Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب الصيام / باب قضاء رمضان فى شعبان
(٢٦) باب قضاء رمضان فى شعبان
١٥١ _ (١١٤٦) حدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ
سَعِيدٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنَّهَا - تَقُولُ : كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ
وقول عائشة: (( يكون علىّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا فى شعبان
للشغل برسول الله عَ)): فيه حجة على أن قضاء رمضان ليس واجبًا على الفور ، خلافًا
لداود فى إيجابه [ من ] (١) ثانى شوال، وأنه أثم متى لم يصمه ، وكذلك يقول فيمن
وجبت عليه رقبة وتعيينه فى أول رقبة يمكنه ملكها أو ملكها حينئذٍ ، فإذا لم يكن على الفور
فوقته موسعٌ مقيد بتقييد السَّنة ، ما لم يدخل رمضان آخر كوقت الصلاة ، والإنسان مخيّر
فى إيقاع ذلك أى وقت شاء من الوقت ، لكن الاستحباب المبادرة وتقديم ذلك على غيره
من صيام النفل كالصلاة ، وبهذا قال الشافعى : والأصل فيه حديث عائشة هذا ، وأمرها
غير خفى على النبى عَّ، فلو كان ما فعلته غير جائز لما أقرها . قال بعض العلماء: ولا
يقضى بموته بعد مضى اليوم الثانى من شوال على شرط العزم، وهذا - أيضا - على ما قالوا
فى الصلاة ، لاسيما على قولنا وقول الشافعى: إن الخطاب يتعين بها لأول الوقت، وقال
أبو بكر الرازى الحنفى : إنه لا يقضى إلى السنة المقبلة ، وقال أبو القاسم الكيالهراسى
الشافعى : هذا خلاف قول الجماعة ، قال : وقد أجمعوا أنه لو مات قبل السنة على وجوب
الفدية ، لا لكونه عاصيا ، كما يجب على الشيخ الكبير وعلى من مات أول يوم من
شوال، وقال أبو الحسن [ ابن ] (٢) القصار وغيره من شيوخنا : إنه عاص إذا أمكنه القضاء
فلم یقض حتى دخل رمضان آخر .
وقد اختلف العلماء فى وجوب الفدية على المفرط فى الفطر حتى دخل عليه رمضان
آخر ، فمذهب مالك والشافعى [] (٣)، ومعظمهم وجوبها عليه مُدا لكل يوم ، وذهب
أبو حنيفة وأصحابه وداود إلى أنه لا كفارة على المفرط ، وجمهورهم أنه إذا مرض بقية
عامه ولم يفرط ، حتى دخل عليه رمضان آخر ، أنه لا فدية عليه . وحكى عن بعض
السلف: عليه الفدية . قال بعض شيوخنا : واختلف مذهبنا بما يكون به مفرطا حتى يلزمه
[بالذى عليه ] (٤)، فالبغداديون (٥) منهم ومعظم الشيوخ : أنه ليس بمفرط إلا بترك ذلك
عند آخر السنة وبقية عدد تلك الأيام من شعبان ، ولو صح فيما مضى من سنته [ ثم جاءه
ما منعه حتى دخل عليه رمضان آخر لم يلزمه كفارة، وقال بعضهم ] (٦) : إنه يراعى
(١) من س .
(٤) من س .
(٢) فى هامش س .
(٥) فى س : البغداديون .
(٣) كلمة فى الأصل غير ظاهرة اللفظ والمعنى.
(٦) سقط من س .

١٠٢ -
كتاب الصيام / باب قضاء رمضان فى شعبان
مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّ فِى شَعْبَانَ. الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهَِّهِ، أَوْ بِرَسُولِ
الله لِّ .
( .. ) وحدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ
ابْنُ بِلاَلٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ
( ... ) وحدَّثَنِهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيِّجٍ ، حَدَّثَنِى
صحته أو إقامته من أول عامه ، فمن صح من شوال فما بعده مُدّةً يمكنه فيها قضاء ما عليه
فلم يفعل حتى جاء ما منعه حتى دخل عليه رمضان آخر ، فقد لزمه القضاء ، ونحوه فى
المدوّنة (١) .
وعلى هذين القولين اختلف تأويلهم على مذهب المدوّنة ، قال بعض شيوخنا : فعله
على هذا مترقبا ليس على الفور ولا على التراخى ، فإن صح منه القضاء فى شعبان وكان
قادرًا على تعجيله لم يكن عليه إطعام ، قال : والقياس إما أن يقالُ على الفور كالصلاة
المنسية ، فمتى لم يفعل كان مفرطًا ، ووجبت عليه الفدية ، أو على التراخى ، فلا شىء
عليه مما صحَّ فيه أو أقامه عاش أو مات ، يعنى حتى يضيق الوقت عليه بآخر العام كالصلاة
المؤقتة .
واختلف فى قضاء رمضان ، هل من شرطه التتابع ؟ وبه قال جماعة من الصحابة
١٨٦/أ والتابعين / وأهل الظاهر ، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين ، وكافة علماء الأمصار
أنه ليس من شرطه ، ويجوز مفترقا .
وقولها: ((الشغل برسول الله عَّه)): نص منها لِعلة ذلك، وارتفع الشغل عنها
بتقدير فعل أنه يمنعنى منه الشغل أو شغلنى ونحوه ، وبيان فى أن أمرها بتمادى الفطر غير
خاف عنه - عليه السلام - ورد على من ضعف تعليل حالها بذلك ، إذ هى نفسها قد
أخبرت بذلك وعلة فطرها فسقط التأويل ، وفيه ما يجب من حق الزوج ، ولا أعلم
خلافًا، فى التنفل أن من حق الزوج منعها منه لحديث أبى هريرة: (( لا يحل لامرأة أن
تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه )) (٢) . قال بعض شيوخنا : وأما فى قضاء رمضان فليس له
(١) فى س : المدنية .
(٢) سبق فى كتاب مسلم ، ك الزكاة ، ب ما أنفق العبد من مال مولاه ، بقرب لفظه، وبلفظه البخارى ، ك
النكاح ، ب لا تأذن المرأة فى بيت زوجها لأحد إلا بإذنه عن أبى هريرة بلفظ: ((لا يحل للمرأة أن تصوم
وزوجها شاهد إلا بإذنه ... )) الحديث ٣٩/٧، وأيضا بلفظ مسلم أبو داود ، ك الصوم ، ب المرأة تصوم
بغير إذن زوجها ١/ ٥٧٢، الترمذى، ك الصوم، ب ما جاء فى كراهية صوم المرأة إلا بإذنه ١٤٢/١، =

