Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الحج / باب استحباب الرمل فى الطواف والعمرة ... إلخ
( ... ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَ الْجُرَيْرِىُّ، بِهَذَا الإِسْنَاَدِ
نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَلَ: وَكَانَ أَهْلُ مَكَةَ قَوْمَ حَسَدٍ . وَلَمْ يَقُلْ: يَحْسُدُونَهُ .
٢٣٨ _ ( ... ) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَّبِى حُسَيْن، عَنْ
أَبِى الطُّفَيْلِ. قَالَ: قُلْتُ لابْن عَبَّاس: إنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهْ رَمَلَ
بِالْبَيْتِ وَبَيْنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَهِىَ سَنَّةٌ. قَالَ : صَدَقُوا وَكَذَبُوا.
٢٣٩ _ (١٢٦٥) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا
زُهَيْرٌ، عَنْ عَبْد الْمَلك بْنِ سَعيد بْنِ الأَبْجَرَ، عَنْ أَبى الطُّفَيْلِ، قَالَ : قُلْتُ لابْن
عَبَّاسِ: أُرَانِى قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ. قَالَ: فَصِفْهُ لى. قَلَّ: قُلْتُ: رَآَيْتُهُ عنْدَ
بعض الصحابة ، وأن المشى أفضل .
وقوله: ((رمَل من الحجر إلى الحجر)): هذا سنة الرمل عند العلماء ، أن يكون فى
جميع الثلاثة أشواط ، وهو نص فى هذا الحديث ، وجاء فى الحديث الآخر فى قصة عمرة
الحديبية وفيه : أمرهم أن يرملوا بثلاثة أشواط ، ويمشوا ما بين الركنين ، قيل : لأنهم
كانوا حينئذ لا تقع عليهم أعين المشركين ، وهذا لا يعارض فيه لأنها فى قصتين ؛ الأولى
فى الحديبية ، وهذه التى فيها الرمل من الحجر إلى الحجر فى حجة الوداع ، رفق بهم أولاً
لما كان بهم من المرض ، وأمرهم بالتجلد فى/ الثلاث جهات التى كانت تقع عليها فيها
أعين المشركين حين جلسوا لهم [على ] (١) فغيقعان ، وأكمل الرمل فى الأدوار الثلاثة من
الحجر إلى الحجر فى حجة الوداع حين قدروا على ذلك ، وهو آخر فعليه .
٢١٢ / ب
وقوله: ((إن ذلك كان إذا طاف الطواف الأول)): هذا بيان فى هذه السنة ، وأن
ذلك إنما هو فى طواف الورود ، وليس فى غيره من طواف الحج نفل ، ويلزم فى طواف
العمرة ؛ لأنه مقام طواف القدوم وغيره . ولا رمل على النساء فى طواف ولا سعى .
ويلزم أهل مكة وغيرهم إلا شىء روى عن ابن عمر فى سقوطه عن المكيين ، وكذلك
ذكر فى الحديث علة الركوب بين الصفا والمروة ، وأنه ليس سنه ، وإنما ذلك لأن الناس
كثروا على النبى عَّه ، فركب لئلا يؤذيه زحامهم ، وكانوا كما قال : لا يُدفعون عنه ،
وأيضا فإنه كان - عليه السلام - يعلمهم، وقال: (( خذوا عنى مناسككم ))، فركب
ليروا كلهم أفعاله .
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش .

٣٤٢
كتاب الحج / باب استحباب الرمل فى الطواف والعمرة ... إلخ
الْمَرْوَةَ عَلَى نَقَة، وَقَدْ كَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَاكَ رَسُولُ اللهُِّ،
إِنَّهُمْ كَانُوا لا يُدَّعُّونَ عَنْهُ وَلَا يُكْرَهُونَ .
٢٤٠ - (١٢٦٦) وحدّثنى أَبُو الرَّبيع الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَاَ حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ
زَّيْد - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ: قَدَمَ رَسُولُ اللهِعَّهُ
وَأَصْحَابُهُ مَكَةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِّبَ . قَلَّ الْمُشْرِكُونَ : إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا
قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمّى، وَلَقُوا مِنْها شدَّةً، فَجَلَسُوا مِمََّ يَلِى الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِىِّ
◌َُّ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أَشْوَاطِ، وَيَّمْشُواَ مَا بَيْنَ الرُّكْتَيْنَ ؛لِيَّرَى الَمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمَّ .
فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلاء الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمّى قَدْ وَهَنَتْهُم، هَؤُلاء أَجْلَهُ مِنْ كَذَا
وَكَذَاً .
قَالَ ابْنُ عَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَ، إِلاَ الإِنْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
٢٤١ _ ( ... ) وحدّثنى عَمْرٌوَ النَّاقدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، جَميعا
عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَلَ ابْنُ عَبْدَةَ: حَدَّثَنَاَ سُفَيَنُ عَنْ عَمْرُو، عَنْ عَطَاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،
قالَّ: إِنَّمَ سَعَى رَسُولُ اللهِعَّهُ وَرَمَلَ بِالْبَيْتِ، لِيُرِىَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّهُ.
وقوله : ((كانوا لا يُدعُّون عنه ولا يُكهرون )) : كذا عن العذرى وابن ماهان ، وعند
الفارسى: ((يكرهون)»، والأول أصوب.
قال الإمام: ((لا يدعون)): أى لا يدفعون، من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى
٠،٠٠
نَارِ جَهَنَّمَ دَعَّ﴾ (١).
وقوله: ((ولا يكهرون)»: قد تقدم فى كتاب الصلاة قول أبى عبيدة: الكهر: الانتهار .
وقوله: ((وهنتهم الحمى)): أى أضعفتهم وأرقتهم. قال الفراء: يقال: وهنه الله وأوهنه.
قال القاضى: ((وجلدهم)): أى قوتهم .
وقوله : ((ثلاثة أشواط)): كذا جاء هنا، وقد تقدم قول من كره أن يقال : أشواط
وأدوار إلا أطوافا ، كما جاء فى أكثر الأحاديث ،وهذا من قول ابن عباس يدل على جوازه،
ولعله إنما كره إيثاراً ليقال ما سماه الله به من قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّقُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(٢).
(١) الطور : ١٣ .
(٢) الحج : ٢٩ .

