Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
کتاب المناقب/ باب ٢٥
نعم هذا باعتبار الحقيقة والأول باعتبار المجاز. (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من
المسلمين) أي طائفتين. طائفة معاوية بن أبي سفيان وطائفة الحسن، وكانت أربعين ألفًا بايعوه على
الموت، وكان الحسن أحق الناس بهذا الأمر فدعاه ورعه إلى ترك الملك رغبة فيما عند الله ولم يكن
ذلك لعلة ولا لقلة. وقوله: من المسلمين دليل على أنه لم يخرج أحد من الطائفتين في تلك الفتنة
من قول أو فعل عن الإسلام إذ إحدى الطائفتين مصيبة والأخرى مخطئة مأجورة، وقد اختار
السلف ترك الكلام في الفتنة الأولى وقالوا: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا.
ومرّ هذا الحديث في الصلح.
٣٦٣٠ - حدثنا سليمانُ بن حربٍ حدّثَنا حمادُ بن زيدٍ عن أيوبَ عن حميدٍ بن هلالٍ عن
أنس بن مالكٍ رضي الله عنه ((أن النبيِّ ◌َ﴿ نعى جَعفرًا وزيدًا قبلَ أن يَجيءَ خبرُهم، وعيناه
تذرفان».
وبه قال: (حدَّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم
الجهضمي البصري (من أيوب) السختياني (عن حميد بن هلال) البصري (عن أنس بن مالك رضي
الله عنه: أن النبي { 18 نعى) بفتحتين (جعفرًا) هو ابن أبي طالب (وزيدًا) هو ابن حارثة أي أخبره
بقتلهما (قبل أن يجيء خبرهم) أي خبر أهل مؤتة أو خبر قتل جعفر وزيد ومن قتل معهما
(وعيناه) ### (تذرفان) بالذال المعجمة وكسر الراء تسيلان بالدمع والواو في وعيناه للحال.
وهذا الحديث يأتي في غزوة مؤتة إن شاء الله تعالى.
٣٦٣١ - حدثنا عمرُو بن عبّاسٍ حدّثنا ابنُ مَهدِيّ حدّثنا سفيانُ عن محمدٍ بن المنكدرِ
عن جابرٍ رضيَ اللهُ عنه قال: ((قال النبيُّ ◌َ *: هل لكم من أنماط؟ قلت: وأنّى يكون لنا
الأنماط؟ قال: أما وإنها ستكون لكم الأنماط. فأنا أقول لها - يعني امرأتَهُ - أخّري عنا
أنماطَكِ، فتقول: ألم يَقُلِ النبيِّ ◌َ ﴿: إنها ستكون لكمُ الأنماط، فأدَعُها)). [الحديث ٣٦٣١-
طرفه في: ٥١٦١].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عمرو بن عباس) بفتح العين وسكون الميم
وعباس بالموحدة والسين المهملة أبو عثمان البصري قال: (حدّثنا ابن مهدي) عبد الرحمن الأزدي
البصري قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير بالتصغير
التيمي المدني (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) وعن أبيه أنه (قال: قال
النبي 8#) أي لجابر رضي الله عنه لما تزوج:
(هل لكم من أنماط؟) بفتح الهمزة وسكون النون آخره طاء مهملة ضرب من البسط له خمل
رقيق واحده نمط. قال جابر رضي الله عنه (قلت: وأنّى) أي ومن أين (يكون لنا الأنماط؟ قال):
١٢٢
کتاب المناقب/ باب ٢٥
صلوات الله وسلامه عليه (أما) بالتخفيف (أنه سيكون) ولأبي ذر: أنها ستكون (لكم الأنماط) قال
جابر رضي الله عنه (فأنا أقول لها يعني امرأته) سهلة بنت سعد بن أوس بن مالك الأنصارية
الأوسية كما ذكره ابن سعد (أخري) بهمزة مفتوحة فخاء معجمة وراء مكسورتين (عنا أنماطك)
كذا في الفرع عنا بفتحتين وفي اليونينية وغيرها عني بكسر النون فتحتية (فتقول) أي امرأته (ألم
يقل النبي (18) (إنها ستكون لكم الأنماط) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي استدلالها على
اتخاذ الأنماط بإخباره * * بأنها ستكون نظر لأن الإخبار بأن الشيء سيكون لا يقتضي إباحته إلا
إن استند المستدل به إلى التقرير فيقول: أخبر الشارع بأنه سيكون ولم ينه عنه فكأنه أقرّه، وفي
مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله 18 في غزاته فأخذت نمطًا
فنشرته على الباب فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه فجذبه حتى هتكه أو قطعه
فقال: ((إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)). قالت فقطعت منه وسادتين فلم يعب ذلك
علّ فيؤخذ منه أن الأنماط لا يكره اتخاذها لذاتها بل لما يصنع بها. قال جابر: (فأدعها) أي أترك
الأنماط بحالها مفروشة، ويأتي في النكاح باب الأنماط ونحوه للنساء إن شاء الله تعالى.
٣٦٣٢ - حقثني أحمدُ بن إسحقَ حدَّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بن موسى حدّثنا إسرائيلُ عن أبي
إسحقَ عن عمرو بن ميمونٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((انطلَقَ سعدُ بن مُعاذٍ
مُعتمِرًا، قال: فنزَل على أُميَّةَ بن خلَفِ أبي صفوانَ، وكان أميةُ إذا انطلقَ إلى الشام فمرَّ بالمدينةِ
نزلَ على سعدٍ، فقال أميةُ لسعدٍ: ألا انتَظِرْ حتى إذا انتصف النهارُ وغَفَلَ الناسُ انطلقتَ فطفت؟
فبينا سعدٌ يطوف إذا أبو جهلٍ، فقال: مَن هذا الذي يطوف بالكعبةِ؟ فقال سعدٌ: أنا سعد. فقال
أبو جهل: تطوفُ بالكعبةِ آمنًا وقد آوَيتم محمدًا وأصحابَه؟ فقال: نعم. فتَلاحَيا بينهما. فقال أميةُ
السعدٍ: لا ترفع صوتَكَ على أبي الحكم، فإنهُ سيِّدُ أهلِ الوادي. ثم قال سعد: واللَّهِ لئن منعتَني
أن أطوفَ بالبيت لأقطعنَّ مَتجرَكَ بالشام. قال: فجعلَ أميةُ يقول لسعدٍ: لا ترفَعْ صوتَك - وجعلَ
يُمسِكهُ - فغضِب سعدٌ فقال: دَعْنا عنك، فإني سمعتُ محمدًا وَ﴿ يزعم أنه قاتِلُك. قال: إِيَّايَ؟
قال: نعم. قال: واللَّهِ ما يكذِبُ محمد إذا حدَّث. فرجعَ إلى امرأتهِ فقال: أما تعلمينَ ما قال
لي أخي اليَثربيّ؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه قاتلي. قالت: فوالله ما
يكذب محمدٌ. قال: فلما خرجوا إلى بدرٍ وجاء الصريخُ قالت له امرأتهُ: أما ذكرتَ ما قال لك
أخوك اليثربيُّ؟ قال: فأرادَ أن لا يخرُجَ فقال له أبو جهل: إنكَ من أشرافِ الوادي، فسرْ يومًا أو
يومَين، فسار معهم يومَين، فقتَلهُ اللَّه)). [الحديث ٣٦٣٢- طرفه في: ٣٩٥٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن إسحق) بن الحصين السلمي
السرماري قال: (حدّثنا عبد الله) بفتح العين في الفرع ويضمها مصغرًا في أصله وهو الصواب
(ابن موسى) بن باذام العبسي الكوفي قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحق)
١٢٣
كتاب المناقب/ باب ٢٥
عمرو بن عبد الله السبيعي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الأزدي الكوفي أدرك الجاهلية (عن
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) أنه (قال: انطلق سعد بن معاذ) الأنصاري الأشهلي من المدينة
حال كونه (معتمرًا قال: فنزل) حين دخوله مكة للعمرة (على أمية بن خلف) بالتنوين (أبي صفوان)
هي كنية أمية، وكان من كبار المشركين (وكان أمية إذا انطلق إلى الشام) للتجارة (فمرّ بالمدينة) طيبة
لأنها طريقه (نزل على سعد) أي ابن معاذ المذكور (فقال أمية لسعد): لما قال له سعد: انظر لي
ساعة خلوة لعلّ أن أطوف بالبيت (أنتظر) ولأبي ذر عن الكشميهني: ألا انتظر بتخفيف اللام
للاستفتاح (حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس) فطف به (انطلقت فطفت) بتاء المتكلم المضمومة
في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها أي قال سعد: فلما غفل الناس انطلقت
فطفت، وقال العيني: بالتاء المفتوحة فيهما لأنه خطاب أمية لسعد (فبينا) بغير ميم (سعد يطوف
إذا أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد): له (أنا سعد، فقال أبو جهل:
تطوف بالكعبة) حال كونك (آمنًا وقد آويتم محمدًا وأصحابه) بمد همزة آويتم وقصرها وفي رواية
إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق السبيعي في أول المغازي وقد آويتم الصباة وزعمتم
أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا (فقال):
سعد له (نعم) آويناهم (فتلاحيا) بالحاء المهملة أي تخاصم سعد وأبو جهل وتنازعا (بينهما فقال
أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم) بفتحتين يريد أبا جهل اللعين (فإنه سيد أهل الوادي)
مكة (ثم قال: سعد) لأبي جهل (والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام) وفي
رواية إبراهيم بن يوسف المذكور: والله لئن منعتني ههذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك
على المدينة (قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك) أي على أبي الحكم (وجعل يمسكه
فغضب سعد) من أمية (فقال): سعد لأمية (دعنا عنك) أي اترك محاماتك لأبي جهل (فإني سمعت
محمدًا * يزعم أنه قاتلك) الخطاب لأمية.
