Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب المساجد / باب ابتناء مسجد النبى
النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلقِى بِفَنَاءِ أَبِى أُيُوبَ. قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ يُصَلِّى حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ
الصَّلَاةُ، وَيُصَلَى فِى مَرَابِضِ الغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالمَسْجِدِ . قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلى مَلأَ بَنِى
النَّجَّارِ فَجَاؤُوا. فَقَالَ: (( يَا بَنَى النَّجَّارِ، ثَامِنُونِى بِحَائِطِكُمْ هَذَا » . قَالُوا: لا ، وَالله لا
نَطْلبُ ثَمَنَهُ إلا إلى الله . قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ : كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكينَ
وقوله: ((وكانت(١) فيه نخل وقبور المشركين وخَرِب)) رويناه بفتح الخاء وكسر الراء ،
جمع خربة ، مثل : كلم وكلمة ، وبكسر الخاء وفتح الراء جمع خربة بسكون الراء ،
وكلاهما ما تخرَّب من البناء ، والثانية: لغة تميم وحدها. قال الخطابي : لعل الصواب :
خُرب ، بالضم ، جمع خُربة بالضم ، وهى الخروق فى الأرض ، إلا أنهم يقولونها فى
كل ثقبة مستديرة ، أو لعلها جُرُف جمع جرفة وهى جمع جرف ، وأبين منه إن ساعدته
الرواية: جدبٌ، جمع جَدَبَة، وتعنى ما ارتفع من الأرض لقوله: ((فَسُوِّيَتْ))؛ لأنه إنما
يسوى المكان المجدوب أو ما فيه خرق فى الأرض وأما الخرب فتبنى وتعمر .
قال القاضى : لا أدرى ما اضطره إلى هذا ؟ وكما قطع - عليه السلام - النخل المثمر
كذلك سوى بقايا الخرب وإطلال حيطانها ، وأذهب رسومها كما فعل بالقبور ، والرواية
صحيحة اللفظ والمعنى ، لا يحتاج إلى تغييرها ولا إلى تكلف شىء فى تأويلها .
وقوله: ((وأمر بالنخل فَقُطِعَ))، فيه جواز قطع الثمار المثمرة للمنافع [ لمثل هذا ](٢)
وللحاجة إلى بناء مواضعها ، أو اتخاذ خشبها عند عدم غيره والحاجة إليه ، أو لدفع المضار
لقطعها فى بلاد العدو ، الذى لا يرتجى المسلمون عمارته وسكناه ، قطعاً للمرافق عنهم
وغيظاً للكفار ، أو لخوف سقوطها على بناء ، أو ميلها على حائط من لا يملكها ،
وانتشارها على ملكه وإضرارها به(٣).
وقوله : ((وبقبور المشركين فَنُبِشَتْ)) ، قال الإمام : أما نبش القبور وإزالة الموتى
فيمكن أن يقال : لعله أن أصحاب الحائط لم يُملكوهم تلك البقعة على التأييد ، أو لعله
تحبيسٌ (٤) وقع منهم فى حال الكفر، والكافر لا يلزمه القُرب كما قالوا : إذا أعتق عبداً
وهما كافران أنَّ له أن يرده فى الرق قبل إسلامهما ما لم يخرج من يده ، ولم يُقَدِّرْ أن
أيدى أصحاب الحوائط زالت عن القبور لأجل من دفن فيها .
(١) فى المطبوعة : وكان.
(٢) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم.
(٣) كسريان عروقها فى أرض الغير .
(٤) أى وقف.

٤٤٢
-
كتاب المساجد / باب ابتناء مسجد النبى
عليه
قال القاضى : لا يحتاج فى تحبيس أهل الكفر بقاء أيديهم أو زوالها ، إذ القرب لا
تصح منهم ، وعقودهم فيها غير لازمة ، فلهم عند أشياخنا - بلا خلاف علمته - الرجوع
فى أحباسهم ، ومنعها ، والتصرف فيها كيف شاؤوا ، ويفترق(١) من العتق الذى شرط فى
إمضائه شيوخنا خروجه من يده إذا صار ذلك حقاً للمعتق يرفع يده عنه ، وتسريحه إياه،
وتملكه نفسه ، فأشبه عقود هباتهم وأعطياتهم اللازمة.
وفيه جواز نبش قبور المشركين عند الحاجة إلى موضعها ؛ إذ لا حرمة لهم إذا لم يكن
فى أملاكهم(٢)، ولأن نبش هذه إنما كانت بعد ملك النبى عَّه لها. وفيه جواز الصلاة فى
مقابرهم الدائرة بعد نبشها وإخراجهم منها ، وبناء المساجد مكانها ؛ لأن هذه قد اتخذ عليها
مسجد وكانت دائرة ، وبعد نبشها ، وإخراج ما فيها من أصداء وعظام ، وقد [كره](٣)
العلماء الصلاة فى قبور المشركين بكل حال وعليه تأوَّل أكثرهم النهى عن الصلاة فى المقبرة،
[ قالوا : لأنها حفرة من حفر النار وقد اختلف فى الصلاة فى المقبرة ](٤) على الجملة،
٩٩/ ب فأجازه مالك وأكثر أصحابه وإن كان القبر بين يديه ، وهو مذهب الحسن البصرى/
وآخرين ، وقاله الشافعى ، وروى عن مالك - أيضاً - كراهة ذلك ، وقاله جماعة من
السلف ، وبه قال أحمد وإسحق ، وحكى عبد الوهاب كراهته فى الجديدة ، قال : ويكره
فى مقابر المشركين جملة ، وقال الشافعى : إذا كانت المقبرة (٥) مختلطة بلحوم الموتى
وصديدهم لم يجز ، ولا يختلف فى هذا على الجملة ، وكره بعضهم الصلاة إليها ،
وسيأتى الكلام عليها فى الجنائز إن شاء الله. قال الخطابي: وفيه دليل على أنَّ الأرض التى
دفن فيها الميت باقية على ملك أوليائه ، وكذلك كفنه ؛ ولذلك قطعنا النباش لأنه سرق من
حرز من مِلك مالك ولولا هذا لم يجز نبشها واستباحتها بغير إذن مالكها.
قال القاضى : مذهبنا أن مواضع القبور أحباس لا يجوز بيعها لحوز الميت إياها عن
غيره ، وهذه لما جاز نبشها وإخراجهم منها دل أن لا حق لهم فيها لما تقدم ، وليس علة
قطع النباش كون الأرض ملكا للأولياء ، لأنا نقطع على ما لم يستقر عليه ملك إذا كان فى
حرز ، كقطعنا من سرق آلات المساجد ، وأموال أحباس الطرقات وكذلك لما لم يستقر عليه
ملك معين كمن سرق من المغانم ، وأما الكفن فملك للميت ، وحق له ما دام محتاجا
إليه؛ ولهذا قال بعض شيوخنا البغداديين : لو أكلت الميت السباع لرجع الكفن لورثته ، قال
الخطابى : وفيه دليل على أن من لا حرمة له فى حياته لا حُرمة له فى مماته ، وقد قال -
(١) زيد بعدها فى هامش ت : الجواب .
(٣) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش بسهم .
(٤) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش بسهم .
(٥) فى ت : القبور.
(٢) فى ت : أيديهم.