٣٤٣
كتاب الحج / باب استحباب استلام الركنين اليمانيين ... إلخ
(٤٠) باب استحباب استلام الر کنین اليمانيين
فی الطواف ، دون الر کنین الآخرین
٢٤٢ _ (١٢٦٧) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَاَ اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَاَ قُتَيْبَةُ،
حَدَّثَنَاَ لَيْثٌ عَن ابْنِ شِهَاَبٍ ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ:
لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ عَّهِ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ ، إِلا الرِّكْنَيْنِ الْيَمانِيْنِ.
٢٤٣ - ( .. ) وحدّثْنى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ. قَالَ أَبُو الطَّهرِ: أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الله
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَتِى يُؤنُسُ عَنِ ابْنٍ شَهَّابٍ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِّهِ ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ
رَسُولُ الله عَّهُ يَسْتَلُمِ مِنْ أَرْكَانَ الَّتِ إِلا الرُّكْنَ الأَسَّوَّدُ وَالَّذِى يَلَيْهِ، مِنْ نَحْوِ دُورِ
الْجُمَحِيِّينَ .
٢٤٤ _ ( ... ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَاَ خَالدُ بْنُ الْحَارث، عَنْ عُبَيْد
الله، عَنْ نَاَفع، عَنْ عَبْد الله. ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ كَانَ لا يَسْتَلِمُ إلا الْحَجَرَ
وَالرُّكْنَ الْيَمَنِى .
٢٤٥ - (١٢٦٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعُبَيْدُ الله بْنُ
سَعيد، جَمِيعًا عَنْ يَحْبَى الْقَطَّانِ . قَالَ ابْنُ الْمُثَنِّى: حَدَّثَنَاَ يَحْبَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ،
حَدَّثَنِى نَفِعَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ؛ الْيَمَنِي وَالَّحَجَرَ
مُذْرَأَيْتُ رَسُولَّ اللهَ عَِّ يَسْتَلِمِهُمَاَ، فِى شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ.
وقوله: ((لم أر رسول الله ﴾ [ إلا] (١) يمسح الركنين اليمانيين))، وفى الآخر:
((إلا الحجر والركن اليمانى))، وفى الآخر: ((الركن الأسود والذى يليه)): كله متفق؛
لأن اليمانيين على أيمن البيت وركنان له، والآخرين بعض الحائط وليسا بركنين صحيحين؛
لأن الحجر وراءها ، وجمهور العلماء على استلام الركنين اليمانيين دونهما ، وروى عن
بعض السلف استلام الجميع ، وما حكى عن ابن الزبير لاستلامه الأربع ، قال القابسى :
لأنه كان بنى البيت على قواعده الأربع ، فكانت أركاناً كلها .
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش .

٣٤٤
كتاب الحج / باب استحباب استلام الركنين اليمانيين ... إلخ
٢٤٦ - ( ... ) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. جَمِيعًا عَنْ أَبِى خَالِد. قَلَ
أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا أَبُو خَالدِ الأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافع، قاَلَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ
يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَاَ تَرَكْتَهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَِّ يَفْعَلُهُ.
٢٤٧ _ (١٢٦٩) وحدّثنى أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَاَ عَمْرُو بْنُ
الْحَارث؛ أَنَّ قَتَدَةَ بْنَ دعَامَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبأَ الطّفَيْلِ الْبَكْرِىَّ حَّدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ
عَبَّسَ يَقُولُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِلَّهُ يَسْئَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَنِيْنِ .
قال القاضى: ولو بنى الآن على [ ما ] (١) بناه ابن الزبير لاستلمت كلها ، كما فعل
ابن الزبير .
وقوله: (( ورأيت ابن عمر يستلم الحجر بيديه ثم قبل يده »: وذكره عن النبى
تقبيل الحجر الأسود فى الطواف : من سنن الحج لمن قدر عليه ، فإن لم يقدر وضع عليه
يده ثم رفعها إلى فيه ، فإن لم يقدر قام بحذائه وكبر ، فإن لم يفعل فلا شىء عليه عند
جميعهم (٢) . وجمهورهم على أنه يقبل يده ، إلا مالكاً - فى أحد قوليه - والقاسم بن
محمد فلم يريا تقبيل اليد ، ولا يسجد عليه عند مالك وحده ، وقال : هو بدعة ،
وجمهورهم على جواز فعل ذلك ، ولا يقبل الركن اليمانى عند مالك ولكن يُستلم باليد ،
واختلف عنه فى تقبيل اليد فيه ، ولا يلزم ذلك عند جميعهم للنساء (٣) . واستحب بعض
السلف أن يكون لمسُ الركنين فى وتر الطواف (٤) لا فى شفعه ، وقال به الشافعى . وهذا
كله فى أول شوط ، ولا يلزمه فى بقيتها إلا أن يشاء (٥) .
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم .
(٢) انظر: الاستذكار ١٢/ ١٥٧.
(٣) انظر: الاستذكار ١٢/ ١٤٧.
(٤، ٥) انظر: الاستذكار ١٢/ ١٥٣.