وقال الكرماني: وتبعه البرماوي أن الضمير لأبي جهل أي أن أبا جهل يقتل أمية، واستشكل
بكون أبي جهل على دين أمية فكيف يقتله؟ وأجاب الكرماني وتبعه البرماوي: بأن أبا جهل كان
السبب في خروج أمية إلى بدر حتى قتل فكأنه قتله إذ القتل كما يكون مباشرة قد يكون تسببًا.
قال في الفتح: وهو فهم عجيب، وإنما أراد سعد أن النبي * يقتل أمية، ويرد قول الكرماني ما
في رواية إبراهيم بن يوسف المذكور في أول المغازي أن أمية لما رجع إلى امرأته قال: يا أم صفوان
ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنه قاتلي ولم يتقدم في
کلامه لأبي جهل ذکر.
(قال): أمية (إياي) يقتل (قال): سعد (نعم) إياك (قال): أمية (والله ما يكذب محمد إذا
حدث) قاله لأنه كان موصوفًا عندهم بالصدق (فرجع) أمية (إلى امرأته) صفية بنت معمر (فقال):
لها (أما) بتخفيف الميم (تعلمين ما قال لي أخي اليثربي) بالمثلثة نسبة إلى يثرب وهو اسم طيبة قبل
الإسلام، وذكره بالأخوّة باعتبار ما كان بينهما من المؤاخاة في الجاهلية (قالت): صفية امرأته (وما
١٢٤
كتاب المناقب/ باب ٢٥
قال): لك (قال: زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه قاتلي. قالت: فوالله ما يكذب محمد) بل هو
الصادق المصدوق (قال: فلما خرجوا) أي أهل مكة (إلى بدر وجاء الصريخ) بالصاد المهملة
المفتوحة آخره معجمة فعيل من الصراخ وهو صوت لمستصرخ أي المستغيث.
قال الزركشي كالسفاقسي فيه تقديم وتأخير لأن الصريخ جاءهم فخرجوا إلى بدر. قال
الدماميني: هذا بناء على أن الواو للترتيب وهو خلاف مذهب الجمهور ولو سلم فلا نسلم أن
الواو للعطف، وإنما هي للحال وقد مقدرة أي فلما خرجوا في حال مجيء الصريخ لهم فلا
تقديم ولا تأخير. وعند ابن إسحق أن الصارخ ضمضم بن عمرو الغفاري وأنه لما وصل إلى مكة
جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وصرخ يا معشر قريش أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها
محمد الغوث الغوث.
(قالت له): لأمية (امرأته أما) بالتخفيف (ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟) سعد (قال:
فأراد) أمية (أن لا يخرج) معهم إلى بدر خوفًا مما قاله سعد (فقال له أبو جهل: إنك من أشراف
الوادي) أي مكة، وفي رواية إبراهيم بن يوسف المذكورة فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك
متى يراك النسا قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك. (فسر يومًا أو يومين) أي ثم
ارجع إلى مكة (فسار معهم يومين) كذا في الفرع ونسخة البرزالي بإثبات يومين بعد فسار معهم
وسقطت من اليونينية وفرعها آقبغا والناصرية وغيرها فلم يزل على ذلك حتى وصل المقصد (فقتله
الله) بيدر في وقعتها كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في باب ذكر النبي ◌َ له من يقتل ببدر.
٣٦٣٣ - حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَيبةَ أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بن المغيرةِ عن أبيه عن
موسى بن عقبةً عن سالم بن عبد الله عن عبد اللَّه رضي الله عنه أن رسول الله وَلي قال: ((رأيت
الناس مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذَنوبَين وفي بعض نَزعهِ ضعف واللَّهُ يَغْفِرُ
له، ثم أخذَها عمرُ فاستحالَتْ بيدِهِ غَزْبًا. فلم أرَ عبقرِيًا في الناسِ يَفرِي فَرِيَّة، حتى ضرَبَ الناسُ
بَعَطَنِ)).
وقال همامٌّ: سمعتُ أبا هريرةَ عنِ النبيِّ وَّر: ((فنزَعَ أبو بكرٍ ذَنوبًا أو ذَنوبين)). [الحديث
٣٦٣٣ - أطرافه في: ٣٦٧٦، ٣٦٨٢، ٧٠١٩، ٧٠٢٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الرحمن بن شيبة) هو عبد الرحمن بن
عبد الملك بن محمد بن شيبة أبو بكر الحزامي بالحاء المهملة المكسورة والزاي القرشي مولاهم قال:
(حذّثنا) ولأبوي ذر والوقت: أخبرنا بالخاء المعجمة والجمع في الفرع، وفي اليونينية أخبرني
بالإفراد (عبد الرحمن بن المغيرة) ولأبي ذر مغيرة بدون أل (عن أبيه) المغيرة بن عبد الرحمن بن
عبد الله الحزامي (عن موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه
١٢٥
كتاب المناقب/ باب ٢٥
(عبد الله) بن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعن أبيه (أن رسول الله الفجر قال):
(رأيت الناس) في المنام (مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر) الصديق رضي الله عنه وفي رواية
أبي بكر بن سالم عن سالم في باب مناقب عمر أن النبي ◌َ له قال: «رأيت في المنام أني أنزع بدلو
بكرة على قليب فجاء أبو بكر» (فنزع) بنون فزاي فعين مهملة مفتوحات أخرج الماء من البئر
للاستقاء (ذنوبًا) بفتح الذال المعجمة دلوًا مملوءًا ماء (أو ذنوبين) بالشك للأكثر وفي رواية همام في
التعبير ذنوبين من غير شك (وفي بعض نزعه) أي استقائه (ضعف) بسكون العين وضم الفاء منوّنة
في الفرع والذي في أصله ضعف بضم العين وفتح الفاء (والله يغفر له) أي أنه على مهل ورفق
وليس فيه حط من فضيلته، بل هو إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح وكانت قليلة لاشتغاله
بقتال أهل الردة مع قصر مدة خلافته وقول من قال: إن المراد الإشارة إلى مدة خلافته. قال
الحافظ ابن حجر: فيه نظر لأنه ولي سنتين وبعض سنة فلو كان ذلك المراد لقال ذنوبين أو ثلاثة
ويؤيده ما وقع في حديث ابن مسعود في نحو هذه القصة فقال النبي وَلير: ((فاعبرها يا أبا بكر))
فقال: ألي الأمر من بعدك ثم يليه عمر قال: كذلك عبرها الملك. أخرجه الطبراني لكن في إسناده
أیوب بن جابر وهو ضعيف.
