Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب المساجد / باب نهى من أكل ثومًا ... إلخ
عَرُوبَةَ . ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَا عَنْ شَبَابَةَ بْنِ
سَوَّارِ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَميعًا عَنْ قَتَادَةَ ، فِى هَذَاَ الإِسْنَادِ ، مثْلُهُ .
قال الخطابي : وقد عد قوم أن أكل الثوم من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة لهذه
الأحاديث ، ولاحجة فى هذا ؛ لأن الحديث إنما ورد مورد التوبيخ والعقوبة لأكلها لما حَرَمَتْه
من فضل الجماعة، قال: وسماها النبى معَّ ((شجرة)) والعامة إنما تسمى الشجرة ما له
ساق تحمل أغصانه دون غيره ، وعند العرب أن كل ما بقيت له أرومة فى الأرض تخلف ما
قطع منه فهو شجرةٌ وما ليس كذلك فهو نجم ، والذى حكاه عن العامة هو قول الهروى
وهو المروى عن ابن عباس وابن جبير وقوله: ((على زراعة بصل)) معناه : الأرض التى
تزرع. وقوله: فى ذكر الكلالة ومراجعة النبى عَّ [فيها ](١) وإغلاظ النبى معَّ له
وطعنه بإصبعه فى صدره ، فيه حجة للإلحاح فى سؤال العالم ومباحثته وجواز تأديب المعلم
للمتعلم إذا رآه أسرف فى ذلك ، وسيأتى ذكر الكلالة فى موضعه من الكتاب .
وقوله فيمن بلغه أنه طعن فى الخلافة: (( أولئك الكفرة الضلال)» على طريق التغليظ
بوصفهم بالكفر ؛ لفعلهم فعل من كفر فارتد بعد النبى عليه من الطعن على الخلافة والإباءة
منها ، وضلالهم عن طريق الحق ، وفيه من ذكر الاستخلاف .
وقوله : ((إن الله لا يضيع دينه ولا خلافته)) (٢): حجة لما وقع عليه إجماع المسلمين
من إقامة خليفة لهم ، وسيأتى الكلام على هذا فى كتاب الإمارة إن شاء الله (٣).
(١) من ت .
(٢) فى المطبوعة: إن الله لم يكن ليُضيِّع دينه ولا خلافته.
(٣) وقوله: ((ألا تكفيك آية الصيف)) يعنى الآية التى نزلت فى الصيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾
[ النساء : ١٧٦ ] .

٥٠٢
كتاب المساجد / باب النهى عن نشد الضالة ... إلخ
(١٨) باب النهى عن نشد الضالة فى المسجد
وما يقوله من سمع الناشد
٧٩ - (٥٦٨) حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب ، عَنْ حَيْوَةَ ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللهِ مَوْلِى شَدَّادِ بْنِ الهَادِ؛ أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالةً فِى الَسْجِد ، فَلَقُلْ: لا رَدَّهَا اللهُ
عَلَيْكَ، فَإِنَّالَسَّاجِدَ لِمْ تُبْنَ لِهَذَا)) .
( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
الأَسْوَدِ يَقُولُ: حَدَّثَنِى أَبُو عَبْدِ اللهِ مَوَلَى شَدَّادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ
الله ◌َّةٍ يَقُولُ : بمثله .
٠٠
٨٠ - (٥٦٩) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَنَا الثَّوْرِىُّ، عَنْ
عَلَقَمَةَ بْنِ مَرْتَدٍ، عَنْ سُلِيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ : مَنْ
وقوله : فى ناشد الضالة فى المسجد ، وإنكاره عليه ذلك ، قال الإمام : يؤخذ منه
منع السّؤال من الطواف فى المسجد ، ونشدت الضالة بمعنى طلبتها ، وأنشدتها إذا عرَّفتها ،
قاله يعقوب وغيره ، ومنه قول الشاعر :
إصاخة الناشد للمنشد
والإصاخة بمعنى الاستماع، ومنه قول رسول اللـه عنه: ((ما من دابة إلا وهى
مُصِيحَةً يوم الجمعة)) (١) .
قال القاضى : ذهب مالك فى جماعة من أهل العلم إلى كراهة رفع الصوت فى
المسجد فى العلم وغيره ، وقال : ما للعلم ترفع فيه الأصوات ، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه
ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه فى الخصومة والعلم وغير ذلك مما يحتاج
إليه الناس ؛ لأنه مجتمعهم ولابد لهم منه .
(١) جزء حديث أخرجه مالك فى الموطأ، ك الجمعة، ب ما جاء فى الساعة التى فى يوم الجمعة ١٠٨/١،
وأبو داود ، ك الصلاة ، ب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة (١٠٤٦)، والنسائى ، ك الجمعة ، ب ذكر
الساعة التى يستجاب فيها الدعاء (١٤٣٠)، وأحمد فى المسند ٤٨٦/٢ عن أبى هريرة .

٥٠٣
كتاب المساجد / باب النهى عن نشد الضالة ... إلخ
دَعَا إِلَى الجَمَلِ الأَحْمَرِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: (( لا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لُهُ)).
٨١ - ( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، عَنْ أَبِى سِنَانِ، عَنْ عَلَقَمَةَ
ابْنِ مَرْتَدٍ، عَنْ سُلِيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َ لَّا صَلَى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ
دَعَ إِلى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النِّىَُُّّ: (( لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ)).
( ... ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ عَلَقَمَةَ بْنِ
مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ؛ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ بَعْدَمَا صَلَى النَّبِىُّ عَّهِ صَلاةَ الفَجْرِ،
فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِثِهِمَا .
قَالَ مُسْلِمٌ: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أُبُو نَعَامَةَ. رَوَى عَنْهُ مَسْعَرٌ وَهُشَيْمٌ وَجَرِيرٌ وَغَيْرُهُمْ،
مِنَ الكُوفِّينَ .
وقوله: ((فأدخل رأسه من باب المسجد )): دليل على أن حكم هذا حكم الداخل فى
المسجد ؛ لأن صوته فيه وقوعه، ومن ذلك من حلف ألا يدخل داراً فأدخل رأسه فيها لم يحنث ،
ولو أدخل رجله حنث؛ لأن الاعتماد فى الدخول على الرجل ، ولهذا فرق [ بعض ](١)
أصحابنا أن يكون اعتماده عليها أم لا ؟
قال الإمام: وقوله فى الحديث : ((إنما بنيت المساجد لما بنيت له)): يدل على منع
عمل الصنايع فيه ، كالخياطة وشبهها ، وقد منع بعض أهل العلم تعليم الصبيان فى
المساجد ، فإن كان(٢) منعوا ذلك لأجل أخذ الإجارة على ذلك التعليم ، فيكون ضرباً من
البيع فى المسجد ، وتجرى ذلك أيضاً فى غير الصبيان إذا كان بإجارة ، وإن كان لمضرة
المسجد بالصبيان لم يشركهم فى ذلك إلا من شاركهم فى هذا العلة .
قال القاضى: قال بعض شيوخنا : إنما يمنع فى (٣) المساجد من عمل الصنايع ما يخص
نفعه آحاد الناس مما يَكْتَسِبُ به ، فلا يتخذ المسجدُ متجراً ، فأما إن كانت لما(٤) يشمل
[منفعة](٥) المسلمين فى دينهم / ، مثل المثاقفة وإصلاح آلات الجهاد مما لا مهنة فى عمله ١٠٥ / أ
للمسجد، فلا بأس به . وحكى بعضهم اختلافاً فى تعليم الصبيان فيها .
وقوله: للناشد: ((لا وجدت))، وأمره بقول مثل ذلك ، عقوبة له على مخالفته
وعصيانه وفعله ما نهى عنه من ذلك .
(١) ساقطة من ت .
(٤) فى ت : مما .
(٢) فى ت : كانوا .
(٥) ساقطة من الأصل .
(٣) فى ت : من .