٣٤٥
كتاب الحج / باب استحباب تقبيل الحجر الأسود فى الطواف -
(٤١) باب استحباب تقبيل الحجر الأسود فى الطواف
٢٤٨ _ (١٢٧٠) وحدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ هْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ
وَعَمْرُو. ح وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَّيْلِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبَ، أَخْبَرَنَى عَمْروُ
عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَّنْ سَالِمٍ؛ أَنَّأَبَهُ حُدَّثَهُ. قَالَ: قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ،
ثُمَّ قَالَ: أَ وَّه لَقَدْ عَلِمَتُ أَنَّكَ حَجَرٌ ، وَلَوْلا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يُقْبِّلُكَ مَا
قَبَّلْتُكَ .
زَادَ هَرُونُ فِى رِوَايَتِهِ: قَالَ عَمْرٌو : وَحَدَّثَنِى بِمِثْلِهاَ زَيُّ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِهِ أَسْلَمَ .
٢٤٩ - ( ... ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبی بَكْرِ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَاَ حَمَّادُ بْنُ زَيْد عَنْ
أُّوبَ، عَنْ نَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ غُّمَرَ قَبَّلُ الْحَجَرَ ، وَقَالَ: إِنِى لِأُقَبُّكَ وَإِنِّى
لِأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَّرَّ، وَلَكِنَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يُقْبِّلُكَ .
٢٥٠ _ ( ... ) حدّثْنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام وَالْمُقَدَّمُّى وَأَبُو كَامِلِ وَقُنَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ،
كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّد. قَلَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَ حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ ، عَنْ عَبَدَ الله
ابْنِ سَرْجِسَ ، قَالَ: رَأَيْتُ الأَصْلَعَ - يَعْنِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - يُقْبِّلُ الْحَّجَرَ
وقول عمر حين قبل الحجر: ((لقد علمت أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى
رأيت رسول الله عَّه يقبلك ما قبلتك)): فيه الاقتداء وترك الاعتراض على السنن
بالعقول ، وأن تقبيله الحجر ليس عبادة له بل لله تعالى ؛ بامتثال أمره فيه ، كأمره
بسجود الملائكة لآدم ، وشُرع مع ذلك التكبير للناس إظهاراً أن ذلك الفعل تذللاً له لا
لغيره ، أن التحسين والتقبيح إنما هو من قبل الشرع لا من قبل العقل ، وأن كل ما جاء به
الشرع فهو الحسن المحمود ، وسر ذلك محض العبودية ، وأن العبادات على ضربين : منها
ما فُهم معناه وعلتها ومصلحتها ، ومنها ما وضع لمجرد التعبد وامتثال الأمر وإطراح
استعمال العقل وأكثر أمر الحج من هذا الباب ؛ ولهذا جاء فى بعض التلبية: ((لبيك
بحجة تعبداً ورقاً » .
ومعنى ((لا تضر ولا تنفع)) : أى بذاتك وقدرتك ، وإن كان امتثال ما شرع فيه
ينفع فى الجزاء عليه والثواب .

كتاب الحج / باب استحباب تقبيل الحجر الأسود فى الطواف
٣٤٦
وَيَقُولُ: وَاللهِ، إِنِّى لِأُقَبُِّكَ، وإِنِّى أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ ، وَأَنَّكَ لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلا
أَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِِّ قَبَّلَكَّ مَاقَبَّلْتُكَ .
وَفِى رِوَيَةِ الْمُقَدَّمِىِّ وَأَِّى حَامِلٍ : رَأَيْتُ الأُصَيِعَ.
٢٥١ _ ( ... ) وحدّثنا يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وابْنُ
نُمَيْرِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةً. قاَلَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَاَ أَبُوُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِّعَةً.
قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ: إِنِّى لأُقَبِّلُكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ ،
وَلَوْلا أَنَّى رَأَيْتُ رَسُولَ الله عٌَّ يُقَبَّلَكَ لَمْ أُقَبِّلُكَ.
٢٥٢ - (١٢٧١) وحدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، جَمِيعًا عَنْ
وَكَيع ، قاَلَ أُبُو بَكْر: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَاَنَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ
سويْدَ بْن غَفَلَةَ ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَلَ : رَأَيْتُ رَسُولَ الله
◌َّه بِكَ حَفِيًا .
( .. ) وَحَدَّثَنِيه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى، حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَاَنَ، بِهَذَاَ
الإِسْنَاَدِ، قالَ: ولَكِنِّى رَأَيْتُ أَبَاَ الْقَاسِمِ نَّهُ بِكَ حَقِيًّا. وَلَمْ يَقُلْ: وَالْتَزْمَهُ.
قال الإمام: وقوله فيه: ((رأيت رسول الله عَّه بك حفيا)): أى معتنيا، وجمعه
أحفياء .
قال القاضى: وقوله: ((رأيت الأصلع)). يعنى عمر ((يقبل الحجر)): فيه جواز
ذكر الرجل بما فيه مما لا يكرهه ، إذا لم يقصد به النقص والغض منه .

٣٤٧
كتاب الحج / باب جواز الطواف على بعير وغيره ... إلخ
(٤٢) باب جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام
الحجر بمحجن ونحوه للراکب
٢٥٣ _ (١٢٧٢) حدّثنى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قاَلًا: أَخْبَرَنَاَ ابْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شهاب ، عَنْ عُبَيْدُ الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَةَ ، عَن ابْن
عَبَّاسَ ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ طَافَ فِى حَجَّةِ الْوَّدَاعِ عَّلَى بَّعِيرٍ ، يَسْتَلِمُ الرِّكْنَّ
بِمِحْجُّنٍ .
٢٥٤ - (١٢٧٣) حدّثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قاَلَ: حَدَّثَنَاَ عَلَىُّ بْنُ مُسْهر عَن
ابْنِ جُرَيْج، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرَ، قَلَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِالْبَيْت فى حَجَّةٌ
الْوَّدَاعِ عَّى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَتِهِ لأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ، وَلِيُشَّرِفَ وَلِسْأَلَوَهُ،
فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ .
٢٥٥ _ ( .. ) وحدّثنا عَلىُّ بْنُ خَشْرَمَ، أَخْبَرَناَ عيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ
جُرَيّج. ح وَحَدَّثَنَاَ عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ؛ أَخْبَرَنَاَ مُحَمَّدُ - يَعْنَى ابْنَ بَكْر - قَالَ: أَخْبَرَنَاً
ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: طَّفَ النَّبِىُّعَلَّه فِى
حجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبَالصَّفْاَ وَالْمَرْوَةِ ، لِيَرَاهُ النَّاسُ ، وَلَيُشْرِفَ
وَلَيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ .
وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ خَشْرَمٍ : وَلِيَسْأَلُوهُ فَقَطْ .
وقوله: ((طاف - عليه السلام - بالبيت على راحلته))، قال الإمام : تعلق بهذا من
أجاز الطواف راكباً لغير عذر، ومذهب مالك أن الطواف لا يركب فيه إلا لعذر (١) ، وقد
ذكر فى هذا الحديث أنه فعل ذلك ليراه الناس ويسألوه ، وهذا رآه - عليه السلام - عذراً،
فلا يكون فيه حجة للمخالف .
قال القاضى : قد علل فى الكتاب فى الحديث علة ذلك بقوله : لأن يراه الناس
(١) انظر: الاستذكار ١٨٦/١٢ .

