Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
-
كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار
٢٢٤ - ( .. ) وَحَدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ أَبِى الْوَلِيدِ،
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا هَشَمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبِّدِ الْمَلِكِ بْنُ عُمَّيْرٍ ، عَنْ
عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَرَسُولِ اللهِعَّهُ، فَأَتَاهُ رَجُلان
يَخْتَصِمَانِ فِى أَرْضِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا افْتَرَى عَلَى أَرْضى يَا رَسُولَ الله فِى الْجَاهلية
- وَهُوَ امْرُؤُالْقَيْسِ بْنُ عَابِسِ الْكِنْدِىُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ - قَالَ: ((بَيِنْتُكَ)) قَالَ :
لَيْسَ لِى بَِّةٌ. قَالَ: ((يَمِينُهُ)). قَالَ: إِذَنْ يَذْهَبُ بِهَا. قَالَ: ((لَيْسَ لَكَ إِلَّذَاكَ). قَالَ: فَلَمَّا قَامَ
تعجيز الحاكم للطالب إذا قام بذلك المطلوب والحكم به للمطلوب ، إلا فيما كان من حقوق
الله، كالطلاق والعتاق والنَّسب والأحباس وطرق العامة وشبهها ، مما ليس يختص منفعته
بالقائم فيه وحده وتعلق فيه حق الله ، والقول الآخر : أن الطالب لا يعجز فى شىء
ولا يحكم للمطلوب والطالب على حقه أبداً متى قامت له حجة إلا إن أثبت المدعى عليه ما
يدفعه به ، ويعجزُ عن حَلّه، فيحكم عليه للمدَّعى عليه ، إلا فيما كان من حقوق الله -
كما تقدَّم .
ويعضد القول الأول قول عمر - رضى الله عنه - فى رسالته لأبى موسى التى هى
عماد السيرة وعروة القضاء: ((اجعل للمُدَّعى أجلاً ينتهى إليه ، فإن أحضر بيّنةً أخذ
بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء)) (١).
وقوله: (( انتزى على أرضى)) : أى أخذها ، وأصل النزْو : الوثب ، ثم كثر
استعمالهم له فى كل ما أشبهه . فاستعملوه فى الجماع ، فقالوا : نزى الفحلُ على الأنثى،
واستعملوه فى كل من حَصَل على أمرٍ من سلطان أو خرج عليه - ونحو هذا .
وذكر الحديث الآخر عن وائل بن حُجر بمعناه ، وسمى فيه الكندى امرأ القيس بن
عابس، بياء واحدة وسين مهملة ، وصاحبه ربيعةُ بن عَيْدَانَ - بفتح العين المهملة وياء
باثنتين تحتها هذا هو صوابه ، واختلفت الرواية فيه فى الأم ، فقال زهير: ربيعة بن عبدان ،
بكسر العين وباء بواحدة ، وقال ابن راهويه : عيدان على الصواب - كما تقدم .
كذا ضبطناه فى الحرفين عن شيوخنا- رحمهم الله - ووقع عند ابن الحذَّاء عكس
ماضبطناه ، فقال فى رواية: زهير عيدان - بالفتح والياء باثنتين ، وفى رواية إسحق بن
= بمن يزكى بينته أو بيّنة عدله، فأصل ابن القاسم أنها تقبل، وقال مطرّف: لاتقبل. الأبى ٢٤٣/١ .
(١) لفظ الخطاب كما جاء فى أعلام الموقعين: ((ومن ادَّعى حقاً غائباً أو بيِّنة فاضرب له أمداً ينتهى إليه، فإن
بينه أعطيتهَ بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضيّة، فإن ذلك هو أبلغ فى العذر وأجلى للعماء)»
٨٦/١ .

....
٤٤٢
كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار
لَيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ الله ◌ِعَّهُ: ((مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا ، لَقِىَ اللهَ وَهُوْ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ». قَالَ
إِسْخَقُ فِى رِوَيَتِهِ : رَبِيعَةٌ بْنُ عَيْدَانَ .
راهويه عبدان، بالكسر والباء بواحدة. قال الجيانى: وكذا فى الأصل عن الجلودى، والذى
صوبناه أولاً هو قول الدارقطنى ، وكذا قيده هو وأبونصر بن ماكولا فى المؤتلف وابن يونس
فى التاريخ، وكذا قاله عبد الغنى بن سعيد قال: ويقال فيه: عيدان(١).
وقوله : (( شاهداك أو يمينه)): مما يحتج به الحنفى فى ترك العمل بالشاهد واليمين ،
إذ لم يجعل وساطة (٢) بينهما فى اقتطاع الحقوق وحصرها فى هذا الحديث بهذين الطريقين،
والحديث الآخر يَرُدَّ عليهم ويُفسّرُ مجملَه، وهو قضاء النبى معَّه بالشاهد واليمين ، وعمل
الخلفاء بذلك بعده وقضاؤهم به . وسيأتى الكلام عليه فى موضعه وارتفع (( شاهداك )» بفعل
مضمَر ، قال سيبويه : معنى الكلام ماأثبت شاهداك(٣).
(١) عبارة عبد الغنى كما نقلها صاحب الإكمال : ويقال : عبدان، بكسر العين وبالباء المعجمة بواحدة .
وربيعة بن عيدان بن ربيعة الكبير بن عيدان بن مالك بن زيد بن ربيعة الحضرمى ، من أصحاب رسول
الله عَةٌ، شهد فتح مصر، ليست له رواية نعلمها . قال ابن ماكولا: قال ذلك ابن يونس . الإكمال
٩٩/٦، وانظر: الإصابة ٢/ ٤٧١، ولم يرد له ذكر فى الاستيعاب.
(٢) فى ت : واسطة .
(٣) الكتاب ١٤١/١ .

كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق ... إلخ ــ ٤٤٣
(٦٢) باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق
کان القاصد مهدر الدم فی حقه ، وإن قتل کان
فی النار ، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد
٢٢٥ _ (١٤٠) حدّثْنِى أَبو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاَءِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ
مَخْلَد - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولُ الله ◌َ فَقَالَ: يَارَسُولُ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ
مَالى؟ قال: ((فَلاَتُعْطِهِ مَالَكَ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْنِى؟ قَالَ: ((قَاتِلُهُ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ
قَتَنَى؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ)). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتُهُ ؟ قَالَ: ((هُوَ فِىَ النَّارِ)) .
٢٢٦ - (١٤١) حدّثَنِى الْحَسَنُ بْنَ عَلِىِّ الْحُلْوَانِىُّ، وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، وَمُحَمَّدُ
ابْنِ رَافِعٍ ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ. قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبَّدُ الرَّزَّق،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ : أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ؛ أَنَّ ثَابِتَاً مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ مَا كَانَ ، تَيَسَّرُوا
للقتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ . فَقَالَ عَبْدُ الله بن
عَمْرو: أَمَا عَلَمْتَ أَنَّ رَسُولُ اللهِ عْثَّهَ قَالَ: « مَنْ قُتْلَ دُونَ مَالهَ فَهُوَ شَهِيدٌ)) .
قوله عَّهُ: ((من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد))، وقوله: (( لاتعطه مالك، فقال: إن
قاتلنى ، قال: قاتله .. )) الحديث : أصل الشهادة التبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ
أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ ﴾ (١) أى بين، وسمى الشاهد لأن من شهادته تبين الحكم . قال النضر بن
شُمَيْل: سُمِّى الشهيدُ شهيداً بمعنى أنه حىّ، تأوَّل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية (٢) كأن أرواحهم أحضرت دار السلام وغيرهم لا يشهدها إلا يوم القيامة،
وقال ابن الأنبارى: سُمِّى بذلك لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة ، فشهيد على هذا
بمعنى مشهود له ، وقيل : سمّى بذلك لأنه يشهد مع النبى عمّه يوم القيامة على الأمم
المتقدمة ، قال الله عز وجل: ﴿لَّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾(٣)، وقد جاء هذا فى جماعة
(١) آل عمران: ١٨.
(٢) آل عمران : ١٦٩ .
(٣) البقرة : ١٤٣

