Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
کتاب مناقب الأنصار/ باب ١٦
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن منصور الكوسج المروزي قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن
عبد الوارث التنوري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدَّثنا قتادة) بن دعامة (قال: سمعت
أنس بن مالك رضي الله عنه) يقول (قال أبو أسيد): بضم الهمزة وفتح السين مالك بن ربيعة
الساعدي (قال رسول الله (وَ ﴾):
(خير دور الأنصار) أي قبائلهم فهو من باب إطلاق المحل وإرادة الحال (بني) أي دور بني
كذا في الفرع بني بالياء وفي اليونينية وغيرها بنو (النجار) بالجيم من الخزرج (ثم بنو عبد الأشهل)
بالشين المعجمة من الأوس (ثم بنو الحرث بن الخزرج ثم بنو ساعدة) من الخزرج (وفي كل دور
الأنصار خير) وإن تفاوتت مراتبه فخير الأولى بمعنى أفعل التفضيل وهذه الأخيرة اسم (فقال
سعد بن عبادة وكان ذا قدم في الإسلام): بكسر القاف وضبطه القابسي بفتحها ولكل وجه
صحيح كما لا يخفى (أرى رسول الله ◌َ ﴿ قد فضّل علينا) بعض القبائل (فقيل له: قد فضلكم)
عليه الصلاة والسلام (على ناس كثير) من قبائل الأنصار غير المذكورين.
هذا الحدیث سبق قريبًا.
١٦ - باب مَناقب أَبَيِّ بن كعبٍ رضيَ اللَّهُ عنه
(باب مناقب أبي بن كعب) بضم الهمزة ثم فتح فتشديد ابن قيس بن عبيد بن زيد بن
معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، واسمه تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر
الأنصاري الخزرجي النجاري شهد العقبة وبدرًا وكان عمر يقول: أبي سيد المسلمين، وتوفي سنة
ثلاثين (رضي الله عنه) وسقط لفظ باب لأبي ذر فقوله مناقب مرفوع.
٣٨٠٨ - حدّثنا أبو الوليدِ حدَّثَنا شُعبةُ عن عمرو بن مُرَّةَ عن إبراهيمَ عن مَسروقٍ قال:
(ذُكرَ عبدُ اللَّهِ بن مسعودٍ عندَ عبد الله بن عمرٍو فقال: ذاكَ رَجُلٌ لا أزالُ أُحبُّه، سمعتُ
النبيِّ وَّ يقول: ((خُذوا القرآنَ من أربعةٍ، من عبدِ الله بن مسعودٍ - فبدَأ به - وسالمٍ مَولى أبي
حُذيفةَ، ومُعاذٍ بِن جَبَلٍ، وأبيٍّ بن كعبٍ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج
(عن عمرو بن مرة) الجملي (عن إبراهيم) النخعي (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: ذكر)
بضم المعجمة مبنيًا للمفعول (عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاصي
(فقال: ذاك رجل لا أزال أحبه سمعت النبي) وفي مناقب سالم لا أزال أحبه بعدما سمعت
رسول الله (َا﴾ بقول):
(خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود فبدأ به و) من (سالم مولى) امرأة (أبي
حذيفة) بن عتبة الأنصارية وكان أبو حذيفة تبناه لما تزوج بها فنسب إليه (و) من (معاذ بن جبل

٢٨٢
كتاب مناقب الأنصار/ باب ١٧
و) من (أبي بن كعب). وفي الترمذي مرفوعًا (وأقرؤهم أبي بن كعب) وقال أبو عمر: قال
محمد بن سعد عن الواقدي: أول من كتب لرسول الله وَ ل﴿ مقدمه المدينة أبي بن كعب، وهو أول
من كتب في آخر الكتاب وکتبه فلان بن فلان.
٣٨٠٩ - حقثني محمدُ بن بَشارِ حدَّثنا غُندَرٌ قال: سمعتُ شُعبةَ سمعتُ قَتادةً عن أنسٍ بن
مالكٍ رضيَ الله عنه ((قال النبيُّ وَّهِ لأبيّ: إِنَّ اللَّهَ أمرَني أن أقرأَ عليك: ﴿لم يَكُنِ الذينَ كفروا
من أهلِ الكتاب﴾ [البينة: ١] قال: وسمّاني؟ قال: نعم. فبكى)). [الحديث ٣٨٠٩ - أطرافه في:
٤٩٥٩، ٤٩٧٠، ٤٩٦١].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة ثم المعجمة المشددة بندار العبدي قال:
(حدّثنا غندر) محمد بن جعفر (قال: سمعت شعبة) بن الحجاج يقول: (سمعت قتادة) بن دعامة
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه) يقول: (قال النبي وَلجر لأبي) هو ابن كعب (إن الله) عز وجل
(أمرني أن أقرأ عليك) سورة ((لم يكن الذين كفروا﴾) [البينة: ١] زاد أبو ذر ﴿من أهل الكتاب﴾
قراءة إبلاغ وإنذار لا قراءة تعلم واستذكار (قال) أبي: (وسماني) الله لك يا رسول الله (قال) عليه
الصلاة والسلام: (نعم) سماك لي. وعند الطبراني من وجه آخر عن أبي بن كعب قال: ((نعم
باسمك ونسبك في الملأ الأعلى».
(قال) أنس رضي الله عنه: (فبكى) أبي فرحًا وسرورًا أو خوفًا أن لا يقوم بشكر تلك
النعمة، وإنما استفسره بقوله: وسماني لأنه جوز أن يكون أمره أن يقرأ على رجل من أمته غير
معين فاخترتني أنت. وقال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما احتوت عليه من التوحيد
والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان أهل
الجنة والنار مع وجازتها .
وهذا الحديث ذكره المؤلف في الفضائل والتفسير والترمذي والنسائي في المناقب.
١٧ - باب مَناقبٍ زيد بن ثابتٍ رضيَ اللَّهُ عنه
(باب مناقب زيد بن ثابت) بالمثلثة ابن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن
عوف بن غنم بن مالك بن النجاري الأنصاري الخزرجي ثم النجاري، وكان عمره لما قدم
النبي ◌ّل* المدينة إحدى عشرة سنة وكان أعلم الصحابة بالفرائض، ومن أعلم الصحابة والراسخين
في العلم، ومن أفكه الناس إذا خلا مع أهله، وتوفي سنة خمس وأربعين، وصلى عليه مروان بن
الحكم وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨١٠ - هاني محمدُ بن بشارٍ حدِّثنا يحيى حدَّثنا شعبةُ عن قتادةَ عن أنسٍ رضي اللَّهُ
عنه ((جَمعَ القرآنَ على عهدِ النبيِّ وََّ أربعةٌ كلُّهم منَ الأنصار: أُبيِّ ومُعاذُ بن جبَلٍ وأبو زيدٍ

٢٨٣
كتاب مناقب الأنصار/ باب ١٨
وزيدُ بن ثابت. قلتُ لأنسٍ: مَن أبو زيدٍ؟ قال: أحدُ عُمومتي)). [الحديث ٣٨١٠- أطرافه في:
((٣٩٩٦، ٥٠٠٣، ٥٠٠٤].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بندار قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان
قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه) أنه قال: (جمع
القرآن) أي استظهره حفظًا (على عهد رسول الله وَلفر أربعة كلهم من الأنصار: أبي) هو ابن كعب
الخزرجي (ومعاذ) بن جبل الخزرجي (وأبو زيد) أوس أو ثابت بن زيد أو سعد بن عبيد بن
النعمان (وزيد بن ثابت) قال قتادة (قلت لأنس: من أبو زيد) المذكور (قال): هو (أحد عمومتي)
واسمه أوس قاله علي بن المدائني، أو ثابت بن زيد قاله ابن معين، أو هو سعد بن عبيد بن
النعمان جزم به الدارقطني، أو قيس بن السكن بن قيس بن زعورا بفتح الزاي وبالمهملة وبالراء
ابن حرام بالحاء والراء المهملتين الأنصاري النجاري قاله الواقدي، ويرجحه قول أنس: أحد
عمومتي لأنه أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بالضادين المعجمتين ابن زيد بن حرام.
فإن قلت: قد جمع القرآن غيرهم أيضًا أجيب: بأن مفهوم العدد لا ينفي الزائد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل.
١٨ - باب مَناقبٍ أبي طلحة رضيَ اللَّهُ عنه
(باب مناقب أبي طلحة) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن
عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري عقبي بدري نقيب، وأمه عبادة
بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي يجتمعان في زيد مناة وهو مشهور بكنيته، وكان زوج
أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك. وروينا عن ثابت عن أنس مما ذكره في أسد الغابة: أنه لما
خطب أم سليم قالت له: يا أبا طلحة ما مثلك يردّ لكنك امرؤ كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي
أن أتزوجك فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما
سمعت بامرأة كانت أكرم الناس مهرًا من أم سليم، توفي سنة اثنتين وثلاثين أو أربع وثلاثين.
وقال المدائني: سنة إحدى وخمسين، وقيل إنه كان لا يكاد يصوم في عهد النبي ◌َّر من أجل
الغزو فلما توفي ◌ّلي صام أربعين سنة لم يفطر إلا أيام العيد، وهو يؤيد قول من قال: إنه توفي
سنة إحدى وخمسين (رضي الله عنه) وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨١١ - حدثنا أبو مَعْمرِ حدَّثنا عبدُ الوارثِ حدَّثَنا عبدُ العزيز عن أنسٍ رضيَ اللَّه عنه
قال: ((لما كان يومُ أُحُدٍ انهزَم الناسُ عن النبيِّ وَِّ، وأبو طَلحةَ بينَ يدي النبيِّ وَلَّ مُجوّبٌ به
عليه بحَجَفة له، وكان أبو طلحةَ رجُلاً راميًا شديدَ القِدْ يَكسِرُ يومَئذٍ قوسين أو ثلاثًا، وكان
الرجُلُ يَمرُّ الجُعْبة منَ النَّبلِ، فيقول: انتُرْها لأبي طلحةً، فأشرَفَ النبيُّ ◌َّهِ يَنظرُ إلى القوم،

