Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب الزكاة / باب الحث على الصدقة ولو بالقليل ... إلخ
(٢٩) باب الحث على الصدقة ولو بالقليل
ولا تمتنع من القليل الاحتقاره
٩٠ - (١٠٣٠) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، أخْبَرَنَا الليثُ بْنُ سَعْد. ح وَحَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ
سَعيد، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِى سَعِيدٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أنَّ رَسُولَ اللّه
◌َُّ كَانَ يَقُولُ: «يَا نسَاءَ الْمُسْلِمَات، لا تَحْقَرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ )) .
وقوله : (( يا نساء المؤمنات )) رويناه عن بعض شيوخنا بنصب ((نساء)) وخفض
(المؤمنات)) على الإضافة، فيكون من إضافة الشىء إلى نفسه ، كقولهم : مسجدُ الجامع أو
إضافة الأعمّ للأخص ، كقوله تعالى: ﴿ مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (١) وإن كان (٢) لفظة البهيمة
أعمُّ كما لفظ النساء هنا أعم ، أو على معنى التعظيم ، أى يا فاضلات المؤمنات ، كما
يقال : هؤلاءِ رجالُ القوم ، أى سادتهم وأفاضِلهُم . قال الباجىُّ : وكذا رويناه عن جميع
شيوخنا بالمشرق .
قال القاضى : قيل معناه : يا نساء الجماعات المؤمنات ، وقيل : يانساءِ النفوسِ
المؤمنات ، وكلهُ متقاربُ المعنى . ورويناه - أيضًا - برفع النساء والمؤمنات ، على معنى النداء
والنعت ، أى يأيها النساءُ المؤمناتُ . قال الباجى : كذا يرويه أهلُ بلدنا ، ويجوز رفع
(نساء)) وكسرُ ((المؤمنات)) فى معنى المنصوب (٣) على النعت على الموضع ، كما تقول :
زيدُ العاقل .
وقوله: ((لا تحْقَرنَّ جارة لجارتها ولو فِرْسِن شاةٍ)): أصل الفِرسِن فى الإبل ، وهو
مثل القدم من الإنسان ، وحكى أهل اللغة أنه لا يقال إلا فى البعير ، وهذا الحديث يرد
قولهم . [ قيل: يحتمل أن يكون النهى عن الاحتقار للمعْطَاة ] (٤)، ويحتمل أن يكون
ذلك للمعطية ، وأن تصل جارتها بما أمكنها ولا يمنعها إن لم تجد الكثير أن تصل بالقليل،
وهذا الوجه هو الظاهر من تأويل مالك فى إدخال الحديث فى الموطأ فى باب الترغيب فى
الصدقة (٥) .
(٢) فى س : كانت.
(١) الحج : ٨.
(٣) فى س : المنصوبات .
(٤) سقط من س .
(٥) الموطأ ، ك الصدقة ، ب الترغيب فى الصدقة ، عن عمرو بن معاذ الأشهلى الأنصارى عن جدته
٩٩٥/٢ .
٠

٥٦٢
كتاب الزكاة / باب فضل إخفاء الصدقة
(٣٠) باب فضل إخفاء الصدقة
٩١ - (١٠٣١) حَدَّثَنَى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَمُحَمَّدُ بْنُ المَنَّى، جَمِيعًا عَنْ يحْبَى القَطَّان.
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ عَنْ عُبَيِّدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ
حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َ، قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِهُمُ اللهُ فِى ظِلِهِ يَوْمَ
لا ظِلَّ إِلا ظِلُهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعلقٌ فِى الْمَسَاجِدِ،
وقوله فى حديث السبعة الذين يظلهم الله فى ظله: إضافة الظل هنا إلى الله إضافة
ملك، وكل ظل فهو لله [ ومن خلقه وملكه ] (١) وسلطانه ، وهو ظل العرش على ما فى
الحديث الآخر (٢)، والمراد بذلك يوم القيامة ، إذا قام الناس لرب العالمين ، ودنت منهم
الشمس ويشتد عليهم الحر ويأخذهم العرق ، ولا ظلَّ هناك لشىء إلا ظلُّ العرش كما جاء
فى بعض الروايات: ((فى ظل عرشى))(٣) . وقد يراد به هنا ظل الجنة أو ظل طوبى ، وهو
نعيمها ، والكونُ فى دارها (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاَّ ظَلِيلاً ﴾ (٥) ، وذهب ابن
دينار إلى أن معنى الظل هنا : الكرامة والكنف والكن من المكاره فى ذلك الموقف ، قال :
ولم يرد الظل من الشمس ، وما قال معلوم فى اللسان ، يقال : فلان فى ظل فلان ، أى
فى كنفه وحمايته، وهو أولى الأقوال ، ويكون إضافته إلى العرش لأنه مكان التقريب (٦)
والكرامة ، وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفى ظله .
وقوله: ((الإمام العادل)): هو كل من إليه نظر فى شىء من أمور المسلمين / من
الولاة والحكام .
١٧٠ / ب
وقوله: ((ورجل قلبه معلق بالمساجد)) : أى شديد الحب فيه والملازمة له ، والعلاقة
شدة الحب فيه فضل النيات واعتقاد الخير ، وأنه مكتوب لصاحبه مدخر له ، محسوب فى
عمله ، وفضل لزوم المساجد والصلاة فيها وعمارتها .
(١) فى س : ومن ملكه وخلقه .
(٢) يقصد حديث أبى قتادة، قال: سمعت رسول الله يقول: ((من نفس عن غريمه أو محا عنه كان فى ظل
العرش يوم القيامة )).
(٣) أحمد ١٢٨/٤ من رواية العرباض بن سارية .
(٤) فى الأصل : ذراها ، والمثبت من س .
(٥) النساء : ٥٧ .
(٦) فى س : التقرب .

