Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب الإيمان/ باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... إلخ قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَارَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سلعَتَهُ بالْحَلِفِ الْكَاذِبِ » . ( .. ) وحدّثَنِى أَبُو بَكْر بْنُ خَلَاد الْبَاهِلِىُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنَّ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ قَالَ: (( ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِى لا يُعْطِى شَيْئًا إلا مَنَّهُ ، وَالْمُنَفِّقُ سلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْلُ إِزَارَهُ)) . وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَر - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بهذَا الإِسْنَادِ . وَقَالَ: (( ثَلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكَِّهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) . وقوله : ((المسبل إزاره)): أى المرخِى له، الجارُّ طرفه خُيَلاء كما جاء مفسراً فى الحديث الآخر: (( لا يُنظر الله إلى من يُجرُّ ثوبة بطرًا)) (١) وفى آخر (٢): ((إزاره خُيلاء)) والخيلاء : الكبر ، وقد تقدم قول من قال : إنه لا يكون إلا مع جرّ الإزار ، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَلٍ فَخُورٍ﴾ (٣). وتخصيص جرّه على وجه الخيلاء يدلُ أن من جرَّ لغير ذلك فليس بداخل تحت الوعيد، وقد رخص فى ذلك النبى معَّ لأبى بكر الصديق - رضى الله عنه - وقال : (لسْتَ منهم)) (٤)؛ إذ كان جَرُّه إيَّه لغير الخيلاء، بل لأنه كان لايثبتُ على عاتقه. (١) قريب من لفظ أحمد، فقد أخرجه فى المسند ٢ / ٦٩ عن ابن عمر بلفظ: ((لا ينظر الله إلى الذى يجرّ إزاره خيلاء))، وعن أبى هريرة ١ / ٤٦٧ بلفظ: ((لا يُنظر الله عز وجل إلى الذى يجر إزاره بطرًا». والإزار : ما يتحزم به ، وكانت العرب لا تعرف السراويلات . ذكر ابن عبد ربه أن أعرابيًا وجد سراويل ، فأخرج يديه من ساقيه وجعل يلتمس من أين يخرج رأسه فلم يجد ، فرمى به وقال : إنه لقميص شيطان . إكمال ١ / ٢١٤ . (٢) فى ت : أخرى . (٣) الحديد : ٢٣ . (٤) الحديث بهذا اللفظ جزء حديث ، أخرجه أحمد والطبرانى فى الأوسط بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح، وتمامه عن ابن عمر أن النبى عَّه رآه وعليه إزار يتقعقع - يعنى جديدًا - فقال: ((من هذا؟)» فقلت: أنا عبد الله، فقال: ((إن كنت عبد الله فارفع إزارك)) قال: فرفعته، قال: (( زد)) قال: فرفعته حتى بلغ نصف الساق ، قال: ثم التفت إلى أبى بكر فقال: (( من جَرّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)). فقال أبو بكر: إنه يسترخى إزارى أحيانًا، فقال النبى معَّ: ((لست منهم)) أحمد= ٣٨٢ كتاب الإيمان/ باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... إلخ قال الطبرى وغيره : وخصَّ الإزارَ لأنه كان عامة اللباس ، وحكمُ غيره من القُمص وغيرها حكمه . قال القاضى: وأما على ما جاء فى الحديث الآخر: ((ثوبه )) فهو عام ، وقد ورد مُفَسَّرًا فى كتاب أبى داود فى حديث: ((فذكر فيه الإزار والقميص والعمامة » (١). وقوله: ((والمَّان)) وفسَّرِه فى الحديث: ( أنه الذى لا يُعطى شيئًا إلا منّة))، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ (٢) . وقد ورد فى حديث آخر: (( البخيلُ المنانُ)) (٣) ، فقد جمع البخل المذموم لاسيما إن كان بالواجبات ثم المنَّ بالقليل الذى يُسمَحُ به ، وأذى من وصَلَه به ، واستكثاره ، واستطالته عليه ، وفى نفس المنّ البخل لأنه لا يمنّ إلا بما عَظُمَ فى نفسه إخراجه عن يده ، وشحّهُ عليه عِظَمُه عنده ، والجوادُ لا يعظمُ عنده شيء مما يمنحه ولا يذكره ولا يَمُنُّ به ، وقيل : إن المنَّ هنا بمعنى القطع والنقص ، فيوافق معنى البخيل الذى لا يعطى الحقوق من ماله وينقصها ويقطع رحمه - وهو أحد التأويلين فى قول الله عز وجل: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ (٤): أى غير منقوص ولا مقطوع. والأظهر الأول لقوله: ((لا يعطى شيئًا إلا = فى المسند ٢ / ١٤٧، والمجمع ٥ / ١٢٣ . وقد أخرجه البخارى والطبرانى من حديثه بلفظ: (( لستَ ممن يضعه خُيُلاء )) البخارى فى صحيحه ، ك اللباس ، ب من جَرَّ ثوبه من غير خيلاء ٧ / ١٨٢، والطبرانى فى المعجم الكبير ١٢ / ٣٠٠ ، وكذا أخرجه أبو داود فى السنن ك اللباس، ب ما جاء فى إسبال الإزار ٢ / ٣٧٨، وزاد فيه: ((إن أحد جانبى إزارى يسترخى ، إنى لأتعاهَدُ ذلك منه» . (١) وذلك من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبى عمَّه قال: ((الإسبال فى الإزار ، والقميص، والعمامة، من جَرَّ منها شيئًا خُيلاء لم يُنظرِ الله إليه يوم القيامة)) ١ / ٣٨١ . (٢) البقرة : ٢٦٤. (٣) أخرجه أحمد فى المسند فى حديث طويل عن أبى ذر بلفظ: ((ثلاثةٌ يشنؤهم الله: التاجر الحلاف - أو قال: البائع الحلاف - والبخيل المنان، والفقير المختال)) ٥ / ١٥١ . وقد أخرجه الترمذى عن أبى بكر الصديق بلفظ: (( لا يدخُلُ الجنَّة خِبٌّ، ولا منَّانٌ، ولا بخيل)) ك البر والصلة، ب ما جاء فى البخيل ٤ / ٣٤٣، وقال فيه الترمذى : هذا حديثٌ حسن غريب. والمنَّانُ: صيغة مبالغة من المن ؛ ولذا فسَّرِه فى حديث الأعمش أنه لا يعطى شيئًا إلا منّة . وعلى ذلك فلا يتناول الوعيدُ المذكور إلا من كثُر منه ذلك، بخلاف إبطاله الصدقة، والمن : تقرير النعمة على من أسديت إليه . ورواية أحمد التى استدل بها القاضى ليس فيها تخصيصٌ لروايات الباب هنا حتى يقال : لا يتناول الوعيد إلا من أضاف إلى كثرة المن البخل ، وذلك لأن المنَّ يستلزم البخل ؛ لأنه لا يمنّ إلا بما عظم فى نفسه وشحّ بإخراجه ، والجواد لا يستعظم فلا يَمنّ كما ذكر القاضى . (٤) التين: ٦ . وفيه قال ابن عباس: غير منقوض. وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب. قال الحافظ: ابن كثير: وحاصل قولهما : أنه غير مقطوع، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءٌ غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] = ٣٨٣ .كتاب الإيمان/ باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... إلخ ١٧٢ - (١٠٧) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَن الأعْمَشِ ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ: ((ثَلاثَةٌ لا يُكَلِمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيِّهم - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : شَيْخٌ زَان، وَمَلِكٌ كَذَّبٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ )) . منه)) . وقوله: ((المنفق سلعته بالحلف الفاجر))، وفى الرواية الأخرى: ((الكاذب )) وهو تفسير الفاجر ، وقد جمعت الاستخفاف بحق الله والكذب فيما حلف عليه ، وأخذ مال الآخر بغير حقه ، وغروره إيّاه بيمينه (١) . وقوله فى الحديث الآخر فى تفسير الثلاثة: (( شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر)) ، خص هؤلاء الثلاثة بأليم العذاب وعقوبة الإبعاد لالتزام كل واحد منهم المعصية التى ذكر على بعدها منه ، وعدم ضرورته إليها ، وضعف دواعيها عنده ، وإن كان لا يُعذر أحدٌ بذنبٍ ، ولا فى معصيته الله تعالى ، لكن لما لم تدعُهم إلى هذه المعاصى ضرائر مزعجة ، ولا دواعٍ معتادة ، ولا حملتهم عليها أسبابٌ لازمةٌ ، أشبه إقدامُهم عليها المعاندةَ، والاستخفاف بحق المعبود ، محضًا ، وقصد معصيته لا لغير معصيته (٢) ، فإن الشيخ مع كمال عقله ، وإعذار الله له فى عمره ، وكثرة معرفته بطول ما مَرَّ عليه من زمنه، وضعف أسباب الجماع ، والشهوة للنساء ، واختلال دواعيه لذلك ، وبَرد مِزاحِه ، وإخلاق جديده، [وعنده] (٣) من ذلك ما يُريحه من دواعى الحلال فى هذا الباب من ذاته ، ويخلى سره منه بطبيعته ، فكيف بالزنا الحرام ؟ ! إذ دواعى ذلك الكبرى الشبابُ ، وحرارةُ الغريزة ، وقلة المعرفة ، وغلبة الشهوة بضعف العقل ، وصِغَرِ السِنّ . وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته ، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته ، إذ = قال : وقال السدى : قال بعضهم : ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير منقوض، وقال بعضهم: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عليهم . قال : وهذا القول الآخر عن بعضهم قد أنكره غير واحد ؛ فإن الله - عز وجل - له المنة على أهل الجَنة فى كل حال وآن ولحظة ، وإنما دخولها بفضله ورحمته ، لا بأعمالهم ، فله عليهم المنة سرمدًا. تفسير القرآن العظيم ٨ / ٣٨٣. (١) فعلى القول فى الكبيرة أنه ما تُوُعِّدَ عليها، تكون تلك الثلاث كبائر، لترتيبه الوعيد عليها . (٢) فهى معاصٍ مع وجود الصارف، قال الأبى: ويلحق بالثلاثة من شركهم فى المعنى الموجب، كسرقة الغنى، فإنها ليست كسرقة المحتاج ، ولا يبعد أن يكون المدح فى أضداد هذه الأنواع أيضا يتفاوت ، فالعفة من الشاب أمدح منها من الشيخ والصدق من غير الملك أمدح منه من الملك والتواضع من الغنى أمدح منه من الفقير . فإن وجد من الشيوخ من لم تنكر حدته فلا يكون مساويًا للشاب لأن التعليل بالوصف لا يضره تخلف الحكمة . إكمال ٢١٦/١ . (٣) فى الأصل : عنده . ٣٨٤ كتاب الإيمان/ باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... إلخ ١٧٣ - (١٠٨) وحدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشرِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ وَهَذَا حَدِيثُ أبِى بَكْرِ . قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: ((ثَلاثٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءِ بالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ ، وَرَجُلٌّ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعة بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللّهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إلا لدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفٍْ )) . إنما يُداهن الإنسان ويصانع بالكذب وشبهه من يحذرُه ويخشى [ معاقبته ، أو أذاه ومعاتبته](١)، أو يطلب عنده بذلك (٢) منزلةً أو منفعةً، فهو غنى عن الكذب جملة (٣). وكذلك العائلُ الفقيرُ ، قد عدم (٤) / بعدمه المال ولعاعة (٥) الدنيا سَبَبَ الفخر ، ٣٠ / أ والخيلاء ، والاستكبار على القُرناء ، إذ إنما يكون ذلك بأسباب الدنيا والظهور فيها وحاجات أهلها إليه ، فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا يستكبر ويستحقر غيره ؟ فلم يبق إلا أنَّ فى استكبار هذا ، وكذب الثانى ، وزنا الثالث ، ضربًا من الاستخفاف بحق الله تعالى، ومعاندة نواهيه ، وأوامره ، وقلة الخوف من وعيده إذ لم يبق ثَمَّ حاملٌ لهم على هذا سواه ، مع سبق القدَرِ لهم بالشقاء . وقوله فى الحديث الآخر فى تفسيرهم : ((ورجل (٦) له فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل)) وذكر معنى المنفق سلعته بالحلف، وذكر فيه بعد [صلاة ] (٧) العصر، ((ورجل بايع إماما لا يبايُعُه إلا لدنيا ... )) الحديث . فأما مانع الماء من ابن السبيل فلأنه منعه حقَّه وما ليس يملك للمانع ، وعرَّضه للتلف ، فأشبه قاتله (٨) ؛ ولهذا رأى مالك إقادته به إن (١) فى ت : منه فتنه أو أذاه أو معاتبته . (٢) فى ق : بذلك عنده . (٣) هذا فى الملك المستقر ولم يعش الشيخ حتى يرى حاجة الرؤساء والملوك إلى أمثال هذه الأخلاق. (٤) قيد أمامها بالهامش : وقع مقابلته بالأصل ولله الحمد والمنة . (٥) اللَّعَاعَةُ: أول النبت ، يعنى أن الدنيا كالنبات الأخضر قليل البقاء ، ومنه قولهم : ما بقى فى الدنيا إلا لعاعة، أى بقية يسيره. اللسان، مادة ((لعع)). (٦) فى ت : رجل . (٧) من ت . (٨) حمل العلماء هذا على أنه من نوع ما قبله ، فالصارف له - أيضًا - كونه لا يملك أصله، وقد أخذ حاجته وقد استغنى عنه ، ككذب الملك . ٣٨٥ كتاب الإيمان/ باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... إلخ ( .. ) وحدّثْنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثْنَا جَرِيرٌ ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرو الأشْعَنِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرُ كِلَاهُمَا عَنِ الأعْمَشِ ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ . غَيْرَ أنَّ فى حَدِيثِ جَرِير : (وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ )) . ١٧٤ - ( ... ) وحدّثْنِى عَمْرٌوَ النَّاقدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو، عَنْ أبِى صَالِحٍ ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : أَرَاهُ مَرْفُوعًا، قَالَ: (( ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ )) وَبَاقِى حَديثه نَحْوُ حَديثِ الأعْمَشِ . هلك (١) . وتقدَّم عظيمُ إثم الحالف الموصوف . وقوله: ((بعد العصر)»: لشدَّة الأمر فيها وحضور ملائكة الليل والنهار عندها ، (١) قلت: ليس هذا لمالك - رضى الله عنه - إنما هو قول عبد الرحمن بن القاسم العتقى، أحد رواة مالك، ذكره سحنون فى المدونة ، قال : قال ابن القاسم : ولو منعوهم - يعنى أصحاب البئر يمنعون المسافرين - الماء حتى مات المسافرون عطشًا ، ولم يكن بالمسافرين قوةً على مدافعتهم ، رأيت أن يكون على عاقلة أهل الماء دياتهم ، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء ، مع الأدب الموجع من الإمام لهم فى ذلك . المدونة ٦ / ١٩٠ فقول القاضى بالإقادة هنا فيه تجوز من جهتين ، أولاها : أنه نسب القول لمالك وليس له ، ثانيها : قوله بالقود وإنما هو عندهم الدية . قال الأبى : لم يزل الشيوخ فى القديم والحديث ينكرون حكاية هذا عن مالك . قال بعضهم : إنما جعل فيهم الدية لأنه بمنعه إياهم متأول أنه أحقَّ بالفضل ، ولو علم أنه لا يحل له منعُهم وقصد قتلهم لانبغى أن يقتل . إكمال ١ / ٢١٦ . قال القرطبى : وابن السبيل هو المسافر ، والسبيل الطريق ، وسمى المسافر بذلك لأن الطريق تبرزه وتظهره ، فكأنها ولدته . ثم قال فى حكم منع الماء هذا : وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك ثم نقل ما نسب إلى مالك هنا بغير عزو. المفهم ١ / ٢٨٧ . وفى قوله عَّ: ((رجل بايع رجلا سلعة)) قال القرطبى: رويناه: ((سلعة )) بغير باء ، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى : ساوم وعن إسقاطها يكون معنى بايع : باع ، فيتعدى بنفسه ، وسلعَة مفعول . وقوله: (( فحلف له بالله لقد أخذها بكذا وكذا )» يعنى : أنه كذب فزاد فى الثمن الذى به اشترى ، فكذب، واستخفَّ باسم الله تعالى ، حين حلف به على الكذب ، وأخذ مال غيره ظلمًا ، فقد جمع بين كبائر ، فاستحق هذا الوعيد الشديد . ٣٨٦ كتاب الإيمان/ باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... إلخ وشهادتهم على مجاهرته ربه بيمينه واستخفافه عظيم حقه (١) . وأما مبايع الإمام الموصوف فلغشه المسلمين وإمامهم وتسبيبه الفتنَ عليهم بنكئه بيعته ، ولنقضه عهود ربه المأخوذة عليه وغروره من نفسه ، لاسيِّما إن كان ممن يُتَبَع ويُقْتَدى به ، ويُظَنَّ أَنَّه بايعه ديانةً ونظرًا للمسلمين وهو بضد ذلك . (١) رد القرطبى هذا التفسير من القاضى لأمرين : أحدهما : أن هذا الحضور من الملائكة فى صلاة العصر موجودٌ فى صلاة الفجر ؛ لأن النبي قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ثم يجتمعون فى صلاة العصر وصلاة الفجر)). قال: وعلى هذا فتبطل خصوصية العصر لمساواة الفجر لها فى ذلك . وثانيهما : أن حضور الملائكة واجتماعهم إنما هو فى حال هاتين الصلاتين ، لا بعدهما كما قد نص عليه فى الحديث حين قال: ((يجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر))، ولقول الملائكة: ((أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون))، قال: وهذا يدلُ دلالة واضحة على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط ، وبها يشهدون . قلت : يجاب على ذلك بأن يقال : إن وقت العصر هو وقت البيع لا قت الفجر غالبًا . فلا مانع من تلك الخصوصية لهذا الوقت . أما الوجه الثانى فالتعبير بقوله عَّه: (( ثم يجتمعون فى صلاة العصر وصلاة الفجر)) أن تعاقبهم وحضورهم قبل الصلاة لا فى حالها ، ولم يرد فى الحديث ما يمنع استدامة الاجتماع بعدها . وقد ذهب القرطبى إلى اختيار القاضى فيما ذهب إليه أول الكلام فقد قال : ويظهر لى أن يقال : إنما كان ذلك لأنه عقب صلاة الوسطى . قلت : قد قال القاضى : لشدة الأمر فيها ، فشمل هذا التأويل من القرطبى وغيره . راجع : المفهم ٢٨٨/١. قال الأبى : الأحسن ألا يجعل بعد العصر قيدًا فى الوعيد المذكور ؛ لأن القصد التحذير عن إنفاق السلعة باليمين الكاذبة ، فترك التقييد بالزمان أزجر ؛ ولذا لم يقيده بذلك فى الحديث السابق ، لا يقال ذلك مطلقُ فِيُردُّ إلى هذا المقيد الأخص ؛ لأن هذا إنما هو أخص باعتبار اللفظ ، وأما باعتبار المعنى فذلك أخص؛ لأنه كلما ثبت الوعيد على إنفاقها بالحلف الكذب مطلقًا ثبت على إنفاقها به بعد العصر ، دون عكس ، وإذا كان أخصَّ انبغى الردُّ إليه . إكمال ١ / ٢١٧ . ٣٨٧ كتاب الإيمان / باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ (٤٧) باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وإن من قتل نفسه بشىء عذب به فى النار وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ١٧٥ - (١٠٩) حدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيبَةَ وأُبُو سَعيد الأَشَجُّ قَالا: حدَّثْنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َّهُ: (( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَديدَة فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِه يَتَوَّجَّأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فَيَهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ سما فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَّدِى مِنْ جَبَلَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدِّ)) . وقوله: (( من قتل نفسه بحديدة ، فحديدته فى يده يتوجَّأ بها (١) فى نار جهنم خالدًا مخلداً ... )) الحديث ، وذكر فيه من شرب سُما وتردى (٢) من جبل ، ومن ذبح نفسه. معنى (( يتوجَّأَ)) أى يطعن (٣)، وهو مهموز ويُسهلُ أيضًا. وقوله فيه: ((خالدًا مُخلَّدًا)) لمن فعَلَ ذلك مستحلا ، أو خلود طول إقامة لا خلود دوام وتأبيد (٤) . ويدخل فيها من التأويلات ما يدخل آية قاتل النفس . وقد يقال في أدعية الملوك: خلَّد الله ملكك، وأَبَّد أيامك أى أطالها. وشرح هذه الألفاظ ما وقع مجملاً فى الحديث الآخر: (( من قتل نفسه بشىء عُذِّب به يوم القيامة )) . وفيه دليلٌ لمالك - رحمه الله - ومن قال بقوله ، على أن القصاص من القاتل بما قتل به محدّدًا كان أو غيْرَ مُحدَّد، خلافًا لأبى حنيفة - رحمه الله - (٥) ، اقتداءً بعقاب الله لقاتل (٢) قبلها فى ق : ومن ، وفى ت : أو تردى . (١) زيد بعدها فى ق: فى بطنه . (٣) زيد بعدها فى ق : ويذبح. (٤) وبهذا يكون كناية عن كون عقوبته أشد من عقوبة قتله أجنبيًا ؛ لأنه واقع الذنب مع وجود الصارف كزنا الشيخ وكذب الملك، والصارف حب الإنسان نفسه بالجبلة. كما ذكره الأبى ١ / ٢١٨، قال: (( ثم ينبغى تخصيصه بمن قتل نفسه لظنه أن العدو يقتله)) . (٥) وذلك لقوله عَّه فيما أخرجه ابن ماجه والدارقطنى والبيهقى: ((لا قوَدَ إلا بالسيف)) ابن ماجه ك الديات، ب لا قود إلا بالسيف ٢ / ٨٨٩، سنن الدارقطنى ٣ / ٨٧، ٨٨، ١٠٦، البيهقى فى ك الجنايات ، ب ماروى ألاقود إلا بحديدة ٨ / ٦٢. راجع فى ذلك: المغنى ١١ / ٤٤٦، إعلاء السنن ١٨ / ٩١. حيث رد الاحتجاج به إلى أن معناه : أن القصاص لا يثبتُ إلا إذا قتله بالسيف ونحوه ، وليس معناه : أنه لا يقتص من القاتل إلا بالسيف . ٣٨٨ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ ( ... ) وحدّثنى زُهَيْرُ بْن حَرْب حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأشعَتَىُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ. ح وَحَدَّثَنِى يَحْبَى بْنُ حَبِبِ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَّعِنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، كُلُّهُمْ بِهَذَاَ الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَفِى رِوَايَةٍ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَکْوَانَ. ١٧٦ - (١١٠) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أخْيَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلامِ بْنِ أبى سَلامِ الدَّمَشْقِىُّ، عَنْ يَخَْى بْنِ أبِى كَثِير؛ أنَّ أبَا قِلاَبَةَ أخْبَرَهُ؛ أنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاك أخْبَرَهُ؛ أنَّهُ نفسه فى الآخرة، وبحكم النبى عَّ فى اليهودى الذى رضَّ رأس الجارية بين حجرین، فأمر برض رأسه بين حجرين (١) وبحكمه فى العرينيين (٢) ؛ ولأن العقوبات والحدود وضعت للزجر ومقابلة الفعل بالفعل والتغليظ على أهل الاعتداء والشر (٣) . (١) وذلك فيما أخرجه الشيخان - واللفظ لمسلم - عن أنس بن مالك أنَّ يهوديًا قتل جاريةً على أوضاح - حُلىٍّ من قِطَعَ فِضَّةَ - لها، فقتلها بحجر، قالَ: فجىء بها إلى النبى عَّهُ وبها رمقٌ، فقال لها: ((أقتلك فلانٌ ؟ فأشارت برأسها أن لا ، ثم قال لها فى الثانية ، فأشارت برأسها أن لا ، ثم سألها الثالثة. فقالت: نعم وأشارت برأسها . فقتله رسول الله عَمّية بين حجرين)) مسلم ك القسامة ، ب ثبوت القصاص فى القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات ١٢٩٩/٣، والبخارى فى ك الديات ، ب إذا قتل بحجر أو بعصا ٩/ ٥ . كما أخرجه أبو داود فى كتاب الديات، ب يقاد من القاتل، ب القود بغير حديد ، وكذلك النسائى فى المجتبى ك القسامة، ب القود من الرجل للمرأة، ب القود بغير حديدة ٨ / ٢٠، ٣٢، كذلك أخرجه الإمام أحمد فى المسند ٣/ ١٧٠، ١٧١ . (٢) هم الذين قدموا ثمانية على رسول الله عَّه من عُكْلٍ أو عُرِينةَ فبايعوه على الإسلام ، فاستوخموا الأرض، وسقُمَتْ أجسامُهمُ، فشكوا ذلك إلى رسول الله عَّه، فقال: ((ألا تَخْرجون مع راعينا فى إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها ؟)) فقالوا: بلى، فخرجوا ، فشربوا من أبوالها وألبانها ، فصَحُّوا، فقتلوا الراعَى وطردوا الإبلِ ، فبلغَ ذلك رسول الله عَّهِ فَبَعَثَ فى آثارهم، فأدرِكوا، فجىء بهم. فأمَرَ بهم فقُطِعَتْ أيديهم وأرجُلُهُمْ ، وَسُمِرَ أعيُنُهُمْ ، ثم نُبِذوا فى الشمس حتى ماتوا . مسلم ، ك القسامة ، ب حكم المحاربين والمرتدين ٣ / ١٢٩٦، والبخارى ك المحاربين من أهل الكفر والردة، ب لم يحسُم النبىَّ ◌َّ المحاربين من أهل الردة حتى هلكوا، ب لم يُسْقَ المرتدون المحاربون حتى ماتوا، ب سُمْرِ النّبِى ◌َّهُ أعيُن المحاربينَ ٨ /٢٠٢ . (٣) وذهب الطحاوى إلى أن هذا منسوخٌ بنهى النبى عَّه عن المثلة وصبر البهائم، وأجيب بأن النهى عن المثلة والصبر إنما وقع إذا لم يكن المثلة والصبر على وجه شرعى ، وأما إذا كان على وجه شرعى فلا ، فقطع اليد مثلة واجبة فى حد السرقة ، وقطع الأنف والأذن ، وقلع السن وكسره ، واجب فى القصاص ، مع أن الكل مثلة . إعلاء السنن ١٨ / ٩٠ . بشراء ٣٨٩ كتاب الإيمان / باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ بَايَعَ رَسُولَ اللّهِ عَّهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَأَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ قَالَ: « مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَّ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَّىَ رَجُلٍ نَذْرٌ فِىِ شَىْءٍ لا يَمْلِكُهُ)) . وقوله: فيمن (( حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا - زاد شعبة (١) - متعمدًا فهو كما قال )) قيل : معناه : فهو كاذب فى يمينه، وزيادة شعبة (٢) فى هذا الحديث - متعمدًا - حسنة ، فإن كان المتعمد للحلف بها قلبه مطمئن بالإيمان فهو كاذب فيما حلف عليه ، كاذب فى تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه، وإن كان قوله: ((متعمدًا)»: أى لتعظيمها واعتقاد اليمين بها لكونها حقًا فهو كافر ، كما اعتقد فيها وقاله فى الحلف بها . وعن ابن المبارك فيما ورد فى مثل هذا مما ظاهره تكفير أصحاب الذنوب أن ذلك عن طريق التغليظ . وقد اختلف العلماءُ فى إيجاب الكفَّارة على من قال هو يهودىٌّ ، أو نصرانى أو كفر بالله ، أو أشرك به ، أو هو برىء من إسلامه ، وشبه هذا ، وألا كفَّارة أصوبُ ، وهو مذهب مالك ، ويستحب له أن يفعل من الخير ما يُكفِّرُ سيئته (٣) بقول ذلك، ويدلُ عليه قوله عَّه: ((من حلف باللات والعزَّى فليقُل: لا إله إلا الله )) (٤)، فلم يجعل عليه كفارةً وأمَرَه بمقابَلةٍ ذلك القول السيئ وإتباعه بالقول الحسن ، فإنَّ الحسنات يذهبن السيئات . وهى حجتنا فى أنْ لا كفارة فى اليمين الغموس ؛ ولأن النبى عَّه عظّم الخطأ فى هذه الأيمان وشدَّد الوعيد فيها ، ولم يجعل لها كفارةً ؛ ولأن الكَفَّارَة لحلّ الأيمان المنعقدة ، لا لإزالة المأثم ، وهذه ليست بأيمان منعقدة . وقوله: ((ليس على رجُلٍ فى شىء لا يملكه نذر))، قال الإمام: يحتج به المخالف(٥) (١، ٢) فى الأصل : سفيان ، وكلاهما صواب . (٣) بعد أن كتبت هكذا فى ت رجع ناسخها وقيدها بالهامش يمينه ، وكتب فوقها كلمة صح . راجع المدونة الكبرى ٤ / ١٠٦، وقد جاء فيها : لا يكون كافرًا حتى يكون قلبه مضمرًا على الكفر ، وبئس ما صنع . (٤) البخارى فى صحيحه، ك الأيمان والنذور، ب لا يُحلف باللات والعزى، عن أبى هريرة، ولفظه: ((من حلف فقال فى حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله )) ٨ / ١٦، والبيهقى فى السنن الكبرى ١ / ١٤٩. (٥) وهو اختيار الشافعى - رضى الله عنه - وقد حكاه عن على - رضى الله عنه - فى الأم قال: إنه كان يقول لا طلاق إلا بعد نكاح ، ولا عتق إلا بعد ملك . واللزوم فيه بالتخصيص هو قول ابن أبى ليلى ، كان يقول : لا يقع فى ذلك عتق ولا طلاق إلا أن يوقت وقتًا ، فإن وقَّت وقتا فى سنين معلومة ، أو قال : ما عاش فلانٌ أو فلانة ، أوْ وقَّت مِصْرًا من الأمصار أو مدينة أو قبيلة لا يتزوَّج ولا يشترى منها مملوكًا ، فإن ابن أبى ليلى يوقع على هذا الطلاق ، وأما أبو حنيفة فإنه يوقعه فى الوقت وغير الوقت . الأم ٧ / ١٢٦ . ٣٩٠ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ ( ... ) حدّثَنِى أَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِىُّ. حَدَّثَنَا مُعَادٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَام - قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِى كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو قلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّبِىِّ عَُّ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى رَجْلِ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ، وَمَنْ فَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ على أنَّ من حلف بصدقة ما يملك أو عتق ما يملك فى المستقبل أو طلاق [ من ] (١) يتزوج لا يلزمه (٢)، وإن خص ، وهذا عندنا محمول على أنه أراد [ لا صدقة فيما هو ملك للغير الآن، ليس على أنه بعد] (٣) مصيره إليه، ونحن إنما ألزمناه فيه ما عقد (٤) على نفسه بعد أن صار ملكًا له فلم يكن (٥) فى الحقيقة طلاقه وصدقته إلا فيما ملك . وهذه المسائل يتسعُ الكلام فيها ، وليس هذا موضع بسطه . قال القاضى : أما من حلف بصدقة مال غيره ، أو طلاق امرأة ليست بزوجته ، أو عتق عبد غيره دون تعليق بشرط ، فلا خلاف بين العلماء [أنه] (٦) لا يلزمه شىء إلا شىء حكى عن أبى (٧) ليلى فى العتق إذا كان موسرا أعتقوا عليه ، ثم رجع عنه ، وإنما اختلفوا إذا علق اليمين بملكه (٨) ، فلم يلزمه الشافعىُّ وأصحابهُ شيئا مما حلف عليه (٩) وألزمه أبو حنيفة كلَّ شيء حلف عليه خصَّ أو عمَّ (١٠) ، ووافقه مالك فى المشهور عنه إذا خصَّ ، وخالفه إذا عمَّ وأدخلَ على نفسه الحَرجَ وله قول كقول الشافعى . وقوله: ((لعنُ المؤمن كقتله)): كذا هو فى الحديث عند مسلم (١١) ، قال الإمام : (١) من ت ، والمعلم . (٢) فى الإكمال: لا يلزم . (٣) فى الإكمال : لا صدقة فيما هو ملك للغير لا لأن ليس على أنه تَعمَّد مصيره إليه، وفى النسخة الأصلية: الآن ليس على ، وكلاهما غير واضح المراد ، والمثبت من المعلم . (٤) فى الإكمال : ما يحقه . (٦) ساقطة من الأصل . (٥) فى ق والإكمال : يقع . (٧) فى الأصل : ابن . (٩) لأنه عنده من يمين اللغو . (٨) أى فى المستقبل. (١٠) لأنه لا لغو عنده فى المستقبل. وقد اختلف فى تفسير يمين اللغو . فذهب الحنفية إلى أنها : اليمين الكاذبة خطأ أو غلطًا فى الماضى أو فى الحال . وعرَّفها الشافعى بأنها : اليمين التى لا يقصدها الحالف ، وهو ما يجرى على ألسن الناس فى كلامهم من غير قصد اليمين ، من قولهم : لا والله ، وبلى والله ، سواء كان فى الماضى أو الحال ، أو المستقبل . وعند أبى حنيفة : لا لغو فى المستقبل ، واليمين على أمر فيه يمين معقودة ، وفيها الكفارة إذا حنث ، قصد اليمين أو لم يقصد ، وإنما اللغو فى الماضى والحال فقط . بدائع الصنائع ٤ / ١٥٧٤ . وقد ذهب فريق من العلماء إلى أن المراد بيمين اللغو هو اليمين على المعاصى . (١١) نبه بهذا القاضى - رحمه الله - على ما جاء فى نسخة المعلم، حيث جاءت العبارة فيه: قوله عليه: («من لعن مؤمنا فكأنما قتله ». ٣٩١ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ فى الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتْكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلا قلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْرٍ فَاجِرَةَ )) . ١٧٧ - ( ... ) حدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْد الصَّمَد ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أُبُّوبَ ، عَنْ أبى فلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأنْصَارِىِّ. حَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِىِّ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : قَالَ النَّبِىُّ عَ: (( مَّنْ حَلَفَ بِمِلَّةٌ سِوَى الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَّا قَالَ، وَمَنْ قَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٌ عَذَّبَهُ اللّهُ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ)). هذَا حَديثُ سُفْيَانَ. وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ عٌَّ قَالَ: « مَنْ حَلَفَ بِمِلَّهُ سِوَى الإِسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ ذَبَحَ نفسَهُ بِشَىْء ذُبحَ به يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . الظاهر من الحديث تشبيهه (١) فى الإثم ، وهو تشبيه واقع ؛ لأن اللعنة / قطع عن الرحمة ٣٠/ ب والموت قطع عن التصرف . قال القاضى : وقيل : لعنته له تقتضى [ قصده إخراجه عن ] (٢) جماعة من المسلمين ومنعهم منافعِه، وتكثير عددهم به كما لو قتله ، وقيل : لعنُهُ يقتضى قطْعَ منافِعه الأخروية عنه وبعده منها بإجابته لعنته فى الدنيا ، فهو كمن قُتِلَ فى الدنيا وقُطعت عنه منافعه فيها ، وقيل : معناه : استواؤهما فى التحريم . وقوله: ((من ادَّعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة))، قال القاضى: هذا عام فى كل دعوى يتشبَّعُ بها المرءُ بما لم يُعط من مال يحتالُ فى التجمل به من غيره ، أو نسب ينتمى إليه ليس من جِذْمه (٣)، أو علم يتحلّى به ليس من حَمَلته ، أو دين يرائى به ليس من أهله، فقد أعلم عَِّ أنهُ غير مبارك له فى دعواه ولا زاك ما اكتسبه بها ، ومثله الحديث الآخر: (( اليمين الفاجرة مُنفقةٌ للسِّعة، مُمْحِقَةٌ للكسب)) (٤). (١) فى المعلم : التشبيه . (٢) فى الأصل : قصيده إما خراجه من . (٣) أى من فرعه ، فالجذْمة : هى القطعة من الشىء . لسان . (٤) الحديث بهذا اللفظ أورده المنذرى فى الترغيب والترهيب ، وعزاه للجماعة سوى ابن ماجه عن حكيم بن حزام ٣ / ٢٩، وليس كذلك، فإن الذى فى الصحيح: ((الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة))، وسيرد إن شاء الله فى البيوع، وانظر: أبا داود، ك البيوع، ب فى كراهية اليمين فى البيع ٢ / ٢١٩ ، والنسائى كذلك، ب المنفق سلعته بالحلف الكاذب ٧ / ٢٤٦، ولفظه لهما: ((الحَلفُ منفقة للسلعة، = ٣٩٢ ----- كتاب الإيمان/باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ ١٧٨ _ (١١١) وحدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، جَمِيعًا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبَدُ الرَّزََّقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَبِبِ، عَنْ أَبِّى هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُول اللّهِ عَّهِ حُنَيْنَا، فَقَالَ لِرَجُل ممَّنْ يُدْعَى بِالإسْلامِ: ((هذَا مِنْ أهْلِ النَّارِ)) ، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ . فَقِيلَ : يَارَسُولَ اللّه، الرَّجُلُ الَّذِى قُلْتَ لَهُ آنفًا: ((إنَّهُ منْ أهْلِ النَّارِ)) فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالا وقوله: (( من حلف على يمين صبرٍ فاجرة))، قال الإمام : أصلُ الصبر : الحبسُ والإمساك ، يقال : صَبَر فلانٌ فلانًا إذا حبسه ، وكل من حبسته لقتلٍ أو يمين فهو قتلُ صَبْرٍ ويمينُ صَبْر ، وأصبَرَه الحاكم على اليمين (١) أكرهه على يمين صبر. قاله (٢) الهروى وغيرهُ. وقال [ أبو ] (٣) العباس (٤) : الصبر ثلاثة أشياء : الإكراه ، ومنه : أصبره الحاكم . والحبْسُ، ومنه: صبرته إذا حبسته . والجرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (٥) . قال القاضى : يمينُ الصبر هى التى يَصْبرُ صاحبُها ، أى يحبس ويُكره حتى يخلفها ، وقد يكون من معنى الجرأة والإقدام عليها كما قال ثعلب . ومعنى فاجرة : أى كاذبة . ولم يأت فى الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف ، إلا أن تعطفه على قوله قبلُ : ((ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها لم يزده الله بها إلا قلةً)) أى: وكذلك الحالف اليمين الفاجرة مثل هذا . وقد ورد معنى هذا الحديث مُبَيَّنَا تامًا فى حديث آخر: (( من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم هو فيها فاجر ، لقى الله وهو عليه غضبان)) (٦). ممحقة للكسب)) . وهو هناك عن أبى هريرة. = واللفظ المذكور قريب من لفظ أحمد والبيهقى وهو لهما بلفظ: (( اليمين الكاذبة )) أحمد فى المسند ٢٣٥/٢، ٢٤٢، ٤١٣، والبيهقى فى السنن الكبرى ٥ / ٢٦٥. (٢) فى الأصل : وقال ، والمثبت من المعلم . (١) فى المعلم : على الشىء. (٣) من المعلم . وانظر: غريب الحديث ١ / ٢٥٤ . (٤) أبو العباس هو العلامة المحدث، إمام النحو أحمد بن يحيى بن يزيد الشَّيانى، الملقب بثعلب، وُلُد سنة مائتين ومات سنة إحدى وتسعين ومائتين . قال فيه الخطيبُ: ثقة ، حجة ، ديّنٌ ، صالح ، مشهور بالحفظ. طبقات النحويين واللغويين ١٤١ . تاريخ بغداد ٥ / ٢٠٤ ، سير ١٤ / ٥ . (٥) البقرة : ١٧٥ . (٦) سيرد إن شاء الله فى ب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة، وقد أخرجه البخارى فى أكثر من موضع ، راجع: ك التفسير ٦ / ٤٣، ك المساقاة، ب الخصومة فى البئر ٣ / ١٤٥، وأخرجه الطبرانى فى الكبير بزيادة: ((عفا عنه أو عاقبه)) ١٨ / ١٨٧ . ٣٩٣ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ . شَدِيدًا. وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِىُّ عَهُ: ((إِلىَ النَّارِ)) فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أنْ يَرْتَابَ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذلكَ إِذْ قِيلَ : إنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا! فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْل لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِىُّ عَُّ بِذَلِكَ فَقَالَ: «اللّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّى عَبْدُ اللّه وَرَسُولُهُ)) ثُمَّ أَمَرَ بِلَالا فَنَادَىَ فىِ النَّاسِ: ((إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَةَ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٍ وَإِنَّاللّه يُؤْيِّدُ هَذَا الدِّيْنَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)) . ١٧٩ _ (١١٢) حدّثْنَا قُتَيْبةُ بْنُ سَعيد. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابنُ عَبْدِ الرَحْمنِ الْقَارِىُّ، حَىٌّمِنَ الْعَرَبِ - عَنْ أبِى حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِىِّ؛ أنَّ رَسُولَ اللّهَ عَُّ الْنَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ إِلَى عَسْكَرَه وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ ، وَفِى أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَ اتَبَعَهَا يَضْرِبُهَا ويُستدل من هذا الحديث : أن الأيمان كلها التى تُقْتَطعُ بها الحقوق لا ينفعُ فيها المعاريض والنيات ، وإنما هى على نيَّةٍ صاحب الحق المحلوف له لا على نية الحالف . قال شيخنا [ القاضى ] (١) أبو الوليد: وهذا مما لا يختلف فيه أنه آثم فاجر فى يمينه متى اقتطع بها حق مسلم، واختلف إذا حلف لغيره تبرعًا متطوعًا أو مُستحلَفًا أو مُكْرَهًا ، فقيل : ذلك كله (٢) على نية المحلوف له ، وقيل : على نيَّة الحالف ، وقيل : للمتطوع نيته بخلاف المستحلف وقيل بعكسه ، وكل هذه الأقوال فى مذهبنا ولأئمتنا (٣). وقوله فى حديث أبى هريرة: ((شهدنا مع رسول اللّه عَّه حنينًا)) كذا وقعت الرواية فيها عن عبد الرزاق فى الأم ، وقد رواه الذهلى ( خيبر)) وهو الصواب. وقوله : ((لا يدع شاذَّةٌ ولا فَاذَّةً إلا اتبعها [يضربها بسيفه] (٤): الشاذ الخارج عن (١) ساقطة من ق . وهو الإمام العلامة الحافظ القاضى أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد، التجيبى، الأندلسى ، القرطبى ، صاحب التصانيف ، تفقه به أئمة ، واشتهر اسمُه ، مات بالمريَّة سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وفيات الأعيان ٢ / ٤٠٨، العبر ٣ / ٢٨١، نفح الطيب ٢ / ٦٧، سير ١٨ / ٥٣٥. (٢) فى الأصل : كلية . (٣) راجع: المنتقى للباجى ٣ / ٣٥١ . قال: وأما أن يستحلف ، فقد قال ابن القاسم فى الموازية: سواء استحلفه الطالب أو ضيق عليه حتى يحلف أو خاف ألا يتخلص منه إلا باليمين فإنه لا تنفعه نيته ، وروى ابن حبيب عن مطرف عن مالك : وتنفعه نيته فى محاشاة الزوجة لاختلاف الناس فى هذا اليمين وأما فى غير ذلك فلا تنفعه المحاشاة ، ولا النية ، واليمين على نية المستخلف ، وقاله ابن الماجشون . (٤) سقط من الأصل، ق. والذى أتت به روايات مسلم التى توفرت لنا ليس فيها: ((ولا فاذَّةً))، وكون = ٣٩٤ كتاب الإيمان/باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ بِسَيّفه. فَقَالُوا: مَا أَجْزَاً مِنَّ الْيَوْمَ أحَدٌ كَمَا أجْزَأَ فُلانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( أمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا. قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَف مَعَهُ، وَإِذَا أسْرَعَ أسْرَعَ مَعَه، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيَّفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِه فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُول اللّهِ عَهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللّهِ. قَالَ: (( وَمَا ذَاكَ؟ )) قَالَ: الجماعة ، والشاذ المتفرق - أيضًا -، والفاذ الفرد، معناه : لا يخلُص منه من خرَج وفرّ(١). وأَنَّثَ (٢) الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم وفاذَّتها ، وهو بمعنى أنه مُتقصٍ للقتل حتى لا يدع أحداً ، على طريق المبالغة . قال ابن الأعرابى : يقال: فلان لا يدع شاذةً ولا فاذَّةً ، إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد إلا قتله . وفيه دليل على جواز الإبلاغ والغُلوُّ فى الكلام، وأن يُعَبَّر بالعُموم عن الكثرة والغالب، كقوله تعَّ: ((لا يضع عصاه عن عاتقه )). وقوله: (( ما أجزأ منا اليوم أحدٌ ما أجزأ فلان)) ، قال الإمام : قال الهروى فى قوله: لا تجزى عن أحد بعدك : [ أى ] (٣) لا تقضى، يقال : جزى عنى ، بغير همز ، ومعنى قولهم [ جزاه الله عنى ] (٤) خيرا : أى قضاه الله ما أسلف ، فإذا كان بمعنى الكفاية قلت : جزأ عنى - مهموزا - وأجزأ . قال أبو عبيد: ويقال : جزأت [بـ ](٥) الشىء واجترأت [ وتجزأت وتجزات ] (٦): أى اكتفيت [ به ] (٧) وأنشد: فإنَّ اللَّوم (٨) فى الأقوام عارٌ وإن المرأ يُجْزأ بالكُرَاع قال القاضى : كذا روينا هذا الحرف هنا بالهمز ، وهو بمعنى الكفاية والغناء ، وعن أبى زيد : هذا الشىء يجزى عن هذا ، أى يقوم مقامه ، وقد يهمز . قال الخليل : جزيت عن كذا أغنيتُ عنه ، وجزيتُه كافيته ، وأجزانى (٩) كفانى ، يقال : جزأت الإبل بالرطب إذا استغنت به عن الماء تجزأ جزيًا (١٠). - - القاضى يكرر لفظها هنا يؤكد لدينا أنها هكذا فى نسخته التى يرمز إليها بالأم ، وهى لفظ البخارى أيضًا عن = سهل بن سعد الساعدى ك المغازى ، ب غزوة خيبر ٥ / ١٦٨، وعن أبى هريرة ك الجهاد والسير ، ب لا يقول فلان شهيد ٤ / ٤٤ . (١) فى ت : وقد . (٣ - ٧) من المعلم . (٢) فى ت : أنت . (٩) فى ت : وجزانى. (٨) جاءت فى إكمال الإكمال: الغدر. (١٠) فى ت: اجزاءً، وقد نقلها الأبى هكذا : الخليل والعرب تقول : جزأت الإبل بالرطب عن الماء أى اكتفت به عنه ، وهو بدون همز بمعنى القضاء جزى عنى ، أى قضى . قلت : ومن غير المهموز بمعنى القضاء: ﴿لَأَ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [ البقرة: ٤٨]. - - ٣٩٥ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ الرَّجُلُ الَّذِى ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذِلِكَ ، فَقُلْتُ : أنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِى طَلَبَهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ عَلَّهُ، عِنْدَ ذلكَ: (إِنَّالرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ الْجَنَّةِ فَيَمَا يَبِّدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أهْلِ النَّارِ، وَإَنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ)). وقول الآخر: (( أنا صاحبه أبدا)) : أى لا أفارقه ، وأتبع أمره حتى أعرف ماله، إذ أخبر النبي ◌َّهُ بما دل على سوء عقباه ، وخاتمته ، وسوء سريرته بكونه من أهل النار ، وخبره صادقٌ لا شك فيه ، وكان ظاهره غير ذلك من نصر الدين وحسن البصيرة فيه ، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار ليزداد يقينًا وبصيرة كما فَعَل وذكر فى نفس الحديث (١) ، وتجديد شهادته بالنبوة (٢). ودلَّ بمجموع (٣) هذا أن الأعمال بخواتيمها / كما أشار إليه رسول الله آخر الحديث، ٣١/أ وهذا يرجح هذا التأويل فى قوله: (( حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا ذراع)) وذكر فى النار مثيله على من تأوَّل أن معناه : الحيف فى الوصيّة (٤) . وذكر الذراع هنا والشبر تمثيل للقرب وسرعة اللحاق ، واستعارة لذلك . (١) فسؤال الرجل هنا ليس سؤال استثبات ، وإنما هو سؤال تعجب ، إذ المعلوم الصدق لا يستثبت . إكمال الإكمال ١ / ٢٢١ . (٢) والتكبير قبلها تكبير تعجب بالنسبة إلى المخاطبين عند ظهور المطابقة، لا سيما مع قوله: (( فكاد بعض المسلمين يرتاب)). ودخول أن فى خبر كاد جائز على قلة ، وهى لمقاربة الفعل . وقال الواحدى : نفيها إيجاب ، وإيجابها نفى ، فقولهم كاد يقوم : معناه : قارب القيام ولم يقم ، وما كاد يقوم: قام بعد بطء . وأمره عَّه بلالاً أن ينادى فى الناس ، إعلام بأن الإسلام دون تصديق وإن نفع فى الدنيا لن ينفع فى الآخرة إلا مع التصديق والإخلاص ، وقد دل كذلك على أن الرجل كان مرائيًا منافقًا ، لا سيما مع قوله عبة: ((بالرجل الفاجر)). راجع: الأبى ١ / ٢٢١ . (٣) فى ت : من مجموع . (٤) وذلك فيما أخرجه أحمد فى المسند عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّه: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ، فإذا أوصى حاف فى وصيته فيختم له بشر عمله ، فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة ، فيعدل فى وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة)) ٢ / ٢٧٨. كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... إلخ ٣٩٦ ١٨٠ _ (١١٣) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا الزَّبَيْرِىُّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللّه ابْنِ الزَّبَيْرِ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ : سَمْعتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: ((إنَّ رَجُلًا ممَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ ، فَلَمَّ اذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنَ كِنَانَتِهِ، فَنَكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقَاً الدَّمُ حَتَّى مَاتَ . قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَّنَّةَ)) . ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِد. فَقَالَ: إِى وَاللّه، لَقَدْ حَدَّثَنِى بِهِذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌّ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ نَّهُ، فِىِ هذَا الْمَسْجِدِ . ١٨١ - ( .. ) وحدّنا مُحَمَّدُ بْنُ أبى بَكْرِ الْمُقَدَّمِىُّ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِير، حَدَّثَنَا أبى. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَّبُ بْنُ عَبْد اللّه الْبَجَلَىُّ فِى هذَا الْمَسْجِد . فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشَى أنْ يَكُونَ جُنْدَبٌّ كَذَبَ عَلَى رَسُول اللّهِ عَُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َُّ: ((خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَجٌ )) فَذَكَرَ نَحْوَهُ . ويعقوب بن عبد الرحمن القارى المذكور فى سنده مُشَدَّد الياء ، منسوب [ إلى القارة](١)، قبيلة معروفة فى العرب (٢). وقوله: ((فنكأها)» يقال : نكأتُ القَرحةَ مهموز : أى قشرتُها ، وقوله عن ربه تعالى: ((حَرَّمتُ عليه الجنة)): يحتمل أنه كان مستحلاً، أو يمنعُها حين يدخلها السابقون والأبرار والناجون وأصحاب اليمين ، حتى تنفذ فيه مشيئة ربه ويعاقبه بذنبه فى نار جهنم ، أو يطيل حسابه ، أو يُحَبَسُ فى الأعراف . -- (١) سقط من الأصل . (٢) تتألف من عَضَل ، والديسن ، ابنا الهون بنُ خزيمة ، سموا قارة لاجتماعهم ، والتفافهم ، لما أراد ابن الشدَّاخ أن يفرقهم فى بنى كنانة وقريش. معجم قبائل العرب ٣ / ٩٣٥. .. - - ٣٩٧ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل ... إلخ (٤٨) باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ١٨٢ - (١١٤) حدّثْنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثْنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسمِ، حَدَّثْنَا عكْرِمَةُ بْنُ عَمَّار، قَالَ : حَدَثَنِى سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ، أَبُو زُمَّيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللّه بْنُ عَبَّاسِ، قَالَ : حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَا كَانَ يَوْمُ خَرِ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِىّ ◌َّةٍ. فَقَالُوا : فُلانٌ شَهيدٌ. فُلانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُل فَقالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّه عََّ: ((كَلا إِنِّى رَأَيْتُهُ فِى النَّارِ، فيِ بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةَ)) ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللّه عََّ: (( يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَاد فى النَّاسِ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ)) . قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: ((أَلا إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الَجَنَّةَ إِلَ الْمُؤْمِنُونَ)) . وقوله : ((فى بُردة غَلَّها أو عباءة))، قال الإمام : قال أبو عُبيد : الغلول الخيانة فى المغنم خاصةً ، يُقال مِنْه: غلَّ يغُل (١) بفتح الياء وضم الغين، وقرئ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يُغَلَّ ﴾ و﴿يَغُلَّ﴾ (٢) فَمن قرأ يُغَل [ بضم الياء وفتح الغين ] (٣) فإنه يحتمل معنيين : أن يكون يُغَل يُخان ، يعنى: يؤخذُ من غنيمته، ويكون يَغُل (٤) ينسب إلى الغلول ، وقال: لم نسمع أحدًا قرأ بكسر الغين لأن يَغِل بكسر الغين وفتح الياء من الغِلّ وهو الشحناء ، ومنه قوله فى الحديث [ الآخر] (٥): (( ثلاث لا يَغِلُّ عليهن قلبُ مؤمن))(٦). (١) عبارة أبى عبيد: غَلّ يَغلُ غُلولا. غريب الحديث ١ / ٢٠٠. (٢) آل عمران: ١٦١ . (٣) فى ت : بفتح الياء وضم الغين ، وما ذكرناه من الأصل ، وهو الموافق لما ذكره أبو عبيد . (٤) هكذا فى الأصل مشكولة - بفتح الياء وضم الغين - وفى ت غير مشكولة. (٥) من ت . (٦) جزء حديث أخرجه الترمذى فى ك العلم ، ب ما جاء فى الحثّ على تبليغ السماع عن عبد الله بن مسعود ٥ / ٣٤، كما أخرجه الطبرانى فى الأوسط والكبير عن معاذ والنعمان بن بشير بأسانيد غير مستقيمة، مجمع ١ / ١٣٨، وأخرجه أحمد بلفظ ((مسلم)) بدلا من مؤمن، عن أنس بن مالك ٣ / ٢٢٥. وفى إسناده إسحاق عن الزهرى ، وهو مدلس ، وله طريق عن صالح بن كيسان عن الزهرى ، ورجالها موثقون، وقد أخرجه ابن ماجه من طريقين ، الأول المقدمة ، ب من بلغ علمًا ١ / ٨٤ ، وفى طريقه ليث ابن أبى سليم ، والثانى ك المناسك، ب الخطبة يوم النحر ٢ / ١٠١٥، وقد أخرجه أحمد فى المسند من هذا الطريق بإسناد أعلى ٤ / ٨٠ وتلك أسانيد يقوى بعضها بعضًا . وتلك الثلاث كما جاءت فى الحديث: (( إخلاص العملِ لله ، والنصيحةُ لِولاة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيطُ من ورائهم » . ٣٩٨ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل ... إلخ ١٨٣ - (١١٥) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهر، قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدُّؤْلِىِّ، عَنْ سَالِمٍ أَبِى الْغَيْثِ ، مَوَلَّى ابْنِ مُطِيعَ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحمَّد - عَنْ ثَوْرِ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىَّ عَّهُ إِلَى خَيْيَرَ ، فَفَتَحَ اللّهُ عَلَيْنَاً، فَلَمْ تَغْتَمْ ذَهَبَا ولا وَرِقًا ، غَنَمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثَّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إلى الْوَادِى، وَمَعَ رَسُول اللّهِ عَّهُ عَبْدٌلَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامِ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَى الضَّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِىَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللّهِ تَّهِ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمَىَ بِسَهْمِ، فَكَانَ فيه حَتَّفُهُ . فَقُلْنَا: هَنيئًا لَهُ الشَّهَدَةُ يَارَسُولَ اللّه! قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: ((كَلَا، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّد بَيَده، إنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا، أخَذَهَا مِنَ الغْنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ)) . وأما قوله فى الحديث الآخر: ((لا إغلال ولا إسلال)) (١) فالإغلال : الخيانة، والإسلال: السرقة ، يقال : رجل مُغِل مُسِل ، أى صاحب خيانة وسرقة . قال القاضى : ويقال : غَلَّ الرجلُ إذا خان ، قال ابن قتيبة : وأصله من إدخال ما غل [على] (٢) رحله، ومنه الغللُ، الماء الذى يجرى بين الثمار . والبردة : كساء مُرَبَّعٌ أسود فيه صِغَر (٣) ، وقيل : هى الشملة المخططة وهى كساء يؤتزر به ، والعباءة ممدود الكساء . وقوله: ((إن الشملة لتلتهبُ عليه نارًا))، وقوله: ((شراك أو شراكان من نار)) تنبيه على المعاقبة عليهما ، وقد يكون المعاقبة بهما أنفسهما فيعذب بهما وهما من نار ، وقد يكون ذلك على أنهما سبب لعذاب النار . = قال ابن الأثير: ((يُغَلُّ - بضم الياء - من الإغلال بمعنى الخيانة فى كل شىء، ويروى بفتح الياء من الغِلّ، وهو الحقد والشحناء ، أى لا يدخله حقد يزيله عن الحق ، قال : وروى يغل بالتخفيف من الوغول، وهو الدخول فى الشر ، والمعنى : إن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب ، من تمسك بها طهر قلبهُ من الخيانة والدغلِ ، والشر . وقوله: ((عليهن)) فى موضع الحال، تقديره: لا يغل كائنًا عليهن قلب مؤمن ٣ / ١٦٨ . (١) الحديث بهذا اللفظ أخرجه الدارمى والطبرانى عن عوف المزنى ، وفيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنى ، كذبه أبو داود ، وقال فيه الشافعى: إنه ركن من أركان الكذب. سنن الدارمى ٢ / ١٥٠، كما أخرجه أحمد وهو جزء حديث بالمسند بلفظ: ((وأنه لا إسلال ولا إغلال)) ٤ / ٣٢٥ . (٢) من الأصل فقط، وزيد بعدها فى جميع النسخ لفظة ( أثناء )، ولا وجه لها . (٣) نقلها الأبى هكذا : والبردة كساء صغير أسود مربع . ٣٩٩ كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل ... إلخ قَالَ : فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكِ أوْ شِرَاكَيْنِ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللّه، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْيَرَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهِ: (( شِرَاكٌ مِنْ نَارِ. أَوْ شِرَاكَانٍ مِنْ نَارِ)) . وفى هذا الحديث دليلٌ لإحدى الروايتين عن مالك - رحمه الله - فى منع الانتفاع بغير الطعام من الغنائم ، إذ قد يحتمل أخذ هذين للشملة والشراكين للحاجة أو يقال : إنهما أخذاهما لغير حاجة فلا يكون فى ذلك حجة . وهو دليل لفظ الحديث لأنها أخرجت من الرَّحل، ولو أخذت للحاجة لاستعملت (١) فيما أخذَت له ولم تُستَرْ ولم تُغَل ، أو تكون أمسكت بعد أن قضيت منها الحاجةُ ولم تُصرَف للمغانم . وسُمى هذا العبدُ فى الموطأ فى هذا الحديث بنفسه بسند مالك فيه بعينه ((مِدْعَمٌ))، وكذا سماه أبو عمر بن عبد البر . وقال غيره : هو غير مِدْعَم - وورد فى حديث مثل هذا اسمه ((كركرة)» - ذكره البخارى (٢). وقوله فى هذا الحديث: ((إلى خيبر)) وهو الصواب ، وكذا عند أكثر أصحاب الموطأ(٣)، وعند بعضهم حنين، وفى قبول النبى معَّ هذا الغلام هديةً، وقد كرهها فى حديث ابن اللُّتْبِيَّة وقال: (( هدية الأمراء غلول )) وقبلها - أيضًا - من المقوقس وغيره ، وفى صفته [عَّ] (٤) أنه يأكل الهدية وردها على بعضهم ممن لم يُسْلم وقال: ((لا تَقْبَلُ (١) فى ت : استعملت . (٢) الموطأ ك الجهاد ب ما جاء فى الغلول ٢ / ٤٥٩، البخارى فى صحيحه ك الأيمان والنذور، ب هل يدخل فى الأيمان والنذور الأرض والغنمُ ، والزروع والأمتعة ٨ / ١٧٩ ، وكذا ذكره أبو داود فى الجهاد ، ب فى تعظيم الغلول ٢ / ٦٢ - على أنه مدْعم - قال الحافظ فى الإصابة: كركرة، مولى رسول الله عَّ ، كان نوبيًا ، أهداه له هوذة بن على الحنفى اليمامى فأعتقه . قال : ذكر ذلك أبو سعيد النيسابورى فى شرف المصطفى ، وقال ابن منده : له صحبة ، ولا تعرف له رواية . وقال الواقدى : كان يمسك دابة النبى ◌ّ وهو مملوك. الإصابة ٨ / ٥٨٧. وبعد أن نقل النووى كلام القاضى هنا وعزا بعضه إليه ، قال فى قوله: ((وورد فى حديث مثل هذا اسمه كركرة)» قال هذا كلام القاضى ١٠ / ٣١٧ . قلت : قد أخرجه البخارى فى صحيحه ، فى ك الجهاد ، ب الغلول عن عبد الله بن عمرو ، قال: كان على ثَقَل النبى معَّهُ رَجل يُقالُ له كِرْكَرَةُ فمات، فقال رسول الله عَّه: هو فى النار ، فذهبوا ينظرون إليه ، فوجدوا عباءَةً قد غلَّها . قال البخارى : (( قال ابن سلام: كَرَكَرَةَ، يعنى بفتح الكاف)) ٤ / ٩١ . وقال النووى: (( كركرة بفتح الكاف الأولى وكسرها ، وأما الثانية فمكسورة فيهما)) . والله أعلم . (٤) من ت . (٣) وكذا البخارى وأبو داود . كتاب الإيمان/ باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل ... إلخ ٤٠٠ زَبْدُ المشركين)) (١)، وقد كرهها بعض أهل العلم للأمراء وقالوا : كان هذا خاصًا بالنبى عَّ أن يقبلها من المسلمين والمشركين ، ولا يجوز ذلك لغيره ؛ وأبى بعضهم هذا. وقال: لا يقبلها ممَّن فى عمله، وأما مِنْ مُشرك فيجوز مالم يكن مصانَعةً على توهين أمر المسلمين وصدِّهم عن الظهور على العدو فتكون رشوة (٢) . وسيأتى بقية الكلام على ذلك فى موضعه إن شاء الله (٣) . ذكر مسلم ثور بن زيد الدولى ، بضم الدال وسكون الواو ، وكذا ضبطناه عن أبى بحر ، وضبطناه عن غيره الديلى ، وكذا ذكره مالك فى الموطأ والبخارى فى التاريخ وغيرهم (٤)، وهو المقبول فى نسبه . قال بعض أهل هذا الشأن (٥) : الدُّول فى حنيفة وفى الأزد وفى غيره وفى الرَّباب ، وينسب إلى كل هؤلاء دُولى بسكون الواو . والديل ، بكسر الدال ، فى إياد وثعلب وضَبَّة وعبد القيس وفى الأزد أيضًا ، والنسبة إليها كلها ديلى، بكسر الدال. واختلف فى الذى فى [كنانة] (٦) [ فى ] (٧) الذى يُنسبُ إليه أبو الأسود [ الدولى ] (٨) فقيل فيه الديلى، بكسر الدال ، كما تقدم والنسب إليه كما تقدم، وهو قول أكثر أهل النسب ، وأهل العربية يقولون فيه : الدُّثِل ، بضم الدال [وهمزة بعدها مكسورة - وينسبون إليه دُؤلى، بضم الدال ] (٩) وفتح الهمزة ، وقال بعضهم: الدُّلى ، بضم الدال وكسر الهمزة ، وأنكرها النحاة وسائر من ينسبُ إلى هذا البطن حاشا (١) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد عن عياض بن حمار بلفظ: ((نهى رسول الله عَّ عن زبد المشركين)) يعنى هداياهم . التمهيد ٢ / ٩. (٢) التمهيد ٢ / ١٢. وهناك قول آخر فيها وهو ادعاء النسخ، وذلك لما كان عليه عَّه من قبول الهدية من أهل الشرك ، مثل : أكيدر دومة ، وفروة بن نفاثة ، والمقوقس . (٣) وذلك فى ك الإمارة، ب تحريم هدايا العمال. وراجع: كتابنا : فى رياض السنة : ١٣٩. (٤) ضبطه البخارى فى التاريخ الكبير بالياء ، فقال : ثور بن زيد الديلى ، المدنى ، سمع عكرمة ، وأبا الغيث ، روى عنه مالك بن أنس ، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن محمد. التاريخ الكبير ١ / ٢ / ١٨١، وضبطه خليفة بن خياط فقال : ثور بن زيد ، دئلى صليبة ، مات سنة أربعين ومائة ٢٦٨ . ويمثل ماضبط به البخارى فى التاريخ جاء ضبط ابن أبى حاتم والذهبى والحافظ فى التهذيب . انظر : الجرح والتعديل ٢ / ١ / ٤٦٨، وميزان الاعتدال ١ / ٣٧٣، وتهذيب التهذيب ٢ / ٣٠١ . وبمثل ضبط خليفة جاء ضبط الصفدى فى الوافى ١١ / ٢٥ . (٥) فى الأصل : اللسان. (٦) فى ت : كتابه . (٧) ساقطة من ت . (٩) سقط من الأصل ، وقيدت بهامشه . ٠٫٠٠٠ (٨) من ت .