(ثم أخذها) أي الذنوب (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (فاستحالت) أي انقلبت (بيده
غربًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة دلوًا عظيمًا أكبر من الذنوب، وفيه إشارة
إلى عظم الفتوح التي كانت في زمنه رضي الله عنه وكثرتها وكان كذلك ففتح الله تعالى عليه من
البلاد والأموال والغنائم ومصر الأمصار ودوّن الدواوين لطول مدته. (فلم أر عبقريًا) بفتح العين
المهملة وسكون الموحدة وفتح القاف وكسر الراء وتشديد التحتية يعمل عمله ويقوى قوته (حتى
ضرب الناس بعطن) بفتح العين والطاء المهملتين آخره نون مناخ الإبل إذا صدرت عن الماء
والعطن للإبل كالوطن للناس، لكن غلب على مبركها حول الحوض.
وقال الأنباري: معناه حتى رووا وأرووا إبلهم وأبركوها وضروا لها عطنًا أي لتشرب
عللاً بعد نهل وتستريح فيه. وقال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أنه عائد إلى خلافة
عمر، وقيل يعود إلى خلافتهما معًا لأن أبا بكر جمع شمل المسلمين أوّلاً بدفع أهل الردّة وابتدأ
الفتوح في زمنه، ثم عهد إلى عمر فكثرت في خلافته الفتوح واتسع أمر الإسلام واستقرت
قواعده.
(وقال همام): هو ابن منبه مما وصله في التعبير من هذا الوجه ومن غيره (عن أبي هريرة)
ولأبوي ذر والوقت: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه (عن النبي وَي) أنه قال:
(فنزع أبو بكر ذنوبين) ولأبي ذر: ذنوبًا أو ذنوبين، وبقية المباحث تأتي إن شاء الله تعالى في
محالها .
١٢٦
كتاب المناقب/ باب ٢٥
٣٦٣٤ - حدثنا عباسُ بن الوليدِ النَّرسيُّ حدَّثَنا معتمرٌ قال: سمعتُ أبي قال: حدَّثنا أبو
عثمانَ قال: أُنبئتُ أن جبريلَ عليه السلامُ أتى النبيِّ ◌َ ﴿ وعنده أمُّ سلمةَ فجعلَ يحدَّثُ ثم قام،
فقال النبيُّ:﴿ لأمُّ سلمةَ: مَن هذا - أو كما قال - قالت: هذا دِحية. قالت أمُّ سلمةَ. أيمُ اللَّهِ
ما حسبتُه إلا إياهُ، حتى سمعتُ خطبةً نبيِّ اللهِ وَ﴿ يخبرُ عن جِبرِيلَ، أو كما قال. قال: فقلتُ
لأبي عثمانَ: ممن سمعتَ هذا؟ قال: من أُسامةَ بن زيد)). [الحديث ٣٦٣٤- طرفه في:
٤٩٨٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عباس بن الوليد) بالموحدة آخره سين مهملة
ابن نصر (النرسي) بنون مفتوحة فراء ساكنة فسين مهملة مكسورة قال: (حدّثنا معتمر قال:
سمعت أبي) سليمان بن طرخان التابعي التيمي قال: (حدّثنا أبو عثمان) عبد الرحمن النهدي
بالنون المفتوحة والهاء الساكنة (قال: أُنبئت) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أخبرت (أن جبريل
عليه السلام) وهذا مرسل لكن في آخره أنه سمعه من أسامة فصار مسندًا متصلاً (أتى النبي الل غو
وعنده) أم المؤمنين (أم سلمة) هند بنت أبي أمية والجملة حالية (فجعل) عليه الصلاة والسلام
(يحدث) رجلاً عنده (ثم قام) الرجل (فقال النبي # لأم سلمة) يستفهمها عن الذي كان يحدثه
هل عرفت أنه ملك أم لا؟.
(من هذا) يستفهم (أو كما قال): شك الراوي في اللفظ مع بقاء المعنى (قال): أبو
عثمان (قالت): أم سلمة (هذا دحية) بن خليفة الكلبي وكان جبريل عليه السلام يأتي كثيرًا في
صورته (قالت أم سلمة: أيم الله) بهمزة قطع من غير واو (ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة
نبي الله 18 يخبر) بضم التحتية بصيغة المضارع من أخبر أي (عن جبريل) وفي نسخة بخبر
جبريل بالموحدة وفتح الخاء وفي فضائل القرآن يخبر فعلاً مضارعًا خبر جبريل (أو كما قال).
قال في الفتح: ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أي قصة،
ويحتمل أن يكون في قصة بني قريظة فقد وقع في الدلائل للبيهقي عن عائشة أنها رأت
النبي ﴿ يكلم رجلاً وهو راكب فلما دخل قلت: من هذا الرجل الذي كنت تكلمه؟ قال:
(بمن تشبهينه))؟ قلت: بدحية بن خليفة. قال: ((ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة))
انتھی فليتأمل.
(قال): سليمان بن طرخان (فقلت لأبي عثمان) عبد الرحمن النهدي (ممن سمعت هذا)؟
الحديث (قال): سمعته (من أسامة بن زيد) حب رسول الله وَ﴾.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضائل القرآن ومسلم في فضائل أم سلمة رضي الله عنها.
(بسم الله الرحمن الرحيم).
سقطت البسملة لأبي ذر.
١٢٧
كتاب المناقب/ باب ٢٦
٢٦ - باب قول اللَّه تعالى: ﴿يَعرِفونَهُ كما يعرفونَ أبناءَهم
وإنَّ فريقًا منهم ليَكتُمونَ الحقَّ وهم يَعلمون﴾ [البقرة: ١٤٦].
(باب قول الله تعالى: ﴿يعرفونه﴾) خبر المبتدأ الذي هو الذين آتيناهم الكتاب والضمير يعود
على النبي * أي يعرفونه معرفة جلية (﴿كما يعرفون أبناءهم﴾) أي كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون
عليهم بغيرهم وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع
ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام وكاف كما نصب لمصدر
محذوف أي معرفة كائنة مثل معرفة أبنائهم (﴿وإن فريقًا منهم﴾) من أهل الكتاب (﴿ليكتمون
الحق﴾) محمدًاً وَ ز (﴿وهم يعلمون﴾) [البقرة: ١٤٦]. جملة اسمية في موضع نصب على الحال
من فاعل يكتمون، وهذا ظاهر في أن كفرهم كان عنادًا، وسقط لأبي ذر: وأن فريقًا إلى آخره.
٣٦٣٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن يوسُفَ أخبرنا مالكُ بن أَنَس عن نافع عن عبدِ الله بنِ عمرٌ
رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ اللَّهِ وَهِ فذكروا له أنَّ رجلاً منهم وامرأةً زنيا.
فقال لهم رسولُ اللَّهِ وَ﴿: ما تجدون في التّوراةِ في شأنِ الرجم؟ فقالوا: نفضَحُهم ويُجلَدون.
فقال عبدُ اللَّهِ بن سلام: كذبتم، إنَّ فيها الرّجم. فأتوا بالتوراةِ فنشَروها، فوضعَ أحدُهم يدَهُ على
آيَةِ الرَّجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها. فَقالَ له عبدُ اللَّه بن سَلام: ارفَعْ يدَك، فرفعَ يدَهُ، فإذا فيها
آيةُ الرَّجم؛ فقالوا: صدَقَ يا محمدُ، فيها آية الرجم. فأمرَ بهما رسولُ اللَّهِ وَلِ فِرُجما. قال
عبد اللّه: فرأيتُ الرجلَ يَجنَأ على المرأةِ يَقيها الحجارةَ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الدمشقي الأصل قال: (أخبرنا مالك بن
أنس) الإمام الأعظم الأصبحي رحمه الله، وسقط لأبي ذر ابن أنس (عن نافع) مولى ابن عمر (عن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﴿ فذكروا له أن رجلاً منهم)
من اليهود لم يسم (وامرأة) منهم أيضًا (زنيا) واسم المرأة بسرة بضم الموحدة وسكون السين المهملة
وذكر أبو داود السبب في ذلك من طريق الزهري: سمعت رجلاً من مزينة ممن يتبع العلم. وكان
عند سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم
لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها
عند الله عز وجل وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي ◌َ لفر وهو جالس في المسجد في
أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ (فقال لهم رسول الله (وكالات):
ليلزمهم ما يعتقدون في كتابهم:
(ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) في حكمه ولعله أوحي إليه أن حكم الرجم فيها
ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل (فقالوا: نفضحهم) بفتح النون والضاد المعجمة بينهما فاء ساكنة
من الفضيحة أي نكشف مساويهم للناس ونبينها (ويجلدون) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول
١٢٨
كتاب المناقب/ باب ٢٧
(فقال عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الخزرجي من بني يوسف بن يعقوب عليهما السلام وشهد
له النبي وَ﴿ بالجنة. (كذبتم إن فيها الرجم) أي على الزاني المحصن، ولأبي ذر: للرجم بلام
الابتداء (فأتوا بالتوراة) بفتح الهمزة والفوقية (فنشروها فوضع أحدهم) هو عبد الله بن صوريا
الأعور (يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع
يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا): أي اليهود (صدق) ابن سلام (يا محمد فيها) في التوراة (آية
الرجم فأمر بهما) بالزانيين (رسول الله ® فرجما) وفي حديث جابر عند أبي داود فدعا
رسول الله* بالشهود فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة
فأمر بهما فرجما.
(قال عبد الله) بن عمر بن الخطاب (فرأيت الرجل يجنا) بالجيم الساكنة والهمزة آخره أي
يكب، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يجني بالحاء المهملة وكسر النون من غير همز أي يعطف
(على المرأة بقيها الحجارة) ومباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في الحدود بعون الله وقوته.
وقد أخرجه في المحاربين ومسلم في الحدود وكذا الترمذي وأخرجه النسائي في الرجم.
٢٧ - باب سُؤالِ المشركينَ
أن يُرِيَهم النبيُّ وََّ آيَةً، فأراهمُ انشِقَاقَ القمر
(باب سؤال المشركين أن يريهم النبي # آية) أي معجزة خارقة للعادة (فأراهم انشقاق
القمر).
٣٦٣٦ - هذّئنا صدَقةُ بن الفضلِ أخبرنا ابنُ عُيَينةَ عنِ ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ عن أبي
مَعْمِرٍ عن عبدِ الله بن مسعودٍ رضيَ اللَّه عنه قال: ((انشقَّ القمرُ على عهد النبيِّ وَّرِ شِفْتَينٍ،
فقال النبيُّ وَ﴿: اشهدوا)). [الحديث ٣٦٣٦ - أطرافه في: ٣٨٦٩، ٣٨٧، ٤٨٦٤، ٤٨٦٥].
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (ابن عيينة)
سفيان (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة ساكنة
عبد الله بن سخبرة الكوفي (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) أنه (قال: انشق القمر على
عهد رسول الله) ولأبوي ذر والوقت النبي (18) أي زمنه وفي أيامه (شقتين) بكسر الشين وتفتح
أي نصفين، وزاد أبو نعيم في الدلائل من طريق عتبة بن عبد اللَّه قال ابن مسعود: قلقد رأيت
أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة (فقال النبي (صل﴿):
(اشهدوا) من الشهادة وإنما قال ذلك لأنها معجزة عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في التوبة والترمذي في التفسير وكذا النسائي.
١٢٩
كتاب المناقب/ باب ٢٨
٣٦٣٧ - هذّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا يونسُ حدَّثنا شيبانُ عن قتادةَ عن أنسٍ بن مالك
ح. وقال لي خليفة: حدَّثنا يَزِيدُ بن زُرَيع حدَّثَنا سعيدٌ عن قتادةَ عن أنس بن مالك رضيَ اللَّهُ
عنه أنه حدَّثهم: ((أنَّ أهل مكةَ سألُوا رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ أن يُريّهم آيةً، فأراهمُ انشقاق القمر)).
[الحديث ٣٦٣٧ - أطرافه في: ٣٨٦٨، ٤٨٦٧، ٤٨٦٨].
وبه قال: (حدِّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد اللَّه بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا
يونس) بن محمد المؤدب قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (عن قتادة) بن دعامة (عن
أنس بن مالك رضي الله عنه) وسقط لأبي ذر ابن مالك وسقط الترضي أيضًا في اليونينية. قال
المؤلف: (ح).
(وقال لي خليفة) بن خياط (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء البصري قال:
(حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) زاد في اليونينية ابن مالك
رضي الله عنه (أنه حدثهم أن أهل مكة سألوا رسول الله و في أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر)
زاد في رواية له في الصحيحين شقين حتى رأوا حراء بينهما وأنس لم يحضر ذلك لأنه كان ابن
أربع سنين أو خمس بالمدينة.
٣٦٣٨ - حدثنا خَلَفُ بنُ خالدِ القُرَشي حدّثَنا بكر بنُ مُضَرَ عن جعفر بن ربيعةً عن
عِراكِ بن مالكِ عن عُبَيدِ اللَّهِ بن عبدِ الله بن مسعودٍ عن ابن عباس رضيَ اللَّه عنهما: ((أن القمرَ
انشق في زمانِ النبيِّ وَّر)). [الحديث ٣٦٣٨ - طرفاه في: ٣٨٧٠، ٤٨٦٦].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (خلف بن خالد القرشي) مولاهم أبو المهنا
أو أبو المضاء قال: (حدّثنا بكر بن مضر) بميم مضمومة فضاد معجمة مفتوحة فراء القرشي (عن
جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل ابن حسنة القرشي (من عراك بن مالك) بكسر العين وتخفيف الراء
وبعد الألف كاف الغفاري المدني (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عبد الله) بن عتبة (بن
مسعود) أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن القمر انشق) وفي رواية عن ابن
عباس عند أبي نعيم في الدلائل والفضائل فصار قمرين (في زمان النبي ﴿) وابن عباس أيضًا لم
يحضر ذلك لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد لكن في
بعض الطرق أنه حمل الحديث عن ابن مسعود، وانشقاق القمر من أمهات المعجزات وأجمع عليه
المفسرون وأهل السنّة وروي عن جماعة كثيرة من الصحابة.
٢٨ - باب
٣٦٣٩ - حدثنا محمدُ بن المثنى حدَّثَنَا مُعاذٍّ قال: حدَّثني أبي عن قتادةَ حدّثَنا أنسٌ رضيَ
اللَّهُ عنه: ((أنَّ رَجُلَينِ من أصحابِ النبيَِِّ﴿ خرجا من عند النبيِ﴿ في ليلةٍ مُظلمةٍ ومعهما مثلُ
إرشاد الساري/ ج ٨/ م ٩
١٣٠
كتاب المناقب/ باب ٢٨
المصباحَين يُضِيئانِ بينَ أيديهما، فلما افترَقا صار مع كلِّ واحدٍ منهما واحدٌ حتى أتى أهله)».
وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا وفي نسخة وهي التي في اليونينية باب التنوين
من غير ترجمة حدّثنا (محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدّثنا معاذ قال: حدّثني) بالإفراد (أبي)
هشام بن عبد اللَّه الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس) ولأبي ذر: عن أنس
(رضي الله عنه أن رجلين) أسيد بن الحضير وعباد بن بشر (من أصحاب النبي وَلثر خرجا من عند
النبي 858* في ليلة مظلمة) بكسر اللام (ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما) إكرامًا لهما
وإظهارًا لسر قوله: بشر المشائين في الظلم للمساجد بالنور التام يوم القيامة فعجل لهما مما ادّخر
في الآخرة (فلما افترقا صار مع كل واحد منهما) نور (واحد) يضيء له (حتى أتى أهله).
وعند عبد الرزاق في مصنفه أن أسيد بن حضير ورجلاً من الأنصار تحدثا عند
رسول الله ﴿ حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وفي يد كل واحد
منهما عصبة فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت
عصا الآخر فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله.
وأخرج البخاري في تاريخه عن حمزة الأسلمي قال: كنا عند النبي وَ لتر في سفر فتفرقنا في
ليلة ظلماء فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وأن أصابعي لتنير، ويأتي
مزيد لما ذكرته هنا في مناقب أسيد وعباد إن شاء الله تعالى بعونه وقوته.
٣٦٤٠ - هذّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي الأسودِ حدَّثنا يحيى عن إسماعيلَ حدَّثنا قَيسٌ سمعتُ
المغيرةَ بن شُعبةَ عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((لا يَزالُ ناسٌ مِن أَمَّتي ظاهرينَ، حتى يأتيَهم أمرُ اللَّهِ وهم
ظاهرون)). [الحديث ٣٦٤٠ - طرفاه في: ٧٣١١، ٧٤٥٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود واسم أبي
الأسود حميد بن أبي الأسود البصري وهو ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي قال: (حدّثنا
يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي أنه قال: (حذّثنا قيس) هو ابن أبي
حازم قال: (سمعت المغيرة بن شعبة) رضي الله عنه (عن النبي وَي) أنه (قال):
(لا يزال) بالمثناة التحتية (ناس من أمتي ظاهرين) زاد مسلم عن ثوبان على الحق، وله أيضًا
من حديث جابر: يقاتلون على الحق ظاهرين (حتى يأتيهم أمر الله) وفي حديث جابر بن سمرة
عند مسلم حتى تأتيهم الساعة (وهم ظاهرون) أي غالبون من خالفهم. وقال النووي: أمر الله هو
الريح الذي يأتي فيأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة. واستدل به أكثر الحنابلة وبعض من غيرهم على
أنه لا يجوز خلوّ الزمان عن المجتهد، وعورض بحديث ابن عمر المروي في البخاري وغيره
مرفوعًا: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء
بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون، إذ فيه دلالة على جواز خلوّ
١٣١
كتاب المناقب/ باب ٢٨
الزمان عن مجتهد وهو قول الجمهور لأنه صريح في رفع العلم بقبض العلماء وترئيس الجهال،
وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام والتوحيد ومسلم في الجهاد.
٣٦٤١ - حدثنا الحُميديُّ حدّثنا الوَليدُ قال: حدّثني ابنُ جابر قال: حدَّثني عُمَيرُ بن هانيٍ
أنه سمعَ معاويةً يقول: ((سمعتُ النبيِّ وَ﴿ يقول: لا يَزالُ من أُمَّتي أمةٌ قائمةٌ بأمرِ اللَّهِ لا يَضرُّهم
مَن خذَلَهم ولا مَن خالَفَهم، حتى يأتيهم أمرُ اللَّهِ وهم على ذلك)). قال عُمَير: فقال مالكُ بنُ
يُخامِرَ: قال مُعاذٌ: ((وهم بالشام))، فقال معاوية: هذا مالكٌ يزعمُ أنه سمعَ مُعاذًا يقول: ((وهم
بالشام» .
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدثنا الوليد) بن مسلم القرشي
(قال: حدَّثني) بالإفراد (ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جار الأزدي (قال: حدّثني)
بالإفراد (عمير بن هانىء) بضم العين مصغرًا وهانىء بالنون بعد الألف آخره همزة الشامي (أنه
سمع معاوية) بن أبي سفيان (يقول: سمعت النبي ◌َ﴿ يقول):
(لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله) قال التوربشتي: الأمة القائمة بأمر الله وإن اختلف فيها
فإن القصد بها الفئة المرابطة في ثغور الشام نصر الله بهم وجه الإسلام لما في قوله بعد وهم بالشام
(لا يضرهم) كل الضرر (من خذلهم) بالذال المعجمة (ولا من خالفهم) إذ العاقبة للمتقين (حتى
يأتيهم أمر الله وهم على ذلك). وفي حديث عقبة بن عامر: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على
أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة.
(قال عمير): أي ابن هانىء بالسند السابق (فقال مالك بن يخامر): بضم التحتية وفتح
المعجمة المخففة وكسر الميم بعدها راء السكسكي الحمصي التابعي الكبير (قال معاذ): هو ابن جبل
(وهم) أي الأمة القائمة بأمر الله مقيمون (بالشام. فقال معاوية) بن أبي سفيان (هذا مالك) يعني
ابن يخامر (يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام) وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني:
يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم
ظاهرين إلى يوم القيامة.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في الجهاد.
٣٦٤٢ - هذّثنا عليٍّ بن عبدِ اللَّهِ أخبرَنا سفيانُ حدَّثنا شَبيبُ بن غَرْقَدةَ قال: سمعتُ الحَيَّ
يَتحدّثون عن عروةَ: ((أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ أعطاهُ دِينارًا يَشتري له بهِ شاةً، فاشترى له بهِ شاتَينٍ، فباع
إحداهما بدِينارٍ، فجاء بدِينارٍ وشاةٍ، فدعا لهُ بالبرَكةِ في بيعهِ، وكان لوِ اشترَى الترابَ لَرَبحَ فيه)).
قال سفيانُ كان الحسن بنُ عُمارةَ جاءنا بهذا الحديثِ عنه قال: سمعَهُ شَبيبٌ من عُروةَ،
١٣٢
كتاب المناقب/ باب ٢٨
فأتيتهُ، فقال شبيب: إني لم أسمَعْهُ من عروةَ، قال: سمعتُ الحيِّ يُخبرونَهُ عنه)).
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا) والذي في اليونينية أخبرنا
(سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا شبيب بن غرقدة) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى
وسكون التحتية وغرقدة بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف والدال المهملة السلمي
الكوفي أحد التابعين (قال: سمعت الحي) بالحاء المهملة المفتوحة والتحتية المشددة أي القبيلة التي
أنا فيها وهم البارقيون نسبوا إلى بارق جبل باليمن نزله بنو سعد بن عدي بن حارثة فنسبوا إليه
ومقتضاه أنه سمعه من جماعة أقلهم ثلاثة (يحدّثون) ولأبي ذر: يتحدثون بفتح التحتية فزيادة فوقية
وفتح الدال (عن عروة) بن الجعد ويقال: ابن أبي الجعد. وقيل اسم أبيه عياض البارقي بالموحدة
والقاف الصحابي الكوفي وهو أول قاض بها. وقال الحافظ أبو ذر مما في هامش اليونينية عروة هو
البارقي رضي الله عنه.
(أن النبي ◌َ ل﴿ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة فاشترى له به) بالدينار (شاتين) ولأحمد من
رواية أبي لبيد عن عروة قال: عرض للنبي 9 جلب فأعطاني دينارًا فقال: أي عروة ات الجلب
فاشتر لنا شاة قال: فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار (فباع أحدهما) أي
إحدى الشاتين (بدينار وجاءه) ولأبوي ذر والوقت فجاءه بالفاء بدل الواو (بدينار وشاة فدعا) عليه
الصلاة والسلام (له بالبركة في بيعه) في رواية أحمد فقال: اللهم بارك له في صفقته (وكان لو
اشترى التراب لربح فيه) ولأحمد قال: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفًا قبل أن
أصل إلى أهلي.
(قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (كان الحسن بن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم
البجلي مولاهم الكوفي قاضي بغداد في زمن المنصور ثاني خلفاء بني العباس وهو أحد الفقهاء
المتفق على ضعف حديثهم، وفي التهذيب قال محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي، قال
شعبة: أتيت جرير بن حازم فقلت له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة فإنه يكذب،
وقال علي بن الحسن بن شقيق قلت لابن المبارك: لم تركت أحاديث الحسن بن عمارة؟ قال:
جرّحه عندي سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج فبقولَهما تركت حديثه. وقال أحمد بن حنبل:
منكر الحديث وأحاديثه موضوعة لا يثبت حديثه. وقال ابن حبان: كان يدلس على الثقات ما
سمعه من الضعفاء عنهم. وبالجملة فهو متروك لكن ليس له في البخاري إلا هذا الموضع. (جاءنا
بهذا الحديث) المذكور (عنه) أي عن شبيب بن غرقدة.
(قال): أي الحسن بن عمارة المذكور (سمعه) أي الحديث (شبيب من عروة) البارقي قال
سفيان بن عيينة (فأتيته) أي شبيبًا (فقال شبيب: إني لم أسمعه) أي الحديث (من عروة) البارقي بل
(قال) أي شبيب (سمعت الحي) البارقين (يخبرونه) أي بالحديث (عنه) أي عن عروة.
وتمسك بهذا الحديث من جوّز بيع الفضولي ووجه الدلالة منه كما قال ابن الرفعة: أنه باع
١٣٣
کتاب المناقب/ باب ٢٨
الشاة الثانية من غير إذن وأقره عليه الصلاة والسلام على ذلك وهو مذهب مالك في المشهور عنه
وأبي حنيفة وبه قال الشافعي في القديم، فينعقد البيع وهو موقوف على إجازة المالك فإن أجازه
نفذ وإن ردّه لغا.
وممن حكى هذا القول من العراقيين المحاملي في اللباب وعلق الشافعي في البويطي صحته
على صحة الحديث فقال في آخر باب الغصب: إن صح حديث عروة البارقي فكل من باع أو
أعتق ملك غيره بغير إذنه ثم رضي فالبيع والعتق جائزان هذا لفظه. ونقل البيهقي أنه علقه أيضًا
على صحته في الأم، والمذهب أنه باطل وهو الجديد الذي لا يعرف العراقيون غيره على ما حكاه
الإمام ومن تابعه لحديث حكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك، وحديث واثلة بن عامر لا تبع ما
لا تملك، وأجابوا عن حديث الباب على تقدير صحته باحتمال أن يكون عروة وكيلاً في البيع
والشراء معًا وبأن البخاري أشار بقوله قال سفيان: كان الحسن إلى آخره إلى بيان ضعف روايته أي
الحسن وأن شبيبًا لم يسمع الحديث من عروة وإنما سمعه من الحي البارقيين ولم يسمهم عن عروة،
فالحديث بهذا ضعيف للجهل بحالهم.
وأجيب: بأن شبيبًا لا يروي إلاّ عن عدل فلا بأس به، وبأنه أراد نقله بوجه آكد إذ فيه
إشعار بأنه لم يسمع من رجل قطّ بل من جماعة متعددة ربما يفيد خبرهم القطع به، وأما
الحسن بن عمارة وإن كان متروكًا فإنه ما أثبت شيئًا بقوله من هذا الحديث، وبأن الحديث قد
وجد له متابع عند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه من طريق سعيد بن زيد عن
الزبير بن الخريت بكسر المعجمة وتشديد الراء المكسورة وبعدها تحتية ساكنة ثم فوقية عن أبي لبيد
واسمه لمازة بكسر اللام وتخفيف الميم وبالزاي ابن زباز بفتح الزاي وتشديد الموحدة آخره زاي
الأزدي الصدوق قال: حدثني عروة البارقي فذكر الحديث بمعناه.
٣٦٤٣ - هذئنا ولكنْ سمعتهُ يقول: سمعتُ النبيِّ وَّه يقول: ((الخيرُ مَعقودٌ بنَواصِي الخيلِ
إلى يوم القيامة))، قال: وقد رأيتُ في دارهِ سبعينَ فَرَسًا. قال سفيانُ: ((يَشترِي لَهُ شاةً كأنّها
أُضْحيّة)).
(ولكن) أي قال شبيب بن غرقدة: لم أسمع الحديث السابق من عروة البارقي ولكن (سمعته
يقول سمعت النبي 1 يقول):
(الخير معقود) أي لازم (بنواصي الخيل) الغازية في سبيل الله (إلى يوم القيامة) وفيه تفضيل
الخيل على سائر الدواب (قال): أي شبيب بالسند السابق (وقد رأيت في داره) أي دار عروة
(سبعين فرسًا. قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (يشتري) بفتح أوله وكسر الراء أي عروة
البارقي (له) أي لرسول الله وَلي (شاة كأنها أضحية) والظاهر أن قوله كأنها أضحية من قول سفيان
أدرجه فيه وكذا قال في الفتح، ولم أر في شيء من طرق الحديث أنه أراد أضحية، وقد بالغ أبو
١٣٤
كتاب المناقب/ باب ٢٨
الحسن بن القطان في كتاب بيان الوهم في الإنكار على من زعم أن البخاري أخرج حديث شراء
الشاة محتجًا به وقال: إنما أخرج حديث الخيل وانجر به سياق القصة إلى تخريج حديث الشاة.
قال في الفتح: وهو كما قال لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجه ولا ما يحطه عن شرطه لأن
الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب لا سيما وقد ورد ما يعضده ولأن الغرض منه الذي
يدخل في علامات النبوة دعاؤه وَلفيه لعروة فاستجيب له حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي في البيوع وابن ماجه في الأحكام.
٣٦٤٤ - حقئنا مسدّد حدّثنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ قال: أخبرني نافعٌ عنِ ابن عمر رضيَ
اللَّهُ عنهما أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ قال: ((الخيلُ مَعقودٌ في نواصِيها الخيرُ إلى يوم القيامة)).
وبه قال: (حدَّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه (قال:
أخبرني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وجل﴿و قال):
(الخيل في نواصيها) ولأبي ذر: معقود في نواصيها (الخير). قال الخطابي: كنّ بالناصية عن
جميع ذات الفرس يقال فلان مبارك الناصية ومبارك الغرة أي الذات (إلى يوم القيامة). قال القاضي
عياض: فيه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع الجناس بين الخيل والخير. وسبق
هذا الحديث في الجهاد.
٣٦٤٥ - هذانا قَيسُ بن حفصٍ حدّثَنا خالدُ بن الحارث حدّثَنَا شُعبةُ عن أبي التَّاحِ قال:
سمعتُ أنسَ بن مالكِ عنِ النبيِّ ◌َ﴿ قال: ((الخَيلُ معقودٌ في نَواصِيها الخير)).
وبه قال: (حدّثنا قيس بن حفص) الدارمي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحرث)
الهجيمي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي التياح) بفتح الفوقية والتحتية المشددة
آخره حاء مهملة اسمه يزيد بن حميد أنه (قال: سمعت أنسًا) ولأبي ذر: أنس بن مالك (عن
النبي ◌َ﴾ قال):
(الخيل معقود في نواصيها الخير) لم يقل إلى يوم القيامة. وهذا الحديث رواه في الجهاد من
طريق مسدّد عن يحيى عن شعبة عن أبي التياح بلفظ: البركة في نواصي الخيل.