٤٤٤ - كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق ... إلخ
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. حِ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ
النَّوْقَلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلاَّهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيِّجٍ ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ .
المسلمين(١)، ويحتمل أن يكون شهد عند موته ماله عند الله من النجاة والثواب والبشرى
وحقق ذلك كما قال : ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾(٢) .
وقوله: ((لا تعطه مالك)) وأمره بقتاله إن قاتله، دليلٌ على جواز قتاله(٣) وإن طلب
المال ، أو على وجوبه بكل حال . قال ابن المنذر : عوامُ العلماء على جواز قتال المحارب
على كل وجه ، ومُدافعته عن المال والأهل والنفس .
٣٥/ ب
واختلف المذهب عندنا / إذا طلب الشىء الخفيف - الثوب والطعام - هل يُعطاء (٤) أو
يقاتل(٥) دونه ؟ وهو مبنى على الخلاف فى أصل المسأله ؛ هل قتالهم مأمور به لأنه تغيير
منكر لقوله عَّهُ: ((قاتله)) أو هو مباح غير مأمور به؟. وكذلك الخلاف فى أصل مسأله
الدعوة [بعد العلم مما يُدعَى إليه] (٦).
وفيه دليل على أنه لادية فى قتل المحاربين ولا قود ؛ لأنه إذا كان مقتوله شهيداً وأمر
بقتاله، وأخبر النبى عَّهِ أَنَّه إن قُتل فى النار ، فما يأمر الشرع به لا يُعقّبُ على فاعله
[بعد](٧) ولا تباعة فى دنيا ولا آخرة .
(١) قال الحافظ ابن كثير فى قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: ((يقول تعالى: إنَّما حَوَّلناكم إلى قبلة إبراهيم - عليه السلام - واخترناها
لكم لنجعلكم خيار الأمم ؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم ؛ لأن الجميع معترفون لكم
بالفضل)). قال: ((والوسط هاهنا الخيار والأجود ، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا، أى أشرفهم
نسباً)). تفسير القرآن العظيم ٢٧٥/١ .
(٢) آل عمران : ١٧٠ .
(٣) يعنى بالجواز: الأعم من الواجب والمندوب ؛ لأن مالكاً جعل جهادهم جهاداً وأقلَّ أمره الندب لاالجواز
الأخص المرادف للإباحة ، وكذلك يعنى بالإباحة أنها الجواز الأعم .
والقول بمنع إعطائهم الشىء الخفيف هو مشهور مذهب مالك. والآخر وهو الإعطاء لسحنون. إكمال
٢٤٦/١.
(٤) فى ت : يعطوه . وهو قول سحنون كما مر .
(٥) كتب فى الأصل مرتين ؛ مرة: يقاتلوه ، ومرة فوقها : يقاتل ، وفى ت: يقاتلوا وهذا مشهور مذهب مالك
كما ذكرنا .
(٦) فى الأصل : للعلم مما يُدعى .
(٧) ساقطة : من ق .

كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق ... إلخ ـ- ٤٤٥
وأما ما ذكر فى الحديث مما كان بين عبد الله بن عمرو وعنبسة بن أبى سفيان(١).
(١) كتب بعدها بالهامش فى ت ما يلى: ((مناظرة هاهنا بياض فى أصل المؤلف رحمه الله ))٧٢ / أ.
وعنبسة بن أبى سفيان بن حرب، أخو معاوية، وكان عاملاً له على مكة والطائف ، ذكره ابن منده ،
وقال: أدرك النبى ◌َّه، ولا تصح له صحبة ولارؤية. قال الحافظ فى الإصابة: (( إذا أدرك الزمن النبوى
حصلت له الرؤية لامحالة، ولو من أحد الجانبين، ولاسيما مع كونه من أصهار النبى ◌َّهُ، أخته أم حبيبة أم
المؤمنين، وقد اجتمع الجميع بمكة فى حجة الوداع)). الإصابة ٦٩/٥، وانظر: أسد الغابة ٣٠٤/٤ وماكان بينه
وبين عبد الله بن عمرو قد فصله الطبرى فيما رواه عن حيوة قال: إن عاملاً لمعاوية أجرى عيناً من ماء
ليسقى بها أرضا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص، فأراد أن يخرقه ليجرى العين منه إلى الأرض ، فأقبل
عبد الله بن عمرو ومر إليه بالسلاح، وقالوا: والله لاتخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحدٌ . وذكر الحديث
والعامل المذكور هو عنبسة هذا، والأرض المذكورة كانت بالطائف ، وإنما فعل عبد الله ما فعل لما يدخل
عليه من الضرر .
ومعنى قوله : (( تيسروا للقتال)» أى: تأهبوا وتهيؤوا، وخالد المذكور هو عم عبد الله بن عمرو ،
وأخو عمرو بن العاص .
و(دون ) فيما ذكر القرطبى ظرف مكان بمعنى تحت ، وتستعمل للسببية على المجاز، ووجهه: أن الذى
يقاتل عن ماله غالباً إنما يجعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه، وفى رواية لأبى داود والترمذى: (( من أريد
ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد)) ، ولابن ماجه من حديث ابن عمر نحوه وروى الترمذى وبقية
أصحاب السنن من حديث سعيد بن زيد نحوه ، وفيه ذكر الأهل والدم والدين .
وفى حديث أبى هريرة عند ابن ماجه: (( من أريد ماله ظلماً فقتل فهو شهيد)). راجع: فتح الملهم
١٧٦/١ .

٤٤٦
كتاب الإيمان / باب استحقاق الوالى الغاش لرعيته النار
(٦٣) باب استحقاق الوالى الغاش لرعيته النارَ
٢٢٧ - (١٤٢) حدّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ :
عَادَ عُبَيْدُ الله بْنُ زِيَادِ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزَنِىِّ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ . قَالَ مَعْقَلٌ : إِنِّى
مُحَدِّثْكَ حَدِيثاً سَمْعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَّهَ، لَوْ عَلَمْتُ أَنَّ لِى حَيَاةً مَا حَدَّتُكَ ، إِنِّى
سَمِعْتُ رَسُوَلَ اللهَ يَقُولُ: ((مَا مِنَ عَبْدِ يَسْتَرْعِهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ
غَاشٌّ لِرَعَّتَه، إلاَّحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)) .
٢٢٨ - ( ... ) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زرَيْع، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ
الْحَسَن ؛ قَالَ دَخَلَ عُبَيْدُ الله بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارِ وَهُوَ وَجِعٌ ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ : إِنِّى
مُحَدِّثْكَ حَدِيثاً لَمْ أَكُنْ حَدَّتَكَهُ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ عَ قَالُ: (( لاَيَسْتَرْعَى اللهُ عَبّداً رَعيَّةً ،
يَمُوتُ حينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌ لَهَا، إلَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)) . قَالَ: أَلَّ كُنْتَ حَدَّثْتَى هَذَا
قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَاحَدَّتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لِأحَدََّكَ .
٢٢٩ - (.) وحدّثْنِى الْقَاسمُ بْنُ زَكَرِيَّاء، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِى الْجُعَفَىَّ - عَنْ
زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ؛ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ : كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارِ نَعُودُهُ، فَجَاءُ عُبَيْدُ الله بْنُ
وقوله تعَّه: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لها إلا حَرَّم الله عليه
الجنة)) هذا الحديث [وما فى] (١) معناه ، قد تقدم معنى تحريم الجنة والتأويل فى مثله ،
ومعناه بَيّن فى التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله شيئاً من أمرهم ، واسترعاه عليهم ،
ونصبه خليفة لمصلحتهم ، وجعله واسطة بينه وبينهم فى تدبير أمورهم فى دينهم ودنياهم .
فإذا خان فيما اؤتمن عليه ولم ينصح فيما قُلِّده واستخلف عليه إما بتضييع لتعريفهم مايلزمهم
من دينهم وأخذهم به والقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها لكل مُتَصَد
لإدخال داخلَة فيها ، أو تحريف لمعانيها ، أو إهمال حدودهم ، أو تضييع حقوقهم ، أو
ترك حماية حوذتهم ومجاهدة عدوهم ، أو ترك سيرة العدل فيهم - فقد غشهم .
وقد نبه عَّ أن ذلك من كبائر الذنوب الموبقة المبعدة عن الجنة إذا دخلها السابقون
والمقربون ، إن أنفذ الله عليه وعيده الموجب لعذابه [ بالنار ] (٢) ، أو إيقافه بالبرزخ
(١) فى الأصل كتبت : ما وفى ، ثم وضع على الواو حركة تحويل .
(٢) ساقطة من ق .

