Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
كتاب المساجد / باب استحباب القنوت فى جميع الصلاة ... إلخ
يَدْعُو عَلَى رِعْل وَذَكْوَانَ، وَيَقُولُ: ((عُصَيَّةُ عَصَتِ الهَ وَرَسُولَهُ)) .
٣٠٠ _ ( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالَك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَهُ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ
الرُّكُوعِ فِى صَلاةِ الفَجْرِ ، يَدْعُو عَلَى بَنِى عُصِيَّةَ.
٣٠١ _ ( .. ) وحدّثْنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً
عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَس ؛ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَن القُنُوت، قَبْلَ الرُّكُوعَ أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ:
قَبْلَ الرُّكُوَعْ. قَالَ: قُلْتُ : فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ:
إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ يَّهِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أُنَاسِ قَتَلُوا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُم: القُرّاءُ.
عبد الله مكان عبد الأعلى ، وهو خطأ، والصواب ابن عبد الأعلى ، وهو الصنعانى خرج
له النسائى - أيضا - أحاديث النوم عن الصلاة .
قال الإمام: إن قيل: ما معنى قوله فى الحديث [الآخر] (١): ((إن عينى تنامان
ولا ينام قلبى)) (٢) وقد نام [ فى حديث الوادى] (٣) حتى طلعت الشمس، [ قلنا ] (٤):
إن من أهل العلم من تأوَّل [ أن ] (٥) قوله - عليه السلام -: ((إن عينىَّ تنامان ولا ينام
قلبى)) على أن ذلك غالب أحواله (٦)، وقد ينام نادراً، بدليل حديث الوادى ، ومنهم من
تأول [ قوله: ((ولا ينام قلبى)) على ] (٧) أنه لا يستغرقه [ آفة ] (٨) النوم حتى يكون منه
الحدث [ولا يشعر ] (٩)، والأولى عندى أن يقال: ما بين الحديثين تناقضٌ ؛ لأنه ذكر
فى الحديث أن عينىَّ تنامان [ولا ينام قلبى] (١٠) ، وكذلك كان يوم الوادى إنما نامت
عيناه فلم ير طلوع الشمس وطلوعها إنما يدرك بالعين دون (١١) القلب .
قال القاضى : قيل : لا ينام قلبه من أجل أنه يُوحى إليه ، ويدل أن الاستغراق لا
(١) من ع .
(٢) معنى حديث، ولفظه فيما أخرجه البخارى - واللفظ له ــ وأبو داود وابن حبان وأحمد عن عائشة -
رضى الله عنها - قال: ((تنام عينى ولا ينامُ قلبى)) ك المناقب، ب صفة النبى عَّ ٤ / ٢٣٢، وأبو داود،
ك الطهارة، ب فى الوضوء من النوم ١ / ٤٦، وابن حبان ٢١٢٤، وأحمد فى المسند ٢ / ٢٥١، ٤٣٨.
(٤) من المعلم ، والذى فى الإكمال : قيل .
(٣) فى ع : هاهنا .
(٦) فى الأصل : حاله ، والمثبت من المعلم وق .
(٥) من ت .
(٧) من المعلم ، والذى فى الإكمال : ذلك .
(٨) من الإكمال .
(١٠) من ت .
(٩) من المعلم وق .
(١١) فى ع : لا .

٦٦٢
كتاب المساجد / باب استحباب القنوت فى جميع الصلاة ... إلخ
٣٠٢ - ( ... ) حدّثْنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصم، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا
يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ وَجَدَ عَلَى سَريَّةً مَا وَجَدَ عَلَى السَّبْعَيْنَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ
بَثّر مَعُونَةَ ، كَانُوا يُدْعَوْنَ القُرَاءَ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَتَتِهِمْ.
( ... ) وحدّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَابْنُ فُضَيْل. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ،
حَدَّثَنَا مَرْوَانُ ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ ، بِهَذَا الحَديثِ . يَزِيدُ
#
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .
٣٠٣ _ ( ... ) وحدّثَنَا عَمْرٌوَ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا الأسْوَدُ بْنُ عَامر، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ
قَنَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّالنَِّىَّ ◌َهُ قَتَ شَهْرًا. يَلْعَنُ رِعْلاً وَذَخْوَانَ. وَعُصَّةَ عَصَوْا
اللهَ وَرَسُولَهُ .
( ... ) وحدّثْنَا عَمْرٌو النَّاقدُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامر، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنُ
أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، بَنَحْوِهِ .
٣٠٤ - ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَنَتَ شَهرًا، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءِ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ .
٣٠٥ _ (٦٧٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
يجوز عليه جملةً أو غالباً؛ أنه كان محروساً من الحدث كما جاء فى الحديث (١)، وأنه ((كان
ينام حتى ينفخ)) (٢)، ((ويسمع غطيطه ثم يصلى ولا يتوضأ)) (٣): وقد تكون هذه الغلبة هنا
(١) لعله يقصد قول ابن عباس فيما أخرجه البخارى: ((كان ينام ولا يتوضأ))، ك الوضوء ب التخفيف فى
الوضوء ١ / ٤٧، وانظر: السنن الكبرى ٧ / ٦٢، وقد نقل عن الشيخ أبى حامد الغزالى أنه عَلَّه كان له
نومان ، نوم القلب والعين جميعا، وهو نومه عَّيه فى الوادى ، ونوم العين دون القلب . اللفظ المكرم ،
لوحة ٢٥ ، وانظر : مقدمات النبوة للمؤلف ١ / ٢٥٦ .
(٢) ابن ماجه فى الطهارة، ب الوضوء من النوم عن عائشة ١ / ١٦٠، وقال الطَّنافِسِىُّ: قال وكيعٌ : نعنى
وهو ساجد ، كما أخرجه - أيضاً - عن عبد الله، قال محققه: فى الزوائد: هذا إسنادٌ رجاله ثقات إلا
أن فيه حجاجاً ، وهو ابن أرطاة ، كان يدلّس . وعن ابن عباس قال: كان نومه ذلك وهو جالس ، السابق ،
وفى إسناده ضعف ، وانظر : الاستذكار ٢ / ٧٦ .
(٣) أخرجه أحمد فى المسند عن ابن عباس بلفظ: (( حتى سمع له غطيط فقام فصلى ولم يتوضأ)). فقال
عكرمة: ((كان النبى عَّ محفوظا)) ١ / ٢٤٤، وقد أخرجه البخارى عنه بلفظ: (( عطيطه أو خطيطه»،
ك العلم ، ب السمر فى العلم ١ / ٤٠ .

٦٦٣
كتاب المساجد / باب استحباب القنوت فى جميع الصلاة ... إلخ
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا البَرَاءُ بْنُ
عَزِب؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَهُ كَانَ يَقْنُتُ فِى الصُّبْحِ وَاَلَغْرِبِ .
٣٠٦ _ ( ... ) وحدّثْنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ
عَبّدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَّيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى الفَجْرِ وَالَغْرِبِ .
٣٠٧ _ (٦٧٩) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ سَرْح المِصْرِىُّ، قَالَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ ، عَنْ حَظَلَةَ بْنِ عَلَىٌّ، عَنْ خُفَاف
ابْنِ إِيمَاء الغفَارَىِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ، فِى صَلاة: ((اللَّهُمَّ ، الْعَنْ بَنِى لِحْيَانَ
وَرِعْلاً وَذَكْوَانَ، وَعُصِيَّةَ عَصَوْاُ اللهَ وَرَسُولَهُ، غِفَارٌ غَفَرَ اللهُ لُّهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ)).
٣٠٨ - ( ... ) وحدّثْنا يَحْبَى بْنُ أُّوبَ وَقُتََّةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أُيُوبَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِى مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو - عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ ،
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ خُفَاف ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ خُفَافُ بْنُ إِيْمَاء: رَكَعَ رَسُولُ اللهِ عَِّ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ
فَقَالَ: ((غفَارُ غَفَرَ اللَّ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالمَهَا اللهُ وَعُصِيُّهُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ . اللَّهُمَّ، الْعَنْ
بَنِى لِحْيَانَ، وَالْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ )) ثُمَّ وَقَعَ سَاجِدًا. قَالَ خُفَافٌ: فَجُعَلَتْ لَعْنَةُ الكَفَرَةَ
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ .
( ... ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ أُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ
حَرْمَلَةَ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِىِّ بْنِ الأَسْقَعِ ، عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءِ ، بِمِثْلِهِ، إِلا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ:
فَجُعَلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ .
للنوم والخروج عن عادته فيه لما أراد الله من بيان سنة النائم عن الصلاة كما قال فى الحديث
الآخر: ((لو يشاء الله لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم)) (١).
(١) طريق مالك فى الموطأ، ولفظه: ((يا أيها الناس، إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردَّهَا إلينا فى حينٍ غير
هذا )» .

