Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الحج / باب فى فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ح وَحَدَثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ . ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهَؤُلاءِ عَنْ سُمَىِّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيَّةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ٍَّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالك . بالرفع ، ففصل بهذه القولة عطفه على الحج ليزيل الإشكال . وقوله: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) : بيّن المعنى فى تكفير السيئات بفعلها، وقيل : يحتمل أن يكون بمعنى ، وفيه حض على تكرارها ، واستدل به بعضهم على جواز العمرة فى السنة مراراً . وقد اختلف السلف فى الاعتمار فى السنة مراراً ، فأجاز ذلك كثير ، منهم الثورى وأبو حنيفة والشافعى وأكثر الفقهاء ، ومنعه آخرون وقالوا : يستحب ألا يعتمر فى السنة إلا مرة، وكذلك فعل النبى - عليه السلام - فلم يكرر فى سفراته عمرة أكثر من مرة ، وهو قول مالك ، إلا أنه إن اعتمر أكثر من مرة لزمه تمام ذلك عنده ، وقال كثير من أصحابه بجواز ذلك ، وقال آخرون : لا يعتمر فى شهر أكثر من مرة . وأما وقتها : فلغير الحاج السنة كلها ، ويوم عرفة ، ويوم النحر ، وكل حين . وأما للحاج فحين تغيب الشمس من آخر أيام التشريق ، ونحوه للشافعى. قال مالك: سواء تعجل أو تأخر ، فإن أحرم الحاج بعمرة قبل هذا لم تنعقد عندنا ، إلا أن تكون فى آخر أيام التشريق بعد الرمى فتنعقد ، وظاهر المدونة أنها لا تنعقد. وقد اختلف قول مالك، وقال أبو حنيفة: العمرة جائزة فى السنة كلها إلا يوم عرفة وأيام التشريق للحاج وغيره. وقوله: ((والحج المبرور ))، قال الإمام : وهو على وزن مفعول ، من البر. يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله ألا يتعدى [ بحرف ](١) جر ، إلا أن يريد بمبرور وصف المصدر فيتعدى حينئذ إليه ؛ إذ كل ما لا يتعدى من الأفعال فإنه يتعدى إلى المصدر. ومعنى ((ليس له جزاء إلا الجنة)) : أى لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه ، ولابد أن يبلغ به إدخاله الجنة . قال القاضى : هذا الكلام كله إنما يتوجه على أن معنى المبرور ما أشار إليه ، من أنه قصد به البر ، وأما على غيره من التأويلات فلا يحتاج إلى حرف تعدية ، فقد قيل : معنى ((مبرور)): لا يخالطه شىء من مأثم ، وقيل: المبرور : المتقبل ، وقيل : الذى لا رياء فيه ولا سمعة ، ولا رفث ولا فسوق ، وقيل : الذى لم تعقبه معصية . (١) فى ع : غير حرف . ٤٦٢ كتاب الحج / باب فى فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ٤٣٨ _ (١٣٥٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله ◌ُ: ((مَنْ أَنَى هَذَاَ البَيْتَ فَلَمْ يَرَّقُثْ وَلَمَّ يَفْسُنَ، رَجَعَ كَمَا وَلَلَكَهُ أُّهُ)). ( ... ) وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنّصُور، عَنْ أَبِى عَوَنَةَ وَأَبِى الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر ابْنُ أَبِى شََّةً، حَدَّثْنَا وَكِيِعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُقْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ جَعْفَرَ ، حَدَثْنَا شُعْبَةُ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ مَنَّصُورِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: (( مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُتْ وَلَمْ يَفْسُقْ)) . ( ... ) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيِّمٌ، عَنْ سَّارٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرِّرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌ََّ، مِثْلُهُ . وقوله: ((فلم يرفث ولم يفسق))، قال القاضى : هذا من قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَكَ وَلَا فُسُوقَ﴾(١). والرفث: الفحش فى القول، وقيل: الجماع، قال الله تعالى: ﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾(٢). قيل: هو كناية عن الجماع، يقال: رَفَتَ وَرَفِثَ يَرْفَثُ ويَرِفِثُ بالفتح والكسر والضم فى المستقبل ، وقد قيل : وأرفث . وقيل : الرفث : التصريح بذكر الجماع ، قال الأزهرى: هى كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وكان ابن عباس يخصه بما [خوطب](٣) به النساء . ومعنى (( كيوم ولدته أمه)) : يعنى بغير ذنب . وقيل : الفسوق هنا : السيئات ، وقيل : المعاصى ، وقيل : ما أصاب من محارم الله والصيد ، وقيل : الفسوق : قول الزور ، وقيل : الذبح للأنصاب ، وقيل : لم يذكر هنا الجدال المذكور فى الآية مع الرفث والفسوق ؛ لأن المجادلة ارتفعت ، إنما كانت من العرب وسائر قريش فى موضوع الوقوف بعرفة أو المزدلفة ، فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة ، ووقف الكل بعرفة . (١) البقرة : ١٩٧ . (٣) فى هامش الأصل . (٢) البقرة : ١٨٧ . ٤٦٣ كتاب الحج / باب النزول بمكة للحاج ... إلخ (٨٠) باب النزول بمكة للحاج ، وتوريث دورها ٤٣٩ _ (١٣٥١) حَدَّثَنِى أُبُو الطَّهرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ؛ أَنَّ عَلَىَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَّ عُثْمَانَ بْنٍ عَقَّانَ أَخْبَرَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيِّدِ بْنِ حَارِثَةَ ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنْزِلُ فِى دَارِكَ بمَكَّةَ ؟ فَقَالَ: ((وَهَلْ تَرَكَ لِنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟)) . وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثُهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلَىٌّ شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرِيْنِ. وقوله: ((وهل ترك لنا عقيل من دار ؟!)) : فسره فى الحديث نفسه ؛ لأنه اختص هو وطالب بميراث أبى طالب ؛ لأنهما كانا كافرين حين مات ولم يرثه علىٌ ولا جعفر؛ لأنهما كانا مسلمين ، ولا يرث المسلم الكافر. وهذا الحديث أصل فى هذا - أيضاً - ولم يختلف فيه فقهاء الأمصار إلا ما روى عن إسحق وبعض السلف ، وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم، وهذا بيّن فيما ترك أبو طالب، وبقى النظر فى قوله: ((بترك / دارك))، ٢٢٤ / ب فأجاب بما تقدم. فلعله أضاف الدار إليه لسكناه فيها ، وكان أصلها لأبى طالب ؛ لأنه كان الذى كفله ، وكان أكبر بنى عبد المطلب بعد موت عبد المطلب ، فاحتوى على أملاكه وجازها لسنّة وعادة الجاهلية ، ويحتمل أن عقيلاً كان قد باع جميعها وأخرجها عن أملاكهم، كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين ، وكذلك قال الداودى : إن عقيلاً باع ما كان للنبى - عليه السلام - ولمن هاجر من بنى عبد المطلب. وقال محمد بن أبى صفرة: فى الحديث حجة بأن من خرج من بلده مسلماً ، وبقى أهله وولده فى دار الكفر ، ثم غزاها مع المسلمين - أن ما فيها من ولده وماله بحكم البلد ، كما كانت دار رسول الله عَّ على حكم البلد ، ولم ير نفسه أحق بها ، وهذا مذهب مالك والليث . قال القاضى: فمذهب هذا القائل: إن النبى عَّه إنما ترك النزول فيها لأنها ليست له، وهى كغيرها من دور مكة فى حقه ، ولو أنه كان هذا لعلل به - عليه السلام - ولم يعلل بما تقدم من أنه لم يترك لهم عقيل داراً ، وقد قيل : إنه إنما ترك - عليه السلام - النزول بها وكرهه ؛ لأنه ترك ذلك حين هاجر لله ، فلم يرجع فيما تركه لله ، كما ذكر عن غير واحد من الصحابة فى هذا . قوله: ((هل ترك لنا عقيل من دار ؟!)): دليل على بقاء ملك دور مكة لأربابها . ٤٦٤ كتاب الحج / باب النزول بمكة للحاج ... إلخ ٤٤٠ _ ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَانَ الرَّازِىُّ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّقِ قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنَّ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ، عَنْ عَلَيُّ بْنِ حُسَنٍ، عَنَ عَمْرِو بْنَ عُثْمَانَ ، عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَّدٍ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِى حَجَِّهِ، حِيَنَ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ. فَقَالَ:( وَّهَلْ تَرَكَ لِنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً؟!)). ( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى حَفْصَةً وَزَمْعَةٌ بْنُ صَالِحٍ ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَبٍ، عَنْ عَلِىِّبْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وقد اختلف فى مكة ودورها ورباعها هل هى مملوكة لأحد أم لا ؟ على اختلاف فى دخولها، هل هى عنوة أو صلح ؟ ومذهب مالك وأبى حنيفة والأوزاعى أنها عنوة ، ومذهب الشافعى أنها صُلحية، لكن من رآها عنوة، قد قال: إن النبى ◌َّه منَّ على أهلها وسوى بينهم أموالهم ودورهم ، ولم يجعلها فيئاً ولا قسمها. قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شىء من البلاد . وكذلك اختلفوا فى كراء دورها وبيعها لهذا ، وفى تأويل قوله : ﴿ سَوَاءُ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١)، فقال جماعة من السلف : أهل مكة وغيرهم فى المنازل سواء ، ولا يحل بيعها ولا كراؤها ، وتأولوا الآية على هذا ، وهو قول أبى حنيفة والثورى ، وكره مالك بيعها وكراءها ، وأجاز ذلك الشافعى وأبو يوسف وبعض السلف والصحابة ، وتأولوا الآية على المسجد وهو للمصلين ، ويكون الحديثان صحيحين . قالوا : وفيه حجة على أن للإمام إبقاء الأرض بعد افتتاحها عنوة بأيدى أربابها إن أسلموا أو لم يسلموا ؛ لما يراه من استيلائهم إن كانوا مسلمين ، أو ليضرب الجزية عليهم إن بقوا على دينهم وأقرهم بها ، ويكون تركها لهم بتطبيب نفوس أهل الجيش ، كما فعل فى سبى هوازن ، أو بتقويمها من الخمس . على أنه لم يرو أنه قسم من أموال أهل مكة شيئاً ، وإنما كان تفضلاً منه وممن معه من المسلمين عليهم لقرباهم وليجبرهم ، كما جاء فى لفظ الحديث الآخر ؛ ولأن الله تعالى قد عوضهم بعد من أموال هوازن أضعاف ذلك . وفيه حجة لمن يقول : إن الغانمين لا يملكون الغنيمة بحوزها إلا بتمليك الإمام وقسمها بينهم ؛ ولهذا ما اختلف فى قطع سارقهم منها وحدّ زانيهم ومن فيها ، وسيأتى هذا فى (١) الحج : ٢٥ . = ٤٦٥ كتاب الحج / باب النزول بمكة للحاج ... إلخ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيّد؛ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ؟ وَذَلِكَ زَمَنَ الفَتْحِ. قَالَ: ((وَهَلَ تَرَكَّ لِنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟!)). الجهاد. وفيه على قول من قال : إن عقيلاً باع ديار بنى عبد المطلب ملك المشركين لما حازوه من أموال المسلمين ؛ إذ لو لم يملكوه لم يصح شراؤه لمن اشتراه منهم ، ولأخذه من وجده فى المقاسم دون ثمن وسيأتى الكلام عليه أيضاً فى موضعه . ٤٦٦ كتاب الحج / باب جواز الإقامة بمكة ... إلخ (٨١) باب جواز الإقامة بمكة ، للمهاجرين منها بعد فراغ الحج والعمرة ، ثلاثة أيام بلا زيادة ٤٤١ _ (١٣٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلِمَةَ بْنِ قَعْتَب، حَدَّثَنَا سُلِيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بلال - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَّيْدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِى الإِقَامَةَ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فَقَالَ السَّائِبُ: سَمَعْتُ العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَِّ يَقُولُ: ((للمُهَاجرِ إِقَامَةُ ثَلاث - بَعْدَ الصَّدَر - بمَكَّةٌ)) كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا . ٤٤٢ _ ( ... ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْتَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيّدٍ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ لِجُلْسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِى سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الَعَلَاءَ - أَوْ قَالَ: العَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِىِّ - قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّةُ: ((يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ - بَعْدَ قَضَاءُ نُسُكُه - ثَلاًا)) . ٤٤٣ _ ( .. ) وَحَدَّثَنَا حَسَنُّ الْحُلوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْد العَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ . فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِىِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((ثَلاثُ لَيَالِ يَمْكُنُهُنَّ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ ، بَعْدَ الصَّدَرِ )). ٤٤٤ _ ( ... ) وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ - وَأَمْلاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءٌ - أَخْبَرَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، أَنَّ حُمَّيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وقوله: ((للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة لا يزيد عليها )) : بين هذا بقوله فى الرواية الأخرى : (( بعد قضاء نسكه )) وهو وقت صدر الناس آخر أيام منى بعد تمام نسكهم، فيقيم هو بعدهم لحاجة ، لا أنه يقيم بعد أن يطوف طواف الصدر ثلاثة أيام ، ويجزيه ما تقدم من طوافه ، بل يعيده عند كافتهم ، إلا ما ذكرناه عن أهل الرأى وقد تقدم . وفى هذا الحديث دليل على أن الثلاث ليست مدة إقامة ، وهذا الأصل فى إقامة المسافر كتاب الحج / باب جواز الإقامة بمكة ... إلخ ٤٦٧ عَوْفِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِىِّ أَخْبَرَهُ عَنْ رَسُول الله ◌َّ قَالَ: «مُكْثُ الْمُهَاجر بمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاء نُسُكُه ثَلاثًا )) . ( .. ) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلِدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَ الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وإتمامه الصلاة ، وما أخذ به مالك فى الزيادة على الثلاث وهو أن ينوى إقامة أربعة أيام ؛ إذ لم يجعل هنا الثلاث إقامة. وهذا الحديث حجة لمن منع المهاجر بعد الفتح من المقام بمكة وهو قول الجمهور ، وأجاز ذلك جماعة لهم بعد الفتح ، مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح ، ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبى - عليه السلام - ومواساتهم له بأنفسهم ، ولفرارهم بدينهم من الفتنة. وأما لغير المهاجر - ممن أمن بعد ذلك - فلا خلاف فى جواز سكنى بلده له ، مكة أو غيرها . ٤٦٨ كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ (٨٢) باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها ، إلا لمنشد على الدوام ٤٤٥ _ (١٣٥٣) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُور ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ- فَتْحِ مَكَّةً -: ((لا هِجْرَةَ، وَلَكنْ جِهَادٌ وَيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُثْهِرْتُمْ فَانْفِرُوا)) . وَقَالَ يَوْمَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ -: ((إِنَّ هَذَ البَلدَ حَرََّهُ الهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لِمْ يَحِلَّ الِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبِلِى، وَلَمْ يَحِلَّلِى إِلاَ سَاعَةً مِنْ نَهَرِ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إلَ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلِى خَلَاهَا)) . فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَّيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ : ((إِلا الإِذْخِرَ )) . وقوله : ((لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)) : فيه حجة لبقاء الجهاد ، وكونه فرضًا. وقد اختلف العلماء فى هذا ، هل سقط فرضه على الجملة إلا أن تقدح قادحة ، أو يطرق العدو قوماً ، أو هو باقٍ ؟ والقولان عندنا ، وسنبسطه فى الجهاد إن شاء الله تعالى . وقوله: ((إن هذا البلد حرمه الله)) إلى قوله: ((ولم تحلَّ لى إلا ساعة من نهار))، وقد قال - أيضاً - فى الحديث الآخر: ((إنه دخلها وعلى رأسه المغفر))، وفى الحديث الآخر: ((وعلى رأسه عمامة سوداء بغير إحرام))، وسقط قوله: (( بغير إحرام))، عند ابن أبى جعفر من شيوخنا ، وثبت لسائرهم ، ففى إثباتهم الحجة أنه لم يكن محرماً . قال الإمام : قال بعض أصحابنا : لا تدخل مكة إلا بإحرام إلا لمثل إمام فى جيشه للضرورة ، وقائل هذا اتبع الحديث على وجهه. واختلف قول مالك هل دخوله (١) بإحرام واجب أو مستحب ؟ وأسقطه عمن يكثر / تردده كالخطابين وأصحاب الفواكه . ٢٢٥ / أ قال القاضى : اختلف قول الشافعى فى ذلك كاختلاف قول مالك ، ويمنعه إلا للحطابين ومن يكثر تردده عليها ، وأجاز ذلك أبو حنيفة والليث. قال أبو حنيفة : إلا لمن (١) فى ع : دخول مكة . ٤٦٩ كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ ( ... ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ ، عَنْ مَنْصُور ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: (( يَوْمَ خَلقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)) وَقَالَ بَدَّلَ ((القتال)): ((القَّلَ)) وَقَالَ: ((لا يَلْتَقْطُ لِقْطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفَهَا)) . ٤٤٦ _ (١٣٥٤) حَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لِيْثٌ، عَنْ سَعِيد بْنِ أَبِی سَعِيد، عَنْ أَبِى شُرَيّحِ العَدَوِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٌ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةً: اْذَنَّلِى أَيُّهَا الأَميرُ، أَحَدِّئُكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ عَ، الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتَهُ أُذُنَىَ، وَوَعَهُ قَلِى ، وَأَبْصَرَّهُ عَيْنَاىَ حِينَ تَكَلِمَ بِهِ، أَنَّهُ حَمِدَ اللهِ وَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكََّ حَرَّمَهَا الله وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَلا يَحِلُّ لَامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةَ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقْتَالِ رَسُولِ اللهِ عَّهُ فِيهَا فَقُولوا لهُ: إنَّ اللهَ أَذنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لِكُمَّ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِ فِيهَا سَاعَةً مِنَ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرَّمَتُهَا الْيَّوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ ، ولُبَغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)) فَقِيلَ لِأَبِى شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لكَ عَمْرُوْ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلِمُ بِذَلِكَ مِنْكَ. يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إِنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًا بِدَمٍ ، وَلَا فَارًا بِخَرْبَةِ . ٤٤٧ _ (١٣٥٥) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيد، جَمِيعًا عَنِ الوَلِيدِ . قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّنَا الأَوْزَّاعِىُّ، حَدَّثَنِى يَخْتِىِّ بْنُ أَبِى كَثِيرِ، حَدَّثَنَى أبُو سَلَمَةَ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَّا فَتَحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّى رَسُولِ الله ◌َُّ مَكَّةَ، قَامَ فِى النَّاسِ فَحَمْدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَطَ عَلَيْهَا رَسُولُهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِى، وَإِنَّهَا أُحِلتْ لِى سَاعَةٌ مِنْ منزله وراء المواقيت فلا يدخلها إلا بإحرام ، وأجاز ابن شهاب لغير الحاج والمعتمر دخولها بغير إحرام ، ورواه ابن وهب عن مالك ، وإليه نحا البخارى ، وهو قول أهل الظاهر، وروى عن الحسن والقاسم ، وقال آخرون : حكم المواقيت فى المنع حكم من كان قبلها ، وإليه ذهب الطحاوى . واختلفوا فيمن دخلها بغير إحرام ، فقال مالك والشافعى والليث وأبو ثور : لا شىء عليه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يلزمه حج أو عمرة ، وقاله الثورى وعطاء والحسن بن حُييّ . كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ ٤٧٠ نَهَار، وَإِنَّهَا لِنْ تَحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِى، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا يُخْتَلِى شَوْكُهَا، وَلا تَحلُّ سَقِطَتُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُثِلَ لهَّ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّ أَنَّيُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْثَلَ )) . فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلاَ الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلَهُ فِى قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ الله -َ: (إلا الإِذْخِرَ)). فَقَامَ أَبُو شَاهِ - رَجَّلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَّنِ- فَقَالَ: الْخَبُوا لِى يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((اكْتُبُوا لأِىَ شَاءٍ)). قَالَ الوَليدُ : فَقُلتُ لِلأَوْزَاعِىِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِى يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هَذه الخُطْبَةَ التِى سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهَِّهُ . ٤٤٨ _ ( .. ) حَدَّثَنِى إسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ يَحْبَى، أَخْبَرَنَى أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةً قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنى لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلِ مِنْهُمْ قَتَلوَهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلَكَ رَسُولُ اللهِ عَُّ، فَرَكَبَ رَاحَلَتَهُ فَخَطَّبَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَطَ عَلَيْهَا رَسُولُهُ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحَلَّ لأَحَدَ قَبْلِى وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدَ بَعْدِى، أَلا وَإِنَّهَا أُحلتْ لِى سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتَى هَذه، حَرَامٌ، لا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا وقوله: ((ولا تحل لأحد بعدى)) : قال الطبرى : أى للقتال الذى حل لى ومحاربة أهلها ؛ لأنهم لا يكفرون فيقاتلون ، ويحل منهم ما حل لى على طريق النهى ، لا على طريق الخبر أنها تقاتل ؛ إذ قد قاتلها الحجاج وغيره. وأخبر - عليه السلام - عن غلبة ذى السويقتين عليها وتخريبه لها ، وإنما أخبر عن حكم قتال أهلها أنه لا يحل لأحد بعده ، وذهب الطحاوى إلى أن هذا كان [ خصوصاً ](١) للنبى - عليه السلام. وقوله: (([ لا](٢) يعضد شجرها))، قال الإمام: أى [ لا ] (٣) يقطع، يقال: عضّد واستعضد بمعنى [واحد ] (٤) كما يقال : علا واستعلا . قال القاضى: وقع فى الرواية الأخرى: ((شجراؤها)) وهو الشجر ، قال الطبرى : معنى (( يعضد)) : لا يفسد ويقطع ، وأصله من عضد الرجل ؛ أصاب عضداً ويسود فى العين المعضد من السيوف ما يمتهن فى قطع الشجر. ومعنى (( لا يختلى خلاها)): أى لا (١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم. (٢، ٣) ساقطة من ع . (٤) زائدة فى ع . كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ ٤٧١ إِلا مُنْشِدٌ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيّنِ، إِمَّا أَنْ يُعْطَى - يَعْنِى الدِّيّةَ - وَإِمَّ أَنْ يُقَادَ - يحصد كلؤها. والخلى المقصود الكَلأ الرطب ، فإذا يبَس فهو حشيش وهشيم. واتفق الفقهاء أن النهى فيما نبت بأرضها مما لم يعانه البشر من الزراعة والخضر والقصيل ، فإن هذا مُباحٌ زراعته واختلاؤه. واختلف فى الرعى فيما أنبته الله من خلاها ، فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ، وأجازه غيرهما . وقوله: ((لا يخبط شوكها)) : أى لا يضرب بالعصا ليتكسر ويتساقط رطبه من ورقه فتأكله الماشية . قال الإمام : الخبط ، بالإسكان ، مصدر خَبَطْت، وخَبْطُ الشجر : ضربه بالعصا ليتحات ورقه ، واسم ذلك الورق خَبَط، بالفتح، وهو من علف الإبل والذى [ يضرم به ](١) مخبط ، بكسر الميم ، ويقال : خبطت واختبطت بمعنى . قال القاضى : قال الطبرى : فلا يجوز قطع أغصان شجر مكة التى أنشأ الله فيها مما لا صنع فيه لآدمى ، وإذا لم يَجُزُ قطع أغصانها - يعنى وهو تفسير العضد - فقطع شجرها أحرى بالنهى. قال ابن المنذر : أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم . قال الإمام : اختلف الناس فى قطع شجر الحرم ، هل فيه جزاء أم لا ؟ فعند مالك : لا جزاء فيه ، وعند أبى حنيفة والشافعى : فيه الجزاء. واحتجوا بأن بعضَ الصحابة حكم فى دَوْحة ببقرة. ويحتج لمالك أن الجزاء لا يجب إلا بشرع ، والأصل براءة الأمة ، ولم يرد شرعٌ بذلك . قال القاضى : مذهب أبى حنيفة وصاحبه ، وهو قول الشافعى على ما ذكره الطبرى : أن ذلك فيما لم يغرسه الآدمى من الشجر ، وأما ما غرسه الآدمى فلا شىء عليه فيه ، وهذا مذهب مالك عند شيوخنا ، وحكى الخطابى أن مذهب الشافعى منع قطع ما غرسه الآدمى من شجر البوادى ونماه ، وأنه وغيره مما أنبته الله سواء. واختلف قوله فى جزاء الشجر على اختلاف مالك وأبى حنيفة، وعند الشافعى: فى الدوحة بقرة، وما دونها شاة. وعند أبى حنيفة : يؤخذ منه قيمة ما قطع ، يشترى به هدى ، فإن لم يبلغ تصدق به بنصف صاع لكل مسكين . وأما قوله: ((لا ينفر صيده))، قال الإمام: [ فإن ](٢) مذهب مالك أن صيد الحلال فى الحرم(٣) يوجب عليه الجزاء، ولم ير ذلك داود ورأى الجزاء مختصاً بالإحرام لا بالحرم (١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش . (٢) زائدة فى ع . (٣) فى ع : الحرام . كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ ٤٧٢ أَهْلُ القَتِيلِ - قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، يُقَالُ لهُ: أُبُو شَاه. فَقَالَ: اكْتُبْ لى [ كما اختص منع الطيب واللباس بالإحرام لا بالحرم] (١) وهذا غير صحيح ؛ لأن الصيد محرم فى الحرم ، ولو كان كاللباس والطيب لحل كما حلا. وحجة مالك عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصِّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)، ويعبر عمن حل بالحرم بأنه مُحرم ، كما يقال فيمن حل بنجد : مُنُجد ، وبتهامة : مُتْهِم ، قال الشاعر : / ٢٢٥ /ب قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرماً ودعا فلم ير مثله مخذولاً يعنى ساكناً بالحرم ، ولأن حرمة الحرم متأبدة والإحرام مؤقت فكان المؤبد أكثر. واختلف الناس - أيضاً - فى الحلال إذا صاد صيداً فى الحل ، ثم أتى به الحرم فأراد ذبحه ، فأجاز ذلك له مالك ، ومنعه أبو حنيفة وقال : يرسله ، ولمالك عليه : أنه لا يسمى صيداً ما كان فى اليد والقهر، فلم يكن داخلاً فى قوله: ((لا ينفر صيده))، ولذلك اختلف مالك وأبو حنيفة فيمن صاد فى الحرم ، هل يدخل فى جزائه الصيام ؟ فأثبته مالك ، ونفاه أبو حنيفة. ولمالك عموم الآية وفيها الصيام ، ورأى أبو حنيفة أن ما يضمن ضمان إتلاف الأملاك فلا معنى لدخول الصيام فيه ، واستدل بأنه لو أطلقه لكان ضامناً له حتى يعود الصيد إلى الحرم ، فصارَ الحرم كيد رجل فى ملك ، يبرأ الغاصب بإعادة الملك إليه . قال القاضى: وقال الطبرى فى قوله: ((لا ينفر صيدها)): حجة على تحريم اصطياده ؛ لأنه إن نهى عن تنفيره فاصطياده آكد فى التحريم ، وقال عكرمة : هو أن ينحيه من الظل إلى الشمس ، ولا خلاف أنه إن نفره فسلم أنه لا جزاء عليه ، إلا أن يهلك ، لكن عليه الإثم لمخالفة نهى النبى معَّ ، إلا شىء روى عن عطاء أنه يطعم . وقوله: ((ولا يحل سقطتها إلا لمنشد)): قال أبو عبيد: لُعرف ، وأما الطالب فيقال له : ناشد ، وأنشدوا عليه : إصاخة الناشد للمنشد يقال : نشدت الضالة : إذا طلبتها ، فإذا عرفتها قلت : أنشدتها. وأصل الإنشاد رفع الصوت ، ومنه إنشاد الشعر . قال الإمام : عند مالك أن حكم اللقطة فى سائر البلاد حكم واحد ، وعند الشافعى أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد ، وأنها لا تحل إلا لمن يعرّفها ، تعلقاً بهذا الحديث، ويحمل اللفظ على أصلنا على المبالغة فى التعريف ؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة. (١) زائدة فى ع . (٢) المائدة : ٩٥ . كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ ٤٧٣ يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: ((اكْتُبُوا لأَّبِى شَاهِ)) . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ: إِلا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا قال القاضى : معنى ما ذهب إليه أبو عبيد هو ما ذهب إليه المخالف ، أى أنه لا تحل لملتقطها البتة، وليس يحل له إلا إنشادها والتعريف بها كما جاء فى الرواية الأخرى: ((إلا لمعرف)) وحكى معناه عن ابن مهدى ، وحكى عن غيره : المنشد : الطالب، أى ربها ، قال : ولا يجوز أن يقال للطالب : منشد ، قال: وفيها قول ثالث: أراد أنه [ إن ](١) لم ينشدها لم تحل له ، أى لا تحل له إلا بعد الإنشاد وألا يجىء لها طالب . قال القاضى : وهذا يأتى على أنها وغيرها من لقطات البلاد سواء ، وقال ابن قتيبة : معناه : أنه لا يحل التقاطها إلا بنية الإنشاد دون التعريف وإلا فليدعها ، قال : لعل صاحبها ربما تذكَّرها ، فطلبها حيث تركها فلم يجدها ، فالواجب على من وجدها ألا يتعرض لها ، إلا أن يأخذها لِيُعرفها. وقال غيره : معناه : لا يحل التقاطها إلا أن يسمع من ينشدها فيأخذها ويرفعها ، وهذا حكم هذه. قال القاضى : وإنما فرّق من فرّق بين لقطة مكة وغيرها ؛ لأن سائر المسافرين من البلاد النائية لغيرها لا يتكررون فى أسفارهم إليها غالباً ، والغالب ترددهم سَنةً فى أسفارهم، فضرب الإنشاد للضالة هذه فى غير مكة سنة لهذا ؛ لأنه إن