٣٤٨
كتاب الحج / باب جواز الطواف على بعير وغيره ... إلخ
٢٥٦ _ (١٢٧٤) حدّثنى الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى القَنْطَرِىُّ، حَدَّثَنَاَ شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَقَ ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَلَتْ: طَافَ النَّبِىُّ ◌َِّ فِى حَجَةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ
الْكَعْبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنّهُ النَّاسُ.
٢٥٧ - (١٢٧٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى، حَدَّثَنَاَ سُلَيْماَنُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَاَ
مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ ، قَلَ : سَمِعْتُ أَبَ الطُّفَيْلِ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَطُوفُ
بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقْبِلُ الْمِحْجَنَ.
٢٥٨ - (١٢٧٦) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قاَلَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالك، عَنْ مُحَمَّد بْن
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ تَوْقَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيَّنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمْ سَلَّمَةَ؛ أَنَّهَاَ قَالَتْ:
شَكَّوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ أَثِّى أَشْتَكِى، فَقَالَ: ((طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ))
قَالَتْ: فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللهِ عَِّ حِينَذْ يُصَلَّى إِلى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُو يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَاب
مَسْطُورٍ .
وليشرف وليسألوه ، كراهة أن يُصرف عنه الناس وهو مَضَربه بتزاحمهم عليه ، وقد ذكر
أبو داود أنه كان - عليه السلام - فى طوافه هذا مريضا (١) ، إلى هذا المعنى أشار البخارى
عليه وتأوله ، وكذا ترجم على هذا الحديث : باب المريض يطوف راكبا (٢) ، وأجاز ذلك
الشافعى مع كراهته له ، وألزم أبو حنيفة فيه الدم إن بَعُدَ إلى مثل الكوفة ، وإن كان
قريباً أعاد ، وقول مالك كقول أبى حنيفة : إن لم / يعد أهدى (٣) ، ومنه قوله فى
حديث أم سلمة: شكوت إلى رسول الله عَّ أنى اشتكى. فقال: (( طوفى من وراء الناس
وأنت راكبة)) على ما تقدم من جوازه للمريض ، ولا خلاف فى ذوى الأعذار ، وكونها من
وراء الناس ؛ لأن ذلك سنة طواف النساء مع الرجال ؛ لئلا يختلطن بهم ، ولئلا يضر
مركبها - أيضا - بالطائفين ، وهذا يكون حكم الرجل إذا طاف راكباً لهذه العلة .
٣
وفى هذا كله حجة لنا ولمن قال بطهارة أبوال من يؤكل لحمه وروثه ؛ إذ لو كان نجساً
لم يدخل المسجد ؛ إذ لا يؤمن من ذلك منه فيه . وفيه حجة لجواز طواف المحمول من
عذر ، ولا خلاف فى جوازه ووجوبه عليه .
(١) أبو داود عن ابن عباس، ك المناسك، ب الطواف الواجب ٤٣٤/١.
(٢) البخارى ، ك الحج، ب المريض يطوف راكبا ٢/ ١٩٠.
(٣) انظر: الاستذكار ١٨٦/١٢ وما بعدها .

٣٤٩
كتاب الحج / باب جواز الطواف على بعير وغيره ... إلخ
وقوله فى هذا الحديث : ((ويستلم الركن بِمحجنٍ معه ، وَيُقَبِّلُ المِحْجَنَ »: على ما
تقدم فيمن تعذر عليه التقبيل للحجر أيضا . يضع يده عليه ، فإن لم تمكنه فما يقوم مقام
يده . والمحجن : عصا معقفةٌ ، يتناول بها الراكب ما سقط له ، ويحرك بطرفها بعيره
للمشى .
وقوله: فى حديث أم سلمة: (( فطفت، ورسول الله عَّه يصلى إلى جانب البيت
ويقرأ بالطور)) : قيل : إنها صلاة الصبح ، وإنها توخت الطواف حينئذ لخلاء البيت عن
الرجال لكونهم فى الصلاة .

٣٥٠
كتاب الحج / باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن ... إلخ
-
(٤٣) باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به
٢٥٩ - (١٢٧٧) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ مِنْ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهاَ: إِنِّى لاأَظُنُّ رَجُلاً، لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةِ
مَا ضَرَّهُ. قالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنَّ الله تَعَلَى يَقُول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾
إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١). فَقَالَتْ: مَا أَثَمَّ الله حَجَّ امْرِئْ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةَ،
وَلَوْ كَانَ كَمَآَ تَقُولُ لَكَانَ: فَلا جُنَاَحَ عَلَيْهِ أَلا يَطَّوَّفَ بِهِماَ. وَهَلْ تَدْرِى فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟
إِنَّمَاَ كَانَ ذَاكَ أَنَّ الأَنْصَارَ كَانُوا يُهلُّونَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ لصَّنَمِيْنِ عَلَى شَطِ الْبَحْرِ، يُقَلُ لَهُماً:
إِسَافٌ وَآتِلَةٌ، ثُمَّ يَجِيُؤْوُنَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَ وَالْمَرْوَةَ، ثُمَّيَحْلَقَوُنَ. فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ
كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَاَ، لِلَّذِى كَانُوا يَصْنَعُونَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ. قَلَتْ: فَأَنزَلَ الله عَزَّ
وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه﴾ إِلَى آخِرِهَا. قَالَتْ: فَطَنُوا .
٢٦٠ - ( ... ) وحدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَاَ هِشَامُ بْنُ
عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِى أَبِى، قاَلَ: قُلْتُ لعاَئِشَةَ: مَا أَرَى عَلَى جُنَحًا أَلاَّ أَتَطَوَّفَ بَيْنَ الصَّفَاَ
وَالْمَرْوَةِ. قالَتْ: لمَ ؟ قلتُ: لأنَّالله عَزّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرٍ
اللَّهِ﴾ الآيَةَ. فَقَلَتْ: لَوْ كَانَ كَمَ تَقُولُ لَكَانَ: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلاَّ يَطَّوَّفَ بهماَ. إِنَّمَ أُنْزِلَ
هَذَا فِى أُنَسِ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانُّوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنْأَةَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلاَ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ
٠٠
وقول عروة لعائشة: (( ما أرى على أحدٍ لم يطف بين الصفا والمروة شيئاً فقالت
عائشة : بئس ما قلت)) : قال الإمام : هذا من بديع فقهها ومعرفتها بأحكام الألفاظ ؛ لأن
الآية إنما اقتضى ظاهرها رفع الحرج عمن طاف بين الصفا والمروة ، فليس هو ينص فى
سقوط الوجوب فأخبرته أن ذلك محتمل ، ولو كان نصا فى ذلك لكان يقول : فلا جناح
عليه ألا يطوف بهما ؛ لأن هذا يتضمن سقوط الإثم عمن ترك الطواف ، ثم أخبرته أن
ذلك إنما كان لأن الأنصار تحرجت أن تمر بذلك الموضع فى الإسلام ، فأخبرت أن لا حرج
(١) البقرة : ١٥٨.