٦٦٤
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
(٥٥) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها
٣٠٩ _ (٦٨٠) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى التُّجْبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى
يُؤنُسُ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُسَيِّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ، حِينَ
قَفَلَ مِنْ غَزْوَةٍ خَيْبَرَ ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الكَرَى عَرَّسٍ، وَقَالَ لبلال: ((اكْلَا لَنَا اللَّيْلَ))
وقوله فى الحديث من رواية الزهرى عن سعيد عن أبى هريرة : (( حين قفل من غزوة
خيبر))، قال الأصيلى: هو غلط، وإنما هو: حين قفل من حنين، ولم [ يعترض] (١)
ذلك النبى - عليه السلام - إلا مرةً حين قفل من حنين إلى مكة ، وقال الباجى وابن عبد
البر: إن قول ابن شهاب: ((حين قفل من خيبر(٢))) أصحُّ، وهو قول أهل السيرة ، وفى
حديث ابن مسعود أن نومه ذلك كان عام الحديبية ، وذلك فى زمن خيبر (٣) .
قال الباجى : وعليه يدلُّ حديثُ أبى قتادة ، قال غيره: وكذلك قوله بطريق مكة : هو
(١) من المنتقى ، وفى جميع النسخ : يعر .
(٢) فى المنتقى : حنين ، وهو خطأ .
وفى الجمع بين الحديبية والخندق قال ابن عبد البر: هو زمن واحد ، فى عام واحد ؛ لأنه ◌َة
منصرفه من الحديبية مضى إلى خيبر من عامه ذلك ، ففتحها الله عليه، وفى الحديبية نزلت: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ
مغانم كثيرة﴾ [الفتح: ٢٠] يعنى خيبر، وكذلك قسمها رسول الله عَبّه على أهل الحديبية.
(٣) حديث قفوله من خيبر أخرجه أبو داود، ك الصلاة، ب من نام عن صلاة أو نسيها ١ / ١٠٣ ،
والترمذى فى التفسير، ب من سورة طه ٥ /٣١٩ وقال الترمذى: هذا حديثٌ غير محفوظ، رواه غيرُ
واحد من الحفاظ عن الزهرىِّ عن سعيد بن المسيَّب أن النبى معَّه ، ولم يذكروا فيه عن أبى هريرة .
قلت : وكذا مالك فى الموطأ من رواية يحيى وابن القاسم وابن بكير والقعنبى وغيرهم .
وقال السيوطى بعد أن ساق إسنادا لأبى أحمد : الحاكم لهذا الحديث : أن رسول الله عَّ ليلة أسرى
به نام حتى طلعت الشمس فصلى وقال: ((من نام عن صلاة أو نسيها))، قال : ورأيت بخط الشيخ ولى
الدين العراقى فى بعض مجاميعه وقد أورد هذا الحديث مع نصّه : أخرجه أبو أحمد الحاكم فى مجلس
من أماليه ، وقال: غريب من حديث معمر عن الزهرى عن سعيد عن أبى هريرة مسنداً ، لا أعلم أحداً
حدَّث به غير خلف بن أيوب العامرى من هذه الرواية ، قال الشيخ ولى الدين : ويحسن أن يكون جواباً
عن السؤال المشهور ، وهو : لِمَ لم يقع فى بيان جبريل إلا فى الظهر وقت قد فرضت الصلاة بالليل ؟
فيقال : كان النبى معَّه نائماً وقت الصبح ، والنائم ليس بمكلف .
قال : وهذه فائدة جليلة ، والحديث إسناده صحيح . قال السيوطى معقباً : وليس كما قال ، فإن المراد
من هذا الحديث ليلة أسرى فى السفر ونام عن صلاة الصبح ، لا ليلة أسرى إلى السماء ، فالتبس عليه لفظ
أسرى . اللمع ١٣٨ .

٦٦٥
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
فَصَلَّى بِلالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ عَيْئَةٍ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلالٌ
طريق لمكة لمن شاء (١)، قال أبو عمر : فى هذه الأخبار ما يدل أنَّ نومه كان (٢) مرةً
واحدةً، ويحتمل أن يكون مرتين ؛ لأن فى حديث ابن مسعود: ((أنا أوقظكم)) (٣)،
وقد يمكن أن النبى معَّه لم يجبه إلى ذلك وأمر بلالاً .
قال القاضى : أما حديث أبى قتادة فلا مريةً أنه غير حديث أبى هريرة ، وكذلك
حديثُ عمران بن حصين، يدل أنها فى موطنين ونبين (٤) ذلك (٥) آخر الباب . والكرى :
النوم .
وقوله: ((عرّس رسول الله عَّه)): التعريس: نزول آخر الليل [ للنوم ] (٦)
والراحة ، قاله الخليل وغيره (٧) . وقال أبو زيد : التعريس النزول أى وقت كان من ليل
أو نهار. وفى الحديث: (( [ معرسين ] (٨) فى نحر الظهيرة)) (٩) وهذا حجة له ،
واستحب أهل العلم أن يكون متنحيا على الطريق متنكِّباً عنه للحديث الوارد فى ذلك ،
ولقوله: (( لأنه مأوى الهوام وطرق الدواب بالليل)) ؛ ولقوله فى حديث أبى قتادة :
((فمال رسول الله عَّه عن الطريق فوضع رأسه)).
وقوله لبلال: ((اكلا لنا الليل)) وفى الموطأ: ((الصبح)) قيل: وفيه دليل على صحة
قبول خبر الواحد والعمل به ، وقد يعترض على هذا بأن الأمر يرجع فى خبر بلال بعد إلى
العمل باليقين من المشاهدة والضرورة برؤية الفجر بعد تنبيه بلال عليه .
وفى الحديث دليل على جواز النوم قبل وقت الصلاة وإنه خشى استغراقه حتى يخرج
وقتها، [ إذ] (١٠) لم يتوجه عليه الخطاب بها بعد ؛ ولأن هذا قد يعترى النائم أول
الليل، وإن كان الأغلب على النائم آخره الغلبة والاستغراق، لا سيما للمسافر والتعب (١١).
وفيه الترفق (١٢) بالمسلمين ، وقد جاء فى البخارى أنهم طلبوا التعريس منه فقال :
(١) قال ابن عبد البر: هذا ليس بمخالف ؛ لأن طريق خيبر وطريق مكة من المدينة يشبه أن يكون واحدا ،
وربما جعلته القوافلُ واحدا . التمهيد ٥ / ٢٠٥ .
(٢) تمام عبارته: وأظنها قصةً، لم تعرض له إلا مرة واحدة فيما تدل عليه الآثار . السابق.
(٣) لأنه لم يقل له : أيقظنا، قال أبو عمر بعد سياقها : ويحتمل ألا يجيبه إلى ذلك ويأمر بلالا.
(٤) فى ت : وننبه .
(٦) ساقطة من س .
(٥) فى ت : فى .
(٧) وقال أبو عمر : لا خلاف علمته بين أهل اللغة أن التعريس نزول المسافرين فى آخر الليل .
(٨) من ت وق وساقطة من س .
(٩) البخارى، ك الشهادات، ب تعديل النساء بعضهن بعضا ٣ / ٢٢٨ من حديث عائشة، وكذا جاءت فى
ك المغازى، ب حديث الإفك، لكن بلفظ: ((موغرين فى نحر الظهيرة)) ٥ / ١٤٩، وسيأتى إن شاء
فى ك التوبة فى حديث الإفك وقبول توبة القاذف ، وانظر: أحمد فى المسند ٦ / ١٩٥ .
(١٠) من ت ، والذى فى الأصل: إذا .
(١٢) فى ق وس: الرفق.
(١١) فى ت : المتعب .