٤٤٣
كتاب المساجد / باب ابتناء مسجد النبى عَّة
وَخْرِبٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، وَبِالْخِرَبِ
فَسُوِّيَتْ. قَالَ: فَصَفُوا النَّخْلَ قِبْلَةً، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حجَارَةٌ . قَالَ : فَكَانُوا يَرْتَجَزُونَ،
وَرَسُولُ اللهِ عَّهِ مَعَهُمْ. وَهُمْ يَقُولونَ :
عليه السلام -: (( كسر عظم المسلم ميتاً ككسره حياً)) (١)، قال غيره: وفيه دليل على نبش
قبورهم لطلب المال. وقد اختلف العلماء والسلف فى ذلك وكرهه مالك وأجازه أصحابه ،
واختلف فى علة كراهة من كرهه فقيل : ذلك مخافة نزول سخط (٢) وعذاب عليهم ؛ لأنها
مواضع العذاب والسخط ، وقد نهى النبى معَّه عن دخول ديار المعذبين خشية أن يصيب
الداخل ما أصابهم، أو لأنه - عليه السلام - قد قال: ((إلا أن تكونوا باكين))(٣)، فمن
دخلها لطلب الدنيا فهو ضد ذلك ، أو مخافة أن يصادف قبر نبى أو رجل صالح بينهم ،
وحجة من أجاز ذلك: نبش أصحاب النبى معَّه قبر أبى رغال ، واستخراجهم منه قضيب
الذهب الذى أعلمهم النبى معَّ أنه مدفون معه (٤).
وقوله : ((وكانوا (٥) يرتجزون ورسول الله وَ ل معهم)). فيه جواز قول الأشعار
والأرجاز ، والاستعانة بها وأمثالها من الكلام الموزون والمزدَوَج (٦) عند التعاون على الأعمال
وتحريك الهمم ، وتشجيع النفوس ، والقوى وتسليتها عند معاناة الأمور الصعبة والكُلف
الشاقة ، كما جاء هنا وفى غير حديث وقصة ، واستدلال بعضهم بهذا وشبهه بما روى عن
النبى وَِّ أنه قاله، أو شُيِّعَ فيه وسمعه، أو حكاه من كلام غيره ، أن الرجز ليس بشعرٍ
لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه﴾(٧). وقد اختلف أصحاب العروض وعلم
: الشعر فى أعاريض الرجز ، هل هى من الشعر أم لا ؟
(١) لفظ أحمد: ((كسر عظم المؤمن)) ٥٨/٦، ٢٦٤. وأخرجه أبو داود فى الجنائز، ب فى الحفار يجد
العظم ، هل يتنكب ذلك المكان ، ومالك فى الموطأ كذلك، ب ما جاء فى الاختفاء ٢٣٨/١، وابن ماجه
فى النهى عن كسر عظام الميت بدون لفظ (( المؤمن».
(٢) فى الأصل : السخط .
(٣) البخارى فى صحيحه، ك الصلاة، ب الصلاة فى مواضع الخسف والعذاب، وسيأتى إن شاء الله فى ك
الزهد والرقائق، ب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين. وانظر: أحمد فى المسند ٩/٢.
(٤) الحديث أخرجه أبو داود فى السنن، ك الخراج والإمارة والفىء، ب نبش القبور. ولفظه: ((هذا قبر أبى
رغال وكان بهذا الحرم يدفع عنه ، فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدُفن فيه ، وآية
ذلك أنه دفن معه غصنّ من ذهب ، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه )) فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن.
(٥) فى المطبوعة : فكانوا.
(٦) ازدوج الكلام وتزاوج : أشبه بعضه بعضا فى السجع أو الوزن ، أو كان لإحدى القضيتين تعلُّقٌ بالأخرى.
راجع: لسان العرب، مادة: ((زوج)).
(٧) يس : ٦٩.

٤٤٤
كتاب المساجد / باب ابتناء مسجد النبى معَّ
فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالُهَاجِرَه
اللهُمَّ! إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَه
١٠ - ( ... ) حَدَثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ العَنْبَرِىُّ. حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى
أُبُوالتَّاحِ عَنْ أَنَس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ كَانَ يُصَلَى فِى مَرَبِضِ الغَنَمِ ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى
المَسْجِدُ.
( ... ) وَحَدَّثَنَهُ يَحْنَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثْنَا خَالدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِث - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
أَبِى النَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَّا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ، بِمِثْلِه .
٠٠
وقوله : (( كان يصلى فى مرابض الغنم)) : فيه حجة على طهارة أبوالها وأروائها ،
ومرابض الغنم حيث تبيت. وربوضها : طرح أجسادها على الأرض وطىُّ قوائمها للنوم
أو الراحة. قال ابن دريد : ويقال ذلك أيضا لكل دابة من ذوات الحوافر والسباع ، وتقدم فى
كتاب الطهارة .

٤٤٥
كتاب المساجد / باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
(٢) باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
١١ - (٥٢٥) حَدَّثَنَا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أُبُو الْأَحَوْصِ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ،
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ؛ قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ النَّبِىِّ عَّهِ إِلى بَيْتِ الَقْدس ستَّةَ عَشَرَ شَهْرًا،
حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ التِى فِى الْبَقَرَةِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(١) فَتَزَلَتْ بَعْدَ
مَ صَلَى النَّبِىُّ ◌َّهِ. فَانْطَلَقَّ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ،
فَحَدََّهُمْ، فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ البَيْتِ .
وقوله فى حديث تحويل القبلة: (( فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهم
يصلون فحدثهم [ بالحديث](٢)، فولَّوا وجوههم قِبَل البيت))، قال الإمام : اختلف أهل
الأصول فى النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف ويحتج لأحد القولين (٣) بهذا
الحديث ؛ لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم فى الصلاة ، ولم يعيدوا ما مضى ، وهذا
دليل على أن الحكم إنما يستقر بالبلوغ ، فإن قيل : كيف استداروا (٤) إلى القبلة بخبره ،
والنسخ فى هذا بخبر واحد ؟ قيل : قد قالوا : إن النسخ بالواحد كان جائزاً فى زمان النبى
◌َُّ، وإنما منع بعده عَّه وقيل : إنما تلا عليهم الآيات التى فيها ذكر النسخ فتحولوا عند
سماع القرآن ، ولم يقع النسخ بخبره ، وإنما وقع النسخ عندهم بما سمعوا من القرآن .
قال القاضى : أشد جواب فى هذا أن يقال : إن العمل بخبر الواحد مقطوع به ، كما
أن العمل بالحكم المقطوع بصحته من الكتاب والسنة المتواترة مقطوع به ؛ ولأن الدليل
الموجب لثبوت الحكم أولاً غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره ، وإلى جواز النسخ بخبر
الواحد ، مال القاضى أبو بكر وغيره من المحققين. وفى هذا الخبر بالجملة قبول خبر
الواحد، وعادة الصحابة بامتثاله والعمل به والوقوف عنده واعتداد بعضهم بنقل بعض ،
وأنهم لم يحتاجوا إلى التوقف حين سمعوا ذلك عن النبى معَّه (٥).
قال الإمام : وقد ردوا إلى مسألة النسخ المتقدمة [مسألة] (٦) الخلاف فى الوكيل إذا
تصرف بعد العزل ولم يعلم ؛ فقالوا على القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود ، ينبغى
(٢) ليست فى المطبوعة.
(١) البقرة : ١٤٤.
(٣) القول الأول أن النسخ يلزم النزول ، والثانى أنه يلزم بالوصول ، كما سيأتى .
(٤) فى ت : استدلوا.
(٥) قال الأبى : لا يلزم من قبول هذا الخبر لما احتفت به من القرائن قبولُ غيره ، والخلاف الذى فيه إنما هو
عند تجرده من القرائن ٢٣١/٢.
(٦) من هامش ت.