١٠٣
كتاب الصيام / باب قضاء رمضان فى شعبان
يَحْيَ بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: نَظَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِىِّ ◌َّهُ. يَحْبَى
رو وو
يَقُولُهُ.
( ... ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقدُ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، كَلاَهُمَا عَنْ يَحْيَى ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَّذْكُرَا فِى الْحَدِيثِ : الشُّغْلُ
برَسُول الله عَّ .
١٥٢ - ( ... ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد
الدَّرَاوَرْدِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ
ء
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِى زَمَانِ
رَسُولِ اللهِعَّهُ، فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ، حَتَّى يَأْتِىَ شَعْبَانَ.
منعها إلا باختيارها ، إذ لها حق فى إبراء ذمتها ، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن عائشة
فى هذا إنما فعلت ذلك للرخصة لا لأجل النبى - عليه السلام - وأن ذكر الشغل برسول
الله عَّ من قول يحيى لا من قول عائشة، وقد قال البخارى: قال يحيى: (( الشغل من
رسول الله عَ)) (١) . وفى مسلم فى حديث ابن رافع عن يحيى قال : فظننت أن ذلك
لمكان النبى - عليه السلام - ولسقوط هذه العلة جملة من رواية سُفيان وغيره ، قالوا: وقد
كان له - عليه السلام - نساء غيرها، وكان يقسم بينهن ، أى فقد كانت تتفرغ لصومها.
قال القاضى : لكنه قد جاء فى حديث ابن أبى عمر ما يدل أن العلة من قولها ،
فقالت: ((إن كانت إحدانا لتفطر فى زمان رسول الله عَّة ، فما تقدر أن تقضيه مع رسول
الله عَّ حتى يأتى شعبان)».
قالوا : وفى هذا الحديث وشبهه أن منافع العشرة والمتعة من الزوجة مُتْملكةً للزوج فى
عامة الأحوال ، وحقها فى نفسها محصور فى وقت دون وقت ، وقد ذكر مسلم فى كتاب
الزكاة: ((لا تصم (٢) المرأة وبعلها شاهدٌ)) (٣)، وهذا أصل فى الباب ، ومحمول على ما
لم یتعین علیها فرض صومه.
= ابن ماجة، ك الصوم ، ب فى المرأة تصوم بغير إذن زوجها ١ / ٥٦٠ .
(١) البخارى، ك الصوم، ب متى يقضى قضاء رمضان، بلفظ الشغل من النبى معَّه أو بالنبى ٤٥/٣ .
(٣) سبق فى كتاب الزكاة ، ب ما أنفق العبد من مال مولاه .
(٢) فی س: تصوم.

١٠٤
كتاب الصيام / باب قضاء الصيام عن الميت
(٢٧) باب قضاء الصيام عن الميت
١٥٣ - (١١٤٧) وحدّثْنى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عيسَى، قَالاَ: حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارث، عَنْ عُبَيْدَ الله بْنِ أَبِى جَعْفَرَ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ جَعْفَرِ
ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنَّهَ - أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهُ قَالَ: (( مَنْ مَاتَ
وَعَلَيْهِ صِيَامٌ ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)) .
١٥٤ - (١١٤٨) وحدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا
وقوله: (( من مات وعليه صيام ، صام عنه وليه )) ، قال الإمام : أخذ بظاهر هذا
الحديث أحمد وإسحق وغيرهما ، وجمهور الفقهاء على خلاف ذلك ، ويتأولون الحديث
على [معنى] (١): طعام الحىّ عن وليه، إذا مات وقد فرط فى الصوم ، فيكون الإطعام
قائمًا مقام الصيام .
قال القاضى : أما أحمد [ فإنما ] (٢) يخصصُ أن يصومه وليه عنه فى النذر ، وهو قول
الليث وأبى عبيد ، وروى عن الشافعى ، وأما قضاء رمضان فلا عندهم ، ولكنه يطعم عنه
واجبًا من رأس [ ماله ] (٣) وهو مشهور قول الشافعى فى وجوب الإطعام عليهم من رأس
ماله دون الصوم ، وهو قول كافة العلماء ، ومالك لا يوجب عليهم الإطعام إلا أن يوصى
بذلك ، أو يتطوعوا .
وأجمعوا بغير خلاف أنه لا يصلى أحدٌ عن أحدٍ فى حياته ولا موته ، وأجمعوا أنه لا
يصوم أحد عن أحد فى حياته ، وإنما الخلاف فى ذلك بعد موته ، وقد خرج النسائى من
رواية ابن عباس عن النبى عَّه: (( لا يصلى أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ،
ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًا من حنطةٍ)) (٤) .
وذكر الترمذى من رواية ابن عمر: ((من مات وعليه صيام شهر ، فليطعم عنه
وليه مكان كل يوم مسكينًا )) (٥) ، وإذا تعارضت الأحاديث (٦) رجع إلى قوله تعالى:
(١) فى هامش الأصل .
(٢، ٣) سقطتا من الأصل، واستدركتا بالهامش.
(٤) النسائى فى الكبرى ، ك الصيام، ب صيام الحى عن الميت عن ابن عباس موقوفا ١٧٥/٢ .
(٥) الترمذى ، ك الصوم ، ب ما جاء فى الكفارة عن ابن عمر ، قال أبو عيسى : حديث ابن عمر لا نعرفه
مرفوعًا إلا من هذا الوجه ، والصحيح عن ابن عمر موقوفا ٨٨/٣، رقم (٧١٨).
(٦) لم يكن هناك تعارض للآثار ولن يكون ، وهاك كلام أبى عمر بن عبد البر فى الاستذكار فيه جيدًا: لولا
الأثر المذكور - ويريد أثر: (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه)» البخارى ومسلم فى هذا الباب - لكان=