٦٦٦
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
إِلَى رَاحَتِهِ مُوَاَجِهَ الفَجْرِ ، فَغَلَبَتْ بِلالاً عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنَدٌ إِلَى رَاحِلَتَهِ ، فَلَمْ يَسْتَيَقِظْ رَسُولُ
الله ◌َُّ وَلَا بلالٌ وَلا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِعَُّ
أَوَّلَّهُمْ اسْتِيْقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِعَّهُ فَقَالَ: ((أَىْ بِلالُ)). فَقَالَ بِلالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِ
((أخاف أن تناموا)) فقال بلال: ((أنا أوقظكم)) (١)، فكأن النبى عَّه ذهب إلى الأخذ
بالاحتياط لهم (٢) ، فلما رأى حاجتهم واعتمد على إيقاظ بلال وكلائته أباح ذلك لهم .
وفيه استعمال الرجل خادمه فى مثل هذا وراحته بتعبه ما لم يجحف به ، فكيف وقد
روى أن بلالا قال ذلك ابتداء كما تقدم .
وقوله : (( فلم يستيقظ رسول الله عَّه ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس)):
أى أصابهم شعاعها وحرها على ما جاء فى الحديث [الآخر] (٣).
وقوله: ((ففزع رسول الله عَّه)) وفى الحديث [الآخر] (٤): ((فقمنا فزعين)): قال
الأصيلى: وذلك لأجل عدوهم خوفاً أن يكون اتبعهم فيجدهم بتلك الحال من النوم والغِرَّة ،
وقال غيره : بل ذلك لما فاتهم من أمر الصلاة ، وأنه لم يكن عنده ولا عندهم حكم من
نابه ذلك ، وحذروا المأثم والمؤاخذة بذلك ، حتى أعلمهم النبى عَّة بأنه لا إثم عليهم ،
بدليل قولهم فى الحديث الآخر: (( ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا؟)) فقال: ((أمَا لَكُم فىَّ
أسوة؟)) ثم قال: [ أما ] (٥) إنه ((ليس فى النوم تفريط))، وهذا بيِّنٌ فى حقِّهم هم، وقد
يكون ذلك حكمها هو، بدليل قوله: ((أما لكم فىّ أسوةٌ ؟))، ثم أوحى إليه بزوال الحرج ،
ألا تراه كيف قال، ثم قال: ((إنه ليس فى النوم تفريط)) ثم يقتضى المهلة وقد قيل :
ففزعهم بمعنى مبادرتهم للصلاة، كما قال: ((فافزعوا للصلاة)) (٦) أى بادروا إليها، وكأنه من
معنى الاستغاثة بها من تخويف الله عباده بذلك، وقد يكون فزع النبى عَ﴾ (٧) هنا إجابته
(١) ك مواقيت الصلاة، ب الأذان بعد ذهاب الوقت عن أبى قتادة ٢/ ٦٦ .
(٢) لأن نومه عَّ فى ذلك الوقت عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس أمر خارج عن عادته وطباعه ، وطباع
الأنبياء قبله ، قاله أبو عمر ، ثم قال : وإنما كان نومه ذلك ليكون سنة والله أعلم ، وليعلم المؤمنون كيف
حكمُ من نام عن الصلاة أو نسيها حتى يخرج وقتها ، وهو من باب قوله - عليه السلام - فيما أخرجه
مالك فى الموطأ -: ((إنى لأنسى أو أُنسَّ لأسُنَّ))، وعلى هذا التأويل جماعة أهل الفقه والأثر. التمهيد
٥ / ٢٠٨.
(٤) من ت ، ق .
(٣) ساقطة من س .
(٥) من ت .
(٦) جزء حدث للشيخين واللفظ لمسلم وسيأتى إن شاء الله فى ك الكسوف، ب صلاة الكسوف من حديث
عائشة - رضى الله عنها - ٢ / ٦١٩ .
كما أخرجه أحمد بهذا اللفظ فى المسند ٦ / ٨٧، ١٦٨، وانظر: البخارى فى صحيحه ، الكسوف ،
ب هل يقول : كسفت الشمس أو خسفت ٢ / ٤٤، ك بدء الخلق ، ب فى صفة الشمس والقمر بحسبان
٤ / ١٣٢ ٠
(٧) زيد بعدها فى س : هنا هبوبه لأول استيقاظه من نومه، قال الخطابي : معناه : انتبه ، يقال: أفزعت =

٦٦٧
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
الَّذِى أَخَذَ - بأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللهِ- بَنَفْسِكَ .
الفزعين من أصحابه وإغاثتهم لما نزل بهم . يقال: فزِعتُ: استغئت، وفزَعْتُ : أغثتُ .
وقوله: ((أى بلال)) : كذا عند الشنتجالى وابن أبى جعفر ، وعند العذرى
والسمرقندى : [ أين بلال ] (١).
وقول بلال: (( أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك)» على طريق العذر مما كان قد تكفل
بضمانه، لا سيما على ما ذكره البخارى فى حديث أبى قتادة من قول النبى معَّه: «أخافُ
أن تناموا))، فقال بلال: ((أنا أوقظكم)). وقد اختلف الناس فى النفس ما هى؟ وفى
الروح على مقالات كثيرة ، ومذهب أئمتنا : أنهما (٢) بمعنى واحد ، وأنها الحياة، ويدل
عليه قوله فى الرواية الأخرى: ((إن الله قبض أرواحَنَا))، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا﴾ (٣) ، وقد ذكَّرت العربُ الروح وأنثته بمعنى النفس .
وقال أبو القاسم القشيرى (٤) : وقيل الروح : أعيان مودعةٌ فى الأجساد لطيفة ،
أجرى الله العادة بخلق الحياة فى الجسد ما دامت فيه تلك الأجساد اللطيفة ، فالإنسان حى
بالحياة والإنسان مجموع الجسد / [ والروح ] (٥)، وجملة ذلك هو المعاقب والمثاب ، ١١٩ / ب
وعلى هذا تدل الآثار ، وأما النفس فذات الشىء ووجوده ، وقد يحتمل أن يكون النفس
لطيفة مودَعةٌ فى الجسم محلاً للأخلاق المعلولة . كما أن الروح محلٌّ للأخلاق المحمودة ،
والإنسان ينطلق على ذلك كله ، قال غيره : ولها اسم ثالث ، وهى النسمة . وقد قيل :
إن الروح والنَّفْس هو النَفَس المتردد فى الجسد ، وهذا غير صحيح ، لا لغةً ولا معنى .
وقيل: النفس الدمُ ، ولكن لا يصح به تفسير هذا الحديث ، وقد يمكن تسميته به . وقيل :
هو أمر مجهول لا تعرف ماهيته ، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٦) ، وسيأتى
الكلام عليه بعد هذا حيث ذكر منه صاحب المعلم إن شاء الله .
= الرجل يفزع، أى كلمته فانتبه، قال الهروى: فى الحديث: إن النبى عَبُّ قام مفزع وهو يضحك إن هب
من نومه ، وقد يكون فزع النبى عَّة .
(١) فى ت : أن بلالا .
(٢) فى الأصل : أنها .
(٣) الزمر : ٤٢ .
(٤) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيرى ، عالم فى الفقه والأصول والأدب واللغة ، فارس
ومحارب . توفى عام خمس وستين وأربعمائة عن تسعين سنة . طبقات الشافعية ٢ / ١٥٧، الأنساب
١٠ / ١٥٦ .
(٥) ساقطة من ت .
(٦) الإسراء : ٨٥.

٦٦٨
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
قَالَ : ((اقْتَادُوا)) فَاقْتَادُوا رَوَاحِلُهُمْ شَيْئًا . ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ، وَأَمَرَ بلالاً فَأَقَامَ
وقوله: ((اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئاً)) وفى الحديث الآخر: ((ارتحلوا)) وفى
حديث زيد بن أسلم: (( فأمرهم أن يركبوا فركبوا)) (١) ومثله فى حديث أبى قتادة، وقيل :
(( فركبوا)) محمله أن بعضهم ركب وبعضهم اقتاد ، وهذا على من جعل الأحاديث فى هذه
واحدة (٢) وأما إن كانت فى مواطن فلا تعارض فى ذلك (٣) وسنذكر هذا بعد.
وأمره - عليه السلام - لهم بهذا مع وجوب المبادرة للصلاة، قال الإمام : اختلف فى
علته ، فقيل: لأن الشمس كانت طالعة [ حينئذ ] (٤)، وإنما أمرهم باقتياد رواحلهم حتى
ارتفعت [ الشمس] (٥)، وقيل: إنما ذلك لما ذكر بعد من قوله: ((إن هذا منزلٌ حضرنا
فيه شيطان)) وهذا هو الأظهر (٦)، ومذهب أبى حنيفة أن المنسياتِ لا تقضى عند (٧) طلوع
الشمس، ويحتج بتأخير النبى معَّه الصلاة حتى خرج من الوادى. وهذا لا حجة له به (٨)؛
لأنه كان فى صلاة ذلك اليوم وهو يوافق على أن صلاة ذلك اليوم تقضى عند طلوع الشمس ،
والحجة عليه - أيضا - قوله - عليه السلام -: ((فليصلها إذا ذكرها))، فعمَّ سائر الأوقات .
قال القاضى : لا حجة لأبى حنيفة كما قال من الحديث ؛ لما ورد فى الحديث الآخر
نفسه: ((فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس))، وقوله فى [الحديث الآخر] (٩): ((فضربتنا
الشمس))، وهذا [ كله ] (١٠) لا يكون إلا بعد ارتفاعها ، وجواز الصلاة حينئذ ، وقد
قيل فى أمر النبى معَّه بالاقتياد وجوه أُخر ، منها : أن أمره بذلك ليقوم جميع الناس
بحركة الرحيل ويتنبَّه لذلك من غمره النوم وينبه غيره ممن قاربه ويأخذ من قام أهبة الصلاة
أثناء ذلك ، وقيل : بل كراهة للموضع الذى أصابتهم فيه الغفلة وتشاؤمًا به كما نهى عن
الوضوء من ماء ثمود لعصيانهم ونزول العذاب بمكانهم ، وكما قال أبو لبابة: (( لا أرى
فى بلد خنت الله فيه ورسوله)) وكما قال: ((أهجرُ دار قومى التى أصبت فيها الذنب))،
(١) أخرجه مالك فى الموطأ، وقال فيه ابن عبد البر : هذا الحديث فى الموطآت لم يسنده عن زيد أحد من
رواة الموطأ. الموطأ، ك وقوت الصلاة ، ب النوم عن الصلاة ١ / ١٣ .
(٢) وهو اختيار ابن عبد البر. التمهيد ٥ / ٢٠٤ .
(٣) ودليلهم على ذلك ما أخرجه أحمد فى المسند : قال عبد الله: فقلت : أنا ، حتى عاد مرارا ، فقلت :
أنا يا رسول الله، قال: ((فأنت إذا))، قال : فحرسهم حتى إذا كان وجه الصبح أدركنى قول رسول الله
عَّ: ((إنك تنام)) فنمت، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس فى ظهورنا. أحمد فى المسند ١ / ٣٩١ .
(٦) فى ت : الظاهر .
(٤، ٥) من ع .
(٨) فى ت : فيه .
(٧) فى س : بعد .
(٩) فى ت : الأحاديث الأخر .
(١٠) ساقطة من ق .

