Indexed OCR Text
Pages 81-100
- ٨١ كتاب اللعان سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : سُئِلتُ عَنِ الْمُتَلاعِنَيْنِ فِى إِمْرَةٍ مُصْعَب ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ : فَمَا دَرَيَّتُ مَا أَقُولٌ: فَمَضَيْتُ إِلى مَنْزِلِ ابْنٍ عُمَرَّ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لِلِغُلامِ: اسْتَأَذِنْ لِى. قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ. فَسَمِعَ صَوْتِى. قَالَ : ابْنُ جُبَيْرِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ . قَالَ : ادْخُلْ . فَوَ اللهِ، مَا جَاءَ بِكَ، هَذَه السَّاعَةَ إِلا حَاجَةٌ. فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً ، مُتُوَسِّدٌ وَسَادَةً حَشْوُهَا لِيَفٌ. قُلْتُ: أَبَا عَبّدَ الرَّحْمَن، المُتَلَاعِنَانِ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهَّمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ ! نَعَمْ. إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلانُ بْنُ فُلان. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُّنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةَ، كَيَّفَ يَصْنَعُ ؟ إِنْ تَّكَلِمَ تَكَلِم بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلكَ . قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِىُّ ◌َْ فَلَمْ يُحِبُهُ. فَلمَّا كَانٌّ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الذى سَأَنَّكَ عَنَّهُ قَدٍ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ الهُ - عَزَّ وَّجَلَّ - هَؤُلاءِ الْآيَاتِ فِى سُورَةِ النُّورِ: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾(١) فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابٍ ٢٦٢ / أ وقوله : (( كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، فطلقها ثلاثاً، قبل أن يأمرَه رسول الله عَّ)) / قال الإمام: احتج بهذا [الشاهد ](٢) على جواز الطلاق ثلاث فى كلمة واحدة ، وانفصل أصحابنا عن هذا بأنها قد بانت منه باللعان ، فوقعت الثلاث على غير زوجة ، فلم يكن لها تأثير. قالوا : لأنه خرج النسائى عن محمود بن لبيد قال : أخبر النبى معَّه عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام عليه غضبان فقال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حىّ)) وقام رجل آخر فقال: يا رسول الله، ألا أقتله(٣). فالأخذ بالمنع بهذا الحديث أولى من حديث المتلاعنين ، مع الاحتمال الذى فيه . وقد اختلف الناس - أيضاً - فى المتلاعنين ، هل تقع الفرقة بنفس اللعان ، أو حتى يقضى القاضى بالفراق، فقال أبو حنيفة: حتى يقضى القاضى بالفراق، لقوله: ((فرق بينهما))، وهذا إشارة للحكم. وعندنا: أنه لا يفتقر إلى حاكم، لقوله عَّهُ فى طريق آخر: ((أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها))، ولقوله: فَفَارَقها عند النبى معَّهِ، فقال ◌َّ: (( ذاكم التفريق بين كل متلاعنين )) ، ولم يعتبر قضية القاضى . وقوله عَّ: ((لا سبيل لك عليها)): حمله جمهور العلماء على العموم، فلا تحل له أبداً ، قال بعض أصحابنا : ومن جهة المعنى كأنه أدخل لبساً فى النسب فعوقب (١) النور : ٦ - ٩. (٢) غير واضحة فى الأصل ، ويرجح أنها كما أثبت . (٣) النسائى، ك الطلاق، ب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ ٦/ ١٤٢. ٨٢ كتاب اللعان الآخرَةَ. قَالَ: لا ، وَالذى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، مَا كَذَّبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخَرِةِ. قَالتْ: لا ، وَالذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنَّهُ لِكَاذِبٌ . فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتِ بِاللهِ إِنَّهُ لِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامسَةُ أَنَّ لِعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ . ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرَأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَت بِالله إِنَّهُ لمنَ الكَاذِبِينَ ، وَالْخَامَسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . ( .. ) وَحَدَّثَنِهِ عَلِىٌّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلك ابْنُ أَبِى سُلْيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَئِلِتُ عَنِ الْتَلَاعِنَيْنِ - زَمَنَ مُصْعَّبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ - فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ، فَقُلتُ : أَرَأَيْتَ الُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُّمَا؟ ثُمَّذَكَرَ بِمِثَلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ . ٥ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب - وَاللفْظُ لَحْبَى - قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ - عَنْ عَمْرو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّه للمُتَلاعِنَّيْن: (( حسَابُكُمَا عُلى اله، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لِكَ عَلَيْهَا)). قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَالِى؟ قَالَ: ((لا مَالَ لكَ، بالتحريم المؤبد ، كأحد التعليلين عندنا فى الناكح فى العدة ، وانفرد البتىُّ فقال: بأن اللعان لا يؤثر فى الفراق . وهذا الحديث حجة عليه. واختلف الناس - أيضاً - القائلون بتأبيد التحريم إذا أكذب نفسه ، هل تحل له أم لا ؟ فعندنا : لا تحل له ، وإن أكذب نفسه أخذاً بعموم قوله: (( لا سبيل لك عليها )) ولم يفرق. وقال أبو حنيفة: إذا أكذب نفسه حلت له لارتفاع [ حقيقة ](١) المعنى المانع لإکذابه نفسه . واختلف المذهب عندنا على قولين ، مع قولنا بأن بنفس التلاعن يقع التحريم من غير افتقار لحكم ، هل يقع التحريم بلعان الزوج وحده ، أم حتى يلتعنا جميعاً ؟ فقيل : بالتعان الزوج وحده ؛ لأن التحريم والفراق أمر مقصور عليه ، فيختص بما يكون منه ، ولا يفتقر إلى ما يكون من شخص آخر. وقيل : لا يقع ذلك حتى يلتعنا جميعاً ؛ لأن هذه الأحاديث إنما وقع فيها الألفاظ الدالة على الفراق بعد التعانهما جميعاً، ولا يتعدى ما وقع فيها. قال القاضى : اختلف العلماء إذا أبى الزوج الالتعان أو إذا التعنَ الزوجُ وأبت هى ، (١) غير واضحة فى الأصل ، ولعلها كما هو مثبت. کتاب اللعان ٨٣ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلِلتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لكَ منْهَا)). فعند الجمهور : يُحَدُّ وتُحَدُّ ، وعند أبى حنيفة : يحبسان أبداً حتى يلتعنا . وقول ابن شهاب: ((فكانت بعدُ سنة المتلاعنين )) : فيه تأويلان : أحدهما : الفرقة بانقضاء اللعان. والثانى : استحباب إظهار الطلاق بعد اللعان عليها. ذهب إليه ابن نافع وعيسى بن دينار من أصحابنا فى هذا الحديث واستحباه ، فإن لم يفعل فهو فراق . وفى قوله : (( كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها )» أيضاً تأويلان : أنه أراد الدعاء بذلك بفضيحة نفسه إن أمسكها. والثاني: إن إمساكى لها بعد ما قلته عنها دليل على كذبى. قال محمد بن أبى صفرة : اللعان لا يقطع العصمة ؛ لقول عويمر: (( كذبت عليها إن أمسكتها ))، فأحدث طلاقا يقطع العصمة ، ونزه نفسه عن أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها ، فجعل النبى - عليه السلام - فعله سنة. وتأوله بعض شيوخنا أنه كقول أبى حنيفة ، وليس كذلك ، بل هو عندى نحو ما تقدم لابن نافع . وقوله: ((قبل أن يأمره رسول الله عَّه)): يقتضى أن الفرقة تقع بغير حكم ، وهو قول كافة العلماء كما تقدم . وقوله: ففارقها، فقال رسول الله عَمّ: ((ذاكم التفريق بين كل متلاعنين)): ومعناه عندنا تبيينه - عليه السلام - الحكم لا إيقاع الفراق، بدليل قوله: (( قبل أن يأمره رسول الله عَّ بذلك))، ولقوله: ((فكانت تلك سنة المتلاعنين))، وقيل: إشارة إلى تأبيد التحريم ، وهو قول كافة العلماء . وقد جاء فى حديث ابن شهاب من رواية ابن وهب : فمضت سنة المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعا . وشذ بعضهم فقال : هو ثلاث . قال ابن لبابة: إن لم يطلق هو [ ثلاثاً ](١)، طلق عليه الإمام . ولم يمنعه من مراجعتها بعَد زوجٍ ، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وعبيد الله بن الحسن : هى واحدة بائنة وتقدم قول البتّى : أنه لا فرقة به ، وحكاه الطبرى عن جابر بن زيد : فإن أكذب نفسه بعد اللعان والفراق ، جُلد الحدّ ، ولم ترجع إليه أبداً عند مالك وأهل الحجاز وفقهاء الأمصار ، وخالفه أبو حنيفة فقال : يكون خاطباً من الخطاب وتحل له ، وقال عبد العزيز نحوه ، وروى عن الشعبى : أنها ترد إليه . ولم يختلف فقهاء الأمصار بأن مجرد قذف الرجل لزوجه لا يحرّمها عليه ، إلا (١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم . ٨٤ - كتاب اللعان قَالَ زُهَيْرٌ فِى رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: أبا عبيد فقال : إنه يحرم . ٢٦٢/ ب وقوله فى الحديث الآخر: ((وكانت حاملاً، فكان / ابنها ابن أمة)) : حجة بانتفاء الحمل بلعان الرؤية ، وهو مشهور مذهبنا إذا لم يكن الحمل ظاهراً وادعى استبراء ، وقيل : يحتاج إلى لعان ثان . وقوله : فى الحديث: (( فألحق الولد بأمه )) : أى لا أب له ، وقيل : بل أقام أمه مقام الأب والأم ، وفى الرواية الأخرى : (( فكان لأمه مثله )) : أی لا يدعی لأب إلا لأمه، أو ليس له أب سوى أمّه، وإنما ينسب إلى قوم أمه أو مواليها إن كانت مولاة، على ما يأتى بعد. وقوله: (( ثمّ جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها)): لا اختلاف فى هذا ، ولا فى توارثه مع أصحاب الموارثات من قبل أمه ؛ كجدته وأخوته ، أنهم يتوارثون على أنهم إخوة لأم ، وأما توأم ولد الملاعنة ، فعلى أنهم أشقّاء ، وما بقى بعد أصحاب السهام منهم فلموالى أمه إن كانت مولاة ، أو لجماعة المسلمين إن كانت عربية ، هذا قول مالك والزهرى والشافعى وأبى ثور . وقالت طائفة : يرثه ورثة أمه ، وقاله الحكم وحماد ، وقال آخرون : عَصَبته عصبة أمه ، وروى عن على وابن مسعود وعطاء وابن عمر ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وقالت طائفة : أمه عَصَبة ، فما بقى عن أهل السهام فلها ، وقال أبو حنيفة : يردّ ما فضل عن ورثته إن كانوا ذوى أرحام . وقوله : ((فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو))(١): قال الخطابي : معناه : اللهم احكم أو بيّن الحكمة ، والفتاح : الحاكم ، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم﴾(٢). وقوله: ((فنزلت هذه الآية - يعنى آيات اللعان - فتلاهن عليه، ووعظه)) وذكر أنّه دعا المرأة ، ففعل بها مثل ذلك : سنة فى وعظ المتلاعنين ، وذهب الشافعى أن الإمام يعظ كل واحد بعد تمام الرابعة وقبل الخامسة. قال الطبرى : فيه أنه يجب للإمام أن يعظ كل من يحلفه . وقوله: ((بدأ بالرجل)) : هى سنة الحكم ، البداية به ؛ لأنه القاذف الذى يدرأ الحد عن نفسه بشهادته ، والذى بدأ الله به ، وأيمانه كالشهود على دعواه ، ويسقط به عنه مالزمه من الحد ، ويثبت عليها هى الحد ، إلا أن الله تعالى جعل لها مخرجاً بأيمانها أيضاً، مقابلة لأيمانه كمعارضة الشهادة ، فينتفع بذلك ويسقط بها ما وجب عليها ، وهذا ما (١) حديث رقم (١٠) بالكتاب . (٢) سبأ : ٢٦ . ٨٥ كتاب اللعان سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾﴾. ٠ أجمع عليه العلماء . وقوله: (( فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين)): قال ابن المنذر فى رواية من رواه فى الحديث: ((فجاء فشهد))، وكذا ذكره البخاري(١)، دليل على تلاعنهما قائمين . ولا خلاف فى وجوب اللعان بهذا القول ، وأنه صفة اليمين ، لكن اختلف العلماء فى زيادات وبيانات فى هذه اليمين ، حسب دعوى الزوج ، من رؤية أو مجرد قذف أو نفى حمل ، اختلافا [ لا يؤول إلى تنافر ](٢)، وإنما هو حكمٌ بالتمام والكمال ، والأمر المتقارب مما هو معروف فى مذهبنا ، مشهور من مذهب غيرنا ، هل يقول : أشهد بالله أو أعلم بالله ، وهل يزيد بعد قوله : أشهد بالله الذى لا إله إلا هو أم لا ؟ ، وهل تزيد فى دعوى الرؤية بعد قوله : إنى لمن الصادقين ، لرأيتها تزنى كالمزود فى المكحلة ، كما يقول الشهود ، أم يقتصر على قوله : رأيتها تزنى ، فقط ؟ وهل قوله : إنى لمن الصادقين لازم، أم يكفيه الحلف على نص دعواه الذى فيه تصديقه ؟ وكذلك هل يقتصر فى نفى الحمل على قوله : لزنت ، أو يزيد : ما هذا الحمل منى ؟ هل يزيد : لقد استبرأت أم لا ؟ ويكون يمين المرأة على تكذيبه بحسب هذا . وكل هذا مختلف فيه فى مذهبنا . وهل تجزئ اللعنة فى الغضب أم لا؟ وهل يقوم قوله: (( ما كذب عليها فى الخامسة)) مقام قوله: ((إنى لمن الصادقين))؟ وهى أيضاً فى الخامسة أم لا يجزئ إلا ما نص الله تعالى عليه ؟ . ذهب الشافعى ، ونحوه مذهب الليث والثورى وأبى حنيفة أنه يقول: (( أ شهد بالله إنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا)) ويشير إليها، وإن كان نفى حملاً زاد: ((وما هذا الحمل منى)) . وقال زُفر: مثل هذا، إلا أنه قال: إنه يخاطبها وتخاطبه، بقوله: (( فيما رميتك به)) وتقول هى : (( فيما رميتنى به » . وقوله: ((ثم ثنى بالمرأة)): هذه سنة هذا الحكم. واختلف عنه ما إذا ابتدأت المرأة باللعان ثم لاعن الزوج ، هل يجزيها ؟ وهو قول أبى حنيفة أم تعيد اللعان ؟ (١) البخارى ، ك الطلاق ، ب يبدأ الرجل بالتلاعن ٧/ ٦٩ عن ابن عباس. (٢) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش بسهم. ٨٦ كتاب اللعان ٦ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ نَّهُ بَيْنَ أَخَوَىْ بَنَى العَجْلانِ. وَقَالَ: ((اللهُ يَعْلِمُّ أَنَّ أَحَّدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)) . ( .. ) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ اللعَانِ؟ فَذَكَرَ عَنِ النَِّّ ◌َهُ بِمِثْلِهِ. وقوله: فى هذا الحديث: (( ثم فرق بينهما)) : حجة الجماعة على ما تقدم . وقوله: ((الله يعلم أن أحدكما كاذب)): ظاهره أنه بعد الملاعنة ، وحينئذ تحقق الكذب عليهما جميعاً، ووجبت التوبة. وذهب الداودى أنه إنما قاله النبى عَّه قبل اللعان لا بعده ، تحذيراً لهما ووعظاً ، والأول أظهر وأولى بمساق الكلام . وفيه رد على من ذهب من النحاة ، أن أحدًا لا تستعمل إلا فى النفى، وقول بعضهم: لا تستعمل إلا فى الوصف ، وأنها لا توضع موضع واجب ، ولا توقع موقع واحد ، وقد أجاز هذا المبرِّد ، وجاء فى هذا الحديث فى غير وصف ولا نفى وبمعنى واحد ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِم﴾(١) . قال الخطابي : وفيه أن البينتين إذا تعارضتا تهاترتا وسقطتا. وقال المهلب : فى حديث المتلاعنين من الفقه: أن المختلفين المتضادين اللذين يعلم أن أحدهما كاذب أنهما لا يعاقبان ، لعذر النبى ◌َّه المتلاعنين ولم يقم عليهما حداً ، وكل واحد مكذب لصاحبه ، قال نحوه أبو عبد الله . ٢٦٣ / أ جاء فى هذه الأحاديث هلال بن أمية [ وهو خطأ، والصحيح أنه ((عويمر)). وقال الطبرى يستنكر قوله فى حديث هلال ](٢): وإنما هو «عويمر)) وهو الذى قذفها بشريك ابن سحماء ، وكانت هذه القصة / فى شعبان سنة تسع من الهجرة ، وقال غيره : هما قصتان ، ويحتمل أنهما كانتا متفاوتتى الوقت ، فنزل القرآن فيهما ، وسميت ملاعنة وفيها لعان وغضب ؛ لأنها بمعنى من سخط الله وإبعاده من رحمته ، وغلب لفظ اللعان؛ لأنه الذى بدأ به فى الآية ، والحكم أو لتغليب الرجل . وقول ابن جبير: ((سئلت عن المتلاعنين ، فما دريت ما أقول))، من إنصاف العلم، وحقيقة الورع ، حسب ما كان عليه ابن جبير . وقوله: (( ومضيت إلى ابن عمر باحثاً عن المسألة)) : فيه ما كانوا عليه من الحرص على العلم والأخذ فيه بالحقيقة . (١) النور : ٦ . (٢) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش . ٨٧ كتاب اللعان ٧ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ المسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار - وَاللفْظُ للمِسْمَعِىِّ وَأَبْنِ المُثَنَّى - قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَادٌ - وُّهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةً، عَنَّ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصَعَبُ بَيْنَ الْتَلَاعِنَيْنِ . قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِىُّ اللهِ عَّهُ بَيْنَ أَخَوَىْ بَنِى العَجْلانِ. ٨ - (١٤٩٤) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، قَالا: حَدَّثَنَا مَالك. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى - وَاللفْظُّ لُهُ - قَالَ: قُلْتُ لِمَالك: حَدَّثَّكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَّ؛ أَنَّ رَجُلاً لا عَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِرَسُولِ اللهِ عَّهُ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِعَّهُ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِِّ؟ قَالَ نَعَمْ . ٩ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالا : حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالا: لاعَنَ رَسُولُ اللهِ عَُّ بَيِّنَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَامْرَأَتِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا . ( .. ) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْثَنَى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْمَى - وَهُوَ القَطَّانُ. عَنْ عُبَيْدِ الله بِهَذَا الإِسْنَادِ . ١٠ - (١٤٩٥) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللفْظُ لِزُمَيْر - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ وقول الغلام له: ((أنه قائل)) : أى نائمٌ القائلة لوقت نومه فيها . فى ذلك أنه لا يشق على العالم ومن يحتاج إليه فى أوقات راحاتهم ونومهم ويترك لهم أوقات لذلك . وقول ابن عمر لما سمع صوته ابن جبير: «والله ما جاءبك فى هذه الساعة إلا حاجة»: دليل على ما قدمناه ، أن عادتهم كانت ألا يقصدوا مثله فى هذا الحين . وقوله: ((فوجدته مفترشاً بردعة متوسداً مرفقة حشوها ليف ))(١) ، فى رواية غير مسلم: ((برذعة رحله))(٢):، أى رحل بعيره. فيه ما كانوا فيه من الاقتصاد والتقلل من الدنيا ، واهتبال ابن عمر من قصده وسؤاله عن حاجته وما جاء به . إذ علم بشاهد الحال أنها مهمّة . (١) الدارمى، ك النكاح، ب فى اللعان ٢/ ١٥٠. (٢) أحمد فى مسنده ١٦٥/٥ . ٨٨ - - كتاب اللعان إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: إِنَّا - ليْلَةَ الْجُمُعَة - فى المَسْجِد، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَنْهَ رَجُلاً فَتَكَلَمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ؛ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظِ. وَلله، لأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ عَّهِ . فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَد أَتَّى رَسُولَ اللهِلَّهِ فَسَأَلُهُ. فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَنْهَ رَجُلاً فَتَكَلِمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظِ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ، افْتَحْ))، وَجَعَلَ يَدْعُو . فَنَزَلَتْ آيَةُ اللعَان: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُم﴾ (١) هَذه الآيَاتُ، فَابْتُلِى بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَنْهُ إِلَى رَسُول الله عَِّ فَتَلَاعَنَا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتِ بِاللهِ إِنَّهُ لمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ . فَذَهَبَتْ لِتَِّعَنَّ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِعَ: (( مَّهْ))، فَأَبَتْ فَلَعَنَتْ. فَلَمَّا أَدْبَرَاَ قَالَ : ((لعَلَّهَا أَنْ تَجِىءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا)) فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا . ( .. ) وَحَدَّثَنَهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثْنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلِيْمَانَ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ١١ - (١٤٩٦) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلِى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالك، وَأَنَا أَرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْهُ علمًا، فَقَالَ : إِنَّ هلالَ بْنِ أُمََّ قَذَفَ امْرَأَنَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءٌ ، وَكَانَ أَخَا البَرَاءِ بْنِ مَالِكَ لِأُمَّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلَ وقوله: ((لعلها أن تجىء به أسود جعدٌ)) الحديث : فيه دليل أنه لا حكم بالظنون والشبه والدلائل ، مع وجود ما هو أقوى منها ، كما تقدم فى حديث ابن زمعة . قال الإمام : هذا دليل على جواز لعان الحامل فى حال حملها ، وقد قال بعض أصحابنا : إنه إذا لاعن لنفى النسب لا يحل استبرائه ولم يشاهد زنا ، فإنه لا يجب أن يلاعن وهى حامل ؛ لجواز أن يكون ريحا يتفشّ ، وانفصل عن هذا الآخرون ؛ أن الحمل قد يقطع عليه ، والغلط فيه بالريح نادر ، وقد علق فى الشرع أحكام على الحمل ، منها إيجاب النفقة لها بالحمل ، وردها بعيب الحمل ولم يسقط فى الشريعة لاعتبار ذلك . وقوله: (( قذف امرأته بشريك بن سحماء )) الحديث ، قال الإمام : اختلف الناس إذا قذف الرجل زوجته بشخص بعينه ، هل يحدّ له أم لا ؟ وإن لاعن لزوجته ، فعند مالك : (١) النور : ٦ . ٨٩ كتاب اللعان لا عَنَ فِى الإِسْلامِ. قَالَ: فَلاعَنَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بهِ أَبْيَضَ سَبطًا قَضِىءَ العَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلالِ بْنِ أُمَّيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ ». قَالَ: فَأَنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ . أنه يحد للرجل ؛ لأن الأصل إثبات الحد على القاذف ، وإنما سقط عن الزوج بلعانه لأجل الضرورة إلى ذلك ، وأنه لا يستغنى عن ذكر زوجته ، وأما الزانى بها فلا ضرورة به إلى ذكره ، وهو غنى عن قذفه ، فبقى على الأصل فى وجوب الحدّ له . وقال الشافعى: لا يُحد للرجل إذا أدخله فى لعانه، وتعلق بأنه عمّي لم يحد الزوج لشريك بن سحماء وقد سماه ، وقال بعض أصحابنا : لا حجة له فيه لوجهين : أحدهما: أن شريكاً كان يهودياً . والثانى : أن شريكاً لم يطلب حده ، ولا قام بطلب عرضه ، فلم يكن فى ذلك تعلق . قال القاضى : لا يصح قول من قال : كان شريك يهودياً ، وهو باطل. وهو شريك ابن عبدة بن مغيث ، وهو بلوىٌّ حليف للأنصار ، وهو أخو البراء بن مالك لأمّه ، كما جاء بعد هذا آخر الباب . وقوله لرسول الله: الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ فقال عليه: ((لا))، فقال سعد: بلى والذى أكرمك بالحق، فقال عَّه: ((اسمعوا ما يقول سيدكم))(١)، قال الإمام: معنى ذلك عندى أن قوله: ((بلى )) بمعنى : أنه لا تتركه نفسه لذلك ، وأن طباعه ربما غلبته ، وتستولى عليه الغيرة حتى يقتله ، وإن كان عاصياً لك(٢) فى ذلك، لا على أنه ردًّ قول النبى عليه ، وقصد مخالفته . وقوله: ((إن جاءت به أكحل جعداً أحمش الساقين)): قال الهروى : الجعد فى صفات الرجال يكون مدحاً ، ويكون ذماً ، فإذا كان مدحاً فله معنيان : أحدهما : معصوب الخلق شديد الأسر ، والثانى : أن يكون شعره غير سبط ؛ لأن السبوطة أكثرها فى شعور العجم. وأما الجعد المذموم فله معنيان : أحدهما : القصير المتردد ، والآخر : البخيل. يقال : جعد اليدين وجعد الأصابع : أى بخيل . وفى حديث آخر: ((إن جاءت به جعداً قططاً)) (٣): القطط: الشديد الجعودة، (١) حديث رقم (١٤) بالكتاب . (٢) فى ع : ذلك . (٣) البخارى ، ك الطلاق ، ب قول الإمام: اللهم بين ٧/ ٧٢، والنسائى ، ك الطلاق ، ب قول الإمام اللهم بين ، برقم (٣٤٧١) . ٩٠ كتاب اللعان ١٢ - (١٤٩٧) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ وَعِيسَى بْنُ حَمَّد المِصْريَّان - وَاللفْظُ لابْنِ رُمْح - قَالا : أَخْبَرَنَا الليْثُ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَّاس؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكرَ التَّلَاعُنُ عَنْدَ رَسُول الله ◌َُّ . فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِىٌّ فِى ذَلِكَ قَوْلاً ، ثُمَّ انْصَرَفَ . فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إليْهَ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلاً. فَقَالَ عَاصِمٌ : مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلا لِقَوْلِى. فَذَهَبَ بِهِ إِلى رَسُولَ الله ◌ََّ فَأَخْبَرَهُ بِالذِى وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَنَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًا، قَلِيلَ اللحْمِ ، سَبْطَ الشَّعَرَ. وَكَانَ الذى ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ، خَدْلاً، آدَمَ، كَثِيرَ اللحْمِ . فَقَالَ رَسُولُ الله عََّ: (اللهُمَّ، بَيِّنْ)) فَوَضَعَتْ شَبِيهَا بِالرَّجُلِ الذِى ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا ، يقال: رجل جعد، [ وشعر جعد ](١): بيّن الجعودة، وقططٌ : بيّن القطوطة . وقوله: (( حمش الساقين)) : أى دقيق الساقين. قال الهروى : يقال : امرأة حمشاء الساقين ، كرعاء اليدين : إذا كانت دقيقتهما . قال غيره : والحموشة : دقة الساقين. وقوله: ((إن جاءت به سبطاً قضىء العين)): السبوطة: استرسال الشعر وانبساطه. ورجل سبْط وسبَط بفتح الباء وكسرها ، لغتان من السبوطة ، وكذلك شعر سبْط ، وسبَط. وقد سبط شعر الرجل سبوطة ، وقضىّء العين : أى فاسد العين. قال ابن دريد فى الجمهرة : يقال : قضيت عين الرجل : إذا احمرت ودمعت ، وقد قضيت القربة تقضيًا وقضاء فهى قضية ، على وزن فَعِلة(٢) إذا عضنت وتهافتت ، قال ابن ولاد: وسقاء قضى:[ إذا طال مكثه فى مكان ففسد وبلى، والقضؤ مقصور مهموز : العيب. قال ابن دريد: [وقضى ] (٣) حسب الرجل قضاء وقضوا وقضاة : إذا دخله عيب ، وإن فى حسبه لقضاة. ولا تفعل كذا قال فيه : قضاه علىّ. قال الهروىّ : وقضى الثوب : إذا تفزَّر(٤) وتشقق . قال غيره من طُول البلى . وقوله فى صفة الذى وجده عند أهله: (( خدلا ، آدم)» : الخدل ، بخاء معجمة مفتوحة ودال مهملة : الممتلئ الساق والآدم : الشديد السَّمرة ، وجمعه أُدْم مثل أحمر وحُمْر، وأما آدم إِذا كان اسماً ، فهو مشتق من أدمة الأرض ، وأُدمتها : أى وجهها ، فسمىّ ٢٦٣/ ب بما خُلق منه ، وجمعه / آدميون . قال القاضى: وفى قوله - عليه السلام -: ((إن جاءت به على صفة كذا التى ذكرها (١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم . (٢) فى ع : فعيلة . (٤) فى ع : تفرق . (٣) سقط من ع . ٩١ كتاب اللعان فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ عَُّ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ فِى الَجْلِسِ: أَهِىَ التِى قَالَ رَسُولُ الله تعَّ: ((لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًاً بِغَيْرِ بَِّةِ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ ». فَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ: لا، تِلكَ امْرَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِى الإِسْلامِ السُّوءَ . ( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ، حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْس، حَدَّثَنِى سُلْيْمَانَ - يَعْنِى ابْنَ بِلال - عَنْ يَحْنَى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَنُ القَاسِمِ، عَنِ اَلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَّاس؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكرَ المُتَلَاعِنَانِ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ . بِمِثْلِ حَدِيثِ الليْثِ. وَزَادَ فِيْهِ - بَعْدَ قَوْلِهِ كَثِيرَ اللحْمِ - قَالَ : جَعْدَا قَطَطًا . ١٣ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللفْظُ لعَمْرو - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزَّنَادِ ، عَنِ القَاسمِ بْنِ مُحَمَّد ، قَالَ : قَالَ عَبِّدُ اللهِ بْنُ شَدَّاد . وَذُكِرَ الْتَلَاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ ابْنُ شَدَّادِ : أَهُمَا اللذَانِ قَالَ النَّبِىُّ عَ: ((لَوْ كُنْتُ رَأَجِمَا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَّةٍ لِرَجَمْتُهَا؟ )) . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: لا، تلكَ امْرَأَةٌ أَعْلِنَتْ . قَالَ ابْنُ فهو لفلان، يعنى زوجها، وإن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان، يعنى الذى رماها به)). وفى الحديث الآخر: ((لعلها أن تجىء به كذا على الصفة التى ذكر))، وفى رواية البخارى: اللّه ((فلا أراها إلا صدقت، وإن جاءت به كذا فلا أحسبه إلا صدق)) (١): ظاهره أن النبي قال ذلك على التفرس وغلبة الظن بقوله: ((لا أراها)) و((لعلها))، ولو كان بوحى وإعلام من الله بذلك، لم يقل : أراها وأحسبه. وفيه النظر بالأشباه، والقيافة إنما هى فى الفراشين المشتبهين ، وأما الفراش الذى لا شبهة فيه ، فلا حكم له بحال ، وأن إقامة الحدود ونفى الأنساب وقطعها لا يحتج فيها بمثل هذا ، إلا فى القطع واليقين ، وفيه أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة ، والتجلية للتعريف ليس بغيبة . قال الإمام: وقوله تعَّ: ((اسمعوا إلى ما يقوله سيدكم)). قال ابن الأنبارى وغيره: السيد : الذى يفوقُ فى الفخر قومه ، والسيد أيضاً : الحليم ، وأيضاً : الحسن الخلق ، وأيضاً : الرئيس ، قال الشاعر : فإن كنت سیدنا سدتنا وإن كنت للخال فاذهب فخلٍ وأنشد ابن قتيبة : قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة (١) ك الطلاق ، ب التلاعن فى المسجد ٧/ ٧٠ . ٩٢ كتاب اللعان أَبِى عُمَرَ فِى رِوَتِهِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. ١٤ - (١٤٩٨) حَدَّثَنَا قُتََّةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبِّدُ العَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنْ سُهَيّل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهَ، أَرَأَبْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَنِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((لا)) . قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَاَلِذِى أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((اسْمَعُوا إِلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ)). ١٥ - ( ... ) وَحَدَّثَنِى زُهِيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعَّدَ بْنَ عُبَادَةً قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَنِى رَجُلاً، أَمْهِلهُ حَتَّى آَتِى بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ )) . ١٦ - (.) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلد ، عَنْ سُلِيْمَانَ بْنِ بلال، حَدَّثَنِى سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : يَا رَسُولَ الله، لَوْ وَّجَدْتُ مَعَ أَهْلِى رَجُلاً، لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِىَ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ:(( نَعَمْ)). قَالَ : كَلَا، وَالذى بَعَثَكَ بالْحَقِّ! إِنْ كُنْتُ لِأُعَاجِلُهُ بِالسَّفِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ الله (اسْمَعُوا إِلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إِنَّهُ لِغُيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَّرُ مِنْهُ، وَهُ أَغْيَرُ مِنِّى)). ١٧ - (١٤٩٩) حَدَّثَنِى عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ القَواَرِيرِىُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فَضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الجَحْدَرِىُّ - وَاللفْظُ لأَبِى كامل - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ وَرََّد - كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ - عَّنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوَّ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِى لِضَرَبَتُهُ بِالسَِّ غَيْرُ مُصْفَحٍ عَنْهُ. فَبَلِغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِعَّهُ. فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ وقوله: (( لضربته بالسيف غير مصفح)»: أى غير ضارب بصفح السيف ، وصفحا السيف : وجهاه ، وغراره : حدّاه . قال القاضى: وقول عاصم: ((ما ابتليت بهذا إلا لقولى))، وفى أول الحديث: ((فقلت فى ذلك قولاً )) : قيل : لعله قال نحو قول سعد ، أو غير من امتحن بذلك ، أو وبخه على ذكره فعوقب بأن أصاب ذلك رجلاً من قومه، حتى احتاج لسؤال النبى معَّه عن أمره. وقوله فى خبر سعد: (( إنه لغيور ، وأنا أغير منه ، والله أغير منى ، من أجل غيرة الله حرَم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) الحديث ، الغيرة : أصلها المنع ، فأخبر - عليه السلام - أن سعداً غيور ، مانع لحرمته ، وأنه من خلق أهل الإيمان والكمال ، وأخبر أنها ٩٣ كتاب اللعان مِنْ غَيْرَةِ سَعْد؟ فَوَ الله ، لأَنَا أَغَيْرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّى، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ الله حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ ، وَلَا شَّخْصَ أَحَبُّ إِليْهِ العُدْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمَنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ وَعَدَ الله الجنَّةَ)). من أوصافه هو - عليه السلام - وخلقه ، وأنه أغير منه بحسب منيف منزلته ، وأخبر أن الله أغير من الكل، وفَسَّر [ ذلك](١) بقوله: (( من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن))، وهذا هو حقيقة الغيرة من المنع الذى قدمناه. وقد جاء فى حديث آخر مفسَّراً، قال: ((وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرّم الله)) (٢)، لكنها فى البشر يقترن بها تغير حال وصفات بطش وانزعاج زائد على مجرد المنع . إذ هم محلّ التغيير واختلاف الحال ، والله تعالى لا يليق به شىء من ذلك . وقوله: ((لا شخص أغير من الله)): قيل يحتمل أن يكون معناه : لا ينبغى لشخص أن يكون أغير من الله ، وهو تعالى لم يعجل ولم يبادر عقوبة عباده فى اقترافهم ما نهاهم عنه ومنعهم منه ، بل حذرهم وأنذرهم وأعذر إليهم وأمهلهم ، فينبغى أن يتأدب بأدبه ، ويستن بسنته ، وكأن هذا ردّ لقول سعد : أأمهله حتى آتى بأربعة شهداء ؟ وقوله: ((( لضربته بالسيف غير مصفح)) فصحح هذا التأويل. وقوله: ((ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين)): أى الإعذار والإنذار لخلقه ، قبل أخذهم بالعقوبة ، وعلى هذا لا يكون فى ذكر الشخص هنا ما يشكل، وقد يكون ذكر الشخص تجوّزاً ، والله تعالى متعال عن التشخص، وإنما وقع الشخص على غيره على معنى شىء واحد ، وقيل : قد يكون الشخص بمعنى المرتفع : أى لا مرتفع أرفع من الله ؛ لأن الشخص ما شخص وظهر ونما وارتفع. وقوله: ((ولا أحب إليه المدحة من الله))، قال الإمام : المدحة، بكسر الميم ، لا تكون إلا مع إدخال الهاء للتأنيث، فإذا ذهبت الهاء وبقى لفظ التذكير فتحت الميم، فيقال: هو المدح وهى المدحة . قال القاضى: وقوله: (( من أجل ذلك وعد الجنة)): معناه - والله أعلم - : أنه لما وعدها ورغب فيها ، أكثر السؤال له ، والطلب إليه ، والثناء عليه ، ولا يحتج بهذا على (١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم. (٢) سيأتى فى مسلم ، ك التوبة، ب غيرة الله وتحريم الفواحش، برقم (٣٦)، أحمد فى مسنده ٣٤٣/٢، ٥٢٠، الترمذى، ك الرضاعة، ب ما جاء فى الغيرة (١١٦٨) وقال : حديث أبى هريرة حديث حسن غريب . ٩٤ كتاب اللعان ( .. ) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٌّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلُهُ. وَقَالَ: غَيّرَ مُصِفَحٍ ، وَلَمْ يَقُلْ عَنّهُ. جواز استجلاب الإنسان الثناء على نفسه ومدحه ، فهذا مذموم قصده منهىّ عنه ، فأما حبه بالقلب ، فما لا يجد المرء منه بدا ، والله تعالى مستحق للمدح ومستوجب له ، والعباد فالنقص لهم لازم، وإن استحقوا المدح من جهة ما ، مع أن المدح يفسد قلوبهم ، ويعظمهم فى نفوسهم حتى يستحقروا غيرهم؛ ولهذا قال - عليه السلام -: ((احثوا التراب فى وجوه المداحين ))(١)، وقال: ((لو سمعها ما أفلح))، وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾(٢) . وقوله: (( لو كنت راجماً بغير بينة لرجمت هذه)) ، وذكر امرأة كانت تظهر السوء فى الإسلام، وفى الرواية الأخرى: ((أعلنت)): فيه حجة ألاَّ تقام الحدود بكثرة السماع، وغلبة الظنون ، إذا لم يكن على أصل شرعى ، من بينة أو إقرار أو ما يقوم مقام ذلك . وقوله: يا رسول الله، مالى، قال: ((لا مال لك))(٣). الحديث : صداق الملاعنة واجب بالإجماع. قال ابن المنذر : وفيه دليل على أنه لا رجوع عليه بالمهر وإن أقرت بالزنا، لقوله: ((وإن كنت صادقاً عليها ، فبم استحللت من فرجها)»(٤). قالوا : وحديث هذا الباب يوجب الصداق بالدخول . واختلف فى الملاعنة إذا لم يدخل بها ، فعند جماعة فقهاء الأمصار : أنها كغيرها لها نصف صداقها ، وقاله مالك ، قال الزهرى : لا صداق لها جملة ؛ لأنه فسخ ، وحكاه البغداديون عن المذهب ، وهو على أصل المذهب أنه فسخ ، وليس إيجاب نصف الصداق بالذى يقتضى أنه ليس بفسخ على ما أشار إليه بعضهم ، بل لتعارض أيمانهما التى قامت مقام تعارض الشهادات فى وجوب الصداق أو إسقاطه ، فقسم بينهما لاستواء دعواهما فيه على أصلنا ، أو مراعاة لاختلاف العلماء ، هل هو فسخ أو طلاق ؟ وقال الحكم وحماد وأبو الزناد : لها الصداق كله؛ إذ ليس بطلاق . وقوله: (( سألت أنساً وأنا أرى عنده علماء ، فقال : إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك من أمه)). وفى رواية السمرقندى: ((وكان أخاه لأمه )»(٥) قد شكل هذا ويظن أنه راجع إلى أنس بن مالك؛ إذ البراء بن مالك أخوه، (١) أحمد فى مسنده ٢٥/٦، مسلم، ك الزهد والرقائق، ب النهى عن المدح رقم (٦٨)، وأبو داود ، ك الأدب ، ب فى كراهية التمادح (٤٨٠٤)، الترمذى ، ك الزهد ، ب ما جاء فى كراهية المدحة والمداحين (٢٣٩٣)، ابن ماجة، ك الأدب، ب المدح (٣٧٤٢) كلهم عن المقداد بن عمرو . (٢) النجم : ٣٢ . (٣، ٤) حديث رقم (٥) بالكتاب . (٥) هى رواية النسخة المطبوعة لحديث رقم (١١) بالكتاب. ٩٥ كتاب اللعان ١٨ - (١٥٠٠) وَحَدَّثْنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَعَمْرُوْ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبِ - وَاللفْظُ لِقُتََّةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُقْيَانُ بْنُ عُبَّنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُسََّّب، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ إِلى النَّبِىِّ ◌َُّ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَّتِى وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ . فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َِّ: ((هَلْ لِكَ مِنْ إِبْلِ؟)) قَالَ نَعَمْ. قَالَ: (( فَمَا أَلْوَانُهَا؟)). قَالَ: حُمْرٌ . قَالَ: ((هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟)) قَالَ: إِنَّ فِيهَا لُوُرْقًا. قَالَ: ((فَأَنَّى أَهَا ذَلَكَ؟». قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ . قَالَ: (( وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ )). ١٩ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَّدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ ابْنُ رَفع: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْك، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْب، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَاد. نَحْوَ حَديث ابْنِ عُبَّنَةَ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ مَعَمَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُوَلَ اللهَ، وَدَتِ امْرَأَنِىَ غُلامًا أَسْوَدَ، وَهُوَ حِيْتَذِ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَّهُ. وَزَادَ فِى آخِرِ الْحَدِيثِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِىِ الانْتِفَاءِ مِنْهُ. ٢٠ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى - وَاللفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ أَعْرَابًا أَتَى رَسُولَ اللهِ عََّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ امْرَأَتِى وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّى أَنْكَرْتُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ◌ََّ: ((هَلْ لكَ مِنْ إِيلِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: « مَا أَلَوَنُهَا ؟)) قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: ((فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِعَُّ: ((فَأَنَّى هُوَ؟)) وقد وهم فى هذا ابن خيثمة فذكرهما فى الأخوة للأم ، ولعله من ظاهر هذا الحديث وَهم واتبعه أبو عمر فيه ، وليس كذلك ، إنما هو أخوه لأبيه لا من أمه. كذا قال البخارى والعُصْفرى وغيرهما / فيه ، وإنما أراد بذلك شريك بن سحماء هو أخو البراء بن مالك لأمه ، وهو ظاهر فى الحديث بيّن. وشريك بلوىّ حليف للأنصار وقول ابن جبير: ((فرق المصْعَب بين المتلاعنين))، كذا لابن الحذاء، ولغيره: ((لم يفرق)) (١) قيل: صوابه «لمَ فرق)). وقوله للذى أنكر لون ولده: ((ألك من الإبل ؟)) قال : نعم - الحديث ، إلى قوله: ((هل فيها من أورق؟))