٢٨٤
کتاب مناقب الأنصار/ باب ١٨
فيقولُ أبو طلحةً: يا نبيَّ الله، بأبي أنت وأمي، لا تُشرِفْ يُصيبُكَ سهمٌ من سِهامِ القوم، نَحرِي
دونَ نحرِك. ولقد رأيتُ عائشةً بنتَ أبي بكرٍ وأمَّ سُلَيم وإنهما لمشمِّرَتانِ أَرَى خَدَمَ سوقِهما
تُنقِزانِ القِرَبَ على مُتونِهما، تُفِرغانهِ في أفواهِ القوم، ثمَّ تَرجعانِ فتَملآنِها، ثمَّ تجيئانِ فتُفرِغانِ
في أفواهِ القوم. ولقد وَقَعَ السيفُ من يدِ أبي طلحةً إما مرَّتَين وإما ثلاثًا)).
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو بفتح
العين ابن أبي الحجاج ميسرة المقعد التميمي المنقري مولاهم البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن
سعيد التنوري قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: لما كان
يوم) وقعة (أحد انهزم الناس عن النبي وَلاغير وأبو طلحة بين يدي النبي (وَ﴿) الواو في وأبو طلحة
للحال وهو مبتدأ خبره (مجوب) بفتح الميم وضم الجيم وسكون الواو أو بضم الميم وفتح الجيم
وكسر الواو مشددة آخره موحدة فيهما وكلاهما في الفرع وأصله أي مترس (به عليه) زاده الله
شرفًا لديه (بحجفة) بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء بترس (له) من جلد لا خشب فيه وقوله
بحجفة متعلق بقوله مجوب كما لا يخفى. (وكان أبو طلحة رجلاً راميًا) بالقوس (شديد القد)
بإضافة شديد إلى القدّ بكسر القاف وتشديد الدال وهو السير من جلد لم يدبغ أي شديد وتر
القوس في النزع والمد. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وبهذا جزم الخطابي وتبعه ابن التين اهـ.
وعبارة الخطابي فيما ذكره الكرماني ويحتمل أن تكون الرواية القد بالكسر ويراد به وتر
القوس .
قال الزركشي: ولذا أتبعه بقوله: (يكسر يومئذٍ قوسين) بتحتية مفتوحة فكاف ساكنة
وقوسين نصب على المفعولية (أو ثلاثًا) بالنصب عطفًا عليه من شدته، والذي في اليونينية وعزاها
في الفتح للأكثر شديدًا بالنصب لقد بلام التأكيد، وكلمة قد للتحقيق. والذي في فرع اليونينية
شديد بنصبة واحدة على الدال وكشط الأخرى القد بنصبة على القاف وكشط فوق الدال واللام ولم
يضبطهما، وضبب على قوله يكسر، وفي الهامش كاليونينية عن الكشميهني في رواية أبي ذر عنه
تكسر بفوقية مفتوحة فكاف مفتوحة وتشديد المهملة المفتوحة تفعل ليدل على كثرة الكسر يومئذٍ.
قوسان رفع فاعل تكسر أو ثلاث رفع أيضًا عطفًا على سابقه. وقال في الفتح: وروي شدید المد
بالميم المفتوحة بدل القاف وتشديد الدال، وقال الكرماني: وتبعه البرماوي وفي بعضها اليد أي
بالتحتية بدل القاف.
(وكان الرجل يمر) بأبي طلحة (ومعه الجعبة) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الكنانة (من
النبل) بفتح النون وسكون الموحدة السهام (فيقول) النبي وَلّى:
(انشرها) بنون ساكنة فمعجمة مضمومة ولأبي ذر عن الكشميهني انثرها بالمثلثة بدل الشين
المعجمة (لأبي طلحة) ليرمي بها (فأشرف النبي وَ ي) أي اطلع من فوق حال كونه (ينظر إلى القوم)

٢٨٥
کتاب مناقب الأنصار/ باب ١٩
وهم يرمون (فيقول) له (أبو طلحة: يا نبي الله) أفديك (بأبي أنت وأمي لا تشرف) بالشين المعجمة
والجزم على النهي أي لا تطلع (يصيبك) رفع أي لا تشرف فإنه يصيبك (سهم من سهام القوم)
من الأعداء. ولأبي ذر يصبك بالجزم جواب النهي، لكن قال القاضي عياض: والأول هو
الصواب والثاني خطأ، وقلب للمعنى. وتعقبه في المصابيح فقال بل الثاني صواب على رأي
الكسائي المشهور، وهو أنه أجاز لا تكفر تدخل النار، ولا تدن من الأسد يأكلك بالجزم إذ من
الواضح البين أن معنى الأول لا تكفر فإنك إن تكفر تدخل النار، وأن معنى الثاني لا تدن من
الأسد فإنك إن تدن منه يأكلك، والجماعة إنما يقدرون فعل الشرط منفيًا فلذلك لا يصح عندهم
التركيب المذكور، لكن لم يصل الأمر فيه إلى حد إذا وجدنا رواية صحيحة تتخرج على رأي إمام
من إئمة العربية جليل المكانة نطرح الرواية ونقطع بخطئها اعتمادًا على مذهب المخالفين هذا أمر لا
يقتضيه الإنصاف (نحري دون نحرك) قال الكرماني: النحر الصدر أي صدري عند صدرك أي
أقف أنا بحيث يكون صدري كالترس لصدرك اهـ.
قال أنس: (ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر و) أمي (أم سليم) زوج أبي طلحة رضي الله
عنهم (وإنهما لمشمرتان) بكسر الميم مع التثنية أثوابهما (أرى) بفتح الهمزة أبصر (خدم سوقهما)
بضم السين جمع ساق مجرور بإضافة خدم إليه وهو بفتح الخاء المعجمة وبالدال المهملة جمع الخدمة
وهي الخلخال أو أصل الساق، وكان قبل نزول الحجاب حال كونهما (تنقزان القرب) بفتح الفوقية
وسكون النون وضم القاف وبعد الزاي ألف فنون أي تثبان وتقفزان من سرعة السير والقرب
نصب، واستبعد لأن تنقز غير متعد وأوله بعضهم على نزع الخافض أي يثبان بالقرب، وضبطه في
الفرع وأصله تنقزان أيضًا بضم حرف المضارعة وكسر القاف من أنقز فعداه بالهمزة فيصح على
هذا نصب القرب، وللكشميهني تنقلان باللام بدل الزاي، وفي المصابيح أن القرب مفعول باسم
فاعل منصوب على الحال محذوف أي تنقزان جاعلتين القرب (على متونهما) ظهورهما (تفرغانه)
بضم حرف المضارعة أي الماء (في أفواه القوم) من المسلمين (ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان
فتفرغانها) كذا في الفرع بالتأنيث وفي أصله تفرغانه (في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي
أبي طلحة) بتثنية يدي ولأبي ذر: من يد بالإفراد (إما مرتين وإما ثلاثًا) زاد مسلم في روايته من
النعاس.
وعند المؤلف في المغازي في باب إذ تصعدون عن أبي طلحة أنه قال: كنت فيمن تغشاه
النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه.
ورجال حديث الباب كلهم بصريون، وسبق في الجهاد، وذكره أيضًا في غزوة أحد.
١٩ - باب مناقبٍ عبدِ الله بن سَلام رضيَ اللَّهُ عنه
(باب مناقب عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام ابن الحرث الإسرائيلي ثم الأنصاري كان