٤٤٦
كتاب المساجد / باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
١٢ - ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَأَبُو بَكْر بْنُ خَلَّد، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ
المُثَّى: حَدَّثَنَا يَحَْى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى أَبُو إِسْحَقَّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ يَقُولُ:
صَلَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَِّ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةً عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ
صُرِفْنَا نَحْوَ الكَعْبَةِ.
ألا تمضى أفعاله بعد العزل وإن لم يبلغه ذلك. وعلى القول الثانى تكون أفعاله ماضية بعد
العزلة ما لم تبلغه العزلة.
قال القاضى : ضعَّفَ المحققون من الأصوليين هذه المسألة إلى هذا الأصل ؛ إذ حقيقة
الخطاب بالتكليف إنما يتعلق بالبلاغ عند المحققين من أئمتنا ، فإن النسخ إذا ورد فمن لم
يبلغه باق على المخاطبة بالعبارة الأولى ، وليس فى حقه نسخ حتى يبلغه ، ومنهم من يثبت
النسخ فى حقه ، لكن بشرط أن يبلغه ، فهو اختلاف فى عبارة وكلهم مجمعون على بقائه
على الحكم الأول ، وإجزائه (١) إذ الجاهل لا يثبت التكليف فى حقه بما جهله ولم يبلغه ،
وهذا من المستحيل ، وإنما ذهب إلى النسخ فى حقه طائفة من الفقهاء والمتكلمين الذين لم
يقووا فى الأصول وما قدمناه يرد قولهم ومسألة الوكيل تعلق بها حق للغير على الموَكَّلِ فلهذا
توجه الخلاف فيها ، ولم يختلف المذهب عندنا فى أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها
أحكام حر فيما بينه وبين الناس ، فأما ما بينه وبين الله فجائزة. ولم يختلفوا فى [ عبادة ](٢)
الْمُعْتَقَةِ أنها لا تُعِيد مَا صَلَتْ بغير ستر ، وإنما اختلفوا فيمن طرأ عليه موجب يُغيّر حكم
عبادته وهو فيها بناء على هذه المسألة وفعل الأنصار فى الصلاة كمسألة الأمة تعتق فتصلى
فلا تعلم بذلك إلا فى الصلاة هل تبطل صلاتها ؟ وهو قول أصبغ أم تصحُّ ؟ وهو ظاهر
قول ابن القاسم ، وكذلك إذا عُتْقَتْ فى نفس الصلاة وهى مكشوفة الرأس ، فإنها لا تقطع
الصلاة وتتمادى فيها ، لكن متى أمكنها حينئذ من تناولها ما تستر به رأسها أو قرب منها
تناوله تَعَيَّن فعل ذلك عليها ، وهذا قول أكثر أصحابنا ، وهو قول الشافعى والكوفيين ،
وجمهور العلماء. ومنه ــ أيضاً ـ المسافر ينوى الإقامة وهو فى الصلاة ، أو إمام الجمعة يقدم
وال بعزله بعد عقده ركعة ، فالأكثر على التمادى فى هذه المسائل والإجزاء ؛ لأنه دخل فى
الصلاة وتعينت عليه على تلك الحالة الأولى ، وقيل : يقطعون. ومنه - أيضاً - التيمم إذا
طلع عليه رجل بماء فى الصلاة أو نزل عليه مطر ، فإنه يتمادى ولا يقطع ، ولا يقال فى
هذا : إنه إن أمكنه الماء توضأ؛ لأنه عمل كثير منافٍ للصلاة ، ولا يصح مع التمادى فيها ،
(١) محل الإجماع عند العلماء إذا كان الناسخ مع جبريل - عليه السلام - ولم ينزل به إلى النبى معَّه، فلا يثبت
له حكم فى حق المكلفين ، بل هم فى التكليف بالحكم الأول على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبريل.
(٢) من ت.

٤٤٧
كتاب المساجد / باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
١٣ - (٥٢٦) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله
ابْنُ دِينَارِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ حِ وَحَدَّثْنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعيد - وَاللفْظُ لُهُ - عَنْ مَالِكَ بْنِ أَنَس، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسَُ فِى صَلاةِ الصُُّحِ بِقَبَاءَ إِذَ جَاءَ هُمْ آتِ
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولُ اللهِعَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الليْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا.
وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلى الكَعْبَةِ .
وهذا قول مالك والشافعى والجمهور ، خلافاً للكوفيين والأوزاعى فى رجوعهما للطهارة بالماء.
واحتجوا - أيضاً - بهذا الحديث على نسخ السنة بالقرآن (١)؛ لأن صلاة النبى عَّ أولاً
لبيت المقدس على قول أكثرهم سنة (٢)، وهى مسألة اختلف فيها الأصوليون ، فأجازه
جمهورهم ؛ لأن سنة النبى عَّه حكم من الله على لسان نبيه مثل حكمه ، كما بينه فى
كتابه ، وقال بعضهم : لا يجوز ذلك ؛ لأن السنة مبينة للكتاب وبعيد قضاء المبَيِّن ونسخه
وحكمه على المبَيَّن(٣). وقالوا فى قصة القبلة: إنما هى نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر أولا
[كان](٤) بتخيير المصلى أن يولى وجهه حيث شاء بقوله تعالى: ﴿فَأَيْتَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ
اللّه﴾ (٥)، ثم نسخ باستقباله القبلة. وقيل: بل صلاة النبى عَّه إلى بيت المقدس كان بعد
وروده [ إلى ](٦) المدينة بأمر الله تعالى، ففرحت بذلك اليهود ثم صُرِف إلى الكعبة.
(١) وهو مذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء ، فقد قالوا بجوازه عقلاً ووقوعه شرعاً ، واحتجوا
لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [ النجم: ٤،٣ ] قالوا : غير أن الكتاب
متلوٌّ ، والسنة غير متلوَّةً ، ونسخ حكم أحد الوجهين بالآخر غير ممتنع عقلاً ، قالوا : فإنا لو فرضنا خطاب
الشارع بجعل القرآن ناسخاً للسنة لما لزم عنه لذاته محال. الأحكام للآمدى ٢١٣/٣ .
(٢) قولهم: إنها لم تعرف إلا من السنة . السابق.
ومن أدلتهم التى ساقوها مصالحة النبى ◌ّ أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مُسْلماً ردّهُ، حتى
إنه ردَّ أبا جندل وجماعة من الرجال، فجاءت امرأة ، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا
تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [ الممتحنة: ١٠]. قالوا: وهذا قرآن نسخ ما صالح عليه رسول الله عَّه وهو من
السنة . السابق ٢١٣/٣ .
(٣) ورُدَّ عليهم بأن المراد بقوله تعالى: ﴿ لِتْبَيِّنَ لِلنَّاس﴾ [النحل: ٤٤] إنما هو التبليغ، وذلك يعمُّ بتبليغ
الناس من القرآن وغيره ، وليس فيه ما يدل على امتناع كون القرآن ناسخاً للسنة .
(٤) ساقطة من ت.
(٥) البقرة: ١١٥. وقد رُدَّ عليه بأن قوله تعالى: ﴿فَمَّ وَجْهُ الله ﴾ تخييرٌ بين القدس وغيره من الجهات ،
والمنسوخ إنما هو وجوبُ التوجه إليه عينا، وذلك غير معلوم من القرآن. إحكام الأحكام ٢١٣/٣.
(٦) من ت .

