيب من الإلية ، قال الراجز : أنشد يعقوب :
يهم فيها القوم هَمّ الْحَم
قوله : « یھم فیها )» أی یذوب فيه .
قال القاضى : كثير ما يعرض ملاعين اليهود وأهل الزيغ على هذا الحديث بتحريم وطء
سرية الأب على الابن ، وجواز بيعها له وأكل ثمنها ، وهذا إنما يموه به على غير محصول

٢٥٧
كتاب المساقاة / باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٧٣ _ (١٥٨٣) حدّثَنَا إِسَحِقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيّجٍ ، أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيَّب ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ عَُّ، قَالَ: ((قَاتَلَّ اللهُ الْيَهُودَ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا
أَثْمَانَها» .
٧٤ - ( ... ) حدّثْنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ
شَهَبٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةِ: ((قاتَلَ اللهُ
الْيَهُودَ، حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الشَّحْمُ فَبَاعُوهُ، وَأَكُلُوا ثَمَنَهُ)) .
عنده من العلم ، فجارية الأب لم يحرم منها إلا الاستمتاع على هذا الولد وحده من بين
سائر الناس ، وسائر منتفعاتها حلال والجميع حلال لغيره فلم يحرم عليه جميعها ولا على
غيره . والشحوم محرم المقصود منها وهو الأكل على جميع اليهود ، فكان ما عداه تبعاً له ،
فلا تشاكل بينها وبين سرية الأب .

٢٥٨
کتاب المساقاة / باب الربا
(١٤) باب الربا
٧٥ _ (١٥٨٤) حدثنا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِى
سَعيد الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَهْ قَالَ: (( لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذّهَبِ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ ،
٢٢٨ / ب
وقوله: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض))
وذكر فى الورق مثله، وقال: ((لا تبيعوا منها غائباً بناجز)) وقوله /: ((ولا الورق بالورق
إلا وزنا بوزن، سواء بسواء))، وفى الحديث الآخر: ((ولا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا
بمثل، ولا تُشفوا ... ))، وفى حديث آخر: ((الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر
ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء))،
وفى الحديث الآخر: أنه نهى - عليه السلام - عن ((بيع الذهب بالذهب ، والفضة
بالفضة ، والبر بالبر، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء ،
عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى))، وفى الرواية الأخرى: ((يدا بيد ، فإذا اختلفت
هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد))، وفى الرواية الأخرى: ((فمن زاد أو
استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطى سواء))، وفى الرواية الأخرى: ((إلا ما اختلفت ألوانه))،
وفى الرواية الأخرى: (( الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما))،
وفى الحديث الآخر: ((نهى عن بيع الورق بالذهب دينا)) وفى الحديث الآخر: (( ما كان
يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا)) ، قال الإمام : التبايع يقع على ثلاثة أوجه :
عرض بعرض ، وعين بعين ، وعرض بعين . ويقع التبايع بهذه الأجناس على ثلاثة أوجه
أيضا : يؤخران جميعا ، وينقدان جميعا ، وينقد أحدهما ويؤخر الآخر .
فإن نقدا جميعا كان ذلك بيعا بنقد ، فإن بيع العين بمثله كالذهب بالذهب سمى
مواكلة ، وإن بيع بعين خلافه كالذهب بالورق سمى مصارفة ، فإن بيع العرض بعين سمى
العين ثمنا والعرض مثمونا ، وإن كانا مؤخرين جميعا، فذلك الدين بالدين وليس ببيع
شرعى ؛ لأنه منهى عنه على الجملة ، وإن نقد أحدهما وأخر الآخر ؛ فإن كان المؤخر هو
العين والمنقود هو العرض سمى ذلك بيعاً إلى أجل ، وإن كان المنقود العين والمؤخر العرض
سمى ذلك سلما ، ويسمى - أيضا - سلفا ، ولو كانا عرضين مختلفين سمى ذلك سلما -
أيضا - وسلفا ولا تبال ما تقدم منهما أو تأخر .
واعلم بعد ذلك أن الربا محرم فى الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
الرِّبًا﴾ (١)، ولعن النبى عَّه آكل الربا ومؤكله، الحديث (٢) . فإذا ثبت تحريمه وجب أن
(١) البقرة : ٢٧٥ .
(٢) سيأتى ك المساقاة ، ب لعن أكل الربا ومؤكله.