٤٤٧
كتاب الإيمان / باب استحقاق الوالى الغاش لرعيته النار
زِيَادٍ . فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّى سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِعَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى
حَديثهما .
( ... ) وحدّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِىُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ
إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَبِى الْمَلِيحِ ؛ أَنَّ عُبَيْدَ الله بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقُلَ بْنَ يَسَارِ فِى مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ : إنِّى
مُحَدِّثْكَ بَحَدِيثِ لَوْلاَ أَنِّى فِىَ الْمَوْتِ لَمَّ أُحَدَّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَ يَقُولُ:
((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لاَيَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلاَّلَّمْ يَدْخُلْ مَعَهُمَّ الْجَنَّةَ)).
والأعراف المدة التى يشاء الله تعالى، أو يحرم الجنة رأساً إن فعل ذلك مستحلاً.
وقول معقل لعبيد الله بن زياد: ((لولا أنى فى الموت لم أَحدثك به )): إما لأنه علم
قبل أنه ممن لا ينفعه العظات (١) ، كما ظهر منه مع غيره ، ثم خرج آخراً من كتمه الحديث
ورأى تبليغه لأمر النبى عَّه أصحابه بالبلاغ ، أو لأنه خافه من ذكره مدة حياته لما يُهيج
عليه ذكر هذا الحديث ويثبته فى قلوب الناس من سوء حاله .
(١) التوجيه : بأنه لا يتعظ لايتوجه - كما ذكر الأبى - لأنه ليس من شرط التغيير غلبة الظن بأن المغير عليه
ينزجر ، قال : فالصواب التوجيه بأنه خافه ، فإن التغيير إنما هو مالم يؤد إلى مفسدة أشد ، ثم لما أمن شره
عند الموت غيّر عليه بذكره الحديث له ، لا أنه إنما حدَّث تحرجا من كتم العلم ؛ لأنه لو تحرج من ذلك
حدَّث غيره. الإكمال ٢٤٧/١ .

٤٤٨
كتاب الإيمان / باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب ... إلخ
(٦٤) باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب
وعرض الفتن على القلوب
٢٣٠ _ (١٤٣) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكَيعٌ . ح وَحَدَّثَنَا
أَبُو كُرِيْب، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيِّدِ بْنِ وَهْب، عَنْ حُذَيْفَةَ ؛ قَالَ : حَدَّثَنَا
رَسُولُ اللهِ عَهُ حَدَيْثَيْنِ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ ، حَدَّثَنَا: « أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ
فى جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالَ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ ، فَعَلِمُوا مَنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السَّنَّةَ)) . ثُمَّ
حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ قَالَ : « يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مَنْ قَلْبه، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ
الْوَكْتِ. ثُمْ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقَبِضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلِ أَثَرُّهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْر دَحْرَجْنَهُ
عَلَى رِجْلِكَ ، فَنَفْطَ فَتَرَاهُ مُنْتَرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَىْء - ثُمَّ أَخَذَ حَصَى فَدَحْرَجَهُ عَلَى
رِجْلِهِ - فَيُصْحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّى الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ : إِنَّ فِى بَنِى
فُلانِ رَجُلاً أَمينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ
حَبَّةً مِنْ خَرْدَلَ مِنْ إِمَانٍ )) .
..---
وقوله عَّة: ((إن الأمانة نزلت فى جذر قلوب الرجال)) الحديث، قال الإمام : قال
الهروى فى باب الجيم والذال المعجمة: قال أبو عُبيد: الجذرُ : الأصل من كل شىء (١).
وقال ابن الأعرابى : الجذر : أصل حساب ونسب وأصل شجرة . قال القاضى : مذهب
الأصمعى فى هذا الحرف فتح الجيم وأبو عمرو يكسرها .
وقوله: ((فيظَلُّ أثرها مثل الوكت)): قال الإمام: قال الهروى(٢): الوكت: الأثرُ
اليسيرُ، ويقالُ للبُسْر إذا وقعت فيه نكتة من أرطاب : قد وَكَت . قال القاضى: قال
صاحب العين: الوَكتُ، بفتح الواو ، نُكْتَةٌ فى العين ، وعينٌ موكوتةُ والوَكْتُ سوادُ
اللون. قال أبو عبيد: هو اليسير منه، ويقال: [قد](٣) وَكَتَ البَسْرُ وَالزَّهُوُ إذا ظهرت فيه نكتة
من الأرطاب من جانبها، وبُسْرَةٌ مُوكَّثَة، فإذا كانت من طرفها فهى مذنبة.
وقوله: ((مثل المجل))، بفتح الميم، قال الإمام: [والمجل] (٤) : هو أن يكون بين
(١) غريب الحديث ١١٨/٤، قال: وقال أبو عمرو: هو الجذر - بالكسر - والأصمعى يقول: هو بالفتح.
(٢) عبارة الهروى: الوكتُ هو أثر الشىء اليسير منه، قال الأصمعى: يقال للبسر إذا بدا فيه الإرطاب: بُسرٌ مُوَكَّت.
(٤) من المعلم .
(٣) ساقطة من ت .

٤٤٩
كتاب الإيمان / باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب ... إلخ
وَلَقَدْ أَتَى عَلَىَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِى أَيَّكُمْ بَايَعْتُ ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَهُ عَلَىَّ دِينُهُ ، وَلَنْ
كَانَ نَصْرانِيا أَوْ يَهُودِيَا لَيَرُدَنَهُ عَلَىَّ سَاعِهِ، وَأَمَّا الَيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأَبَايِعَ مِنْكُمْ إِلاَّ فُلانًا
وَفُلاَنَاً.
وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثْنَا أَبِى وَوَكِيعٌ . ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى
ابْنُ يُونُسَ ، جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَثِ ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ .
سےہے
الجلد واللحم ماءٌ ، يقال: مَجَلتْ يده تَمجَل مَجْلاً ومَجلتْ تمَجُلُ مَجْلاً .
قال غيره : وذلك إذا تنقطتْ من العمل (١) و[أما] (٢) قوله: [منتَبراً] (٣) فمعناه:
مرتفعاً ، وأصل هذه اللفظة من الارتفاع، ومنه: انتبر الأميرُ إذا صعد على المنبر، وبه سُمِى
[المنبرُ] (٤) منبراً لارتفاعه، ونَبَر الجرُح أى ورم، والنّبْرُ: نوعٌ من الذباب يلسع الإبل فيرم
مكان لسعه ، ومنه سمى الهمزُ نبراً يكون الصوت على حال من الارتفاع لا يوجد فى غير
هذا الحرف ، وكل شىء ارتفع فقد نَبَرَ . وقال أبو عبيد : منتبراً : منتفطاً (٥).
وقوله: ((ما أبالى أيَّكم بايعت))، قال القاضى: حمله بعضهم على بيعة الخلافة ويَرد تأويله.
قوله: (( لئن كان يهودياً أو نصرانياً ليرُدّه علىَّ ساعيه)) يعنى: عامله؛ ولأنه - أيضاً -
لا تجوز مبايعةُ اليهودى والنصرانى للخلافة ولا كل مُسلم، والصواب: أن مُراده البيع والشراء.
أراد أن الأمانة قد ذهبت من الناس فلا يؤتمن اليوم على البيع والشراء إلا القليل لعدم الأمانة (٦).
(١) قال الهروى: وأما المجل: هو أثر العمل فى الكف يعالج بها الإنسان الشىء حتى يغلظ جلدها، يقال منه:
مَجَلَت يده ومَجِلَتْ . لغتان .
(٢) من المعلم .
(٣) فى نسخ الإكمال جاءت هكذا: فنفط فتراه منتبرا، والمثبت من المعلم إذ هو الأدق ، وذلك لرفع الالتباس
مع غيرها .
(٤) من المعلم .
(٥) فى الإكمال : متنفطا ، وهو الموافق للفظ الهروى ، حيث قال: وأما المنتبر فالمتنفط. وقوله : سمى المنبر
منبراً ، نسبه شبير أحمد للعينى ، وذلك لأنه نقله ولم يعزه ١٧٨/١.
(٦) انظر: غريب الحديث للهروى ١١٩/٤.
والمراد بالأمانة على المختار ما يصح به تكليف الإنسان بالإيمان والإيمانيات ، وهى الصلاحية الفطريةُ التى
بها يستعد العبد لقبول الطاعات والاحتراز عن المعاصى ، وهذه الأمانة المودعة فى قلوب بنى آدم بالنسبة إلى
الإيمان الشرعى بمنزلة تخوم الزروع وحبوب الأشجار المودعة فى بطن الأرض ، وأما القرآن والسنة فمثلُهما
كمثل الغيث النازل من السماء ، فالأرض الطيبة إذا أصابها هذا الغيث يخرج نباتُها بإذن ربّها ، والتى خبثت
لا تخرج إلا نكدا ، بل ربما تضع التخوم أيضاً .
ذكره شبير أحمد ، قال : وقوله فى جذور الرجال : أى أن الأمانة أول ما نزلت فى قلوب رجال الله
واستولت عليها ، فكانت هى الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة .
وقوله: (( ثم نزل القرآن)) : يعنى كان فى طباعهم الأمانة بحسب الفطرة التي فطر الناس عليها ،
ووردت الشريعة بذلك ، فاجتمع الطبع والشرع فى حفظها . فتح الملهم ١٧٨/١ .
=