١٠٥
كتاب الصيام / باب قضاء الصيام عن الميت
الأَعْمَشِرُ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبِيٍّ، عَنِ ابْنٍ عَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ
امْرَةٌ أَتَتْ رَسُولَ الله عَّةٍ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّى مَاتَتَّ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. فَقَالَ: «أَرَأَيْت لَوْ
كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ )). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَدَيْنُ الله أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ».
١٥٥ _ ( .. ) وحدّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِىُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلَىِّ، عَنْ زَائدَةَ ،
عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا -
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ◌َُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهَ، إِنَّ أُمِى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ،
أَفَأَقْضِيهِ عَنّهَا؟ فَقَالَ: ((لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ )). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
((فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)) .
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ (١) .
وذكر مسلم فى الباب الأحاديث المروية عن ابن عباس: ((إن أمى ماتت وعليها صوم
[شهر] (٢) ... )) الحديث إلى قوله: فذكر أنه أحق بالقضاء ، وذكر اختلاف الروايتين
فيه وزيادة ابن أبى أُنيسة عن الحكم فيه قولها: (( صوم نذر))، وقد ذكر البخارى حديث
ابن عباس هذا واضطراب الرواية فيه ، وقول من قال فيه: ((إن أختى ماتت)) ، وقول من
قال: ((وعليها خمسة عشر يومًا)، وقول من قال: ((صوم نذر))، وقول من قال: ((جاء
رجل )) وكثرة الاضطراب فيه عن مسلم البطين، وعلى من فوقه وغيرهم(٣)، وذكر الدارقطنى
ذلك وقول من قال فيه: ((صوم شهرين متتابعين )) (٤) ، وقد ذكر البخاری حدیث أبی خالد
الأحمر مُعلقًا ولم يُسنده (٥) ، وذكر مسلم حديث أبى سعيد الأشج : حدثنا أبو خالد الأحمر
عن سلمة بن كهيل ، والحكم بر عيينة ومسلم البطين عن سعيد بن جبير، ومجاهد وعطاء
عن ابن عباس ، ووهم الدارقطنى أبا خالد الأحمر فى هذا الحديث ؛ لمخالفته رواية الأعمش
فيه ، كما قد ذكر مسلم وقال ، وقد بين زائدة فى (( روايته الوجه الذى دخل عليه (٦) الوهم
= الأصل القياس على الأصل المجتمع عليه فى الصلاة ، وهو عمل بدن ، لا يصوم أحد عن أحد كما لا
یصلی أحد عن أحد ١٧٣/١٠ .
(١) النجم: ٣٩ .
(٢) ساقطة من الأصل .
(٣) البخارى ، ك الصوم، ب من مات وعليه صوم ٣/ ٤٦.
(٤) الدارقطنى، ك الصوم، ب القبلة للصائم ١٩٥/٢، ١٩٦ رقم (٨٣).
(٥) البخارى ، ك الصوم ، ب من مات وعليه صوم ٤٦/٣.
(٦) فى س : فيه .

كتاب الصيام / باب قضاء الصيام عن الميت
١٠٦
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ جَمِيعًا، وَنَحْنُ جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ
مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ . فَقَالاَ : سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
( .. ) وحدّثَنا أَبُو سَعيد الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالد الأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُنَّةَ، وَمُسْلِمِ الْبَطِينَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ ، وَمُجَاهِدِ،
وَعَطَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِىَ اللهُ عَنّهُمَا - عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، بِهَذَا الْحَديث.
١٥٦ - ( ... ) وحدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ وَابْنُ أَّبِى خَلَف وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ
زَكَرِيَّاءَ بْنٍ عَدِىٌّ. قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِى زَكَرِبَّاءُ بْنُ عَدِىٌّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُّ عَمْرِوَ، عَنْ
زَيّدِ بْنِ أَبِى أَنَّسَةَ، حَدَّثْنَا الْحَكَمُ بَّنُ عُنَةً، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ
اللهُ عَنّهُمَا - قَالَ: جَاءَت امْرَأَةٌ إِلَى رَسُول الله عَُّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى مَاتَتْ
وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرِ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ : ((أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ
يُؤَدِّى ذَلَك عَنّهَا؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ )).
١٥٧ - (١١٤٩) وحدّثْنى عَلَىُّ بْنُ حُجْر السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهر أبُو الْحَسَن
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيّدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنَّهُ - قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالسٌ
عِنْدَ رَسُول الله عَّةٍ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ. فَقَالَتْ: إِنِّى تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّى بِجَارِيَةَ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ.
قَالَ: فَقَالَ: (( وَجَبَّ أَجْرُك، وَرَدَّهَا عَلَيْك الْمِيرَاثُ)). قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ
منه أعنى على أبى خالدٍ ، وهو قول زائدة فى حديثه(١) : قال سليمان : فقال الحكم وسلمة
ابن كهيل جميعًا ونحن جلوس حين حدث - يعنى البطين - بهذا الحديث ، فقالا : سمعنا
مجاهدًا يذكر هذا عن ابن عباس ، وقال الترمذى : سألت محمدًا - يعنى البخارى - عن
هذا الحديث ، فقال : جوده أبو خالد الأحمر ، واستحسن حديثه جدًا ، وقد رواه بعض
أصحاب الأعمش كذلك (٢).
قال القاضى: وقد ذكر مسلم من رواية [ زيد ] (٣) بن أبى أنيسة ، عن الحكم ، عن
سعيد بن جبير ، [ عن ابن عباس ] (٤) بمعناه ، فوافق أبا خالد الأحمر.
وقوله فى الحديث [ الآخر ] (٥): ((حجى عنها)) : هذا أيضا مما اختلف العلماء فيه،
(١) وقال الدارقطنى: قد ذكر مسلم وقال: هذا من كلام الدارقطنى حتى لا يتوهم وليس مسلم القائل.
انظر : سنن الدارقطنى وذيله التعليق المغنى على الدار قطنى ١٩٦/٢ .
(٢) الترمذى، ك الصوم، ب ما جاء فى الصوم عن الميت ٨٧/٣، رقم (٧١٧) .
(٣) ساقطة من س .
(٤) سقط من س .
(٥) من س .

١٠٧
كتاب الصيام / باب قضاء الصيام عن الميت
عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْر، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((صُومِى عَنْها)). قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ .
أَفَأَحُجُ عَنّهَا؟ قَالَ : (( حُجِّى عَنّهَا )) .
١٥٨ - ( .. ) وحدّثناه أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيّبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ عَطَاءِ، عَنْ عَبّدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ : كُنْتُ جَّلِسًا عِنْدَ الَّبِيَّ
﴾، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنٍ مُسْهِرٍ. غَيّرَ أَنَّهُ قَالَ : صَوْمُ شَهْرَيْنِ .
( .. ) وحدّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ، عَنْ عَبد الله بن
عَطَاءِ، عَنِ ابْنِ بُرَيَدْةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ◌َيْهِ، فَذَكَرَ
بِمِثْلِهِ ، وَقَالَ : صَوْمُ شَهْرِ .
( .. ) وحَدَّثَنِيهِ إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ ، بَهَذَا
الإِسْنَادِ. وَقَالَ : صَوْمُ شَهْرَيْنِ .
( ... ) وحدّثَنِى ابْنُ أَبِى خَلَف، حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلَك بْنُ
أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءَ الْمَكِّىِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ - رَضِىَ اللهُ
◌َّهِ، بِمِثْلِ حَديثِهِمْ. وَقَالَ : صَوْمُ شَهْرِ .
عَنَّهُ - قَالَ : أَنَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىُّ :
هل يلزم حجُ الولى عن وليه إذا عجز أو (١) لا يلزم ؟ أو يجوز أو لا يجوز ؟ ومذهبنا: أنه
لا يلزم عن ذى العذر ، واختلف هل يجوز لأنه عمل له تعلق بالمال أو يُكره له ابتداءً، فإن
أوصى به نفذت وصيته به ؟ واختلف أصحابنا فى ذلك اختلافاً كثيراً ، وسيأتى مُسْتوعبًا فى
كتاب الحج ، واضطراب حديث ابن عباسٍ يُسقط الحجة [ به ] (٢) ، أو يحمل على ما جاء
مفسرا بقوله: (( صوم نذر ))، وهو حجة أحمد ، لكن يكون حكمه عند الجمهور على ما
تقدم من فعل / الخير بالمال عنه ، فيقوم مقام ما لم يوفِ به من نذره ، وتنبيه البخاری
ومسلم على مختلف رواياتها واضطراب رواته للتعليل لها .
١٨٦ / ب
(١) فى س : أم .
(٢) من س .

