Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الإيمان / باب وجوب محبة رسول الله عليه ... إلخ
والذَبُّ عن شريعته ، وتمنى حضور حياته ، فيبذل نفسه وماله دونه .
وإذا تحقق ما ذكرناه (١) ، تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، ولا يصحُّ الإيمان
إلا بتحقيق إنافة (٢) قدر النبى عَّه ومنزلته على كل والد وولد، ومحسن ومُفْضِلٍ ، ومن
لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن .
(١) فى ت : ما ذكرنا .
(٢) العلو والسيادة . قال الأبى: إن أراد بإنافة القدر الرفع فى المنزلة، فمن لم يعتقد ذلك فليس بمؤمن - كما
ذكر ــ وإن أراد الرفع فى المحبة فالأظهر فى قوله: إنه ليس بمؤمنٍ أنهً لنفى الكمال ، فإن محبة الأب والابن
جبليَّة، لا تندفع ، فإن وُجد على سبيل الفرض من لم تكن محبته لرسول الله عَّي أكثر فلا نقدر أن نجزم
بكفره . إكمال الإكمال ١٤٦/١ .
وقال القرطبى : إن المحبة المطلوبة هنا ليست اعتقاد التعظيم، بل ميل إلى المُعَظّم وتعلق القلب به ، وأن
معنى الحديث : من لم يجد ذلك الميل لم يكمل إيمانه . مكمل ١٤٦/١ .

٢٨٢
كتاب الإيمان / باب وجوب محبة رسول اللـه عَّ ... إلخ
(١٧) باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب
لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير
٧١ - (٤٥) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قالَ: سَمْعتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنْ مَالِكِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّه قالَ: (( لا
يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أَوْ قالَ: لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لَنَفْسِهِ)) .
١
٧٢ - ( ... ) وحدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّم،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس ، عَنْ النَّبِىِّ ◌َّهِ قالَ: (( وَالَّذِى نَفْسِى بَيَدِه، لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبّ
لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ: لأَخِيهِ - مَا يُحِبُّلِنَفْسِهِ)).
وقوله عَّ: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه - أو لجاره - ما يحب لنفسه)) (١):
أى لا يتم إيمانه (٢) حتى يكون بهذه الصفة للمؤمنين ، من كفه الأذى عنهم ، وبذله
المعروف لهم ، ومودته الخير لجميعهم وصرف الضر عنهم (٣).
قيل : ظاهره التسوية وباطنه التفضيل ؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل ، فإذا
أحب لغيره ما يحب لنفسه كان هو من المفضولين ، وقد روى هذا المعنى عن الفضيل بن
عياض أنه قال لسفيان بن عيينة - رحمهما الله - : إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم
مثلك فما أديت لله [ الكريم ] (٤) نصيحة ، فكيف وأنت تود أنهم دونك .
(١) فى البخارى : لأخيه ، دون شك.
(٢) فى الأصل : إيمان ، والمثبت من ت .
(٣) على ذلك فالحديث يتناول أمر الدنيا، وأما الآخرة فقد قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَافِسُون﴾
[المطففين: ٢٦ ] .
وفهم من مفهوم الوصف فى الحديث أن غير المؤمنين ليس بأخ . حكاه السنوسى ١/ ١٤٧ ، ولا
مدخل لمفهوم الحصر هنا ؛ إذ يقتضى قصر المؤمنين على الإخوة .
قال السنوسى : وبهذا يظهر أن الحديث لا يحتاج إلى تقدير وصف المؤمن أو المسلم ؛ لأن لفظ أخ
غلب عرفاً عليها ، وأما الكافرون فالمطلوب فى حقهم ضد ذلك ، والتسمية لهم شرعاً إنما هو بلفظ
العداوة ونحوها مما هو مناف للمقصود بلفظ الأخ فى الحديث ، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءِ﴾ [ المائدة: ٥٧ ] .
(٤) ساقطة من ت. وقوله: (( حتى يحب)): حتى: غاية لنفى الإيمان، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة
وجوبا ، ويمتنع هنا رفع الفعل بعدها، لاقتضاء ذلك كون ( يحبُ) منفيا كـ ( يؤمن ) ، أى لا يكون إيمان
ومحبة ، وهو باطل وضد المقصود . حكاه السنوسى، وقال: قال بعض الشيوخ : لا يصح العطف بحتى ؛
لأن عدم الإيمان ليس سببا للمحبة . مكمل ١٤٩/١ .

٢٨٣
كتاب الإيمان / باب بيان تحريم إيذاء الجار
(١٨) باب بيان تحريم إيذاء الجار
٧٣ - (٤٦) حدّثَنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلَىُّ بْنُ حُجْرٍ ، جميعًا عَنْ
إِسْمَعِيلَ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنَاَ إِسْمَاعِيلُ قَلَّ: أَخْبَرَنِى الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيه ، عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُوَّلَ اللّهِ عَّهُ قَالَ: (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» .
وقوله عَّه: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)): البوائق الغوائل والدواهى،
أى: من لا يؤمن شره ولا مضرته، ومن كان بهذه الصفة من سوء الاعتقاد للمؤمن، فكيف
بالجار وتربصه به الدوائر وتسبيبه له المضار ، فهو من العاصين المتوعدين بدخول النار ،
وأنه لا يدخل الجنة حتى يُعاقب ويجازى بفعله ، إلا أن يعفو الله عنه (١).
وهذا وعيد شديد وفيه من تعظيم حق الجار ما فيه .
وفى الحديث الآخر: ((والله لا يؤمن - ثلاثاً - من لا يأمن جاره بوائقه)) (٢): أى
لا يتم إيمانه ولا يكمل . وقد تكون هذه الأحاديث إن حملت على ظاهرها خصوصاً فيمن
جاور المسلمين من المنافقين (٣) .
(١) والأظهر فى الحديث أنه خبر لا دعاء.
(٢) البخارى فى صحيحه، ك الأدب، ب إثم من لا يأمن جارهُ بوائقه عن سعيد بن أبى شريح ١٢/٨،
أحمد فى المسند ٢٨٨/٢، ٣١/٤، ٣٨٥/٦، الحاكم فى المستدرك ١/ ١٠، ١٦٥/٤.
(٣) قال الأبى: فتذهب فائدةُ ذكر الجار ؛ لأن ذلك حكم كل عاص، ومنافق، ومستحل . مكمل ١٥١/١ .
قلت : لا مانع من تقدير ما قدره القاضى، ويكون فائدة الحديث الحكم عليهم بدوام هذا الداء فيهم.
ثم قال : فإن قلت : من لا يأمن جاره بوائقه إن وقعت منه إذاية أو تسبب فيها ، فواضح ، وإن لم
تقع فغايتهُ أنه هم بها ، فيعارض حديث: ((إذا هم عبدى بسيئة ولم يعملها فلا تكتبوها)) . قلت : الهم
الذى لا يكتب إنما هو الهم الذى لم يقع متعلقه فى الخارج ، كالهم بشرب الخمر ولم يشرب ، وهذا وقع
متعلقه ، لتأذى جاره بتوقع ذلك منه كالمحارب يخيف السبيل ولم يصب ، أو يقال : الواقع منه والحالة هذه
عزم لا هم ، والعزم مؤاخذ به على الصحيح . السابق .