٥٠٤
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
(١٩) باب السهو فى الصلاة والسجود له
٨٢ - (٣٨٩) حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ
قال الإمام : أحاديث السهو كثيرة ، والثابت منها عن رسول الله عَّ خمسة أحاديث؛
حديث أبى هريرة وحديث أبى سعيد الخدرى ، وهما جميعاً فيمن شك كم صلى ؟ وذكر
فى حديث أبى هريرة : أنه سجد سجدتين ، ولم يذكر موضعهما ، وفى حديث أبى سعيد:
أنه سجد قبل السلام ، وقد طعن فى سند حديث أبى سعيد أن مالكاً أرسله ، وأسند غيره
من المحدثين وهذا غير قادح فيه ؛ لأنه قد عُلم من عادة مالك وتحصيله أنه يرسل الأحاديث
المسندة ثقة بأنه قد علم من عادته ، وأن ذلك لا يوقع فى النفوس منه استرابة . ومن الخمسة
أيضاً حديث ابن مسعود ، وفيه القيام إلى خامسة والسجود بعد السلام ، وحديث ذی الیدین،
وفيه السلام من اثنتين والسجود [ بعد السلام ، وحديث ابن بحينة ، وفيه القيام من اثنتين
والسجود ](١) قبل السلام .
وقد اختلف الناس فى طريق الأخذ بهذه الأحاديث، فأما داود فلم يقس عليها ، وقال:
إنما يستعمل ذلك فيما ورد فيه من الصلوات على حسب الترتيب فى مواضع السجود المذكورة،
وقال ابن حنبل كقول داود فى هذه الصلوات خاصة ، وخالفه فى غيرها ، وقال : ما وقع
فيها من سهو ، فإن السجود كله قبل السلام ، واختلف من قاس [ عليها ](٢) من الفقهاء
سواهما عليها(٣) ، فبعضهم قال: إنما تفيد هذه الأحاديث التخيير ، وللمكلف أن يفعل أىَّ
ذلك شاء من السجود ، قبل أو بعد ، فى نقص أو زيادة . وقال أبو حنيفة : الأصل فيه
السجود بعد السلام ، ورد بقية الأحاديث إليه. [ وقال الشافعى : الأصل فيه السجود قبل،
ولا بقية الأحاديث إليه ](٤) ، ورأى مالك أن ما فيه النقص يكون السجود فيه قبل السلام،
وأن ما فيه الزيادة يكون فيه السجود بعد . فإن تلك الزيادة إشارة إلى أن العلة هى الزيادة ،
فأما الشافعى فطريقه فى البناء أن يقول : ذكر فى حديث أبى سعيد الخدرى أنه قال
عَّ: ((فإن كانت خامسة شفعها))، ونص فيه على السجود قبل ، مع تقدير الزيادة
وجوازها ، والمقدر حكمه كالموجود ، ويتأول بحديث ابن مسعود الذى فيه السجود بعد
السلام ، على أنه عَّه إنما أُعلم بسهوه بعد أن سلم ، ولو اتفق أن يعلم ذلك قبل أن يسلم
(١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش بسهم .
(٢) ساقطة من ت .
(٣) فى الأصل فيها ، والمثبت من ت .
(٤) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش بسهم .

٥٠٥
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ
يُصَلَى جَاءَهُ الشَّطَانُ فَلَبَسََ عَلَيْهِ، حَتَّى لا يَدْرِى كَمْ صِّلَى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُّكُمْ،
فَلَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ وَهُوَ جَالِسٌ)) .
( ... ) حَدَّثَنِى عَمْرُو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، قَالا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ - وَهُوَ ابْنُ عَبَيْنَةَ. ح
قَالَ : وَحَدَّثَنَا قُتِيَةُ بْنُ سَعِيَدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُفِّحٍ ، عَنِ الليْثِ بْنِ سَعْدٍ ، كِلاهُمَا عَنِ
الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ .
٨٣ - ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَّبِى، عَنْ يَحْبَى
ابْنِ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلِمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهَُِّ
قَالَ: ((إِذَا نُودِىَ بِالأَذَان أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ ، حَتَّى لا يَسْمَعَ الأَذَانَ ، فَإِذَا قُضِىَ
الأَذَانُ أَقْبَلَ ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ ، فَإِذَا قُضِىَ الَّغْوِيِبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ:
اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا ، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لِمْ
يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَىَّ فَلَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ)) .
لسجد حينئذ.
وأما حديث ذى اليدين فلأصحاب الشافعى فيه تأويلان: أحدهما: أن قول الراوى:
((سجد بعد السلام)) يعنى به السلام الذى فى التشهد، وهو قوله: (( السلام عليك أيها
النبى ورحمة الله وبركاته))، والثانى: أنها كانت صلاة جرى الأمر فيها على السهو ،
فلعله سهى عَّة أن يسجد قبل السلام ، فوقع منه السجود بعد أن سلم .
قال القاضى : أما حديث أبى هريرة: (( إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان فلبَّس
عليه حتى لا يدرى كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس )) ،
ولم يذكر فيها ما يفعل فى شكه سوى هذا ، فذهب بعضهم أن هذا فى المستنكح ، وروى
هذا عن مالك والليث، قالوا: ولأن هذا من النبى معَّه تعليم ، ولو كان فى غير المستنكح
لبين ما يلزمه ؛ إذ هو موضع بيان، وهذا ينعكس عليه إذ لم يبين أنه فى المستنكح، مع أن
هذا لا يسلم له ، وليس هذا حكم المستنكح فى كل نازلة فى الصلاة ، وإذا لم يدر هل
صلى واحدة أو أكثر أنه يسجد ويجزيه ، وإنما يجزيه سجود السهو بمجرده إذا كان أولاً فى
يقينه أنه أكمل صلاته ، ثم طرأ له الشك بعد ، فهذا المستنكح هو الذى يسجد سجود
السهو ، ويجزيه ، ولمالك قول آخر : أنه لا سجود عليه ، وأما من لم يدركهم صلى ولا

٥٠٦ -
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٨٤ _ ( .. ) حَدَّثَنِى حَرْمَلَةَ بْنُ يَحْبَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى عَمْرُو، عَنْ عَبْد
رَبِّهِ بْنِ سَعِيد، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّيْ قَالَ: ((إنَّ
الشَّيْطَانَ إِذَا تُوِّبَ بِالصَّلاة وَلَىَّ وَلَهُ ضُرَاطٌ )). فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ : ((فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ. وَذَكَّرَهُ
مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ )) .
٨٥ - (٥٧٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ؛ قَالَ: صَلَى لِنَا رَسُولُ اللهِعَّهُ رَكْعَتَيْنِ
مِنْ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَّجْلِسَ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَاً
تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَّ سَجْدَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ .
٨٦ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا قُتََّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا
اللّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِىِّ، حَلِيفَ بَنِى عَبْد
المُطَّلب؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَامَ فِى صَلاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَثَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِى كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَّ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا
نَسِىَ مِنَ الْجُلوسِ .
تقدَّم له بيقين فى إكمال صلاته ، فليبن على ما تيقن ، ويكمل صلاته كما يفعل غير
المستنكح، وأيضاً فإن النبى معَّه قال هذا لكل من نابه فى صلاته لأول مرة بقوله: ((فإذا
وجد ذلك أحدكم)) ، فدل أنه بعد غَير مستنكح ، وقد ذهب الحسن فى طائفة من السلف
إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ، وقالوا : ليس على من لم يَدْرِ كَمْ صلى ، ولا يدرى زاد أو
نقص غير سجدتين وهو جالس كما جاء فى الحديث ، وذكر عن الشعبى والأوزاعى
وجماعة كثيرة من السلف : أن من لم يدر كم صلى أعاد أبدًا حتى يتيقن ، وقال بعضهم:
يعيد ثلاثاً ، فإذا شك فى الرابعة لم يعد ، والأولى أن يرد حديث أبى هريرة إلى حديث
أبى سعيد المفسر ما يفعل بقوله: ((إذا شك فليطرح الشك وليّبْنِ على اليقين ، ثم يسجد)»،
ويجعل حديث أبى سعيد مفسراً له ، وأنه حفظ ما لم يحفظ غيره أو فسر ما اختصره
وأجمله سواه ، وإلى هذا ذهب الأكثر .
وفيه حجة أن الشك غير مؤثر فى اليقين ، وأن البناء على اليقين ، ولا تأثير للشك
فيه ، خلاف ما ذهب إليه بعض المتأخرين ، وعلى ما قلناه تأتى أصول الشرع فيمن شك
فى الحديث ، وقد مرَّ هذا ، وما روى من اختلاف الناس والمذهب فيه وعليه إجماع المسلمين
فى التوريث فى اليقين وقطعه بالشك .