٥٦٣
كتاب الزكاة /باب فضل إخفاء الصدقة
وَرَجُلانِ تَحَبَا فِى الله، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصب
وَجَمَالِ، فَقَالَ: إِنِّى أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌّ نَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَهَا حَتَّى لا تَعْلِمُ بِئُهُ مَا تُنْفِقُ
وقوله: ((ورجلان تحابا فى الله)): فضل المحبة لله وفى طاعته المحبة [ فى ](١) الله
والبغض فى الله من الفرائض .
وقوله: ((اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه)) : ظاهره أن حبهما لله صادق فى حين
اجتماعهما ، وافتراقهما. وقيل : يحتمل أن اجتماعهما على عمل طاعة تحابا وتآلفا عليها
وافترقا على ذلك ، لينفرد كل واحد منهما بعمل صالح ، قاله الباجى ، والأول أظهر .
وقوله: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله )): يحتمل
قوله ذلك باللفظ أو فى نفسه، وخص ذات المنصب والجمال لكثرة الرغبة فيها ، والمنصب:
الشرف. ومنصب الرجل ونصابه : أصله ، وظاهره أن الدعوة ها هنا لما لا يجوز من نفسها
مما لا تحل ، وقيل : يحتمل أنها دعته إلى النكاح ، فخاف ألا يقوم بحقها ، أو يكون
الخوف من الله شغله عن لذات الدنيا ، ومباحاتها ، وزهده فيها ، والأول أظهر.
وقوله: ((وشاب نشأ في عبادة الله)): أى شبَّ وكبر عليها ولم يكن له صبوة ،
يقال : نشأ الشىء: ابتدأ، ونشأ الصبى: نبت وشبَّ، قال الله: ﴿أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي
الْحِلْيَةِ﴾ (٢) و﴿ الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾(٣) .
وقوله: (( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله )) : كذا
روى عن مسلم هنا [ فى جميع النسخ الواصلة إلينا، والمعروف الصحيح: (( حتى لا تعلم
شماله ما تنفق يمينه)) وكذا ] (٤) وقع فى الموطأ(٥) والبخارى (٦)، وهو وجه الكلام؛ لأن النفقة
المعهود فيها باليمين ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم ، بدليل إدخاله بعده
حديث مالك. وقال بمثل حديث عبيد الله وتحرى الخلاف فيه فى قوله، وقال: (( رجل
معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود )) ، فلو كان ما رواه خلافاً لرواية مالك لنبّه عليه كما
نبه على هذا، وفيه فضل الصدقة [ فى اليسر ](٧) وتأوله العلماء فى التطوع ، وأن السر أفضل
فيه من العلانية، وقاله ابن عباس(٨) فى قوله: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَا هِي﴾ الآية (٩)، وقال:
(٢) الزخرف : ١٨.
(٣) يس : ٧٩ .
(١) فى هامش الأصل .
(٤) سقط من س .
(٥) الموطأ، عن أبى هريرة ٢/ ٩٥٢ .
(٦) ك الحدود، ب فضل من ترك الفواحش، بلفظ: ((ما صنعت يمينه)) ٢٠٣/٨.
(٧) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش
(٨) عن على عن ابن عباس، قوله: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمًا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
فجعل الله صدقة السر فى التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل
من سرها ، يقال بخمسة وعشرين ضعفاً. الطبرى ٥٨٣/٥.
(٩) البقرة : ٢٧١ .

٥٦٤
كتاب الزكاة / باب فضل إخفاء الصدقة
شمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللّهَ خَالِيَا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)).
( .. ) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِك، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - أَوْ عَنَّ أَبِى هُرَيْرَةَ - أَنَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
الله عَُّ. بِمِثْلِ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللهِ. وَقَالَّ: ((وَرَجُلٌ مُعَلَقٌ بِالَسْجِدِ، إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ
٠
إليْه )) .
جعل الله صدقة التطوع فى السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفا ، وكذلك فى جميع
الفرائض والنوافل ، وذكره اليمين والشمال مبالغة فى الاستتار بالصدقة ، وضرب مثل بهما
لقرب اليمين من الشمال ، ولتصرف اليدين جميعا فى العمل الواحد ، وإن كان العلم لا
يضاف لليد. وقيل : المراد : من على يمينه وشماله من الناس ، والأول أظهر وأولى. وفيه
استعمال اليمين فى طاعة الله من الصدقة ، وأنه أفضل وأولى ، وقد ترجم البخارى على
الحديث الصدقة باليمين(١) .
وقوله: ((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)): فيه فضل البكاء وفضل أعمال السر
كلها ؛ لأنها أبعد من الرياء والتصنع .
(١) كتاب الزكاة ، ب الصدقة باليمين ١٣٨/٢.

٥٦٥
كتاب الزكاة / باب بيان أن أفضل الصدقة ... إلخ
(٣١) باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح
٩٢ - (١٠٣٢) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ
أَبِ زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ لَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَىُّ
الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأمُلُ الغَنَى،
وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلُقُومَ قُلتَ : لِفُلان كَذَا ، وَلَفُلان كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلان)) .
٩٣ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْل، عَنْ
عُمَارَةَ، عَنْ أَبِىِ زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌّ إِلى النَّبِىِّ ◌َهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
الله، أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: (( أَمَا وَأَبِيكَ لُبَّأَنَّهُ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ
شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلتَ : لِفُلانِ كَذَا،
وَلَفُلان كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلان)» .
( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحد، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ،
بِهَذَا الإِسْتَادِ، تَحْوَ حَدِيثٍ جَرِيرٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَىُّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ.
وقوله فى أفضل الصدقة: (( وأنت صحيح شحيح)): الشح والبخل. بمعنى . قال
الخطابى(١): قيل: الشح أعمّ من البخل ، وكان الشح جنس والبخل نوع ، وأكثر ما
يقال: البخل فى إفراد الأمور ، والشح عام كالوصف اللازم ، وهو من قبل الطبع ؛ لأن
البخل فى هذه الحالة غالب على الإنسان ، فإذا شح على هذه الحالة كان أصدق لنيته ،
وأعظم لأجره ، بخلاف إذا أشرف على الموت وآيس من الحياة ، ورأى مصير المال لغيره ،
تصدق حينئذ بما لا يشح عليه ، وأعطى ما غيره أحق به منه ، إلا [ ما ] (٢) أباحه له الشرع
من المتصرف فى ثلثه ، مع أنه قد يكون تركه حينئذ للورثة أفضل من الصدقة به ، على ما
سيأتى فى موضعه ، فالبون بينهما بيّن .
وقوله: ((بلغت نفسه الحلقوم)) : مجاز وتقريب لخوف الموت ، لا أنه على الحقيقة ،
إذ من بلغت نفسه الحلقوم لا يجوز له صدقة ولا وصية .
وقوله: (( لفلان كذا ألا وقد كان لفلان)): قال الخطابي : المراد به الوارث ، وقد
يحتمل أن يريد به سبق القضاء به للموصى .
(١) انظر: معالم السنن ٢٦٣/٢.
(٢) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش بسهم .