٢٨٤
كتاب الإيمان / باب الحث على إكرام الجار ... إلخ
-----
(١٩) باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت
إلا عن الخير ، وكون ذلك كله من الإيمان
٧٤ _ (٤٧) حدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَنَا ابْنُ وَهْب ، قال: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْن
شِهَاَب، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللَّه ◌َّهُ قالَ: ((مَنْ
كانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالَيَوْمِ الآخِرِ
فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ » .
٧٥ - (.) حدثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا أُبُو الأَخْوَصِ عَن أَبِى حسين، عَنْ
أَبِى صَالِحِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَةٍ: (( مَنْ كَّانَ يُؤْمِّنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
وقوله : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذى جاره))، وفى الحديث الآخر :
((فليحسن إلى جاره))، وفى الآخر: ((فليُكرم جاره)) معنى ذلك: أن من التزم شرائع
الإسلام لزمه إكرام جاره وبره ، وأمَر أهل الإيمان بذلك .
وكل هذا تعريف بحق الجار وحض على حفظه ؛ وقد أوصى الله بالإحسان إليه فى
كتابه، وقال - عليه السلام -: ((مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورتّه)).
وعن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت : يا رسول الله، إن لى جارين فإلى أيهما
أهدى؟ قال: ((إلى أقربهما منك بابا)) (١).
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه فى أكثر من موضع، فقد أخرجه فى الشفعة، ب أى الجوار أقرب ١١٥/٣،
وفى الهبة، ب بمن يبدأ بالهدية ٢٠٨/٣، وفى الأدب، ب حق الجوار فى قرب الأبواب ١٣/٨
والحديث مما انفرد به البخارى عن مسلم، كما أخرجه أحمد فى المسند ١٧٥/٦، ١٨٧، ١٩٣، ٢٣٩.
قال الحافظ فى الفتح: ((أقربهما : أى أشدهما قربا ، وقيل : الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخلُ
بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها ، بخلاف الأبعد ، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من
المهمات ، ولا سيما فى أوقات الغفلة . وقال ابن أبى جمرة : الإهداء إلى الأقرب مندوب ؛ لأن الهدية
فى الأصل ليست واجبة ، فلا يكون الترتيب فيها واجبا .
قال الحافظ : وفى الحديث أن الأخذ فى العمل بما هو أعلى أولى ، وفيه تقديم العلم على العمل .
قال: واختلف فى حد الجار ، فجاء عن على - رضى الله عنه -: ((من سمع النداء فهو جار))،
وقيل: (( من صلى معك صلاة الصبح فى المسجد فهو جار))، وعن عائشة: (( حدّ الجوار أربعون دارا
من كل جانب))، وعن الأوزاعى مثله، أخرج البخارى مثله فى الأدب المفرد عن الحسن ، للطبرانى
بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعا: ((ألا إن أربعين دارا جارا))، أخرج ابن وهب عن يونس عن
ابن شهاب: (( أربعون داراً عن يمينه ، وعن يساره ، ومن خلفه ومن بين يديه )) .
قال الحافظ: وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل أن يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرة)). فتح ٤٦٣/١٠.

٢٨٥
كتاب الإيمان / باب الحث على إكرام الجار ... إلخ
الآخرِ فَلا يُؤْذِى جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيَّفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
باللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَقُلْ خَيْرًا أَوْ لَيَسْكُتْ)).
وكذا قوله - أيضا -: ((فليكرم ضيفه)) (١) بمعنى ما تقدم.
والضيافة من آداب الإسلام ، وخلق النبيين والصالحين ، وقد أوجبها الليث (٢) وقال:
هى حق واجب ليلة واحدة، واحتج بالحديث: (( ليلة الضيف حق واجب على كل
مسلم)) (٣)، وبحديث عقبة: ((إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوا ، وإن لم
يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم)) (٤) . وعامة الفقهاء على أنها من مكارم
الأخلاق، وحجتهم قوله عَّهُ: ((جائزته يوم وليلة))، والجائزة العطية والمنحة والصلة ،
وذلك لا يكون إلا مع الاختيار .
وقوله: (( فليكرم وليحسن)) تدل عليه، إذ ليس يستعمل مثله فى الواجب (٥) ، مع
(١) حديث رقم (٧٤ / ٤٧) بالباب الثانى .
(٢) هو ابن سعد ، الإمام الحافظ ، شيخ الإسلام ، وعالم الديار المصرية ، مولده - بقرية فشندة. وهى
الأن قلقشندة من أعمال القليوبية - سنة ثلاث وتسعين ، سمع عطاء بن أبى رباح ، وابن شهاب الزهرى ،
وهشام بن عروة ، وخلق كثير ، وروى عنه خلق كثير ، منهم ابن المبارك ، وابن لهيعة ، . قال ابن
وهب: كل ما كان فى كتب مالك : وأخبرنى من أرضى من أهل العلم ، فهو الليث بن سعد . وقال
حرملة : سمعت الشافعى يقول : الليث أتبعُ للأثر من مالك . مات سنة خمس وسبعين ومائة . الطبقات
الكبرى ٥١٧/٧، تاريخ بغداد ٢٧/١٣، سير ١٣٦/٨.
(٣) الحديث بهذا اللفظ أخرجه الطحاوى فى المشكل ٣٨/٤، وتأوّل الوجوب فيه على المارين بقوم فى بادية لا
يجدون من ضيافتهم إياهم بدلا ، ولا يجدون ما يبتاعونه مما يغنيهم عن ذلك .
وقد أخرجه أحمد وأبو داود عن المقدام أبى كريمة بلفظ: (( ليلة الضيف حق على كل مسلم )) أبو
داود، ك الأطعمة، ب ما جاء فى الضيافة ٣٠٦/٢، أحمد فى المسند ٤/ ١٣٠، ولفظه هناك: ((ليلة
الضيف واجبة .. )). وانظر: السنن الكبرى للبيهقى ٩/ ١٩٧.
قال الحافظ ابن كثير: (( ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة)). تفسير
القرآن العظيم ٣٩٦/٢ .
وقال الخطابى: (( ووجه ذلك أنه رآها حقاً من طريق المعروف والعادة المحمودة ، ويشبه - أى
الوجوب - أن يكون فى المضطر الذى لا يجد ما يطعمه، ويخاف التلفَ على نفسه من الجوع)). معالم
السنن ٥/ ٢٩٢ .
(٤) متفق عليه ، وسيرد إن شاء الله: ك اللقطة، ب الضيافة ونحوها (١٧).
(٥) وهو ما يذم شرعاً تاركه قصداً مطلقاً، كما عرفه الأسنوى. نهاية السول ٥٢/١. وعرفه الآمدى بأنه عبارة
عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعاً فى حالة ما. الإحكام فى أصول الأحكام ٩٢/١. ويراد
فى الواجب كلمة الفرض ، والمحتوم ، واللازم عند الجمهور ، وخالف الحنفية فى ذلك، فقالوا : إن
الفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعى لا شبهة فيه ، والواجب ما ثبت بدليل ظنى فيه شبهة . أصول
الفقه ٢٣ .

٢٨٦
كتاب الإيمان / باب الحث على إكرام الجار ... إلخ
٧٦ - ( ... ) وحدّنا إسْحِقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ عيسى بْنُ يُونُسَ عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ
أَبِى صَالِحِ، عَنْ أَّبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ بِمِثْلِ حَديثِ أَّبِى حَصِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: ((فَلَيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ » .
٧٧ _ (٤٨) حدّثَنَا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْر، جَمِيعًا عَن ابْنِ
ء
أنه جمعه مع إكرام الجار والإحسان إليه، وذلك غير واجب، فهو مثله. (١) . وتأولوا
الأحاديث أنها كانت فى أول الإسلام ، إذ كانت المواساة واجبةً ، وقيل : لعل هذا كان
للمجاهدين أول الإسلام ولم يكن لهم سعةٌ للزاد ، فأُلزِم من مرَّ بهم ضيافَتهم ، وقيل :
لعل ذلك على من أُلزِم الضيافة من أهل الذمة لمن يجوز بهم .
واختُلِفَ : هل الضيافة على الحاضر والبادِ ؟ فذهب لكون ذلك عليهما الشافعى
ومحمد بن عبد الحكم (٢). وقال [مالك ] (٣) وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادى ولا
يلزم أهل الحاضرة ؛ لأن المسافر يجد فى الحضر المنازل فى الفنادق ومواضع النزول وما
يشترى فى الأسواق، وقد جاء فى حديث: (( الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل
المدر)) ، لكن هذا الحديث عند أهل المعرفة موضوع (٤).
وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجاً وضيف عليه ، وعلى أهل الذمة إذا شرطت عليهم
فى الأصل .
وقوله: (( فليقل خيراً أو ليصمت)) : أى ليقل خيراً يثاب عليه ، أو يصمت عن
الشر فيسلم . وهو مثل الحديث الآخر: (( من صمت نجا)) (٥) ، فعرَّفَك بهذا أن من آمن
بالله واليوم الآخر فليلزم هذه الأخلاق الحسنة ، من إكرام الضيف ، والجار ، ودفع أذاه
(١) وقد أجيب عن الأول من الاحتجاجات - وهو قولهم، والجائزة العطية، والعطية لا تجب إلا مع
الاختيار -: بأن العطية جنس ، ولا يلزم من عدم وجوب الجنس ألا يجب واحد من أفراده . وعن
الثانى - وهو أن قوله: ((فليكرم وليحسن)) لا يستعمل مثله فى الواجب - : بأن القولين جاءا للقدر
الأخص من مطلق الضيافة المتنازع فيه ، والقدر الأخص وهو الاعتناء مندوب مالم يكن معه تكلف فإنه لا
ينبغى . وعن الثالث - بأنه جمعه مع ، أى عطفه على، إكرام الجار والإحسان إليه - : بأنه يصح عطف
الجواب على غير الواجب فى عطف الجمل . إكمال الإكمال ١/ ١٥١ .
(٢) وكذا أحمد فى أحد قوليه، وفى قول آخر له ما يوافق مالكاً وسحنون. المغنى ٣٥٤/١٣ .
(٣) من ت .
(٤) راجع: كشف الخفاء ٤٧/٢، الأسرار المرفوعة ٢٣٨، وقد ساقه القرطبى فى تفسيره ٩/ ٦٤، وقد نقل
عن مالك أنه ليس على فقيه ضيافة .
(٥) الحديث أخرجه الترمذى فى سننه، صفة القيامة ٤/ ٦٦٠، وأحمد فى المسند ١٥٩/٢، ١٧٧، من
حديث عبد الله بن عمرو ، وقال الترمذى : ((هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة)).

