Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ کتاب مناقب الانصار/ باب ٤٣ وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رباب. ومن أهل العلم بالسير من يجعل فيهم عبادة بن الصامت بدل جابر بن رباب، فدعاهم وَي إلى الإسلام فآمنوا وقالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم حروب فننصرف فندعوهم إلى ما دعوتنا إليه فلعل الله أن يجمعهم بك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك وانصرفوا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله وَلڼ، فلما كان العام المقبل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلاً منهم خمسة من الستة الذين ذكرناهم وهم: أبو أمامة، وعوف ابن عفراء، ورافع بن مالك، وقطبة، وعقبة. وبقيتهم معاذ بن الحرث بن رفاعة وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة الزرقي، وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة البلوي حليف بني عصية من بلى، والعباس بن عبادة بن نضلة. وهؤلاء من الخزرج. ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التيهان من بني عبد الأشهل وعويم بن ساعدة من بني عمرو بن عوف حليف لهم فبايعوه عند العقبة على بيعة النساء وبعث معهم وَّر ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يعلمان من أسلم منهم القرآن وشرائع الإسلام ويدعوان من لم يسلم إلى الإسلام فأسلم على يد مصعب خلق كثير من الأنصار ولم يبق في بني عبد الأشهل أحد من الرجال والنساء إلا أسلم حاشا الأصرم عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أُحد فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة واحدة، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه من أهل الجنة، ثم خرج جماعة كثيرة ممن أسلم من الأنصار يريدون لقاءه ◌َلي في جملة قوم كفار منهم فوافوا مكة فواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق فبايعوه عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم وأن يرحل إليهم هو وأصحابه، وحضر العباس تلك الليلة موثقًا لرسول الله #﴿ ومؤكدًا على أهل يثرب وكان يومئذٍ على دين قومه، وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في التوثق، وكان المبايعون تلك الليلة سبعين رجلاً وامرأتين وسقط لفظ باب لأبي ذر. ٣٨٨٩ - هذثنا يحيى بنُ بُكّيرِ حدَّثنا الليثُ عن عُقيلٍ عنِ ابنِ شهاب ح. وحدثنا أحمدُ بن صالحِ حدّثنا عَنبَسةُ حدَّثنا يونُسُ عنِ ابنٍ شهاب قال: أخبرني عبدُ الرحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ بن مالكِ أن عبدَ اللَّه بن كعبٍ - وكان قائدَ كعبٍ حينٌ عَمِيَ - قال: سمعتُ كعب بن مالكِ يُحدِّثُ حينَ تَخلَّفَ عنِ النبيِّ وَّ في غزوة تبوكَ بطولهِ، قال ابنُ بُكيرٍ في حديثه ((ولقد شهِدتُ معَ النبيِّ﴿ ليلةَ العقبةِ حينَ تواثَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهدَ بَدر، وإن كانت بَدرٌ أذكَرَ في الناسٍ منها)». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا اسم جده واسم أبيه عبد الله ٣٦٢ کتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٣ المخزومي المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد إمام المصريين (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري قال المؤلف: (ح). (وحدّثنا) بالواو الثابتة في رواية أبي ذر (أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري قال: (حدّثنا عنبسة) بفتح العين والسين المهملتين بينهما نون ساكنة فموحدة مفتوحة ابن خالد بن يزيد الأيلي قال: (حدّثنا) عمي (يونس) بن يزيد الأيلي واللفظ لعقيل لا ليونس (عن ابن شهاب) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن) أباه (عبد اللَّه بن كعب وكان قائد كعب) أبيه (حين عمي قال: سمعت) أبي (كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن النبي) ولأبي ذر عن رسول الله (858* في غزوة تبوك) الحديث (بطوله. قال ابن بكير في حديثه): أي حديث عقيل (ولقد شهدت مع النبي) وفي نسخة مع رسول الله (*) وضبب في الفرع على لفظ النبي (ليلة العقبة) الثالثة (حين تواثقنا) بالمثلثة والقاف (على الإسلام وما أحب أن لي بها) أي بدلها (مشهد بدر) فالباء باء البدلية (وإن كانت بدر أذكر) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الكاف أي أكثر شهرة (في الناس منها) لأن ليلة العقبة المذكورة كانت أول الإسلام ومنها فشا وتأكد أساسه. وهذا الحديث مر في الوصايا والجهاد، وأخرجه أيضًا في المغازي والتفسير والاستئذان والأحكام مطوّلاً ومختصرًا. ٣٨٩٠ - هذاثنا عليّ بن عبدِ اللَّه حدَّثَنا سفيانُ قال: كان عمرٌو يقول: سمعتُ جابرَ بن عبدِ اللَّه رضيَ اللَّهُ عنهما يقول: ((شَهِدَ بي خالايَ العقبةَ)) قال أبو عبدِ اللَّهِ: قال ابنُ عُيّينةَ: ((أحدُهما البَراءُ بنُ معرور)). [الحديث ٣٨٩٠- طرفه في: ٣٨٩١]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: كان عمرو) بفتح العين ابن دينار (يقول: سمعت جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام بالمهملتين ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري (رضي الله عنهما يقول: شهد بي) بالموحدة قبل التحتية الساكنة (خالاي) تثنية خال مضاف لياء المتكلم المخففة (العقبة) الثالثة. (قال أبو عبد الله) البخاري المؤلف ولأبي ذر قال: عبد الله بن محمد أي الجعفي المسندي (قال ابن عيينة): سفيان (أحدهما) أي خالي جابر (البراء بن معرور) بمهملات وأم جابر اسمها نسيبة بضم النون بنت عقبة بضم العين وسكون القاف ابن عدي وأخواها ثعلبة وعمرو وهما خالا جابر وقد شهد العقبة الأخيرة، وأما البراء بن معرور فليس من أخوال جابر لكنه كما قال في الفتح كالكرماني من أقارب أمه وأقارب الأم يسمون أخوالاً مجازًا. ٣٨٩١ - حدثني إبراهيمُ بن موسى أخبرَنا هشامٌ أن ابنَ جُرَيج أخبرَهم قال عَطاءٌ قال جابر: ((أنا وأبي وخالايَ من أصحابِ العقَبة)). وبه قال: (حذَّثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الصغير قال: (أخبرنا هشام) ٣٦٣ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٣ هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال عطاء): هو ابن أبي رباح (قال جابر) الأنصاري (أنا وأبي) عبد اللَّه (وخالي) بكسر اللام بالإفراد ولأبي ذر وخالاي بالتثنية (من أصحاب العقبة) الثالثة وكان جابر أصغر من شهدها. ٣٨٩٢ - هذثني إسحقُ بن منصور أخبرَنا يعقوبُ بن إبراهيمَ حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شهابٍ عن عمهِ قال: أخبرني أبو إدريسَ عائذُ اللَّه بن عبد اللَّه ((أنَّ عُبادةَ بن الصامت - منَ الذين شهدوا بدرًا مع رسولِ اللَّه وَهُ ومِن أصحابهِ ليلةَ العقَبةِ - أخبرَهُ أن رسولَ اللَّهِ وَّهِ قال: وحولَهُ عِصابةٌ من أصحابهِ: تعالوا بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تَسرِقوا، ولا تَزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببُهتانٍ تَفْتَرُونَهُ بينَ أيدِیکم وأرجُلِكم، ولا تَعصوني في مَعروف. فمن وَفى منكم فأجرُهُ على الله، ومن أصاب من ذلكَ شيئًا فعوقبَ بهِ في الدنيا فهو له كفّارة، ومن أصابَ من ذلكَ شيئًا فسترَهُ اللَّهُ فأمرُهُ إلى اللّه: إن شاءَ عاقَبُهُ، وإن شءَ عَفا عنه، قال: فبايَعْناه على ذلك)). وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد (إسحق بن منصور) أبو يعقوب الكوسج المروزي قال: (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا ابن أخي ابن شهاب) محمد بن عبد الله (عن عمه) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو إدريس عائذ الله) بالعين المهملة والذال المعجمة ممدودًا (ابن عبد اللَّه) الخولاني أحد الأعلام سقط ابن عبد اللَّه من اليونينية (أن عبادة بن الصامت) رضي الله عنه ابن قيس (من الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله صل﴿ ومن أصحابه ليلة العقبة) وهو أحد النقباء وأحد الستة