٢٨٦
کتاب مناقب الأنصار/ باب ١٩
حليفًا لهم من بني قينقاع، وهو من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام، وكان اسمه في
الجاهلية الحصين فسماه النبي وَلقر حين أسلم عبد الله، وكان إسلامه لما قدم النبي وَّ المدينة
مهاجرًا. وفي الترمذي أن رسول الله وَّر قال: ((إنه عاشر عشرة في الجنة)) وتوفي عبد الله سنة
ثلاث وأربعين (رضي الله عنه) وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨١٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن يوسفَ قال سمعتُ مالكًا يُحدِّثُ عن أبي النَّضر مولى
عمر بن عُبيدِ اللَّه عن عامِر بن سعد بن أبي وقاصٍ عن أبيه قال: ((ما سمعتُ النبيِّ وَلّ يقول
لأحدٍ يَمشي عَلَى الأرضِ: إنهُ من أهلِ الجنةِ، إلاّ لعبدِ اللَّهِ بن سَلام. قال: وفيه نزَلت هذه
الآية ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ من بني إسرائيل عَلَى مثلهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآية. قال: لا أدري قال
مالكٌ الآيةَ أو في الحديث)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: سمعت مالكًا) إمام دار الهجرة
(يحدث عن أبي النضر) بالضاد المعجمة سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين فيهما
التيمي المدني (عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه) سعد أحد العشرة المبشرة بالجنة أنه
(قال) :
(ما سمعت النبي وَ﴿ يقول لأحد يمشي على الأرض) الآن بعد موت العشرة المبشرة الذين
منهم سعد بن أبي وقاص (أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام). وقوله: يمشي على الأرض
صفة مؤكدة لأحد كما في قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض﴾ [الأنعام: ٣٨، وهود: ٦]
لمزيد التعميم والإحاطة، لكن استشكل بأنه وَّ﴾ قال لجماعة: إنهم من أهل الجنة غير ابن سلام،
ويبعد أن لا يطلع سعد على ذلك. وما أجيب به: بأنه كره تزكية نفسه لأنه أحد المبشرين بذلك
متعقب بأنه لا يستلزم أن ينفي سماعه مثل ذلك في حق غيره، وما سبق من التقدير بالآن بعد
موت العشرة إلى آخره مما أجاب به في الفتح وأيده برواية الدارقطني من طريق إسحق بن الطباع
عن مالك: ما سمعت النبي ◌َّه يقول لحي يمشي إنه من أهل الجنة. وبما عنده من طريق
عاصم بن مهجع عن مالك لرجل حي ينفي الاستشكال، لكنه يعكر عليه ما عند الدارقطني من
طريق سعيد بن داود عن مالك بلفظ سمعت النبي وَّه يقول: ((لا أقول لأحد من الأحياء أنه من
أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام)» وبلغني أنه قال: ((وسلمان الفارسي)) لكن قال الحافظ ابن
حجر: أن هذا لسياق منكر اهـ.
وأجاب النووي: بأن سعدًا قال: ما سمعت ونفى سماعه ذلك لا يدل على نفي البشارة
لغيره وإذا اجتمع النفي والإثبات فالإثبات مقدم عليه اهـ. وقال الكرماني: لفظ ما سمعت لم ينف
أصل الأخبار بالجنة لغيره.
(قال) سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (وفيه) في عبد الله بن سلام (نزلت هذه الآية

٢٨٧
كتاب مناقب الأنصار/ باب ١٩
﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾) [الأحقاف: ١٠] زاد أبو ذر على مثله (الآية) كذا قال الجمهور
أن الشاهد هو عبد الله بن سلام، وعورض بأن ابن سلام إنما أسلم بالمدينة والأحقاف مكية،
وأجيب: بأنها مكية إلا قوله: وشهد شاهد إلى آخر الآيتين، ومعنى الآية أخبروني ماذا تقولون إن
كان القرآن من عند الله وكفرتم به أيها المشركون وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، والمثل
صلة يعني عليه أي على أنه من عند الله فآمن الشاهد واستكبرتم عن الإيمان به، وقيل الشاهد
التوراة ومثل القرآن هو التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد على الفرقان، فكل واحد يصدق
الآخر لأن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد وَ له والقرآن مصدق للتوراة.
(قال) أي عبد الله بن يوسف التنيسي: (لا أدري. قال مالك): الإمام (الآية) أي نزولها
في هذه القصة من قبل نفسه (أو في) إسناد هذا (الحديث). وعند ابن منده في الإيمان من طريق
إسحق بن يسار عن عبد الله بن يوسف الحديث والزيادة وفيه قال إسحق: فقلت لعبد الله بن
يوسف إن أبا مسهر حدّثنا بهذا عن مالك ولم يذكر هذه الزيادة فقال عبد الله بن يوسف: إن
مالكًا تكلم به عقب الحديث وكانت معي ألواحي فكتبت، فلذا قال: لا أدري إلخ.
وقد أخرج الإسماعيلي والدارقطني في غرائب مالك من طريق أبي مسهر وعاصم بن مهجع
وعبد الله بن وهب وغيرهم كلهم عن مالك بدون هذه الزيادة، فالظاهر أنها مدرجة من هذا
الوجه. وعند الدارقطني من رواية ابن وهب التصريح بأنها من قول مالك. نعم عند ابن مردويه
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وعند الترمذي من حديث ابن سلام نفسه، وعند ابن
حبان من حديث عوف أنها نزلت في عبد الله بن سلام قاله في الفتح.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الفضائل.
٣٨١٣ - حدثني عبدُ اللَّهِ بنُ مُحمدٍ حدَّثَنا أزهَرُ السمّانُ عن ابنِ عَونٍ عن محمدٍ عن
قيسٍ بن عُبادٍ قال: ((كنتُ جالسًا في مسجد المدينةِ، فدخَلَ رجلٌ على وَجهِهِ أثرُ الخشوعِ،
فقالوا: هذا رجلٌ من أهل الجنةِ، فصلَّى ركعتين تَجَوَّزَ فيهما، ثمَّ خِرَج وتبِعْته فقلتُ: إنكَ حينَ
دخلت المسجد قالوا: هذا رجلٌ من أهل الجنة قال: واللَّهِ ما ينبغي لأحدٍ أن يقولَ ما لا يَعلم.
وسأُحدِثكَ لمَ ذاك. رأيتُ رُؤيا على عهدِ النبيِّ وَّهِ، فَقَصَصْتُها عليه، ورأيتُ كأني في روضةٍ
- ذكرَ مِن سَعَتِها وخُضرَّتِها - وَسْطها عمودٌ من حديدٍ أسفلُهُ في الأرض وأعلاهُ في السماءِ، في
أعلاهُ عُروةٌ، فقيل لي: ارقَهْ. قلتُ: لا أستطيعُ. فأتاني مِنصَفٌ فَرَفَعَ ثيابي من خلفي فرَقِيتُ
حتى كنتُ في أعلاها، فأخذتُ في العُروةِ، فقيلَ له استمسِكْ. فاستيقَظْتُ وإنها لفي يدي.
فقَصصتها على النبيِّ وَ﴿ فقال: تلك الرَوضةُ الإسلام، وذُلكَ العمودُ عمودُ الإسلام، وتلك
العُروةُ عُروةُ الوُثقى، فأنت على الإسلامِ حتى تموتَ. وذُلكَ الرجلُ عبدُ اللَّهِ بن سَلام)). وقال
لي خليفة: حدَّثنا مُعاذ حدِّثَنا ابن عَون عن محمد حدَّثنا قيسُ بن عُباد عنِ ابن سَلام قال:

٢٨٨
کتاب مناقب الأنصار/ باب ١٩
((وَصِيفٌ)) بدلَ (مِنصَف)). [الحديث ٣٨١٣ - طرفاه في: ٧٠١٠، ٧٠١٤].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا أزهر) بفتح الهمزة
وسكون الزاي وفتح الهاء ابن سعد الباهلي مولاهم (السمان) بتشديد الميم البصري المتوفى سنة
ثلاث ومائتين (عن ابن عون) عبد اللَّه واسم جده أرطبان البصري (عن محمد) هو ابن سيرين (عن
قيس بن عباد) بضم العين وتخفيف الموحدة البصري قتله الحجاج صبرًا أنه (قال: كنت جالسًا في
مسجد المدينة) النبوية مع بعض الصحابة (فدخل رجل) هو ابن سلام كما يأتي قريبًا (على وجهه
أثر الخشوع فقالوا): لما بلغهم من حديث سعد السابق (هذا رجل من أهل الجنة فصلى) الرجل
(ركعتين تجوّز فيهما) بفتح الفوقية والجيم والواو المشددة بعدها زاي خففهما (ثم خرج) من المسجد
(وتبعته فقلت) له: (إنك حين دخلت المسجد قالوا): أي الحاضرون فيك عنك (هذا رجل من
أهل الجنة. قال) ابن سلام منكرًا عليهم قطعهم بالجنة له (والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا
يعلم) ولعله لم يبلغه خبر سعد أو بلغه ذلك وكره الثناء عليه بذلك تواضعًا وإيثارًا للخمول
وكراهة للشهرة. (وسأحدثك) بالواو ولأبي ذر فسأحدثك (لم ذاك) الإنكار الصادر مني عليهم وهو
أني (رأيت رؤيا على عهد النبي وقلقر فقصصتها عليه و) هي أني (رأيت كأني في روضة ذكر) ابن
سلام الرائي (من سعتها) بفتح السين (وخضرتها وسطها) بسكون السين (عمود من حديد أسفله
في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة) بضم العين وسكون الراء المهملتين وفتح الواو
(فقيل له): ولأبي ذر لي (ارقه) بهاء السكت ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ارق بإسقاطها
(قلت): ولأبي ذر فقلت (لا أستطيع) أن أرقاه (فأتاني منصف) بكسر الميم وسكون النون وفتح
الصاد المهملة وبعدها فاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: منصف بفتح الميم وكسر الصاد،
والأول أشهر أي خادم (فرفع ثيابي من خلفي فرقيت) بكسر القاف (حتى كنت في أعلاها فأخذت
بالعروة فقيل لي استمسك) بها (فاستيقظت) من منامي (و) الحال (أنها) أي العروة (لفي يدي) قبل
أن أتركها وليس المراد أنه استيقظ وهي في يده وإن كانت القدرة صالحة لذلك (فقصصتها على
النبي ◌َلز قال): ولأبوي الوقت وذر فقال:
(تلك الروضة الإسلام) أي جميع ما يتعلق بالدين (وذلك) وللحموي وأما (العمود) فهو
(عمود الإسلام) أي أركانه الخمسة أو كلمة الشهادة وحدها (وتلك العروة الوثقى) ولغير أبي ذر
وتلك العروة عروة الوثقى أي الإيمان. قال تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد
استمسك بالعروة الوثقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] (فأنت على الإسلام حتى تموت) (وذاك) ولأبي ذر
وذلك (الرجل عبد الله بن سلام) يحتمل أن يكون هو قوله ولا مانع أن يخبر بذلك ويريد
نفسه، ويحتمل أن يكون من كلام الراوي، وليس في هذا نص بقطع النبي وَلي أنه من أهل
الجنة كما نص على غيره فلذا أنكر عليهم، ويحتمل أن يكون قوله ما ينبغي إنكارًا منه على من
سأله عن ذلك لكونه فهم منه التعجب من خبرهم بأن ذلك لا عجب فيه لما ذكره من قصة
المنام، وأشار بذلك القول إلى أنه لا ينبغي لأحد إنكار ما لا علم له به إذا كان الذي أخبره به

٢٨٩
کتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٠
من أهل الصدق، ويحقق هذا قوله فاستيقظت وإنها لفي يدي أي حقيقة من غير تأويل كما هو
ظاهر اللفظ وتكون رؤياه هذه كشفًا كشفه الله تعالى له كرامة له.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التعبير ومسلم في الفضائل.
وبه قال: (وقال لي خليفة) بن خياط (حدّثنا معاذ) هو ابن نصر العنبري قاضي البصرة
قال: (حدّثنا ابن عون) عبد الله (عن محمد) هو ابن سيرين أنه قال: (حدّثنا قيس بن عباد) بضم
العين وتخفيف الموحدة (عن ابن سلام) عبد الله أنه (قال): في الحديث السابق (وصيف مكان)
قوله فيه (منصف) بكسر الميم وفتح الصاد وهو الخادم الصغير ذكرًا أو أنثى.
٣٨١٤ - حدثنا سُليمانُ بن حرب حدَّثنا شعبةُ عن سعيدِ بن أبي بُردةَ عن أبيهِ قال: ((أتيتُ
المدينةَ فلقِيتُ عبدَ اللهِ بن سَلامِ رضيَ اللَّهُ عنه فقال: ألا تجيءُ فأُطعِمَكَ سَويقًا وتمرًا وتدخلُ
في بيت؟ ثم قال: إنكَ في أرض الرِّبا بها فاش، إذا كان لكَ على رجل حقِّ فأهدَى إليكَ حملَ
تِين أو حمل شعيرٍ أو حملَ قَتَّ فإنه رِبا» ولم يَذكرِ النَّضرُ وأبو داودَ ووَهب عن شعبة البيت.
[الحديث ٣٨١٤- طرفه في: ٧٣٤٢].
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
سعيد بن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء (عن أبيه) أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه أنه (قال: أتيت المدينة) طيبة (فلقيت عبد الله بن سلام) رضي الله عنه (فقال: ألا
تجيء فأطعمك) بالنصب (سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت؟) بالتنوين للتعظيم لدخول النبي وَّر فيه
(ثم قال: إنك بأرض) مقيم وهي أرض العراق (الربا بها فاش) ظاهر كثير والجملة الإسمية من
المبتدأ والخبر في موضع جر صفة لأرض (إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن)
بكسر الحاء المهملة وسكون الميم (أو حمل شعير أو حمل قت) بفتح القاف وتشديد المثناة الفوقية نوع
من علف الدواب (فلا تأخذه فإنه ربا) كأنه مذهبه، وإلا فالذي عليه الفقهاء أنه لا يكون ربا إلا
إذا اشترطه ولا يخفى الورع (ولم يذكر النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل (وأبو داود) الطيالسي
(ووهب) بسكون الهاء ابن جرير في روايتهم هذا الحديث (عن شعبة) بن الحجاج (البيت) وبثبوته
مع ترك قبول هدية المستقرض تحصل المطابقة لأنه علم منه ورعه ودخول النبي وَّر منزله.
٢٠ - باب تزويج النبي ◌َ ﴿ خديجةَ وفضلها رضيَ اللَّهُ عنها
(باب تزويج النبي * خديجة) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية
الأسدية أول خلق الله إسلامًا اتفاقًا، وكانت له وَ لخير وزير صدق عندما بعث، فكان لا يسمع من
المشركين شيئًا يكره من رد عليه وتكذيب له إلا فرج الله بها عنه تثبته وتصدقه وتخفف عنه وتهوّن
عليه ما يلقى من قومه، واختارها الله تعالى له *9 لما أراد بها من كرامته، وكانت تدعى في
الجاهلية الطاهرة. تزوجها وَ* وسنّه خمس وعشرون سنة في قول الجمهور، وكانت قبله عند أبي
إرشاد الساري/ ج ٨/ م ١٩

٢٩٠
کتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٠
هالة بن النباش بن زياد التميمي حليف بني عبد الدار، وتوفيت على الصحيح بعد النبوّة بعشر
سنين في شهر رمضان فأقامت معه و ﴿ خمسًا وعشرين سنة. واستشكل قوله تزويج بصيغة التفعيل
إذ مقتضاه أن يكون التزويج لغيره وَله. وأجيب بأن التفعيل قد يجيء بمعنى التفعل أو المراد
تزويجه بَيهو خديجة من نفسه. (و) ذكر (فضلها رضي الله تعالى عنها).
٣٨١٥ - حدثني محمدٌ حدَّثَنا عَبدةُ عن هشام بن عُروةَ عن أبيه قال: سمعتُ
عبدَ اللهِ بن جعفرٍ قال: سمعتُ عليّا رضيَ اللَّهُ عنه يقول سمعتُ رسولَ اللهِ وَلفه يقول:
وحدّثني صدَقة أخبرَنا عَبدة عن هشام بن عروةً عن أبيهِ قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بن جعفرٍ
عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم عنِ النبيِّ وَّرِ قال: ((خيرُ نسائها مريمُ، وخير نسائها
خدیجة».
وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام البیکندي قال: (أُخبرنا) ولأبي ذر حدَّثنا
(عبدة) بن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير أنه (قال: سمعت عبد الله بن
جعفر) أي ابن أبي طالب (قال: سمعت) عمي (عليّا) رضي الله عنه يقول: (سمعت
رسول الله * يقول):
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر وحدّثني بزيادة الواو، وفي نسخة: ح وحدّثني
(صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا عبدة) بن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) أنه
(قال: سمعت عبد الله بن جعفر) المذكور (عن علي) ولأبي ذر زيادة ابن أبي طالب (رضي الله
عنهم عن النبي وَ﴾) أنه (قال):
(خير نسائها) أي الدنيا أي خير نساء أهل الدنيا في زمانها (مريم) ابنة عمران (وخير
نسائها) أي هذه الأمة (خديجة). وعند مسلم من رواية وكيع عن هشام في هذا الحديث وأشار
وكيع إلى السماء والأرض. قال النووي رحمه الله: أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في
نسائها وأن المراد جميع نساء الأرض أي كل من بين السماء والأرض من النساء قال: والأظهر أن
معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه.
وفي حديث عمار بن ياسر عند البزار والطبراني مرفوعًا: ((لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما
فضلت مريم على نساء العالمين)). قال في الفتح: وهو حسن الإسناد، واستدل به على تفضيل
خديجة على عائشة، وعند النسائي بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعًا ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية)).
٣٨١٦ - هقثنا سعيدُ بن عُفَيرِ حدَّثنا الليثُ قال: كتبَ إليَّ هشامُ بن عُروةَ عن أبيهِ عن
عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: ((ما غِرْتُ على امرأةٍ للنبيِّ وَِّ ما غِرتُ على خَديجةَ، هَلَكَتْ قبلَ