١٠٨
كتاب الصيام / باب الصائم يدعى لطعام فليقل ... إلخ
(٢٨) باب الصائم يدعى لطعام فليقل: إنى صائم
١٥٩ - (١١٥٠) حدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، وَعَمْرُو النَّاقدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبِ، قَالُوا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَّنَةَ، عَنْ أَبِى الزََّادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيّرَةَ - رَضِىَ
اللهُ عَنَّهُ - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ: رِوَايَةً. وقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ◌َّهُ. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
عَنِ النَّبِّمَ - قَالَ: ((إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَقُلْ: إِنِّى صَائِمٌ )).
وقوله: ((إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إنى صائم)).
قال الإمام : أعمال [البر ] (١) النوافل يستحب إخفاؤها غالبًا ، ولكن دعت الضرورة
لذكر هذا فيها على جهة العذر ؛ لئلا يحدث بتخلفه تشاجرًا أو بغضاء ، إذا كان المراد أن
يقول ذلك نطقًا ليعذر به .
قال القاضى : فيه حجة أن ليس للمتنفل إفساد نيته وفطر يومه لغير عذر ، ولو كان
الفطر مباحًا [ له ] (٢) ابتداء لم يُرشده إلى العذر بصومه، وسنذكره ، وفيه الحض على
حسن المعاشرة وحسن الصحبة ، ومراعاة الألفة وحسن الاعتذار .
(١) من ع.
(٢) ساقطة من س .

١٠٩
كتاب الصيام / باب حفظ اللسان للصائم
(٢٩) باب حفظ اللسان للصائم
١٦٠ - (١١٥١) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - روَايَةً قَالَ: ((إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا
صَائِمًا، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ ، فَإِن امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلَقُلْ: إِنَّى صَائِمٌ، إِنَّى صَائِمٌ )).
وقوله: فى الحديث الآخر: ((فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل : إنى صائم))، وقوله:
(( فلا يرفث ولا يجهل)) : الرفث : السخف والفحش من الكلام والجهل مثله ، يقال منه:
رفث يرفث بالضم ، ورفث بالكسر ، يَرْفثُ بالفتحِ رَفْئًا ، ساكنةً فى المصدر ، ورَفَئًا
محركة فى الاسم ، ويقال : أرفث أيضا .
وقوله فى الحديث الآخر: (( لا يصخب)) (١) بمعناه ، هو اختلاط الأصوات وكثرة
الكلام ورفع الصوت ، يقال بالسين والصاد ، وعند الطبرى: ((ولا يسخر )) وهو من
السخرية بالناس ، والأول هو المعروف ، وقد يكون بالقول والفعل ومعنى ((قاتله )) : أى
دافعه ونازعه ، وتكون بمعنى شاتمهُ ولاعنه . وقد جاء القتل بمعنى اللعن . وقد اختلف فى
معنى قوله فى هذا الحديث: (( فليقل: إنى صائم))، أهو على وجهه كما تقدم ولُيُسمع
ذلك مشاتمه ليعلم اعتصامه بالصوم فلا يؤذيه .
قال الإمام : ويحتمل أن يكون المراد به أن يخاطب بذلك نفسه على جهة الزجر لها
عن السباب والمشاتمه .
قال القاضى : قد جاء آخر الحديث فى مصنف النسائى مفسراً قال : ينهى بذلك عن
مراجعة الصائم (٢) وقد جاء هنا لفظ المشاتمة والمقاتلة ، وهى لا تكون إلا من اثنين ؟
فقيل: معناه هنا : إن امرؤ أراد هذا منه فليمتنع ، وأيضا فإن المفاعله قد تجىء لفعل
الواحد؛ كقوله : سافر ، وعالج الأمر ، وعافاه الله ، وأيضا فقد يكون على وجهه ،
[أى](٣) إن بدا ذلك منهما فليرجع إلى نفسه ويذكرها بصومه فتكف.
(١) فى س : يسخب ، بالسين ، وفى الأصل بالصاد.
(٢) انظر: النسائى، ك الصوم، ب فضل الصيام من حديث أبى هريرة رضى الله عنه الكبرى ٢/ ٩١،
المجتبى رقم (٢٢١٦، ٢٢١٧).
(٣) ساقطة من س .

١١٠
كتاب الصيام / باب فضل الصيام
(٣٠) باب فضل الصيام
١٦١ - ( .. ) وحدّثْنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى التُّجيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُونُسُ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
سَمَعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ،
هُوَّلِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ ، فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلْفَةُ فَمِ الصَِّ أَطَيَبُ عَنّدَ اللهِ مِنْ
رِيحِ الْمِسْكِ » .
١٦٢ - ( .. ) حدّثَنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، قَالاَ: حَدَّثَنَا
الْمُغِيرَةُ - وَهُوَ الْحِزَامِىُّ عَنْ أَبِىِ الزَّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ الَهُ عَنْهُ -
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عٍَّ: ((الصِّيَّامُ جُنّةٌ)) .
وقوله: (( الصيام جنة)) : أى ستر ومانع من الرفث والآثام ، أو مانع من النار وساتر
منها ، أو مانع من جميع ذلك، ومنه : المُجْن للترس الذى يُسْتَتَر به ، ومنه سميت
الملائكة والشياطين جنًا لاستتارهم عن أعين الناس [ورؤيتهم. وفى ] (١) بعض
الروايات: ((فلا يصخب)) وهو من معنى يجهل ، والصخب بالسين والصاد : الصياح ،
ورواه الطبرى: ((فلا يسخر )) بالراء ومعناه صحيح ؛ لأن السخرية بالقول والفعل كله من
الجهل وبمعناه (٢)، وقد ذهب الأوزاعى إلى أن السبَّ والغيبة يفطران الصائم ، وخص
النهى عن الرفثِ والجهل هنا ، وهو فى كل حال منهى عنه ؛ لتأكيد حق الصوم ولتضعيف
الإثم بفعل ذلك به (٣) لإهانته حق الشهر ، ومراعاة الصوم ، أَوْ لِئَلا يفسد صومه على
مذهب من يراه .
وقوله: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لى، وأنا أجزى به)) ، قال الإمام :
تخصيصه الصوم هاهنا بقوله: ((لى )) وإن كانت أعمال البر المخلصة كلها له تعالى؛
لأجل أن الصوم لا يمكن فيه الرياء ، كما يمكن فى غيره من الأعمال ؛ لأنه كف وإمساك ،
وحال الممسك شبعًا أو فاقة كحال الممسك تقربا ، وإنما القصد وما يبطنه القلب هو المؤثر
فى ذلك ، والصلوات والحج والزكاة أعمال بدنية ظاهرة يمكن فيها الرياء والسمعة ، فلذلك
خص الصوم بما ذكره دونها .
(١) فى س: وزيادته فى .
(٣) فی س : فيه.
(٢) فى س : ومعناه .