٢٨٧
كتاب الإيمان / باب الحث على إكرام الجار ... إلخ
عُيَيْنَةَ ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْن جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِى
شُرَيْحِ الْخُزَاعِىِّ؛ أَنَّ النَبِىَّ ◌ََّ قَالَ: « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسن إِلى
جَارِه، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ
فَلَقُلُ خَيْرًا أَوْ لَيَسْكُتَْ)) .
عنه، وإمساك لسانه إلا فى خير ينفعه، وقد قال الله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ
عتيد﴾(١).
واختلف السلف والعلماء : هل يكتب على العبد جميع ما يتكلم به ؟ [أو] (٢) إنما
يكتب ما يجازى / عليه من خير أو شر دون لغو الكلام ، وما يعنى الإنسان منه . وإلى ٢١/أ
هذا ذهب ابن عباس وغيره فى تفسير الآية (٣).
(١) ق : ١٨ .
قال الحافظ ابن كثير : أى ما يتكلم بكلمة ﴿إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ : أى إلا ولها من يراقبها مُعْتد لذلك
يكتبها ، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِين. يَعْلَمُونَ مَا
تَفْعَلُون﴾ [ الانفطار: ١٠ - ١٢ ] .
(٢) فى الأصل : و، وأثبتت الهمزة ليستقيم المعنى .
(٣) والأول قول الحسن وقتادة ، وهو ما يوافق ظاهر الآية، والمنقول عن ابن عباس هو أحد القولين له ، فقد
نقل ابن كثير ٣٧٧/٧ عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى هذه الآية قال : يكتب كل ما تكلم به
من خير أو شر ، حتى إنه ليكتب قوله : أكلتُ وشربت ، ذهبت ، جئت ، وهذا ما يوافق ظواهر بقية
الأدلة .

٢٨٨
كتاب الإيمان / باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ
(٢٠) باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ، وأن الإيمان يزيد
وينقص، وأن الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر واجبان
٧٨ - (٤٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثْنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ . ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ جَعْفَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كِلاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ
طَارِقٍ بْنِ شهاب - وَهذَا حَديثُ أَبِى بَكْرِ - قالَ : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ ، يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ
الصَّلَاةِ مَرْوَانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ: الصَّلاةُ قَبْلِ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالكَ .
وقوله: ((أول من بدأ الخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان)) (١).
قال القاضى : اختلف فى هذا ، فوقع هنا ما تراه ، ونحوه فى حديث أبى سعيد .
وروى : أول من بدأ بالخطبة فيهما عثمان ، وروى : أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب
- رضى الله عنه - لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة ولا ينتظرون الخطبة ، وقيل :
بل ليدرك الصلاة من تأخر وبَعُدَ منزلُه، وقيل : أول من فعل ذلك معاوية ، وروى : أن
ابن الزبير فعله أيضاً، وتأول فى فعل بنى أمية فى ذلك لما أحدثوا من سب علىٍّ فيها -
رضى الله عنه - فكان الناس يتفرقون لئلا يسمعوا ذلك ، فأخروا الصلاة ليُجلسوا الناس.
والذى ثبت عن النبى معَّه وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى - رضى الله عنهم - تقديم
الصلاة ، وعليه جماعة فقهاء الأمصار ، وقد عدَّ بعضهم إجماعاً - يعنى والله أعلم - بعد
الخلاف ، أو لم يلتفت إلى خلاف بنى أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول ، قال
مالك: وهى السُّنّة ، قال أشهب (٢): إن بدأ بالخطبة أعادها بعد الصلاة.
وقوله : ((فقام إليه رجل)) ثم قال (٣) بعدُ، فقال أبو سعيد: (( أما هذا فقد قضى
ما عليه)): يدل أن الرجل غير أبى سعيد، وجاء فى الحديث الآخر (٤) : أن أبا سعيد هو
(١) وقوله ( وعن قيس ) - فى الطريق الثانى - معطوف على إسماعيل، ومعناه: رواه الأعمش عن
إسماعيل وعن قيس . إكمال الإكمال ١٥٥/١ .
(٢) هو أشهب بن عبد العزيز بن داود ، الإمام العلامة ، مفتى مصر ، المصرىّ الفقيه . مولده سنة أربعين
ومائة . سمع مالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وداود بن عبد الرحمن ، وعدّة . حدث عنه يونس بن
عبد الأعلى ، وسُحنون بن سعيد فقيه المغرب ، وعبد الملك بن حبيب فقيه الأندلس ، وآخرون . قال فيه
الشافعى : ما أخرجت مصر أفقه من أشْهب لولا طيشٌ فيه إلا إذا كانت (قبل)، ومع ذلك فوجهها ضعيف
وقال سُحْنُون : رحم الله أشهبَ، ما كان يزيدُ فى سماعه حرفاً واحداً . مات سنة مائتين وأربع. ترتيب
المدارك ٢/ ٤٤٧، سير ٩ / ٥٠٠
(٣) زيد بعدها فى ت كلمة ( قبل ).
(٤) سيأتي إن شاء الله فى صلاة العيد .
------