٤٤٨
---
كتاب المساجد / باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
١٤ - ( ... ) حَدَّثَنَى سُوَيْدُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَنْ عَيِّدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ أَبُنِ عُمَرَ ؛ قَالَ : بَيْنَمَا النَّاسُ
فِى صَلاةِ الغَدَاةِ ، إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ ، بِمْثِلِ حَدِيثِ مَالك .
وكما اختلفوا هنا كذلك اختلفوا فى نقيضه ، وهو نسخ القرآن بالسنة ، فذهب الأكثر
إلى جوازه عقلاً وسمعاً وأجازه بعضهم عقلاً (١) وقال : لم يوجد شرعاً ، ومنعه بعضهم
عقلاً(٢).
وفى هذه القصة دليل على صحة نسخ الأحكام وهو مما أجمع عليه كافة المسلمين إلا
طائفة من المبتدعة(٣) لا يعبأ بها لم تقل به، ووافقت القنَّائية من اليهود فيه (٤).
وقوله: ((وقد أُمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها)) روى بفتح الباء على الخبر وبكسرها
على الأمر ، قال الطحاوى : وفى هذا دليل على أنه من لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه
الدعوة ، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره ، فالفرض غير لازم له ، والحجة غير قائمة
عليه، وقد اختلف العلماء فيمن أسلم فى دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد
من يستعلمه عن شرائع الإسلام ، ولا علم أن الله فرض شيئاً فيها ، ثم علم بعد ذلك ،
هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام أو صلاة لم يعلمها ؟ فذهب مالك والشافعى وآخرون
إلى إلزامه ذلك [ وأنه قادر على الاستعلام والخروج إلى ذلك ] (٥) ، وذهب أبو حنيفة إلى
أن ذلك يلزمه إن أمكنه من يستعلم ذلك منه فى بلاد المسلمين وبلاد الحرب فلم يستعلم
وفرط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شىء عليه ، وكيف يكون لله فرض على من
· لم يعلم بفرضه ؟ وقد قدمنا من هذا قبل ، وأن تكليف الجاهل بالشىء يفعله مع جهله به
محال ؛ إذ لا يثبت حكم إلا بدليل. وإذا لم يتمكن المكلف من التوصل إلى ما كلفه كان
من تكليف المحال.
وفيه دليل على جواز تنبيه من ليس فى الصلاة لمن فى الصلاة وأن يفتح عليه ، وفيه
دليل على جواز الاجتهاد فى القبلة ، ومراعاة السَّمْتِ لميلهم إلى جهة الكعبة لأول وهلة فى
الصلاة قبل قطعهم على موضع عينها ، ولا خلاف أن المطلوب عينها مع المشاهدة ، وفيه
جواز الاجتهاد بحضرته - عليه السلام - وهى مسألة اختلف فيها ، وفيه دليل على وجوب
(١) لاشتراك السنة مع القرآن فى مسمى الوحى.
(٢) قطع بالمنع الإمام الشافعى وأكثر أصحابه. إحكام الأحكام ٢١٧/٣.
(٣) يعنى الرافضة. السابق.
(٤) منعوا من النسخ لخفاء الفرق بين البداء والنسخ عليهم . السابق.
(٥) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم.

٤٤٩
كتاب المساجد / باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
١٥ - (٥٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَفَّنُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلمَةَ،
عَنْ ثَابِت، عَنْ أَنَس ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَُّ كَانَ يُصَلَى نَحْوَ بَيْتِ الَقْدس، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ
نَرَى تَقَلُّبُ وَجْهِكَ فِيَّ السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الَمَسَّجِدِ الْحَرَامِ﴾(١)
فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلَمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِى صَلاةِ الفَجْرِ ، وَقَدْ صَلُوا رَكْعَةٌ . فَنَادَى: أَلا إنَّ
القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ القِبْلةِ .
الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة.
وقوله فى حديث البراء: ((صليت مع رسول الله عَّجه إلى بيت المقدس ستة عشر
شهراً)) وفى الرواية الأُخرى: ((سبعة عشر شهراً)). وهذا هو الأصح، وهو قول مالك
وابن إسحق ، وابن المسيب ، وقيل : حولت القبلة بعد ثمانية عشر شهراً ، وروى بعد
سنتين ، وروى بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وهذان شاذان.
(١) البقرة : ١٤٤.

٤٥٠
كتاب المساجد/ باب النهى عن بناء المساجد على القبور ... إلخ
(٣) باب النهى عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور
فيها والنهى عن اتخاذ القبور مساجد
١٦ - (٥٢٨) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ،
أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ عَائِشَةَ ؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ ، فِيهَا
تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللهِ عَةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إِنَّ أُوْلِئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ
الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ الصُّوَرَ، أُولِئِكِ شِرَارُ الخَلقِ عِنْدَ
اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ » .
١٧ - ( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً؛ أَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِعَّهُ فِى مَرَضِهِ ،
فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَنِيسَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
١٨ - ( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ
عَائِشَةَ؛ قَالتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ عَّهِ كَنِيسَةٌ رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ ،
بمثل حَديثِهِمْ .
وتغليظ النبى عَّه فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً ؛لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه
عن حدِّ المبرَّةَ إلى المنكر، وقطعاً للذريعة ، وقد نبه عليه - عليه السلام - فى قوله: ((لا
تتخذوا قبرى وثنا يعبد ))(١)، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام ، فيما يذكر ، كانوا قديما
إذا مات فيهم نبى أو رجل صالح صوروا صورته وبنوا عليه مسجداً ليأنسوا برؤية صورته ،
ويتعظوا(٢) لمصيره ويعبدوا(٣) الله عنده، فمضت على ذلك أزمانٌ، وجاء بعدهم خلف
رأوا أفعالهم وعباداتهم عند تلك الصور ولم يفهموا أغراضهم ، وزين لهم الشيطان
أعمالهم ، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها ، وقد نبه - عليه السلام - فى الحديث
على بعض هذا ، ويدل على صحة هذا المعنى قوله فى الحديث الآخر: (( اللهم لا تجعل
(١) مالك فى الموطأ، ك قصر الصلاة فى السفر، ب جامع الصلاة ١٧٢/١، مرسلاً عن عطاء بن يسار ،
أحمد فى المسند ٢١٦/٢ عن أبى هريرة بلفظ: ((اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد)).
(٢، ٣) فى الأصل بإثبات نون الرفع فى كليهما، وهو خطأ.
--