٣٦٤٦ - هذّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلمةَ عن مالكِ عن زيد بن أسلمَ عن أبي صالح السمّانِ
عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه عن النبيِّ وََّ قال: ((الخيلُ لثلاثة: لرجُلٍ أجر، ولرجلٍ سِتر،
وعَلَى رجُلٍ وٍزر. فأما الذي له أجر فرجلٌ ربطها في سبيلِ اللَّه، فأطالَ لها في مَرج أو روضة،
فما أصابَتْ في طِيَلِها منَ المرجِ أوِ الرَّوضةِ كانت له حسَنات، ولو أنها قطعَتْ طِيَلَها فاستنَّثْ
١٣٥
كتاب المناقب/ باب ٢٨
شرَفًا أو شرَفَين كانت أرواتُها حسنَاتٍ له، ولو أنَّها مرَّت بنهرٍ فشربَت ولم يُرد أن يَسقِيَها كان
ذلك له حسنات. ورجلٌ ربطها تَغَنْيًا وتَعفُّفًا ولم يَنسَ حقَّ اللَّهِ في رقابها وظُهورِها، فهي لهُ
كذلكَ سِتر. ورجلٌ رَبَطَها فخرًا ورِياءً ونواءً لأهل الإسلام فهيَ وِزر. وسُئلَ رسولُ اللَّهِ وَلّ عن
الحُمرِ فقال: ما أُنزِلَ عَلَيَّ فيها إلاَّ ههذه الآية الجامعة الفاذّة: ﴿فمن يَعمَلْ مِثْقَالَ ذرَّةٍ خيرًا يَرَه
ومَن يَعمل مِثْقالَ ذرّةٍ شرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧- ٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (من مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم)
العدوي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَي) أنه (قال):
(الخيل لثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر) إثم (فأما) الرجل (الذي) هي (له
أجر فرجل ربطها) للجهاد (في سبيل الله) عز وجل (فأطال لها) في الحبل الذي ربطها به حتى
تسرح للرعي (في مرج) بفتح الميم وسكون الراء بعدها جيم أي موضع كلا (أو روضة) بالشك
(وما) بالواو ولأبي ذر: فما (أصابت) من أكل أو شرب أو مشي (في طيلها) بكسر الطاء المهملة
وفتح التحتية أي حبلها المربوط فيه (من المرج أو الروضة كانت له) أي لصاحبها (حسنات) يوم
القيامة (ولو أنها قطعت طيلها) حبلها المذكور (فاستنت) بفتح الفوقية وتشديد النون عدت بمرج
ونشاط (شرفاً أو شرفين) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء فيهما أي شوطًا أو شوطين فبعدت عن
الموضع الذي ربطها صاحبها فيه ترعى ورعت في غيره (كانت أروائها) بالمثلثة (حسنات له) أي
لصاحبها في الآخرة (ولو أنها مرت بنهر فشربت) أي منه بغير قصده (ولم يرد أن يسقيها كان
ذلك) الشرب وعدم الإرادة (له حسنات و) أما الذي هي له ستر فهو (رجل ربطها تغنيًا) بفتح
الغين المعجمة وتشديد النون المكسورة أي استغناء عن الناس (وتسترًا) بفوقية مفتوحة قبل المهملة في
الفرع وغيره وفي اليونينية وغيرها وسترًا بإسقاط الفوقية (وتعففًا) عن سؤالهم (لم) ولأبي ذر ولم
(ينس حق الله في رقابها) بأن يؤدي زكاة تجارتها (وظهورها) بأن يركب عليها في سبيل الله (فهي
له كذلك ستر) تقيه من الفاقة (و) أما الذي هي عليه وزر فهو (رجل ربطها فخرًا) لأجل الفخر
(ورياء) أي إظهارًا للطاعة والباطن بخلافه (ونواء) بكسر النون وفتح الواو ممدودًا أي عداوة
(لأهل الإسلام فهي) عليه (وزر) أي له.
(وسئل النبي) ولأبي ذر: رسول الله (8* عن الحمر) هل لها حكم الخيل؟ (فقال: ما أنزل)
وفي اليونينية بغير عزو ما أنزل الله (علّ فيها إلا هذه الآية الجامعة) لكل خير وشر (الفاذة) بالفاء
والذال المعجمة المشددة أي القليلة المثل المنفردة في معناها. (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن
يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾) [الزلزلة: ٧ - ٨].
وهذا الحديث قد مرّ في الجهاد.
٣٦٤٧ - هذّثنا عليّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثنا سُفيانُ حدَّثنا أَيُوبُ عن محمدٍ سمعتُ أنسَ بنَ
١٣٦
كتاب المناقب/ باب ٢٨
مالكِ رضيَ اللَّه عنه يقول: ((صَبَّحَ رسولُ اللَّهِ وَ﴿ه خَيْبَرَ بُكرةً وقد خرجوا بالمَساحي، فلما رأوهُ
قالوا: محمدٌ والخَميسُ، فأحالوا إلى الْحِصنِ يَسعونَ، فرفعَ النبيَُّ ﴿ يدَيهِ وقال: اللَّهُ أكبرُ،
خَرَبَتْ خَيبَرُ، إنا إذا نزلنا بساحةٍ قومٍ فساءَ صباحُ المنذَّرين)).
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا
أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين أنه قال: (سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه
يقول: صبح رسول الله (*) بتشديد الموحدة بعد الصاد المهملة (خيبر بكرة وقد خرجوا بالمساحي
فلما رأوه قالوا: محمد والخميس) أي الجيش وسمي به لأنه خمسة أقسام الميمنة والميسرة والمقدمة
والساقة والقلب (وأحالوا) بالحاء المهملة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فأجالوا بالفاء بدل الواو
وبالجيم بدل الحاء (إلى الحصن) أي أقبلوا إلى الحصن هاربين حال كونهم (يسعون، فرفع النبي *
يديه) بالتثنية (وقال):
(الله أكبر، خربت) أي ستخرب (خيبر) في توجهنا إليها (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء
صباح المنذرين). وقد مرّ هذا الحديث في الجهاد.
٣٦٤٨ - هذّثنا إبراهيمُ بن المنذرِ حدَّثَنا ابنُ أبي الفُدَيكِ عنِ ابن أبي ذِئبٍ عن المقبُريَّ
عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إني سمعتُ منكَ حديثًا كثيرًا فأنساهُ.