٢٨٩
-
كتاب الإيمان / باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ
فَقَالَ أَبُو سَعيد: أَمَّا هِذَا فَقَدْ قَضِى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه ◌َّهُ يَقُولُ: (( مَنْ رَأَى
مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرُهُ بِيدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلكَ أَضْعَفُ
الإيمان)).
٧٩ - ( .. ) حدّثَنَا أَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاء، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ. وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ
طَارِقِ بْنِ شِهابٍ ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ، فِى قِصَّةٍ مَرْوَانَ ، وَحَدِيثِ أَبِى سَعِيْدٍ عَنِ
الذى جبذ بيد مروان إذ رآه يصعد المنبر وكانا جاءا معاً ، فرد عليه مروان بمثل ما قال هذا
الرجل ، فيحتمل أنهما حديثان ، جرى أحدهما لأبى سعيد ، والآخر لغيره بحضرته .
وقوله : ((فقد قضى ما عليه)) بمحضر ذلك الجمع ، دليل على استقرار السنة عندهم
على خلاف ما فعل مروان ، وتبينه احتجاجه بقوله : سمعت رسول الله عَّهُ يقول: ((من
رأى منكم منكراً فليغيره)) الحديث، ولا يسمى منكرًا ويعتقده هو ومن حضر [ إلا ](١) ما
استمر به عمل أو مضت به سنة . و (٢) فيه أدل دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل،
وأن ما روى فيه عمن ذكرناه لا يصح ، إذ لا ينبغى للآمر بالمعروف والنهى عن المنكر أن
يحمل الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنما يغيِّر منه ما اجتمع على إنكاره وإحداثه .
واختلف العلماء فيمن قلده السلطان الحسبة فى ذلك ، هل يحمل الناس على رأيه
ومذهبه إن كان من أهل الاجتهاد (٣) ، أم لا يُغير على غيره ما خالف مذهبه ؟ على
قولین .
وقوله: ((فليغيره بيده)) أصل فى هذا الباب. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من
واجبات الإيمان ودعائم الإسلام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ولا خلاف فى ذلك إلا ممن
لا يعتد بخلافه من الرافضة (٤). ووجوبه شرعاً لا عقلا (٥) خلافاً للمعتزلة .
(١) ساقطة من ق .
(٢) زيد بعدها فى ق لفظة ((قبل)) ولا وجه لها .
(٣) واجتهاد المحتسب نوعان : اجتهاد شرعى، وهو: ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع . والاجتهاد
العرفى هو : ما ثبت حكمه بالعرف، لقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف ﴾ [ الأعراف : ١٩٩ ] .
وعلى القول بأن للمحتسب أن يحمل الناس على رأيه ومذهبه - وهو مذهب أبى سعيد
الاصطخرى - فشرط ذلك أن يكون المحتسب عالماً ، من أهل الاجتهاد فى أحكام الدين . أحكام الحسبة : .
٥٣ .
(٤) واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم﴾ [ المائدة: ١٠٥]، ويرد عليهم بأن معنى الآية
عند المحققين : إن امتثلتم لا يضركم تقصير من لم يمتثل . إكمال الإكمال ١٥٣/١ .
(٥) وهو على الكفاية ، ويتعين على من علم به أو لم يقدر عليه إلا هو. وشرط القيام به العلم . ثم ما اشتهر
حكمه كالصلاة وحرمة الزنى يستوى فى القيام به العلماء وغيرهم ، وما دق من الأفعال والأقوال فإنما يقوم
به العلماء . نووى .

كتاب الإيمان / باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ الجار
٢٩٠
** مثل الله
النَّبِىَِّّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةٍ وَسُفْيَنَ .
٨٠ - (٥٠) حَدَّثَنَى عَمْرٌوَ النَّاقدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - وَاللَّفْظُ
لِعَبْد - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ،
عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَعْفَر بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَكَمِ؛ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِى
وقوله: (( فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه )) الحديث : أصل فى صفة تغيير
المنكر، وعلمٌ على العلم فى عمله ، فمن حق المغيّر أولاً أن يكون عالما بما يُغيّره ، عارفًا
بالمنكر من غيره، فقيها بصفة التغيير ودرجاته ، فيغيره بكل وجه أمكنه زواله به ، وغلبت
على ظنه منفعة تغييره بمنزعه ذلك من فعل أو قول ، فيكسر آلات الباطل ، ويريق ظروف
المسكر بنفسه ، أو يأمر بقوله من يتولى ذلك ، وينزع المغصوب من أيدى المتعمدين ، بيده
أو يأمر بأخذها منهم ، ويمكّن منها أربابها ، كل هذا إذا أمكنه ، ويرفق فى التغيير (١)
جهده بالجاهل ، أو ذى العزَّة الظالم المخوف شره ، إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله ، وامتثال
أمره، وأسمع لوعظه وتخويفه ، كما يستحب أن يكون متولى ذلك من أهل الفضل
والصلاح ، لهذا المعنى ، ويغلظ على المغتِّر (٢) منهم فى غيِّه، والمسرِف فى بطالته، إذا
أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره ، أو كان جانبه محميًا عن سطوة الظالم ، فإن
غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسببه ، كفّ يده،
واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف - أيضاً - أن يُسبّبَ قولُه مثل
ذلك غير بقلبه، [ وكان فى سَعَة، وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله، وإن وجد من
يستعين به على ذلك استعان، ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى
من له الأمرُ - إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه ] (٣).
هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين ، خلافاً لمن رأى الإنكار
بالتصريح بكل حالٍ وإن قُتِلَ ونيل منه كل أذى .
(٣) من ق .
(١) فى الأصل: بالتغيير، والمثبت من ت. (٢) فى الأصل: المعنق والمثبت من ت.
ومعنى (( أضعف الإيمان)) : أى أضعف خصاله الراجعة إلى كيفية التغيير، لا خصاله مطلقاً ؛ لأنه تقدم
أن أضعفها إماطة الأذى، وقد يعنى أضعفها مطلقاً، ويجمع بين الحديثين بأن يكون الإماطة والتغيير بالقلب
متساويين فى أنه لا أضعف منهما .
وكان التغيير بالقلب أضعفها لأنه ليس بعده مرتبة أخرى للتغيير. إكمال الإكمال ١٥٥/١. وقيل: معنى
أضعف الإيمان أى أقل ثمراته .

٢٩١
كتاب الإيمان / باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ
رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ مَسْعُود؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَهْ قَالَ: (( مَا مِنْ نَبِيِّ بَعَنَهُ اللّهُ فى أُمَّةً
قَبْلِى، إلا كَانَ لَهُ مَنْ أُمَّتَهِ حَوَارِبُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسْتَتَهِ وَيَقْتَدُونَ بأمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّها
تَخَلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌَ ، يَقُولُونَ مَالا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَالَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ
بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ،
وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلَ )) .
وقوله : فى حديث ابن (١) مسعود: (( ما من نبى بعثه الله ... )) الحديث ، وفيه :
(( إلا كان له من أمته حواريون .. )) (٢)، قال الأزهرى : الحواريون خلصاءُ
الأنبياء، ومعناه: الذين أُخلِصوا ونُقُّوا من كل عيب ، وحوارِى الدقيق الذى نُخل . وقال
يونس : هم خلصاؤهم وخاصتُهم ، وقال السُلمى : هم الأَخِلاءُ ، وقال ابن الأنبارى :
هم المختصون المفضلون ، وسُمى خبر الحوارى لأنه أشرف الخبر وأرفعه .
وقال غيره : إنما سُمى بذلك أنصار عيسى ؛ لأنهم كانوا يغسلون الثياب ويُحوّرونها
أى يبيضونها ، وقيل: لكل ناصر لسُنَّةٍ (٣): حَوارى تشبيهاً بأولئك.
قال ابن الأنبارى : فى الحواربين خمسة أقوال : قال أهل اللغة : هم البيض الثياب ،
وقيل : هم المجاهدون ، وقيل : الصيادون ، وقيل : القصارون (٤) ، وقيل : الملوك .
وقوله: ((ويخلفُ من بعدهم خلوف )) هو جمع خلْف بالإسكان ، وهو الذى يأتى
بعد الآخر . قال الله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْف ﴾ (٥) .
ويقال فيه : خَلف بالفتح أيضا ، ومنه الحديث : (( يحمل هذا العلم من كل خلفٍ
(١) فى الأصل : أبى، والمثبت هو الصواب من الحديث .
(٢) أمة النبى أتباعه ، ويطلق - أيضاً - على عموم أهل دعوته ، فيندرج فيها أصناف الكفر، وأكثر استعمالها
فى الأحاديث بالمعنى الأول . إكمال ١٥٥/١ وما عورض به هذا الحديث من الصحيح: ((يجىء النبى ومعه
الرجل والرجلان ، والنبى ليس معه أحد)) يجاب عنه بأن الحديث ورد باعتبار الأكثر ، أى ما من نبى فى
الأكثر، أو بأنه على حذف الصفة، أى ما من نبى له أتباع. السابق، وفى قوله عَّه: ((ثم إنها )) تنبيه
على أن تغيير السنن إنما يقع بعد طول ، وهذا ما يفيده العطف بثم ، وقد يفيد أنها للبعد فى الرتبة،
وضمير ( إنها ) للقصة ، وهو ما يسميه النحاة بالشأن .
(٣) هكذا فى ت ، وفى الأصل : لنبيه .
(٤) بائعو الطحين - الدقيق - وقال أبو عمرو: القصلُ والقصَرُ أصلُ التبن، وفى اللسان القُصَارة والقِصْرى
والقصَرَةُ ما يَبقى فى الْمُنْخُل بعد الانتخال .
(٥) مريم : ٥٩ .