١١١
كتاب الصيام / باب فضل الصيام
١٦٣ - ( ... ) وحدّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج ،
أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنْ أَبِى صَالِحِ الزَّاتِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - يَقُولُ : قَالَ
رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّ الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِى وَنَا
أَجْزِى بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَسْخَبْ ، فَإِنْ
سَبَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلَيَقُلْ : إِنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدَ بِيَدِهِ ، لَخُلُوفُ قَم
قال القاضى : وقال أبو عبيدة معناه : أنا أتولى جزاءه ، إذ لا يظهر فتكتبه الحفظة ،
إذ ليس من أعمال الجوارح الظاهرة ، وإنما هو نيةٌ وإمساك ، فأنا أجازى (١) به من
التضعيف على ما أحبُ. وفى قوله: (( الصوم لى))، وتخصيصه بيان عظيم فضله ،
وكثرة ثوابه، ويدل عليه قوله: ((أنا أجزى به))، وقال الخطابى: قوله: ((لى)): أى
ليس للصائم فيه حظ ، قال : وقيل : إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى ،
فكأنه يتقرب إلى الله بما يتعلق بِشبْه صفة من صفاته ، وإن كان تعالى لا شبه له فى
صفاته(٢). وقيل: فيه تخصيص الصوم وتشريفه بإضافته إليه تعالى ، فقال كما قال :
بيت الله، والكل لله تعالى، وقيل: ((لى)): أى المنفرد [ بعلم ] (٣) مقدار ثوابه
وتضعيف حسناته ، كما قال: ((وأنا أجزى به )) قال : وغيره من الحسنات اطلعت على
مقادير أجُورها ، كما قال: ((كل حسنة بعشر أمثالها)) الحديث ، والصوم موكّل إلى سعة
جوده وغيب علمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤).
وقوله: ((لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)): هكذا الرواية الصحيحة
بضم الخاء ، وكثير من الشيوخ يرونه بفتحها . قال الخطابي : وهو خطأ ، وحكى عن
القابسىّ فيه الفتح والضم ، وقال : أهل المشرق يقولونه بالوجهين .
قال الإمام : قال الهروى: يُقال: خَلُفَ فُوه : إذا تغير ، يخلف خلوفًا . ومنه
حديث عَلِىّ وسُئل عن قبلة الصائم قال : وما أُريك إلى خُلوف فيها ، ويقال : نؤمة
الضحى مخلفة للفم ، أى مغيرة .
قال القاضى : قال صاحب الأفعال : خَلفَ فوه وأخلف . وذكر مسلم من بعض
الطرق: ((لخلفةُ)) وهو صحيح المعنى اسم ما خلف فى الفم ، والخلوف مصدره . قال
الباجى : قال البرقى : هو تغييرُ طعم الفم وريحه لتأخر الطعام ، قال : وليس هذا على
-
(١) فى س : أجزى .
(٢) انظر: أعلام الحديث فى شرح صحيح البخارى للخطابى ، ب هل يقول : إنى صائم إذا شُتِمَ ، حيث
قال: أى خالص لى لا يطلع عليه أحد فيكون لنفس صاحبه منه حظ فيه ٩٤٦/٢ .
(٣) فى هامش س .
(٤) الزمر : ١٠ .

١١٢
كتاب الصيام / باب فضل الصيام
الصَّائِمِ أَطَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلَلِصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَقْطَرَ
فَرِحَ بِفِطْرِهِ ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَهُ فَرِحَ بِصَومِهِ )) .
أصل مالك ، إنما هو على مذهب الشافعى ، وإنما هو تغيير ريح الفم بما يحدث من خلو
المعدة بترك الأكل (١) .
١٨٧ / أ
/ قال القاضى : احتج الشافعى (٢) بالثناء على الخلوف لمنع السواك بعد نصف النهار ،
وهو وقت وجود الخلوف ؛ لأن السواك يذهبه ، وفى بقائه من الأجر والفضل ما لا يجب
عنده إزالته ، وذهب مالك إلى جوازه فى النهار كله ؛ لأنه عنده إن كان من المعدة فلا يذهبه
السواك ، وأيضا فإن جعلنا الكلام فى الثناء على الخلوف استعارة وتنبيهًا على فضل
الصوم، لا على نفس الخلوف ، فذهابه وبقاؤه سواء . وقد اختلف الناس (٣) فى معنى
قوله: (( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)).
قال الإمام : هو مجاز واستعارة ؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذى
له طبائع تميل إلى شىء فتستطيبه ، وتنفر عن آخر فتستقذره ، والله تعالى يتقدس عن
ذلك، لكن جرت العادة فينا بتقريب الروائح الطيبة منا، واستعير ذلك فى الصوم
لتقريبه من الله .
قال القاضى : وقيل : يجزيه الله فى الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك
كما قال (٤) فى المكلوم فى سبيل الله: ((الريح ريح مسك)) (٥)، وقيل : بل ينال
صاحبُها من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا ، لاسيما بالإضافة إلى الخلوف وهما
ضدان ، وقيل : يعتدّ بها وتدخر على ما هى عليه [ أكثر ] (٦) مما يعتد بريح المسك
لصاحبه، وأيضا فيكون رائحتها عند ملائكة الله أطيب من المسك ، وإن كانت عندنا نحن
بخلافه ، وقال الداودى : يثاب عليها ما لا يثاب على رائحة المسك إذا تطيب به للصلاة
والجمعة .
وقوله: (( للصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره ، وفرحة عند لقاء ربه)): أما فرحته
عند لقاء ربه فبينة لما يراه من الثواب وحسن الجزاء، كما قال فى الرواية الأخرى: ((إذا
لقى الله فجزاه فرح))، وأما عند إفطاره فلتمام عبادته وسلامتها من الفساد وما يرجوه من
ثوابها، وقد يكون معناه : لما طبعت النفس عليه من الفرح بإباحة (٧) لذة الأكل وما
منع منه الصائم ، وحاجته إلى ذهاب ألم الجوع عنه ، وهو ظاهر فى بعض الروايات
(١) المنتقى للباجى ٢/ ٧٤ .
(٣) فى الأصل : التأويل ، والمثبت من س .
(٥) البخارى ، ك الذبائح والصيد، ب المسك ١٢٥/٧.
(٧) فى س : من إباحة .
(٢) انظر: الحاوى ٣/ ٤٦٦، ٤٦٧.
(٤) فی س : كان .
(٦) ساقطة من س .