٦٦٩
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
الصَّلاةَ، فَصَلَّى بهمُ الصُّبْحَ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: « مَنْ نَسى الصَّلاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا
ذَكَرَهَا، فَإِنَّاللهَ قَالَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾)) (١) .
قَالَ يُونُسُ : وَكَانَ ابْنُ شِهَابِ يَقْرَؤُهَا : للذِّكْرَى.
ولنهيه عن الصلاة بأرض بابل لأنها ملعونة ، وقيل : بل الأمر بذلك منسوخ بقوله: ﴿أَقِم
الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) وقوله - عليه السلام -: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها))،
لكن قد اعترض على هذا بأن الآية مكيةٌ وهذه القصة بعد الهجرة بأعوام ، ولا يصح النسخ
قبل وروده والأمر به بغير خلاف . وأما الحديث فإنه مستند إلى الآية مأخوذ منها لقوله -
عليه السلام - فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)، وأيضاً النسخ يحتاج إلى
توقيف أو عند عدم الجمع .
وقوله: ((فأمر بلالاً فأقام الصلاة)) وفى حديث أبى قتادة: (( ثم أذن بلال بالصلاة))
وأكثر رواة الموطأ فى هذا الحديث على ((أقام)) وبعضهم قال: ((فأذن)) أو أقام الصلاة ،
وكذلك جاء على الشك فى حديث زيد بن أسلم فى الموطأ ورواية اليقين بالإقامة حجةٌ أنه
لا يؤذن للفوائت ويقام لها ، وهو مذهب مالك، ويحمل قوله: (( فأذن بلال )) أى أعلم
الناس ، وقد يختص هذا الموضع بالأذان لتنبيه الناس ، وإيقاظ النيام أو لطرد الشيطان الذى
أعلم - عليه السلام - أنه بالوادى، وعلى هذا يجمع بين الأحاديث الواردة فى ذلك ، ولا
يتخالف .
وقد اختلف العلماء فى الأذان والإقامة للفوائت ، فذهب الأوزاعى والشافعى كقول
مالك المتقدم ، وذهب أهل الرأى [وأحمد وأبو ثور] (٢) إلى أنه يؤذِّن لها ويقيم ، وقاله
الشافعى مرة ، وذهب الثورى إلى أنه لا يؤذن ولا يقيم .
وقوله : (( فصلى بهم الصبح)) حجة للتجميع للفوائت .
وقوله: ((من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها))، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ
لِذِكْرِي﴾، وكان ابن شهاب يقرؤها: ((للذكرى)). وفى الحديث الآخر: ((من نسى
صلاة أو نام عنها)) وفى الآخر: ((أو غفل)) قال بعضهم: فيه تنبيه على ثبوت هذا الحكم ،
وأخذه من الآية التى تضمنت الأمر لموسى - عليه السلام - وأنه مما يلزمنا اتباعه . وقد
يحتج به من يقول بأن شرع من قبلنا لازم لنا ، قيل : وفيه تنبيه أن هذا حكم من نزلت به
هذه النازلة وأن الشغل بالرحيل وغيره دونها غير مباح، ولا يقاس على ما جرى فى قصته -
(١) طه : ١٤، وانظر: أبا داود، ك الصلاة، ب من نام عن صلاة أو نسيها ١ / ١٠٣.
(٢) سقط من الأصل .

٦٧٠
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
٣١٠ - ( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، كلاهُمَا
عَنْ يَحْيَى ، قَالَ ابْنُ حَاتِمِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سِّعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بَنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو
حَزِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالُ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِىِّالهِ عَهُ فَلَمْ نَسْيَقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ،
عليه السلام - إذا كان ذلك خاصة للعلل المذكورة فى الحديث والمستفادة منه الموجبة للانتقال
عن الوادى ، كما لو تذكر الصلاة وهو فى أرض نجسة لوجب عليه الانتقال إلى موضع
طاهر . واختلف فى معنى قوله : ﴿ لِذِكْرِي﴾ فقيل: لتذكرنى فيها ، وقيل : لأذكرك
بالمدح ، وقيل : إذا ذكرتنى ، وقيل : إذا ذكرتها ، أى لتذكيرى لك إياها ، وهو أولى
بسياق الحديث والاحتجاج بها، ويعضده قراءة: (( للذكرى )) وهو قول أكثر العلماء
والمفسرين .
وقوله: ((لا كفارة لها إلا ذلك)): فيه وجهان : أحدهما : أنه لا يُكفِّرُها غير
قضائها ، ولا يجوز تركها إلى بدل آخر ، والثانى : أنه لا يلزمه فى نسيانه شىء ولا
كفارة لها من مال ولا غيره وإنما يلزمه أداؤها .
قال الإمام : الاتفاق على [ أن ] (١) الناسى يقضى ، وقد شذ بعض الناس فقال:
من زاد على خمس صلوات لم يلزمه قضاؤها ، ويصح أن يكون وجه هذا القول أن القضاءَ
يسقط فى الكثير للمشقة ولا يسقط فيما لا يشق، كما أن الحائض يسقط عنها قضاء الصلاة ،
وعلله بعض أهل العلم بالمشقة لكثرة ذلك وتكرر الحيض ولم يسقط الصوم ، إذ ليس ذلك
موجوداً فيه ، وأما من ترك الصلاة متعمداً حتى خرجت أوقاتها ، فالمعروف من مذهب
الفقهاء أنه يقضى ، وشذ بعض الناس فقال : لا يقضى ، ويحتج له بدليل الخطاب فى
قوله: ((من نسى صلاة أو نام عنها فليصلها)) (٢)، ودليله أن العامد بخلاف ذلك، فإن
لم نقل بدليل الخطاب سقط احتجاجه . وإن قلنا بإثباته قلنا : ليس هذا هاهنا فى الحديث
من دليل الخطاب ، بل هو من التنبيه بالأدنى على الأعلى ؛ لأنه إذا وجب القضاء على
الناسى مع سقوط الإثم فأحرى أن يجب على العامد ، فالخلاف فى القضاء فى العمد
كالخلاف فى الكفارة فى قتل العمد ، والخلاف فيها انبنى على الخلاف على ما فى هذا
الحديث المتقدم ، والآية المتقدمة من دليل الخطاب أو من مفهوم الخطاب .
قال القاضى : سمعت بعض شيوخنا يحكى أنه بلغه عن مالك قولةٌ شاذةٌ فى المفرط
كقول داود ، ولا يصح عنه ولا عن أحد من الأئمة [ ولا ] (٣) من يعتزى إلى علم سوى
داود وأبى عبد الرحمن والشافعى ، وقد اختلف الأصوليون فى الأمر بالشىء المؤقت ، هل
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش.
(٢) فى ت: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها)).
(٣) ساقطة من ق .