كتاب الإيمان / باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ
٢٩٢
قالَ أَبُو رَافِع: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللّه بْنَ عُمَرَ فَأَنْكَرَهُ عَلَىَّ. فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَنَزَلَ بِقَنَاَة .
فَأَسْتَنْبَعَنِى إِلَيْهِ عَبَّدُ اللّه بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُود
عَنْ هذَا الْحَديثِ فَحَدَّثَنِهِ كَماَ حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ .
عدو له)) (١)، وحكى الفراء الوجهين فى الذم والفتح فى المدح لا غير .
وحكى أبو زيد الوجهين [ جميعاً] (٢) فيهما [ معاً ] (٣)، وقاله الحربى عنه وغيره .
وقوله: ((من جاهدهم بيده فهو مؤمن)) الحديث من معنى الأول ، وإن أقل التغيير
تغيير القلب ، وأضعف مراتب تغيير أهل الإيمان ، وإن لم يفعل ذلك ولا أنكره بقلبه فقد
رضيه ، وليس ذلك من الإيمان (٤) .
وقوله: ((قال صالح: وقد تُحدِّث بنحو ذلك عن أبى رافع)) : يريد أن صالح بن
كيسان راوى الحديث عن الحارث وهو ابن فضيل الخطمى [ عن جعفر بن عبد الله بن
الحكم عن عبد الرحمن بن المسور عن أبى رافع عن ابن مسعود قال : إن هذا الحديث تحدث
به عن أبى رافع عن النبى ◌ّ لم يذكر فيه ابن مسعود ، وقد ذكره البخارى فى تاريخه -
كذلك - مختصرا عن أبى رافع عن النبى عَّه ، وقد قال الجيانى عن أحمد بن حنبل أنه
قال : الحارث بن فضيل الخطمى ] (٥) ليس بمحفوظ الحديث (٦) ، وهكذا كلام لا يشبه
كلام ابن مسعود، وابن مسعود يقول: (( اصبروا حتى تلقونى)) (٧) .
(١) أخرجه الخطيب فى شرف أصحاب الحديث، والعقيلى فى الضعفاء، شرف أصحاب الحديث ١٤، ٥٢،
٥٥ ، ٥٦ ، الضعفاء ٤/ ٢٥٦ .
(٣) من ق ، وفى غيرها : جميعاً ، وهو وهم .
٥
(٢) ساقطة من ق .
(٤) وقوله عَّ: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)): أى مرتبة للتغيير.
(٥) سقط من ق .
(٦، ٧) قلت : بل الحديث من رواية أنس بن مالك وعبد الله بن زيد بن عاصم ، وأسيد بن حضير ، من
رواية أنس عنه ، والبراء بن عازب . فقد أخرجه الشيخان من رواية أنس فى أكثر من موضع ، وأخرجه
البخارى من رواية عبد الله بن زيد بن عاصم وذلك فى كتاب المغازى، ب غزوة الطائف ٥/ ٢٠٠ . أما
رواية أنس فقد أخرجها، ك المساقاة، ب القطائع ٣/ ١٥٠، ك الخمس، ب ما كان النبى عَّه يعطى
المؤلفة ١١٥/٤، لكنه هناك بلفظ: (( فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض))، ك الجزية، ب ما
أقطع النبى عَّه من البحرين ١١٩/٤، ك مناقب الأنصار، ب قول النبى ◌َّ للأنصار: ((اصبروا حتى
تلقونى على الحوض)) ٤١/٥، ٤٢، ك التوحيد، ب وكان عرشه على الماء ١٦٢/٩ بلفظ: (( حتى تلقوا
الله ورسوله فإنى على الحوض)).
وكذا أخرجه مسلم وسيرد إن شاء الله فى ك الزكاة والإمارة كليهما عن أنس .
وكذا أخرجه أحمد فى المسند ١١١/٣، ١٦٧، ١٧١، ١٨٣، وأخرجه عن البراء ٢٩٢/٤، وعن
أنس عن أسيد بن حضير ٣٥١/٤، ٣٥٢، وأخرجه كذلك البيهقى فى السنن الكبرى عن أنس ٦/ ١٤٤،
١٣١/١٠ .
=

٢٩٣
-
كتاب الإيمان / باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ
قاَلَ صَالِحٍ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذلِكَ عَنْ أَبِى رَافِعٍ .
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحِقَ بْنِ مُحَمَّد. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنِى الْحَارِثُ بَّنُ الْفُضِّيْلِ الْخَطِمِىُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللّه
ابْنِ الَحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمِنِ بْنِ الْمِسْرِ بْنِ مَخْرَةً، عَنْ أَبِى رَافِعٍ مَوْلَى النَّىِّ ◌َهُ،
عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ مَسْعُود؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَهُ قَالَ: (( مَا كَانَ مِنْ نَبِىٌّ إلا وَقَدْ كَانَ لَهُ
حَوَارِيُّونَ يَهْتَّدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَثُونَ بِسْنَتِهِ ) مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ . وَلَمْ يَّذْكُرْ قَدُومَ ابْنِ
مَسْعُودٍ وَاجْتِمَاعَ ابْنِ عُمَّرَ مَعَهُ .
وقوله: فى هذا الحديث : ((فنزل بقناة)): كذا للسمرقندى ، وهو الصواب ، وقناة
واد من أودية المدينة عليه مال من أموالها . وجاء فى رواية الجمهور ((بفنائه)) (١) وهو خطأ
وتصحيف .
= ولم يرد لعبد الله بن مسعود رواية بهذا اللفظ، وإنما الذى رواه ـــ وهو فى الصحيح - ((أنا فرطُكم على
الحوض )) البخارى، ك الرقاق، ب فى الحوض ١٤٨/٨، ولعل سياق الإمام البخارى له فى ترجمته للباب
بقوله : وقال عبد الله بن زيد: قال النبى عَّ: ((اصبروا حتى تلقونى)) هو الذى أدخل الوهم على
القاضى فنسب الحديث لابن مسعود ، ثم أوغل فى توهينه هنا للحديث بقوله المنقول عن أحمد فى أحد
رجال السند - الحارث بن فضيل اللخمى - : إنه غير محفوظ ، ومن ثم وهّن روايته هذه .
قلت : لم يتابع الإمام أحمد على ما ذهب إليه فى الحارث أحد ، ولم أجده له فى كتابه العلل
والرجال ، وقد ذكره الإمام البخارى فى التاريخ الكبير ٢٧٩/٢/١ وسكت عنه وذكره ابن حبان فى الثقات
١٧٥/٦، وقد نقل الحافظ ابن حجر توثيق النسائى وابن معين له، تهذيب التهذيب ٢/ ١٥٤، وحسبك
بتوثقهما من موثق ، فإنهما ممن عرف بالإسراف فى الجرح والتعنت فيه .
وعلى ذلك فلا تنافى بين رواية ابن مسعود ورواية أنس ، فإن الأمر بالصبر لا يفيد النهى عن التغيير
باليد واللسان والقلب ، والمجاهدة لهؤلاء بواحد من تلك الوسائل لا ينفك عن قدر من الصبر مناسب.
(١) والفناء فى اللغة: هو ما بين أيدى المنازل والدور ، وفى اصطلاح الفقهاء: هو ما فضل عن المارة من
الطريق الواسعة النافذة ، فالشارع الضيق وغير النافذ لا فناء لهما ، ولأرباب الأفنية أن ينتفعوا بما لا يضر
بالمارة . إكمال الإكمال ١٥٦/١ .