٣٥١
كتاب الحج / باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن ... إلخ
يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَعَ النَّبِىِّ عْ لِلْحَجِّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ الله
تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ فَلَعَمْرِى، مَا أَتَمَّالله حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَاَ وَالَرْوَةِ .
٢٦١ - ( ... ) حدّثْنَا عَمْرٌوَ النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ. قَلَ ابْنُ أَبِى
عَمَرَ : حَدَّثَنَ سُفْيَانُ ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِىِّ يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَالَ : قُلْتُ
لِعَئِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ◌َّهُ: مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَ وَالْمَرْوَةِ شَيْئًا، وَمَا أُبَالِى
أَلَّ أَطُوفَ بَيْنَهُمَاَ. قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ ياَ إِنَ أُخْتِى، طَافَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ ، وَطَافَ
الْمُسْلِمُونَ. فَكَانَتْ سِنَّةً. وَإِنَّمَاَ كَانَ مَنْ أَهْلَّ لمناَةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِى بِالْمُشَلَّلِ، لا يَطُوفُونَ
بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلامُ سَأَلْنَاَ النَِّىَّ ◌َّهُ عَنْ ذَلَكَ؟ فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجِّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾
وَلَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ: فَلاَ جُنَاَحَ عَلَيْهِ أَلَّ يَطَوَّفَ بِهِمَا .
قَالَ الزُّهْرِىُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَّبِى بَكْرِ بْنِ عَبَدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ،
فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَاَ كَانَ مَنْ لا
يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةَ مِنَ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: إَنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَّيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرٍ
الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَلَ آخَرُونَ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنَّمَ أُمِرْنَاَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ نُؤْمَرَ بِهُ بَيْنَ الصَّفَاَ
وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ .
عليها ، وقد يكون الفعل واجباً ، ويعتقد المعتقد أنه قد يمتنع من إيقاعه على صفة ، وهذا
كمن عليه صلاة ظهر وظن أنه لا يسوغ له إيقاعها عند الغروب ، فيسأل فيقال : لا حرج
عليك إن صليت ، فيكون هذا الجواب صحيحاً ، ولا يقتضى نفى وجوب الظهر عليه (١) .
قال القاضى : قد ذكر مسلم هذه العلة التى ذكر ، وذكر - أيضا - من رواية ابن أبى
شيبة ، عن أبى أسامة ، عن أناسٍ من الأنصار ؛ أنهم كانوا فى الجاهلية لا يحل لهم أن
يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما قدموا مع النبى معَّهِ ذكروا ذلك له ، فأنزل الله الآية ،
(١) فى ع : عنه .

٣٥٢
كتاب الحج / باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن ... إلخ
-
قاَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَأَرَاهَا قَدْ نَزَّلَتْ فِى هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ .
٢٦٢ - ( ... ) وحدّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَاَ حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنِّى، حَدَّثَنَاَ لَيْثٌ عَنْ
عُقَيّل، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ. وَسَاقَ
الْحَدَيْثَ بِنَحْوِهِ. وَقَلَ فِي الْحَديثِ: فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ الله عَُّ عَنْ ذَلَكَ فَقَالُوا: ياً
رَسُولَ اللهِ، إِنأَ كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوَفَ بِالصَّفَاَ وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَّلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ (١).
قَالَتْ عَائشَةُ: قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ عَِّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَاَ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ
بهماَ .
٢٦٣ _ ( ... ) وحدّثْنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ
شَهَبٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الأَنْصَارَ كَانَوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، هُمْ
وَغَسََّنُ ، يُهُّونَ لِمَنْأَةً ، فَتَحَرَّجُوا أَنَّ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِى
آبَائِهِمْ؛ مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّهُمْ سَلُوا رَسُولَ اللهِعَّهُ عَنْ
ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ
حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَوِّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم ﴾ .
وذكر نحواً منه من رواية الزهرى ، ثم ذكر فى آخره : أن من العرب من كان يقول : إن
طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية ، وقال آخرون من الأنصار : إنما أمرنا بالطواف
بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة ، فأنزل الله الآية . قال أبو بكر بن عبد الرحمن :
فإذا هى نزلت فى قوله وهؤلاء .
وقوله: ((إن هذا للعلم))، ويروى: ((العلم)) : استحسان لقول عائشة،
وتصويبٌ لتأويلها وتفسيرها .
قال الإمام : قد اختلف الناس فى السعى بين الصفا والمروة . فقال بعض الصحابة :
هو تطوعٌ ، وأوجبه مالك ، رأى أن الدم لا يجبره ، وقال أبو حنيفة : هو واجب ، ولأن
الدم يجبره .
(١) البقرة : ١٥٨.