٥٠٧
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٨٧ - ( .. ) وَحَدَّثْنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثْنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ الأَزْدِىِّ، ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَهُ قَامَ
فِى الشَّفْعِ الذِى يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِى صَلاتِهِ ، فَمَضَى فِى صَلاته ، فَلمَّا كَانَ فِی آخِرِ
الصَّلاةِ سَجَدَ قَبَّلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ .
٨٨ - (٥٧١) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلف، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ،
حَدَّثَنَا سُلِيْمَانِ بْنُ بلال، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلِمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِى سَعيد الْخُدْرِىِّ؛
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ: ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَى ؟ ثَلاثًا أَمْ
أَرْبَعًا؟ فَلَيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلَيْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ
صَلَى خَمْسًا، شَفَعْنَ لهُ صَلاَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَى إِثْمَامًا لأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ)) .
( ... ) حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عَمِّى عَبْدُ الله، حَدَّثَنَى دَاوُدُ
ابْنُ قَيْسٍ عَنْ زَيِّدِ بْنِ أَسْلِمَ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى مَعْنَاهُ قَالَ: (( يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنٍ قَبْلَ
السَّلامِ)) ، كَمَا قَالَ سُلْمَانُ بْنُ بلال .
وقوله : فى حديث أبى سعيد : (( يسجد سجدتين من قبل أن يسلم )) مما يحتج به
الشافعى فى أن السجود فى الزيادة قبل ، وذلك أن الزيادة فى حديث أبى سعيد مقدرة ،
وحكم المقدر حكم المحقق فى هذا ، وقد أعتل أصحابنا لهذا الحديث فاحتجوا فيه للمذهب
بما أشار إليه الإمام من إرسال مالك له، واختلاف أقرانه فى متابعته فى الإرسال وفى إسناده ،
واختلاف أصحابه عنه فى إرساله وإسناده ، وجعلوا هذا اضطراباً فى هذا الحديث، فوجب
ترجيح غيره عليه لذلك ، ولأنهم أحفظ وأثبت من عطاء ، ولكثرة الرواة هنالك وانفراد
عطاء بهذا اللفظ ، وذهب ابن لبابة الأصغر - من أصحابنا - إلى الأخذ بهذا الحديث فى
موضعه ، وخالف أصل مذهبه هنا ، وقال : إذا كان فى الشك ، وحيث تكون الزيادة
مقدرة فالسجود قبل لهذا الحديث ، فإذا انتفت الزيادة فالسجود بعد. وقال الداودى : اختلف
قول مالك فى الذى لا يدرى ثلاثاً صلى أم أربعاً ، فقال : يسجد قبل السلام ، وقال : بعد
السلام . قال : ويحمل قوله قبل أن يكون شكه فى إحدى الأوليين فيكون معه زيادة ونقص
قراءة السورة ، وقوله بعد إذا كان شكه فى الأخيرتين (١) لأنها زيادة محضة.
قال / القاضى: [وقد ](٢) يتصور فى شكه فى الأوليين نقص الجلسة الوسطى.
(١) فى ت : الأخرتين .
(٢) ساقطة من الأصل واستدركت بالهامش بسهم .
١٠٥ / ب

٥٠٨
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٨٩ - (٥٧٢) وحَدَّثَنِى عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا
عَنْ جَرِيرٍ ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ ؛ قَالَ : قَالَ
عَبِّدُ اللهِ: صَلَى رَسُولُ اللهِ عَهُ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: زَادٌ أَوْ نَقَصَ - فَلَمَّا سَلَمَ قِيلَ لُهُ: يَارَسُولَ
الله، أَحَدَثَ فِى الصَّلاةِ شَىْءٌ؟ قَالَ: (( وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَيْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَثَنَى
رَجْلِيْهِ ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَوْ
حَدَثَ فى الصَّلاةِ شَىْءٌ أَنْبَانُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ
فَذَكِّرُونِى، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَيَسْجُدْ
سَجْدتَیْنِ )) .
٩٠ - ( ... ) حَدَّثَنَاهُ أُبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْر. ح قَالَ: وَحَدَّثْنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ،
حَدَّثْنَا وَكِيعٌ، كِلاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَنْصُورِ ، بِهَذَاَ الإِسْنَاد .
وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ بِشْرِ : ((فَلَيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَبِ)) . وَفِى رِوَايَةٍ وَكِيعٍ: ((فَلَيَتَحَرّ
الصَّوَابَ )) .
وأما قوله: فى حديث ابن مسعود : (( فليتحرَّ الصواب ، فليتم عليه ثم يسجد
سجدتين)): فهذا التحرى عندنا وعند كافة العلماء هو البناء على اليقين المفسر فى الأحاديث
الأخر ، وقصد اليقين، قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾(١)، وذهب أهل الرأى
من أهل الكوفة وغيرهم : أن التحرى هنا البناء على غلبة الظن ثم اختلفوا ، فقال أبو
حنيفة منهم : ذلك لمن اعتراه مَرَّةً بعد مرة ، فأما الأوَّل ما ينوبه فليين على اليقين .
وقوله : فى حديث ابن مسعود: (( إذا زاد أحدكم(٢) أو نقص فليسجد سجدتين)):
مما يحتج به الحنفيّة فى كون السجود أبداً بعد ، وليس فيه بيان ، لكن ظاهره فى الزيادة ؛
لأن النقص إذا شك فيه فلابد من جبره والبناء على اليقين ، فوقع الشك فى الزيادة محضاً،
وحديث ابن بُحَيْنَة يُفَسِّرُ حكم النقص ، وقد يحتج - أيضًا - بحديث ابن مسعود الطبرى ،
ومن قال بقوله فى التخيير ، واستعمال جميع الأحاديث على هذا من السجود كيف شاء فى
الزيادة والنقص قبل أو بعد . وفى المجموعة عن مالك نحوه ولا خلاف بين هذه الطوائف
كلها المختلفة فى سجود السهو وأنه إن سَجَد بعد لما يراه قبل ، أو سجد قبلُ لما يراه بعد ،
أن ذلك يجزيه ولا يفسد صلاته .
(١) الجن : ١٤ .
(٢) الذى فى المطبوعة : إذا زاد الرجل .

٥٠٩
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
( ... ) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا
وُهَيْبُ بْنُ خَالد، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ مَنْصُورٌ : (( فَلَيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ
للصّواب )) .
( .. ) حَدَّثْنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعيد الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
مَنْصُور، بِهَذَا الإِسْنَادِ . وَقَالَ : ((فَلَيْتَحَرَّ الصَّوَابَ)) .
( ... ) حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمنَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُور،
بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((فَلَيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلى الصَّوَابِ)) .
( .. ) وَحَدَّثَنَهُ يَحَْى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ .
وَقَالَ: ((فَلَيَتَحَرَّ الذى يُرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ)) .
( .. ) وَحَدَّثَنَهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ مَنْصُورٍ ،
بِإِسْنَادِ هَؤُلاء. وَقَالَ: ((فَلَيْتَحَرَّ الصَّوَابَ )).
٩١ - ( .. ) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الحَكَمِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْد الله؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َهِ صَلَى الظُّهرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَمَ قِلَ
لهُ: أَزِيدَ فى الصَّلاة؟ قَالَ : (( وَمَا ذَاكَ؟ )) قَالُوا: صَلْيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
وأما فى قيامه - عليه السلام - فى حديث ابن مسعود للخامسة وسجوده بعد السلام إذْ
أُعْلم بذلك ، فقد أخذ به عامة العلماء ، وأن من زاد فى صلاته ركعةً أو بعضها ثم علم
فليرجع مكانه ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتى السهو بعد السلام ، وتقدم الخلاف فى هذا
الموضع . وقال أهل الكوفة : إذا زاد ركعةً ساهياً أعاد صلاته(١) ، وقال أبو حنيفة: إن كان
تشهد فى الرابعة ثم زاد خامسة أضاف إليها سادسة وكانت نفلاً ، وإن لم يكن تشهد
بطلت. وهذا [ الحديث](٢) يبطل مذهبه رأساً؛ لأن النبى معَّه لم يعد ولم [يأت](٣)
بسادسة ، وسجوده - عليه السلام - بعد ، ولا خلاف عندنا فيمن زاد فى صلاته أقل من
نصفها أنه يجبره سجود السهو ، واختلف فى زيادة النصف فأكثر على ثلاثة أقوال ، فقيل :
النصف كثير ، تعاد منه الصلاة من الصبح وغيرها ، وهو قول مُطرِّف وابن القاسم ،
(١) فى ت : الصلاة .
(٣،٢) سقطتا من الأصل، واستدركتا بالهامش بسهم.

كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
-
٥١٠
٩٢ - ( ... ) وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ؛ أَنَّهُ صَلَى بِهِمْ خَمْسًا .
( ... ) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللفْظُ لُهُ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ الله،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيِّدٍ ؛ قَالَ : صَلَى بِنَا عَلَقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا ، فَلَمَّا سَلَمَ قَالَ القَوْمُ: يَا أَبَا
شبْل، قَدْ صَلَيْتَ خَمْسًا. قَالَ: كَلاَ. مَا فَعْلتُ. قَالوا: بَلَى. قَالَ : وَكُنْتُ فِى نَاحِيَةِ
القَوْمُ ، وَأَنَا غُلامٌ. فَقُلتُ: بَلِى، قَدْ صَلَيْتَ خَمْسًا. قَالَ لى: وَأَنْتَ أَيْضًا، يَا أَعْوَرُ،
تَقُولُ ذَاكَ؟ قَالَ : قُلْتُ: نَعَمْ . قَالَ : فَانْفَتَلَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيَّنٍ ثُمَّ سَلَمَ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ
عَبْدُ الله: صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ عَّةٍ خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ: (( مَا
شَأْنُكُمْ؟ )) قَالُوا: يَا رَسُولَ الله هَلْ زِيدَ فِى الصَّلاةِ؟ قَالَ: ((لا)) قَالوا: فَإِنَّكَ قَدْ صَلَيْتَ
خَمْسًا. فَانْفَتَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَمَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌّ مِثْلَكُمْ، أَنْسَى كَمَا
تَنْسَوْنَ)) . وَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِى حَدِيثِهِ: ((فَإِذَا نَسِىَ أَحَدُكُمْ فَلَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ)) .
وقيل : إنما تفسد بزيادة ركعتين وليست ركعة بطول فى الصبح ولا غيرها ، وهو قول عبد
الملك وغيره ، وروى عبد الملك ومطرف عن مالك - فى الجحدريَّةَ - أنَّ من صلى الظهر
ثماني ركعات يجزيه سجود السهو ، حكاه أبو بكر البغَّلى هنا .
وفى رجوع النبى عَّه إلى تذكير من ذكره فى هذا الحديث ، وفى حديث ذى اليدين
حجة لرجوع الإمام إلى قول من خلفه . ولا خلاف عندنا أنه يرجع إليهم فى شكه ويتم ما
نقص من صلاته ؛ لأن قولهم نَبَّههُ على سهوه ، فشك فى ذلك بعد يقينه ، وهو لو تنبه
من عند نفسه للزمه البناء على اليقين فكيف بتنبيههم ؟ واختلف فى عمله إذا ثبت على يقينه
أنه أكمل صلاته وسبَّحوا له أو نبهوه ، هل يرجع إليهم أم لا ؟ فذكر ابن القصَّار عن
مالك فى ذلك قولين ، وذهب ابن مسلمة إلى الرجوع إلى قولهم: إن كثروا ، ولا يرجع إن
قلوا، وينصرف ويتموا هم لأنفسهم. وقوله: ((لو حدث فى الصلاة شىء أنبأتكم [ به](١)))،
إنكار منه لقول: ((أزيد فى الصلاة)) (٢) .
- -
وفيه حجة أن تأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة .
وقوله فى هذا الحديث فى سجدتى السهو: (( كانتا ترغيمًا(٣) للشيطان)): أى إغاظة
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش بسهم. وعبارة المطبوعة: إنَّه لو حدَث فى الصلاة شىء.
(٢) وكذا: (( أحدث فى الصلاة شیء))
(٣) فى ت : ترغيم .

٥١١
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٩٣ - (.) وَحَدَّثَنَاهُ عَوْنُ بْنُ سَلام الكُوفِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر النَّهْشَلَىُّ، عَنْ عَبْد
الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ : صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ خَمْسًا. فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَزِيدَ فى الصَّلاة؟ قَالَ (( وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَيْتَ خَمْسًا. قَالَ: ((إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ مِثْلِكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ)). ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَى السَّهْوِ.
له وإذلال ، مأخوذ من الرغام وهو التراب ، ومنه أرغم الله أنفه ، والمعنى يشكرُ الله تعالى
بها على جبر صلاته ، وتلافى ما لَبَّس عليه الشيطان فيها بكيده ، ووسوسته والمبادرة إليها
لرغم أنفه ورده خاسئاً عن مراده ، وامتثال ما عصى هو اللهَ به من تركها حين أُمِر بها، فأبى
ولقوله - عليه السلام -: ((إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكى))(١) [الحديث] (٢)،
وهذه كلها نهاية الإغاظة والإذلال له ، والحمد لله رب العالمين ، وقد تقدم تفسير ثَوَّب
وَيَخْطُر، ويطل إنْ (٣) يدْرى، والكلام على بقية الحديث .
وقوله : فى حديث ابن بحينة أن النبى ◌ّه سجد لترك الجلسة الوسطى ، حجةٌ لنا أن
الجلسة الوسطى ، ليست بفرض ولا ركن من أركان الصلاة ؛ إذ لا تجبر الأركان بسجود
السهو ، وقد تقدم الكلام فى الجلوس ، وليس فى الحديث نصٌ يدل متى تنبه - عليه السلام -
لسهوه ، أقَبْل الركوع أم بعده ؟ لكن قوله : قام من اثنتين فلم يجلس ، دلَّ بمجىء فاء
التعقيب بعد ذكره القيام أنه لم يرجع إلى الجلوس بعد التنبيه له ، وقد جاء فى حديث
المغيرة بن شعبة أنهم سبحوا به - عليه السلام - ولم ينصرف وتمادى فى الصلاة (٤) ، ومثله
فى حديث سعد بن أبى وقاص(٥) وفيها: ((أنه اعتدل قائماً))، وقد اختلف العلماء فى
(١) سبق فى ك الإيمان، ب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، وأخرجه أحمد فى المسند ٤٤٣/٢،
وابن ماجه فى ك إقامة الصلاة ، ب سجود القرآن (١٠٥٢) جميعا من حديث أبى هريرة.
(٢) ساقطة من ت .
(٣) إن فى الحديث نافية بمعنى ( ما).
(٤) حديث المغيرة بن شعبة أخرجه الترمذى من طريقين : أحدهما صحيح ، ولفظه : عن زياد بن علاقة قال :
صلى بنا المغيرة بن شعبة ، فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس ، فسبح به من خلفَه ، فأشار إليهم أن قومُوا ،
فلما فرغ من صلاته سلم وسجدَ سجدتي السهو وسلم ، وقال: هكذا صنع رسول الله عَّه . ثم قال
الترمذى : هذا حديث حسنٌ صحيح .
ومع هذا فإن الإمام ابن عبد البر رماه بالضعف فقال : وعارضوا حديث ابن بحينة بحديث المغيرة بن
شعبة ، وزعموا أنّه أولى ؛ لأن فيه زيادة التسليم والسجود بعده ، وهذا ليس بشىء ؛ لأن حديث ابن
بحينة ثابتٌ بنقل الأئمة، وحديث المغيرة ضعيف الإسناد ليس مثله بحجة . الاستذكار ٣٥٧/٤ .
(٥) أشار إليه الترمذى فى تخريجه لحديث المغيرة بإسناده الضعيف الذى فيه ابن أبى ليلى عن الشعبى. ثم قال :
وفى الباب عن عقبة بن عامر ، وسعد ، وعبد الله بن بحينة ، وقد تكلم بعض أهل العلم فى ابن أبى
ليلى من قبل حفظه ، فقال أحمد : لا يحتج بحديث ابن أبى ليلى ، وقال محمد بن إسماعيل : ابن أبى
ليلى هو صدوق. ولا أروى عنه ؛ لأنه لا يدرى صحيح حديثه من سقيمه. ١٩٩/٢ .
قلت : وهذا هو الطريق الذى عناه ابن عبد البر آنفاً .