٢٩٤
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
(٢١) باب تفاضل أهل الإيمان فيه ، ورجحان أهل اليمن فيه
٨١ - (٥١) حدّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ . ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر ،
حَدَّثَنَا أَبِى، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدِ.ح
وَحَدَّثَنَاَ يَحْيَى بْنُ حَبيب الْحَارِثِىُّ - وَاللّفْظُ لَّهُ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنَ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ :
سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِى عَنْ أَبِى مَسَّعُود. قالَ: أَشَارَ النَّبِىُّ ◌َّ بِيَدَه نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((أَلَا
إِنَّ الإِيمانَ هاهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَّظَ الْقُلُوبِ فِى الْفَدَّادِينَ ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنابِ الإِيلِ ،
حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، فِى رَبِيعَةً وَمُضَرَ)).
وقوله فى حديث أبى مسعود: (( وأشار نحو اليمن ، ألا إن الإيمان هاهنا ، وإن
القسوة وغلظ القلوب فى الفدادين عند أصول أذناب الإبل ، حيث يطلع قرنا الشيطان فى
ربيعة ومضر))، وفى حديث أبى هريرة: (( رأس الكفر قِبَل المشرق (١) والفخر والخيلاء -
ويروى والرياء (٢) - فى أصحاب الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر ، والسكينة فى أهل
الغنم ـ ويروى والوقار فى أصحاب الشاء (٣)))، وفى حديث آخر: ((الفخر والخيلاء فى
الفدادين أهل الوبرقبل مطلع الشمس)) (٤)، ومن طريق آخر: ((أتاكم (٥) أهل اليمن هم
أرق أفئدة ، وأضعف قلوباً ـــ ويروى ألين قلوباً - وأرق أفئدة ، الإيمان يمان ، والفقه يمان
والحكمة يمانية)) (٦) .
وفى حديث جابر: (( غلظ القلوب والجفاء فى المشرق، والإيمان فى أهل الحجاز))(٧).
قال الإمام : الخيلاء - بالمد - مِشْيةٌ مكروهة هى التبختر فى المشى ، وهو من أفعال
الجبابرة. قال أبو عبيد: الفدّادون المكثرون من الإبل وهم جفاة، أهل خيلاء (٨)،
(١) الرواية التى عليها المطبوعة بلفظ : نحو المشرق .
(٢) وهى الرواية الرابعة هنا لأبى هريرة .
(٣) وهى رواية الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة الثالثة .
(٤) وهى رواية سعيد بن المسيب عن أبى هريرة .
(٥) فى الأصل : أياكم .
(٦) وهى رواية صالح عن الأعرج الأولى .
(٧) الرواية الأخيرة فى هذا الباب، وقد أخرجه البزار بلفظ: ((والسكينة فى أهل الحجاز)). مجمع
١٠/ ٥٣ .
(٨) فى الأصل ، ت : الخيلاء ، والمثبت من المعلم ووافقته ق.

٢٩٥
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
واحدهم فدَادٌ، وهو الذى يملك من المائتين إلى الألف. قال أبو العباس: [ الفدادون](١):
هم الجمَّالون والبَّقارون والحمارون والرُّعيانُ. وقال أبو عمرو (٢) فى الفدادين بتخفيف
الدال ، واحدهم فدَّان بتشديد الدال ، وهى البقر التى يحرث بها ، وأهلها أهل جفاء
لبعدهم عن الأمصار والناس .
قال ابن الأنبارى : أراد فى أصحاب الفدادين ، فحذف الأصحاب وأقام الفدادين
مقامهم ، وأنكر أبو عبيد قول أبى عمرو [ هذا ] (٣) ، وقال: لا أرى أبا عمرو حفظ
هذا، وليس [ الفدادون ] (٤) من هذا بشىء.
كذا جاء ، وصوابه : الفدادين ولا كانت العرب تعرفها ، إنما هذا للروم وأهل
الشام، وإنما افتتحت الشام بعد النبى معَّ ، ولكنهم الفدَّادون بالتشديد ، وهم الرجال
والواحد [منهم] (٥) فداد .
قال الأصمعى : الفدَّادون [ مشدّد ] (٦) الذين تعلو أصواتهم فى حروثهم وأموالهم
ومواشيهم من فدَّ الرجل يفدّ فديدا إذا اشتد صوته (٧) .
وقوله: (( أهل الوبر)) يريد أهل ذات الوبر وهى الإبل .
قال القاضى: الخيلاء (٨) التكبر فى كل شىء ، ومنه قول طلحة لعمر إنا لا نخول
عليك . قال الهروى : أى لا نتكبر . يقال : خال الرجلُ واختال فهو خال وذو خال
ومخيلة. وقال ابن دريد : الخيلاء التكبر ، ولا يكون ذلك إلا مع جرّ الإزار . قال.
سيبويه: وزن الخيلاء فعلاء اسماً وتكسر الخاء لغة ، وحكى ابن الصابونى أنه التجبِّر،
والاستحقار للناس .
(١) من المعلم . ولعله يقصد بأبى العباس العبدى أحمد بن المُعذَّل، شيخ المالكية البصرى ، تفقه بعبد الملك بن
الماجشون ، ومحمد بن مسلمة ، وكان من بحور الفقه ، صاحب تصانيف وفصاحة وبيان . قال الذهبى :
لم أجد له وفاة ٥١٩/١١ .
(٢) فى ت : عمر، والمثبت من الأصل والمعلم . وهو الحافظ الإمام الرحال أبو عمرو محمد بن أحمد بن
إسحق النيسابورى النحوى ، سمع أبا يعلى الموصلى ، وابن قتيبة وابن خزيمة - وهو الذى لقبه بالصغير -
توفى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة . سير ٤٩/١٦ .
(٣) من المعلم .
(٤) فى المعلم : وعلى ذلك فقول القاضى : كذا جاء وصوابه الفدادين ، لعله كان فى نسخة غير التى وقعت
لنا على الصواب ، والحمد لله رب العالمين .
(٥، ٦) من المعلم .
(٧) جاء فى اللسان : الفديد : الصوتُ، وقيل : شدَّتُه، وقيل : الفديدُ والفدفدة صوت كالحفيف ، فدَّ يَفدُّ
فَدّا وفديداً، وفدفَد ، إذا اشتد صوته ، ورجلٌ فدَادٌ : شديد الصوت ، جافى الكلام .
(٨) زيد بعدها فى ق : التأور ، والتأور هو نفار الإبل فى السهل ، وكذلك الوحش .

٢٩٦
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
وأما قوله : الفدادون ، فالقول فيه - إن شاء الله تعالى - ما قاله أبو عبيد، من أنه
المكثر، لكن لا يختص هنا بالإبل وحدها ، بل الإكثار الموجب للخيلاء والكبر والاحتقار
لمن لا مال له ، ولما كانت الإبل أفضل أموال مكثرى العرب وأعزها - ولهذا قال تعالى :
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَت﴾ (١) - وكان أصحابها أهل بداوة وجفاء وجهالة وغِلَظِ قلوب -
وصفهم النبى ◌َّه بذلك ، وفى الحديث : تقول الأرض للميِّت ربما مشيت علَىَّ فدادا .
قيل فى تفسيره : أى ذا مال وذا خيلاء ، وقيل : ذا وطء شديد، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي
الأَرْضِ مَرَحًا﴾(٢)، وقد جاء فى تفسير هذه اللفظة عن مالك: سألت عنها فقيل لى: هم
أهل الجفاء ، وقال ابن دريد : هو الشديد الوطء من نشاط ومرح ، وهذا من الخيلاء ،
وذكر عن الأصمعى - أيضاً - يقال للرجل إذا كان جافى الكلام: إنّه لفدَّاد، وحكى عن
بعضهم أن الفديد من الإبل الكثير (٣)، وهذا حجة لقول أبى عبيد فى الحديث الآخر :
(( [ هلك الفدادون إلا من أعطى ] (٤) من نجدتها ورسلها)) فهم أصحاب الإبل كما قال.
قال القاضى: [ رحمه الله] (٥): فالفدادون إذاً الذين عنى النبى عَّه بهذا الحديث
وصفهم بهذه الأوصاف من الجفاء والقسوة وغلظ القلوب والفخر والخيلاء هم كما فسرهم
فى الحديث أهل نجد ، وأهل الخيل ، والإبل ، والوبر ومن ربيعة ومضر (٦) ، وهو نحو
ما قال مالك وأبو عبيد ولا يبعد منه قول الأصمعى والقتبى من أن الفدادين أصحاب
الأصوات المرتفعة فى حروثهم وأموالهم ومواشيهم ؛ لأن فيه الرياء والخيلاء ، ولا يبعد
أيضاً قول أبى عَمرو لما ذكره من الجفاء والتبدى ، وبالجملة ففى هؤلاء كلهم من الخيلاء
والكبر ما قال بسبب كثرة المال ، ومن الجفاء والغلظة والقسوة بسبب التبدِّى ، والاشتغال
بأموالهم وحبِّها والإقبال عليها عن التفقه فى دين الله [ تعالى ] (٧) ، والاهتبال بمصالح
دنياهم وأخراهم. وقد يكون القسوة والجفاء من طبيعة هؤلاء الذين أشار النبى عَّه إليهم،
ويكون وصفهم بكونهم أصحاب إبل للتعريف بهم والتعيين لهم .
وقوله فيهم: (( من حيث يطلع قرنا الشيطان ورأس الكفر قبل المشرق )) إشارة إلى ما
نبَّه عليه من أهل نجد وربيعة ومضر ؛ لأنهم الذين عاندوا النبوة وقسَوا عن إجابة الحق
وقبول الدعوة ، وهم بالصفة التى وصف أهل خيل وإبل وأصحاب وبر .
ونجد شرق من المدينة، أو من تبوك، على ما ذكر أنه قال بعض هذا الحديث بتبوك.
(١) التكوير : ٤ .
(٢) الإسراء : ٣٧ ، ولقمان: ١٨ .
(٤) سقط من ق .
(٣) وهى من المائتين إلى الألف .
(٥) سقط من ق .
(٦) ربيعة ومضر فى النسب أخوان ابنا نزار بن معد بن عدنان .
(٧) من ت .