٣٥٣
كتاب الحج / باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن ... إلخ -
٢٦٤ _ (١٢٧٨) وحدّنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ عَاصِمِ ، عَنْ
أَنَسِ. قَالَ: كَانَتِ الأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطَوُفُوا بَيْنَ الصَّفَاَ وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ
الصَّفًّا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ .
قال القاضى : وبقول مالك قال الشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور ، وهو عند
جميعهم ركن من أركان الحج ، وقاله جماعة من السلف ، وقالوا : يرجع إليه أو إلى ما
ترك فيه حتى يأتى به ، فإن كان قد أصاب النساء قبل رجوعه أعاده قابلاً حجةً أو عمرةً ،
والواجب فى الحج منه السعى فى طواف واحد وهو المتصل بطواف القدوم ، فمن لم يسع فيه
وسعى فى غيره فى أطواف الحج أجزأه منه (١) .
وقوله فى هذا الباب فى رواية أبى معاوية: (( إنما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلون
فى الجاهلية لصنمين على شط البحر ، يقال لهما : إساف ونائلة )) : كذا رواية الكافة؛ وعند
ابن الحذاء: ((فى الجاهلية لمناة، وكانت صنمين على شط البحر)) وذكر مثله ، وكلاهما
خطأ، والصواب ما جاء فى الروايات الأخر فى الباب: (( يهلون لمناة ) وفى الرواية
الأخرى: ((الطاغية التى بالمُشَلَّل))، وهذا هو المعروف.
ومناة : صنم كان نصبه عمرو بن لحى بجهة البحر بالمشلل بما يلى قديداً ، وكذا جاء
مفسراً فى هذا الحديث فى الموطأ ، وله كانت الأزد وغسّان تهل لحجها ، وقال ابن الكلبى :
مناة صخر لهذيل بقديد .
وأما إساف ونائلة : فلم يكونا قط لجهة البحر ، وإنما كان فيما يقال : رجلا اسمه :
إساف بن نقاد ، ويقال : ابن عمرو ، وامرأة اسمها : نائلة بنت ذئب ، ويقال : بنت
سهل ، قيل : كانا من جرهم ، زنيا داخل الكعبة فمسخهما الله حجرين ، فنصبا عند
الكعبة ، وقيل : بل على الصفا والمروة ليُعتبر بهما ويتعظ ، ثم حولهما قُصَى ، فجعل
أحدهما لصق الكعبة ، والآخر بزمزم ، وقيل : بل جعلهما جميعاً بزمزم ، ونحر عندهما
وأمر بعبادتهما ، فلما فتح النبى عَّي مكة كسرهما.
(١) انظر: الاستذكار ٢٠١/١٢ وما بعدها .

٣٥٤
كتاب الحج / باب بيان أن السعى لا يكرر
(٤٤) باب بيان أن السعی لا یکرر
٢٦٥ - (١٢٧٩) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ سَعيد عَنِ ابْن
جُرَيْج ، أَخْبَرَنَى أَبُو الزَّبَيْرِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: لَمْ يَطْفُ النّبِىِّ
صِّىاللّه
وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، إلاَ طَوَافًا واحدًا .
( .. ) وحدّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْد. أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، بِهَذَا
الإِسْناد مثْلَهُ. وَقَالَ: إِلا طَوَافًا وَأَحدًا. طَوَافَهُ الأَوَّلَ .
وقوله: ((لم يطف النبى معَّه ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ، طوافه
الأول)) : يصحح ما قلنا : إنهم لم يسعوا فى غيرها من الأطراف المذكورة فى الحج .

٣٥٥
كتاب الحج / باب استحباب إدامة الحاج التلبية ... إلخ
(٤٥) باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع
فى رمى جمرة العقبة يوم النحر
٢٦٦ - (١٢٨٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَابْنُ حُجْر، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ . ح وَحَدَّثَنَاَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعيلُ
ابْنُ جَعَّفَر عَنْ مُحَمَّد بْنِ أَبِى حَرْمَلَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ
زَيِّد، قاَلُ: رَدَفْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ مِنْ عَرَفَاتَ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ الشَّعْبَّ
الأَيْسَرَ - الَّذِىَ دُونَ الْمُزْدَفَةِ - أَنَاَخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ
وُضُوءًا خَفيَفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلاةَ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: ((الصَّلاةُ أَمَامَكَ)) ،
فَرَكَبَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ ، فَصَلَّى ، ثُمَّ رَدَف الْفَضْلُ رَسُولَ الله
غَدَاةَ جَمْعِ .
(١٢٨١) قَلَ كُرَيّبٌ: فَأَخْبَرَفِى عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ ، عَنِ الْفَضْلِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله
◌َ لَمْ يَزَلْ يُكَبِى حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ .
٢٦٧ - ( .. ) وحدّثنا إِسْحقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَّى بْنُ خَشْرَم، كلاهُمَاَ عَنْ عِيسَى
ابْنِ يُونُسَ ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمِ: أَخْبَرَنَ عِيَسَىَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخِّبَرَنَى عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِى
ابْنُّ عَبَّاس؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعَ. قالَ: فَأَخْبَرَنِى ابْنُ عَبَّاس ؛ أَنَّ
الْفَضْلَ أَخْبُرَهُ؛ أَنَّ النَِّىَّ ◌َّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِى حَتَّى رَمَّى جَمْرَةَ الْعَقْبَةِ.
٢٦٨ - (١٢٨٢) وحدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَاَ لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح،
أَخْبَرَنِى اللَّيْثُ عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِى مَعْبَّدٌ ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
وقوله : ((فلما بلغ رسول الله ◌َّه الشعب الأيسر - الذى دون المزدلفة - أناخ فبال ؛
ثم جاء فصببت عليه الوضوء، فتوضأ وضوءاً خفيفاً))، وفى حديث آخر: ((ليس
بالبالغ))، وفى آخر: ((فلم يسبغ الوضوء)) / ثم قال: (( حتى أتى المزدلفة فصلى ))،
وجاء بعد هذا فى الحديث الآخر: (( فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم
٢١٣ / ب