٤٥١
كتاب المساجد/ باب النهى عن بناء المساجد على القبور ... إلخ
١٩ - (٥٢٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا هَاشمُ بْنُ
القَاسمِ، حَدَّثْنَا شَيْبَانُ عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِى حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزَّبَيْرِ، عَنْ عَائشَةَ ؛ قَالتْ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ تَّهُ فِى مَرَضِهِ الَّذِى لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ((لَعَنَ اللَّ اليَهُوَدَ والنَّصَارَى، أَتَّخَذُوا
قُورَ أَنْبَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) .
قَالتْ : فَلَوْلًا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِىَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا .
وَفِى رِوَةِ ابْنِ أَبِى شَيْبَةَ: وَلَوْلَا ذَاكَ. لَمْ يَذْكُرْ : قَالتْ .
٢٠ _ (٥٣٠) حَدَّثَنَا هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَى يُونُسُ
وَمَالِكٌّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُّ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
بَّهِ: ((قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبَائِهِمْ مَسَاجِدَ )) .
٢١ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا الغَزَارِىُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الأَصَمِّ ،
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّةٍ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ
والنَّصَارَى، اَنَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) .
٢٢ - (٥٣١) وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - قَالَ حَرْمَلَةُ:
أَخْبَرَنَا. وَقَالَ هَرُونُ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب - أَخْبَرَّتِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ
الله بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبّدَ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالا: لَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ عَُّ، طَفِقَ يَطَرَحُ
قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(١)؛ ولهذا لما
احتاج المسلمون إلى الزيادة فى مسجده عَّه لتكاثرهم بالمدينة ، وامتدت الزيادة إلى أن
أدخل فيها بيوت أزواجه ، ومنها بيت عائشة الذى دفن فيه - عليه السلام - وذلك أيام
عثمان ، بنى على قبره حيطاناً أحدقت به ؛ لئلا يظهر فى المسجد فيقع الناس فيما نهاهم
عنه من اتخاذ قبره مسجداً ، ثم إنَّ أئمة المسلمين حذروا أن يتخذ موضع قبره قبلة ، إذ كان
مستقبل المصلين فتتصوَّرُ الصلاةُ إليه صورة العبادة له ، ويحذر أن يقع فى نفوس الجهلة من
ذلك شىء ، فرأوا بناء جدارين من ركنى القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا على زاوية
مثلثة من [ ناحية ](٢) الشمال حتى لا يمكن أحد استقبال موضع القبر عند صلاته ؛ ولهذا
(١) مالك في الموطأ، وأحمد فى المسند كما سبق .
(٢) فى ت : جهة .
!

٤٥٢
كتاب المساجد/ باب النهى عن بناء المساجد على القبور ... إلخ
خَمِيصَةً لهُ عَلَى وَجْهِه ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلَكَ: (( لعْنَةُ الله عَلَى
اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبَائِهِمْ مَسَاجِدَ )) يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا .
٢٣ _ (٥٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - واللفْظُ لأَبِى بَكْر -
قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّتْنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٌّ - عَنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمَرو ، عِّنْ
زَيِّدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ النجْرَانِيِّ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى
جِنْدُبٌّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َِّ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسَ، وَهُوَ يُقُولُ: ((إِنِّى أَبْرَأُ إِلى الله
أَنْ يَكُونَ لِى مِنْكُمْ خَلِيلٌّ، فَإِنَّاللهَ تَعَلى قَدِ اتَّخَذَنِى خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً،
١
:
قال فى الحديث: (( ولولا ذلك أبرز قبره - عليه السلام - غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا)).
وقوله: ((قاتل الله اليهود)) معناه: لعن، كما جاء فى الرواية الأخرى ، وقيل:
معناه : قتلهم وأهلكهم وقد جاء فاعل بمعنى فَعَلَ فى ألفاظ كقولهم : طارقت النعل (١)
وسافرت .
وقوله: ((إنى (٢) أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل)) أى أبعد عن هذا. وأنقطع
عنه ولا أتصل به، والعلة لذلك ما نذكره [بعد] (٣). وقوله: ((لو كنت متخذا من أمتى
خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً )).
قال الإمام : قال ابن النحاس : الخليل المختص بشىء دون غيره ، ولا يجوز أن
١٠١/أ يختص رسول الله عَّه أحداً بشىء من أمور الديانة دون غيره / قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك) الآية (٤). قال الإمام : وقيل : الخليل اشتق من الخَلَّة
بفتح الحاء ، وهى الحاجة. وقيل : من الخُلة بضمها وهى تخلل المودة فى القلب ، وقيل :
من الخُلَّة بالضم أيضاً ، وهو نبت تستحليه الإبل. قال ابن قتيبة وغيره : الحمض ما ملح
من النبت والخلة ما حلا منه ، تقول العرب : الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها .
قال القاضى: وقيل : اشتق من الاستصفاء ، وقيل : صفاء المودة ، فنفى النبى
أن تكون حاجته خلته إلى أحد من المخلوقين بل إلى ربه تعالى ، كما قال فى الحديث
(١) جاء فى لسان العرب: طارق الرجل بين نعلين وثوبين لبس أحدهما على الآخر ، وطارق نعلين خصف
إحداهما فوق الأخرى.
(٢) فى الأصل : أنا ، وهو خطأ .
(٣) ساقطة من ت.
(٤ ) المائدة : ٦٧ .
ہےم

٤٥٣
-
كتاب المساجد/ باب النهى عن بناء المساجد على القبور ... إلخ
وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّنَى خَلِيلاً لأنَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً ، أَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلِكُمْ كَانُوا
يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّى أَنْهَكُمْ
عَنْ ذَلِكَ)) .
الآخر: ((لكن صاحبكم خليل الله)) (١). وقيل: إنما سمى إبراهيم بذلك لقوله لجبريل
وهو فى المنجنيق ليرمى به فى النار، وقد قال له: ألك حاجة ؟ فقال إبراهيم: ((أمَّا إليك
فلا)) (٢) [أو يكون بينها] (٣) بالخُلَّة لغاية استصفائهما (٤) وفراغ قلوبهما عمن سواه ، ولهذا
قال بعضهم فى معنى هذا الحديث : الخليل من لا يتسع قلبه لسواه ، وسيأتى الكلام عليه
فى الفضائل. وفى سند هذا الحديث : ثنا زكرياء بن عدى عن عبيد الله بن عمرو ، عن
زيد بن أبى أنيسة ، عن عمرو بن مُرَّةً ، عن عبد الله بن الحارث النجرانى قال : حدثنى
جندب ، هذا ما استدركه الدارقطنى على مسلم وقال : خالف عبيد الله فيه أبو عبد الرحيم
فقال : عن جميل النجرانى ، عن جندب. وجميل مجهول والحديث محفوظ عن أبى سعيد
وابن مسعود(٥)، قال غيره: وقد ذكر النسائى الحديث من رواية [ عبيد الله ](٦) بن عمرو ،
ثم ذكر رواية أبى عبد الرحيم (٧) عن زيد ، عن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث، عن
جميل النجرانى عن جندب.
(١) الترمذى، ك المناقب، ب مناقب أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - وهو جزء حديث عن أبى هريرة -
رضى الله عنه - وقال فيه الترمذى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٢) قول مرسل بغير إسناد، وقد ذكره ابن كثير فى التفسير وعزاه إلى بعض السلف. تفسير القرآن العظيم ٣٤٥/٥.
(٤) فى ت : استقصائهما.
(٣) فى ت : وقيل : سُميًا.
(٥) عبارة الدارقطنى : خالفه أبو عبد الرحيم ، قال فيه عن حميد النجرانى عن حريث : رجلٌ مجهول ،
والحديث صحيح من رواية أبى سعيد وابن مسعود.
قلت : قوله: ((حميد)) تصحيف فى التتبع غفل عنه محققه، فقد قال الحافظ ابن حجر فى النكت
الظراف قال : ذكر البرقانى أن أبا عبد الرحيم رواه عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبى أنيسة فقال :
عن عمرو بن مرة عن جميل النجرانى عن جندب ، قال البرقانى -: وذكرت ذلك للدارقطنى فقال :
رواية عبيد الله بن عمرو عن زيد أشبه بالصواب ٤٤٣/٢ .
وقال ابن أبى حاتم فى العلل : سألت أبى عن حديث رواه إسماعيل بن عبيد بن أبى كريمة قال :
قرأت فى كتاب أبى عبد الرحيم بخطه وأخبرنى محمد بن مسلمة أنه خط ابن عبد الرحيم عن زيد بن أبى
أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث قال: حدثنى جميل النجرانى قال : سمعت جندب بن
عبد الله البجلى وذكر الحديث. ثم قال : قال أبى : رواه عبيد الله بن عمرو ، عن زيد ، عن عمرو ،
عن عبد الله بن الحارث ، قال : حدثنا جندب ، وهو أشبه ، وهو عندى عبد الله بن الحارث المكتب
الکوفی، وقد أدرك جندبا. ٣٨٨/٢.
قلت : وأبو عبد الرحيم : هو خالد بن أبى يزيد بن زياد بن رستم ، وقد سقط من نسخة الإلزامات
المحققة لفظة (عن) فى عمرو بن مرة فجاءت هكذا : عن زيد عمرو بن مرة. ولم يتنبه لها المحقق.
(٧) فى ت : الرحمن.
(٦) فى ت : عبد الله.