٥٦٦
كتاب الزكاة / باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى ... إلخ
(٣٢) باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وأن
اليد العليا هى المنفقة ، وأن السفلى هى الآخذة
٩٤ - (١٠٣٣) حَدَّثَنَا قُتَيِّبَةُ بْنُ سَعيد، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَس - فِيمَا قُرِئَّ عَليْه -عَنْ
نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَُّ قَالَ : - وَهُوَ عَلَى الْمنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ
وَالتَّعْفُّفَ عَنِ المَسْأَلَةِ -: ((اليَدُ العُلَيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلِى، وَلَيَدُ الَعُلَا المُنْفِقَةُ ، وَالسُّفْلِى
السَّائلةُ)) .
وقوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)» وفسر فى الحديث العليا بالمنفقة، والسفلى
بالسائلة ، وقد جاء فى حديث آخر : العليا المتعففة (١) ورجحه الخطابى(٢) بحديث حكيم
ابن حزام، ولقوله لما سمع هذا: ومنك يا رسول الله، قال: ((ومنى))، فقال: والله
لا أرزا أحداً بعدك شيئا(٣). قال: ولا يتوهم على حكيم أن يعتقد أن يده خير من يد
رسول الله عَّ ، وإنما فهم أنها المنفقة .
قال القاضى : هذا لا يظهر من الحديث ولا يبعد أن حكيماً إنما راعى ذلك فى حق
غيره - عليه السلام - لا فى حقه، والنبى - عليه السلام - إنما عاب على حكيم كثرة السؤال ؛
لأن فيه: فسألته فأعطانى ثلاث مرات، ثم قال: ((إن هذا المال خضرة حلوة )» وذكر
الحديث . قال الخطابي : وفيه تأويل ثالث (٤) ؛ أن السفلى المانعة، وذكر غيره أن العليا
(١) أبو داود، ك الزكاة، ب فى الاستعفاف، قال أبو داود: اختلف على أيوب عن نافع فى هذا الحديث ،
فقال عبد الوارث : اليد العليا المتعففة . وقال أكثرهم عن حماد بن زيد ، عن أيوب : اليد العليا المنفقة ،
وقال واحد عن حماد: المتعففة ٣٨٤/١ .
(٢) قال الخطابي: رواية من قال: ((المتعففة)) أشبه وأصح فى المعنى، وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله
﴾ قال هذا الكلام ، وهو يذكر الصدقة والتعفف منها ، فعطف الكلام على سببه الذى خرج عليه ،
وعلى ما يطابقه فى معناه أولى. معالم السنن للخطابى ٢٤٣/٢ .
(٣) عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أن حكيم بن حزام - رضى الله عنه - قال: سألت رسول الله عَ﴾﴾.
فأعطانى، ثم سألته فأعطانى، ثم قال لى: (( يا حكيم ، إن هذا المال خضر حلو ، فمن أخذه بسخاوة
نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبَارك له فيه ، وكان كالذى يأكل ولا يشبع ، واليد العليا
خير من اليد السفلى)) . قال حكيم : فقلت: يا رسول الله، والذى بعثك بالحق ، لا أرزاً أحداً بعدك
شيئا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء ، فيأبى أن يقبل منه شيئا ، ثم إن عمر
دعاه ليعطيه فيأبى أن يقبله ، فقال : يا معشر المسلمين ، إنى أعرض عليه حقه الذى قسم الله له من هذا
الفىء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزا حكيم أحداً من الناس بعد النبى معَّه حتى توفى .
البخارى ، ك الوصايا، ب تأويل قول الله: ﴿مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [ النساء: ١٢] ٦/٤،
ك الزكاة، ب الاستعفاف عن المسألة ١٥٢/٢، والنسائى فى الكبرى، ك الزكاة ٥٥/٢ برقم (٢٣٨٤).
(٤) معالم السنن للخطابى ٢٤٣/٢، ٢٤٤ .

٥٦٧
كتاب الزكاة / باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى ... إلخ
٩٥ - (١٠٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَميعًا
عَنْ يَحْيَى القَطَّان، قَالَ ابْنُ بَشَّارَ: حَدَّثْنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُوَ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ: سَمِعْتُ
مُوسَى بْنَ طَلِحَةَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَهُ قَالَ: ((أَفْضَلُ
الصَّدَقَةَ - أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةُ - عَنْ ظَهْرِ غِنّى، وَالَيَدُ العُلَيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السَّفْلِى، وَأَبْدَأْ بِمَنْ
تَعُولُ)) .
الآخذة ؛ لأنها إذا أخذت كانت فوق السفلى ، وهذان التأويلان يردهما ما نص فى الحديث
من التفسير. وقال الداودى : ليست العليا والسفلى المعطاة والمعطية بغير مسألة ، وإنما هى
السائلة والمسؤولة ، وليست كل سائلة تكون خيراً من المسؤولة ، إنما ذلك لمن سأل وأظهر
من الفقر فوق ما به ، وأما عند الضرورة أو لِيُكافى فليس من ذلك. وقد استطعما - الخضر
وموسى عليهما السلام - أهل القرية(١) .
١٧١ / أ
قال / القاضى : وما قاله غير مسلَّم فى هذا الفصل الآخر ؛ لأن لفظ الحديث يدل
على خلافه ، وأن الفضل للمعطية والأجر. وأما من سأل مظهرًا للفقر فؤاله حرام ،
وليس الحديث فى مثله بل فيمن يجوز سؤاله ، ومدار أحاديث الباب وما بعده فى كراهة
السؤال وذمه ، وسنزيده بيانا إن شاء الله .
وقوله: ((وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول)) : دليل على ما
تقدم من تقديم حق النفس والأهل ، وأن الصدقة إنما تكون بعد إحراز قوت نفس الإنسان
وقوت أهله ؛ لأن حق نفسه وحقهم متعين عليه وفرض والصدقة والمواساة مرغب فيها .
وقد اختلف العلماء فى جواز صدقة المرء بجميع ماله فى حال صحته فأجازه الجمهور
من أئمة أهل الأمصار ، وقيل : يرد جميعه ، وروى عن عمر بن الخطاب. وقيل : يمضى
منه الثلث ، وهو قول أهل الشام ، وقيل كل من أعطى ما زاد على النصف رد إلى النصف،
وروى عن مكحول: قال الطبرى: ومع جوازه فالاستحباب ألا يفعل ليتأدب بأدب الله
لرسوله، قال الله [تعالى لرسوله عَّه](٢): ﴿ وَلا تَبْسُطْهَا كُلِّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾(٣)،
وأن يجعل من ذلك الثلث، كما أمر النبى عليه أبا لبابة وكعبا. قال الخطابي : ومعنى
قوله: ((عن ظهر غنى)) : أى متبرعاً ، أو عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب ،
كما قال فى الحديث الآخر: (( ما أبقت غنى)). وقد قيل فى هذا : ما ترك غنى للمتصدق
عليه ، يعنى إجزال العطية. والأول أظهر ؛ بدليل لفظ الحديث ومقصده .
(١) وهذا استئناس بقول الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا ... ﴾
الآية. [ الكهف : ٧٧ ] .
(٢) من س .
(٣) الإسراء : ٢٧ .