٢٩١
کتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٠
أن يَتَزَوَّجَني، لما كنتُ أسمعه يَذكُرها، وأمرَه اللَّهُ أن يُبشْرَها ببيتٍ من قَصَب. وإنْ كان لَيذبَحُ
الشاةَ فيُهدِي في خَلائِلِها منها ما يَسَعُهنَّ)). [الحديث ٣٨١٦- أطرافه في: ٣٨١٧، ٣٨١٨،
٥٢٢٩، ٦٠٠٤، ٧٤٨٤].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم المهملة وفتح الفاء أبو عثمان المصري نسبه لجدّه
عفير واسم أبيه كثير بالمثلثة قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: كتب إليّ هشام) قال في
فتح الباري: وقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الليث حدثني هشام فلعل الليث لقي هشامًا
بعد أن كتب إليه فحدثه به أو كان مذهبه إطلاق حدّثنا في الكتابة، وقد نقل ذلك عنه الخطيب
في علوم الحديث (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: ما
غرت على امرأة للنبي وَل#) بكسر الغين المعجمة وسكون الراء من الغيرة وهي الحمية والأنفة يقال:
رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى وما نافية وما في قوله: (ما
غرت) مصدرية أو موصولة أي ما غرت مثل غيرتي أو مثل التي غرتها (على خديجة) فيه ثبوت
الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن، وأن عائشة كانت تغار
من نساء النبي وير لكن من خديجة أكثر (هلكت) ماتت (قبل أن يتزوجني) يعني ولو كانت الآن
موجودة لكانت غيرتي أقوى ثم بينت سبب غيرتها بقولها (لما كنت أسمعه يذكرها) وفي الرواية
الآتية من كثرة ذكر رسول الله وَّر إياها (وأمره الله أن يبشرها ببيت) أي في الجنة (من قصب)
بفتح القاف والصاد المهملة آخره موحدة لؤلؤ مجوّف، وهذا أيضًا من جملة أسباب الغيرة لأن
اختصاصها بهذه البشرى يشعر بمزيد محبته عليه الصلاة والسلام لها. وعند الإسماعيلي من رواية
الفضل بن موسى عن هشام بن عروة: ما حسدت امرأة قط ما حسدت خديجة حين بشرها
النبي ◌َّل ببيت من قصب (وإن كان ليذبح الشاة) إن مخففة من الثقيلة ولذا أتت باللام في قولها
ليذبح الشاة (فيهدي) بضم الياء وكسر الدال (في خلائلها) بالخاء المعجمة أصدقائها (منها) من
الشاة (ما يسعهن) أي ما يكفيهن، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ما يتسعهن بزيادة الفوقية
المشددة بعد التحتية أي ما يتسع لهن. قال في الفتح وفي رواية النسفي يشبعهن من الشبع بكسر
المعجمة وفتح الموحدة وليس في روايته لفظة ما، وهذا أيضًا من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار
باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد أصداءها.
٣٨١٧ - حدثنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ حدَّثَنَا حُمَيدُ بن عبدِ الرحمنِ عن هشام بن عُروةَ عن أبيهِ
عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((ما غِرتُ على امرأة ما غِرتُ على خديجةً من كثرةِ ذِكر
رسولِ اللهِ وَّ إياها. قالت: وتَزَوَّجَني بعدَها بثلاثِ سِنِينَ، وأمرَهُ ربُّه عزَّ وجلَّ - أو جِبريلُ عليه
السلامُ - أن يُشْرَها ببيتٍ في الجنةِ من قَصَب)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا حميد بن عبد الرحمن)

٢٩٢
كتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٠
بضم الحاء وفتح الميم في الأول مصغرًا الرؤاسي بضم الراء وفتح الهمزة وسين مهملة مكسورة،
وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الحدود (عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: ما غرت على امرأة) أي من أزواجه عليه الصلاة والسلام (ما
غرت) أي مثل غيرتي أو مثل التي غرتها (على خديجة من كثرة ذكر رسول الله وَلخير إياها) إذ كثرة
ذكر الشيء تدل على محبته، وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها. وعند النسائي من
رواية النضر بن شميل عن هشام كالمؤلف في النكاح من كثرة ذكره إياها وثنائه عليها (قالت:
وتزوجني بعدها) بعد موتها (بثلاث سنين).
قال النووي: أرادت بذلك زمن الدخول عليها. وأما العقد فتقدم على ذلك بمدّة سنة
ونصف ونحو ذلك، وعند الإسماعيلي من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام عن أبيه
أنه كتب إلى الوليد أنك سألتني متى توفيت خديجة وأنها توفيت قبل مخرج النبي وي لتر من مكة
بثلاث سنين أو قريب من ذلك، ونكح ◌ّ* عائشة رضي الله عنها بعد متوفى خديجة وعائشة بنت
ست سنين، ثم إن النبي ◌َّر بنى بها بعدما قدم المدينة وهي بنت تسع سنين اهـ.
وقد توفيت خديجة قبل الهجرة اتفاقًا وماتت في رمضان سنة عشر من النبوّة وكان بناؤه
عليه الصلاة والسلام على عائشة رضي الله عنها بعد منصرفه من وقعة بدر في شوّال سنة اثنتين.
(وأمره ربه عز وجل أو جبريل عليه السلام) بالشك من الراوي (أن يبشرها ببيت في الجنة
من قصب).
٣٨١٨ - هذلني عمرُ بن محمدِ بن الحسنِ حدَّثَنا أبي حدَّثنا حفصٌ عن هشامٍ عن أبيه عن
عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((ما غرتُ على أحَدٍ من نساءِ النبيِّ وََّ ما غرتُ على خديجةَ وما
رأيتُها، ولكنْ كان النبيُّ ◌َِّ يُكثِرُ ذكرَها، ورُبما ذبحَ الشاةَ ثمَّ يُقَطْعُها أعضاء ثمَّ يَبعثُها في
صَدائقٍ خدِيجةَ، فرُبَّما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأةٌ إلاَّ خديجةُ؟ فيقول: إنها كانت
وكانت، وكان لي منها وَلَد».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عمر بن محمد بن حسن) بضم العين في الأول وفتح الحاء في
الثالث المعروف بابن التل بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام الأسدي الكوفي المتوفى في شوّال سنة
خمسين ومائتين قال: (حدّثنا أبي) محمد بن حسن بن الزبير الكوفي قال: (حدّثنا حفص) هو ابن
غياث النخعي الكوفي قاضيها (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها)
أنها (قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي وَلفي ما غرت على خديجة وما رأيتها) وقد كانت
رؤيتها لها ممكنة لأنه كان لها عند موتها ست سنين فيحتمل النفي بقيد اجتماعهما عنده واله
(ولكن) سبب الغيرة (كان النبي وَّخير يكثر ذكرها) ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره (وربما ذبح) عليه
الصلاة والسلام (الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له كأنه) بهاء بعد

٢٩٣
كتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٠
النون المشددة ولأبي ذر عن الكشميهني كأن (لم يكن في الدنيا إلا خديجة) وفي غير الفرع وأصله
لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فذكر المستثنى منه (فيقول) عليه الصلاة والسلام:
(إنها كانت وكانت) كرر مرتين ولم يرد به التثنية، ولكن ليتعلق بالتكرير كل مرة من
خصائلها ما يدل على فضلها كقوله تعالى: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته
كنز لهما وكان أبوهما صالحًا﴾ [الكهف: ٨٢] ولم يذكر هنا متعلقه للشهرة تفخيمًا وقدّر بنحو
كانت فاضلة وكانت عاقلة (وكان لي منها ولد). وعند أحمد من طريق مسروق عن عائشة رضي
الله عنها ((آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس
ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء» الحديث، وقد كان جميع أولاده عليه الصلاة والسلام
منها إلا إبراهيم عليه السلام فإنه من مارية القبطية.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل والترمذي في البرّ.
٣٨١٩ - حدثنا مسَّدٌ حدَّثَنا يحيى عن إسماعيلَ قال: قلتُ لعبدِ الله بن أبي أوفى رضيَ
اللَّهُ عنهما بشّرَ النبيُّ ونَ ﴿ خدِيجةَ؟ قال: نَعم، ببيتٍ من قصَب، لا صَخَب فيه ولا نصَب)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري الحافظ قال: (حدّثنا
يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه (قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى) بفتح
الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة واسمه علقمة الأسلمي (رضي الله عنهما: بشّر النبي وَ﴿ خديجة؟)
هو استفهام محذوف الأداة أي: أبشرها (قال) ابن أبي أوفى: (نعم) بشرها عليه الصلاة والسلام
(ببيت) أي في الجنة (من قصب) لؤلؤة مجوّفة كما في الكبير للطبراني، وفي الأوسط من القصب
المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت الأحمر (لا صخب) بالصاد المهملة والخاء المعجمة والموحدة
المفتوحات لا صياح (فيه ولا نصب) نفى عنه ما في بيوت الدنيا من آفة جلبة الأصوات وتعب
تهيئتها وإصلاحها وسقط قوله قال نعم في الفرع والوجه الإثبات كما هو ثابت في اليونينية فلعل
السقط من الكاتب أو غيره فالله أعلم.
وهذا الحديث سبق في أبواب العمرة في باب: متى يحل المعتمر بأتم من هذا.
٣٨٢٠ - حدثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ حدَّثَنا محمدُ بن فُضَيل عن عُمارةَ عن أبي زُرعةً عن أبي
هريرةَ رضيَ الله عنه قال: ((أتى جبريلُ النبيِّ وََّ فقال: يا رسولَ الله، هذهِ خديجة قد أتَتْ معَها
إناء فيه إداءٌ أو طعام أو شراب، فإذا هيَ أَتَتْكَ فاقرَأْ عليها السلامَ من ربِّها ومنّي، وبشرها ببيتٍ
في الجنةِ من قَصَب، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب)). [الحديث ٣٨٢٠ - طرفه في ٧٤٩٧].
وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا محمد بن فضيل) بضم الفاء
وفتح المعجمة ابن غزوان الضبي مولاهم الحافظ (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن القعقاع