٤٥٤
كتاب المساجد/ باب فضل بناء المساجد والحث عليها
(٤) باب فضل بناء المساجد والحث عليها (١)
٢٤ _ (٥٣٣) حَدَّثَنِى هَرونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْب ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو ؛ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَاصِمَ بِنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
عُبَيْدَ اللهِ الْخَوْلَانِىَّ يَذْكُرُ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ
الرَّسُول ◌َّهُ: إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لله
تَعَالى - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ - بَنَى اللهُ لهُ بَيَّا فِى الْجَنَّةِ)) .
وَقَالَ ابْنُ عِيسىَ : فِى رِوَيَتِهِ: (( مِثْله فِى الجَنَّةَ)) .
٢٥ _ ( ... ) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللفْظ لابْنِ الُثَنَّى - قَالا:
حَدَّثَنَا الضَّحَّكُ بْنُ مَخْلد ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَّميدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لبيد ؛
أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ أَرَادَ بنَّاءَ الْمَسْجِد ، فَكَرَهَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْتَهِ. فَقَالَّ:
سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َِّةٍ يَقُولُ: (( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لله بَنَى اللهُ لُهُ فِى الجَنَّةَ مِثْلُهُ )) .
(١) لم يرد للقاضى ولا للإمام كلام فى هذا الباب. ومما ينبغى قوله هنا: أنَّ التنكير للمسجد أنه للتقليل كما
ذكر الأبى ليطابق ما فى بعض الروايات ((ولو كمفحص قطاة)).
وقوله: ((مثله فى الجنة)) أى فى الاسم لا فى القدر والصفة ، قال الأبى : ويحتمل أن يكون معناه أن
فضله عن بيوت الجنة كفضل المسجد عن بيوت الدنيا .

٤٥٥
كتاب المساجد / باب الندب إلى وضع الأيدى على الركب ... إلخ
(٥) باب الندب إلى وضع الأیدی علی الركب
فى الركوع ، ونسخ التطبيق
٢٦ - (٥٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ العَلَاءِ الهَمَدَانِىُّ، أَبُو كُرَيْب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلَقَمَةَ. قَالا: أَتَيْنَا عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُود
فِى دَارِه . فَقَالَ : أَصَلَّى هَؤُلاء خَلَفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لا. قَالَ : فَقُومُوا فَصَلُّوا ، فَلَمْ يَأْمُرْنَا
بأَذَان وَلا إِقَامَةٍ. قَالَ : وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلَفَهُ ، فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ
وقوله فى حديث ابن مسعود: (( أصلى هؤلاء خلفكم ، فقلنا : لا . فقال : قوموا
فصلوا)) : أراد بهؤلاء الأمراء ، وعاب عليهم تأخيرهم عن وقتها المستحب ، ويدل عليه
آخر الحديث ، ومعنى ((خلفكم)) هنا إشارة إلى موضعهم أنه كان من ورائهم.
وقوله : ((فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة)): فيه جواز صلاة المرء الفريضة فى بيته ، وأن
الجماعة ليست بفرض على الأعيان خلافاً لأهل الظاهر، وفيه صلاتها فى البيت فى جماعة ،
وقوله: (( فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة )) اختلف الناس فيمن صلى وحده أو فى بيته هل
يجزئه إقامة أهل المصر وأذانهم ؟ فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم إلى
أن له أن يصلى بغير أذان ولا إقامة. وذهب عامة فقهاء الأمصار إلى أنه يقيم ولا يجزئه
إقامة أهل المصر ولا يؤذن ، واستحب ابن المنذر أن يؤذن ويقيم. وذهب ابن سيرين
والنخعى إلى الإقامة إلا صلاة الفجر فإنه يؤذن ويقيم لها خاصة.
وقوله : (( فذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله
[وقال: إنها صلاة النبى معَّةٍ)) ] (١)، قال الإمام: إذا كان مع الإمام ثلاثة رجال قاموا
وراءه بغير خلاف ، وإن كان واحداً قام عن يمينه. واختلف إذا كان اثنين ، فذهب ابن
مسعود إلى ما ذكر فى الحديث ، والفقهاء سواه يرون أن يقوما وراء الإمام.
قال القاضى : ما ذكره [أولا](٢) هو قول الكافة فى الواحد ، وحكى عن ابن المسيب
فيه: أنه إنما يقوم عن شماله لحديث صلاة النبى ◌ّه وأبى بكر فى مرضه المتقدم ، وما
ذكر فى صلاة ابن مسعود من تشبيك اليدين وتطبيقهما بين الفخذين فى الركوع به قال ابن
(١) هذه العبارة ساقطة من جميع نسخ الصحيح المطبوعة ولم ينبه إليها أحدٌ من شراح مسلم على ضرورتها ،
إذ بها يستقيم معنى الحديث ويتأكد أن الحديث مرفوع، وهو ما توحى به جميع عباراته ، فقوله: (( فلكأنى
أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله عَّه)) هو عندى من كلام ابن مسعود لا من كلام علقمة وعلى ذلك
ففى هذا الحديث سقط آخر .
(٢) ساقطة من ت.