٥٦٨
كتاب الزكاة / باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى ... إلخ
٩٦ - (١٠٣٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْبَةً وَعَمْرُو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن
الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدٍ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَّامٍ؛ قَالَ: سَأَلتُ النَّبِيََّّةَ
فَأَعْطَانِ، ثُمَّ سَأَتُهُ فَأَعْطَانِ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ قَالَ : (( إِنَّ هَذَا الَالَ خَضِرَةٌ حُلُوَةٌ،
فَمَنْ أَخَذَهُ بطيب نَفْس، بُورِكَ لَهُ فِيهِ. وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِ شْرَافِ نَفْسِ لِمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ
كَالذى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَلَيَدُ العُليَّا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفَلَى)).
وقوله: ((إن هذا المال خضرة حلوة))، قال الإمام: قال الهروى : (( خضرة )) يعنى:
غضة ناعمة طرية ، وأصله من خضرة الشجر ، وسمعت الأزهرى يقول : أخذ الشىء
خضراً مضراً ؛ إذا أخذه بغير ثمن ، وقيل : غضاً طريا .
وقوله : ((ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبَارَك له فيه)) قال القاضى : أى يتطلع إليه
وتعرض ، وطمع، كما قال فى الحديث بعده: (( فمن أعطيته عن مسألة وشره))، فى هذا
الحديث وغيره ذم الحرص وكثرة السؤال، وكثرة عطاء النبى معَّه، وأنه كان لا يرد سائلاً،
وفضل القناعة والإجمال فى الطلب، لقوله: (( فمن أخذ بحقه بطيب نفس بورك له فيه ))،
وفى الحديث الآخر: ((بسخاوة نفس بورك له فيه)) (١)، وأن البركة مع القناعة. ويرجع
طيب النفس وسخاوتها على المعطى، وهو الأظهر ، لقوله فى الحديث الآخر: ((فمن
أعطيه عن طيب نفس)) أى بغير سؤال، ومثله قوله فى الآخر: ((لا تلحفوا فى المسألة ،
فو الله لا يسألنى أحد شيئاً فتخرج له مسألته منى شيئاً وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته )»،
وقد يحتمل رجوعه على المعطى ويكون طيب النفس بما قسم الله له ، وتفويضه إليه ،
وتوكله عليه وانتظاره فضله ، وأن فى ضد هذا من الحرص والشره المحق وعدم البركة .
وقوله: ((كالذى يأكل ولا يشبع))(٢) قيل: إنه من [ داء به ](٣) ، وهو الذى يسميه
الأطباء: الجوع الكاذب ، وهو عندهم من غلبة السوداء. وقد يكون أراد به كالبهائم الراعية،
ويكون من معنى قوله فى الحديث الآخر الذى فى معناه: (( وإن مما ينبت الربيع ما يقتل
حَبَطا أَوْ يُلِم، إلا أكلة [ الخضر ](٤) )) الحديث، وسنذكره فى آخر هذا اللفظ بنصه.
وقوله : ((إن تبذل الفضل خير لك)) : يريد : من حوز أجره وادخار ثوابه .
(١) البخارى ، ك الزكاة، ب الاستعفاف عن المسألة، عن حكيم بن حزام ٢/ ١٥٢، وك الوصايا ، ب تأويل
قول الله تعالى: ﴿مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [ النساء: ١٢] ٦/٤، وكذا الترمذى، ك صفة
القيامة ، ٦٤١/٤ برقم (٢٤٦٣).
(٢) سيأتى فى الباب التالى .
(٣) فى الأصل : دائه ، والمثبت من س .
(٤) ساقطة من س .

٥٦٩
كتاب الزكاة / باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى ... إلخ
٩٧ - (١٠٣٦) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ الْجَهْضَمِىُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد،
٤ ٠٠٠٠٠٠٠
قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَتَّهُ: ((يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ أَنْ تَبْدُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنَّ تُمْسكَهُ
شَرِّلِكَ، وَلَا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَأَبْدَاً بِمَنْ تَعُولُ، وَلَيَدُ العُلَيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلِى)).
وقوله: ((وإن تمسكه شر لك)» إن كان عن حقوقه فبين فى العقاب عليه ، وإن كان
عن النوافل فلما يفوته من الثواب والأجر الجزيل .
وقوله: ((ولا (١) تلام على كفاف )»: دليل أن الكفاف محمود لاتباعه فيه .
وقوله: ((وابدأ بمن تعول)» : فيه تقديم العيال والقرابة على الأجانب ، وأن حقهم
آكدُ فیما يحب وفيما يستحب .
,
(١) فى الأصل : ولن ، والمثبت من الصحيحة ، س .

٥٧٠
-
كتاب الزكاة / باب النهى عن المسألة
(٣٣) باب النهى عن المسألة
٩٨ - (١٠٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثْنَا زَيّدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِى مُعَاوِيةٌ
ابْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنِى رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِىُّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرِ اليَحْصُبِىِّ، قَالَ :
سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً يَقُولُ : إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ ، إِلا حَدِيثًا كَانَ فِى عَهْدٍ عَّمَرَ ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ
يُخِيَفُ النَّاسَ فِى الله عَزَّ وَجَلَّ، سَمِعَتُ رَسَّوَلَ اللهِ عَّهُ وَهُوَ يَقُولُ: (( مَنْ يُرِدِ الله به خَيْرًا
يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ)) . وَسَمِعْتُ رَسُوَلَ اللهِعَّهُ يَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ، فَمَنْ أَعْطَّنَّهُ عَنْ
طِيبِ نَفْسٍ فَيَارَكُ لهُ فِهِ، وَمَنْ أَعْطَيُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهِ، كَانَ كَالذِى يَكُلُ وَلَا يَشْبَعُ)) .
٩٩ - (١٠٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو، عَنْ
وَهْبِ بْنِ مُنْبِهِ، عَنْ أَخِيهِ هَمَّامٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّه: ((لا تُلحَفُوا فى
المَسْأَلَة ، فَوَالله لا يَسْأَلِنِى أَحَدٌ مَنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجُ لهُ مَسْأَلْتُهُ مِّ شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهُ ،
فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ)) .
( .. ) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ الَكِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارِ ، حَدَّثَنِى وَهْبُ
ابْنُ مُنَبِّه ◌ِ وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِى دَارِهِ بِصَنْعَاءَ فَأَطْعَمَنِى مِنْ جَوْزَةٍ فِى دَارِهِ - عَنْ أَخِيهِ ، قَالَ :
سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُقْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عََّ يّقُولُ. فَذَكَرَ مِثْلُهُ .
وقول معاوية: (( إياكم والأحاديث ، إلا حديثًا فى عهد عمر، فإنه كان يخيف الناس فى
الله)) نهى عن الإكثار بالأحاديث، لما شاع فى زمنه من التحدث عن أهل الكتاب، وما وجدوه
من كتبهم عند فتح بلادهم ، والرجوع إلى ما تقدم من الأحاديث قبل أيام عمر لضبطه الأمر
وشدته فيه ، وطلبه الشهادة على ما بلغه منه حتى استقرت السنن ، وصحيح الأحاديث.
وقوله: (( من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين)) فيه فضل العلم والفقه فى الدين ،
ولأنه يقود [ إلى خشية الله تعالى وتقاه قال، تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(١)،
وهذا يقود ](٢) إلى الخير فى الآخرة وعظيم الثواب .
(١) فاطر : ٢٨ .
(٢) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش بسهم.