٢٥٩
کتاب المساقاة / باب الربا
نعقد أصلا فيه سائر فروعه .
فاعلم أنا قدمنا أن البيع يقع نقدا ويقع نسيئة ، فأما بيع النقد وهو ما تناقدا فيه
العوضين جميعا ، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاءان ، ما لم يكن التبايع فى
الأثمان والأطعمة المقتاتة ، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية ولا يباع منه المثل بمثله إلا
متساويا ، وإن اختلفت جاز التفاضل وما سوى هذين القسمين يجوز بيعه على الإطلاق ،
فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف فى بياعات النقود يجوز على الإطلاق ،
والتفاضل مع التماثل يجوز إلا فيما قدمناه الأثمان والمقتاتات .
والدليل على الجواز مع اختلاف الأجناس على الإطلاق قوله عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١)، وقوله عَّه: ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم)).
والدليل على جواز التفاضل فيما سوى الثمن والمقتات ، قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِبَا ﴾ .
وأيضا فإنه لو كان التفاضل فى سائر الأشياء ممنوعا لم يكن لتخصيص النبى عليه هذه
الستة بتحريم التفاضل معنى، ولقال : التفاضل حرام عليكم فى كل شىء ، ولكن لما
خص هذه الستة دل ذلك على أن التحريم ليس بعام فى سائر الأشياء ، وإنما ينفى النظر فى
هذه الستة ، هل التحريم مقصور عليها ويكون كشريعة غير معقولة المعنى ، أو يكون
لاختصاصها بالتحريم معنى فيطلب ذلك المعنى فحيثما وجد حرم قياسا على الستة ؟ فأما
أهل الظاهر النفاة للقياس فإنهم قصروا التحريم عليها ، وأباحوا التفاضل فى سائر الأشياء
سواها ، وهذا بناء منهم على [ فاسد ] (٢) أصلهم فى نفى القول بالقياس ، والرد عليهم
مذكور فى أصول الفقه . فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم تطلبوا لذلك معنى .
وأما مالك فإنه يعتقد / أنه إنما حرم التفاضل فيها لأمرين : أما الذهب والفضة فلكونهما
ثمينين ، وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح القوت ، وقد قدمنا أن ذلك
كله مع تماثل الجنس .
٢٢٩ / أ
وأما الشافعى فوافقه على العلة فى الذهب والفضة وخالفه فى الأربعة ، فاعتقدوا أن
العلة كونها مطعومة .
وأما أبو حنيفة فخالفهما فى الجميع ، واعتقد أن العلة فى الذهب والفضة الوزن ،
وفى الأربعة الكيل ، فخرج من مضمون ذلك أن مالكا تطلب علته ، فحرم التفاضل فى
الزبيب؛ لأنه كالتمر فى الاقتيات، وحرم التفاضل فى القطنية؛ لأنها فى معنى القمح والشعير
(١) البقرة : ٢٧٥ .
(٢) من المعلم .

٢٦٠ -
کتاب المساقاة / باب الربا
فى الاقتيات ، ويرى أن العلة الثمينة لم يتفق وجودها إلا فى الذهب والفضة ولو اتفق أن
يجيز الناس بينهم الجلود لنهى عن التفاضل فيها .
وأما الشافعى فتطلب علته فحرم التفاضل فى كل مطعوم ، وأبو حنيفة يحرمه فى كل
مكيل أو موزون .
فأما مالك فإنه استلوح ما قال لأجل أن النبى ◌ّه لو أراد الكيل أو الوزن لاكتفى بأحد
هذه الأربعة فى الكيل ، ولا تظهر للزيادة على الواحد فائدة ، وكلامه عَّه كله فوائد ،
لاسيما فى تعليم الشرائع وبيان الأحكام ، وكذا كان يقتصر على واحد منها لو كانت العلة
كونها مطعومة ؛ لأن الواحد منها كما سواه مما ذكر معه فى الحديث .
ونقول : لما علم عَُّ أن المراد الاقتيات أراد أن يبينه (١) عليه ليبُقى للعلماء مجالاً فى
الاجتهاد ، ويكون داعيا لبحثهم الذى هو من أعظم القرب إلى الله - سبحانه - وليوسع
لأمته فى التعبد على حسب سعة أقوال علمائها ، وربما كانت التوسعة أصلح للخلق أحيانا،
فنص على البر الذى هو أعلى المقتاتات ، ثم نص على الشعير الذى هو أدناها لينبه
بالطرفين على الوسط وتنظيم الحاشيتين ما بينهما ، وإذا أراد إنسان ذكر جملة الشىء فربما
كان ذكر طرفيه ونهايته دل على استيعابه من اللفظ الشامل له .
ولما عهد النبى معَّ عادة الناس فى زمنه أكل البر مع السعة (٢) والاختيار والشعير مع
الضرورة والإقتار كان ذكره لهما تنبيها على السلت والأرز والذرة والدخن ؛ لأن من اعتاد
أكلها فى بعض البلاد ، إما أن يأكلها فى حال سعته ؛ فيكون ذكر القمح منبها له على
حكمها ، أو فى حال صفته ، فيكون ذكر الشعير منبها له . ولو اتفق أن يكون الدخن أو
غيره هو الغالب فى زمنه فى قوت أهل الأقتار ، لأمكن أن ينبه به بدلا من الشعير . وأما
التمر فإنه وإن كان يقتات ففيه ضرب من التفكه ، والطبع يستحيله حتى أن يؤكل على غير
جهة الاقتيات ، فأراد ◌َ﴾ أن يرفع اللبس لأجل هذا المعنى الذى انفرد به وينص عليه مشيرا
إلى أن كل مقتات وإن كان فيه زيادة معنى فإن ذلك لا يخرجه عن بابه .
ولما علم عي أن هذه الأقوات لا يصح اقتياتها إلا بعد إصلاحها ، وإذا لم تكن
مصلحة تكاد أن تلحق بالعدم الذى لا ينتفع به فى القوت ، أعطى ما لا قوام لها إلا به
حكمها ، ونبه بالملح على ما سواه مما يحل محله فى إصلاحها ؛ لأنه لا يقتات منفردا ،
ولكنه يجعل ما ليس بقوت قوتا .
وأما الشافعى فإنه استلوح ما ذهب إليه من قوله عَّى فى حديث آخر: (( الطعام
(١) فى ع : ينبه ، والمثبت من الإكمال .
(٢) فى ع: السلعة ، والمثبت من الإكمال .