٤٥٦
كتاب المساجد / باب الندب إلى وضع الأيدى على الركب ... إلخ
عَنْ شِمَالِهِ . قَالَ : فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِينَا عَلَى رُكَبْنَا. قَالَ : فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا وَطَبَّقَ بَيْنَ
كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلُهُمَا بَيْنَ فَخذَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّ صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ
الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْتُقُونَهَا إِلى شَرَقِ المَوْنَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلوا ذَلِكَ ، فَصَلُوا
الصَّلاةَ لمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً ، وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَصَلُوا جَمِيعًا، وَإِذَا
كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخذَيْهِ ،
وَلَيَجْنَأَ، وَلَيُطَبِقْ بَيْنَ كَفَّهِ، فَلَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلى اخْتِلافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ يَّهُ، فَأَرَاهُمْ.
مسعود وأصحابه . وقد ثبت نسخ ذلك فيما ذكره مسلم فى كتابه بوضع اليدين على
الركب، وبهذا قال جماعة السلف وفقهاء الأمصار ، ولعل ابن مسعود لم يبلغه نسخ ذلك .
قال الإمام: وقوله: ((سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة ويخنقونها إلى شرق
الموتى)) : قال أبو عبيد : سئل الحسن بن محمد بن الحنفية عن هذا الحديث ، فقال : ألم
تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان وصارت بين القبور كأنها لجة ، فذلك (١) شرق
الموتى، وقال الهروى : فى تفسير قوله - عليه الصلاة والسلام - حين ذكر الدنيا إنما بقى
منها كشرق الموتى (٢)، وقال ابن العربى: فيه معنيان : أحدهما : أن الشمس فى ذلك
الوقت إنما تثبت ساعة ثم تغيب ، فشبه ما بقى من الدنيا ببقاء تلك الساعة ، والثانى :
شرق الميت بريقه ، فشبه قلة ما بقى من الدنيا بما بقى من حياة من شرق بريقه حتى تخرج
نفسه .
[ قال القاضى ](٣): وقيل : شرق الموتى: إذا ارتفعت الشمس عن الطلوع، يقال:
تلك ساعة الموتى ، قيل : شرق الموتى اصفرار الشمس عند غروبها.
وقوله: ((يَخْنُقُونها)) أى يُضَيِّقُون وقتها ويتركون أداءها إلى ذلك الحين ، يقال :
هم فى خناق من كذا ، أى فى (٤) ضيق.
. [ وقوله: ((فَصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحَةً)) أى نافلة،
ومعنى هذا لئلا تتأذى بتخلفك عنه إذا خفته ، ولما يخشى من المخالفة عليهم ](٥) .
وقوله فى صفة الركوع: ((وليحن)) كذا رواية أكثر شيوخنا بالحاء المهملة وكسر
النون، وعند الطبرى: فليجنا(٦) بالجيم وفتح النون وبهمز آخره وكلاهما صحيح المعنى وهو
(٢) النهاية فى غريب الحديث والأثر ٢ / ٤٦٥.
(١) فى ت : فكذلك .
(٣) فى ت : قال الإمام ، وهو خطأ.
(٤) فى الأصل : من ، والمثبت من ت.
(٥) فی ت : جاءت بالهامش.
(٦) الذى فى المطبوعة : وليجنا.

٤٥٧
كتاب المساجد / باب الندب إلى وضع الأيدى على الركب ... إلخ
٢٧ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ النَّميمىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهر. ح قَالَ:
وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا جَرِيرٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، كُلُهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ وَالأَسْوَدِ ؛
أَنَّهُمَا دَخَلا عَلَى عَبْد الله . بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ . وَفِى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ :
فَلَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولَ اللهِ ◌َّهُ، وَهُوَ رَاكِعٌ.
٢٨ - ( ... ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى عَنْ
إِسْرَائيلَ ، عَنْ مَنْصُور ، عَنْ إِيْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ وَالَأَسْوَدِ ؛ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْد الله .
فَقَالَ : أَصَلَى مَنْ خَلفَّكُمْ؟ قَالا: نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا. وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ
عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبْنَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، ثُمَّ طَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ
جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخذَيْهِ. فَلَمَّا صَلَى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِعَِّ .
٢٩ _ (٥٣٥) حَدَّثَنَا قُتَيِّبَةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو كَامِلِ الجَحْدَرِىُّ - وَاللفْظُ لقُتَيْبَةَ - قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَنَةَ ، عَنْ أَبِى يَعْفُورِ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سِّعْدٍ ، قَالَ : صَلَيْتُ إِلى جَنْبِ أَبِى .
قَالَ: وَجَعَلَتُ يَدَىَّ بَيْنَ رُكْبَتَىَّ. فَقَالَ لى أَبِى : اضْرِبُ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَيِّكَ . قَالَ : ثُمَّ
فَعَلَتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَضَرَبَ يَدَىَّ وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ
بالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَب .
( .. ) حَدَّثَنَا خَلْفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثْنَا أَبُو الأَخْوَصِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كلاهُمَا عَنْ أَبِى يَعْفُورِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. إِلى قَوْلِهِ: فَنُهِينَا عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرَاً
مَا بَعْدَهُ .
٣٠ - ( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدِ ،
من الانعطاف والانحناء فى الركوع وهو [ تعفف](١) الصلب ، يقال: جنى على الشىء
يجنا جنواً يجنى أجْنَا، ووقع هذا الحرف عند العذرى ((وليحنُ)) بضم النون ، وهو بمعناه،
يقال : حنوت [ العود ](٢) وحنيته إذا أعطفته ، وأصل الركوع فى لغة العرب : الخضوع
(١) فى ت : تعقب.
(٢) جاء عند الأبى : الحوت ، وهو خطأ.

٤٥٨
كتاب المساجد / باب الندب إلى وضع الأيدى على الركب ... إلخ
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٌّ، عَنْ مُصْعِبٍ بْنِ سَعْد ؛ قَالَ : رَكَعْتُ فَقُلْتُ بِيَدَىَّ هَكَذَا - يَعْنِى طَبَّقَ
بِهِمَّا وَوَضَعَهُّمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ - فَقَالَ أَّبِى: قَدْ كَنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِتَا بِالرُّكَبِ.
٣١ - ( ... ) حَدَّثَنِى الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
أَبِ خَالِدِ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٌّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعَدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ ؛ قَالَ: صَلَيْتُ إِلى
جَنْب أَبِى ، فَلَمَّا رَكَعْتُ شَبَّكْتُ أَصَابِعِى وَجَعَلْتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَىَّ، فَضَرَبَ يَدَىَّ، فَلَمَّا
صَلَى قَالَ : قَدْ كُنَّا نُفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلى الرَّكَبِ.
والذلة ، قال شاعرهم :
ولا تعادى الفقير لك أن تر
کع يوما والدهر قد رفعه
وهذه صفة الخاضع الذليل الملقى بيده المستسلم ، بل قيل : هى صورة الممكن نفسه
لضرب عنقه ، وتلك غاية صور الاستسلام ، لا سيما ما كان عليه أول الشرع من التطبيق
١٠١ / ب وحبس / اليدين بين الفخذين كالمكتوف.