٥٧١
كتاب الزكاة / باب النهى عن المسألة
١٠٠ - (١٠٣٧) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ،
عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى حُمَيّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ
أَبِ سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يَقُولُ: ((مَنْ يُرد الله به خَيْرًا
يُقَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَّا قَاسِمٌ وَيَّعْطِى اله».
وقوله: ((إنما أنا قاسم، والله يعطى))، وفى الآخر: ((خازن)): فيه تفويض
الأمور إلى الله تعالى، وكون جميعها بمشيئته وقدرته [والتسريح ](١) بأن الإنسان مصرف
مسخر بحكمه ، لا إله غيره ، وأنه - عليه السلام - لم يستأثر بشىء (٢) من الدنيا وإنما تصرفه
فيها لمصلحة عباده ، وأمر ربه لا لنفسه ولا لحوله وقوته .
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش .
(٢) فى س : بشيئاً .

٥٧٢
كتاب الزكاة / باب المسكين الذى لا يجد غنى ... إلخ
(٣٤) باب السکین الذی لا يجد غنی
ولا یفطن له فیتصدق علیه
١٠١ - (١٠٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا الْمُغيرَةُ - يَعْنِى الحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى
الزَّادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عَّهِ قَالَ: (( ليْسَ المسكينُ بِهَذَا
الطَّوَّاف الذى يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللقْمَةُ واللقْمَتَان، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَان)». قَالُوا :
فَمَا المسْكِينُ يَارَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: ((الذِى لا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِهِ، وَلَا يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ،
وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شيئًا)) .
وقوله: (( ليس المسكين بهذا الطواف )) الحديث ، قال الإمام : قال محمد بن سلام : قلت
ليونس : ما [الفرق ](١) بين الفقير والمسكين ؟ فقال: الفقير الذى يجد القوت ، والمسكين
الذى لا شىء له. وقال ابن عرفة : الفقير عند العرب: المحتاج، قال الله تعالى: ﴿أَنتُمُ
الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، أى المحتاجون، والمسكين: الذى قد أذله الفقر، فإذا كان هذا إنما
مسكنته من جهة الفقر حلت له الصدقة وكان فقيراً مسكيناً ، وإذا كان مسكينا قد أذله شىء
١٧١/ ب سوى الفقر فالصدقة لا تحل له ، إذ كان / شائعاً فى اللغة أن يقال : ضرب فلان المسكين،
وظلم فلان المسكين ، وهو من أهل الثروة واليسار ، وإنما لحقه اسم المسكين من جهة الذلة،
فمن لم تكن مسكنته من جهة الفقر فالصدقة له حرام ، وقد سمى الله تعالى من له الفلك
مسكيناً، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾(٣). قال الشافعى : الفقراء : هم الزمنى
الذين لا حرفة لهم ، وأهل الحرف الذين لا تقع حرفتهم من حاجتهم موقعا ، والمساكين :
السوال ، من له حرفة تقع موقعاً ولا تغنيه وعياله .
قال القاضى: اختلف أهل اللغة والفقهاء فى المسكين والفقير، أيهما أشد فاقة ؟ وفيه الحض
على ارتياد الأولى بالصدقات والأحوج، وليس فى هذا الحديث من قوله: (( ليس المسكين بهذا
الطواف))، نفى المسكنة عنه، وأنه ممن لا تحل له الصدقة ، وإنما أراد المبالغة فى المسكنة
فى غيره، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ الآية (٤)،
وقال - عليه السلام -: ((ليس الشديد بالصرعة))(٥) أى أن المسكين الكامل المسكنة هو
الآخر المتعفف الذى لا يسأل ولا يفطن له فيتصدق عليه. وأما الطواف فطوافه كالكسب له .
(١) فى هامش الأصل .
(٤) البقرة : ١٧٧ .
(٣) الكهف : ٧٩ .
(٢) فاطر : ١٥ .
(٥) صحيح البخارى ، ك الأدب ، ب الحذر من الغضب .

٥٧٣
كتاب الزكاة / باب المسكين الذى لا يجد غنى ... إلخ
١٠٢ - ( .. ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، قَالَ ابْنُ أُّوبَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرَ - أَخْبَرَنِى شَرِيكُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَّسَارِ مَوْلِى مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((ليْسَ المسكينُ بالذى تَرُّدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ ، وَلَا اللقْمَةُ
واللثْمَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الْتَعَفِّفُ، اقْرَؤُوا إِنَ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَاقَّ﴾(١).
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر .
أَخْبَرَنِى شَريكٌ. أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَسَارِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ بِمِثْلٍ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ .
وقوله : ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: قيل : إلحاحاً ، وقيل : عموماً وشمولاً
بالسؤال، ومنه سمى اللحاف لعموم (٢) ستره ، وقيل : معناه: أنهم لا يسألون جملة ، أى
لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف، بدليل قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ
التَّعَفُّف﴾ (٣)، ولا يصح هذا مع السؤال. وينتصب ((إلحافاً)) على المصدر ، وفى الوجوه
الأول على الحال.
وقوله: ((ترده الأكلة والأكلتان)» (٤) : الأكلة بالضم ، اللقمة، وأما بالفتح فالمرة
الواحدة ، والرواية هنا بالضم ، وهو المراد بالحديث .
(١) البقرة : ٢٧٣ .
(٢) فى س : لشمول .
(٣) البقرة : ٢٧٣ .
(٤) أخرجه النسائي، ك الزكاة، ب تفسير المسكين، أحمد ٣٩٣/٢.