٣٥٦
كتاب الحج / باب استحباب إدامة الحاج التلبية ... إلخ
-
عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَدَيْفَ رَسُول الله عَّةٍ؛ أَنَّهُ قَالَ فى عَشْيَّةً عَرَفَةَ وَغَدَاة
جَمَّعِ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا:(عَلَيْكُمَّ بِالسَّكِينَةِ) وَهُوَ كَافٌ نَقَتَهُ ، حَتَّى دَّخَلَ مُحَسِّرًا -
وَهُوَ مِنْ مِنِّى - قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَّذْفِ الَّذِى يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ » .
أقيمت الصلاة)): توهم لفظة: ((لم يسبغ)) أن الأول لم يكن وضوءاً للصلاة ، وكذلك
تأوله بعضهم ، وقيل : بل وضأ بعض أعضاء وضوئه ، وليس كذلك بل كان وضوؤه
الأول للصلاة ، ثم توضأ آخراً بالمزدلفة لعذر طرأ عليه ، وليس يقال فى الاستنجاء :
وضوءاً خفيفاً، ولا: ليس بالبالغ. ومعنى (( لم يسبغ)) : أى لم يكرره ، وقد يكون
وضوؤه بالمزدلفة لتمام الفضيلة بتكراره ، وتمام عدده ثلاثاً - والله أعلم - ويدل على أنه
وضوء للصلاة قوله: ((ذهب إلى الغائط ، فلما رجع صببت عليه من الإداوة فتوضأ وخففه ))
ليكون على طهارة أو لاستعجاله ، فلما أتى مزدلفة أتم فضيلته بالتكرار ، أو ابتدأ فرضه
لحدث اعتراه - والله أعلم - ولا وجه لقول من قال : إنه توضأ وضوءين ليخص كل صلاة
من الصلاتين التى جمع بعد بالمزدلفة بوضوء ، على عادته من الوضوء لكل صلاة . إذ
تكرار الوضوء قبل أداء فريضة به ممنوع ، ومن السرف المنهى عنه ، إنما الفضيلة فى تكراره
بعد صلاة فرض به .
وقوله: (( فبال، وما قال: أهَرَاقَ الماء )): إشعارٌ بما يراده الحديث ، كما سمعه بلفظ
محدثه إياه ، وأنه لم يورده بمعناه .
وقوله: ((الصلاة أمامك))، قال الإمام : اختلف عندنا فيمن صلى تلك الليلة
الصلاتين فى وقتهما ، هل يعيد إذا أتى المزدلفة أم لا ؟ فقيل : يُعيد لهذا الحديث ،
وقيل: لا يعيد ؛ لأن الجمع سُنةٌ وذلك إذا ترك لا يوجب الإعادة ، ولا يتوجه مثل هذا
الخلاف فيمن ترك الجمع بين الظهر والعصر بعرفة ؛ لأن المصلى للمغرب ليلة المزدلفة لما
صلاها قبل الشفق صار كمن صلاها قبل وقتها ، فإنه يعيدها فى وقتها ، والذى أخر صلاة
العصر يوم عرفة ولم يصلها مع الظهر ، إن كان تركها بعد وقتها فصلاته لها بعد ذلك
قضاء ، فلا معنى لأن يقال له : صلها ثانيةً ، كما قيل فى المغرب .
قال القاضى : وقد قدمنا الكلام فى هذه المسألة بأشبع من هذا فى حديث جابر ،
وكذلك على قوله : (( جمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء بإقامةٍ واحدةٍ)).
وقوله : (( فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره فى منزله ، ثم أقيمت العشاء
فصلاها)) (١): هذا سنة العمل عند العلماء اقتداء بفعل النبى معَّه ، وأن يؤخر حط
الرحال حتى تصلى المغرب .
(١) حديث رقم ٢٧٦ فى الباب بعد التالى .

٣٥٧
كتاب الحج / باب استحباب إدامة الحاج التلبية ... إلخ
وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهُِّ يُلِى حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.
( ... ) وَحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْمَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ ،
أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، بِهَذَا الإِسْنَد. غَّيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِى الْحَدَيْثُ: وَلَّمْ يَزَلْ رَسُوْلُ
الله عَُّ بُلِى حَتَّى رَّمَى الْجَمْرَةَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِهِ : وَالنَّبِىُّ يُشِرُ بِيَدِهِ كَمَا يَخْذِفُ
الإنْسَانُ .
٢٦٩ _ (١٢٨٣) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَاَ أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ
وقوله: (( فلم يزل يلبى حتى رمى الجمرة)) ، قال الإمام : اختلف عندنا متى يقطع
الحاج التلبية ، هل عند الزوال ؟ أو عند الرواح إلى الصلاة أو [ إلى الموقف ] (١) ؟ ذهب
المخالف إلى أنه لا يقطع حتى يرمى الجمرة ، وتعلق بهذا الحديث ، واختار ذلك بعض
شيوخنا المتأخرين ، واختلف القائلون بأنه لا يقطع حتى يرمى الجمرة ، هل يقطع التلبية
إذا رمى أول حصاة أو حتى تتم السبع .
قال القاضى : اختلف عن الصحابة والسلف بالأقوال الثلاثة عن مالك ، وذكر
مسلم: ((حتى رمى جمرة العقبة))، وذكر فى الحديث الآخر: (( حتى بلغ الجمرة))،
فالخلاف هنا مركب على هذين الحديثين، وقال الشافعى والثورى وأصحاب الرأى وأبو ثور :
يقطعها مع أول حصاة ، وقد حكى محمد بن المواز عن مالك أنه يكبر ، وإن شاء لبى فى
سفره من منى إلى عرفة. وقال ابن الجلاب: من أحرم من عرفة لبى حتى يرمى الجمرة (٢) ،
وأخذ مالك فى مشهور مذهبه بما روى فى موطئه عن على وعائشة وابن عمر على اختلاف
بينهم ، مع اتفاق أنه قبل الوقوف (٣) ، هو مذهب أكثر أهل المدينة ، وجمهور فقهاء
الأمصار وجماعة من السلف على أنه يلبى حتى يرمى الجمرة (٤) ، وقال الحسن: يلبى حتى
يصلى الغداة يوم عرفة ثم يقطع ، وتقدم الكلام (٥) على حصى الخذف وعلى ذكر محسرٍ
فى حديث جابر. وقوله هنا: ((والنبى عَّه يشير بيده كما يخذف الإنسان )» بيان وزيادة
فى تفسير الخذف .
وذكر مسلم أحاديث التلبية بجمعٍ وفى الإفاضة ، وفى السير إلى عرفات [ فأما فى
(١) من ع، وهى فى نسخة الإكمال غير ظاهرة المعنى.
(٢) انظر: التمهيد ٧٣/١٣، ٧٤ وما بعدها، الاستذكار ١٥٨/١١ وما بعدها .
(٣) الموطأ ، ك الحج، ب قطع التلبية ٣٣٨/١ رقم (٤٤ - ٤٦).
(٤) وهو قول الجمهور، ودليلهم ما جاء فى الشيخين من حديث الفضل بن عباس أنه لم يزل ملبياً حتى رماها .
(٥) راجع : الاستذكار ١٥٨/١١ وما بعدها .