٢٩٤
كتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٠
(عن أبي زرعة) هرم أو عبد الله بن عمرو بن جرير البجلي (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه
(قال: أتى جبريل) عليه السلام (النبي ◌َّ) عند الطبراني في رواية سعيد بن كثير أن ذلك كان
وهو بحراء (فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت) أي إليك (معها إناء فيه إدام) بكسر الهمزة
(أو) قال: (طعام) في رواية الطبراني المذكورة أنه كان حيسًا (أو) قال: (شراب) والشك من
الراوي (فإذا هي أتتك فاقرأ) بهمزة وصل وفتح الراء (عليها السلام من ربها) جل وعلا (ومني).
وهذا لعمر الله خاصة لم تكن لسواها زاد الطبراني في روايته المذكورة فقالت: هو السلام ومنه
السلام وعلى جبريل السلام، وزاد النسائي من حديث أنس: وعليك يا رسول الله السلام ورحمة
الله وبركاته فجعلت مكان ردّ السلام على الله الثناء عليه تعالى، ثم غايرت بين ما يليق بالله وما
يليق بغيره وهذا يدل على وفور فقهها كما لا يخفى. (وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب
فيه ولا نصب). وقد أبدى السهيلي لنفي هاتين الصفتين حكمة لطيفة فقال: لأنه ◌َليّ لما دعا إلى
الإيمان أجابت خديجة رضي الله عنها طوعًا فلم تحوجه إلى رفع الصوت من غير منازعة ولا
تعب، بل أزالت عنه كل تعب وآنسته من كل وحشة وهوّنت عليه كل عسير فناسب أن يكون
منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها وصورة حالها رضي الله عنها ومن خواصها رضي
الله عنها أنها لم تسؤه قط ولم تغاضبه.
وهذا الحديث من المراسيل لأن أبا هريرة رضي الله عنه لم يدرك خديجة وأيامها.
٣٨٢١ - وقال إسماعيلُ بن خليلٍ أخبرَنا عليَّ بن مُسهِرٍ عن هشامٍ عن أبيه عن عائشةً
رضيَ الله عنها قالت: ((استأذَنَتْ هالةُ بنتُ خُوَيلد - أُختُ خديجةَ - على رسُولِ اللَّهِ وَِّ، فعرَفَ
استِئذانَ خدِيجةَ، فارتاعَ لذلك فقال: اللهمَّ هالةَ. قالت: فغِرتُ فقلت: ما تذكرُ من عجوزٍ من
عجائزِ قريش حمراءِ الشّدقَين هلَكَت في الدهر، قد أبدَلَكَ اللَّهُ خيرًا منها)).
(وقال إسماعيل بن خليل): الخزاز بمعجمات الكوفي مما وصله أبو عوانة عن محمد بن
يحيى الذهلي عن إسماعيل بن خليل المذكور قال: (أخبرنا علي بن مسهر) أبو الحسن الكوفي
الحافظ (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: استأذنت هالة
بنت خويلد) زوج الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس والد أبي العاص بن الربيع زوج زينب
بنت النبي # (أخت خديجة) بنت خويلد (على رسول الله وَ ﴿) في الدخول عليه بالمدينة وكانت
قد هاجرت إلى المدينة، ويحتمل أن تكون دخلت عليه بمكة حيث كانت عائشة رضي الله عنها معه
في بعض سفراته (فعرف استئذان خديجة) أي صفة استئذان خديجة لشبه صوتها بصوت أختها
فتذكر خديجة بذلك (فارتاع لذلك) بفوقية أي فزع والمراد لازمه أي تغير قال في الفتح: ووقع في
بعض الروايات فارتاح بالحاء المهملة أي اهتز لذلك سرورًا (فقال):
(اللهم) اجعلها (هالة) نصب على المفعولية ويجوز الرفع بتقدير هذه هالة وفي الفرع وأصله
هالة بفتح ثم نصب منوّنًا (قالت) عائشة رضي الله عنها (فغرت فقلت: ما) أي أيّ شيء (تذكر

٢٩٥
كتاب مناقب الأنصار/ باب ٢١
من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين) بجر حمراء، وجوّز أبو البقاء الرفع على القطع
والنصب على الحال وهو تأنيث أحمر، والشدق بكسر الشين المعجمة جانب الفم وصفتها بالدرد
وهو سقوط الأسنان من الكبر فلم يبق بشدقيها بياض إلا حمرة اللثات (هلكت في الدهر قد
أبدلك الله خيرًا منها) في حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أبي نجيح عند أحمد والطبراني
قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت قد أبدلك الله بكبيرة السن حديثة السن فغضب حتى قلت:
والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير، وهذا يرد قول السفاقسي أن في سكوته عليه
الصلاة والسلام على ذلك دليلاً على فضل عائشة على خديجة إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا حسن
الصورة وصغر السن.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل.
٢١ - باب ذكرُ جرير بن عبدِ اللَّهِ البَجَليّ رضيَ اللَّهُ عنه
(باب ذكر جرير بن عبد الله) بن جابر وهو الشليل بشين معجمة مفتوحة فلامين بينهما
تحتية ساكنة ابن مالك (البجلي) بفتح الموحدة والجيم نسبة إلى بجيلة بنت مصعب بن سعد العشيرة
أم ولد أنمار بن أراش أحد أجداد جرير، وأسلم جرير قبل وفاته بَّله بأربعين يومًا قاله في أسد
الغابة وفيه نظر لأنه ثبت أنه * قال له في حجة الوداع: استنصت الناس وذلك قبل موته وَّل
بأكثر من ثمانين يومًا، وكان جرير حسن الصورة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جرير
يوسف هذه الأمة وهو سيد قومه، وفي الطبراني أنه لما دخل على النبي ◌َّ أكرمه وبسط له رداءه
وقال: ((إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)) وتوفي سنة إحدى وخمسين أو أربع وخمسين (رضي الله عنه)
وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨٢٢ - هذثنا إسحاقُ الواسِطيُّ حدَّثَنا خالدٌ عن بيانٍ عن قيسٍ قال: سمعته يقول: ((قال
جريرُ بن عبدِ اللَّه رضيَ الله عنه: ما حجَبَني رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ منذُ أسلمت، ولا رآني إلاّ
ضَحِك)).
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين أبو بشر (الواسطي) قال: (حدّثنا خالد) هو ابن
عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الواسطي الطحان (عن بيان) بفتح الموحدة وتخفيف التحتية بن
بشر بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة الأحمسي (عن قيس) هو ابن أبي حازم أنه (قال: سمعته
يقول قال جرير بن عبد اللَّه) البجلي (رضي الله عنه: ما حجبني) ولأبي الوقت: قال: ما حجبني
(رسول الله ◌َجر منذ أسلمت) أي ما منعني مما التمست منه أو من دخول منزله ولا يلزم منه النظر
إلى أمهات المؤمنين (ولا رآني إلاّ ضحك) أي تبسم بشاشة وإكرامًا ولطفًا له.
٣٨٢٣ - وعن قيس عن جرير بن عبدِ اللَّه قال: «كان في الجاهليةِ بيتٌ يقال لهُ ذو
الخَلَصةِ، وكان يُقال له الكعبةُ اليمانية أو الكعبة الشامية. فقال لي رسولُ اللَّه وَّ: هل أنتَ