كان صاحبها من أهل البلد أو مسافرا فيه أو بقربه ، لابد يبلغه خبرها بالإنشاد سَنة ، فإذا كملت السنة غلب اليأس أنها لغير حاضر ، وأنها إما لميت أو منقطع الغيبة بعيد. ومكة فكثير من الناس يرجع إليها ويتردد للحج والعمرة عليها ، وإن لم يكن هو فلا ينفك الجماعة من أهل بلده . وقرابته [ من ] (٢) للحج ، فيبلغه خبر لُقَطَتِه ، فخصت بذلك دون غيرها عند هؤلاء ، وهذا قول الشافعى وعبد الرحمن بن مهدى وغيرهما ، وأما مالك وأصحابه فلقطة مكة وغيرها عندهم سواء ، فى أنها لا تُملك وإنما له إمساكها بعد السنة على ربها ، أو تكرار إنشادها ، أو يتصدق بها ويضمها لصاحبها ، أو يستنفقُها على وجه السلف إن احتاج إليها ليغرمها لصاحبها ، وقيل : ليس له هذا إلا أن يكون له وفاؤها وهو صحيح. فعلى هذا هم مجمعون على أنه لا يحل استنفاق لقطة مكة ، وإنما اختلفوا فى غيرها بعد السنة ، إلا ما ذكرناه على تأويل بعضهم ، وسيأتى بقية الكلام عليها فى موضع ذلك من كتاب مسلم . وقول العباس: إلا الإذخر. فقال: ((إلا الإذخر)): وهو نّبْت معلوم، وقد قال - عليه السلام -: ((إن الله حرمها ولم يحرمها الناس))(٣) فاستثناء النبى معَّه الإذخر يدل على أنه مما لم يحرمه الله ، وأن حرمتها هى فى نفسها من تحريم الله. ومن هذه المحرمات ما حرم الله ومنها ما حرمه - عليه السلام - أو جميعها من تحريمه - عليه السلام. وقال المهلب : وقد (١، ٢) ساقطة من الأصل، واستدركت فى الهامش بسهم. (٣) البخارى، ك العلم، ب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ٣٧/١، الترمذى، ك الحج ، ب ما جاء فى حرمة مكة (٨٠٩)، ابن ماجة، ك المناسك، ب فضل مكة (٣١٠٩)، أحمد ٣١٥،٢٥٣/١ . كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ ٤٧٤ نَجْعَلُهُ فِى بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَُّ: ((إِلا الإِذْخِرَ)). يكون الجميع مما حرمه الله ، لكن قد أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار ، فكان هذا من ذلك الأصل ، فحكم فيه بذلك الحكم باجتهاده [ عليه السلام ](١). وقوله: ((ولا فارا بخربة)»: كذا رويناه هنا بفتح الخاء وبالراء والباء بواحدة ، وفسره بعضهم بالبليّة ، وبعضهم بالسّرقة فى جامع البخارى(٢). وقال الخليل: هو [ مشتق من ](٣) الخَارب وهو اللص المفسد فى الأرض. ويقال : ما رأيتُ من فلان خربة ، أى فساداً فى دينه أو شيئاً. والخربة : الفساد فى الدين ، وقد تقدم الكلام على معنى (( لا يعيذ عاصياً ولا فارًاً بدمٍ)) والخلاف فيه، ويأتى بعد منه إن شاء الله. وضبطه الأصيلى فى صحيح البخارى (٤) بضم الخاء ، ويصح على الفعلة الواحدة مما تقدم . ورواه الترمذى من بعض الطرق : (( بجزية))(٥) ، وأراه وهماً . وقوله: ((اكتبوا لأبى شاه))، قال الإمام : فيه دليل على جواز تدوين/ العلم والسنن ١/٢٢٦ وكتبه فى الصحائف ، ويحكى عن بعض السلف كراهية ذلك. ! قال القاضى : من كرهه من السلف فلأحاديث رويت فى ذلك منها عن أبى سعيد : ((استأذنا رسول الله عَّ فى الكتابة فلم يأذن لنا)) (٦)، وعن زيد بن ثابت: ((أمرنا - عليه السلام - ألا نكتب شيئاً))(٧)، وأخذ بذلك جماعة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين ، ومخافة الاتكال على الكتاب وترك الحفظ ، ولئلا يكتب شىء مع القرآن ، ثم جاءت أحاديث بالإذن فى الكتاب فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٨)، وأجازه معظم الصحابة والتابعين ، ووقع عليه بعد الاتفاق ، ودعت إليه الضرورة ، لانتشار الطرق ، وطول الأسانيد ، واستنباط المقالات ، وكثرة النوازل ، مع قلة الحفظ وكلال الفهم . وقوله: ((من قتل له قتيل فهو بخيْر النظرين؛ إما أن يُفدى، وإما أن يقتل)): فى الكلام اختصار ، ومعناه: يفدى أى يقتل قاتله أو يَفدى، وتقيد عند بعض شيوخنا (( يُقتل »، وهو أبين لا سيما مع رواية من روى: ((يفادى))، ووقع فيه فى البخارى (٩) اختلاف فى (١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم. (٢) البخارى ، ك العلم، ب الفهم فى العلم ٢٨/١ . (٣) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم. (٤) البخارى ، ك جزاء الصيد، ب لا يعضد شجر الحرم (١٨٣٢). (٥) الترمذى ، ك الحج ، ب ما جاء فى حرمة مكة (٨٠٩). (٦) الترمذى ، ك العلم، ب ما جاء فى كراهية كتابة العلم (٢٦٦٥). (٧) أحمد فى مسنده ١٨٢/٥، أبو داود، ك العلم، ب فى كتاب العلم (٣٦٤٨). (٨) أحمد فى مسنده ٢/ ١٦٢، أبو داود، ك العلم، ب فى كتاب العلم (٣٦٤٦)، والدارمى، ك المقدمة ، ب من رخص فى كتابة العلم ١/ ١٢٥ . (٩) البخارى ، ك اللقطة، ب كيف تعرف لقطة أهل مكة ١٦٤/٣. ٤٧٥ كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ اللفظين، ووهم فى بعضها. وفى بعض رواياته: (( إما أن يُفاد ، وإما أن يعقل)) وهو بمعنى ما تقدم. ففى قوله: ((يَعْقل)) و((يُفدى)) حجة لإحدى الروايتين عن مالك أن أولياء القتيل بالخيار فى القتل ، أو إلزام الدية للقاتل إجباراً ، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحق وأبى ثور ، وروى عن ابن المسيب وابن سيرين ، وقال مالك أيضاً : ليس له إلا القتل أو العفو ، ولا يجبر القاتل على الدية. وقد احتج من يقول بهذا القول بقوله فى بعض روايات البخارى: ((يُفادى))(١) قال: وهذا لا يكون من اثنين ، أى بتراضيهما وصلحهما على ذلك لا إجباراً . (١) البخارى، ك اللقطة، ب كيف تعرف لقطة أهل مكة ٣ / ١٦٤. ٤٧٦ كتاب الحج / باب النهى عن حمل السلاح بمكة بلا حاجة (٨٣) باب النهى عن حمل السلاح بمكة بلا حاجة ٤٤٩ _ (١٣٥٦) حَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب، حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقُلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَََِّّه يَقُولُ: (( لا يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَّحْمِلَ بِمَكَّةً السَّلاحَ)). وقوله: ((لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة)) : هذا محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة ولا حاجة ، فإن كان خوف وحاجة إليها جاز وهو قول مالك والشافعى [وعطاء](١)، وكرهه الحسن البصرى تمسكاً بظاهر هذا الحديث ، وحجة الآخر: دخول النبى عَّه عام القضية بأشرطة من السلاح ؛ القراب بما فيه ، ودخوله يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، وأنَّ للضرورة حالة، وشذ من الجماعة عكرمة فرأى عليه إذا احتاجَ إليه [وحمله](٣) الفدية ، ولعل هذا فى حاجته إلى المغفر والدرع وأشباهها ، ولا يكون خلافاً منه فى دخول النبى - عليه السلام - وعلى رأسه المغفر، وجاء فى الرواية الأخرى: ((وعلى رأسه عمامة سوداء))، ووجه الجمع بينهما : أن أول دخوله كان وعلى رأسه المغفر ، وبعد ذلك كانت عليه العمامة ؛ بدليل حديث عمر وابن حريث عن أبيه ، وذكره مسلم ؛ أن النبى عَّه خطب الناس وعليه عمامة سوداء ، ولأن خطبته - عليه السلام - إنما كانت بعد غلبته على مكة وعند باب الكعبة ، ويحتمل أن جابراً الذى ذكر أنه دخل مكة وعليه عمامة، ولم يتعرض الذى دعته إليه ضرورة الحرب ، فلا يستدل به على أنه دخلها حلالاً ، ويعرض لما رآه عليه بعد نزعه المغفر من العمامة بعد زوال عذر الخوف ووضع أوزار الحرب؛ بدليل قوله: (( بغير إحرام )) والأظهر أنه دخل - عليه السلام - مكة غير محرم ، وقد جاء فى حديث يحيى وقتيبة: ((ولم يكن محرماً)). قال الباجى : وقد يحتمل أنه غطى رأسه لأذى أصابه، واضطره إليه ذلك الوقت ، لو ثبت أنه دخل محرماً . قال القاضى : وقول الكافة إن هذا خصوص للنبى - عليه السلام - لقوله: (( إنما أحلت لى ساعة من نهار )) فخص منها بما لمَّ به غيره ، ويكون كيف كان محرماً أو غيره مضطراً للباس المغفر، لما كان دخلها محارباً ، ألا تراه لما غلب عليها وألقى أهلها بأيديهم، نزع المغفر عن رأسه ، فيحتمل أن العمامة كانت تحت المغفر ؛ صيانة لرأسه من برد المغفر وخشونته ، فلما نزع المغفر ظهرت العمامة التى ذكر من ذكر أنه دخل مكة وهى على رأسه على ما ذكرناه. قال الخطابى : قيل: إنما أُحلت له فى تلك الساعة إراقةُ الدم دون الصيد وغيره ، ما يحرم على المحرم . (١، ٢) سقطتا من الأصل ، واستدركتا فى الهامش . ٤٧٧ كتاب الحج / باب جواز دخول مكة بغير إحرام (٨٤) باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٤٥٠ - (١٣٥٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلِمَةَ القَعْنَبِىُّ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد - أَمَّا القَعْنَبِىُّ فَقَالَ: قَرَأَتُ عَلَى مَالِك بْنِ أَنَس. وَأَمَّا قُتَيْبَةُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالكٌ . . وَقَالَ يَحْبَى - وَاَللَفْظُ لهُ ــ: قُلْتُ لِمَالِكَ: أَحَدََّكَ ابْنُ شِهَبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ النَّبِّ ◌َِّ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأَسْهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَبَّنُ خَطَلِ مُتَعَلَقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ))؟ فَقَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ . ٤٥١ _ (١٣٥٨) حَدَّثْنَا يَخْيَى بْنُ يَخْتَى التَّمِيمِىُّ وَقُتَّةُ بْنُ سَعيد الثَّقَفِىُّ- قَالَ يَحْتَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ قُتَبَةُ: حَدَّثْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارِ الدُّهْنِىُّ- عَنْ أَبِى الزَبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ دَخَلَ مَكَّةَ - وَقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَعَلَيْهِ عَمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ . وَفِى رِوَيَّةٍ قُنَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ . ( ... ) حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ حكيم الأَوْدِىُّ، أَخْبَرَنَا شَريكٌ، عَنْ عَمَّار الدُّهْنِىِّ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِّ ◌َّهُ دَخَلَ يَوْمَ فَتَحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ . وقول القائل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: ((اقتلوه )): حجة للمالكية أنها يقام بها الحدود، وقد تقدم الخلاف فى ذلك، ولا حجة للمخالف بأنها أُحلت للنبى ساعة من نهار. فالذى أحل له منها قتالها حتى استولى عليها. وقتله ابن خطل إنما كان بعد استيلائه عليه وإذعان أهلها. وإنما قتله بعد قوله: ((ومن دخل المسجد فهو آمن))(١)، وقد دخل هذا المسجد ؛ لأنه ممن لم يدخل فى أمانه ، واستثناه وأمر بقتله وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة ، على ما جاء فى الأحاديث الأخر ، وقيل : لأنه ممن لم يلتزم الشرط وقاتل وبعد ذلك دخل المسجد ، وكان قد ارتدّ عن الإسلام ، وقتل مسلماً كان يخدمه ، وجعل يهجو النبى عَّهُ ويسبه. وقد احتج بعض أصحابنا بقتله على قتل من سب النبى عليه، وهذا يضعف فى حق هذا للموجبات لقتله من غير هذا مما ذكرناه . وقوله فى آخر الحديث من رواية مالك: فقال: ((اقتلوه))، فقال : نعم ، أى أن (١) أبو داود، ك الخراج والإمارة والفىء، ب ما جاء فى خبر مكة ١٤٤/٢ . ٤٧٨ كتاب الحج / باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٤٥٢ _ (١٣٥٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُسَاوِرِ الوَرَّقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَبَّثٍ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. ٤٥٣ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَالْحَسَنُ الْحُلوَانِىُّ، قَالا: حدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً، عَنْ مُسَاور الوَرَّاقِ. قَالَ: حَدَّثَنِى - وَفِى رِوَايَةِ الْحُلُوَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ عَمْرو ابْنِ حُرَيْثٍ - عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ عَلَى الِنْرِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَ بَّنَّ كَتِفَيِّهِ. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: عَلَىَ الَثْرِ . مالكاً قال ليحيى بن يحيى حين أكمل الحديث : نعم ؛ لأن يحيى قال أولاً فى روايته : قلت لمالك : حدثك ابن شهاب ، وذكر الحديث ، فلما أكمله قال له مالك : نعم ، أى كذا حدثنى ابن شهاب. وقد وقع فى بعض نسخ مسلم ما ذكرناه مفسراً بهذه الزيادة ، يريد به عندى ، فقال مالك : نعم ، ولم تكن هذه الزيادة عند أحد من شيوخنا ، لكنه صحح المعنى على ما قلناه ، وهذا هو الذى يسميه أهل الحديث الإقرار فى العرض ، ويشترط بعض الظاهرية هذا القول من الشيخ فى صحة العرض عليه والقراءة ، وقد جاء فى هذا الحديث وغيره أن مالكاً عمل به ، وجاء عنه أنه أنكره مرة لمن سأله إياه وقال : لم أفرغ لكم نفسى وسمعت عرضكم ، وأقمت سقطه وزلله. والصحيح أنه غير لازم ؛ إذ سكوت الشيخ إقرار كنطقه ؛ إذ لا يحتج من ذى دين أنه يقرّ على خطأ فى مثل هذا ، فلا معنى لاشتراطه ، وهو مذهب الكافة ، ومن فعله فعلى طريق التأكيد لا اللزوم والشرط . ٤٧٩ كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ (٨٥) باب فضل المدينة، ودعاء النبى ◌َّه فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها . وبیان حدود حرمها ٤٥٤ _ (١٣٦٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد الدََّاوَرْدِىَّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْتَى المَازِنِىِّ، عَزَ عَبَّادِ بْنٍ تَمِيمٍ، عَنْ عَمَّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيِّدِ بْنٍ عَاصم؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةً وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّى حَرَّمْتُ الَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّى دَعَوَتُ دِى صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَىْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ)) . ١٠٠ ٢٢٦ / ب وقوله : ((إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لأهلها)). وقد تقدم أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض(١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ﴾(٢) ، / وفى الحديث الآخر: ((ولم يحرمها الناس))(٣)، [ أى لم يعرفها الناس ] (٤) من قبل أنفسهم كما حرم الجاهلية أشياء ، وأما إبراهيم فيحتمل أن تحريمه إياها بإعلام الله له أنه حرمها ، فتحريمه لها بتحريم الله لا من قبل اجتهاده ورأيه ، أو وكّل الله إليه تحريمها فكان عن أمر الله ، فأضيف إلى الله مرة لذلك، ومرة إلى إبراهيم بحكمه ، أو لأنه كما جاء فى الحديث : (( دعا لها فكانت تحريم الله لها بدعوته)). وقوله فى العمامة: (( أرخى طرفها بين كتفيه )) : حجة فى جواز إرخاء ذؤابة العمامة واستحبابه ؛ لفعل النبى ◌ّ له ، وسيأتى فى كتاب اللباس حكمها وسنتها ، ورواه بعض الرواة: (( طرفيها )) والأول الصواب المعروف. وقوله - عليه السلام -: (( وإنى حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة))، قال الإمام: مذهب مالك أن المدينة حرم لهذه الأحاديث، وأنكره أبو حنيفة، واحتجوا له بأن هذا مما يعم فلا يقبل فيه خبر الواحد، وبقوله - عليه السلام - فى الحديث الآخر: (( ما فعل النغير يا أبا عمير؟))(٥) (١) البخارى، ك المغازى، ب أوطاس ١٩٧/٥، أحمد ٣٢/٤ . (٣) الترمذى، ك الديات، ب ما جاء فى حكم ولى القتيل فى القصاص والعفو ٢١/٤(١٤٠٦)، أحمد ٢٨٥/٦. (٢) النمل : ٩١ . (٤) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش . (٥) البخارى ، ك الأدب، ب الانبساط إلى الناس (٦١٢٩)، ب الكنية للصبى قبل أن يولد للرجل (٦٢٠٣)، مسلم ، ك الأدب ، ب استحباب تحنيك المولود عند ولادته (٢١٥٠) ، أبو داود ، ك الأدب ، ب ما جاء فى الرجل يتكنى وليس له ولد (٤٩٦٩) ، والترمذى ، ك الصلاة ، ب ما جاء فى الصلاة على البسط (٣٣٣)، وابن ماجه، ك الأدب، ب المزاح (٣٧٢٠). ٤٨٠ كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ ٤٥٥ _ ( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ الْمُخْتَارِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ مَخْلد ، حَدَّثَنِى سُلْيْمَانُ بْنُ بِلالٍ . ح وَحَدَثْنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا المَخْزُومِىُّ، حَدَّثَنَا وُهَيّبٌ، كُلُهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتَى - هُوَ الْمَازِنِىُّ - بِهَذَ الإِسْنَادِ. أَمَّا حَدِيثُ وُهَيْبٍ فَكَرِوَايَةِ الدَّرَا وَرْدِيِّ: ((بِمِثْلَىْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَهِمُ). وَمَّا سُلِيْمَانُ بَّنُ بِلَالٍ وَعَبِّدُ العَزِيزِ بَّنُ المُخْتَارِ، فَفِى رِوَيَتِهِمَا: ((مِثْلَ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ )) . ٤٥٦ _ (١٣٦١) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ - عَنِ ابْنِ الهَادِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَلِجٍ ، والجواب عن الأول : أن الحديث شهر(١) عند أهل النقل وكثر واتفق على صحته ، وقد يكون بيانه - عليه السلام - بياناً شافياً ، ولكن اكتفى الناس بنقل الآحاد فيه ، استغناء ببعض (٢) عن بعض . وحديث النغير أجاب بعض أصحابنا [ فيه ](٣) بجوابين: أحدهما : أنه يمكن أن يكون قبل تحريم المدينة . والثانى : يمكن أن يكون أدخله من الحل ولم يعده فى حرم المدينة . قال : وهذا الجواب لا يلزم عندى على أصولهم ، وقد ذكرنا من قولهم : إن الحلال إذا دخل الحرم بالصيد وجب عليه إطلاقه . واختلف عندنا إذا صاد الصيد فى حرم المدينة ، فالمشهور ألا يجزأ عليه ؛ لأن إثبات الحرمة لا يوجب إثبات الجزاء ، والأصل براءة الذمة. وقال ابن نافع : فيه الجزاء ، وقاسه على حرم مكة . قال القاضى : ومثل قول ابن نافع هذا قال ابن أبى ذئب وابن أبى ليلى وحكى القاضى أبو الحسن بن القصار عن بعض أصحابنا أنه لا يشبه بمذهب مالك. واختلف قول الشافعى فى ذلك ، وكافة الناس على خلاف هذا القول ، كما أنهم مخالفون لأبى حنيفة فى إباحة صيدها وقطع شجرها وحلها ، وقد روى عن مالك كراهة أكله ، قال : وليس كالذى يُصاد بمكة. قال بعض شيوخنا : وعلى القول فيه بالجزاء يكون حراما . (١) فى ع : اشتهر . (٣) زائدة فى ع . (٢) فى ع : ببعضهم .