٤٥٠
كتاب الإيمان / باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب ... إلخ
-
= وقوله : ((ثم حدثنا عن رفع الأمانة)): هذا هو الحديث الثانى الذى ذكر حذيفة أنه ينتظره - لأن روايته
فى غير الأمانة كثيرة - وهو رفع الأمانة أصلاً حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر.
قال شبير: ولا يعكر على ذلك ماذكره فى آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للأمانة، فإن ذلك
بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: ((ما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً )) هو من أهل العصر الأخير
الذى أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأمّا الذى ينتظره فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا
النادر. وحاصل الخبر: أنه عَّهُ أنذر برفع الأمانة وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى يصير خائنا بعد أن كان
أمينا، وهذا إنما يقع على ماهو مشاهد لمن خالط أهل الخيانة، فإنه يصير خائنا؛ لأن القرين يقتدى بقرينه .
السابق .
ورفع الأمانه يحتمل أنه على الحقيقة، وهو عدم بقائها، ويحتمل أن المراد رفع أهلها كحديث: ((إن
الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء)).
قال الأبى : ورفعها إنما هو باعتبار الأكثر، لقوله: ((إلا فلاناً وفلاناً)) يعنى بذلك أفراداً من الناس.
قال : ثم مقالته هذه إنما كانت - والله أعلم - وهو بالمدائن ، إذ كان عثمان ــ رضى الله عنه ــ ولاه
على المدائن ، وقتل عثمان - رضى الله عنه - وهو عليها، وبايع لعلى وحرّض على المبايعة والقيام فى
نصره ، ومات - رضى الله عنه - فى أوائل خلافته ، فلم يقل حذيفة ما قال وهو بالمدينة ، لكثرة من بها
حينئذ من الصحابة والتابعين . الإكمال ٢٤٨/١ .
وفى قوله عَّه: ((ينام الرجلُ النومة)) وهو كناية عن الغفلة الموجبة لارتكاب السيئة الباعثة على نقص
الأمانة ونقص الإيمان . فإن قلنا : إن النوم على حقيقته ، فإن المذكور بعده أمر اضطرارى ، فيكون ما قبله
هو السبب له .
وقبض الأمانة : يعنى قبض بعضها ؛ بدليل ما بعده ، والمعنى : يقبض بعض ثمرة الإيمان .
وقوله عَّ: ((كجمر دحرجته على رجلك)» : أى تأثير ما بقى من الأمانة عنده كتأثير جمر فيخيل
للرائى أن الرجل ذو أمانة وهو فى ذلك بمثابة نقطة تراها منتقطة مرتفعة كبيرة ، لا طائل تحتها ، وليس فيها
شیء صالح ، بل ماء فاسد .
قال العينى : (( حاصله أن القلب يخلو عن الأمانة بأن تزول عنه شيئا فشيئاً ، فإذا زال جزء منها زال
نورها ، وخلفته ظلمة كالوكت ، وإذا زال شىء آخر منه صار كالمجل ، وهو أثر محكم ، لا يكاد يزول إلا
بعد مدة ، ثم شبّه زوال ذلك النور بعد ثبوته فى القلب وخروجه منه واعتقابه إياه بجمر تدحرجه على
رجلك حتى يؤثر فيها ، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط)» عمدة القارى ٨٥/٢٣.
وقوله: (( حتى يقال: إن فى بنى فلان)): أى من غاية قلة الأمانة فى الناس. وقوله: « حتى يقال
للرجل )) : أى من أرباب الدنيا ممن له عقلٌ وتحصيل المال والجاه وطبع فى الشعر والنثر ، وفصاحة وبلاغة،
وقوة بدنية ، وشجاعة ، وشوكة .
وحاصل قول الناس فيه: (( ما أجلده ما أظرفه)) أنهم يمدحونه بكثرة الجلادة والظرافة والعقل ،
ويتعجبون منه ، ولا يمدحون أحداً بكثرة العلم النافع والعمل الصالح .
وقوله تعَّه: ((وما فى قلبه مثقال حبة)): حال من الرجل، و((من)) فى قوله تعَّهُ: ((من خردل))
بيانية ، أى هى خردل .
ومعنى قوله: ((وما أبالى أيكم بايعت)): أى أنه لوثوقه سلفاً بوجود الأمانة فى الناس كان يقدم على مبايعة من
اتفق من غير بحث عن حاله، فلما بدا التغير فى الناس، وظهرت الخيانة صار لا يبايع إلا من يعرف حاله .
وقوله: (( لئن كان مسلماً)»: جواب عن إيراد مقدرٌ، كأنّ قائلاً قال له: لم تزل الخيانة موجودة، فأجاب
بإنه وإن كان الأمر كذلك، لكنه كان يثق بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه وهو الحاكم الذى يحكم عليه،
وكانوا لا يستعملون فى كل عمل قلَّ أو جَلَّ إلا المسلم، فكان واثقاً بإنصافه وتخليص حقه من الكافر إن خانه،
بخلاف الوقت الأخير الذى أشار إليه، فإنه صار لا يبايع إلا أفراداً من الناس يثق بهم. فتح الملهم ١٧٨/١ .