٥١٢
٧
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٩٤ _ ( .. ) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الحَارث التَّميمىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِر، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْد الله؛ قَالَ: صَلَى رَسُولُ اللهِ عَهُ، فَزَادَ أَوْ نَقَصَ - قَالَ
إِبْرَاهِيمُ: وَالوَهْمُ مِنِّى - فَقيلَ: يَارَسُولَ اللهِ، أَزِيدَ فى الصَّلاةَ شَىْءٌ؟ فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا
بَشَرٌ مِثْلَكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَّوْنَ، فَإِذَا نَسِىَ أَحَدُكُمْ فَلَيَسْجُدْ سَجَّدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ)). ثُمَّ
تَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ .
٩٥ _ ( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُوكُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أُبُو مُعَاوِيَةَ. ح
قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّالنَّبِىَّ ◌َّهُ سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلَامِ وَالكَلامِ.
ذلك ، فذهبت طائفة إلى أنه متى استقل عن الأرض وفارقها لم يرجع إلى الجلوس ، وهو
قول مالك فى آخرين ، ثم اختلف هؤلاء فى حد مفارقة (١) الأرض ، فقيل : مفارقة أليتيه
الأرض ، وقيل : تجافى ركبتيه عنها ، وهذا عندى على الاختلاف فى هيئة القيام ومن قال:
يُقْعى قال بمفارقة الأليتين ومن [ قال](٢) تعتمد قال بمفارقة الركبتين ، وعلى هذا يأتى
مذهب مالك وإن كان المحكى عن مذهبه مفارفة الأليتين ، وهذا لا يأتى على اختياره فى
القيام ، وقيل : يرجع ما لم يعتدل قائمه ، وهو قول جماعة من أئمة العلماء وابن حبيب
من أصحابنا ، وقيل : يرجع ما لم يقرأ ، وهو قول النخعى ، وقيل : ما لم يركع وهو
قول الحسن ، والرد على هؤلاء ما جاء فى الحديث من مضى النبى ◌ّه على صلاته بعد
التسبيح به ، وما جاء فى حديث المغيرة أيضاً عنه - عليه السلام -: ((إذا قام الإمام فى
الركعتين ، فإن ذكر قبل أن يستوى قائماً فليجلس ، فإن استوى قائماً فلا يجلس ، ويسجد
سجدتي السهو))(٣) ذكره أبو داود، إلا أن راويه جابر الجعفى (٤)، لكن مطابقته لمعنى
الحديث المتقدم فى مسلم والآثار الآخر تشدُّه(٥) ، ولم يختلف المذهب عندنا أنه لا يرجع
(٢) من هامش ت .
(١) فى ت : مفارقته .
(٣) ك الصلاة، ب من نسى أن يتشهد وهو جالس (١٠٣٦).
(٤) هو جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث بن كعب بن الحارث بن معاوية بن وائل بن مَرَئِى بن جُعْفَى
الجُعْفِىُّ. قال فيه يحيى بن معين: لا يكتبُ حديثه ولا كرامة ، وقال أبو يحيى الحمَّنى عن أبى حنيفة : ما
لقيتُ فيمن لقيتُ أكذبُ من جابر الجُعفى ، ما أتيته بشىء من رأيى إلا جاءنى فيه بأَثر .
وقال أبو حاتم الرازى عن أحمد بن حنبل : تركه يحيى وعبد الرحمن. وقال النسائى : متروك
الحديث، وقال الحاكم أبو أحمد : ذاهب الحديث. لم يرو له أبو داود سوى هذا الحديث . انظر : تهذيب
الكمال ٤/ ٤٦٥-٤٧١ .
(٥) هذا على مذهب ابن عدىٍّ فيه ، فقد قال فيه : إنه أقرب إلى الضَّعف منه إلى الصدق .

٥١٣
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٩٦ - ( .. ) وَحَدَّثْنَى القَاسمُ بْنُ زَكَرِيَاءَ، حَدَّثَنَاَ حُسَيْنُ بْنُ عَلَىِّ الْجُعْفِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ،
عَنْ سُلِيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْد الله؛ قَالَ: صَلَيْنَا مَعَ رَسُول الله عَّةٍ فَإِمَّا
بعد استوائه ، واختلف إذا فعل ورجع جالساً ، هل تفسد صلاته أو تصح [ وإذا صحت
متى يسجد](١)، أقبْلُ لنقصه المتقدم ، أم بعدُ للزيادة .
وقوله فيه: ((فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل
التسليم)) : نص وحجة بيِّنَةٌ على أبى حنيفة فى سجود السهو للنقص قبل السلام ، وأن
المراد هنا السلام من الصلاة ، لا من سجدتي السهو على ما تعسف فيه بعضهم . وفيه سنة
التكبير لسجود السهو ، ولم يختلف فى ذلك ، وقد اختلف العلماء / هل لهما إحرام
وسلام وتشهد أم لا شىء لهما من ذلك ؟ أم السلام وحده ؟ أم التشهد وحده ؟ فمذهب
مالك أنه إذا كانتا بعد السلام فيتشهد لهما ثم يسلم ، ثم اختُلف عنه هل يجهر بسلامهما
الإمام كسائر الصلوات أم يُسِرَّ ولا يجهر ؟ واختلف عنه هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل ؟
واختلف عنه هل لهما تكبيرة إحرام أم لا ؟ وقد ذكر مسلم فى حديث ابن بحينة وذى
اليدين التكبير لهما ، وفى حديث ذى اليدين التسليم منهما ولم يَذكر ذلك فى غيره مما ذكر
فيه سجودهما بعد السلام ، ولم يأت التشهد لهما مفسراً فى حديث صحيح ، لكنه يحتمل
أنه تشهد إذ لم يأت - أيضاً - أنه لم يتشهد ، والطهارة لهما مشترطة إذا كانتا قبل السلام؛
لأنهما داخل الصلاة إجماعاً ، وكذلك فى ابتدائهما بعد السلام ، ثم هل تشترط فى التشهد
بعدهما [ و](٢) السلام فيهما، فقيل : مذهب مالك أن ذلك شرط فى الجميع ، وأنه إن
أحدث بعد سجودهما أعادهما بعد الوضوء ، واختلف على تأويل قول ابن القاسم فى
المدونة ، فإن لم يعدهما أجزأتا عنه ، قيل : إنه لا يشترط فى السلام منهما الطهارة ، وإن
استحب ؛ للخلاف فى السلام من الفريضة هل هو من الصلاة أم لا ؟ وقيل : معناه :
أجزأت عنه صلاته ولم تفسد صلاته بسبب الحديث بعد سجودهما ، لكن لا بد له من إعادة
الطهارة لها وسجودهما ، ومعظم العلماء على أن السجود فى سهو صلاة التطوع كالسجود
فى صلاة الفرض ، إلا ابن سيرين وقتادة ، فإنهما قالا : لا سجود السهو التطوع .
وقوله - عليه السلام - فى حديث ابن مسعود: (( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون )) وقوله
بعد حديث ذى اليدين: ((أم نسيت)): حجة لجواز النسيان على النبى معَّه فيما طريقه
البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع ، وهو مذهب عامة العلماء والأئمة والنظار وظاهر القرآن
والأحاديث ، لكن شرط الأئمة - رضوان الله عليهم - أنه ينبهه الله تعالى ولا يقره عليه ،
(١) سقط من الأصل، واستدرك بالهامش بسهم.
(٢) ساقطة فى ت .
١٠٦/أ
i
":