، قال الإمام: هو الأسمر ، وهو من الورقة ، ومنه قيل للرماد : أورق ، وللحمامة ورقاء . (١) حديث رقم (٧) بالكتاب . ٢٦٤ / ١ ٩٦ - كتاب اللعان قَالَ : لِعَلَهُ يَا رَسُولَ اللهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ◌َّهُ: (( وَهَذَا لعَلَهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عرق لهُ)). ( ... ) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ، حَدَّثْنَا الليْثُ، عَنْ عُقْيَّلِ ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ . قال القاضى : فى هذا الحديث حجة للقول بالقياس ، والاعتماد وضرب الأمثال والأشباه لتقريب الأفهام ، وعرض الغامض المشكل على البين الظاهر . ومعنى قوله: ((فلعل عرقاً نزعه)): أى أشبهه وأظهر لونه. والعرق هنا : الأصل من النسب ، شبه بعرق الثمرة ، يقال : فلان مُعْرِق فى الحسب وفى اللؤم والكرم. وأصل النزع : الجذب ، كأنه جذبه لشبهه به ، يقال منه : نزع [ ينزع ، وهو مما شذ عن الأصل مما جاء على فَعَل يَفْعلُ فيما عينه من حروف الحلق أو لامه ، وأصله المطرد فَعل يفعَلُ ، يقال منه : نزع ](١) الولد لأبيه ، ونزع إليه ، ونزعه أبوه إليه كله . وفى هذا الحديث أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به المشاتمة ، وكان لمعنى وضرورة أو شكوى أو استفتاء فلا حد فيه ، وقد استدل به من لا يرَى الحد فى التعريض والكناية ، وهو مذهب الشافعى ، ولا فى قول القائل : ليس هذا الولد منى ، وهو مذهب الخطابى. ولا حجة له فى هذا الحديث ؛ إذ ليس فيه شىء من ذلك وإنما فيه إنكاره لونه ، لا إنكاره الولد ونفيه له . تم الجزء الثالث ، والحمد لله وحده ، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ، وحسبنا الله ونعم الوكيل. نتلوه فى الرابع - إن شاء الله - كتاب العتق. ومن الفراغ من نسخه الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة سبعين وستمائة. (١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش . ٩٧ كتاب العتق بسم الله الرحمن الرحيم ٢٠_ کتاب العتق ١ - (١٥٠١) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، قَالَ: قُلْتُ لِمَالك: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: (( مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى عَبْدَ ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ). ( ... ) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثْنَا شَيَّنُ بْنُ فَرُّوْخَ، حَدَّنَاَ جَرِّبِرُ بْنُ حَازِمٍ. ح وَحَدَتْنَا أَبُو الرَّبِعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالاً: كتاب العتق قوله - عليه السلام -: ((من أعتَقَ شِرْكًا [ له] (١) فى عبد (٢)، فكان (٣) له مالٌ يبلغ ثمن العبدِ قُوَّم عليه (٤) قيمة العدْل، [ وأعطى شركاؤه ] (٥) حِصَصَهُم، وعتق عليه العبدُ))، وفى الرواية الأخرى: (( من أعتق شِقْصًا له فی عبدٍ فَخلاصُه فی ماله إن كان له مالٌ ، فإن لم يكن له مال استُسْعِى العبدُ غير مشقوق عليه))، وفى الرواية الأخرى : ((إن لم يكن له مالٌ قُوَّمَ عليه العبدُ قيمة عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعى فى نصيب الذى لم يُعْنِقْ)) ، وفى الرواية الأخرى - فى المملوك بين الرجلين فَيُعْتق أحدُهما - قال: ((يضمنُ)، قال القاضى: فى ذكر الاستسعاء هاهنا خلافٌ . قال أبو الحسن الدارقطنى: روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة - وهما أثبت - فلم يذكرا فيه الاستسعاءَ، ووافقهما همامٌ وَفَصَل الاستسعاء من الحديث، فجعله من [ رأى ] (٦) قتادة ، وعلى هذا أخرجه البخارى (٧) وهو الصواب ، وسمعت أبا بكر النيسابورى يقول : ما أحسن ما رواه همام وضبطه، ففصل قول قتادة . (١) ساقطة من س . (٢) فى س : عبده . (٣) فی س : وكان. (٤) فی س : له . (٥) فى ق ، والمطبوعة : فأعطى شركاءه . (٦) جاء فى الإلزامات: ((رواية))، وأكدَّها المحقق فى تعليقه عليها بأنها فى النسخة الأخرى التى لديه ((روای)) ونسخة القاضى فيما نرى أصوب وأدق . راجع : الإلزامات ١٨٣ . (٧) ك العتق، ب إذا أعتق نصيبا فى عبد وليس له مال استسعِىَ العبدُ غير مشقوق عليه على نحو الكتابة ١٩٠/٣. ٩٨ كتاب العتق / باب ذكر سعاية العبد حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتَى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَجٍ، أَخْبَرِنِى إِسْمَاعِيَّلُ بْنُ أُمَّةً. ح وَحَدَّثَنَا هَرُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ. ح وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَفِعٍ ، حَدَثْنَا ابْنُ أَبِ فُدَّكِ عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، كُلُّ هَؤُلاَءٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ عَنْ نَافِعٍ. (١) باب ذكر سعاية العبد ٢ - (١٥٠٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَابْنُ بَشَّارِ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى - قَالاً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهيك، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ الَِّىِّ ◌َّهُ قَالَ - فِى الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجَّلَيْنِ فَيُعْنِقُ أَحَدُهُمَّا - قَالَ: ((يَضْمَنُ )) . ٣ - (١٥٠٣) وحدّثَنِى عَمْرٌو النَّقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ قال القاضى : وقال الأصيلى وابن القصار وغيرهما : من أسقط السِّعاية أولى ممن ذكرها ؛ لأنها ليست فى الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر . قال أبو عمر بن عبد البر : الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها (١) . قال غيره : وقد اختلف فيه عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، فمرَّةً