٤٥١
كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
(٦٥) باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود
غريبًا وإنه يأرز بين المسجدين
٢٣١ _ (١٤٤) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالد - يَعْنى
سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّنَ - عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِى، عَنْ حُذَيْفَةَ ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ ،
ء
فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ لَعَلَّكُمْ
وقوله: (( فتنة الرجل فى أهله وجاره))، وقوله: ((تكفرها الصلاة ... )) الحديث. أصل
الفتنة فى كلام العرب: الابتلاء والامتحان والاختبار ، ثم صارت فى عرف الكلام لكل أمر
كشفه الاختبارُ عن سوء . قال أبو زيد : فُتن الرجلُ يُفْتَنُ فتوناً إذا وقع فى الفتنة وتحول عن
حال حسَنَةٍ إلى سيئةٍ ، وفتنة الرجل فى أهله وماله وولده صرفه (١) من فرط محبته لهم
وشُحِّ عليهم وشغله بهم عن كثير من الخير، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ
فِتْنَةٍ﴾(٢)، وقوله تعَّهُ: ((الولدُ مجبنةٌ مبخلةٌ)) (٣)، أو لتفريطه فى القيام بما يلزم من
حقوقهم ومن تأديبهم وتعليمهم كما قال: (( والرجل راع على أهله ، وكلكم مسؤول عن
رعيته)) (٤) وكذلك فتنته فى جاره من هذا ، فهذه كلها فتن تقتضى المحاسبة ، ومنها ذنوب
/ يرجى تكفيرها بالحسنات ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَِّّئَاتِ﴾ (٥).
١/٣٦
قوله: ((أجل)) بمعنى: نعم. وقوله: ((التى تموج كموج البحر)): أى تضطرب ويدفع
بعضها بعضاً كموج البحر ، وكل شىء اضطرب فقد ماج ، ومنه قوله تعالى : ﴿وتركنا
(١) فى ت وق: ضروب، وهكذا أثبتها الأبى والسنوسى. إكمال ١ / ٢٥٠، وبهامشه مكمل الإكمال ١/ ٢٥٠.
(٢) التغابن : ١٥ .
(٣) الحديث لفظ الحاكم وابن عساكر عن الأسود بن خلف، وفيه: أن النبى عَّه أخذ حسناً فقبله ، ثم أقبل
عليهم فقال: ((إن الولد مجبنةٌ مبخلةٌ))، وأحسبه قال: (( مجهلة )) والحديث أخرجه ابن ماجه عن عبد الله
ابن سلام بلفظ: (( الولد مبخلةٌ مجبنة))، كما أخرجه أبو يعلى والبزار عن أبى سعيد بلفظ: (( الولدُ ثمرةُ
القلب، وإنه مبخلةٌ مجبنةٌ محزنة)». راجع: كشف الخفا ٢ / ٤٧٠ .
(٤) البخارى فى صحيحه فى أكثر من موضع ، فقد أخرجه فى ك الجمعة ، ب الجمعة فى القرى والمدن عن
ابن عمر ٦/٢، وفى العتق، ب كراهية التطاول على الرقيق عن عبد الله بن مسعود ١٩٦/٣، وفى
الوصايا، ب تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ ٦/٤، وفى الأحكام عن ابن عمر ٧٧/٩ ، كما
أخرجه أبو داود فى الخراج ، والترمذى فى الجهاد، ب ماجاء فى الإمام عن ابن عمر كذلك ٤/ ١٨٠،
وأحمد فى المسند ٥٤،٥/٣، ١٢١،١١١، والبيهقى فى السنن ٢٨٧/٦، ١٦٠/٨،٢٩١/٧ إلخ.
(٥) هود : ١١٥ .

٤٥٢
كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُل فى أهْلِه وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ: تلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَمُ
وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمَعَ النََِّّ ◌َّهُ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الِى تَمُوَجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيّقَةُ :
-0.08. 00
بعضهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْض ﴾ (١) .
وقوله: ((فأسْكَتَ (٢) القومُ))، قال الإمام: قال الأصمعى: سكت القوم بمعنى صمتوا
وأسْكتوا بمعنى أطرقوا. قال أبو على البغدادى وغيره: سكَت وأسْكت بمعنى صمتَ . قال
الهروى : ويكون سكت فى غير هذا بمعنى سكّنَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى
الْغَضَب﴾ (٣) ويكون سكت بمعنى انقطع، حكى عن العرب: جرى الوادى ثلاثاً ثم
سكت،، أى انقطع، ويقال: هو السكوت والسُّكاتُ، وسكَتَ يسْكُتُ سكْتاً وسكوتاً
وسکاتا.
وقوله : ((تعرض الفتَن على القلوب عرض الحصير عوداً عوداً)) : قال القاضى : كذا
روينا هذا الحرف عن القاضى الشهيد ، بفتح العين والذال المعجمة فى الأمّ ، وضبطناه على
ابن العاصى وغيره[ عُودًا ](٤) ، بضم العين ودال مهملة، ووقع عند بعضهم عوداً عَوْدًا ،
بفتح العين وبالدال المهملة أيضاً ، وهو اختيار شيخنا أبو الحسين بن سراج من جميع وجوه
رواياته ، قال لى : ومعنى تُعرض : أى كأنها تلصق ، بعرض القلوب ، أى جانبها ،
كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه بشدة لصقها به . قال : وقولة : عَوْداً عوداً :
أى تعاد وتكرر عليه شيئا بعد شىء . قال : ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه : سؤال
الإعاذة ، كما يقال : غفرا غفرا وغفرانك ، وبذلك انتصب ، أى نسألك أن تُعيذَنا من
ذلك وأن تغفر لنا . وأما غيره - ممن باحثناه من شيوخنا وكاشفناه عن هذا وهو الأستاذ أبو
عبد الله بن سليمان(٥) - فقال: معناه: تعرض على القلوب أى تُظْهَرُ لها فتنةٌ بعد أخرى.
وقوله كالحصير ، أى كما ينسج الحصير عوداً [عودا](٦) [وشطبة] (٧) بعد أخرى، وعلى هذا
تترجح رواية ضم العين وذلك أن ناسج الحصير عند العرب يحتاج إلى مُنَقّ القضبان لأخذ
(١) الكهف : ٩٩ . وكنى بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة وماينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة، وقد
أخرج ابن أبى شيبة من وجه آخر عن حذيفة قال: (( لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك ، إنما الفتنة ما اشتبه
عليك الحق والباطل)). فتح ٢١٢/١٣، وانظر: فتح الملهم ١٧٩/١ .
(٢) فى الإكمال : فأسكته .
(٣) الأعراف : ١٥٤ .
(٤) ساقطة من ق .
(٥) وهو الذى قرأ عليه كتاب إصلاح المنطق ليعقوب بن السكّيت ، وحدثه به عن خاله عن أبى عمر السهمى.
وأبى سليمان داود على الخولانى ، كما ذكر القاضى فى الغنية : ٦٠ .
(٦) من ق .
(٧) ساقطة من أصل النسختين ، واستدركت فيهما بالهامش بسهم ، وضبطت فى النووى ط . الشعب :
شظية، وكذا قيدها صاحب فتح الملهم . جاء فى اللسان : والشظية : شقة من خشب أو قصب ، وكل
فلقة من شىء شظية .

٤٥٣
كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ. فَقَلْتُ: أَنَا. قَالَ: أَنْتَ ، لله أُبُوك!
قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يَقُول: ((تُعْرَضُ الْفَتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصيرِ عُوداً
عُوداً، فَأَىُّ قَلْب أُشْرِبَهَا نُكتَ فِيهِ نُكْثَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَىُّ قَلْب أَنْكَرَهَا نُكتَ فيه نُكْثَةٌ بَيْضَاءُ
الشطب وهو قشورها ولحاؤها التى تصنع منه وينصلح لها ، ثم يسكنها الناسج
الحصير، ويعرضها واحدا واحدا، كلما صنع واحدة ونسجها ناوله أخرى.
قال الشاعر :
تدرّع خرصانٌ بأیدی الشوا
طب [ فى نثرها تدق جماع ](١)
والخرصان : القضبان ، فشَبَّه عرض الفتن على القلوب واحدةً بعد أخرى بعرض
شَطَبِ الحصير على صانعيها ، قضيباً قضيباً وشَطْبةً شطبة ، وهو معنى قوله : عوداً عوداً ،
وهكذا معنى الحديث عندى ، وهو الذى يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه . وقال
الهروى: معناه: أنها تحيط بالقلوب، وقال: حصر به القوم: أى (٢) أطافوا به، وقال الليث :
حصير الجنب عرق يمتدُّ معترضاً على جنب الدابة إلى ناحية بطنها ، شبهها به . قال :
وقيل : إنه أراد عرض السجن ، والحصير : السجن ، قال الله تعالى (٣): ﴿وجعلنَا جَهَنَّمَ
لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ (٤) ومراده : عرض أهل السّجن على قيّمه .
وقوله: ((فأيُّ قلب أشربها)): أى حلَّت فيه محل الشراب كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا
فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ (٥) : أى حُب العجل .
وقوله: (( نكتت)): أى نقطت، قال ابن دريد: كل نقط فى شىء بخلاف لونه فهو نكت (٦).
وقوله: ((على قلبين أبيض مثل الصفا»: ليس تشبيههُ بالصفا لما تقدم من بياضه، لكن أخذ
فى وصف آخر من شدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن الفتن(٧) لم تلصق به، ولم تؤثر
فيه كالصفا، وهو الحجر الأملسُ الذى لا يعلق به شىء، بخلاف الآخر الذى شبَّهه بالكوز
الخاوى الفارغ من الإيمان، كما قيل فى قوله تعالى: ﴿وَأَقْتِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾(٨) قيل: لا تعى خيرا .
وقوله : ((والآخر أسودُ مُرْباد كالكوز مجخيا )) ، قال الإمام : وقع تفسير ذلك فى
(١) من ق .
(٢) فى ت : إذا .
(٤) الإسراء : ٨ .
(٣) فى ق : الله عز وجل.
(٥) البقرة : ٩٣ . والإشراب هو خلط لون بلون، كأنَّ أحد اللونين شرب الآخر وكسى لوناً آخر. وعلى
ذلك فمعنى قوله: (( أشرب فى قلبه حبه)): أى خالطه، راجع: مرقاة المفاتيح ١٠/ ١١٠.
(٦) قال فى المرقاة : وأصل النكت ضرب الأرض بقضيب فيؤثر فيها.
(٧) والمراد بالفتن هنا : إما البلايا والمحن ، أو العقائد الفاسدة والأهواء الباطلة ، وقالوا فى ضابطها : كل ما
يشغل صاحبه عن الله تعالى . مرقاة ، فتح الملهم .
(٨) إبراهيم : ٤٣ .