٥٧٤
كتاب الزكاة / باب كراهة المسألة للناس
(٣٥) باب كراهة المسألة للناس
١٠٣ - (١٠٤٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ، حَدَّثْنَا عَبّدُ الأَعْلِى بْنُ عَبّد الأَعْلِى،
عَنْ مَعْمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلم، أَخِى الزُّهْرِىِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبيه ؛ أَنَّ
النَِّىَّ ◌َ قَالَ: ((لاَ تَزَالُ المَسْأَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَةُ لحمٍ)) .
( .. ) وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَخِى
الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ ((َ مُزْعَةً)) .
[وقوله] (١): ((لا تزال المسألة بأحدكم حتى [يلقى] (٢) الله ولما فى وجهه مزعة لحم))،
قال الإمام : أى قطعة لحم، يقال: أطعَمَهُ مزَعَة لحم، [أى] (٣) قطعةً منه (٤)، نتفة
لحم ، أى قليلاً. ومَزَّعَتِ المرأةُ قُطنَها إذا زَبَّدَتْهُ، أى قَطَّعَتْهُ ثم [الفَتْهُ](٥) فَجَوَّدَهُ بذلك،
وفى الحديث : (( فصار أنفه كأنه يتمزع)) (٦) أى يتشقق ويتقطع غضباً .
قال القاضى : قيل : معناه : يأتى يوم القيامة ذليلاً ساقطاً لا وجه له عند الله، وقيل:
هو على ظاهره ، يحشر وجهُه عظماً دون لحم ، عقوبةً من الله ، وتمييزاً له وعلامة بذنبه
لما طلب المسألة بالوجه ، كما جاء فى الأحاديث الأخرى من العقوبات فى الأعضاء التى
كان بها العصيان ، وقيل : ليس على وجهه لحم يقيه حر شمس المحشر ، وهذا ضعيف ،
وهذا فيمن سأل لغير ضرورة وتكثراً، [ كما جاء فى الحديث الآخر: ((من سأل لغير
ضرورة وتكثراً))، و](٧) كما جاء فى الحديث الآخر: ((من سأل تكثراً فإنما هو جمر))(٨)،
(١) ساقطة من س .
(٢) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش .
(٤) فى نسخ الإكمال قيد قبلها : و .
(٣) فى نسخ الإكمال: و، والمثبت من ع .
(٥) هكذا فى س ، الأصل: اللفة. انظر: اللسان، مادة ((مزع)).
(٦) أبو داود ، ك الأدب، ب ما يقال عند الغضب، عن معاذ بن جبل ٥٤٩/٢ .
(٧) من س. ولم أجد هذا الحديث بلفظه ، ولكن ورد بمعناه ، ففى الترمذى عن عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله عليه: ((من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته فى وجهه خموش ، أو
خدوش، أو كدوح)). قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ((خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب)).
ك الزكاة، ب ما جاء من تحل له الزكاة ٣٢/٣، وجاء فى صحيح ابن خزيمة عن أبى هريرة : (( لا تحل
الصدقة لغنى)) ٧٨/٤، وعند أحمد: (( من سأل الناس مسألة وهو عنها غنى كانت شيئاً فى وجهه يوم القيامة
٢٣١/٢، وقال الدارقطنى فى سننه: عن أبى سعيد قال رسول الله عَّيه: ((لا تحل المسألة لغنى)) ١٢١/٢.
(٨) وجاء فى الترغيب: ((من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر)). شرح معانى الآثار ١٩/٢، وقال
المنذرى : رواه الطبرانى فى الكبير ، ولم أجده فيما تحت أيدينا من طبعة الطبرانى ، وقال المنذرى : رجاله=

٥٧٥
كتاب الزكاة / باب كراهة المسألة للناس
١٠٤ - ( .. ) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى الليْثُ، عَنْ
عُبِيد الله بْنِ أَبِى جَعْفَرَ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سَمِعٌّ أَبَاهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ
الله عََّ: ((مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يأتِى يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَة
٠
لخَمِ)).
١٠٥ - (١٠٤١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَوَاَصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلِى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ
فُضَيْلِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنُ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهُ:
((مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالُهُمْ تَكْثُّراً، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلَيَسْتَقِلُّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ)).
١٠٦ - (١٠٤٢) حَدَّثَنِى هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ بَيَانِ أَبِى بِشْرِ،
عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَِّ يَقُولُ: (( لَأَنْ يَغْدُّوَ
أَحَدُكُمْ فَيَخْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنَىَ بِهِ مِنَ النَّاسِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ
رَجُلاً، أَعْطَاهُ أَوْ مَتَعَهُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ اليَدَ العُلَيَا أَفْضَلُ مِنَ الَيَدِ السُّفْلِى، وَأَبْدَاً بِمَنْ تَعُولُ)) .
( .. ) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِى قَيْسُ
ابْنُ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: أَيْنَا أَبَا هُرَيْرَّةً فَقَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ◌َةَ: ((وَاللهِ، لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ
فَيَخْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيْعَهُ)) . ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ بََّنٍ .
يعنى معاقبته عليه بالنار ، إذ(١) غر من نفسه، وأخذ باسم الفقر ما لا يحل له ، أو يكون
مجازاً من ذل(٢) السؤال، وبذل الوجه لغير فاقة مضطرة ، فاستعان لذلك احتراق الوجه
بذلك ، وأن الاحتطاب وتكلف صعب المعيشة ومشقة الكسب ، خير له وأصون لإراقة ماء
وجهه ، ورونق محياه ، وقد يكون الجمرُ على وجهه ، أى يرد ما يأخذ جمرًا فيكوى
به(٣)، كما جاء فى مانع الزكاة. وقد يكون عندى قوله: ((لقى الله وما فى وجهه مزعة
لحم)) على ضرب المثل والاستعارة لحاله فى الدنيا ، من ذهاب الجرمة عن وجهه ، والصون
بذل السؤال حتى مات ولم تبق له وجه عند الناس ولا قدر .
واختلف فيمن تحل له المسألة ، فقيل : من معه ما يغديه ويعشيه فلا تحل له ، وتأولوا
= رجال الصحيح. وجاء - أيضاً - فى البيهقى: (( الذى يسأل من غير حاجة كمثل الذى يلتقط الجمر))
١٧٤/٤، وفى الترغيب ٤/٢، وروى البيهقى فى الكبرى عن على أن رسول الله قال: ((من سأل الناس
عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم)) ١٧٤/٤ ورواه - أيضاً - الدار قطنى ١٢١/٢.
(١) فى س : إذا .
(٣) فی س : بها.
(٢) فى س : ذلك .