٢٩٧
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ .
والمراد برأس الكفر معظمه وشرّه ، وقد تأول بعضهم أنه قال ذلك وأهل المشرق يومئذ
أهل كفر، وأن مراده بقوله: ((رأس الكفر نحو المشرق )) فارس ، وما ذكرناه أولى،
لقوله فى الحديث: (( أهل الوبر قبل مطلع الشمس)) . وفارس ليسوا أهل وبر .
وقوله : ((من ربيعة ومضر)) وأن الموصوفين بعد ذلك بالجفاء والخيلاء هم أولى
بذلك لا غيرهم ، ويؤيده قوله فى الحديث الآخر: (( اللهم اشدد وطأتك على مضر))،
قال فى الحديث: (( وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له)) (١) ، ويكون هذا الكفر ما
كانوا عليه من عداوة الدين والتعصب عليه ، ويعضده حديث ابن عمر عنه عَّه حيث قال:
((اللهم بارك لنا فى يمننا وفى شامنا))، قالوا : يا رسول الله، وفى نجدنا ، فأظنه قال فى
الثالثة: ((هناك (٢) الزلازل والطاعون وبها يطلع قرن الشيطان)) (٣).
وقوله : ((قرنا الشيطان)): القرنان ناحيتا الرأس ، وهو مثل ، كما يقول (٤) :
يتحرك بحركتهم ويتسلط كالمعين لهم ، وهذا على تأويل الحربى فى أن الشمس تطلع بين
قرنى الشيطان . وقد يكون القرنان ها هنا ربيعة ومضر ، وأضافهما إلى الشيطان لاتباعهما
له، ويكون القرن أيضاً هنا بمعنى الجماعة الناجمة والفئة الطالعة كما قال فى الحديث
الآخر: ((هذا قرن قد طلع)) (٥) أى أصحاب بدعة حدثوا ، أو يكون القرن القوة ، فيكون
معناه هنا إضافة قوتهما إلى الشيطان وعونهما له على ما يهم به .
وقال الخطابى : القرن يضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور ، وقد ذهب بعض
المتكلمين على الحديث أن المراد بهذا ما طلع من جهة المشرق ببلاد العراق من الفتن
المبيرة فى صدر الإسلام من وقعة الجمل وصفين (٦) وحروراء (٧) وفتون (٨) بنى أمية،
وكل ذلك كان بمشرق نجد والعراق ، وقد جاء فى حديث الخوارج: (( يخرج قوم من
(١) البخارى فى صحيحة، ك بدء الأذان، ب يهوى بالتكبير حين يسجد ٢٠٣/١ عن أبى هريرة ، وهو
القائل: وأهل المشرق يومئذ من مضر .
(٢) فى الأصل : هنالك .
(٣) البخارى فى صحيحه، ك الفتن، ب قول النبى معَّه: ((الفتنة من قبل المشرق)) ولفظه: قال: ذكر النبى
عَبّ ((اللهم بارك لنا فى شامنا، اللهم بارك لنا فى يمننا)) قالوا: يا رسول الله وفى نجدنا، قال: ((اللهم
بارك لنا فى شامنا، اللهم بارك لنا فى يمننا)) قالوا: يا رسول الله، وفى نجدنا، فأظنه قال فى الثالثة: «
هناك الزلازل والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان )× ٩/ ٦٨. وقد أخرجه أحمد فى المسند ٢ / ٧٨ .
(٥) لم أقف عليه .
(٤) فى ت : تقول .
(٦) صفين مكان نحو الفرات شرقى بلاد الشام .
(٧) أرض من جانب الكوفة ، نزل إليها ثمانية آلاف من أتباع على خرجوا عليه لقبوله التحكيم ، وكان ذلك
أول الخوارج . راجع : البداية والنهاية ٧ / ٢٩٠ .
(٨) كتب أمامها بهامش ت : وفن .

٠٠
٢٩٨
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
٨٢ - (٥٢) حدّثَنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ أَنْبَأَنَا حَمَّادُ، حَدَّثَنا أُيُوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َّهُ: (( جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمانُ يَمَان،
وَاَلْفِقْهُ يَمان ، وَالْحِكْمَةُ يَمانِيٌ)) .
ھ
٨٣ - ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرُو
النَّاقدُ. حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، كلاهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ ؛ قالَ : قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َّ بِمِثْلُه .
٨٤ - ( .. ) وحدّثْنى عَمْرُو النَّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، قالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ
ابْنُ إِبْرَاهِيم بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، قالَ : قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قالَ
رَسُولُ اللّهِ وََّ: (( أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الفقْهُ يَمان،
وَالْحَكْمَةُ يَمَنِيةٌ » .
٨٥ - ( ... ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يُحَيِى قالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالك ، عَنْ أَبی الزناد ، عَن
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ نُحْوَ الْمَشْرِق، وَالْفَخْرَّ
وَالْخُيَلاءُ فِى أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِلِ، الْقَدَّادِيَنَ ، أَهْلِ الوَبَرِ ، وَالسَّكِنَةُ فِى أَهْلِ الْغَمِ » .
٨٦ - ( .. ) وحدّثَنِ يَحْيَى بْنُ أُّوب وَقُتَيِّبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ ، عَنْ إِسْماعيلَ بْنِ جَعْفَر ،
قالَ ابْنُ أَيُوبَ: حَدَّثَنَاَ إِسْماعِيلُ، قالَ: أَخْبَرَنِى الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَّيْرَةَ ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ عٍَّ قَالَ: (( الإيمانُ يَمان، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ، وَالسَّكِينَةُ فِى أَهْلِ الْغَنَمِ
وَالفَخْرُ وَالَرِّيَاءُ فِى الْفَدََّدِينَ أَهْلِ الْخَيِّلِ وَالْوَبَرِ » .
المشرق)) (١)، ثم خروج [ دعاة ] (٢) بنى العباس أقصى المشرق وارتجاج الأرض فتنة .
ويكون الكفر ها هنا كفر النعم ، وأكثر الفتن والأحداث والبدع إنما كانت من قبل
المشرق .
قال : وقد يكون الكفر على وجهه ، والمراد برأس الكفر الدجال ؛ لأن خروجه من
قبل المشرق ، [ قال : وقد يكون ] (٣) على ما ذكره (٤) من قدمناه من أهل فارس ، وقد
۔ ۔
(١) الحديث أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف، وأحمد فى المسند عن أبى برزة ولفظه: قال رسول الله عمليه:
(( يخرج قوم من المشرق يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمَيَّة،
لا يرجعون إليه)) المصنف ٥٣٦/١، أحمد ٤٢١/٤.
(٢) من هامش النسخ .
(٣) فى ت : أو يكون .
(٤) من أن المراد برأس الكفر معظمه، راجع: الأبى ١/ ١٦٠ .

٢٩٩
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
٨٧ - ( ... ) وحدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ؛ قالَ: أَخْبَرِنِى يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شهاب؛ قالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبّدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: سَمعتُ رَسُولَ
اللّهِ عَُّ يَقُولُ: ((الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِى الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِى أَهْلِ الْغَنَمِ )» .
٨٨ - ( ... ) وحدّثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ عَبْد الرَّحْمنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمان، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ: (( الإِيمان يَمانِ، وَالْحِكْمَةُ يَمانيةٌ)) .
جاء فى الحديث الصحيح فى الموطأ وغيره بمعنى ما تقدم أن النبى معَّهُ قال - وهو يشير إلى
المشرق -: ((إن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان - أو قال: قرن الشمس)) (١) وهو
محمول على ما تقدم من الوجوه كلها .
ويدل على صحة هذا التأويل أيضا دعاء النبي ◌َّه على مضر فى غير موطن (٢).
وقوله: فى حديث حذيفة: ((لا تدعُ مضَرُ عبْداً لله مؤمنًا إلا فتنوه أو قتلوه)) (٣)،
[وقد بينه ] (٤) حذيفة حين دخلوا عليه عند قتل عثمان حين ملؤوا حجرته وبيته من ربيعة
ومُضَر فقال : ((لا تبرح ظَلمةُ مضر كل عبد مؤمن تفتنه وتقتله » (٥) .
قال الطحاوى : المراد بمضر هنا بعضهم كما بينه حذيفة ، والعرب تقول مثل هذا فى
الأشياء الواسعة ، تضيف ما كان من بعضها إلى جملتها ، كما قال تعالى : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ
قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقِ ﴾ (٦) ولم يرد الجميع ، وكذلك يحمل على هذا ما ورد فى الحديث
المتقدم، والأحاديث يصدق بعضها بعضاً على ما رجحناه من التأويل (٧) .
وقوله : ((الإيمان يمان ، والحكمة يمانية)) : فعلى قول أبى عبيد أنه أراد مكة وما
(١) الحديث بهذا اللفظ مع تقديم وتأخير أخرجه البخارى، ك الفتن، ب قول النبى عَّة: ((الفتنة من قبل
المشرق)) ٩/ ٦٧ وفيه قرن الشمس قبل قرن الشيطان ، وأخرجه الترمذى بلفظ جذل الشيطان أو قال : قرن
الشيطان ، ك الفتن ، وهو عند مالك ومسلم بغير ذكر قرن الشمس ، ومالك فى الموطأ، ك الاستئذان، ب
ما جاء فى المشرق ٢/ ٩٧٥، ومسلم فى الفتن وأشراط الساعة ، ب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا
الشيطان ٢٢٢٨/٤، وأحمد فى المسند ٢٣/٢، ٩٢، ١١١، ١٢١، جميعا عن ابن عمر.
(٢) سبق تخريجه .
(٣) وفى المسند ٣٩٥/٥، وابن أبى شيبة فى المصنف ١٥ / ١١ بلفظ: عبد الله، وهو جزء حديث لهما.
(٤) فى نسخة إكمال الإكمال نقلها هكذا : وكذا قال لهم .
(٥) الطحاوى فى مشكل الآثار ٤٣٦/١ بنحوه. قال الطحاوى: ولم يرد بذلك - رسول الله عَّه فى دعائه
على مضر - كل مضر ، وكيف يكون يريد بذلك كل مضر وهو عَّهُ من مضر .
(٦) الأنعام : ٦٦ .
(٧) مشكل الآثار ٤٣٦/١ .

٣٠٠ -
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
والاها، لأن منها كان مبتدأ (١) الإسلام ، وقيل : ما والاها من تهامة ، لأن تهامة من
أرض اليمن، وهكذا قال سفيان بن عيينة: أراد تهامة، وقيل: قاله عَّه وهو بتبوك ،
ومكة والمدينة بينه وبين اليمن فأشار إليها ، ويعضد هذا قوله المتقدم فى حديث جابر :
((الإيمان فى أهل الحجاز))، وقيل : أراد بهذا القول الأنصار ؛ لأنهم يمانيون وهم نصروا
الإسلام ، وبادروا إليه ودخلوا فيه طوعاً. ويدل عليه قوله: ((أتاكم أهل اليمن )) ولأن
أهل تهامة أكثرهم مضر وربيعة الذين وصفهم النبى ◌ّه بضد هذا ، ووصف هؤلاء
الآخرين [عَّه بلين القلوب ورقة الأفئدة وهو ضد ما وصف به الآخرين ] (٢) ربيعة ومضر
٢٢/ ب من قسوة / القلوب وغلظها وجفائهم، ثم قال: ((الإيمان يمان))، فبيّن أنه أراد غيرهم،
فالحديث يحكم بعضه على بعض ، ويبين مُفْسَّرُه مشكله ، وأن المراد باليمن هنا الأنصار
واليمانون النسب الذين استجابوا لله ورسوله [ طوعاً ] (٣) وبداراً ، للين قلوبهم ، ورقة
أفئدتهم ، بخلاف أهل [ نجد ] (٤) القاسية قلوبهم عن ذكر الله والإيمان به ، كما وصف
عَّ الطائفتين فى الحديث نفسه .
وإلى نحو ما ذكرناه ذهب الطحاوى وروى فيه حديثاً يفسّره أنَّ عيينة فضل أهل نجد ،
فقال له النبى معَّه: ((كذبت ، بل هم أهل اليمن ، الإيمان يمان)) وهو الذى يغلب على
الظن ويحلو فى النفس لشواهد الحال من الفريقين ، والله أعلم.
(١) كتب فى أصل ت : ابتداء ، وأعيدت بالهامش مبتدأ .
(٢) سقط فى الأصل، واستدرك بهامشه بسهم.
(٣) ساقطة من الأصل .
(٤) فى جميع الأصول : الحجاز ، وهو خطأ نساخ . والحديث أخرجه الطبرانى عن معاذ بن جبل . ولفظه:
قال: كان رسول الله عَّ فى دارنا يعرض الخيل، فدخل عليه عيينة بن حصن فقال للنبى ◌ّ: أنت
أبصر منى بالخيل وأنا أبصر بالرجال منك، فقال النبى عَّة: ((فأى الرجال خير ؟)) فقال : رجال يحملون
سيوفهم على عواتقهم ، ويعرضون رماحهم على مناسج خيولهم ، ويلبسون البرود من أهل نجد . فقال
النبى ◌ّ: ((كذبت، بل خير الرجال رجال اليمن، الإيمان يمان)). قال الهيثمى: رواه الطبرانى ورجاله
ثقات ، إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ. مجمع ٤٤/١٠ .
وعيينة هو ابن حصن بن حذيفة الفزارى ، من قيس عيلان ، واسم عيينة حذيفة فأصابته بقوة - شلل
- فجحظت عيناه فسُمى عيينة. ويكنى أبا ملاك، وهو سيد بنى فزارة وفارسهم، وصفه رسول الله عمَّ
لعائشة فقال: ((هو الأحمق المطاع)).
قال ابن سعد : وارتدّ عيينة حين ارتدت العرب ولحق بطليحة الأسدى حين تنبأ فآمن به ، فلما هزم
طليحة أخذ خالد بن الوليد عيينة فأوثقه وبعث به إلى الصديق ، قال ابن عباس : فنظرت إليه والغلمان
ينخسونه بالجريد ويضربونه ويقولون : أى عدوَّ الله، كفرت بعد إيمانك؟! فيقول : والله ما كنت آمنت،
فلما كلمه أبو بكر رجع إلى الإسلام فأمنه .