٤٥٩
كتاب المساجد / باب جواز الإقعاء على العقبين
(٦) باب جواز الإقعاء على العقبين
٣٢ - (٥٣٦) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا
حَسَنُ الْحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق - وَتَقَارَبَا فى اللفظ - قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ،
أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: قُلْنَا لابْنِ عَبَّاسِ فِىَ الإِفْعَاءِ عَلَى القَدَمَيْنِ .
فَقَالَ: هِىَ السُنّةُ. فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّالَرَهُ جَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسَ: بَلْ هِىَ سُنّةُ نَيِّكَ لَّهُ.
ذكر مسلم قول ابن عباس فى الإقعاء على القدمين: [ هى السنة](١)، قال الإمام: لعل
ابن عباس لم يعلم ما ورد من الأحاديث الناسخة التى فيها النهى عن الإقعاء ، قال الهروى
فى تفسير: ((نهى أن يقعى الرجل فى الصلاة)): قال أبو عبيد : هو أن يلصق الرجل
أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ، ويضع يديه بالأرض ، كما يفعل الكلب ، قال : وتفسير
الفقهاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين ، والقول هو الأول ، وقد روى عن النبى
عَّ أنه [قال لكل] (٢): ((مقعيًا))، قال ابن شميل: الإقعاء: أن يجلس [ الرجل](٣)
على وركيه وهو الاحتفاز والاستيفاذ ، وحكى عن الثعالبى أنه قال فى إشكال الجلوس عن
الأئمة: إن الإنسان إذا ألصق عقبيه بأليتيه قيل : أقعى ، وإذا استوفز فى جلوسه كأنه يريد
أن يثور للقيام قيل: احتفز [واقعنفز ](٤)، وقعد القعفزى ، فإذا ألصق أليتيه بالأرض
وتوسد ساقيه قيل : قرطش.
قال القاضى: الذى قرأته فى كتاب الثعالبى فى هذا الحرف: ((فرشط)» بالفاء ،
وتقديم الشين المعجمة على الطاء ، وكذا ذكره أبو عبيد فى المصنف فى هيئة هذه الجلسة
المذكورة ، وأرى ما وقع فى المعلم من ذلك تغيرٌ من النقلة أو ممن شاء الله ، والأشبه عندى
فى تأويل الإقعاء الذى قال ابن عباس : إنه من السنة ؛ الذى فسر به الفقهاء من وضع الأليتين
بين السجدتين على العقبين وليس بالمنهى عنه ، فقد روى عن جماعة من الصحابة ، والسلف
أنهم كانوا يفعلونه، وكذا جاء مفسراً من ابن عباس: ((من السنة أن تُمِسَّ عقبيك أليتيك)» (٥)،
(١) لفظ المطبوعة: بل هى سنة نبيك.
(٢) فى ت : كان.
(٣) من ت.
(٤) من ت ، والذى فى الأصل : اقتعفز، وهو تصحيف، جاء فى اللسان: قعفز جلس القعفَزَى، وهى
جلسة المستوفز ، وقد اقعنفز.
(٥) التمهيد ٢٧٤/١٦، وقد وردت هكذا بلفظ التنية ، بيد أن محقق الاستذكار أبى بها على الإفراد مرفوعة.
٤/ ٢٧١.
قال ابن عبد البر ، بعد أن ساق هذا القول وقول طاوس : رأيت العبادلة يفعلونه ابن عمر ، وابن
عباس ، وابن الزبير . لا أدرى كيف هذا الإقعاء ، ويمكن أن يكون الإقعاء من ابن الزبير أيضاً لعذر - مثل
عذر ابن عمر - فقد خدع اليهودُ يديه ورجليه بخيبر . فلم تعد كما كانت.

٤٦٠
كتاب المساجد / باب جواز الإقعاء على العقبين
ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار ، وسموه إقعاء (١) ، وأجروا الجلوس فيها مجرى
الجلوس فى التشهد على اختلافهم فيه وقد تقدم ، ووافق الشافعى مالكاً فى كراهة ذلك فى
السجدتين(٢) وخالفه فى استعمال ذلك عند الرفع من السجدة الثانية للقيام ، فرأى الشافعى
فى جماعة من أصحاب الحديث(٣) أنه يرجع جالساً على قدميه يسيراً ثم ينهض للقيام ،
يتر
قال: وليس ذلك بإقعاء (٤). وحجتهم ما جاء فى حديث مالك بن الحويرث أن النبى
إذا كان فى وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوى قاعداً (٥)، وقال مالك فى كافة الفقهاء
سفيان وأحمد وأصحاب الرأى : لا يجلس ولكن ينهض كما هو ، وحملوا حديث ابن
الحويرث أنه كان مرة من قوله - عليه السلام - ليدل على جواز ذلك أو الشكوى به ، قال
الداودى : فمن هذا رأى مالك أن لا سجود على من جلس فى وتر الركعات ما لم يطل.
قال القاضى : وحكى غيره من شيوخنا فيها قولين : السجود وتركه ، وكل هذا لمن
فعله ناسيا ، فأما عامداً فلا سجود اتفاقاً ، ثم اختلفوا فى الاعتماد على اليدين عند النهوض
إلى القيام ، فقال مالك وجمهورهم : يعتمد وهو أقرب إلى السكينة ، وقال الثورى فى
آخرين : لا يعيد إلا أن يكون شيخاً ، وخيَّره مالك مَرَّةً ورأى أن يفعل ما هو أرفق به .
وقوله : (( إنا لنراه جَفَاءً بالرجُل فقال ابن عباس: [بل] (٦) هى السنة))(٧): كذا رويناه
فى الأم ، الرجل بفتح الراء وضم الجيم ، وكذا قيدناه عن شيوخنا و قيدناه فى (٨) كتاب
أبى داود على الفقيه أبى الوليد هشام بن أحمد عن الغسانى شيخنا عن أبى عمر بن عبد
البر : بالرِجْل ، بكسر الراء وسكون الجيم ، يريد الجارحة وكذا ألفيته أيضاً فى أصل أبى
عمر بن عبد البر(٩) وبه عارضت ، وقال أبو على: كذا كان يقول أبو عمر فيه ، ويقول:
من قال بِالرَجُلِ فقد صحفه [ ولا معنى له ](١٠) ، قال أبو على: ولم أسمعه أنا قط إلا
(١) الإقعاء عند أصحاب الحديث: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين. التمهيد ٢٧٣/١٦ .
(٢) وكذا أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو عبيد، والإقعاء المكروه عندهم هو جلوس الرجل على أليتيه ناصباً
فخذيه ، فإن الكلب إنما يقعدُ على أليتيه ، ورجلاه من كل ناحية ، السابق.
(٣) كطاووس ومعمر وعبد الرزاق. راجع: المصنف ٢/ ٩١.
(٤) وهذا هو الذى يستحسن ابن عباسٍ ، ويقول : إنه سنة، قال أبو عمر : فصار ابن عمر مخالفاً لابن عباس
فى ذلك ، على أن الإقعاء قد فسره أهل اللغة على غير المعنى الذى تنازع فيه هؤلاء ، وهذا كله يشهد
لقول ابن عباس. التمهيد ٢٧٨/١٦.
(٥) البخارى ، ك الأذان، ب من استوى قاعدا فى وتر من صلاته ثم نهض ، وأبو داود ك الصلاة ، ب
النهوض فى الفرد ٢٦٤/١، والترمذى ك أبواب الصلاة ، ب ما جاء كيف النهوض من السجود (٢٨٧)
وقال: حديث حسن صحيح ، والنسائى ، ك التطبيق ، ب الاستواء للجلوس عند الرفع من السجدتين.
(٧) فى المطبوعة: بل هى سنَّةُ نبيك وَّةٍ.
(٦) ساقطة من ت .
(٨) فى ت : وفى .
(٩) جاءت بالتمهيد غير مضبوطة، وفى أبى داود وردت على وفق رواية مسلم. انظر: التمهيد ٢٧٦/١٦،
والسنن ، ك الصلاة، ب الإقعاء بين السجدتين ١/ ١٩٤ .
(١٠) فی ت : ولا له وجه.