٣٥٨
كتاب الحج / باب استحباب إدامة الحاج التلبية ... إلخ
حُصَيْنِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ: قَلَ عَبْدُ الله وَنَحْنُ بِجَمْعٍ:
سَمِعْتُ الَّذِ أَنْزِلَّتَ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِى هَذَّا الْمَقَمِ: (( لَّكَ اللَّهُمََّّكَ)).
٢٧٠ _ ( .. ) وحدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَاَ هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حُصیْنٌ ، عَنْ کثیر بْنِ
مُدْرِك الأَشْجَعِىِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزَيْدَ ؛ أَنَّ عَبْدَ الله لَّى حِينَ أَفَضَ مِنْ جَمْعِ ،
فَقِيلَ: أَعْرَابِىُّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ الله: أَنَسى الناسُ أَمْ ضَلُّوا؟ سَمِعْتُ الذَّى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ
سُورَةُ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِى هَذَا الْمَكَانِ : ((لَّيْكَ اللّهُمَّ لَبَّيْكَ)) .
( .. ) وحدّثناهُ حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَنُ، عَنْ حُصَيْنِ،
بِهَذَا الإِسْنَاَدِ .
٢٧١ _ ( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ الْمَعْنِىُّ، حَدَّثَنَاَ زِياَدٌ - يَعْنِى الْبَكَّائِىَّ- عَنْ
حُصَيْنِ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكُ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزَيَدَ وَالأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ،
قَالا: سَمِعْنَاَ عَبْدَ لله بْنَ مَسْعُودِ يَقُولُ، بِجَمْع: سَمِعْتُ الَّذِى أُنْزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ،
هَاهُنَاَ، يَقُولُ: ((لَّيْكَ اللَّهُمَّلَّكَ))، ثُمَّلَّى وَلَيْنَ مَعَهُ.
التلبية ] (١) فهم متفقون على ذلك ، وأنه يرجع إليها بعد الطواف والسعى الذى للقدوم .
واختلفوا متى يقطعها قبل ذلك ؟ هل إذا دخل الحرم ؟ أو إذا دخل مكة ؟ أو إذا طاف ؟
والثلاث روايات عن مالك (٢) وهذا فى أهل المواقيت ، وأما التلبية بجمع وفى الإفاضة فقد
يحتج به من يقول : يلبى حتى يرمى الجمرة .
١
İ
(١) فى هامش الأصل ، وغير واضحة .
(٢) الموطأ، ك الحج، ب قطع التلبية ١ / ٣٣٨ رقم (٤٤ - ٤٦).

٣٥٩
كتاب الحج / باب التلبية والتكبير فى الذهاب من منى إلى عرفات ... إلخ -
(٤٦) باب التلبية والتكبير فى الذهاب من منى إلى عرفات فى يوم عرفة
٢٧٢ _ (١٢٨٤) حدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله
ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْبَى الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، قَالا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنَّ
سَعِيدِ، عَنْ عَبّدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبّدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ : غَدَوْنَا
مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌َّهُ مِنْ مِنَّى إِلَى عَفَاتٍ، مِنَّ الْمُلَّى وَمِنَّ الَمُكَبِّرُ.
٢٧٣ _ ( .. ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَهَرُونُ بْنُ عَبْدِ الله وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ،
قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنِ ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبيِهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله
◌َِّ فِى غَدَاة عَرَفَةَ ، فَمنَّا الْمُكَبِّرُ وَمَنَّا الْمُهَلِّلُ، فَأَمَّا نَحْنُ فَنْكَبِّرُ. قَالَ: قُلْتُ: وَالله ،
لَعَجِبًا مِنْكُمْ، كَيْفَ لَمْ تَقُولُوا لَهُ: مَاذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ عَِّ يَصْنَعُ؟
٢٧٤ - (١٢٨٥) وحدّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك، عَنْ مُحَمَّد بْن
أَبِى بَكْر النَّقَفِىِّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالك، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ
تَصْنَعُونَ فِى هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ؟ فَقَالَ : كَانَ يُّهِلُّ المُهِلُّ مِنَّا، فَلا يُنكَرُ عَلَيْهِ،
وَيُكَبِّالْمُكَبِّرُ مِنَّا، فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ .
وقوله فى الحديث الآخر: ((غدونا مع رسول الله عَّه من منى إلى عرفة))، وفى
حديث آخر: ((غداة عرفة، فمنا الملبى ومنا المكبر))، وفى الحديث الآخر: ((يهل المهل
فلا ينكر عليه ، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)) : قد ذكرنا عن مالك أنه قال بمثل هذا وهذا
فى الحج، وأما فى المعتمر فإن أحرم من التنعيم فإنه يقطع التلبية عند مالك إذا رأى البيت ؛
وأما من أحرم بها من المواقيت فيقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم ، وعنه إن أحرم من
الجعرانة أنه يقطع إذا دخل مكة ، وعند الشافعى وأبى حنيفة : يقطعها المعتمر إذا ابتدأ
الطواف ، ولم يفرقا بين القرب والبعد .
وقوله: ((ونحن بجمع)) (١) : أى بمزدلفة، بفتح الجيم. سميت بذلك للجمع فيها
-
(١) حديث رقم (٢٧٢) من هذا الكتاب .

٣٦٠ - كتاب الحج / باب التلبية والتكبير فى الذهاب من منى إلى عرفات ... إلخ
٢٧٥ - ( ... ) وحدّنى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاء ، عَنْ مُوسَى بْنِ
عُقْبَةَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِك، غَدَاةَ عَرَفَةَ : مَا تَقُولُ فى
الَّلْبِيةِ هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ مَعَ النَِّىِّ ◌َّهُ وَأَصْحَابِهِ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا
الْمُهَلِّلُ ، وَلَا يَعِيبُ أَحَدُنَا عَلَى صَاحِبه .
بين العشاءين ، وقد يقال : لاجتماع الناس بها للوقوف . قال ابن حبيب : هى جمع
ومزدلفة وقزحٌ والمشعر الحرام ، وسميت مزدلفة لذلك ؛ من جمع [ الناس بها ] (١) ،
وقيل : لقربهم من منازلهم بعد الإفاضة . والازدلاف : القربُ .
(١) فى هامش الأصل .