أهل العقبة الأولى في قول بعضهم وأحد الاثني عشر أهل الثانية وأحد السبعين في الثالثة (أخبره أن رسول الله وض يفه قال وحوله عصابة) بكسر العين المهملة (من أصحابه): (تعالوا) بفتح اللام (بايعوني) عاقدوني (على) التوحيد (أن لا تشركوا بالله شيئًا و) على أن (لا تسرقوا) شيئًا (و) على أن (لا تزنوا و) على أن (لا تقتلوا أولادكم ولا تأتون) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: ولا تأتوا بحذف النون عطفًا على المنصوب السابق (بيهتان) بكذب يبهت سامعه (تفترونه) تختلقونه (بين أيديكم وأرجلكم) أي من قبل أنفسكم فكني باليد والرجل عن الذات لأن معظم الأفعال بها (ولا تعصوني في معروف) قاله وَل﴿ تطييبًا لقلوبهم وإلا فهو وَّ لا يأمر إلا بالمعروف (فمن وفى منكم) بتخفيف الفاء بالعهد (فأجره على الله) فضلاً (ومن أصاب) منكم أيها المؤمنون (من ذلك شيئًا) غير الشرك (فعوقب به) بسببه (في الدنيا) بإقامة الحد عليه (فهو) أي العقاب (له كفارة) فلا يعاقب عليه في الآخرة (ومن أصاب من ذلك) المذكور (شيئًا فستره الله فأمره) مفوّض (إلى الله) تعالى (إن شاء عاقبه) بعدله (وإن شاء عفا عنه) بفضله (قال): عبادة (فبايعته) وفي نسخة فبايعناه (على ذلك). ٣٦٤ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٣ وهذا الحديث سبق في كتاب الإيمان. ٣٨٩٣ - حدّثنا قُتَيبةُ حدَّثنا الليثُ عن يزيدَ بنِ أبي حبيب عن أبي الخيرِ عنِ النَّابحيِّ عن عُبادةَ بن الصامتِ رضيَ اللَّهُ عنه أنهُ قال: ((إني منَ النُّقَباءِ الذين بايعوا رسولَ اللَّهِ وَه وقال: بايَعناهُ على أن لا نُشرِكَ باللَّهِ شيئًا، ولا نَسرِقَ، ولا نَزْنِيَ، ولا نقتُلَ النفسَ التي حرَّمَ اللَّه إلا بالحقّ، ولا نَنتهِبَ، ولا نَقضي بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غَشينا من ذلك شيئًا كان قضاءُ ذلك إلى اللَّه)). وبه قال: (حدَّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدَّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي حبيب) من الزيادة وحبيب بالحاء المهملة المفتوحة والموحدتين بينهما تحتية ساكنة الأزدي أبي رجاء عالم مصر (عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة وآخره دال مهملة ابن عبد اللَّه المصري (عن الصنابحي) بضم الصاد المهملة وفتح النون المخففة وبعد الألف موحدة مكسورة فحاء مهملة عبد الرحمن بن عسيلة بضم العين وفتح السين المهملتين مصغرًا التابعي (عن عبادة بن الصامت) بن قيس أبي الوليد الخزرجي (رضي الله عنه أنه قال إني من النقباء) الاثني عشر (الذين بايعوا رسول الله (*) ليلة العقبة الثالثة على الإيواء والنصرة وغيرهما (وقال: بايعناه) أي في وقت آخر (على أن لا نشرك بالله شيئًا) على ترك الإشراك (و) أن (لا نسرق) بحذف المفعول ليدل على العموم (و) أن (لا نزني) بنونين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة ففوقية مفتوحة فهاء مكسورة فموحدة ولأبي ذر عن الكشميهني ولا ننهب بحذف الفوقية وفتح الهاء أي لا نأخذ مال أحد بغير حق (و) أن (لا نعصي) بالعين والصاد المهملتين أي لا نعصي الله في معروف (بالجنة إن فعلنا ذلك) متعلق بقوله بايعناه أي بايعناه على أن لا نفعل شيئًا مما ذكر بمقابلة الجنة، وللكشميهني ولا نقضي بالقاف والضاد المعجمة وهو تصحيف وتكلف بعضهم في تأويله فقال نهاهم عن ولاية القضاء قال في الفتح: وهذا يبطله أن عباده ولي قضاء فلسطين في زمن عمر رضي الله عنه، وقيل إن قوله بالجنة متعلق بنقضي أي لا نقضي بالجنة لأحد معين بل الأمر موكول إلى الله تعالى لا حكم لنا فيه لكن يبقى قوله: إن فعلنا ذلك لا جواب له (فإن غشينا) بالغين المفتوحة والشين المكسورة المعجمتين والتحتية الساكنة أي إن أصبنا (من ذلك) المنهي عنه (شيئًا كان قضاء ذلك) مفوّضًا (إلى الله) عز وجل إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه . وظاهر صنيع المؤلف أن هذه المبايعة وقعت ليلة العقبة وبه جزم القاضي عياض وآخرون. وقال ابن حجر: إنما هي مبايعة أخرى غير ليلة العقبة وإنما الذي في العقبة أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم إلى آخره ثم صدرت بعد مبايعات أخرى منها هذه التي ذكر فيها هذه المنهيات. ويقوي ذلك نزول آية الممتحنة فإنها بعد فتح مكة، ولقوله في رواية مسلم والنسائي كما أخذ على النساء بل عند الطبراني من وجه آخر عن الزهري: ثم بايعنا رسول الله وَ ر على ما بايع ٣٦٥ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٤ عليه النساء يوم فتح مكة، فظهر أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية بل بعد صدور بيعة العقبة فصح تغاير البيعتين بيعة الأنصار قبل الهجرة وبيعة أخرى بعد فتح مكة، وإنما وقع الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين ولما كانت بيعة العقبة من أجلّ ما يتمدّح به فكان يذكرها إذا حدث تنويُّها بسابقته، ويؤيده أيضًا قوله في هذا الحديث الأخير: ولا ننتهب لأن الجهاد لم يكن فرض والمراد بالانتهاب كما قاله في الفتح ما يقع بعد القتال، لكن تفسير الانتهاب بذلك على الخصوص غير ظاهر على ما لا يخفى، لكن روى ابن إسحق بسنده عن عبادة قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلاً فبايعنا رسول الله وَله على بيعة النساء أي على وفق بيعة النساء التي نزلت بعد ذلك عند فتح مكة ففيه الجزم بأنها ليلة العقبة. وأجيب: بأنه اتفق وقوع ذلك قبل نزول الآية، وأضيفت النساء لضبطها بالقرآن والراجح أن التصريح بذلك وهم من بعض الرواة، والذي دل عليه الأحاديث أن البيعات ثلاثة: العقبة وكانت قبل فرض الحرب، والثانية بعد الحرب على عدم الفرار، والثالثة على نظير بيعة النساء. وهذا الحديث قد مرّ في كتاب الإيمان. ٤٤ - باب تزويج النبيِّ وَّهُ عائشةَ، وقُدومِها المدينةَ، وبنائهِ بها (باب تزويج النبي ◌َلفر عائشة) رضي الله عنها (وقدومها المدينة) بعد الهجرة (وبنائه) عليه الصلاة والسلام (بها) وسقط لفظ باب لأبي ذر فتزويج وبناء رفع على ما لا يخفى. ٣٨٩٤ - حدثني فَروةُ بن أبي المَغراءِ حدَّثَنا عليَّ بن مُسهِرٍ عن هشامٍ عن أبيهِ عن عائشةً رضيَ اللَّه عنها قالت: ((تزوَّجَنِي النبيِّ وَّهِ وأنا بنتُ ستِّ سنينَ، فَقَدِمْنا المدينةَ فنزلنا في بني الحارث بن الخَزْرَج، فوَعِكتُ فتمزّقَ شعري، فوَفىْ جُمَيمةً، فَأَتَثْنِي أُمّي أمُّ رُومانَ - وإني لَفي أُزجوحةٍ ومَعي صَواحبُ لي - فصَرَخَت بي فأتيتُها، لا أدري ما تُريدُ بي، فأخذَتْ بيدي حتى أوقفَتْني على بابِ الدار، وإني لأنهجُ حتى سَكنَ بعضُ نَفَسي. ثمَّ أخذَتْ شيئًا من ماءٍ فمسحَتْ بهِ وَجهِي ورأسي، ثمَّ أدخَلْتني الدارَ، فإذا نِسوَةٌ من الأنصارِ في البيتِ، فقُلْنَ: على الخيرِ والبرَكة، وعلى خَيرِ طائر. فأسلَمَتْني إليهنَّ، فأصلَحْنَ من شأني، فلم يَرُعني إلا رسولُ اللَّهِ وَه ضُحَى، فأسلَمَتْني إليه، وأنا يومئذٍ بنتُ تسع سنين)). [الحديث ٣٨٩٤- أطرافه في: ٣٨٩٦، ٥١٣٣، ٥١٣٤، ٥١٥٦، ٥١٥٨، ٥١٦٠]. وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (فروة بن أبي المغراء) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة ممدودًا الكندي قال: (حدّثنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة قاضي الموصل القرشي الكوفي (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: تزوجني) أي عقد علّ (النبي وَل﴿ وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة) أنا وأمي أم رومان ٣٦٦ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٤ وأختي أسماء بعد النبي # وأبي بكر رضي الله عنه (فنزلنا في بني الحرث بن خزرج) ولأبي ذر: ابن الخزرج (فوعكت) بضم النواو وسكون الكاف أي حممت (فتمرّق) بالراء المشددة للكشميهني أي انتتف (شعري) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فتمزق بالزاي أي انقطع، لكن قال القاضي عياض أنه بالزاي عند الكشميهني عكس ما هنا (فوفى) بتخفيف الفاء أي كثر وفيه حذف تقديره ثم نصلت من الوعك فتربى شعري فكثر (جميعة) بضم الجيم وفتح الميمين بينهما تحتية ساكنة مصغر جمة بضم الجيم من شعر الرأس ما سقط عن المنكبين فإذا كان إلى شحمة الأذنين سمي وفرة وجميمة بالرفع على الفاعلية وفي الفرع بالنصب (فأتتني أمي أم رومان) زينب الفراسية (وإني لفي أرجوحة) بضم الهمزة وسكون الراء وضم الجيم وبعد الواو حاء مهملة حبل يشد في كل من طرفيه خشبة فيجلس واحد على طرف وآخر على الآخر ويحركان فيميل أحدهما بالآخر نوع من لعب الصغار (ومعي صواحب لي) بغير تنوين (فصرخت بي فأتيتها لا) ولأبي ذر عن الكشميهني: ما (أدري ما تريد بي) وللكشميهني: مني (فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وأني لأنهج) بالنون والجيم مع فتح الهمزة والهاء وبضم الهمزة وكسر الهاء أي أتنفس نفسًا عاليًا من الإعياء (حتى سكن بعض نفسي) بفتح الفاء (ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار) لم أعرف أسماءهن (في البيت فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر) أي على خير حظ ونصيب (فأشلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني) بفتح التحتية وضم الراء وسكون العين المهملة فلم يفجأني (إلا رسول الله ( 8) قد دخل عليّ (ضحى) على غير علم (فأسلمنني) النسوة الأنصاريات (إليه). وعند أحمد من وجه آخر فوقفت بي عند الباب حتى سكنت نفسي الحديث. وفيه: فإذا رسول الله# جالس على سرير وعنده رجال ونساء من الأنصار فأجلستني في حجره ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله بارك الله لك فيهم، فوثب الرجال والنساء وبنى بي رسول الله وَل﴿ في بيتنا (وأنا يومئذ بنت تسع سنين) وكان ذلك في شوال من السنة الأولى من الهجرة أو الثانية. وقولها في حديث أحمد رضي الله عنه وبنى بي يردّ قول الجوهري في الصحاح العامة تقول: بنى بأهله وهو خطأ، وإنما يقال: بنى على أهله والأصل فيه أن الداخل على أهله يضرب عليه قبة ليلة الدخول ثم قيل لكل داخل بأهله بان اهـ. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في النكاح. ٣٨٩٥ - حدثنا مُعلَّى حدَّثنا وُهَيبٌ عن هِشامٍ بن عُروةً عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها: ((أنَّ النبيِّ ◌َّهِ قال لها أرِيتُكِ في المنامِ مرَّتَين: أُرَى أنكِ في سرَقةٍ من حرير ويقول: هُذهِ امرأتُكَ فاكشِفْ، فإذا هي أنتِ، فأقول: إنَ يكُ هذا من عندِ اللَّهِ يُمْضِه)). [الحديث ٣٨٩٥- أطرافه في: ٥٠٧٨، ٥١٢٥، ٧٠١١، ٧٠١٢]. وبه قال: (حدَّثنا معلى) بضم الميم وفتح العين واللام مشددة منونة ابن أسد أبو الهيثم البصري قال: (حدّثنا وهيب) مصغرًا ابن خالد البصري (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن ٣٦٧ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٤ الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وَلقر قال لها): (أريتك) بضم الهمزة (في المنام مرتين) وفي رواية ثلاث مرات (أرى) بفتح الهمزة والراء (أنك) بكسر الكاف (في سرقة) بفتح السين المهملة والراء والقاف في قطعة (من حرير) والمراد أنه يريه صورتها (ويقول): أي جبريل ولأبي ذر عن الكشميهني ويقال: (هذه امرأتك فأكشف) عن وجهك بهمزة قطع وضم الفاء في الفرع والناصرية والذي في اليونينية بهمزة وصل والجزم فعل أمر وزاد في اليونينية عنها (فإذا هي أنت) وفي رواية: فإذا أنت هي أي مثل الصورة التي رأيتها في المنام وهو تشبيه بليغ حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله: كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو هي أي فإذا الزنبور مثل العقرب فحذف الأداة مبالغة فحصل التشابه (فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه) بضم أوله. قال في شرح المشكاة: هذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الأمر المدل بصحته تقريرًا لوقوع الجزاء وتحققه ونحوه قول السلطان لمن تحت قهره إن كنت سلطانًا انتقمت منك أي السلطنة مقتضية للانتقام. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون ذلك قبل البعثة فلا إشكال فيه وإن كان بعدها ففيه ثلاث احتمالات التردد هل هي زوجته في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط أو أنه لفظ شك لا يراد به ظاهره وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف وسماه بعضهم مزج الشك باليقين أو وجه التردد هل هي رؤيا وحي على ظاهرها وحقيقتها أو رؤيا وحي لها تعبير وكلا الأمرين جائز في حق الأنبياء اهـ. قال في الفتح: الأخير هو المعتمد، وبه جزم السهيلي عن ابن العربي ثم قال: وتعبيره باحتمال غيرها لا أرضاه والأول يردّه أن السياق يقتضي أنها كانت قد وجدت فإن ظاهر قوله فإذا هي أنت يشعر بأنه كان قد رآها وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها ولدت بعد البعثة ويرد أول الاحتمالات الثلاثة رواية ابن حبان في آخر حديث الباب هي زوجتك في الدنيا والآخرة والثاني بعید . ٣٨٩٦ - حدثنا عُبَيدُ بن إسماعيلَ حدّثنا أبو أسامةً عن هشام عن أبيهِ قال: ((تُوَفِّيَت خديجةُ قبل مَخْرَجَ النبيِّ :﴿ إلى المدينةِ بثلاثٍ سنين، فلبثَ سنتَينٍ أو قريبًا من ذلك، ونكحَ عائشة وهي بنتُ ستُّ سنين، ثم بَنى بها وهيَ بنتُ تسعٍ سنين). وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولغير أبي ذر: حدّثني (عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا من غير إضافة الهباري القرشي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير أنه (قال: توفيت خديجة) أم المؤمنين رضي الله عنها (قبل مخرج النبي (وَلاخير) من مكة (إلى المدينة بثلاث سنين) وقيل بأربع وقيل بخمس (فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك) لم يدخل على ٣٦٨ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ أحد من النساء ثم دخل على سودة بنت زمعة قبل أن يهاجر وقبل أن يعقد على عائشة رضي الله عنها كما قاله قتادة وغيره ولم يذكر ابن قتيبة غيره وقيل بعد عائشة (ونكح عائشة) أي عقد عليها في شوّال (وهي بنت ست سنين ثم بنى بها) في شوال بعد أن هاجر (وهي بنت تسع سنين) ومكثت عنده ◌َ﴿ تسعًا، وتوفي وهي بنت ثمان عشرة، وثبت قوله سنين بعد ست لأبي ذر عن الکشمیھني وسقطت بعد تسع لأبي ذر. وهذا الحديث مرسل لأن عروة لم يحضر القصة لكن الأقرب أنه تحمله عن عائشة رضي الله عنها لكثرة علمه بأحوالها. ٤٥ - باب هجرة النبيِّ وَّر وأصحابهِ إلى المدينة وقال عبدُ اللَّهِ بن زيدٍ وأبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّ وَّهِ: ((لولا الهجرةُ لكنت امراً من الأنصار)). وقال أبو موسى عن النبيِّ وَّهِ: ((رأيتُ في المنام أني أهاجِرُ من مكة إلى أرضٍ بها نخل، فذهبَ وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هَجَر، فإذا هي المدينةُ يَثْرِب)». (باب هجرة النبي (18) بإذن الله عز وجل له في ذلك بقوله تعالى: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾ [الإسراء: ٨٠] بعد بيعة العقبة بشهرين وبضعة عشر يومًا (وأصحابه) أبي بكر وعامر بن فهيرة وصاحبين له من مكة (إلى المدينة) وكان قد هاجر بين العقبتين جماعة ابن أم مكتوم وغيره وسقط باب لأبي ذر. (وقال عبد اللَّه بن زيد) مما وصله في غزوة حنين (وأبو هريرة) مما سبق موصولاً في مناقب الأنصار (رضي الله عنهما عن النبي (*) أنه قال: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار) قاله جوابًا لقولهم أنه أحب الإقامة بموطنه بمكة أي لولا الهجرة لكنت أنصاريًا صرفًا، فلم يمنعني مانع من المقام بمكة لكنني اتصفت بصفة الهجرة والمهاجر لا يقيم بالبلد التي هاجر منها مستوطنًا فلتطمئن قلوبكم بعدم التحول عنكم. (وقال أبو موسى) عبد الله بن قيس (عن النبي وَلهل رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي) بفتح الواو والهاء ظني (إلى أنها اليمامة) مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف (أو هجر) بفتح الهاء والجيم بلد معروف من البحرين وهي مساكن عبد القيس أو هي قرية بقرب المدينة وصوب في الفتح الأول ولأبي