٦٧١
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
فَقَالَ النَّبِىُّ عَّهِ: ((لَيَأْخُذْ كُلُّ رَجُل بِرَأْس راحلته، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ »
قَالَ : فَفَعَلْنَا. ثُمَّ دَّعَا بِلَاءِ فَتَوَضَاَ، ثُمَّ سَجَّدَ سَجَدَتَيْنِ - وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى
سَجْدَتَيْنِ - ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الغَدَاةَ .
يتناول قضاؤه إذا خرج وقته أو يحتاج إلى أمر ثان ؟ وقال بعض المشايخ : إن قضاء العامد
مستفاد من قوله - عليه السلام -: ((فليصلها إذا ذكرها)) ؛ لأنه بغفلته عنها بجهله وعمده
كالناسى، ومتى ذكر تركه لها لزمه قضاؤها، واحتج - أيضا - بعضهم بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ
لِذِكْرِي﴾ (١) على أحد التأويلين، وبقوله فى الحديث: ((لا كفارة لها إلا ذلك))،
والكفارة إنما تكون من الذنب ، والنائم والناسى لا ذنب له ، وإنما الذنب للعامد .
وقوله فى رواية أبى حازم عن أبى هريرة : (( ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة
فصلى الغداة)) وكذلك فى حديث أبى قتادة: (( فصلى ركعتين ثم صلى الغداة )) ولم يذكر
ذلك فى حديث ابن شهاب ولا فى حديث عمران بن حصين . وقد اختلف العلماء فيمن
فاتته صلاة الصبح ، هل يصلى قبلها ركعتى الفجر ؟ فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد
وداود إلى الأخذ بزيادة من زاد صلاة ركعتى الفجر فى هذه الأحاديث . وهو قول أشهب ،
وعلى بن زياد من أصحابنا . ومشهور مذهب مالك : أنه لا يصليها قبل الصبح الفائتة ،
وهو قول الثورى والليث ؛ أخذاً بحديث ابن شهاب ومن وافقه ؛ ولأنها تزاد بصلاة ما
ليس بفرض فواتا، واختلف بعد فيمن نابَه مثل هذا فى وادٍ ، وأدركته فيه الصلاة ، فذهب
بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر الحديث ، وأنَّ على كل منتبه فى سفرٍ من نوم عن صلاة
فاتته بسبب نومه أن يزول عن موضعه ، وإن كان واديًا خرج عنه ؛ لأنه موضع مشؤوم
ملعون ، ولنهيه - عليه السلام - عن الصلاة بأرض بابل فإنها ملعونة (٢).
(١) طه : ١٤ .
(٢) أبو داود، ك الصلاة، ب فى المواضع التى لا تجوز فيها الصلاة، عن على بلفظ: ((ونهانى أن أصلى
فى أرض بابل فإنها ملعونة)) ١ / ١١٤. قال الخطابى: فى إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحداً من
العلماء حَرّم الصلاة فى أرض بابل، وقد عارضه ماهو أصح منه، وهو قوله عَّهُ: (( جعلت لى الأرض
مسجداً وطهوراً))، ويشبه أن يكون معناه إن ثبت أنه نهاه أن تتخذ أرض بابل وطناً ودارًا للإقامة فتكون
صلاته فيها إذا كانت إقامته بها ، أو خرج مخرج النهى فيه على الخصوص ، ألا تراه يقول : نهانى ، ولعل
ذلك منه إنذار له بما أصابه من المحنة بالكوفة ، وهى أرض بابل ، ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله
من المدينة . بذل المجهود ٣ / ٣٣٨ . وقال : وأما كونها ملعونة فلعله لأجل أنه خسف بها أهلها وقد
ذكره البخارى ترجمة لباب الصلاة فى مواضع الخسف والعذاب وقال : ويذكر أن عليًا - رضى الله عنه -
كره الصلاة بخسف بابل .
قلت : وهو قول الخطابى : فى إسناده مقال، يعنى : سعيد بن عبد الرحمن ، قال ابن يونس : روايتُه
عن على مرسلة ، وما أظنه سمع منه ، وقال العجلى : مصرى تابعى ثقة ، وذكره ابن حبان فى الثقات .
قال الحافظ فى الفتح : ذكر أهل التفسير والأخبار أن النمرود بن كنعان بنى ببابل بنياناً عظيما ، يقال :
إن ارتفاعه كان خمسة آلاف ذراع، فخسف الله بهم ١ / ٦٣١، وانظر: عمدة القارئ ٤ / ١٩٨.
- --.

٦٧٢
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
٣١١ - (٦٨١) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغيرَة -
حَدَثْنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحِ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ ؛ قَال: خَطَنَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ فَقَالَ: (( إِنَّكُمْ
تَسِيرُونَ عَشِّكُمْ وَلَيَتَكُمْ، وَأْتُونَ الْمَاءَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، غَدًا))، فَانْطَلَقَ النَّاسِ لا يَلْوِى أَحَدٌ
عَلَى أَحَدِ . قَالَ أَبُو قَنَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ يَسيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبهِ . قَالَ :
فَتَعَسَ رَسُولُ اللهِ عَهُ. فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتْه ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ
عَلَى رَاحِلَتِهِ . قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ الَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحَلَتْهِ. قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غِيْرِ أَنْ
أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرَ مَالَ مَيْلَةً ،
هِىَ أَشَدُّ مِنَ الَيْلَيْنِ الأُولَيْنِ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ، فَأَتَتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: (( مَنْ
هَذَا ؟ )) قُلْتُ: أَبُوَ قَتَادَةَ. قَالَ: ((مَتَّى كَانَ هَذَا مَسيرَكَ مِنِّى؟ )) قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا
مَسيرى مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَال: (( حَفْظَكَ اللهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ)) ثُمَّ قَال: (( هَلْ تَرَنَا نَخْفَى عَلَى
النَّاسِ؟ )) ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدِ ؟ )) قُلْتُ: هَذَا رَاكبٌ. ثُمَّ قُلْتُ: هَذَاَ رَاكِبٌ
وقوله فى وادى ثمود: ((ملعون)) (١)، وقال آخرون: إنما يلزم هذا فى ذلك الوادى
بعينه إن علم ونزلت فيه تلك النازلة ، فيجب الخروج منه ، كما فعل - عليه السلام -
وقال الجمهور وهو الصواب : إن هذا غير مراعى ، وعلى من استيقظ عن صلاة ويذكرها
أن يصليها بموضعه، بطن وادٍ كان أو غيره؛ لقوله - عليه السلام -: ((فأينما أدركتنى
الصلاة صليت)) (٢). ثم اختلفوا لو علم ذلك الوادى وتعيَّن؟ فقال بعضهم: لا يصلى فيه ،
لقوله - عليه السلام -: ((إن هذا وادٍ به شيطان )) وإليه ذهب الداودى من شيوخنا ،
وغيره يرى جوازها فيه ؛ لأنا لا ندرى أبقى فيه ذلك الشيطان أم لا ؟ وأيضاً فإنه - عليه
السلام - قال فى الرواية الأخرى: ((حضرنا به شيطان)) وليس يدل هذا أنه فيه لازم ،
وأيضاً لا نقطع أن الاقتياد لأجل الشيطان ، لاحتمال المعانى الأخر التى ذكرناها ، وأن
قوله هذا ذمٌّ للموضع والحال لا علة لترك الصلاة فيه ..
وفى حديث أبى قتادة من الفقه زائداً : سنة تخفيف الوضوء لقوله : (( فتوضأ وضوءاً
دون وضوئه))، وهذا معناه [ عندى، ووجدت فى كتب بعض شيوخى أن معناه ] (٣):
وضوءاً دون استنجاء ، وأنه اكتفى بالاستجمار ، وهو محتمل ، والأول عندى أظهر .
(١) انظر: البخارى ، ك الصلاة، ب الصلاة فى مواضع الخسف والعذاب.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ ، وهو معنى ما تقدّم .
(٣) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم .

٦٧٣
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكَنَّا سَبْعَةَ رَكْب. قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللهِعَّهِ عَنِ الطَّرِيقِ ، فَوَضَعَ
رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ: ((احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا)). فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِعَّهُ وَالشَّمْسُ
فِى ظَهْرِهِ . قَالَ : فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: ((ارْكَبُوا )) فَرَكَبْنَا، فَسِرْنَا ، حَتَّى إِذَاَ ارْتَفَعَت
الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيْضَأَةٍ كَانَتْ مَعِى فِيهَا شَىْءٌ مِنْ مَاءِ . قَالَ: فَتَوَضَّأْ مِنْهَا وُضُوءًاً
دُونَ وُضُوء . قَالَ: وَبَقَى فِيهَا شَىْءٌ مِنْ مَاءِ، ثُمَّ قَالَ لَأَبِى قَتَادَةَ: (( احْفَظَ عَلَيْنَ مِيْضَأَتَكَ .
فَسَيَكُونُ لَهَّا نَبَأٍ)) ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلاَةِ، فَصَلَّى رَسُولَ اللهِ عَّهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الغَدَةَ
فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: وَرَكَبَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ وَرَكَبْنَا مَعَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ
بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْض: مَا كُفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِى صَلاتِنَا؟ ثُمَّ قَال: (( أَمَا لَكُمْ
فِىَّ أُسْوَةٌ؟ )) ثُمَّ قَال: (( أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِى النَّوْمَ تَغْرِيَطْ، إِنَّمَا النَّغْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ
الصَّلاةَ حَتَّى يَجِىءَ وَقْتُ الصَّلاة الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلَكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبَهُ لَهَا، فَإِذَا
وفيه من الفقه : النوم على الدابة ، وفيه أن ساقى القوم آخرهم شرباً ، كما قال -
عليه السلام - فى هذا الحديث .
وقوله: (( إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجىء وقت الصلاة الأخرى ،
فمن فعل ذلك فليصلّها حين ينتبه لها ، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها)) : [ قال
الخطابى : لا أعلم أحداً قال بهذا وجوباً ، ويشبه أن يكون الأمر به استحباباً لُيُحْرِزَ فضيلةَ
الوقت ] (١) فى القضاء ثانياً .
قال الإمام : يحتمل أن يكون - عليه السلام - لم يرد إعادة تلك الصلاة المنسية حتى
يصليها مرتين ، وإنما أراد أن هذه الصلاة وإن انتقل وقتها بالنسيان إلى وقت الذكر، فإنها
باقية على وقتها فيما بعد مع الذكر ، لئلا يظن ظان أن وقتها تغيّر .
قال القاضى: قد جاء فى كتاب أبى داود وغيره: (( من أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ
فليقض معها مثلها )) (٢) . وهذا يدفع الاحتمال المتقدم ، ويعضد توجيه الخطابى ، ولكن
يعارض هذا كله الحديث الآخر أنه لما صلاها بهم قالوا: ألا نقضها لوقتها من الغد ؟ قال :
(( أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم)) (٣) ، وقد يحتج على داود بظاهر الحديث على قضاء
الصلاة لمن تركها عامداً ومفرِّطاً ، وهو أظهر فيه، لمساقه بإثر كلامه فى المُفَرِّط.
(١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم.
(٢) أبو داود، ك الصلاة، ب من نام عن صلاة أو نسيها، وهو جزء حديث عن أبى قتادة، بلفظ: ((فمن
نام ٩٠٠٠ ١ / ١٠٤ .
(٣) جزء من حديث لأحمد فى المسند بلفظ: ألا نعيدها فى وقتها من الغد؟ قال: (( أينهاكم ربكم تبارك
وتعالى عن الربا ويقبله منكم)) ٤ / ٤٤١ عن عمران بن حصين .

٦٧٤
كتاب المساجد / باب قضاء الصَّلاة الفائتة ... إلخ
كَانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتُهَا)) ثُمَّ قَالَ: (( مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟)) . قَالَ: ثُمَّ قَالَ :
(أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوَا نَبيَّهُمْ)). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: رَسُولُ اللهِ عَّهُ بَعْدُكُمْ، لَمْ يَكُنْ
لِيُخلِّفَكُمْ. وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ عَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، فَإِنَ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ
يَرْشُدُوا)) .
وقوله : (( فمن فعل ذلك )) ولا يقال مثل هذا فيمن نام عن صلاته بغير تفريط ،
ويكون على هذا معنى قوله: (( فليصلها حين يتنبه لها )) أى ينتبه لما عليه فى ذلك .
قال الإمام: وقوله (١): ((احفظ علينا ميضأتك (٢)، فسيكون لها نبأ))، ثم ذكر
بعد ذلك أنهم عطشوا وذكر سقيهم منها حتى رووا كلهم . فيه للنبى - عليه السلام -
معجزتان ؛ قولية وفعلية ، فالقولية إخباره بالغيب ، وأنه سيكون لها نبأ ، والفعلية تكثير
الماء القليل .
قال القاضى : فى حديث أبى قتادة ثلاث معجزات غيبية أخرى غير هذه :
أولها : قوله فى أول الحديث: (( إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء
الله غداً)) وذكر آخر الحديث: أنه كان ذلك، ويدل أنه لم يكن عند أحدٍ من ذلك علم.
وقوله: ((فانطلق الناسُ لا يلوى أحد على أحد »: أى لا يعطف عليه، ولا ينتظره ،
ولو كان عندهم أو عند أحد منهم علم لبادروا إليه قبل إعلام النبى عَّ لهم بذلك .
والثانية: قوله: (( ما ترى الناس صنعوا)) (٣)، ثم قال: ((أصبح الناس فقدوا
نبيَّهم))، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله عَّه يعدكم لم يكن ليُخَلِّفكم ، وقال الناس:
((رسول بين أيديكم)) (٤) فأخبر عما قاله الناس فى مغيبه عنهم ، كذا صحيح الرواية :
((لِيُخَلِّفَكُمْ)) وعند بعض الرواة فيه تغيير لا معنى له .
والثالثة: قوله: إذا قالوا هلكنا: ((لا هلك عليكم)).
وقوله : (( كلكم سيروى)) [ فكان كذلك ] (٥) .
وقوله : (( حتى ابهارَّ الليل )) تقدم شرحه .
(١) فى الأصل : بقوله ، والمثبت من ت .
(٢) فى ت : ميضتنا .
(٣) الذى فى المطبوعة : ما ترون الناس صنعوا.
(٤) الذى فى المطبوعة: إن رسول الله عَّه بين أيديكم.
(٥) سقط من س .
وقد تعقبه الأبى: معجزته عَّيه فى الإخبار عن المغيبات أوضح من أن تؤخذ من قوله: ((إنكم تسيرون
ليلتكم))؛ لأن هذا قد يكون باعتبار المألوف من خبرة الأرض ٢ / ٣٤٠.

٦٧٥
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
قَالَ : فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حَيَنَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِىَ كُلُّ شَىْءٍ ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ
الله، هَلَكِنَا، عَطَشْنَا. فَقَالَ: ((لَا هُلُكَ عَلَيْكُمْ)) ثُمَّ قَالَ: ((أَطْلقُوا لِى غُمَرَى)) قَالَ: وَدَعَا
بالميضأَة، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ لَّه يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِى
الميضَة تَكَابُّوا عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهِ:((أَحْسِنُوا الَ، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى)) قَالَ: فَفَعَلُوا .
فَجَعَلَّ رَسُولُ اللهِ لَّهُ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِىَ غَيْرِى وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ عَّهُ قَالَ: ثُمَّ
صَبَ رَسُولَ اللهِ عَُّ فَقَالَ لى: ((اشْرَبْ)) فَقُلْتُ: لاَ أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ الله.
قَالَ : ((إِنَّ سَاقِىَ القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا)). قَالَ: فَشَرِيْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِعَّهِ. قَالَ:
فَأَتَى النَّاسُ المَاءَ جَامِّيْنَ رَوَاء .
وقوله: (([ سار ] (١) حتى تهوّر الليل))، قال الإمام: قال الهروى: معناه : حتى
ذهب أكثره وانهدم كما يتهوَّرُ البناءُ ، يقال : تهوَّر الليل وتوهَّر .
وقوله : (( حتى كاد ينجفلُ)) : أى ينقلبُ .
وقوله - عليه السلام - ((أطلقوا (٢) لى غُمَرِى)) : قال أبو عبيد : يقال للقعب
الصغير: غُمَر، وتغمَّرتْ، أى شربت قليلا قليلا، قال [ أعشى ] (٣) باهلة [ يرثى أخاه
المنتشر بن وهب الباهلى ] (٤) :
يكفيه حُزَّةٌ فلذٍ إن ألمَّ بها
من الشِّواءِ ويُرْوِى شُرْبَهَ الغُمَرُ
وقوله - عليه السلام -: ((أحسنوا الملأ)) أى الخلق، قال الفراء: [ يقال ] (٥):
أحسنوا ملأكم ، أى عونكم من قولك : ملأت فلاناً ، أى أعنته .
قال القاضى: وفى حديث / أبى قتادة من الغريب غير ما ذكر قوله: (( فدعمته حتى ١٢٠ / ب
اعتدل)) أى أقمت ميله من النوم، وصرت تحته كالدِّعَامة لما فوقها ، وتقدم تفسير الميضأة .
وقوله: ((فجعل بعضنا يهمس [ إلى بعض ] (٦))): هو الكلام الخفى .
وقوله: ((فأتى الناسُ الماء جَامِّينَ رواءً)) معناه: نشاطا، والجمام: ذهاب الإعياء، والإجمام: ترفيه
النفس لمدة حتى يذهب عنها التعب وتنشط، وكذلك فى الدابة . ورواء ضد عطاش .
(٢) فى ع : انطلقوا .
(٤) من ق ، ع .
(١) من ع والمطبوعة.
(٣) فى ت : الشاعر .
والحُزّة : القطعة من الكبد خاصة .
والمنتشر بن وهب بن عَجْلان بن سلامة بن كراثة ، الفاتك المشهور ، قتلته بنو حارث بن كعب .
راجع: جمهرة أنساب العرب ٢٤٦ .
(٦) سقط من ق ، س .
(٥) من ع .