٥١٤
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
زَادَ أَوْ نَقَصَ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ : وَيْمُ اللهِ !مَا جَاءَ ذَكَ إِلا مِنْ قِبَلَى - قَالَ : فَقُلْنَا: يَارَسُولَ اللهِ،
أَحَدَثَ فى الصَّلاةِ شَىْءٌ؟ فَقَالَ: ((لا)) قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ الذى صَنَعَ . فَقَالَ: ((إِذَا زَادَ
الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ)). قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة وبالفور ولا يجوز فيها التأخير ؟ وهذا
مذهب الأكثرين ، وإليه نحى القاضى أبو بكر ، أو يجوز فيها التراخى ما لم يتخرم عمره
وينقطع تبليغه ؟ وإليه نحى أبو المعالى ومنعت (١) طائفة من العلماء والنظار السهو عليه فى
الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما منعوه اتفاقاً فى الأقوال البلاغية ، واعتذروا عن
الظواهر الواردة فى ذلك باعتذارات ، وإليه مال الأستاذ أبو إسحق ، وشذت الباطنية وطائفة
من أرباب علم (٢) القلوب، فقالوا : النسيان لا يجوز عليه جملة ، وإنما ينسى قصداً ويتعمد
صورة النسيان لَيَسُنَّ ونحى إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر الإسفرايينى
فى كتاب (٣) الأوسط ، وهذا منحى ، غير سديد ، وجمع الضد مع ضده مستحيل بعيد ،
والقول الأول هو الصحيح ؛ فإن السهو فى الأفعال غير مناقضٍ للنبوة ، ولا موجب
للتشكيك فى الرسالة ، ولا قادح فى الشريعة ، بل هو سبب لتقرير شرع وإفادة حكم كما
قال - عليه السلام -: ((إنى لأنسى أو أُنَسَّى))، وكذلك (٤) اختلفوا فيما ليس طريقه البلاغ ،
ولأن (٥) بيان الأحكام من أفعاله الشرعية ، وما يختص به من عاداته وأذكار قلبه ، والأكثر
على تجويز الغفلة هنا والسهو إذ لم يؤمر بتبليغها .
وأما طروء ذلك عليه فى الأقوال فممتنع بإجماع فيما طريقه البلاغ كما امتنع فى ذلك
التعمد إجماعاً ، وأما طروؤه عليه فى الأقوال الدنيوية ، وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار
التى لا مستند للأحكام إليها ولا أخبار المعاد ، ولا تُضاف إلى وحى ، فقد جوز قوم السهو
والغفلة فى هذا الباب ، إذ ليس من باب التبليغ الذى يُتطرق به إلى القدح فى الشريعة ،
والحق الذى لا مرية فيه ترجيح قول من لم يجوز ذلك على الأنبياء فى خبر من الأخبار ،
كما لم يجوزوا عليهم فيها العمد ، وأنه لا يجوز عليهم خلف (٦) فى خبر من الأخبار لا عن
قصد ولا سهو ، ولا فى صحة ولا مرضٍ ، ولا رضى ولا غضب ، وحسبك أن سيره وآثاره
وكلامه وأفعاله مجموعة معتنى بها على مر الزمان يتداول نقلها الموافق والمخالف ، ويرويها
الموقن والمرتاب ، فلم يأت فى شىء منها استدراك غلط فى قول ولا اعتراف بوهم فى كلمة،
ولو كان لنُقِل كما نقل سهوه فى الصلاة ونومه عنها ، واستدراكه رأيه فى تلقيح النخل ،
(١) فى ت : ومنعه.
(٤) فى الأصل : ولذلك، والمثبت من ت .
(٥) فى ت : ولا .
(٣) فى ت : كتابه .
(٢) فى ت : علوم .
(٦) فى ت : الخلف .

٥١٥
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٩٧ _ (٥٧٣) حَدَّثَنِى عَمْروُ النَّاقدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، جَميعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ ، قَالَ
عَمْروٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا أُوبُ . قَالَ: سَمَعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ عَّهِ إِحْدَى صَلَاتَ العَشِىِّ - إمَّا الظُّهْرَ وَإِمَّا
العَصْرَ - فَسَلَمَ فِى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَنَى جِدْعًا فِى قِبَلَةِ المَسْجِدِ فَاسْتَدَ إِلَيْهَا مُغْضِبًا - وَفَى
القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَبَا أَنْ يَتَكَلِمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قُصِرَتَ الصَّلاةُ، فَقَامَ ذُو
الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَنَظَرَ النَّبِىُّ ◌َّهِ يَمِينًا وَشِمَلاً .
فَقَالَ : (( مَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟)). قَالُوا: صَدَقَ ، لَمْ تُصَلِّ إِلا رَكْعَتَيْنِ. فَصَلَى رَكْعَتَيْنِ
وَسَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ، ثَمَّ كَبِّرَ وَسَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ .
قَالَ : وَأُخْبِرْتُ عِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ أَنَّهُ قَالَ : وَسَلَّمَ .
وفى نزوله بأدنى مياه بدر، وفى مصالحة عيينة بن بدر، ولقوله: (( والله لا أحلف على
يمين ، فأرى غيرها خيراً منها ، إلا فعلت الذى حلفت عليه وكفرت)) (١) وغير ذلك، وأما
جواز السهو عليه فى الاعتقادات فى أمور الدنيا فغير نكير .
وأما [ ما ](٢) يتعلق من ذلك بالعلم بالله وصفاته والإيمان به فلا يصح فيه طروء سهو،
ولا غلطٌ ولا ما يضادُّه عليه ؛ لأن ضد ذلك كله كفر ، وهو محال فى حقه - عليه السلام -
بل منعت طائفة [ من ](٣) أهل علم الباطن من ذلك الغفلات والفترات وإحالتها بكل حال.
وأما حديث ذى اليدين ، فقد ذكر مسلم فى حديث عمران بن حصين أن اسمه
الخرباق ، وكان فى يديه طول ، وفى الرواية الأخرى بسيط اليدين ، وفى حديث أبى هريرة
رجل من بنى سليم ، ووقع للعذرى سُلم وهو خطأ ، وقد جاء فى حديث عبيد بن عمير
مفسراً ، فقال فيه : ذو اليدين أخو بنى سليم ، وفى رواية ابن شهاب : ذو الشمالين
رجل من بنى زهرة ، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذى اليدين منسوخ
بحديث ابن مسعود ، قالوا : لأن ذا الشمالين قُتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير ، وهو من
بنى سُليم ، فهو ذو اليدين المذكور فى الحديث. وهذا لا يصح لهم ، وإن كان قتل ذو
الشمالين يوم بدر فليس هو بالخرباق ، هو رجل آخر حليف لبنى زهرة اسمه عُمِير بن
(١) سيأتي إن شاء الله فى ك الأيمان، ب ندب من حلف يميناً فرأى غيرَها خيراً منها ... إلخ برقم (٧)، وقد
أخرجه البخارى كذلك فى ك الأيمان، ب قول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [ البقرة:
٢٢٥ ] وأحمد فى المسند ٣٩٨/٤ .
(٢، ٣) ساقطة من الأصل والمثبت من ت.

كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٥١٦
٩٨ - ( .. ) حَدَثْنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أُيُوبُ، عَنْ مُحَمَّد،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ عَّهِ إِحْدَى صَلَاتَ العَشِىِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ.
عبد عمرو من خزاعة ؛ بدليل رواية أبى هريرة حديث ذى اليدين ومشاهدته خبره . ولقوله:
((صلى بنا رسول الله عَّ))، وذكر الحديث، وإسلام أبى هريرة بخيبر بعد يوم بدر
بسنين فهو غير ذى الشمالين المستشهد يوم بدر، وقد عدوا قول ابن شهاب فيه هذا من وهمه ،
وقد عدها بعضهم حديثين فى نازلتين وهو الصحيح ولاختلاف صفتهما ؛ لأن فى حديث
١٠٦ / ب [ الخرباق ](١) ذى الشمالين أنه سلم من / ثلاث ، وفى حديث ذى اليدين من اثنتين،
وفى حديث الخرباق أنها العصر ، وحديث ذى اليدين الظهر بغير شك عند بعضهم ، وقد
ذكر مسلم ذلك كله .
قال الإمام - رحمه الله - : اختلف أصحاب مالك فيمن وقع منه هذا الفعل المذكور فى
قصة ذى اليدين ، فعند بعضهم لا يؤخذ به ؛ لأن النسخ حينئذ كان مجوزاً فعذر بذلك
المتكلم ، ولما استقر الأمر الآن لم يعذر ، والرد على هذا القائل بأنهم تكلموا بعد أن
أعلمهم أن لا نسخ ، وانفصل عن هذا بأنه - عليه السلام - سألهم فلابد من مجاوبته للزوم
طاعته، فكان ذلك جائزاً فى الكلام الذى لا يلزم فى الشرع. وقد يُجاب(٢) عن هذا - أيضاً -
أن يقال هكذا : إن تجاوبه إشارة إذ لم يكن استدعى منهم النطق ، وفى كتاب أبى داود
يشير إلى هذا (٣)؛ لأنه ذكر أن أبا بكر وعمر أشارا أن يقوم ، ولعل من روى أنهما قالا :
نعم ، أى أشارا ، فسمى الإشارة قولاً ، واختلف أصحابنا - أيضاً - القائلون بأن هذا
الحديث يعمل به إذا سلم من اثنين، هل يعمل به إذا سلم من ثلاث ؟ والأظهر أن لا فرق ،
وفى بعض طرق أحاديث ذى اليدين أن ذلك كان فى الثالثة (٤).
قال القاضى : المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذى اليدين ، وروى عنه
ترك الأخذ به وأنه كان يستحب أن يعيد ولا يبنى، قال: وإنما تكلم النبى عَّه. وتكلم
أصحابه ؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت، ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم، ورواه عنه [ أبو ](٥)
، قرة وقاله ابن نافع وابن وهب وابن كنانة وقال الحارث بن مسلمة من أصحاب مالك ،
٨ ٨ الآن أن كام على خلاف ما قال ابن القاسم، قالوا : كان هذا أول الإسلام، وأما الآن فمن تكلم
فيها أعادها ، وقد اختلف قول مالك ، وأصحابه فى التعمد فى الكلام (٦) لإصلاح الصلاة
(١) ساقطة من ت .
(٣) أبو داود، ك الصلاة، ب السهو فى السجدتين عن أبى هريرة (٢٣١).
(٤) وهو حديث عمران بن حصين هنا .
(٥) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش .
(٢) فى الأصل : يجاوب .
(٦) فى ت : بالكلام .

٥١٧
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٩٩ - ( ... ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد عَنْ مَالكِ بْنِ أَنَس، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْن، عَنْ
أَبِى سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمَعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : صَلَى لِنَا رَسُولُ الله
عَّهِ صَلَاةَ العَصْرِ، فَسَلَمَ فِى رَكْعَتَيْنِ ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَال: أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ
الله، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((كُلُّ ذَلَكَ لِمْ يَكُنْ)) . فَقَالَ : قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلَكَ،
يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ عَُّ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (( أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ )) فَقَالُوا :
نَعَمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَتَّ رَسُولُ اللهِ ◌َّهُ مَا بَقِىَّ مِنَ الصَّلاةِ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ - وَهُوَ
جَالِسُ - بَعْدَ النَّسْلِيمِ.
من المأموم والإمام ، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الظاهر ، وجعلوه
مفسداً للصلاة إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده (١) وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو ،
وحجة من أجاز حديث ذى اليدين ، وحجة من منع فى العمد ما تقدم من أن ذلك كان
أول الإسلام، وأما وأن النبى - عليه السلام - إنما تكلم على تيقن (٢) عنده من تمام الصلاة،
وأن ذا اليدين ظنَّ قصرها وتمامها ، وأن غيره إنما أجابوه لوجوب إجابة دعوته أو على
تأويل ذى اليدين ، ولعلهم لم يسمعوا جواب النبى معَّه . وأما أبو حنيفة فذهب إلى نسخة
لحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم بالنهى عن الكلام فى الصلاة ، ولا يصح لهم ؛ لأن
حديث ابن مسعود متقدم ، وقد روى أنه كان بمكة ، لكن يعارض هذا قوله: (( فنزلت :
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(٣) فنهينا عن الكلام [ فى الصلاة ](٤))) البقرة مدنية ، وأبو هريرة
ينص على مشاهدته إياه ، وهو إنما أسلم بخيبر .
قال الإمام : وأما قوله فى حديث ذى اليدين: (( كل ذلك لم يكن)) ، فقد اعتذر فيه
العلماء باعتذارين : أحدهما : أن المراد لم يكن القصر والنسيان معاً ، وكان الأمر كذلك
وهذا اعتذار ضعيف ، والثانى : أن المراد الإخبار عن اعتقاد قلبه وظنه فكأنه مُقَدَّر النطق به
وإن كان محذوفاً ، فلو قال : كل ذلك لم يكن فى ظنى ، ثم كشف الغيب أنه كان لم
يكن كاذباً ، فكذلك إذا قدَّر ذلك محذوفاً مراداً .
قال القاضى: قَدَّرنا أن الخلف والإخبار على ما ليس به فى حق النبى معَّه محال ، لا
على سبيل القصد ولا سبيل السهو والنسيان ، وقد جاء هذا الحديث وظاهره الإخبار أنه لم
ينس وقد نسى، ولأئمتنا أجوبة: منها ما تقدم، وقيل: قوله: ((لم أنس)) راجع إلى
(١) استدلالاً بما جاء فى بعض طرق حديث أبى هريرة والتى أخرجها أبو داود وفيها (( فأومؤوا )) بدلاً من
((نعم))، وقد قال أبو داود عقبه: وكلَّ من روى هذا الحديث لم يقل فيه: ((فأومؤوا)) إلا حمادُ بن زيد.
(٢) فى ت : يقين .
(٤) سقط من ت .
(٣) البقرة : ٢٣٨.

٥١٨
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
( ... ) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعرِ، حَدَّثْنَا هَرُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّاز، حَدَّثَنَا عَلَىّ -
وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَك - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِيُّ
صَلَى رَكْعَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُهْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَأَتَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سُلِيْمٍ. فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ،
أَقُصرَت الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ وَسَاقَ الحَديثَ .
السلام ، أى لم أنسه فى السلام ، بل سلمت قصداً ، ولم أسْه فى نفس السلام ، وإنما
سهوت عن العدد، وهذا بعيد أيضا. وقيل: كان النبى عَّهُ يسهو ولا ينسى ؛ لذلك نفى
عن نفسه النسيان ؛ لأنه غفلة ولم يغفل عنها وكان شغله عن حركات الصلاة ما فى الصلاة
شغلاً بها لا غفلةٌ عنها ، وهذا إن تحقق على هذا المعنى كان نفيه لنسيان الغفلة صحيحاً
أحرى ، وقد ظهر لى فيه ما هو أقرب وجها وأحسن تأويلاً ، إنه إنما أنكر - عليه السلام -
لفظة: ((نسيت)) المضافة إليه، وهو الذى نهى عنه فى قوله: ((بئس ما لأحدكم أن يقول :
نسيت آية كذا، ولكنه نُسِّى))(١)، وقد روى: ((أنى لا أنسى)) على النفى ولكنى أُنَسَّى،
وقد شك الراوى على رأى بعضهم فى الرواية الأخرى هل قال: ((أنْسَى)) أو ((أُنَسَّى))،
وأنَّ ((أو)) هنا للشك، وقيل: بل للتقسيم ، (وأن هذا يكون ](٢) منه مرة من قبل شغله
وسهوه ، ومرة يغلب على ذلك وَيَجبر عليه لَيَسُنَّ ، فلما سأله السائل بذلك اللفظ أنكره
وقال له: ((كل ذلك لم يكن))، وفى الرواية الأخرى: ((لم أنس ولم تقصر))، أمَّا
القصر فبين ، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسى وغفلتى عن صلاتى ، ولكن الله
نَسَّانِى لِأَّسُنَّ .
وقوله : (( جاءه الشيطان فلَّس عليه)): أى شكَّكَه وغلطه قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا
عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُون﴾(٣)، وقوله: ((فهنَّه ومنَّه)): أى أعطاه من الأمانى والهنوء والعطية ،
ومنَّاه: ذكَّره الأمانى. وقوله: ((توشوش القوم)): كذا لأبى بحر بالمعجمة و(٤) لغيره
بالمهملة ، وكلاهما بمعنى الحركة ، أى تحركوا . قال ابن دُريد : وسوسَةُ الشىء مهملاً
حَرَكَتُه ، وتوشوش القوم تَحرَّكوا وهمسوا بعضهم إلى بعض .
قال القاضى: ونحوه الوسوسة ، ومنه وسواس الحلى، وهو صوته عند تحريكه، ومنه وسوسة
الشيطان ، وهى همسه بإغوائه فى القلوب ، قال الخليل : الوسوسة صوت فى اختلاط.
وقوله : (( خرج سَرَعان الناس)) : كذا رويناه بفتح السين والراء عن متقنى شيوخنا ،
(١) سيأتي إن شاء الله فى كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ب فضائل القرآن وما يتعلق به، وقد أخرجه
البخارى - أيضاً - فى كتاب فضائل القرآن، ب نسيان القرآن وهل يقول : نسيت آية كذا وكذا ، وأحمد
فى المسند ١/ ٤١٧ .
(٢) فى ت : وأن يكون هذا .
(٤) فى ت : أو .
(٣) الأنعام : ٩ .