ذر أو الهجر بأداة التعريف (فإذا هي المدينة يثرب) بالمثلثة وهذا وصله في الصلاة. ٣٨٩٧ - حدثنا الحُميديُّ حدَّثَنا سفيانُ حدَّثنا الأعمشُ قال: سمعتُ أبا وائلٍ يقول: ((عُذْنا خَبّابًا فقال: هاجَرْنا معَ النبيِّ وَهَ ذُرِيدُ وجهَ اللَّه، فوقعَ أجرُنا على اللَّه، فمنّا مَن مضى لم يأخذ ٣٦٩ کتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ من أجرِهِ شيئًا منهم مُصعَبُ بن عُمير، قُتلَ يومَ أُحُدٍ وتركَ نَمِرَةٌ، فكنّا إذا غطّينا بها رأسَهُ بَدَت رِجلاهُ، وإذا غطّنا رجلَيهِ بدا رأسُه، فأمَرَنا رسولُ اللَّهُ وَّهِ أن نُغطي رأسَهُ ونجعلَ على رجلَيهِ شيئًا من إذخِر. ومِنّا مَن أينَعَت له ثمرَتهُ فهوَ يَهدِبُها)). وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا وائل) بالهمز شقيق بن سلمة حال كونه (يقول: عدنا خبابًا) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ابن الأرتّ بالفوقية المشددة في مرض (فقال: هاجرنا مع النبي 18) أي إلى المدينة بإذنه وإلاّ فلم يصحبه عليه الصلاة والسلام غير أبي بكر وعامر بن فهيرة حال كوننا (نريد وجه الله) لا الدنيا (فوقع أجرنا على الله) فضلاً منه تعالى (فمنا من مضى) مات (لم يأخذ من أجره) من الغنائم التي أخذها من أدرك زمن الفتوح (شيئًا) بل ادخر الله تعالى له أجره موفرًا في الآخرة (منهم مصعب بن عمير) بضم العين مصغرًا ابن هاشم بن عبد مناف (قتل يوم أُحُد) قتله ابن قميئة (وترك نمرة) كساء مخططًا (فكنا) لما كفناه (إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا) بها (رجليه بدأ) بغير همزة (رأسه فأمرنا رسول الله والخير أن نغطي رأسه) بطرفها (ونجعل على رجليه شيئًا من إذخر) بذال وخاء معجمتين حشيش مكة ذي الريح الطيب (ومنا من أينعت له ثمرته) نضجت وطابت (فهو يهدبها) بكسر الدال المهملة مصححًا عليها في الفرع وأصله ويجوز الضم والفتح أي يجتنيها. وهذا الحديث مرّ في باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري به رأسه من كتاب الجنائز. ٣٨٩٨ - هذّثنا مُسدَّدٌ حدَّثنا حمّادٌ هو ابنُ زيدٍ عن يحيى عن محمدٍ بن إبراهيمَ عن عَلقمةَ بن وَقَّاصٍ قال: سمعتُ عمرَ رضيَ اللهُ عنه قال: ((سمعتُ النبيِّ وَ أراه يقول: الأعمالُ بالنّة، فمَن كانت هِجرتهُ إلى دُنيا يصيبها، أو امرأةٍ يتزوَّجُها، فهجرتهُ إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرتهُ إلى اللَّهِ ورسوله فهجرتهُ إلى اللَّهِ ورسوله الإ)). وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا حماد هو ابن زيد) أي ابن درهم وسقط لفظ هو لأبي ذر (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن محمد بن إبراهيم) بن الحرث التيمي (عن علقمة بن وقاص) الليثي أنه (قال: سمعت عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه قال: سمعت النبي و ﴿ أراء) بضم الهمزة أي أظنه كذا في هامش اليونينية مخرجًا له بعد قوله رضي الله عنه بعطفة بالحمرة خفية وزاد في الفرع وَلتر (يقول): (الأعمال بالنية) بالإفراد على الأصل لاتحاد محلها الذي هو القلب وحذف إنما والجمع المحلى بأل يفيد الاستغراق وهو مستلزم للحصر المثبت للحكم المذكور ونفيه عن غيره فلا عمل إلاّ بنية (فمن كانت هجرته إلى دنيا) بغير تنوين (يصيبها أو) إلى (امرأة يتزوجها) نية وقصدًا (فهجرته إلى ما هاجر إليه) من الدنيا والمرأة حكمًا وشرعًا أو هجرته إليهما قبيحة غير صحيحة أو غير مقبولة إرشاد الساري/ ج ٨/ م ٢٤ ٣٧٠ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ فلا نصيب له في الآخرة، والذي دعاهم لهذا التقدير اتحاد الشرط والجزاء ولا بد من تغايرهما. وأجاب بعضهم: بأنه إذا اتحد مثل ذلك يكون المراد به المبالغة في التحقير كهذه أو التعظيم كقوله: (ومن كانت هجرته إلى) طاعة (الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله (18) وسقطت التصلية لأبي ذر وأعاد المجرور ظاهرًا لا مضمرًا إذ لم يقل فهجرته إليهما لقصد الاستلذاذ بذكر الله ورسوله بخلاف الدنيا والمرأة فإن إبهامهما أولى. وقد اشتهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس وأنه خطبها فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها فكان يسمى مهاجر أم قيس. رواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد رجاله ثقات. ومباحث الحديث سبقت أول الكتاب والله المستعان. ٣٨٩٩ - حدثني إسحقُ بن يزيدَ الدِّمَشقيُّ حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ قال: حدَّثني أبو عمرو الأوزاعيَّ عن عبدةَ بنِ أبي لبابةَ عن مجاهدِ بنِ جَبر المكيِّ («أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما كان يقول: لا هِجرةَ بعدَ الفتح)). [الحديث ٣٨٩٩- أطرافه في: ٤٣٠٩، ٤٣١٠، ٤٣١١]. وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد (إسحق بن يزيد) من الزيادة هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الأموي مولاهم الفراديسي (الدمشقي) قال: (حدَّثنا يحيى بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي أبو عبد الرحمن قاضي دمشق (قال: حدَّثني) بالإفراد (أبو عمرو) عبد الرحمن (الأوزاعي عن عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة (ابن أبي لبابة) بضم اللام وفتح الموحدتين بينهما ألف مخففًا الأسدي الكوفي سكن الشام (عن مجاهد بن جبر المكي أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما كان يقول: لا هجرة بعد الفتح). ٣٩٠٠ - قال يحيى بن حمزة: وحدَّثني الأوزاعيّ عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: زُرتُ عائشةَ مع عبيدِ بنِ عميرٍ الليثيّ، فسألناها عن الهجرةِ فقالت: لا هجرةَ اليوم، كان المؤمنونَ يَقِرُ أحدُهم بدينهِ إلى الله تعالى وإلى رسولهِ وَّ مخافةَ أن يُفتنَ عليه، فأما اليومَ فقد أظهرَ اللَّه الإسلام، واليومَ يَعْبُدُ ربَّهُ حيث شاء، ولكن جهادٌ ونيّة)). (وحدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: قال يحيى بن حمزة وحدّثني (الأوزاعي) عبد الرحمن (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة أنه (قال: زرت عائشة) رضي الله عنها وكانت مجاورة في جبل ثبير إذ ذاك (مع عبيد بن عمير الليثي) بالمثلثة (فسألناها) ولأبي ذر: وسألتها (عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم) أي بعد الفتح (كان المؤمنون) قبل الفتح (يفر أحدهم) من مكة (بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله 38) إلى المدينة وسقطت التصلية لأبي ذر (مخافة أن يفتن عليه) أي على دينه فكانت واجبة لذلك ولتعلم الشرائع والأحكام وقتال الكفار (فأما اليوم) بعد الفتح (فقد أظهر الله الإسلام) وفشت الشرائع والأحكام (واليوم) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني والمؤمن بدل قوله ٣٧١ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ واليوم (يعبد ربه حيث شاء) فالحكم يدور مع علته. قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام فالإقامة فيها أفضل من الرحلة لما يترجى من دخول غيره في الإسلام (ولكن جهاد) في الكفار (ونية) أي وثواب نية في الجهاد أو الهجرة نعم ما دام في الدنيا دار كفر فالهجرة منها واجبة على من أسلم وخاف أن يفتن في دينه. ٣٩٠١ - هذثني زكريا بن يحيى حدَّثَنا ابنُ نُميرٍ قال هشامٌ: فأخبرني أبي ((عن عائشةً رضيَ اللَّهُ عنها أن سعدًا قال: اللهمَّ إنك تعلم أنه ليس أحدٌ أحبّ إليَّ أن أجاهِدَهم فيكَ من قومٍ كذّبوا رسولَك ◌َ﴿ وأخرَجوه، اللهمَّ فإني أظنُّ أنكَ قد وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم)). وقال أبانُ بن يزيدَ حدَّثَنا هشامٌ عن أبيهِ أخبرتني عائشةُ: ((من قومٍ كذِّبوا نبيَّك وأخرجوهُ من قریش. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (زكريا بن يحيى) البلخي قال: (حدّثنا ابن نمير) عبد الله الهمداني (قال هشام: فأخبرني) بالإفراد (أبي) عروة (عن عائشة رضي الله عنها أن سعدًا) بسكون العين ابن معاذ الأنصاري (قال): في قريش يوم بني قريظة وكان قد أصيب يوم الخندق في الأكحل (اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وَل﴿) سقطت التصلية لأبي ذر (وأخرجوه) من مكة (اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم). (وقال أبان بن يزيد) العطار (حدثنا هشام عن أبيه) عروة أنه قال: (أخبرتني) بالإفراد (عائشة) رضي الله عنها بالحديث المذكور وقال فيه: (من قوم كذبوا نبيك وأخرجوه) كابن نمير. وزاد (من قريش) فأفصح بتعيين القوم وقريش هم المخرجون له عليه الصلاة والسلام لا بنو قريظة. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في المقدمة: رواية أبان بن يزيد عن هشام لم أقف على من وصلها . ٣٩٠٢ - حقني مَطرُ بن الفضل حدّثنا رَوحُ بن عُبادةَ حدَّثنا هشامٌ حدَّثنا عكرمة عن ابن عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((بُعثَ رسولُ اللَّهِ وَ له لأربعينَ سنةً، فمكثَ بمكةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً يُوحى إليه، ثم أُمِرَ بالهجرة فهاجرَ عَشرَ سنينَ، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستين)). وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولغير أبي ذر حدّثنا بالجمع (مطر بن الفضل) المروزي قال: (حدّثنا روح بن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة وثبت ابن عبادة لأبي ذر قال: (حدّثنا هشام) أي ابن حسان القهدوسي بضم القاف وسكون الهاء آخره سين مهملة قال: (حدّثنا عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: بعث رسول الله وَلي) بضم الموحدة وكسر العين (لأربعين سنة فمكث) بضم الكاف (بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه) فيها منها مدة فترة ٣٧٢ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ الوحي ومدة الرؤيا الصالحة (ثم أمر بالهجرة) من مكة إلى المدينة (فهاجر عشر سنين ومات) بها (وهو ابن ثلاث وستين) سنة. وثبت قوله سنة بعد قوله ثلاث عشرة للحموي والكشميهني. ٣٩٠٣ - حدثني مَطرُ بن الفضل حدَّثَنا رَوحُ بن عُبادةَ حدَّثَنا زكرياءُ بن إسحقَ حدّثَنا عمرُو بن دِينارِ عنِ ابن عباسٍ قال: ((مَكثَ رسولُ اللَّهِ وَلَه بمكة ثلاث عشرة؛ وتُوُفِّيَ وهو ابن ثلاث وستين» . وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (مطر بن الفضل) سقط ابن الفضل لأبي ذر قال: (حدّثنا روح بن عبادة) وسقط لأبي ذر أيضًا ابن عبادة قال: (حدّثنا زكريا بن إسحاق) المكي ثقة لكنه رمي بالقدر قال: (حدّثنا عمرو بن دينار عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال مكث رسول الله* بمكة ثلاث عشرة) سنة من مجيء جبريل له بالوحي (وتوفي) بالمدينة (وهو ابن ثلاث وستين) سنة. ٣٩٠٤ - حدثنا إسماعيلُ بن عبدِ اللَّهِ قال: حدّثني مالكٌ عن أبي النضر مولى عمرَ بن عبد الله عن عُبَيد - يعني ابنَ حُنَين - عن أبي سعيد الخُدريِّ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ جلسَ على المنبرِ فقال: إنَّ عبدًا خيّرَهُ اللَّهُ بينَ أن يُؤْتِيَهُ من زهرةِ الدنيا ما شاء وبينَ ما عندَه، فاختار ما عندَه. فبكى أبو بكرٍ وقال: فدَيناكَ بآبائنا وأُمَّهاتِنا. فعجِبْنا لهُ. وقال الناسُ: انظُروا إلى هذا الشيخ، يُخبِرُ رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ عن عبدٍ خَيِّرَهُ اللَّه بين أن يؤتيَهُ من زهرةِ الدنيا وبينَ ما عندَه، وهو يقول: فدَيناكَ بآبائنا وأُمَّهاتنا، فكان رسولُ اللَّهِ وَل﴿ِ هوَ المخيّر، وكان أبو بكر هو أعلَمنا به. وقال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: إنَّ من أمنُّ الناسِ عليَّ في صُحبتهِ ومالهِ أبا بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلاً من أُمتي لاتخَذتُ أبا بكر، إلاّ خُلَّةَ الإسلام، لا يَبقينَّ في المسجدِ خوخةٌ إلا خوخُ أبي بكر)). وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي النضر) بالضاد المعجمة اسلم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين التيمي المدني (عن عبيد) بالتصغير من غير إضافة (يعني ابن حنين) بضم الحاء المهملة وفتح النون مولى زيد بن الخطاب وسقط لفظ يعني لأبي ذر (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله وَلخد جلس على المنبر فقال): (إن عبدًا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده) في الآخرة (فاختار ما عنده) (فبكى أبو بكر وقال: فديناك) يا رسول الله (بآبائنا وأمهاتنا) قال أبو سعيد: (فعجبنا له وقال الناس): متعجبين من تفديته لأنهم لم يفهموا المناسبة بين الكلامين (انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صل* عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: ٣٧٣ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله صل* هو المخير) بفتح التحتية المشددة والنصب خبر كان ولفظ هو ضمير فصل، ولأبي ذر هو المخير بالرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو هو والجملة في موضع نصب خبر كان (وكان أبو بكر هو أعلمنا به). (وقال رسول الله ◌َ﴿ إن من أمن الناس علي) بتشديد الياء (في صحبته وماله أبا بكر) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون أي من أبذلهم وأسمحهم من منّ عليه منا لا من منّ منة إذ ليس لأحد أن يمتن على رسول الله ﴿ فهو وارد مورد الإحماد، وإذا حمل على معنى الامتنان عاد ذمًا على صاحبه، لأن المنة تهدم الصنيعة، وأبا بكر بالنصب على ما لا يخفى (ولو كنت متخذًا خليلاً من أمتي) أرجع إليه في المهمات وأعتمد عليه في الحاجات (لاتخذت أبا بكر) خليلاً ولكن ملجئي واعتمادي في جميع الأحوال إلى الله تعالى (إلا) بالتشديد (خلة الإسلام) استدراك عن مضمون الجملة الشرطية وفحواها كأنه قال: ليس بيني وبينه خلة ولكن أخوة الإسلام نفى الخلة المنبئة عن الحاجة وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة (لا يبقين) بفتح التحتية وسكون الموحدة وفتح القاف والتحتية وتشديد النون (في المسجد خوخة) بمعجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة باب صغير وكانوا قد فتحوا أبوابًا في ديارهم إلى المسجد فأمر رسول الله وَ ل# بسدها كلها (إلا خوخة أبي بكر) تكريمًا له وتنبيهًا على أنه الخليفة بعده، أو المراد المجاز فهو كناية عن الخلافة وسد أبواب المقالة دون التطرق، ورجحه الطيبي محتجًا بأنه لم يصح عنده أن أبا بكر رضي الله عنه كان له بيت بجنب المسجد وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة. وهذا الحديث مرّ في كتاب الصلاة وغيره. ٣٩٠٥ - هذّثنا يحيى بنُ بكيرِ حدَّثنا الليثُ عن عُقَيلٍ قال ابنُ شهابٍ: فأخبرني عروةُ بن الزُّبير أن عائشةَ رضي اللَّهُ عنها زوجَ النبيِّ وَ﴿ قالت: ((لم أعقلْ أبوَيَّ قطُ إلاّ وهُما يَدِينان الدِّين، ولم يمرّ علينا يومّ إلاّ يأتينا فيه رسولُ اللَّهِ وَخَ طِرَفي النهارِ: بُكرةً وعَشِية. فلمّا ابتُلِيَ المسلمون، خرَجَ أبو بكرٍ مهاجرًا نحوَ أرض الحبشة حتى بلغَ بَرْكَ الغِماد لَقِيَهُ ابن الدَّغِنة - وهو سيِّدُ القارة - فقال: أين تُريدُ يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجَني قومي فأريدُ أن أَسِيحَ في الأرضِ وأعبُدَ ربي، قال ابنُ الدَّغِنة: فإن مِثْلَكَ يا أبا بكر لا يَخرُجُ ولا يُخرَج، إنك تَكسِبُ المعدوم، وتَصِل الرحم، وتَحمِلُ الكُلّ، وتَقيِ الضَّيف، وتُعين على نوائبِ الحقّ. فأنا لك جار. ارجع واعبُدْ ربّكَ ببلدك. فرجعَ، وارتحلَ معهُ ابنُ الدَّغنة، فطافَ ابنُ الدَّغِنَّةِ عَشِيَّةً في أشراف قريشٍ فقال لهم: إن أبا بكرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلَهُ ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجُونَ رجلاً يَكسِبُ المعدومِ، ويَصِلُ الرَّحِمِ، ويَحمِلُ الكُلّ ويَقري الضيف، ويَعينُ على نوَائبِ الحقّ؟ فلم تكذّبْ قُريشٌ بجوارِ ابنِ الدَّغِنة، وقالوا لابنِ الدغنة: مز أبا بكرٍ فَلْيَعْبُد ربَّهُ في دارهِ، فَلْيُصَلِّ فيها وليَقْرَأْ ما شاءَ؛ ولا يؤذِينا بذلك ولا يَستعلِنْ به، فإنا نخشى أن يَفيِّنَ نِساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابنُ الدَّغنةِ لأبي بكرٍ، ٣٧٤ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ فَلَبِثَ أبو بكرٍ لذلكَ يَعْبُدُ ربهُ في دارهِ ولا يَستعلِنُ بصلاتهِ ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتَنى مَسجدًا بفِناءِ دارهِ وكان يُصلِّي فيه ويقرأ القرآن فيتقذَّفُ عليه نساء المشركينَ وأبناؤُهم وهم يعجَبونَ منه وينظُرونَ إليه. وكان أبو بكرٍ رجُلاً بكّاءٌ لا يملِكُ عينيهِ إذا قرأ القرآنَ؛ فأفزَعَ ذلكَ أشرافَ قريشٍ منَ المشركين، فأرسَلوا إلى ابنِ الدغنة، فَقَدِمَ عليهم، فقالوا: إنّا كنّا أجَرنا أبا بكرٍ بجِوارِك على أن يعبُدَ ربهُ في داره، فقد جاوَزَ ذلك فابتَنى مسجدًا بفِناءِ دارهِ فأعلنَ بالصلاةِ والقراءةِ فيه، وإنّا قد خشينا أن يفتِّنَ نساءنا وأبناءنا، فانهَهُ؛ فإن أحبَّ أن يقتَصِرَ على أن يعبُدَ ربهُ في داره فعلَ، وإن أبى إلاّ أن يُعلِنَ بذلك فسَلْهُ أن يُرُدَّ إليكَ ذِمتَكَ، فإنّا قد كرِهنا أن نُخْفِرَك، ولسنا بمقرِّينَ لأبي بكرٍ الاستِعلان. قالت عائشة: فأتى ابنُ الدَّغنةِ إلى أبي بكرٍ فقال: قد علمتَ الذي عاقَدْتُ لك عليه، فإمّا أن تَقتَصِرَ على ذلك وإما أن تَرْجعَ إليَّ ذِمتي، فإني لا أحبُّ أن تَسمِعَ العربُ أني أخفرتُ في رجلٍ عقدتُ له. فقال أبو بكر: فإني أرُدُّ إليك جِوارَك، وأرضى بجوار اللَّهِ عزَّ وجلَّ. والنبيِّ وَ ﴿ يومئذٍ بمكة. فقال النبيِّ ◌َّ للمسلمين: إني أُرِيتُ دارَ هجرتكم ذاتَ نخلٍ بينَ لابَتَين، وهما الحرَّتان. فهاجَر مَن هاجرَ قِبَلَ المدينة، ورجعَ عامةُ من كان هاجرَ بأرضِ الحبشة إلى المدينة، وتجهّزَ أبو بكرٍ قِبَلَ المدينة، فقال له رسولُ اللَّهِ وَّى: على رِسْلِك، فإني أرجو أن يُؤْذّنَ لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبسَ أبو بكرٍ نفسَهُ على رسولِ اللَّهِ وَ لِيَصحبَه، وعلفَ راحلتين كانتا عندَه ورقَ السَّمُر - وهو الْخَبَط - أربعةً أشهر. قال ابنُ شِهابٍ قال عروةُ: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جُلوسٌ في بيت أبي بكر في الظهيرة قال قائلٌ لأبي بكر هذا رسول اللَّهِ وَلَ﴿ متقنعًا . في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها . فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي، واللَّهِ ما جاءَ به في هذه الساعة إلاّ أمر. قالت: فجاء رسولُ اللَّهِ ﴿ فاستأذنَ، فأذِنَ له، فدخل. فقال النبيِّ وَّر لأبي بكرٍ: أخرِج مَن عندَك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلُك بأبي أنتَ يا رسولَ اللَّه، قال: فإني قد أُذِنَ لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول اللَّه. قال رسولُ اللَّه وَّر: نعم، قال أبو بكر: فخُذ بأبي أنت يا رسول اللَّه إحدَى راحلتيّ هاتين. قال رسولُ اللَّه ◌َّر: بالثمن، قالت عائشة: فجھَّزناهما أحثّ الجِهاز، وصَنَعْنا لَهُما سُفرةُ في جِرابٍ، فقطَعَت أسماء بنت أبي بكرٍ قِطعةً من نِطاقها فربطَت به على فم الجراب، فبذلكَ سُميت ذات النطاق. قالت: ثمَّ لحقَ رسولُ اللَّهِ وَّل وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور، فكّمنا فيه ثلاثَ ليال، يبيتُ عندَهما عبدُ اللَّه بنُ أبي بكر وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفْ لَقِن، فيُدلجُ مِن عندهما بسَحَر، فيُصبح معَ قريشٍ بمكةَ كبائتٍ، فلا يَسمعُ أمرًا يُكتادانِ بهِ إلاّ وَعاهُ حتى يأتيَهما بخبر ذُلك حينَ يَختلطُ الظلام، ويرعى عليهما عامرُ بن فُهَيرةً مَولى أبي بكر مِنحةً من غَنَم فيُريحها عليهما حينَ تذهبُ ساعةٌ منَ العِشاءِ فيبيتانِ في رِسلٍ - وهو ٣٧٥ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ لَبنُ مِنحتِهما ورَضيفِهما - حتى ينعِقَ بها عامرُ بنُ فهيرة بغَلَسٍ، يفعلُ ذُلكَ في كلِّ ليلةٍ من تلكَ الليالي الثلاث. واستأجرَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ وأبو بكر رجُلاً من بني الدِّيل، وهو من بني عبدِ بن عدِيٍ هاديًا خِرِيتًا - والخرِّيتُ الماهرُ بالهداية - قد غَمسَ حِلفًا في آل العاصِ بن وائل السهميّ، وهو على دين كفار قريش، فأمِناهُ، فدَفَعا إليهِ راحِلَتيهما، وواعداهُ غارَ ثَورٍ بعدَ ثلاثٍ ليال براحِلَتَيهما صُبحَ ثلاث، وانطلقَ معهما عامرُ بنُ فَهيرةَ والدَّليل، فأخذَ بهم طريقَ السواحل)). وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي ونسبه لجده (قال: حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد أنه قال: (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (فأخبرني) بالتوحيد (عروة بن الزبير رضي الله عنه أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َ﴾) أنها (قالت: لم أعقل أبوي) بكسر القاف وتشديد ياء أبوي أي أبا بكر وأم رومان (قط إلاّ وهما يدينان الدين) بكسر الدال أي دين الإسلام (ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﴿ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون) بأذى الكفار من قريش بحصرهم بني هاشم والمطلب في شعب أبي طالب وأذن وّلهم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة (خرج أبو بكر) رضي الله عنه حال كونه (مهاجرًا نحو أرض الحبشة) ليلحق من سبقه من المسلمين ممن هاجر إليها (حتى بلغ) ولأبي ذر: حتى إذا بلغ (برك الغماد) بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها كاف. والغماد بكسر الغين المعجمة وتخفيف الميم وبعد الألف دال مهملة موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن، ولأبي ذر برك بكسر الموحدة (لقيه ابن الدغنة) بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون. وقال الأصيلي: قرأه لنا المروزي بفتح الغين ولأبي ذر في اليونينية بضم الدال، وله أيضًا فيها ابن الدغنة بضم الدال والغين وتشديد النون ونسبت هذه لكن بزيادة أداة التعريف لأهل اللغة والأولى للرواة وهو اسم أمه، واسمه الحرث بن يزيد كما عند البلاذري من طريق الواقدي عن معمر عن الزهري وليس هو ربيعة بن رفيع، ووهم الكرماني قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله. (وهو سيد القارة) بالقاف وتخفيف الراء قبيلة مشهورة من بني الهون بالضم والتخفيف ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر (فقال) له: (أين تريد يا أبا بكر؟ فقال) له (أبو بكر أخرجني قومي) أي تسببوا في إخراجي قريش (فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي) بهمزة مفتوحة فسين مكسورة وحاء مهملتين بينهما تحتية ساكنة ولم يذكر له وجه مقصده لأنه كان كافرًا (فقال) له: (ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج) بفتح أوله وضم ثالثه من الخزرج (ولا يخرج) بضم ثم فتح من الإخراج (إنك) وللمستملي والكشميهني أنت (تكسب المعدوم) بفتح تاء تكسب أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، ولأبي ذر: عن الكشميهني المعدم بضم الميم وكسر الدال من غير واو (وتصل الرحم) أي القرابة (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الذي لا يستقل بأمره أو الثقل (وتقري الضيف) بفتح الفوقية من الثلاثي (وتعين على نوائب الحق) أي حوادثه فوصفه ٣٧٦ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ بمثل ما وصفت خديجة رضي الله عنها به النبي وَل ﴿ وهو يدل على اشتهار أبي بكر رضي الله عنه بالصفات البالغة أنواع الكمال (فأنا لك جار) أي مجير أمنع من يؤذيك (ارجع) ولأبي ذر فارجع (واعبد ربك ببلدك) مكة (فرجع) أبو بكر رضي الله عنه (وارتحل معه ابن الدغنة) إلى مكة (فطاف ابن الدفنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله) من وطنه باختياره على نية الإقامة مع ما فيه من النفع المتعدي لأهل بلده (ولا يخرج) بضم أوله وفتح ثالثه لا يخرجه أحد بغير اختياره لما ذكر (أتخرجون رجلاً) استفهام إنكاري (يكسب المعدوم) وللكشميهني المعدم (ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة) بكسر الجيم أي لم ترد عليه قوله في جوار أبي بكر رضي الله عنه فأطلق التكذيب وأراد لازمه لأن كل من كذبك فقد ردّ قولك (وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد) عطف على محذوف تقديره: مر أبا بكر لا يتعرض إلى شيء وليعبد من جاء له فليعبد (ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك) الذي يقرأه ويتعبد به (ولا يستعلن به) بل يخفيه (فإنا نخشى أن يفتن) بكسر التاء بذلك (نساءنا وأبناءنا فقال ذلك) القول الذي قالوه (ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك) أي مكث على ما شرطوا عليه (يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ولم يقع لي قدر زمان المدة التي أقام فيها أبو بكر رضي الله عنه على ذلك (ثم بدا لأبي بكر) رضي الله عنه أي ظهر له رأي غير الرأي الأول (فابتنى مسجدًا بفناء داره) بكسر الفاء والمد أي أمامها (وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن) كله أو بعضه (فيتقذف) بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مفتوحة فذال معجمة مكسورة بعدها فاء كذا للمروزي والمستملي وعند غيرهما من شيوخ أبي ذر فيتقذف بالتاء الفوقية بدل النون وتشديد المعجمة المفتوحة بوزن يتفعل أي يتدافعون على أبي بكر رضي الله عنه فيقذف بعضهم بعضًا فيتساقطون عليه، ويروى فيتقصف بالصاد المهملة أي يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر. قال الخطابي: وهو المحفوظ، وللكشميهني كما في الفتح وعزاها في اليونينية للجرجاني فيتقصف بنون ساكنة بدل الفوقية وكسر الصاد أي يسقط (عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكاء) بتشديد الكاف كثير البكاء رضي الله تعالى عنه (لا يملك عينيه) من رقة قلبه (إذا قرأ القرآن) إذا ظرفية والعامل فيه لا يملك أو شرطية والجزاء مقدر أي إذا قرأ القرآن لا يملك عينيه (فأفزع ذلك) أي أخاف ما فعله أبو بكر من صلاته وقراءته (أشراف قريش من المشركين) على نسائهم وأبنائهم أن يميلوا إلى الإسلام لما يعلمون من رقة قلوبهم (فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم) أي على أشراف قريش من المشركين، ولأبي ذر عن الكشميهني: فقدم عليه أي على أبي بكر رضي الله عنه (فقالوا): أي كفار قريش (إنا كنا أجرنا) بهمزة مقصورة فجيم فراء مهملة (أبا بكر بجوارك) أي بسبب جوارك، وللقابسي أجزنا بالزاي أي أبحنا. قال في الفتح: والأول أوجه (على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة ٣٧٧ کتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ فيه وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا) بفتح التحتية وكسر الفوقية ونصب التالي على المفعولية ولغير أبي ذر: يفتن بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول فالتالي رفع (فاتهمه) بهمزة وصل عن ذلك (فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى) امتنع (إلا أن يعلن بذلك فسله) بفتح السين وسكون اللام من غير همز (أن يرد إليك ذمتك) أي أمانك له (فإنا قد كرهنا أن نخفرك) بضم النون وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء رباعي من الإخفار أي ننقض عهدك (ولسنا مقرين) ولأبي ذر بمقرين (لأبي بكر الاستعلان) خوفًا على نسائنا وأبنائنا. (قالت عائشة): رضي الله عنها بالسند السابق (فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر) رضي الله عنه (فقال) له: (قد علمت الذي عاقدت لك عليه) بتاء المتكلم (فإما أن تقتصر على ذلك) الذي عاقدت لك عليه (وإما أن ترجع إلي) بتشديد الياء (ذمتي) عهدي (فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت) بضم أوله وكسر ثالثه (في رجل عقدت له فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل) أي بحمايته (والنبي ◌َّلي يومئذ بمكة) جملة حالية (فقال النبي وَل للمسلمين): (إني أريت) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين) تثنية لابة بتخفيف الموحدة قال الزهري: (وهما الحرتان) بالحاء المهملة وتشديد الراء حجارة سود (فهاجر من هاجر قبل المدينة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها (ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها (ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة) لما سمعوا استيطان المسلمين بها (وتجهز أبو بكر) رضي الله عنه (قبل المدينة) أي يريد جهة المدينة (فقال رسول الله وَّر على رسلك) بكسر الراء وسكون السين المهملة على مهلك ولابن حبان فقال: اصبر (فإني أرجو أن يؤذن لي) في الهجرة (فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك؟) أي الإذن (بأبي أنت) زاد الكشميهني وأمي (قال) عليه الصلاة والسلام (نعم) أرجوه (فحبس) أي منع (أبو بكر نفسه) من الهجرة (على رسول الله وَلي) أي لأجله (ليصحبه) في الهجرة (وعلف) أبو بكر رضي الله عنه (راحلتين) تثنية راحلة من الإبل القوي على السير وحمل الأثقال (كانتا عنده ورق السمر) بفتح السين المهملة وضم الميم. قال الزهري (وهو الخبط) بفتح الخاء المعجمة والموحدة ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر (أربعة أشهر). (قال ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (قال عروة) بن الزبير (قالت عائشة) رضي الله عنها (فبينما) بالميم (نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة) أول الزوال عند شدة الحر (قال قائل): قال في المقدمة: يحتمل أن يفسر بعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وفي الطبراني أن قائل ذلك أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها (لأبي بكر هذا رسول الله وَلاغير) حال كونه (متقنعًا) أي مغطيًا رأسه (في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء) بكسر الفاء وبالهمزة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فدى بالقصر من غير همز (له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا ٣٧٨ كتاب مناقب الآنصار/ باب ٤٥ أمر) حدث (قالت) عائشة رضي الله عنها: (فجاء رسول الله ◌َّقر فاستأذن) في الدخول (فأذن له) أبو بكر رضي الله عنه (فدخل فقال النبي ◌َّ- لأبي بكر): (أخرج من عندك) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء (فقال أبو بكر: إنما هم أهلك) يريد عائشة وأمها (بأبي أنت يا رسول الله. قال) عليه الصلاة والسلام (فإني) ولأبي ذر عن الكشميهني: فإنه (قد أذن لي في الخروج) بضم الهمزة وكسر الذال المعجمة أي إلى المدينة (فقال أبو بكر): أريد (الصحابة) وبالرفع خبر مبتدأ محذوف (بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله وَلاتر: نعم) الصحبة التي تطلبها (قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله وَير: بالثمن) أي لا آخذ إلا بالثمن، وعند الواقدي أن الثمن كان ثمانمائة وأن الراحلة هي القصواء وأنها كانت من بني قشير، وعند ابن إسحق أنها الجدعاء (قالت عائشة) رضي الله عنها (فجهزناهما أحث الجهاز) بالحاء المهملة والمثلثة أفعل تفضيل من الحث أي أسرعه، ولأبي ذر عن الكشميهني والحموي أحب بالموحدة والجهاز بفتح الجيم وكسرها ما يحتاج إليه في السفر ونحوه (وصنعنا لهما سفرة) أي زادًا (في جراب) بكسر الجيم، وعن الواقدي أنه كان في السفر شاة مطبوخة (فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها) بكسر النون ما يشد به الوسط (فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق) بالإفراد، ولأبي ذر عن الكشميهني النطاقين بالتثنية والمحفوظ أنها شقت نطاقها نصفين فشدت بأحدهما الزاد وشدت فم القربة بالآخر فسميت ذات النطاقين. (قالت) عائشة رضي الله عنها: (ثم لحق) بكسر الحاء (رسول الله وَلقر وأبو بكر بغار) بالتنوين (في جبل ثور) بالمثلثة المفتوحة وكان خروجهما من مكة يوم الخميس (فكمنا) بفتحات (فيه ثلاث ليال) وخرجا منه يوم الاثنين (يبيت) في الغار (عندهما عبد الله بن أبي بكر) الصديق رضي الله عنهما (وهو غلام