٢٩٦
کتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٢
مُريحي مِن ذي الخلصة؟ قال: فَتَفَرتُ إليهِ في خَمسينَ ومائةٍ فارسٍ من أَخْمَسَ، قال: فكسرناه،
وقَتَلْنا مَن وَجَدْنا عندَه، فأتَيناهُ فأخبرناه، فدَعا لنا ولأحمسَ)).
(وعن قيس) هو ابن أبي حازم بالإسناد السابق (عن جرير بن عبد الله) البجلي رضي الله
عنه أنه (قال: كان في الجاهلية بيت) في خثعم قبيلة من اليمن (يقال له ذو الخلصة) بالخاء المعجمة
واللام والصاد المهملة المفتوحات (وكان يقال له الكعبة اليمانية) بتخفيف الياء (أو الكعبة الشامية)
بالشك في الفرع، وفي رواية الأربعة والشامية بغير ألف بلا شك قال عياض: ذكر الشامية غلط
من الرواة والصواب حذفها اهـ. يعني أن الكعبة الشامية هي التي بمكة المشرفة ففرقوا بينهما
بالوصف المميز، وأوّله النووي والتي بمكة الكعبة الشامية. وقال الكرماني: الضمير في قوله له
راجع للبيت والمراد به بيت الصنم يعني كان يقال لبيت الصنم الكعبة اليمانية والكعبة الشامية فلا
غلط ولا حاجة إلى التأويل بالعدول عن الظاهر. (فقال لي رسول الله (وَ ﴿):
(هل أنت مريجي) من الإراحة (من ذي الخلصة)؟ (قال) جرير: (فنفرت إليه في خمسين
ومائة فارس من) رجال (أحمس) بفتح الهمزة وبالحاء المهملة الساكنة آخره سين مهملة بعد فتحة
قبيلة جرير (قال: فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده فأتيناه) وَلفر (فأخبرناه) بذلك (فدعا لنا
ولأحمس).
وفي باب البشارة في الفتوح من الجهاد فبارك على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
٢٢ - باب ذِكر حُذَيفةَ بن اليمانِ العَبْسيّ رضي الله عنه
(باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي) بسكون الموحدة بعدها مهملة، وحذيفة بضم الحاء
المهملة وفتح المعجمة وبالفاء مصغرًا واليمان بتخفيف الميم واسمه حسيل، وإنما قيل له اليمان لأنه
أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار فسماه قومه اليمان
لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن، وكان صاحب سر رسول الله وَّر، واستعمله عمر رضي الله
عنه أميرًا على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا سنة ست وثلاثين وسقط لفظ باب لأبي
ذر (رضي الله عنه).
٣٨٢٤ - حدثني إسماعيلُ بن خليلٍ أخبرَنا سلمةُ بن رَجاءٍ عن هشامٍ بن عُروةً عن أبيهِ عن
عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((لما كان يوم أُحُد هُزِمَ المشرِكون هزيمةً بَيْنة، فصاحَ إبليسُ: أَيْ
عبادَ اللَّهِ أُخراكم. فرجَعَت أولاهُم على أُخراهم، فاجتَلَدَتْ مع أخراهم. فنظَرَ حُذَيفة فإذا هوَ
بأبيهِ، فنادَى: أيْ عبادَ اللَّه، أبي أبي. فقالت: فواللهِ ما احتَجَزوا حتى قتلوه. فقال حُذيفة: غفَرَ
اللَّهُ لكم. قال أبي: فَوَاللَّهِ ما زالَت في حُذَيفةً منها بقية خيرٍ حتى لقيَ اللَّهَ عزَّ وجلّ)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسماعيل بن خليل) الخزاز بمعجمات قال: (حدّثنا سلمة بن

٢٩٧
کتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٣
رجاء) التميمي الكوفي (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: لما
كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة) ظاهرة (فصاح إبليس) لعنه الله بالمسلمين (أي عباد الله)
اقتلوا (أخراكم) أو انصروا أخراكم (فرجعت أولاهم على أخراهم فاجتلدت) فاقتتلت (أخراهم)
قال في التنقيح: وجه الكلام فاجتلدت هي وأخراهم. قال في المصابيح: يريد لأن الاجتلاد
كالتجالد يستدعي تشارك أمرين فصاعدًا في أصله، لكن التقدير الذي جعله وجه الكلام مشتمل
على حذف المعطوف عليه وحذف العاطف وحده، والظاهر عدمه أو عزته، والأولى أن يجعل من
حذف العاطف والمعطوف مثل: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد ومثله كثير
فيكون التقدير فاجتلدت أخراهم وأولاهم وللكشميهني فاجتلدت مع أخراهم (فنظر حذيفة فإذا هو
بأبيه) اليمان (فنادى: أي عباد الله) هذا (أبي) يحذر المسلمين عن قتله ولم يسمعوا فقتلوه يظنون أنه
من المشركين وتصدّق حذيفة بديته على من قتله (فقالت): أي عائشة رضي الله عنها (فوالله ما
احتجزوا) بحاء مهملة وجيم وزاي أي ما انفصلوا من القتال (حتى قتلوه) خطأ (فقال حذيفة: غفر
الله لكم). قال هشام (قال أبي) عروة (فوالله ما زالت في حذيفة منها) من هذه الكلمة (بقية خير)
أي بقية دعاء واستغفار لقاتل أبيه اليمان (حتى لقي الله عز وجل) أي مات وقال التيمي: أي ما
زال في حذيفة بقية حزن على أبيه من قتل المسلمين له.
٢٣ - باب ذكر هند بنت عُتبةَ رضيَ اللَّهُ عنها
(باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة) بن عبد شمس القرشية الهاشمية والدة معاوية بن أبي
سفيان أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان وأقرها رسول الله وَلقر على نكاحها، وكانت
امرأة ذات أنفة ورأي وعقل وشهدت أُحدًا كافرة، فلما قتل حمزة مثّلت به وشقت كبده فلاكتها
فلم تطق، وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة
والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهي القائلة للنبي ◌ّهو لما شرط على النساء في المبايعة ولا
يسرقن ولا يزنين وهل تزني الحرة؟ (رضي الله عنها) وسقط باب لأبي ذر.
٣٨٢٥ - وقال عَبدانُ أخبرَنا يونسُ عنِ الزُّهريّ حدَّثَني عروةُ أن عائشةَ رضيَ الله عنها
قالت: ((جاءت هنذٌ بنتُ عُتبةَ فقالت: يا رسولَ الله، ما كان على ظهرِ الأرض من أهلِ خِباءٍ
أحبُّ إليَّ أن يَذَلُوا من أهلِ خِبائك، ثمَّ ما أصبحَ اليومَ على ظهر الأرضِ أهلُ خباءِ أحبُّ إليَّ أن
يَعِزَّوا من أهلِ خِبائك. قال: وأيضًا والذي نفسي بيدهِ. قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سُفيانَ رجلٌ
مِسْيك، فهل عليَّ حرَج أن أُطعِمَ منَ الذي له عِيالَنا؟ قال: لا أراهُ إلاّ بالمعروف)).
(وقال عبدان) عبد اللَّه بن عثمان المروزي مما وصله البيهقي (أخبرنا عبد الله) بن المبارك
المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال:
(حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (إن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت هند) بالصرف لأبي

٢٩٨
کتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٤
ذر ولغيره بعدمه (بنت عتبة قالت): ولأبي ذر فقالت: (يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من
أهل خباء أحب إلي أن يذلوا) بفتح أوّله وكسر المعجمة (من أهل خبائك) بكسر الخاء المعجمة
وفتح الموحدة مع المدّ خيمة من وبر أو صوف ثم أطلقت على البيت كيف كان (ثم ما أصبح اليوم
على ظهر الأرض أهل خباء أحبّ) بالنصب ولأبي ذر: أحب بالرفع (إلي أن يعزوا) بلفظ الجمع
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن يعز (من أهل خبائك. قالت): أي هند قال عليه الصلاة
والسلام ولأبي ذر قال: بدل قالت: أي النبي ◌َّر (وأيضًا) ستزيدين من ذلك ويتمكن الإيمان في
قلبك فيزيد حبك لرسول الله و9َّ ويقوى رجوعك عن بغضه (والذي نفسي بيده. قالت: يا
رسول الله إن أبا سفيان رجل مسّيك) بكسر الميم والسين المهملة المشددة بخيل شحيح (فهل علي
حرج) أي إثم (أن) أي بأن (أطعم) بضم الهمزة وكسر العين (من) المال (الذي له عيالنا قال) عليه
الصلاة والسلام:
(لا أراه) بضم الهمزة أي الإطعام (إلا بالمعروف) بقدر الحاجة دون الزيادة، ولابن عساكر
في نسخة وأبي ذر عن الكشميهني قال: ((إلا بالمعروف))، ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي
والمستملي قال: ((لا إلا بالمعروف)).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النفقات والأيمان والنذور.
٢٤ - باب حديث زيدٍ بن عمرو بن نُفَيل
(باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل) بفتح العين وسكون الميم ونفيل بضم النون وفتح الفاء
ابن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن
فهر بن مالك القرشي العدوي والد سعيد بن زيد، أحد العشرة وابن عم عمر بن الخطاب رضي
الله عنه يجتمع هو وعمر في نفيل رضي الله عنه وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨٢٦ - حدثني محمدُ بن أبي بكرٍ حدَّثَنَا فُضيلُ بن سُليمانَ حدَّثنا موسى بن عُقبةَ حدَّثنا
سالم بن عبدِ الله بن عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما ((أنَّ النبيِّ وَّهُ لَقِيَ زيدَ بن عمرو بن نُفَيلٍ بأسفل
بَلْدَحِ قبلَ أن ينزلَ على النبيِّ ◌َِّ الوَحِيُّ، فَقُدِّمَت إلى النبيِّ وَ لِّ صُفْرَةٌ، فأبى أن يأكلَ منها. ثمَّ
قال زيدٌ: إني لستُ آكلُ مما تذبَحون على أنصابِكم، ولا آكلُ إلاّ ما ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليه. وأنَّ
زيدَ بن عمرٍو كان يَعيبُ على قُريش ذَبائحَهم ويقول: الشاةُ خلَقَها الله، وأنزَل لها من السماءِ
الماء، وأنبتَ لها منَ الأرض، ثمَّ تذبَحونها على غيرِ اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن أبي بكر) المقدمي قال: (حدّثنا فضيل بن سليمان)
النميري قال: (حدّثنا موسى) ولأبي ذر ابن عقبة قال: (حدّثنا سالم بن عبد الله عن) أبيه
(عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌َّي لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح) بفتح