٥١٩
كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
١٠٠ - ( ... ) وَحَدَّثَنِى إسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ،
عَنْ يَحْبَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلَى مَعَ النَّبِىِّ ◌َُّ صَلاةَ
الظُّهْرِ، سَلَمَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ مِنَ الرَّكْمَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سُلْمٍ، وَقْتَصَّ الحَدِيثَ.
وهذا قول الكَسَائى وغيره يسكن الراء ، أى أَخفاؤهم المسارعون إلى الخروج منهم ، وذكر
الخطابى أن من الرواة من رواه ((سرعان)) بالكسر، قال: وهو خطأ رويناه فى البخارى(١)
من طريق الأصيلى ((سُرعان)) بضم السين ، وكذا وجدته بخطه فى أصله ووجهه ، جمع
سريع ، كقفيز وقفزان (٢) ، وكثيب وكثبان .
وقوله: ((وأنت أيضاً يا أعور (٣) تقول ذلك)): دليل على أن ذكر هذا المن لا يتأذى
به ومن عُرِفَ به ولا حرج فيه ، وإنما الحرج لمن قاله على سبيل التنقص (٤) والعيب، وإذا
كان المقول له يكره قوله ؛ وإبراهيم الأعور المذكور فى الحديث هو إبراهيم بن سويد النخعى
الكوفى وإبراهيم(٥) بن النخعى (٦) هو آخر ، وزعم الداودى أنه إبراهيم بن يزيد التيمى ،
ووهم فإنه ليس بأعور ، وثلاثتهم كوفيون فضلاء. قال البخارى : إبراهيم بن ميمونة
النخعى الأعور والكوفى سمع علقمة (٧)، وذكر الباجى إبراهيم بن يزيد النخعى الكوفى الفقيه،
وقال فيه الأعور ، ولم يقل البخارى فيه الأعور، ولا رأيت من ذكره / و [ قد ](٨) قال ابن
قتيبة فى العور: إبراهيم النخعى يحتمل أنه ابن سويد كما قال البخارى وإبراهيم بن يزيد النخعى.
١٠٧ / أ
وقوله فى حديث ذى اليدين وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال : وسلم قائل
ذلك ابن سيرين ، وهذا نص فى السلام من سجدتي السهو. وفى الحديث النصُّ أنها بعد
السلام من الصلاة؛ لقوله: ((فصلى ركعتين فسلم ثم كَبَّر ثم سجد))(٩) الحديث وفى الرواية
(١) ك الصلاة، ب تشبيك الأصابع فى المسجد وغيره (٤٨٢).
(٢) فى ت : كفقير وفقران.
(٤) فى ت : التنقيص.
(٣) فى الأصل : يا عور ..
(٥) زيد بعدها فى ت : ابن سويد ، وهو خطأ .
(٦) فى ت والأصل بعدها : الأعور ، وهو خطأ كذلك ، إذ أنه هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن
عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النّخع بن النّخعى ، أبو عمران الكوفى ، فقيه أهل الكوفة ،
لم يُحدِّث عن أحد من أصحاب النبى معَّه وقد أدرك منهم جماعة ، وكان مفتى أهل الكوفة هو والشعبى
فى زمانهما ، مات وهو مختف من الحجاج . تهذيب الكمال ٢٣٣/٢ .
أما إبراهيم بن سويد النخعى الكوفى الأعور - وهو المراد - فقد روى عن الأسود بن يزيد ، وأخيه عبد
الرحمن بن يزيد وعمهما عن علقمة بن قيس النخعيين . قال فيه النسائى : إنه ثقة ، وقد روى له الجماعة
سوى البخارى .
(٧) التاريخ الكبير ٣٣٣/١ .
(٩) فى المطبوعة : فصلى ركعتين وسلم .
(٨) من ق .

كتاب المساجد / باب السهو فى الصلاة والسجود له
٥٢٠
١٠١ - (٥٧٤) وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزْهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُليَّةَ،
قَالَ زُهَيْرٌ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ خَالدِ ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِى الْمُهَلِبِ، عَنْ
عَمْرَانَ بْنِ حُصَيْن؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّه صَلَى العَّصْرَ فَسَلَمَ فِى ثَلاثِ رَكَعَات، ثُمَّ دَخَلَ
مَنْزِلُهُ ، فَقَامَ إِليْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِى يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَارَسُولِ اللهِ، فَذَكَرَ
لهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلى النَّاسِ، فَقَالَ: (( أَصَدَقَ هَذَا)) .
قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجَّدَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ.
الأخرى: (( سجد سجدتين بعد التسليم )) وهذا البيان يدفع تأويل المخالف : إنه أراد بقوله :
سجد بعد السلام ، أى الذى فى التشهد ؛ لأن لفظ السلام إن حمل على العهد فهو الذى
للتحلل لا الذى فى التشهد ، وإن حمل على العموم فيجب أن يكون بعد كل سلام فى
الصلاة وآخره سلام التحلل .
فى حديث ذى اليدين وما ذكر فيه من خروجه - عليه السلام - ومجيئه السارية مغضبا
ودخوله منزله فى الرواية الأخرى ، حجة أن كثرة السهو لا يفسد الصلاة ، وحجة لمن يقول
بالبناء وإن طال ما لم ينتقض وضوؤه ، وقد اختلف عن مالك فى ذلك ، فمشهور قوله :
أنه يبنى فيما قرب ، وربيعة يقول : يبنى ما لم ينتقض وضوؤه ، ولمالك نحوه فى الباب ،
ولم يأت أنَّ النبى عَّه ـ فى حديث ذى اليدين - رجع إلى الجلوس ثم قام ، وقد كان -
عليه السلام - نهض عن موضعه .
وقد اختلف أئمتنا فى السلام ساهياً من الصلاة ، هل يخرج منها وله فى ذلك تأثير أم
لا حكم له ، وأنه كالكلام ؟ وعلى هذا جاء اختلافهم فى الرجوع بإحرام أم لا ؟ وفى
الرجوع إن كان قام إلى الجلوس ليأتى بما فاته من النهضة أو لا يلزمه ذلك ؛ لأنه كان فى
صلاته فنهضته محسوبة له من صلاته ، ومتى يكبر على هذا ؟ وهو قائم أو حتى يجلس ؟
وفرق بعضهم بين أن يكون سهى فى السلام ولم يقصد به التحلل ، فقال : هذا لا يلزمه
إحرام لأنه كالمتكلم ساهياً ، وبين أن يسهوَ على العدد فيسلم قصداً ثم يتذكر ، فهذا يحتاج
إلى إحرام ، واستحب بعضهم له التكبير لإشعار رجوعه للصلاة لا للإحرام ؛ لأن فائدة
التكبير الإشعار بحركة المصلى ، ويجب على قوله هذا اختصاصه بالإمام ، وذهب بعضهم
إلى التفريق ، فلا يكبر إن لم يقم ويكبر إن فارق الأرض وكل هذا على أنه غير تكبيرة
الإحرام ، فإما أن يكون للإشعار بالرجوع للصلاة ، أو يكون تكبيرة للقيام من اثنتين ، إن
كان السهو فيهما ، وقد احتج بعضهم بحديث ذى اليدين لمذهب مالك ؛ فى أن الحاكم إذا
٦