٤٥٤
كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
كتاب مسلم ، قال أبو خالد : قلت لسعد بن طارق : ما الأسود المُرْبَادُ ؟ قال : شدةُ البياض
فى سواد . قلت : ما معنى مجخيا ؟ قال : منكوساً .
قال الهروى : المجخِّى المائل ، وجخّى إذا فتح عَضُديه فى السجود ، وكذلكِ جخَّ .
قال شُمر : جخَّى فى صلاته إذا رفع بطنه عن الأرض فى السجود ، وكذلك خوَّى ، قال
غيره : جخَّى وخوَّى إذا جلس مُسْتوفِزا فى الغائط .
قال القاضى: ما وقع من التفسير فى الأم مما ذكره مسلم فى بعضه تلفيف(١) وفى بعضه
تصحيف(٢) ، قال لى ابن سراج: ليس قوله كالكوز مجخّيا شبيهٌ لما تقدم من سواده ، لكنه
أخذ فى وصف آخر من صفاته من أنه قُلِبَ ونُكْسَ حتى لا يَعلَقَ به خير ولا حكمة ومَثَّلَهُ
بالكوز المجخَّى ، يبينه قوله: لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكرا. وقال أبو عبيد: المجخَّى: المايل ،
ولا أحسبه أراد بميله إلا أنه منخرق الأسفل، شُبّه به القلبُ الذى لا يعى خيراً كما لا يثبت
الماء فى الكوز المنخرق (٣) .
قال القاضى : إذا كان مقلوباً منكوساً لم يثبت فيه شىء وإن لم يكن منخرقا .
٣٦/ ب
وأما قوله: فى الْمُرْباد شدةُ البياض فى السواد، فإن بعض شيوخنا كان يقول : إنه
تصحيف ، وهو قول [القاضى ] (٤) إلى الوليد الكنانى، قال: أرى صوابه شبه البياض / فى
سواد، وذلك أن شدة البياض فى السَّواد(٥) لا يُسمى رُبْدَةً وإنما يقال لهذا: أبلق إذا كان فى
الجسم وجُوِّزْ إذا كان فى العين ، والرُّبَّدَةُ إنما هو شىء من بياض يسير يخالطُ السواد كلون أكثر
النعام ، ومنه قيل للنعامة : رَبْداءُ ، فصوابه شِبْه البياض لا شدة البياض فيوافق تفسير مرباد.
قال أبو عبيد عن أبى عمرو وغيره : الرُّبْدَةُ: لونٌ بين السواد والغُبْرة ، وقال ابن
دُرِيد : الرُّبْدَةُ: لونٌ أكدرُ . قال غيرُه : الرُّبْدة: أن يختلط السواد بكُدْرة . قال الحربى :
الرَّبْدَةُ: لون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض ، ومنه أربد لونُه إذا تغير ودخله سواد ،
وإنما سُمى النعام أرْبَد لأن أعالى ريشه إلى السواد، وقال نفطوَيْه: الْمُرْبَدّ : المُلِمَّع بسواد
وبياض ومنه تَرَبَّدَ لونُه ، أى تلون فصار كلون الرماد ، وهذا - أيضاً - تفسير قول الحربى،
وكذا روينا قوله مُرْبئد ، بالهمز ، عن أكثر شيوخنا عن العذرى ، وكذا ذكره الحربى
وأصله ألا يُهْمَزَ ويكون مُرْبَدٌ مثل مُسْود ومُحْمَر ، وكذا ذكره أبو عبيد والهروى وصححه
بعض شيوخنا عن أبى مروان بن سراج ؛ لأنه من أربَدَّ إلا على لغة من قال : احمارًا
لالتقاء الساكنين ، فيقال : أرباد ومُربيد ، وروايتنا فيه عن الأسدى عن السمرقندى وعن
الخشنى عن الطبرى ، وهى رواية ابن سعيد - أيضاً - مُرْبادٌ، بألف غير مهموز ، قال
الحربى : يقال : اصفرَّ واحمَّر واخضَرَّ وابيَضَّ واسوَدَّ ، هذه الخمسة بغير ألف وما سواها
بألف مثل : ادْكانَّ واشهابَّ واصهابَ، فعلى هذا لا يقال إلا اربَادَّ (٦).
وقال أبو عُبيد : مُرْبَدّ مثل مُحمر ومُصفَر ومبيضٌّ ، وفى حديث بيع الثمرة
(١، ٢) اللفلفة فى الكلام: ثقلٌ وعىٌّ مع ضعف، والتصحيف هو: الخطأ فى القراءة عن الصحف . لسان.
(٤) من ق .
(٣) غريب الحديث ١٢٢/٤ . وابن سراج سبق بالمقدمة.
(٥) راجع : المقدمة ، قسم الدراسة .
(٦) فهو على ذلك حالٌ أو منصوب على الذمّ .