١١٣
كتاب الصيام / باب فضل الصيام
١٦٤ - ( ... ) وحدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبوُ مُعَاوِيَّةَ وَوَكِيعٌ ، عَنِ
الأَعْمَشِ. ح وَحَدَثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَاَ جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ
الأَشَجُّ - وَالَّفْظُ لَهُ - حَدَّثْنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحِ، عَنْ أَبِى هُرَيَرَةٌ
- رَضِىَ اللهُ عَنّهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسنَةُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمائَةٍ ضعف، قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: إلَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ ،
يَدَعُّ شَهَوَتَهُ وَطَّعَامَهُ مِنْ أَجْلِّى، لِلِصَّائِمِ فِرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِرَبِهِ ،
وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطَبُ عِنْدَاللهِ مِنْ رِبِحِ الْمِسْكِ » .
١٦٥ _ ( .. ) وحدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِى سِنَان،
عَنْ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَأَبِى سَعِيد - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
عَُّ: ((إنَّاللهَ - عَزَّ - وَجَلَّ يَقُولُ: إِنَّالصَّوْمَ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، إِنَّ للصَّائِمْ فَرْحَتَيْنِ: إِذَاَ
أَنْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَفِىَ الَ فَرِحَ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَغُلُوفٌّ فَمِ الصَّاكُمِ أَطِيَبُ عِنْدَ
اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ».
( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ إسْحَقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطِ الْهُذَلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْن
مُسْلِم - حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ - وَهُوَ أَبُو سَنَانِ- بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: وَقَالَ : ((إِذَا لَقِىَ اللهَ
فَجَزَاهُ، فَرِحَ )) .
١٦٦ - (١١٥٢) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَد - وَهُوَ
[أنه] (١) ((إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه)).
خالد بن مخلد(٢) القطوانى بفتح القاف والطاء معًا ، قال البخارى والكلاباذى معناها:
البقال ، كأنهم نسبوه إلى بيع القطنية ، وقال الباجى : هى قرية على باب الكوفة وقاله أبو
ذرِ أيضا ، وفى تاريخ البخارى [أيضا] (٣): أن قطوان موضع.
(١) من س .
(٢) خالد بن مخلد القطوانى أبو الهيثم البجلى، مولاهم الكوفى ، وقطوان : موضع بها ، روى عن سليمان
ابن بلال وعبد الله بن عمر العمرى ومالك وغيرهم، وعنه البخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، وفى مسند
مالك وغيرهم والباقون بواسطة ، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : له أحاديث مناكير ، وقال أبو حاتم :
يكتب حديثه وقال : الأجرب عن أبى داود: صدوق ولكنه يتشيع . التهذيب ١١٧/٣، ١١٨.
(٣) ساقطة من س .

١١٤
كتاب الصيام / باب فضل الصيام
الْقَطَوَانِىُّ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَل ، حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةُ: (( إنَّ فِى الْجَنَّةَ بَابًا يُقَالَّ لَهُ : الرَّيَّانُ ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مَّعَهُمْ أَحَدَّ غَيَّرُهُمْ يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ
آخَرُهُمْ، أُعْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)).
وقوله: ((إن فى الجنة بابا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون)): من معنى ما
تقدم قبل فى الحديث الآخر ، وفيه أن أبواب الجنة حق غير مجاز، ويؤكده قوله: (( فإذا
دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد )) : نوعٌ من الكرامة لهم ، والاختصاص كما اختصوا
به حتى لا يزاحموا فيه ، وإن كانت لا مزاحمة فى الحقيقة فى أبواب الجنة لسعتها ، وأنه
ليس بموضع ضرر ، ولا عنت (١) ولا نصب ، وجاء فى رواية عبد الغافر الفارسى : ((إذا
دخل أولهم أغلق )) وهو وَهْمٌ .
(١) فى س : تعب .

٠١١٥
كتاب الصيام / باب فضل الصيام فى سبيل الله ... إلخ
(٣١) باب فضل الصيام فى سبيل الله لمن يطيقه،
بلا ضرر ولا تفویت حق
١٦٧ - (١١٥٣) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ ، أَخْبَرِنِى اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ
الْهَادِ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِى عَّشٍ، عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ ..
رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا مِنْ عَبْدِ يَصُومُ يَوْمًا فِى سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ بَاعَدَ
الله بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيقًا)).
( ... ) وحدّثناه قُتَّةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدََّاوَرْدِىَّ- عَنْ سُهَبْلٍ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ .
١٦٨ - ( ... ) وحدّثْنى إسْحَقُ بْنُ مَنْصُور وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِىُّ، قَالاً:
حَدَّثَنَا عَبِّدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ يَخْبَى بْنِ سَعِيدٍ وَسُهَّيْلٍ بَنِ أَبِى صَالِحٍ؛ أَنَّهُمَا
سَمِعَا الثُّعْمَانَ بْنَّ أَبِى عَيَّاشِ الزُّرَقِىُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهُ يَقُولُ: ((مَنْ صَامَ يَوْمً فِى سَبِيلِ الهِ ، بَعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ
سَبْعِينَ خَرِيفًا )) .
وقوله فى فضل الصوم فى سبيل الله: ((باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا)):
مبالغة فى الإخبار عن البعد عنها ، والمعافاة منها . والخريف يعبر به عن السنة . والمراد
مسيرة سبعين خريفًا ، وكثيرًا ما جاءت السبعون عبارة عن التكثير واستعارة للنهاية فى
[العدد] (١)، قال الله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٢).
(١) ساقطة من الأصل، واستدركت فى الهامش بسهم.
(٢) التوبة: ٨٠ .