٦٧٦
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ رَبَاحِ: إِنَّى لِأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِى مَسْجِدِ الْجَامِعِ ، إِذْ قَالَ
عَمْرَانُ بْنُ حُصَيْن: انْظُرْ أَيُّهَا الفَتَّى كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّى أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. قَالَ:
قُلْتُ : فَأَنْتَ أَعْلَمَّ بِالحَدِيثِ. فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَلْتُ: مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: حَدِّثْ فَأَنْتُمْ
أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ. قَالَ: فَحَدَّقْتُ القَوْمَ. فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدَّ شَهِدْتُ نَلَكَ اللَّيْلَةَ وَمَا شَعَرْتُ
أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظُ.
٣١٢ - (٦٨٢) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ سَعيد بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ
عَبْدِ الَجِيدِ، حَدَّثَنَا سَلَمُ بْنُ زَرِيرِ العُطَارِدِىُّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءَ العُطَارِدِىَّ، عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ نَبِىِّ الله ◌َُّ فى مَسيرٍ لَهُ، فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتْنَا، حَتَّى إِذَا كَانَ
فِى وَجْهِ الصُّبْحِ عُرَّسْنَا، فَغَلَّنَا أَعْتُنَا حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمَّسُ. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ
مَّا أَبُو بَكْر ، وَكُنَّا لا نُوقِظ نَبِىَّ اللهِ تَّهُ مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ،
فَقَامَ عِنْدَ نَبِّ اللهِ عَهُ، فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهَُِّ.
وقوله: ((لا ضير)) : أى لا يضركم ذلك عند الله، ولا يؤاخذكم به الضُرّ،
والضَر ، والضِّرار ، والضرر والضير ، بمعنى .
وقوله فى حديث عمران بن حصين: (( [ فسار ] (١) حتى إذا ابيضت الشمس نزل
فصلى))، [ وفى الحديث الآخر: ((فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل ثم صلى ] (٢)):
مما يحتج به الحنفى أن رحيله إنما كان لكون الشمس طالعة ، وأنه ليس بوقت صلاة
الفوائت ، ويدل أنه قد تبين تأثير العلة بزوال الحكم بارتفاعها بابيضاض الشمس ، ولا
حجة له لما قدمناه من العلل الأخر ، أو لأن الغاية (٣) بالابيضاض والارتفاع إنما كان لتمام
رحيلهم من الوادى وفراغهم من أخذ أهبتهم للصلاة ، وطهورهم لها ، كما جاء عند
البخارى فى هذا الحديث: (( فقضوا حوائجهم وتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت ،
فقام ثم صلى )) (٤) .
وقد جاء من رواية عطاء أن النبى عَّه (( ركع ركعتين فى معرسهم ثم سار ، ثم صلى
(١) ساقطة من س ، ولفظها فى المطبوعة : فسار بنا.
(٢) سقط من ت ، والحديث حديث أبى قتادة ، ولفظه فى المطبوعة : نزل ثم دعا بميضأة .
(٣) فى ت : العلة ، والمثبت من الأصل ، وهو الصواب.
(٤) ك التوحيد، ب فى المشيئة والإرادة ( ٧٤٧١).

٦٧٧
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
فَلَمَّا رَفَعَ رَأَسَهُ وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ قَالَ: ((ارْتَحِلُوا)) فَسَارَ بِنَا. حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ
الصبح)) (١) ففيه دليل واضح (٢) أنَّ حركته عن الموضع لم تكن لامتناع الصلاة لطلوع
الشمس ، لصلاته هو الركعتين ، وقد تقدم قول من قال من العلماء : إنَّ نومه - عليه
السلام - إنما كان مرة، وطلبة تلفيق الأحاديث [ وتحميل من حملها ] (٣) مرتين ، ولا
مرية عندى أنها فى مواطن بدليل الآثار المعتبرة التى ذكر مسلم وغيره ، فأما حديث أبى
قتادة فغير حديث أبى هريرة فى قصة بلال ؛ لأنه ذكر فى خبر أبى هريرة أن رسول الله
عَّة [أخبر أبا بكر ] (٤) كان أولهم استيقاظاً، وفى حديث الموطأ: أن النبى معَّ أخبر
أبا بكر بحال بلال فى نومه وسؤال أبى بكر بلالاً عن (٥) ذلك (٦) ، وفى خبر أبى قتادة
أن القصة لم يحضرها أبو بكر ولا عمر ، ولا عامة الجيش، وإنما اقتُطع النبى معَّ فى
سبعة من الناس مع أبى قتادة كما قال : وإنهم هم الذين نزلت بهم النازلة دون أهل الجيش
وأن النبى معَّه أخبرهم حينئذ عن مقال أبى بكر وعمر فى مغيب النبى معَّهُ عنهم ، وأنهم
اجتمعوا بهم من الغد ، فهو حديث آخر لا شك فيه وافقه حديث عمران بن حصين من
رواية عبد الله بن رباح (٧) عنه .
وأما حديث عمران بن حصين من رواية أبى رجاء العطاردى فهو غير حديثه من رواية
عبد الله بن رباح الأول، فإن فى هذا حضور أبى بكر بنحو ما فى حديث أبى هريرة، وإن
أول مستيقظ أبو بكر ثم عمر، وإنه رفع صوته بالتكبير (٨) حتى استيقظ النبى مع#،
وليس فيه خبر الميضأة ، وفيه قصة المزادتين ، فهو أوفق لحديث أبى هريرة ، فيحتمل أن
عمران روى الحديثين والقصتين ، وروى كل واحد منهما عنه قصةً دون الأخرى ، أو تكون
هذه القصة غير قصة أبى قتادة، وغير قصة أبى هريرة وبلال؛ لقوله: (( ونحن أربعون»،
وظاهر الخبر أنهم كانوا جملة من حضر القصة ، على أنه لا يعلم مخرجاً للنبى معَّه خرج
فيه فى هذا العدد، فلعل قوله فى الحديث: فشربنا (٩) ونحن أربعون رجلاً عطاشا (١٠) يعنى
الركب الذين عجَّلهم النبى معَّه بين يديه لطلب الماء الذين وجدوا المرأة ، وأنهم استسقوا
النبى عَّه قبل الناس فشربوا ، ثم شرب الناس بعدهم .
(١) لم نقف عليه .
(٣) فى ت : وتجهيل من جعلها .
(٢) هذا إن ثبت أو عرف .
(٤) سقط من ت ، ق ، س .
(٥) فى ت : فى .
(٦) الموطأ: من حديث زيد بن أسلم ، ك وقوت الصلاة، ب النوم عن الصلاة ١ / ١٤ .
(٧) فى قوله : إنى لأحدِّث هذا الحديث فى مسجد الجامع .
(٨) يعنى عمر - رضى الله عنهم أجمعين.
(٩) فى ت : فسرنا .
(١٠) فى المطبوعة : عطاش بالرفع .

٦٧٨
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
الشَّمْسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا . فَلَمَّ انْصَرَفَ قَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلَىَ مَعَنَا؟ )) قَالَ: يَا نَبِىَ اللهِ، أصَابَتَنِى
جَنَابَةٌ ، فَأَمَرُّهُ رَسُولَ اللهِ تَّهِ فَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ ، فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِى ، فِى رَكْبِ بَيْنَ يَدَّهِ،
نَطلُبُ المَاءَ ، وَقَدْ عَطَشْنَا عَطَئًا شَدِيدًا. فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةُ سَادِلَةِ رِجْلَيْهَا
بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ. فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الَمَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهُ، أَيْهَاهُ، لا مَاءَ لَكُمْ. قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ
أَهْلِك وَبَيْنَ المَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قُلْنَا: انْطَلِقِى إِلَى رَسُولِ اللهِعَّهِ. قَالَتْ:
وقوله فى حديث عمران: ((أدلجنا ليلتنا)) (١): هو سير الليل كله بسكون الدال ،
والإدِّلاج بكسِره وتشديده : سير آخره . وقد تقدم الخلاف فيه وتسوية من سوى بينهما ،
وتفرقة من فرَّق .
وقوله: ((حين بزغت الشمس)) (٢) : أى حين طلعت ، وبزوغها ابتداء طلوعها
ومثله بزغت أيضاً .
وقوله: ((وكنا لا نوقظ رسول الله عَّه من نومه (٣))) وذلك لأنه كان يوحى إليه فيه .
وفى حديثه تيمم الجنب بالصعيد عند عدم الماء ، وقد تقدم الكلام عليه ، وقد جاء فى
حديث أبى هريرة وأبى قتادة أن النبى ◌ََّّة توضأ، وفى غيره: ((وأنهم توضؤوا)) (٤) فإن
كان هذا فى ذلك الموطن فلعله لم يبق لهم من الماء ما يغسلوا هذا به ، ألا ترى كيف أمر
برفع ما بقى من الميضأة ، ووصفه بالقلة ؟ وإن كان حديث عمران بن حصين هذا غير
حديث أبى قتادة ، أو لم يكن عندهم من الماء فى هذا الموطن إلا ما توضأ به النبى معَّ ،
وتيمم غيره ، أو لم يكن عندهم ماء جملة إذ لم يذكر فى حديث عمران هذا من رواية
العطاردى وضوءاً جملة .
وقوله: (( فإذا نحن (٥) بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين )) كذا عندهم ، أى مرسلة
مدلية رجليها بينهما ، وللعذرى: ((سابلةَ)) والأول الصواب ؛ لأنه لا يقال : سدلت إنما
يقال : أسبلت (٦) ، والمزادتان القربتان، وقيل : المزادة القربة الكبيرة التى تُحملُ على
الدابة ، سميت بذلك لأنه يزاد فيها جلد من غيرها لتكبر به ، مفعلة من ذلك .
(١) لفظها فى المطبوعة : فأدلجنا .
(٢) فى المطبوعة: ((حتى بزغت الشمس)) وهو الأليق بالسياق.
(٣) فى المطبوعة : من منامه.
(٤) رواية أبى داود والنسائى، أبو داود، ك الصلاة، ب من نام عن صلاة أو نسيها ١ / ١٠١، عن أبى
قتادة، والنسائى ، ك الإمامة والجماعة ، ب الجماعة للفائت من الصلاة ١ / ٢٩٦، عن أبى قتادة عن أبيه ،
وفى أحمد عن جبير بن مطعم ثم بلفظ: (( ثم توضؤوا)) ٤ / ٨١ .
(٥) الذى فى المطبوعة: ((إذا نحن ... )).
(٦) فاسم الفاعل منها مسبلة .