٢٩٩
كتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٤
الموحدة وسكون اللام وفتح الدال وآخره حاء مهملتين وادٍ قبل مكة من جهة الغرب مكان في
طريق التنعيم وقيل واد وفيه الصرف وعدمه (قبل أن ينزل) بفتح أوله ولأبي ذر ينزل بضمه (على
النبي ◌َ﴿ الوحي فقُدمت) بضم القاف (إلى النبي ◌َ ﴿ سفرة) بضم السين مرفوع نائب عن الفاعل.
قال ابن الأثير: السفرة طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى
الجلد وسمي به كما سميت المزادة راوية وغير ذلك من الأسماء المنقولة. قال ابن بطال وكانت
هذه السفرة لقريش (فأبى) زيد بن عمرو بن نفيل (أن يأكل منها. ثم قال زيد) مخاطبًا للذين
قدموا السفرة (إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم) جمع نصب بالمهملة وضمتين وهي أحجار
كانت حول الكعبة يذبحون عليها للأصنام (ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه).
واستشكل بأن النبي كان أولى بذلك من زيد. وأجيب: بأنه ليس في الحديث أنه الخير
أكل منها، وعلى تقدير كونه # أكل منها فزيد إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع بلغه، وإنما كان
عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يذكر
اسم الله عليه، وتحريم ما لم يذكر اسم الله عليه إنما نزل في الإسلام، والأصح أن الأشياء قبل
الشرع لا توصف بحل ولا حرمة قاله السهيلي.
وقول ابن بطال: وكانت السفرة لقريش فقدموها للنبي و ﴿ فأبى أن يأكل منها فقدمها
النبي ◌َ﴿ لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها تعقبه في الفتح فقال: هو محتمل لكن لا أدري من
أين له هذا الجزم بذلك فإني لم أقف عليه في رواية أحد.
وقال الخطابي: كان النبي ◌َّ لا يأكل مما يذبحون للأصنام ويأكل مما عدا ذلك وإن كانوا لا
يذكرون اسم الله عليه، وإنما فعل ذلك زيد برأي رآه لا بشرع بلغه قاله السهيلي. واستضعف بأن
الظاهر أنه كان في شرع إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحريم ما ذبح لغير الله لأنه كان عدو
الأصنام.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الصيد.
(وأن) بفتح الهمزة ولأبي ذر فإن (زيد بن عمرو) المذكور (كان يعيب) بفتح أوله (على
قريش ذبائحهم) التي يذبحونها لغير الله (ويقول) لهم: (الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء
الماء) لتشربه (وأنبت لها من الأرض) الكلا لتأكله (ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارًا لذلك)
الفعل (وإعظامًا له) ونصب إنكارًا على التعليل وإعظامًا عطف عليه. وقوله: وأن زيدًا موصول
بالإسناد المذكور.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الذبائح والنسائي في المناقب.
٣٨٢٧ - قال موسى: حدَّثَني سالم بن عبدِ الله - ولا أعلمهُ إلاّ تحدَّث به عن ابن عمرَ أنَّ
زيدَ بن عمرو بن نُفَيلٍ خَرَج إلى الشام يَسألُ عنِ الدِّين ويَتبعهُ، فلقِيَ عالمًا منَ اليهود فسألهُ عن

٣٠٠
کتاب مناقب الأنصار/ باب ٢٤
دينهم فقال: إني لعلي أن أدِينَ دِينَكم فأخبِرْني. فقال: لا تكونُ على دِيننا حتى تَأْخُذَ بنصِيبكَ
من غضبِ اللَّه. قال زيدٌ: ما أَفِرُّ إلا من غَضَبِ الله، ولا أحْمِلُ مِن غَضبِ الله شيئًا أبدًا وأنّ
أستطيعُه؟ فهل تدُلُّني على غيرِه؟ قال: ما أعلمه إلاّ أن يكونَ حَنِيفًا. قال زيد: وما الْحَنِيفُ؟
قال: دِينُ إبراهيمَ؛ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًا ولا يَعبُدُ إلا الله. فخرجَ زيدٌ فلقِيَ عالمًا منَ
النصارى، فذكرَ مثلَه فقال: لن تكونَ على دِيننا حتى تأخذَ بنصيبك من لعنةِ الله. قال: ما أفرُّ إلاّ
من لعنةِ الله، ولا أحمِلُ من لعنةِ الله ولا من غضبٍ شيئًا أبدًا، وأنّ أستطيع؟ فهل تدلني على
غيره؟ قال: ما أعلمه إلاّ أن يكونَ حَنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دينُ إبراهيم، لم يكن يهوديًا
ولا نصرانيًا ولا يَعْبُد إلا الله. فلما رأَى زيدٌ قولهم في إبراهيم عليه السلام خرَجَ، فلما برزّ رفع
يديهِ فقال: اللّهمّ إني أشهدُ أني على دِين إبراهيم)).
(قال موسى) بن عقبة بالإسناد المذكور (حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله) بن عمر بن
الخطاب (ولا أعلمه إلا تحدث) بضم الفوقية والحاء وكسر الدال المهملة مبنيًا للمفعول ويجوز الفتح
فيهما مبنيًّا للفاعل وفي نسخة ألا يحدث بضم التحتية وفتح الحاء والدال وضم المثلثة (به عن ابن
عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج) من مكة (إلى الشام يسأل عن الدين) أي دين التوحيد
(ويتبعه) بسكون الفوقية في الفرع وأصله وعليها علامة أبي ذر، وفي الفتح ويتبعه بتشديدها من
الاتباع، وللكشميهني ويبتغيه بتحتية وفوقية مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وغين معجمة بعدها تحتية
ساكنة أي يطلبه (فلقي عالمًا من اليهود) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: لم أقف على اسمه (فسأله
عن دينهم فقال) له: (إني لعلي) لعل واسمها وخبرها قوله: (أن أدين دينكم فأخبرني) عن شأن
دینکم (فقال) له اليهودي: (لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله) أي من عذابه
(قال زيد: ما أفر) بالفاء (إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيعه) أي
والحال أن لي قدرة على عدم حمل ذلك، وفي اليونينية وأنى أستطيعه بتشديد النون مفتوحة
استفهامية (فهل تدلني على غيره) من الأديان (قال) له: (ما أعلمه إلا أن يكون) ديناً (حنيفًا. قال
زيد: وما) الدين (الحنيف؟ قال): اليهودي هو (دين إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد
إلا الله) وحده لا شريك له (فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى) لم يقف الحافظ ابن حجر على
اسمه أيضًا (فذكر مثله) أي مثل ما ذكر لعالم اليهود (فقال) له: (لن تكون على ديننا حتى تأخذ
بنصيبك من لعنة الله) أي من إبعاده من رحمته وطرده عن بابه (قال) له زيد: (ما أفر إلا من لعنة
الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا وأنا أستطيع) وفي اليونينية وغيرها وأني بفتح
النون مشددة استفهامية وعند الداراني وأني بكسر الهمزة والنون المشددة لا أستطيع (فهل تدلني على
غيره) من الأديان (قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال) له زيد: (وما الحنيف؟ قال: دين
إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله) وحده لا شريك له (فلما رأی زید قولهم في
إبراهيم عليه السلام خرج فلما برز) أي ظهر خارجًا عن أرضهم (رفع يديه فقال: اللهم إني)