١١٦
كتاب الصيام / باب جواز صوم النافلة بنية من النهار ... إلخ
باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال
وجواز فطر الصائم نفلا من غير عذر
١٦٩ - (١١٥٤) وحدّثنا أَبُو كامل فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَاد،
حَدَّثَنَا طَلِحَةُ بْنُ يَخَْى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَتْنِى عَائِشَةُ بِنْتُ طَلِحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤَمِنَّيْنَ
- رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: قَالَ لَى رَسُولُ اللهِ عَهَ ذَتَ يَوْمٍ: ((يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ
شَىءٌ؟)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَنْدَنَا شَىءٌ. قَالَ: ((فَإِّى صَائِمٌ)). قَالَتْ:
وقوله - عليه السلام - [ لعائشة] (١): ((هل عندكم [ من] (٢) شىء؟))
فقالت(٣): لا. فقال: ((إنى صائم)) ثم ذكر أنه أتى يومًا آخر ، فقلنا : يا رسول الله ،
أهدى لنا حَيْسٌ، وذكر أنه أكل منه، وقال: ((قد كنت أصبحت صائمًا »: هذا الحديث
يفسر الآخر الذى لم يذكر فيه أن القصة فى يومين ، وهذا الحديث مما يحتج به من يجيز
صيام النافلة بغير تبييت وإحداث ذلك داخل نهاره ، وقد ذكر الخلاف فى هذا قبل، ولا
حجة لهم فى هذا الحديث ؛ إذ يحتمل أن سؤاله أولا: (([ هل ] (٤) عندكم شىء ؟)) أما
أنه ضعف عن الصوم فاحتاج إلى الفطر فسأل ، فلما لم يجد بقى على صومه ، أو سئل(٥)
عن ذلك وهو صائم ليعلم هل عندهم ما يحتاجه عند الإفطار ، فتسكن نفسه إليه ، ولا
يسعى فى تكلفه، واكتسابه أو تعلق باله به، أو يكون ((إنى صائم)) بمعنى: لم يأكل
بعد شيئًا ، وعلى الوجه الأول والثالث يتأول أكله فى اليوم الثانى مع قوله: (( أصبحت
صائمًا))، فإنه أيضا مما يحتج به المخالف فى جواز الفطر فى صوم النافلة اختيارًا، وهو
قول الشافعى (٦) وأحمد وإسحق ، وجماعة من الصحابة ، مع استحبابهم (٧) له إتمامه من
غير وجوب ، وكرهه ابن عمر [وقال ] (٨): هو كالمتلاعب (٩) بدينه ، وهذا مذهب
مالك ، وأبى حنيفة ، والحسن ، والنخعى ، ومكحول ، وألزموا إتمامه إذا دخل فيه.
ثم اختلفوا فى القضاء فقال: من أباح له الفطرلا قضاء عليه ، وقال أبو حنيفة (١٠):
عليه القضاء فى كل فطر فى التطوع إلا فى الناسى ، على أصلهم فى الفريضة ، وأوجبه
ابن علية (١١) فى المتعمد والناسى ، وقال مالك : إن أفطر مغلوبا أو ناسيًا أو لعذر، فلا
(١) فى الأصل : لنسائه ، والمثبت من س ، الصحيحة.
(٣) فى الأصل : فقالوا ، والمثبت من الصحيحة ، س .
(٥) فى الأصل : يسأل ، والمثبت من س.
(٧) انظر: الاستذكار ٢٠٣/١٠.
(٩) انظر: الاستذكار ١٠/ ٢١٠.
(١١) انظر: الاستذكار ٢٠٣/١٠.
(٢) من الأصل ، وساقطة من س ، الصحيحة.
(٤) فى هامش س .
(٦) انظر: الحاوى ١٦٨/٣.
(٨) ساقطة من س .
(١٠) انظر: الاستذكار ٢٠٢/١٠ ..

١١٧
كتاب الصيام / باب جواز صوم النافلة بنية من النهار ... إلخ
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ عٍَّ، فَأَهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ - أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ - قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله
◌َّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أُهْدَيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ - أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ - وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا. قَالَ:
((مَا هُوَ؟)) قُلْتُ: حَيْسٌ. قَالَ: ((هَاتِيهِ )) فَجْتُ بِهِ فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ
صَائِمًا)). قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذا الْحَدِيثِ فَقَالَ : ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ
الصَّدَقَّةَ مِنْ مَالِهِ . فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا .
١٧٠ - ( .. ) وحدّنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلِحَةَ بْنِ يَحْبَى، عَنْ
عَمْتَّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلِحَةَ، عَنْ عَاتِشَةَ أُمِّالْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ◌َّهَ ذَاتَ يَوْمٍ
قضاء عليه، وإن أفطر متعمدًا قضاه (١) ، وحكى مثله عن أبى حنيفة (٢) ، وأبى ثور،
واختلف أصحاب أبى حنيفة ، فمنهم من قال بقوله هذا ، ومنهم من قال مثل قول
الشافعى(٣)، وحكى ابن عبد البر (٤) الإجماع على المفطر (٥) لعذر أن لا قضاء عليه ،
خلاف ما حكيناه عن أبى حنيفة قبل ، مما حكاه ابن القصار وغيره .
١٨٧/ب
قال الإمام : حجة مالك / فى قضاء المتعمد فى فطره حديثُ عائشة وحفصة فى
الموطأ(٦)، وقوله: ((فأقضيا يومًا مكانه))، وحجته فى منعه ابتداء قوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا
أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧). واتفق مالك والشافعى أن من دخل فى حج تطوعًا فإنه لا يقطعه(٨).
واختلفا فى صلاة التطوع وصوم التطوع ، فمنع مالك قطعهما ، وأجازه الشافعى لهذا
الحديث، وتعلق مالك بالظواهر المانعة من قطع العمل وإبطاله، [ وقياسا](٩) على الحج .
قال القاضى: وقولها: ((أهديت لنا هدية - أو جاءنا زَوْرٌ - وقد خبأت لك شيئًا)):
أى زائرون ألحقوا بما جلبوه من باديتهم ، أو تكلفنا لهم طعمًا ، أو أهدى لنا بسبب
نزولهم، وإلا فلا فائدة إذًا لذكر الزور، ولا لقولها: « خبأت لك یا رسول الله شيئًا».
قال الإمام: ((زورٌ)): أى زوَّار . قال ابن دريد وغيره : هو مما يكون الواحد والجماعة
هو فى نعته قال الشاعر :
كما تهادى الفتيات الزَّوْرُ (١٠)
(١، ٢) انظر: الاستذكار ١٠/ ٢٠٢.
(٣) انظر: التمهيد ٧٢/١٢ ، الاستذكار ٢٠٣/١٠.
(٤) انظر: الاستذكار ١٠/ ٢٠٢.
(٥) فى الأصل : الفطر ، وما أثبتناه من س.
(٦) ك الصيام، ب قضاء التطوع ٣٠٦/١ (٥٠) ..
(٧) محمد : ٣٣ .
(٨) انظر: التمهيد ١٢ / ٧٩، الاستذكار ١٠/ ٢٠٧، ٢٠٨.
(٩) من س .
(١٠) المثبت عجز البيت ، أما صدر البيت كما جاء فى لسان العرب:
ومشیھن بالکثیب مور