٥٧٦
كتاب الزكاة / باب كراهة المسألة للناس
١٠٧ - ( ... ) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَيُونُسُ بْنُ عَبْد الأَعْلِى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب،
أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِى عُبَيْدِ مَوْلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفَ ؛
أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((َ لأَنْ يَخْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبِّ،
فَيَحْمِلِهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَبِيِعَهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً، يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ )) .
١٠٨ - (١٠٤٣) حَدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبيب - قَالَ
سَلَمَةُ - حَدَّثَنَا، وَقَالَ الدَّارِمِىُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّد الدِّمَشْفِىُّ - حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى
مُسَلَمِ الخَوْلانِىِّ، قَالَ : حَدَّثَنِى الْحَبِيبُ الأَمِينَ - أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إلى، وَأَمَّا هُوَ عِنْدِى
فَأَمِينٌّ - عَوْفُ بْنُ مَالك الأَشْجَعِىُّ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ عَّةٍ، تَسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ
سَبْعَةٌ، فَقَالَ: ((أَلَا تََّايَعُونَ رَسَّوَلَ الله؟)) وَكِنَّا حَدِيثَ عَهَد بَيْعَةَ. فَقُلْنَا: قَدْ بَا يَعْنَاكَ يَا
وَسُولَ اللهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)). فَقُلْنَا: قَدْ بََّيَعْنَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ قَالَ:
((أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟)). قَالَ: فَبَسَطِنَا أَيْدِينَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ
نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: ((عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَتِ الخَمْسِ، وَتُطِيعُوا -
وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا)) فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أولئكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ
أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّهُ.
عليه قوله فى الحديث: (( من سأل ومعه ما يغنيه فإنما يستكثر من النار )) قيل : ومايغنيه ؟
قال: ((يغذيه ويعشيه))(١)، وقال قوم : معناه : من وجد غداه وعشاه سائر الأوقات ،
فإذا كان معه ما يكفيه لقوته مدة طويلة حرمت عليه المسألة ، قال آخرون : هذا منسوخ
بغيره من الأحاديث التى تعارضت .
(١) أبو داود، ك الزكاة، ب من يعطى من الصدقة وحد الغنى ٣٧٨/١، ابن خزيمة فى صحيحه ٧٨/٤،
ويبعض لفظه الدار قطنى ٢/ ١٢١ .

٥٧٧
كتاب الزكاة / باب من تحل له المسألة
(٣٦) باب من تحل له المسألة
١٠٩ - (١٠٤٤) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى وَقُتََّةُ بْنُ سَعيد، كلاهُمَا عَنْ حَمَّاد بْن زيّد.
قَالَ يَحْيَى: أَخْبَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيّدٍ، عَنْ هَرُونَ بْنِ رِيَابٍ، حَدَّثَنِىَ كِتَنَةُ بْنُ نُعَيْمِ الَعَدَّوِىُّ،
عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِق الهلالىِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَّالَةٌ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِلَّهُ أَسْأَلُهُ فِيهَا .
فَقَالَ : ((أَقُمْ حَتَّى تَأْتِيَنَ الصَّدَقَةُ، فَنَأمُرَ لِكَ بِهَا)). قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسْأَلَةَ لا
تَحِلُّ إلا لأَحَدَ ثَلاثَةَ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحلتْ لهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثَمَّ يُمْسِكُ،
وَرَجُلَّأَصَابَتْهُ جَائِحَّةٌ اجْتَاحَتْ مَالُهُ، فَحَلَّتْ لِهُ المَسْأَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَمًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ
قال الإمام: وقوله: ((إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة)) يكون
الحمل(١) ها هنا على أنه يحمل حمالة جائزة .
وقوله: ((ورجل أصابته فاقة حتى يقوم(٢) ثلاثة من ذوى الحجا : لقد أصابت(٣)
فلانا فاقة)) فكلفه هنا إثبات فقره، وفى حديث آخر: (( صدقوا السائل ولو أتى على
فرس)) فيحمل الأول على من كان معروفاً ، بالملاء ، ثم ادعى الفقر ، ويحمل الثانى على
من جهل أمره(٤) .
قال القاضى : اشتراطه هنا ثلاثة وحكم الشهادة اثنان والخبر واحد ، ولعله أراد أن
يخرج بالزيادة عن حكم الشهادة إلى طريق اشتهار الخبر وانتشاره ، وأن المقصد بالثلاثة هنا
جماعة هى أقل الجمع لا نفس العدد ، إذ ليس للثلاثة فى هذا الباب أصل. والحجا :
العقل ، مقصور. وشرط العقل هنا فى الشاهد دليل على اعتباره فى الشهادة والخبر ، وأن
المغفل لا يُلتفت لقوله ، وشرط فى الذى أصابته فاقة معرفة الناس ذلك ، ولم يشترط فى
الذى أصابته جائحة ؛ لأنها مشهورةٌ معلومةٌ . وهذا حكم من طلب بحق فادعى العدم ،
وقد عرف بمال أنه إن كانت جائحة وتلف ماله معلوماً ، وإلا كلف إثبات ذلك ولم ينفعه
دعواه ، وهكذا يكون حكمها فى الصدقة .
وقوله: ((ورجل أصابته جائحة)) ثم قال: (( حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال
(١) فى ع : الحميل .
(٢) فى نسخ الإكمال : يقول ، والمثبت من الصحيحة ، ع .
(٣) فى الأصل: أصاب ، والمثبت من الصحيحة ، ع، س
(٤) فى ع : حاله .