ذكر فيه السِّعَاية ومَرَّةً لم يذكرها (٢)، فدلَّ أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره . ومعنى الاستسعاء فى هذا الحديث: تكليفه الاكتساب والطلب لقيمة شقص الآخر على قول الأكثرين ، وقيل : يخدم سيده بقدر ماله من الرق ، فعلى هذا تتفق الأحاديث. (١) التمهيد ١٤/ ٢٧٣، الاستذكار ٢٣ / ١٢٠. قال : وأصحاب قتادة الذين هم الحجة على غيرهم عند أهل العلم ثلاثة : شعبة ، وهشام ، وسعيد ابن أبى عروبة ، فإذا اتفق منهم اثنان منهما حجة على الواحد عندهم ، وقد اتفق شعبة وهشام على ترك ذكر السعاية فى هذا الحديث ، فضعف بذلك ذكر السِّعاية . (٢) من هؤلاء : روح بن عبادة ، ويزيد بن زريع ، وعبدة بن سليمان ، وعلى بن مسهر ، ومحمد بن بكر، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن أبى عدى ، هؤلاء أثبتوا السعاية. الاستذكار ٢٣/ ١٢٠. ٠ ٩٩ كتاب العتق / باب ذكر سعاية العبد ◌َّ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِى عَبّد، فَخَلَاَصُهُ فِى مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِىَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقِ عَلَيْهِ )). وقوله: ((غير مشقوق عليه )» : أى غير مكلف ما فيه مشقة . وقوله: ((شقصا))، قال الإمام : الشقص : النصيب ، ومثله الشقيص ، وكذلك قوله: ((من أعتق شركا))، الشرك: النصيب، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْك﴾ (١) ، أى من نصيب ، ويكون الشرك فى غير هذا الشريك، قال الله تعالى: ﴿َجَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٢)، ويكون الشرك - أيضا - الإشراك، يقال: شركته فى الأمر أشركه شركًا ، ومنه حديث معاذ: ((أجاز بين أهل اليمن الشرك)) ، أراد الاشتراك فى الأرض . وقوله: ((فقد عتق منه ما عتق )) : قال : عتَقَ العبدُ فى نفسه: إذا سار حرّاً وأعتقه سيده . قال القاضى: قوله: ((من (٣) أعتق شِرْكًا له فى مملوك)): لفظه عام فى كل معتق من ذكر أو أنثى ، ممن يقع عليه الخطاب أو ينتهى حكمه إليه ، وكذلك ألزمنا التقويم (٤) إذا كان العبد كافرًا بين مسلمين أو بين مسلم ونصرانى، فأعتق المسلم نصيبَه لحق الشريك معه، ولتوجه الخطاب للمسلم . وقد اختلف عندنا إذا أعتق النصرانىُّ ، هل يُقُوَّمُ عليه لحق شريكه المسلم ، أم لا ؟ إذ هو حق الله تعالى [ أو بين المعتِقُ والمعتقُ وهما نصرانيان لا يتوجه لهما الخطاب ، وكذلك اختلف عندنا إن كان العبد مسلما بين نصرانيين فأعتق أحدهما نصيبه ، أو بين نصرانى ومسلم ، فأعتق النصرانى نصيبه على الخلاف هل الحق للشريك فى تبعيض عبده عليه أو للعبد فى حقه تكملة عتقه ؟ والله أعلم] (٥) . قال القاضى أبو محمد: فيه ثلاثة حقوق: حق لله - تعالى - وللشريك، وللعبد ، فعلى مراعاة هذه الحقوق وقع الخلاف ، وتصوير الصور فى المسألة على ما تَقدَّم ، ويأتى إن (٢) الأعراف : ١٩٠ . (١) سبأ : ٢٢ . (٣) فلفظة ((من)) تحتمل أن تكون شرطية، وتحتمل أن تكون موصولة ، وهى على كلا الحالين من صيغ العموم، فتتناول كل من يلزم عتقه من الأحرار المسلمين ، فكل من أعتق من هؤلاء شركا له فى عبد وهو ملىء فإنه يقوَّم عليه ، فلا يقوم على الصبى والمجنون ؛ إذ لا يلزمهما عتق من أعتقاه ، وكذلك العبد إلا أن يأذن له سيده ، فإن أذن له أو أمضى عتقه ، لزمه ، وقدم عليه ، ولا يصح العتق الشرعى من الكافر ؛ لأنه ليس بمخاطب بالفروع على الصحيح ؛ ولأن العتق قربة وليس الكافر من أهلها . إكمال ١٥٢/٤ . (٤) التقويم : أن يقوم نصيب صاحبه يوم العتق قيمة عدل ، ثم يعتق عليه ، قال أبو عمر : وكذلك قال داود وأصحابه فى هذه المسألة ، إلا أنه لا يعتق عليه حتى يؤدى القيمة إلى شريكه ، وهو قول الشافعى فى القديم ، وقال الشافعى : من أعتق شركًا له فى عبد قوِّم عليه قيمة عدل ، وأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق . التمهيد ١٤/ ٢٦٨. (٥) سقط من ق . ١٠٠ كتاب العتق / باب ذكر سعاية العبد ٤ - (.) وحدّثناه عَلَىُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى -يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - عَنْ سَعيد ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ : ((إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيَمَةَ عَدْلِ ، ثُمَّ شاء الله تعالى . وقوله : ((قُوِّم عليه)) : محمولٌ على الوجوب ، ولا تخيير فى الرضا يعم تبعيض العتق لا للعبد ولا للشريك ، مراعاة لحق الله - تعالى - فى ذلك. واختلف عندنا ، هل للشريك التخيير فى أن يعتق نصيبه أو يُقَوَّمُ ؟ وهو المشهور، أو ليس له إلا التقويم فى هذا، وأنه قد وجب عتق جميعه على معتق نصيبه بحكم السراية (١) ؟ على ما سيأتى من اختلاف العلماء والمذاهب فى هذا ، ولا خلاف فى بقاء عتق نصيب المعتق بكل حال بين علماء الأمصار، إلا ما روى عن ربيعة من إبطال عتق المعتق لنصيبه معسرا كان أو موسرًاً(٢)، وهذا قول لا أصل له مع مخالفته جميع الأحاديث . واختلفوا فى الحكم فى نصيب شريكه إذا كان المعتق موسرًا على ستة أقوال : أحدها : أن العبد عتيق نفسه ، ويقوَّم نصيبُ صاحبه عليه بكل حال. وولاؤه كله له، هذا قول الثورى والأوزاعى ، وابن أبى ليلى ، وابن شبرمة ، وأبى يوسف ، ومحمد ابن الحسن ، وأحمد ، وإسحق ، وحكى مثله رواية عندنا فى المذهب(٣) ، وقاله الشافعى فى الجديد ، وأن حرية بعضه قد سرت فى جميعه ، وحكمه من يومئذ حكم الحر فى الوراثة وسائر أحكام الأحرار ، وليس للشريك فيه غير قيمته على المعتق، كما لو قتله، وأنه إذا عتق نصيبه كان عتقه باطلا (٤) ، وأن المعتق إن أعسر قبل أخذه بالقيمة أتبعه الشريك بها دينا، وكذلك لو مات المعتق قبل نهاية عتق جميعه قُوِّم عليه ، ولو استغرق تركته. القول الثاني : أنه لا يعتق بالسراية وإنما يعتق بالحكم ، وأن العبد بحكم العبودية فى نصيب الشريك حتى يحكم بالتقويم ، وأن المعتق إن مات قبل التقويم لم يُقُوَّم عليه ولا على ورثته ، وأن الشريك بعد عتقه مخير فى نصيبه إن شاء قومَّه عليه وإن شاء أعتقه ، (١) هى عتق البعض عتق الجميع ، وسيأتى قريبا إن شاء الله . (٢) قال أبو عمر: وما أشك أنه لم يبلغه - الحديث - ولا علمه. الاستذكار ١٢٦/٢٣، التمهيد ٢٣٤/١٤. (٣) قالوا: يعتق بتلاً - أى قطعًا. التمهيد ١٤/ ٢٧٧ . (٤) يعنى عتق الثانى؛ لأنه بعتق الأول صار حرا . راجع: التمهيد ١٤/ ٢٧٩. قال : وتحصيل مذهب الشافعى ما قاله فى الجديد : أنه إذا كان المعتق لحصته من العبد موسرا ، عتق جميعه حين أعتقه ، وهو حر من يومئذ ، ويورث ، وله ولاؤه ، ولا سبيل للشريك على العبد ، وعليه قيمة نصيب شريكه ، كما لو قتله ، وجعل عتقه إتلافا ، هذا كله إن كان موسراً فى حين العتق للشقص ، وسواء أعطاه القيمة أو منعه ، وإن كان معسرًا فالشريك على ملكه يقاسمه كسبه ، أويخدمه يوما ويخلى لنفسه يوما، ولا سعاية عليه. الأم ٣٥٤/٢، التمهيد ٢٧٩/١٤.