٦٧٩
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
وَمَا رَسُولُ اللهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا، فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللهَِّهِ،
فَسَأَهَا فَأَخْبَرَتَهُ مِثْلَ الَّذِى أَخْبَرَتْنَا ، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَ مُوتَمَةٌ، لَهَا صِيْيَانٌ أَيْنَامٌ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتَهَا ،
فَأُنْيخَتْ، فَمَجَّ فِى العَزْلَاوَيْنِ العُلْيَاوَيْنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيتِهَا، فَشَرِبْنَا ، وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً
عطَاشٌ ، حَتَّى رَوِيْنَا، وَمَلَأَنَا كُلَّ قِرْبَةَ مَعَنَا وَإِدَاوَةَ ، وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا. غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرَاً،
وَهِىَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنْ المَاءِ - يَعْنَى المَزَادَتَيْنِ - ثُمَّ قَالَ:(هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ) فَجَمَعْنَا لَهَا
وقولها لما سألوها عن الماء : ((أيْهَاه (١) أيْهَاه)) كذا رويناه (٢) هنا بالهمز وبالهاء آخره
وبالتاء آخره أيضاً ، وفى غير هذا الكتاب بالهاء فى أوله ، قال الله تعالى: ﴿ هَيْهَاتَ
هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُون﴾ (٣) ، يقال: هيهات ، بالكسر والضم والفتح والسكون ، وأيهات
وأيهات ، ومن وقف وقف عليها بالهاء ، ومن الناس من يكسر تاءها فى الوصل (٤) ،
ويقف عليها بالتاء من فتحها فى الوصل ، ومعناه : البعد للمطلوب واليأس منه ، كما
قالت بإثر هذا الكلام : (( لا ماء لكم)) أى حاضر قريب .
وقوله: (( وأخبرته أنها مؤتمة)) بكسر التاء ، أى ذات أيتام ، فسَّرَه فى الحديث .
وقوله: ((فأمر براويتها فأنيخت)) أى الجمل الذى كانت عليه، وعند السمرقندى:
((رَاوِيَتْهَا)) فها هنا هى المزادتان اللتان للماء، والراوية: القربة الكبيرة التى تروى. قال
أبو عبيد : وهى المزادة ، وقال يعقوب : لايقال : راوية إلا للجمل الذى يستقى عليه ،
وإنما يقال : مزادة .
وقوله: ((أنيخت)) معناها على هذه الرواية - إن صحت - : أى الراحلة بهما ،
وسميا بذلك ؛ لأن الذى يكون عما تحمله هذه عليها وهذه فيها .
وقوله: ((فمجَّ فى العزلاوين)) [ أى طرح / من فيه ماءً فيهما .
١٢١ / أ
قال الإمام: قوله: ((فى العزلاوين العلياوين))] (٥) قال ابن ولاَّد: العزلاء بالمدِّ
[ عزلا] (٦) المزادة، وهو موضع يخرج الماء منه، وقال الهروى: هو فمها الأسفل،
والذى فى كتاب مسلم ما ذكره ابن ولاد .
قال القاضى: وقوله: (( فشربنا ونحن أربعون وغسَّنا صاحبنا )) بالتشديد ، أى
أعطيناه غَسْلا .
وقوله : ((وملأنا كل قربة وإداوة وهى تكاد تَنْضَجُ بالماء))، [وعند ابن ماهان: ((من
(١) فى ت : أيهاء.
(٣) المؤمنون : ٣٦.
(٢) بعدها فى ت : روايتنا .
(٤) فى الأصل : الأصل ، والمثبت من ت ، س .
(٥) سقط من ع .
(٦) ساقطة من ع .

٦٨٠
كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة ... إلخ
مِنْ كِسَرِ وَتَمْرِ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةٌ ، فَقَالَ لَهَا: «اذْهَبِى فَأَطْعِمِى هَذَا عِيَالَكِ، وَاعْلَمِى أَنَّا لَمْ
نَزْرَاً مِنَّ مَائِك)) ، فَلَمَّا أَنَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُّ أَسْحَرَ البَشَرِ، أَوْ إِنَّهُ لَنَبِىٌّ كَمَا
زَعَمَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ ، فَهَدَى اللهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بَتْكَ الَرْأَةِ، فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَّمُوا .
( ... ) حدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الخَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، حَدَّثَنَا عَوْفُ
ابْنُ أَبِى جَمِيلَةَ الأَعْرَبِىُّ عَنْ أَبِى رَجَاء العُطَارِدِىِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛ قَالَ : كُنََّ مَعَ
رَسُولَ الله ◌َّهُ فِى سَفَرٍ، فَسَرَّيْنَا لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آَخِرِ اللَّيْلِ، قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وَقَعْنَا
تَلْكَ الوَقْعَةَ الَّتِى لَا وَقْعَةَ عنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمْسِ. وَسَاقَ
الحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سَلْمٍ بَنِ زَرِيرٍ، وَزَادَ وَنَقَصَ. وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: فَلَمَّ اسْتَقَظَ عُمَرُ
ابْنُ الْخَطَّابِ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسََ وَكَانَ أَجْوَفَ جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ ،
حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ، لشدَّةٌ صَوْتُه، بالتَّكْبِيرِ، فَلَمََّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ شَكَوْا
إِلَيْهِ الَّذِى أَصَابَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((لا ضَيْرَ ، ارْتَحِلُوا)) وَاَقْتَصَّ الحَديثَ .
الملاء))، وهما راجعان إلى معنى واحد ؛ لأن امتلاءها من الماء] (١) ، كذا لعامة شيوخنا
بالنون ، وعند ابن أبى جعفر : تضرُج ، وكلاهما صحيح ، ومعناه : تنشق من الماء
والامتلاء منه ، ووقع بين رواة البخارى فيه اختلاف (٢) ، وكله خطأ ، وكذلك من رواه فى
مسلم بالحاء خطأ .
قال الإمام: قوله: ((فهدى الله ذلك الصرم (٣))). قال يعقوب: الصِّرم ، هو
بكسر الصاد ، أبيات مجتمعة .
قال القاضى : فى هذا الحديث معجزة عظيمة فى تكثير القليل من الماء من نحو معجزة
الميضأة .
وقوله عن عمر: ((وكان أجوف جليدا)) أى بعيد الصوت، [ كان] (٤) إذا صاح
-
(١) سقط من ت .
(٢) ففى ك المناقب، ب علامات النبوة فى الإسلام من حديث عمران: ((تنصّ))، وذكرها ابن التين:
((تبض))، وقال الحافظ فى الفتح: ورأيت فى رواية أبى ذر عن الكشميهنى: (( تنصب)) ومن عجب أن
يقول: وحكى عياض عن بعض الرواة بالصاد المهملة ((تبص)) من البصيص وهو اللمعان ، ثم قال :
ومعناه مستبعد هنا ٦ / ٦٧٦ .
(٣) الذى فى المطبوعة : ذاك القدم .
(٤) من ت .