٥٧٨
كتاب الزكاة / باب من تحل له المسألة
قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْش - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : لقَدْ
أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، فَحلَّتْ لهُ المَسْأَلَةُ؛ حَتَّى يُصيبَ قوَامًا مِنْ عَيْش - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ
عَيّشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الَسْأَلَةِ يَا قَبِصَةُ سُحْنًا يَأْكُلَهَا صَاحِبُهَاَ سُحْنَا)).
سداداً)): كذا ضبطناه بكسر الكاف والسين / وهما بمعنى. قال صاحب العين : قوام العيش:
١٧٢ / أ
ما يغنى منه، والسداد : ماسددت به شيئا. وقال الهروى: وقوله : ((سداد من عيش)) أى
ما يسد به خلته ، وكل شىء سددت به خلالاً فهو سداد ، ومنه : سداد الثغر وسداد القارورة.
وقوله : ((فما سوى هذا يا قبيصة سحت)): على إضمار فعل ، أى اعتقده سحتاً ،
أو إنما يأكل سحتا ، وبالرفع رواه غير مسلم(١). وفيه أن متحمل الحمالة يعطى من الزكاة
وإن كان غنياً ؛ لأنه من الغارمين ، وهو الرجل يسعى فى صلاح ذات البين فى النائرة (٢)
تقع بين القوم. والترات(٣) يتضمن ما لأصحاب الطوائل وديات القتلى (٤) فيهم ، يترضاهم
بذلك حتى تسكن الثائرة ، فهذا يعان من الزكوات(٥) وغيرها من أموال الله على ما صنع
من المعروف ، ولا يلزم ذلك فى مال ، قاله أبو سليمان .
(١) أبو داود، ك الزكاة، ب ما تجوز فيه المسألة ١/ ٣٨١.
(٢) يقال: نأرت نائرة فى الناس: هاجت هائجة. انظر: اللسان. وفى الأبى : الثائرة.
(٣) الترات: الرجل الممتلئ، وقيل: تارّ وترّ طويل. وقيل: المجهود. انظر : اللسان.
(٤) فى الأصل : العتلى.
(٥) فى س : الزكاة .

٥٧٩
كتاب الزكاة / باب إباحة الأخذ لمن أعطى ... إلخ
(٣٧) باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة ولا إشراف
١١٠ - (١٠٤٥) وَحَدَّثَنَا هَرُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب ح وَحَدَّثَنِى
حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ
الله بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنَّهُ - يَقُولُ: قَدْ كَانَ
رَسُولُ اللهِ عََّ يُعْطِيْنِ العَطَاءَ . فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إليْهِ مِنِّى، حَتَّى أَعْطَانِى مَرَّةً مَالاً .
فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِّى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَ: ((خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَال وَأَنْتَ
غَيْرُ مُشْرِف وَلَا سَائِل، فَخُذْهُ، وَمَا لا ، فَلا تُتْبعْهُ نَفْسَكَ )).
وقول عمر للنبى عَّه: ((أعطه أفقر منى)): دليل على فضل عمر وزهده ، وقلة
حرصه على الدنيا والتكثر [ منها](١)، وإيثار غيره على نفسه.
وقول النبى معَّه: ((ما جاءك غير مشرف ولا سائل فخذه )) من معنى قوله المتقدم :
(( بإشراف نفس )) أى بتطلع وحرص وشره إليه .
وقوله: (( [ وما لا ] (٢) فلا تتبعه نفسك)) من الاختصار أى ما لا يكون بهذه الصفة
ولم يأتك على هذه الحالة فلا تتبعه نفسك ، أى فلا تعلقها بطلبه واتباعه. قال الطحاوى :
وليس معنى الحديث فى الصدقات ، وإنما هو فى الأموال التى يقسمها الإمام على أغنياء
الناس وفقرائهم(٣).
قال الطبرى: واختلف الناس فيما أمر النبى عَّه عمر من ذلك ، بعد إجماعهم على
أنه أمر ندب وإرشاد ، فقيل: هو ندب من النبى ◌ّة لكل من أعطى عطية إلى قبولها ،
كانت من سلطان أو غيره ، إذا كان ممن تجوز عطيته ، وقيل : بل ذلك ندب إلى قبول
عطية غير السلطان ، [ فأما السلطان ](٤) فبعضهم حرمها ، وبعضهم كرهها ، وقال آخرون :
بل ذلك ندب لقبول عطية السلطان دون غيره. وقال المهلب : فيه جواز إعطاء الإمام الرجل،
وثم من هو أفقر منه ، إذا رأى لذلك وجها .
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش بسهم.
(٢) فى س : ممالا .
(٣) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوى ٢٢/٢.
(٤) سقط من س .

٥٨٠
كتاب الزكاة / باب إباحة الأخذ لمن أعطى ... إلخ
١١١ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الحَارث
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْد الله، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لََّ كَانَ يُعْطِى عَمَرَ بْنَّ
الْخَطَّبِ رَضىَ اللهُ عَنَّهُ، العَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِه يَا رَسُولَ الله أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّى. فَقَالَ
لهُ رَسُولُ اللهِعَُّ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلَهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِه، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ
مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُلُهُ، وَمَا لَا ، فَلا تُتْبِعُهُ نَفْسَكَ)).
قَالَ سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ .
( .. ) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَنَا ابْنُ وَهْبِ قَالَ عَمْرُو: وَحَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ بِمِثْلٍ
ذَلَكَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ
عَنَّهُ - عَنْ رَسُول الله
قال الإمام : جاء فى سند هذا الحديث: حدثنى أبو الطاهر، نا ابن وهب ،نا عمرو - يعنى
ابن الحارث - حدثنى ابن شهاب، عن السائب بن يزيد ، عن عبد الله بن السعدى ؛ عن
عمر (١) [الحديث](٢) كذا روى هذا (٣) الإسناد ، وفيه انقطاع، سقط منه رجل بين السائب بن
يزيد وبين عبد الله بن السعدى ، وهو حويطب بن عبد العزى (٤) . قال النسائى : لم
يسمعه السائب بن يزيد بن عبد الله بن السعدى ، رواه عن حويطب . قال غيره : هو
محفوظ من غير طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب الزهرى، شعيب والزبيدى عن
الزهرى ، قال : أخبرنى السائب بن يزيد : أن حويطباً أخبره أن عبد الله أخبره [ أن عمر
أخبره ] (٥) ، وقد رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب. ذكره أبو على بن السكن فى
كتابه ، وفى هذا الإسناد أربعة من الصحابة يروى بعضهم عن بعض، وهو السائب بن يزيد،
وحويطب بن عبد العزى ، وعبد الله بن السعدى ، وعمر بن الخطاب - رضى الله عنهم.
(١) فى س : عمرو بن الحارث .
(٢) ساقطة من س .
(٣) فى س : كذا رواه .
(٤) هو حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك العامرى القرشى أبو محمد ، له
صحبة ، أسلم عام الفتح وشهد حنين ، روى عن عبد الله بن السعدى ، وعنه السائب بن يزيد وعبد الله
ابن بريدة وغيره ، عاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة أربع وخمسين. الإصابة ٣٦٤/١، التهذيب ٦٦/٣.
(٥) سقط من س .