٤٥٥
-
كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ
وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أسْوَدُ مُرْبَادا، كَالْكُوزِ مُجَخِيَا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكرُ مُنْكَراً، إلاَّ مَا
أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)) .
قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ؛ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مُغْلَقاً يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ . قَالَ عُمَرُ :
أَكَسْرًا، لاَأَبَلَكَ؛ فَلَوْ أَنَّهُ فُتَحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ . قُلْتُ: لَاَ. بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ
الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ، حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ .
قَالَ أَبُو خَالد: فَقُلتُ لسَعْدِ: يَا أَبا مَالك، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًا؟ قَالَ : شدَّةُ الْبَيَاض فِى
سَوَادِ . قَالَ : قُلْتُ : فَمَا الْكُوَزُ مُجْخِيًا؟ قَالَ : مَتْكُوساً .
( .. ) وحدّثَنى ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مَرْوانُ الَفَزَارِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالك الأَشْجَعِىُّ،
عَنْ رِبْعِىٌّ؛ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ ، جَلَسَ فَحَدَّثَنَا، فَقَالَ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَمْسَ لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ الله ◌َّهُ فِى الْفَتَن؟ وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى خَالِدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِى مَالِكٍ لِقَوَلِهِ:( مُرْبَادًا مُجَّخِّياً)).
( ... ) وحدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلَىّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمَ الْعَمِّىُّ، قَالُوا:
حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَدِىٌّ عَنْ سُلَيْمَانَ الَّيْمِىِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِى هِنْدَ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ
((حتى تحمار وتصفار)) (١) وقال بعضهم: يقال: احمرَّ الشىء، فإذا قوى قيل: احمارَّ، فإذا
زاد (٢) قيل: احمأرَّ. فعلى هذا تصوَّب جميع الروايات ويكون بعضها أبلغ من بعض (٣).
وقوله: ((إن بينك وبينها بابا مغلقا .. )) [الحديث] (٤) وذكر كسر الباب وفسَّره فى غير هذا
الحديث أن الباب عمر، واستعظام عُمَرَ كسْره وخوفه منه؛ لأن الكسر لا يكون إلا عن إكراه وغلبة،
وخلاف عادة ، فكأن الباب المغلَقَ عن دخول الفتن على الإسلام عُمَرُ وكسرُهُ : قَتْلُهُ (٥).
(١) سيأتي إن شاء الله فى البيوع، وكذا أخرجه البخارى فى البيوع عن أنس بن مالك، ب بيع الثمار قبل أن
يبدو صلاحها ٣/ ١٠٠، وكذا أبو داود فى البيوع، وأحمد فى المسند ٣/ ٢٢٠ .
(٢) فى ق : زيد .
(٣) انظر: المفهم للقرطبى ، فقد نقل هذا الكلام بكتابه بغير عزو ٣٦٥/١، ٣٦٦.
(٥) قال ابن بطال: قول حذيفة: (( إن بينك وبينها باباً مغلقاً)) ولم يقل له : أنت الباب - وهو يعلم أنه الباب -
فعرَّض له بما فهمه ولم يُصَرح ، وذلك من حسن أدبه ، وقد جاء فى الصحيح أن عمر كان عارفاً بذلك .
فإن قيل : فلم شك فيه حتى سأل عنه ؟ فالجواب : أن ذلك يقع مثله عند شدة الخوف ، أو لعله خشى أن
يكون نسى فسأل من يذكره ، قال الحافظ فى الفتح: وهذا هو المعتمد. وراجع: فتح الملهم ١/ ١٨٠.
(٤) من ق .

٤٥٦
كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
-
حِرَاش ، عَنْ حُذَّيْفَةَ ؛ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحدِّثْنَا ، أَوْ قَالَ : أَيُّكُمْ يُحَدِّثْنَا - وَفِيهِمْ حُذِيقَةُ -
مَ قَالَّ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةٍ: أَنَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدَيْثُ أَبِى مَالِكِ
عَنْ رِبْعِىٌّ. وَقَالَّ فِى الْحَدِيثَ: قَالَ حُذُّفَةُ: حَدَثْتُهُ حَدِيثا لَيْسَ بَالأَ غَلِيطِ. وَقَالَ: يَغْنِى أَنَّهُ عَنْ
رَسُولَ اللهِێٍّ .
٢٣٢ _ (١٤٥) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعاً عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِىِّ،
قَالَ ابْنُ عَبَّاد: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ - يَّعْنِى ابْنَ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةِ: ((بَدَأَ الإِسْلاَّمُ غَرِيباً ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيّباً ، فَطُوبَى
لِلْغُرَبَاء)» .
(١٤٦) وحدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ قَالاَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ
): قال ابن دريد: المغاليط الكَلِمُ التى يُغالط بها ، واحده
، بالأغاليهـ
وقول
مُغْلَطة وأغلوطة وجمعها أغاليط . معناه : حدثته حديثاً صدُّقًا ليس فيه غلط لقائله ولا
سامعه كما بيََّه قبْلُ بقوله: إن عمر كان يعلم مَن البابُ . يعنى: أنه كان عنده وعند عُمَر من
قبل (١) النبى عَّه وليس من رأيه وحديثه ولا من صحف الكتابيين حيث تتصور الأغاليط .
وقال الداودى: معناه: ليس بالصغير الأمر ولا اليسير (٢) الرزِئة. والصواب الأول (٣).
وقوله عَُّ: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعودُ غريباً فطوبى للغرباء)»: روى ابن أبى
أويس عن مالك أن معناه : فى المدينة ، وأن الإسلام بدأ بها غريباً ويعود إليها .
وظاهر الحديث العمومُ ، وأن الإسلام بدأ فى آحاد من الناس وقلَّةٍ ثم انتشرَ وظهر ،
ثم سيلحقه النقص والاختلاف حتى لا يبقى - أيضاً - إلا فى آحادٍ وقلةٍ غريباً كما بدأ .
وأصل الغربة الْبُعْدُ، وبه سُمى الغريبُ لُبُعْد داره ، وسُمى النفى تغريباً لذلك .
وورد تفسير الغريب فى الحديث: ((قال: همُ النُزَّاعِ من القبائل)».
قال الهروى : أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله ، وسمى الغريب
نازعاً ونزيعاً لأنه نزع عن أهله وعشيرته وبَعُدَ عن ذلك (٤) .
------
(١) فى ت : قول ، وما أثبتناه هو الأفصح والأليق بالسياق.
(٢) فى ت : الصغير .
(٣) وقال الطيبى: أراد أن ماذكرت له لم يكن مبهماً كالأغاليط ، بل صرحته تصريحاً ، وقال القارى :
وحاصله أنه لم يكن الكلام من باب الصريح بل من قبيل الرمز والتلويح ، لكن عمر ممن لا تخفى عليه
الإشارة فضلاً عن العبارة ، بل هو أيضاً من أصحاب الأسرار وأرباب الأنوار . راجع : فتح الملهم
١٨١/١.
(٤) والأظهر عدم القصر عليهم ، كما اختار القاضى قبل .

٤٥٧
كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
سَوَّارِ، حَدَّثَنَا عَصمٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّد الْعُمَرِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َِ﴾
قَالَ : ((إنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِباً كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَارِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيَّنِ كَمَا
تَأرزُ الْحَيَّةُ فِى جُحْرِهَا » .
٢٣٣ _ (١٤٧) حدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عِبْدُ الله بْنُ نُمَيْرِ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ
عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُالله، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ حِفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنَّ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((إن الإِيمَانَ
وقوله: ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة)) وفى الحديث الآخر: ((ليأرز(١) مابين المسجدين))،
قال الإمام: قال أبو عبيد: أى ينضَمَّ ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تنضم الحيّة فى جحرها.
قال القاضى: وقال ابن دريد: أرز الشىء يأرز إذا ثبت فى الأرض ، وشجرة أرزة وأرزة
ومعناه : أن الإيمان أوَّلاً وآخراً بهذه الصفة ؛ لأنه فى أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه
وصح إسلامه أتى المدينة، إمَّا مهاجراً مُسْتوطناً لها، وإما(٢) متشوفاً [ومتقرباً إلى الله
تعالى لرؤية النبى معَّ ] (٣) ومتعلماً منه، ومتبركاً (٤) بلقياه، ثم بعده هكذا فى زمان(٥).
[رضى الله عنهم ] (٦) وأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة - رضى الله
عنهم - فيها ، ثم من بعدهم من علمائها الذين كانوا سُرج الوقت ، وأئمة الهدى ، وأخذ
السنن المنشرة بها عنهم فكان كل ثابت الإيمان ومنشرح الصدر به يرحل إليها ويفد عليها ،
ثم يعدُ فى كل وقت وإلى زماننا هذا لزيارة قبر المصطفى عَّه والتبرك بمشاهده ، وآثاره
الكرام ، فلا يأتيها إلا مؤمن ، ولا يحمل أحداً على قصدها إلا إيمانهُ وصحة نفسه .
وقال أبو مُصْعَب الزهرى (٧) فى معنى هذا الحديث : إن المراد بالمدينة أهل المدينة ،
(١) بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء ، وقد تضم بعدها زاى ، وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء
وقال: إن الكسر هو الصواب ، وحكى أبو الحسن بن سراج ضم الراء ، وحكى القابسى الفتح ، وكله
بالمعنى المذكور . والمراد بالمسجدين : مسجدى مكة والمدينة ، زادهما الله تشريفا وتعظيما.
(٢) فى ت : أو .
(٣) من ت .
(٤) فى الأصل : ومتقرباً .
(٥) زيد بعدها فى ت: النبى عَّ . ولا حاجة إليها .
(٦) من ت .
(٧) أبو مصعب الإمام الثقة ، شيخ دار الهجرة ، أحمد بن أبى بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن
عبد الرحمن بن عوف القرشى ، الزهرى ، المدنى ، الفقيه ، قاضى المدينة . ولد سنة خمسين ومائة ولازم
مالك بن أنس ، وتفقه به ، وسمع منه الموطأ ، وأتقنه عنه ، ولم يطبع إلى الآن تلك الرواية ، وفيها زيادات
كثيرة تزيد على مائة حديث عما فى رواية الليثى . حدّث عنه البخارى ومسلم ، وأبو داود ، والترمذى ،
وابن ماجة وروى عنه النسائى بواسطة ، وكذا روى عنه بقى بن مخلد ، وأبو زرعة الرازى ومطين ، وخلق
كثير . سمع يوسف بن الماجشون ، ومسلم بن خالد الزنجى ، وحسين بن زيد بن على ، وابن أبى حازم
وعبد العزيز بن محمد الدراوردى ، وطبقتهم . قال فيه الزبير بن بكار : هو فقيه أهل المدينة غير مدافع،
مات سنة إحدى وأربعين ومائتين . سير ٤٣٦/١١، طبقات الحفاظ : ٢٠٩ .