١١٨
كتاب الصيام / باب جواز صوم النافلة بنية من النهار ... إلخ
فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَىءٌ؟ )) فَقُلْنَا: لاَ: قَالَ: ((فَإِّى إِذَنْ صَائِمٌ))، ثُمَّ أَنَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ الله، أُهْدِىَ لَنَا حَيْسٌ. فَقَالَ: « أَرينيه، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا )) فَأَكَلَ .
وقولها: ((حَيْسٌ)): قال الهروى : هى ثريدة من أخلاط . قال ابن دريد : هو التمر
مع الأقط والسمن ، قال الشاعر :
التمر والسمن جميعًا والأقط
الحيس إلا أنه لم يختلط (١)
قال القاضى: وقد قيل: إن الزّور المصدر ، وبه سمى الواحد والاثنان والجميع ، كما
قالوا: رجل صوم وقوم صوم ، ورجل عدلٌ ، ونحوه للخطابى ، وفيه نظر المرأة فى بيتها
وما يهدى لها ، وقسمته على من تراه من أهل البيت بنظرها .
(١) ورد بلفظه فى لسان العرب.

١١٩
كتاب الصيام / باب أكل الناس وشربه ... إلخ
(٣٣) باب أکل الناسی وشربه و جماعه لا يفطر
١٧١ - (١١٥٥) وحدّثَنِى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد النَّاقدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ،
عَنْ هِشَامِ الْقُرْدُوسِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضَىَ الله عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِعَُّ: (( مَنْ نَسِىَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ
١٠٠٠
وسقاه)).
وقوله : (( من نسى وهو صائم فأكل [ أو شرب ] (١) فليتم صومه ، [ فإن الله أطعمه
وسقاه ] (٢)))، قال الإمام: تعلق المخالف فى إسقاط القضاء عن مَنْ أكل فى رمضان ناسيًا
بظاهر هذا الخبر ، ومحمله عند المالكية الموجبين للقضاء على نفى الحرج والإثم بنسيانه .
والصوم على خمسة أقسام : واجب بإيجاب الله معيّن کرمضان ، وواجبٌ بإيجاب الله
مضمون فى الذمة (٣) ؛ كالكفارات، وواجب بإيجاب الإنسان معين كنذر الصوم لشهر
بعينه، وواجب بإيجاب [الإنسان] (٤)، مضمون غير معين كنذر صوم شهر [بغير
عينه](٥) ، والخامس : التطوع.
فمن أفطر فى جميعها عمدًا فإنه يقضى ولا يكفر ، إلا رمضان فإنه يكفر ويقضى ،
ومن أفطر فى جميعها سهواً فإنه يقضى ولا يكفر ، إلا التطوع فإنه لا يقضى ولا يكفر.
قال القاضى : قد تقدم شىء من الكلام على هذه المسألة قبل.
وقول مجاهد فى هذا الحديث: (( وذلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله ، فإن
شاء أمضاها وإن شاء أمسكها )) : فيه أنها إنما تجب بالخروج من اليد أو بالنذر والقول.
(١) من س .
(٢) فى ع: ((فإنما أطعمه الله))، وكذا المطبوعة ..
(٣) بعدها فى ع : كصيام .
(٤) فى هامش ع ، الأصل .
(٥) فى س : غير معين .

١٢٠
ـة فى غير رمضان ... إلخ
كتاب الصيام / باب صيام النبى
(٣٤) باب صيام النبىّ ټپّ﴾ فی غیر رمضان، واستحباب
ألا یخلی شهرا عن صوم
١٧٢ - (١١٥٦) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيد
الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقيق، قَالَ: قُلْتُ لعَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا -: هَلْ كَانَ النَّبِىِّ
◌َِّ يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا سوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللهِ إِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى
رَمَضَانَ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ ، وَلاَ أَقْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ.
١٧٣ _ ( .. ) وحدّثْنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عن عبد الله بْنِ
شَقيق ، قَالَ: قُلْتُ لعَائِشَةَ - رَضىَ اللهُ عَنْهًا -: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟
قَالَتَ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَّهْرًا كُلَّهُ إِلَّ رَمَضَانَ. وَلاَ أَنْظَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ، حَتَّى مَضَى
وقوله: (( أنه - عليه السلام - [ ما ] (١) صام شهراً معلومًا سوى رمضان حتى مضى
لوجهه ، ولا أفطره حتى يُصيبَ منه)): أى يصوم منه، وفيما وقع فى الحديث الآخر :
(صوم منه)) مبينًا وتفسير هذا قوله فى الحديث الآخر: ((ما استكمل صيام شهر قط إلا
رمضان))، وكذلك يفسر قوله: ((كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً))
والكلام الثانى تفسيرٌ للأول ، وعبّر بالكل عن الغالب والأكثر ، وقد قيل : معناه: ما
استكمل شهراً قط بالصيام إلا رمضان ، يعنى معينًا ، وأن ما ورد ما ظاهره استكمال
شعبان: أى غير معين وملازم ، بل مرة أكمله ومرة لم يكمله ، وقد يحتمل هذا قوله :
((كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا )) أى مرة كذا ومرةً كذا ؛ لئلا يتعين
بصومه غير رمضان ويأتى بمثل ما تقدم من الأحاديث ، وقيل : يعنى بصومِه كله ، أى
يصوم فى أوله ووسطه وآخره ، لا يخصّ شيئًا منه ولا يعمه بصيامه ، وقيل فى معنى
اختصاصه بأكثر صومه ، وتخصيصه إياه شعبان معان ثلاثة :
قیل : ذلك لفضل رمضان وتعظيمه [ وروى ] (٢) فى ذلك حديث .
وقيل : بل لما جاء فى الحديث : أنه ترفع فيه الأعمال لله ، [ وقال النبى
(أحب ] (٣) أن يرفع عملي وأنا صائم)) (٤) .
(١) فى هامش س .
(٣) فى س: وقال: ((إنى أحب)).
(٢) فی س : وقد روى .
(٤) الترمذى فى السنن، ك الصوم ب ما جاء فى صوم الإثنين والخميس بلفظ: ((فأحب أن يعرض عملى
وأنا صائم ) ١١٢/٣ .