شاب ثقف) بفتح المثلثة وكسر القاف وتسكن وتفتح بعدها فاء حاذق (لقن) بلام مفتوحة وبقاف مكسورة فنون سريع الفهم (فيدلج) بضم الياء وسكون الدال؛ ولأبي ذر فيدلج بتشديد الدال يخرج (من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت) بها لشدة رجوعه بغلس (فلا يسمع أمرًا يكتادان به) بضم التحتية وفوقية بعد الكاف يفتعلان من الكيد مبني للمفعول أي يطلب لهما ما فيه المكروه، ولأبي ذر عن الكشميهني يكادان بحذف الفوقية (إلا وعاه) حفظه (حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى) أي يحفظ (عليهما عامر بن فهيرة) بضم الفاء مصغرًا (مولى أبي بكر) الصديق رضي الله عنه (منحة) بكسر الميم وسكون النون وفتح المهملة شاة تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي (من غنم) كانت لأبي بكر رضي الله عنه (فيريحها) أي الشاة أو الغنم (عليهما حين تذهب ساعة من العشاء) كل ليلة فيحلبان ويشربان (فيبيتان في رسل) بكسر الراء وسكون المهملة (وهو لبن منحتهما) الطري (ورضيفهما) بفتح الراء وكسر الضاد المعجمة بعدها تحتية ساكنة ففاء مكسورة مجرور عطفًا على المضاف إليه ومرفوع عطفًا على قوله: وهو لبن وهو الموضوع فيه الحجارة المحماة لتذهب وخامته وثقله (حتى ينعق بها) بفتح أوله وكسر ثالثه المهمل أي يصيح بالغنم ويزجرها، ولأبي ذر: بهما بالتثنية أي يسمع النبي وَلـ ٣٧٩ كتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ والصدّيق رضي الله عنه صوته إذا زجر غنمه (عامر بن فهيرة بغلس) هو ظلام آخر الليل وسقط ابن فهيرة لأبي ذر. (يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث) التي أقامها فيها بالغار، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس فيصبح في رعيان الناس كبائت فلا يفطن له. (واستأجر رسول الله ﴿ وأبو بكر رجلاً) هو عبد الله بن أريقط بالقاف والطاء مصغرًا (من بني الديل) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية بعدها لام (وهو) أي الرجل الذي استؤجر (من بني عبد بن عدي) أي ابن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل من بني عدي بن عمرو (هاديًا) يهديهما إلى الطريق (خريتًا) بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة بعدها تحتية ساكنة ففوقية ونصبهما صفة لرجلاً. قال الزهري: (والخريت) هو (الماهر بالهداية) حال كونه أي الرجل الذي استؤجر (قد غمس) بغين معجمة فميم فسين مهملة مفتوحات (حلفًا) بكسر الحاء المهملة وبعد اللام الساكنة فاء (في آل العاص بن وائل السهمي) بفتح السين المهملة وسكون الهاء يعني أنه حليف لهم وآخذ بنصيب من عقدهم، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في دم أو خلوق أو شيء يكون فيه تلوين فيكون ذلك تأكيدًا للحلف (وهو) أي الرجل الذي استأجراه (على دين كفار قريش فأمناه) بفتح الهمزة المقصورة وکسر الميم أي ائتمناه (فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال) فأتاهما (براحلتيهما صبح ثلاث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل) عبد الله بن أريقط (فأخذ بهم طريق السواحل) بالسين والحاء المهملتين بينهما واو فألف أسفل من عسفان. ٣٩٠٦ - قال ابنُ شهاب: وأخبرَني عبدُ الرحمنِ بن مالك المُذلجيّ - وهو ابنُ أخي سُراقةَ بنِ مالكِ بن جُعْشُم - أنَّ أباه أخبرَهُ أنه سمعَ سُراقةً بن جُعْشُمِ يقول: ((جاءنا رُسُل كفّارِ قريشٍ يجعلونَ في رسولِ اللهِ وَله وأبي بكرٍ ديةَ كلِّ واحدٍ منهما لمَنْ قَتْلَهُ أو أسَره. فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مَجالسٍ قومي بني مُدلجِ إذ أقبلَ رجلٌ منهم حتى قام علينا ونحن جُلوس فقال: يا سُراقة، إني قد رأيتُ آنِفًا أسوِدةً بالساحلِ أراها محمدًا وأصحابُه. قال سُراقة: فعرفتُ أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنّكَ رأيتَ فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيُنِنا. ثمَّ لبِثتُ في المجلسِ ساعةً، ثمَّ قمتُ فدخلتُ فأمَرتُ جاريتي أن تخرُجَ بفرسي - وهي مِن وراءِ أُكْمةٍ - فتَحبِسَها عليّ، وأخذتُ رُمحي فخرجتُ بهِ من ظَهر البيت فخطَطْت بزُجُّهِ الأرضَ، وخَفَضْت عاليه، حتى أتيت فرَسي فركبتُها، فرفعتُها تقرّب بي، حتى دَنَوتُ منهم، فعَثَرَتْ بي فرسي، فخرَرتُ عنها، فقُمتُ فأهوَيتُ يدي إلى كِنانتي فاستخرجتُ منها الأزلامَ، فاستَقْسَمت بها: أضرُهم أم لا؟ فخرَجَ الذي أُكرَهُ، فركبتُ فرسي - وعصيتُ الأزلامَ . تقرّب بي، حتى إذا سمعتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّهِ وَهِ وهو لا يَلتَفِتُ، وأبو بكرٍ يُكثرُ الالتِفاتَ، ساخَتْ يَدا فَرَسي في الأرض حتى بَلغَتا الرُّكبتَين. فخَرَرتُ عنها، ثمَّ زَجَرتها، فنَهضَتْ فلم تكّد تُخرِجُ يدَيها، فلما استوتْ قائمةٌ إذا لأثر يدَيها عُثانٌ ساطِعْ في السماءِ مثلُ الدُّخان، ٣٨٠ کتاب مناقب الأنصار/ باب ٤٥ فاستقسمتُ بالأزلام فخرجَ الذي أُكرَهُ. فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فرکِبتُ فرسي حتى جئتهم. ووقعَ في نفسي حين لَقيتُ ما لقيتُ منَ الحبسِ عنهم أن سيَظهَر أمرُ رسولِ اللَّهِ وَِّ، فقلتُ له: إنَّ قومَكَ قد جعلوا فيكَ الدِّيّةَ. وأخبرتهم أخبار ما يُرِيدُ الناسُ بهم، وعرَضتُ عليهم الزادَ والمَتَاعَ، فلم يَرْزَآني، ولم يَسألاني إلا أن قال: أخفِ عنّا. فسألتهُ أن يَكتُبَ لي كتابَ أمنٍ، فأمرَ عامرَ بنَ فُهَيرةَ فكتبَ في رُقعةٍ من آدم، ثمَّ مضى رسولُ اللَّهِ وَلِ». قال ابنُ شهاب: فأخبرَني ◌ُروةُ بن الزُّبِيرِ ((أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَقِيَ الزُّبَيرَ في ركبٍ منَ المسلمين كانوا تِجَارًا قافِلينَ من الشام، فكسا الزَّبِيرُ سولَ اللَّهِ وَهِ وأبا بكرٍ ثيابَ بَياض. وسمِعَ المسلمون بالمدينةِ مَخرَج رسولِ اللَّهِ وَله من مكةَ، فكانوا يَغدونَ كلَّ غدَاةٍ إلى الحرّةِ فِيَنتظِرونه، حتى يَردِّهم حرُّ الظهيرَةِ، فانقلَبوا يومًا بعدَما أطالوا انتِظارَهم، فلما أوَوا إلى بيوتهم أوفى رجلٌ من يهودَ على أطُمٍ من آطامِهم لأمرٍ يَنظرُ إليه، فبصُرَ برسول اللَّهِ وأصحابهِ مُبيَّضين يَزِولُ بهم السَّرابُ، فلم يملِكِ اليهوديُّ أن قال بأعلى صَوتِهِ: يا معاشِرَ العرب، هذا جَدْكم الذي تنتظرون. فثارَ المسلمون إلى السلاحِ، فَتَلقّوا رسولَ اللَّهِ وَّهِ بظهرِ الحَرَّة، فعدَلَ بهم ذاتَ الْيَمينِ حتى نزلَ بهم في بني عمرو بن عوف، وذلكَ يومَ الاثنين من شهرٍ ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلسَ رسولُ اللَّهِ وَ﴿ صامِتًا، فطَفِقَ من جاء منَ الأنصارِ - ممن لم يَرَ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ه - يُحيِّي أبا بكر، حتى أصابتِ الشمس رسولَ اللّهُ وَّهِ، فَأقبَلَ أبو بكرٍ حتى ظلّلَ عليه برِدائِهِ، فعرَفَ الناسُ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ِ عندَ ذُلك؛ فَلَبِثَ رسولُ اللَّهِ وَلّ في بني عمرو بن غَوف بضعَ عشرةَ ليلة، وأُسْسَ المسجدُ الذي أسّسَ على التقوى، وصلَّى فيه رسولُ اللَّهِ وَّر. ثمَّ ركبَ راحلتَهُ، فسارَ يمشي معه الناسُ، حتى برَكّتْ عندَ مسجدِ الرسولِوَ * بالمدينة، وهو يُصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ منَ المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمرِ لسهيلٍ وسهل غلامَين يَتیمین في حَجْرٍ أسْعَد بن زرارةَ، فقال رسولُ اللَّهِ وَ﴿ حين بَركت به راحلته: هذا إن شاء اللَّهُ المنزِل. ثمَّ دعا رسولُ اللَّهِ وَ﴿ِ الْغُلاَمين فساوَمَهما بالمِرْبَدِ لينَّخِذَهُ مسجدًا، فقالا: لا، بل نهَبُهُ لك يا رسولَ اللَّه، فأبى رسولُ اللَّهِ وَ﴿ أن يقبله منهما هِبةً حتى ابتاعَهُ منهما، ثمَّ بناهُ مسجدًا، وطَفِقَ رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ ينقلُ معَهُمُ اللبِنَ في بنيانِهِ ويقول - وهوَ ينقلُ اللبن : - هذا الجِمالُ لاحِمال خَيبز هذا أبرُّربنا وأطهر ويقول : اللهم إن الأجرَ أجرُ الآخرَة فارحم الأنصارَ والمهاجِرَة