كتاب الإيمان / باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ... إلخ
٤٥٨
لَيَأرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأرزُ الْحَيُّ إِلَى جُحْرِهَا ».
وأنه تنبيه على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع والمحدثات واقتدائهم بالسنن ، فالإيمان
مجتمع عندهم حيث كانوا ومن سلك مَسْلَكَهُم واتَبَع سبيلهم (١) .
(١) قال الحافظ : إنها كما تنتشر الحيّة من جحرها فى طلب ما تعيش به، فإذا راعها شَىء رجعت إلى
جحرها، كذلك الإيمان، انتشر فى المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته فى النبى ﴾﴾،
فيشمل ذلك جميع الأزمنة .
قلت : وفى هذا ــ وهو نحو ما أشار إليه القاضى - ردٌّ على من يخصه بوقت خروج الدجال، فهو
وإن جاء فى الصحيح عن أنس مرفوعا: (( ليس من بلد إلا سيطأه الدجال إلا مكة والمدينة ، ليس له من
نقابها نقبٌ إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها )) فلا يردّ عموم حديث المسألة .

٤٥٩
كتاب الإيمان / باب ذهاب الإيمان آخر الزمان
(٦٦) باب ذهاب الإيمان آخر الزمان
٢٣٤ - (١٤٨) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ
عَنْ أَنَس؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ : (( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُقَالَ فِى الأَرْضِ: اللهُ، اللهُ)).
حدّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ ، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِعَ: (( لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدِ يَقُولُ: اللهُ، اللهُ)) .
وقوله: (( لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض: الله الله (١))) وفى حديث آخر :
((على أحد يقولُ: اللهُ الله)) كذا لجماعة شيوخنا، ولابن أبى جعفر: ((يقول : لا إله
إلا الله))، هو إشارة إلى معنى ما فى الحديث الآخر : أنها لا تقوم إلا على شرار الخلق
وحثالتُهم / وأن الله يتوفى المؤمنين قبل قيامها ويُرسل ريحاً من اليمن لقبض أرواحهم . ٣٧/أ
ولا يخالف هذا قوله فى الحديث الآخر: (( لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى
يوم القيامة ، وإن هؤلاء ممَّن يقاتلون الدجال ويجتمعون بعيسى عليه السلام)» لا يزال هذه
الطائفة على الصفة التى وصفها به إلى أن يقبضهم الله فيمن يقبض من المؤمنين قرب الساعة
وإذا أظهرت أشراطها فقد حان يومها وقرب وقتها (٢) .
(١) هى بالنصب على التحذير بفعل لا يظهر لنيابة التكرار عنه ، ولذا فإنه إذا لم يكرروا الاسم يظهرون الفعل
فيقولون : احذر الله ، وقيدها بعضهم على الابتداء ورفع الخبر .
(٢) جاء فى المرقاة : ومن هذا الحديث يُعرف أن بقاء العالم ببركة العلماء العاملين، والعباد الصالحين ، وعموم
المؤمنين، وهو المراد بما قاله الطيبى رحمه الله: معنى ((حتى لا يقال)): حتى لا يذكر اسم الله، ولا
يعبد ، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ [آل عمران: ١٩١]
يعنى ماخلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة ، بل خلقته لأذكر وأعْبَد ، فإذا لم يذكر ولم يُعبد فبالحرى أن يُخرَّب
وتقوم الساعة . راجع: فتح الملهم ١/ ١٨٢ .

٤٦٠
كتاب الإيمان / باب الاستسرار بالإيمان للخائف
(٦٧ ) باب الاستسرار بالإيمان للخائف
٢٣٥ _ (١٤٩) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ، وَأَبُو
كُرَيْب - واللَّفْظُ لأَبى كُرَيْب - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
حُذَيْقَةً ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَِّ فَقَالَ: (( أَحْصُوا لِى كُمْ يَلْفِظُ الإِسَلامِ)) قالَ: فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ الله عَّهُ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السَّمِائَةَ إِلَى السَّبْعِمَاتَّةِ؟ قالَ: ((إِنَّكُمْ لاَ
تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا)) قَالَ: فَابْتُلِنَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُّلُ مِنَّا لا يُصَلَّى إلا سِرّاً.
وقوله عَّ: ((أحصوا لى كم يلفظ بالإسلام)) (١) فقلنا: يا رسول الله ، أتخافُ
علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة ؟ فقال: ((إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا ))
قال: فابتلينا حتى جعل الرجلُ منا لا يصلى إلا سرا .
هذا الأمر لم يكن فى مدته عَّه بعد أن حصل الإسلام فى هذه العدة المذكورة ودونها
بكثير ، ولعل قول حذيفة هذا كان بعد مدته عليه السلام .
(١) رواية مسلم التى بأيدينا على إسقاط حرف الجار، وهو ما عليه كتاب الأبى ، وإثبات الباء إنما هى رواية
البخارى على غير هذا اللفظ عن سفيان عن الأعمش، ولفظها: ((اكتبوا لى من تلفظ بالإسلام)).
قال الحافظ : وكأن رواية الثورى رجحت عند البخارى ، فلذلك اعتمدها لكونه أحفظهم مطلقا ، وزاد
عليهم ، وزيادة الثقة الحافظ مقدمة ، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه ، ولذلك
اقتصر مسلم على روايته ، لكنه لم يجزم بالعدد ، فقدم البخارى رواية الثورى لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين ،
ولجزمها بالنسبة لرواية أبى معاوية .
ثم قال : فيه مشروعية كتابة دواوين الجيوش ، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح
للمقاتلة ممن لا يصلح .
وفى قولهم له عَّ: ((أتخاف علينا)) قال : وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه ، ولعله كان عند
خروجهم إلى أحد أو غيرها ، قال : ثم رأيت فى شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق ،
وحكى الداودى احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية ؛ لأنه قد اختلف فى عددهم ، هل كانوا ألفا
وخمسمائة أو ألفا وأربعمائة .
قال شبير أحمد : وسلك الداودى طريق الجمع ، فقال : لعلهم كتبوا مرات فى مواطن ، وجمع
بعضهم بأن المراد بالألف وخمسمائة جميع من أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبى ، وبما بين الستمائة إلى
السبعمائة الرجال خاصة ، وبالخمسمائة المقاتلة خاصة . قال : وهو أحسن من الجمع الأول .
وقوله: (( فابتلينا )» هذا قول حذيفة ، ويشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع فى أواخر خلافة عثمان
- رضى الله عنه ــ من ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة ولا يقيمها على
وجهها وكان بعض الورعين يصلى وحده سرّاً ثم يصلى معه خشية وقوع الفتنة. راجع : فتح الملهم ١ /
١٨٣ .
-----
....