قال ◌َ﴿: ابسُط رِداءَكَ، فبسطتُهُ، فغَرَفَ بيدَيهِ فيه ثم قال: ضُمَّهُ، فضمَمْتَهُ، فما نسيتُ حديثًا
بعد».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا ابن
أبي الفديك) بضم الفاء وفتح الدال المهملة وسكون التحتية آخره كاف محمد بن إسماعيل واسم أبي
فديك دينار الديلمي (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن المقبري) بضم الموحدة
سعيد بن أبي سعيد كيسان (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قلت يا رسول الله إني سمعت
منك حديثًا كثيرًا) صفة لحديثًا لأنه اسم جنس يتناول القليل والكثير (فأنساء) صفة ثانية والنسيان
زوال علم سابق عن الحافظة والمدركة (قال (*):
(ابسط رداءك فبسطته) أي لما قال: ابسط امتثلت أمره فبسطته وإلاّ فيلزم منه عطف الخبر
على الإنشاء وهو مختلف فيه، ولغير أبي ذر فبسطت بإسقاط الضمير المنصوب (فغرف) عليه الصلاة
والسلام (بيده) بالإفراد، ولأبي ذر: بيديه (فيه) فجعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ورمى به
في ردائه ومثل لذلك في عالم الحس (ثم قال): ﴿ لأبي هريرة (ضمه) قال: (فضممته فما نسيت
حديثًا بعد) بالضم قطعه عن الإضافة، وقد مرّ الحديث في كتاب العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
٦٢ - كتاب فضائل أصحاب النبي
كلالله
وسيلة
١ - باب فضائل النبيِّ وَّرِ،
ومَن صَحِب النبيَّ أو رآهُ منَ المسلمين فهو في أصحابه
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(باب فضائل أصحاب النبي (18) وسقط الباب لأبي ذر فما بعده رفع (ومن صحب
النبي (18) في زمن نبوته ولو ساعة (أو رآه) في حال حياته ولو لحظة مع زوال المانع من الرؤية
كالعمى حال كونه في وقت الصحبة أو الرؤية (من المسلمين) العقلاء ولو أنثى أو عبدًا أو غير
بالغ أو جنيًا أو ملكًا على القول ببعثته إلى الملائكة (فهو من أصحابه). خبر المبتدأ الذي هو مَنْ
الموصول وصحب صلته ودخول الفاء في فهو لتضمن الابتداء معنى الشرط، وأو في قوله: أو رآه
للتقسيم والضمير المنصوب للنبي # أو للصاحب والاكتفاء بمجرد الرؤية من غير مجالسة ولا
مماشاة ولا مكالمة مذهب الجمهور من المحدثين والأصوليين لشرف منزلته * فإنه كما صرح به
غير واحد إذا رآه مسلم أو رأى مسلمًا لحظة طبع قلبه على الاستقامة إذ إنه بإسلامه متهيىء
للقبول، فإذا قابل ذلك النور المحمدي أشرق عليه فظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه. والصحبة
لغة تتناول ساعة فأكثر وأهل الحديث كما قال النووي: قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف
على وفق اللغة، وإليه ذهب الآمدي، واختاره ابن الحاجب فلو حلف لا يصحبه حنث بلحظة،
وعدّ في الإصابة من حضر معه عليه الصلاة والسلام حجة الوداع من أهل مكة والمدينة والطائف
وما بينهما من الأعراب وكانوا أربعين ألفًا لحصول رؤيتهم له وَ ﴿ وإن لم يرهم هو بل ومن كان
مؤمنًا به زمن الإسراء إن ثبت عليه الصلاة والسلام كشف له في ليلته عن جميع من في الأرض
فرآه وإن لم يلقه لحصول الرؤية من جانبه و 18 وهذا كغيره يرد على ما قاله صاحب المصابيح ليس
الضمير المستتر في قول البخاري أو رآه بعود على النبي عليه لأنه يلزم عليه أن يكون من وقع عليه
١٣٨
كتاب فضائل أصحاب النبي #/ باب ١
بصر النبي ◌َّل صحابيًا وإن لم يكن هو قد وقع بصره على النبي ◌َّالقر ولا قائل به انتهى.
وأما ابن أم مكتوم وغيره ممن كان من الصحابة أعمى فيدخل في قوله: ومن صحب وكذا
في قولهم أو رآه النبي ◌َّله على ما لا يخفى، وقول الحافظ الزين العراقي في شرح ألفيته أن في
دخول الأعمى الذي جاء إليه وَير ولم يصحبه ولم يجالسه في قول البخاري في صحيحه من صحب
النبي ﴿ ورآه نظر ظاهره أن في نسخته التي وقف عليها ورآه بواو العطف من غير ألف فيكون
التعريف مركبًا من الصحبة والرؤية معًا فلا يدخل الأعمى كما قال.
لكن في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة أو التي للتقسيم وهو الظاهر لا سيما وقد
صرح غير واحد بأن البخاري تبع في هذا التعريف شيخه ابن المديني والمنقول عنه أو بالألف،
وأما الصغير الذي لا يميز كعبد اللّه بن الحرث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ممن
حنكه أو دعا له، ومحمد بن أبي بكر الصديق المولود قبل وفاته وَ لفي بثلاثة أشهر وأيام فهو وإن
لم تصح نسبة الرؤية إليه صحابي من حيث إن النبي ليو رآه كما مشى عليه غير واحد ممن صنف
في الصحابة.
وأحاديث هؤلاء من قبيل مراسيل كبار التابعين ثم إن التقييد بالإسلام يخرج من رآه في حال
الكفر فليس بصاحب على المشهور ولو أسلم كرسول قيصر وإن أخرج له الإمام أحمد في مسنده،
وقد زاد الحافظ ابن حجر كشيخه الزين العراقي في التعريف ومات على الإسلام ليخرج من ارتدّ
بعد أن رآه مؤمنًا ومات على الردّة كابن خطل فلا يسمى صحابيًا بخلاف من مات بعد ردّته
مسلمًا في حياته وَ﴿ أو بعده سواء لقيه ثانيًا أم لا.
وتعقب بأنه يسمى قبل الردّة صحابيًا ويكفي ذلك في صحة التعريف إذ لا يشترط فيه
الاحتراز عن المنافي العارض ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن الردة العارضة لبعض أفراده،
فمن زاد في التعريف أراد تعريف من يسمى صحابيًا بعد انقراض الصحابة لا مطلقًا وإلا لزمه أن
لا يسمى الشخص صحابيًا في حال حياته ولا يقول بهذا أحد كذا قرره الجلال المحلي، لكن انتزع
بعضهم من قول الأشعري أن من مات مرتدًا تبين أنه لم يزل كافرًا لأن الاعتبار بالخاتمة صحة
إخراجه فإنه يصح أن يقال: لم يره مؤمنًا لكن في هذا الانتزاع نظر لأنه حين رؤيته كان مؤمنًا في
الظاهر، وعليه مدار الحكم الشرعي فيسمى صحابيًا قاله شيخنا في فتح المغيث.
٣٦٤٩ - هقثنا عليّ بن عبدِ اللَّه حدَّثَنا سفيانُ عن عمرو قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ
رضيَ اللهُ عنهما يقولُ حدَّثَنا أبو سعيدِ الخُذْريَّ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّه: ((يأتي على الناس
زمانٌ فَيغزو فِئامٌ من الناس، فيقولون: فيكم مَن صاحبَ رسولَ اللَّهِ وَلز؟ فيقولون لهم. نعم،
فيُفتَحُ لهم. ثُمَّ يأتي على الناسِ زمانٌ فيَغزو فِئامٌ منَ الناس فيُقالُ: هل فيكم مَن صاحَبَ
أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﴿؟ فيقولون: نعم، فيُفتَحُ لهم. ثمّ يأتي على الناسِ زمانَ فَيَغزو فِئامٌ منَ
١٣٩
كتاب فضائل أصحاب النبي 83#/ باب ١
الناس فيقال: هل فيكم مَن صاحَبَ مَن صاحَبَ أصحاب رسولِ اللَّهِ وَ﴿؟ فيقولون: نعم، فيُفْتَحُ
لهم).
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللّه) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح
العين ابن دينار (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي ابن الصحابي رضي الله
عنهما (يقول: حدَّثنا أبو سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) رضي الله عنه (قال: قال
رسول الله ◌َلخر) :
(يأتي على الناس زمان فيغزو فئام) بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة فألف فميم أي جماعة (من
الناس) لا واحد له من لفظه. قال الجوهري في صحاحه والعامة تقول: قيام بلا همز. قال المحقق
البدر الدماميني في مصابيحه: لا حرج عليهم في ذلك ولا يعدون به لا حنين فإن تخفيف الهمزة
في مثله بقلب حركتها حرفًا مجانسًا لحركة ما قبلها عربي فصيح وهو قياس، وغاية الأمر أنهم
التزموا التخفيف فيه وهو غير ممتنع (فيقولون) أي الذين يغزونهم لهم (فيكم) بحذف أداة الاستفهام
(من صاحب رسول الله وَي) بفتح ميم من (فيقولون) لهم (نعم) فينا من صاحبه (فيفتح لهم)
بضم التحتية وفتح الفوقية (ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال) لهم (هل فيكم
من صاحب أصحاب رسول الله ويلي؟) وهو التابعي (فيقولون) لهم (نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على
الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال): لهم (هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب
رسول الله (*؟) بفتح الحاء من صاحب في الموضعين كميم من، والمراد أتباع التابعين.
(فيقولون): لهم (نعم فيفتح لهم).
وهذا الحديث قد مرّ قريبًا في علامات النبوة وقبله في الجهاد.
٣٦٥٠ - حدثنا إسحقُ حدَّثَنَا النَّضْرُ أخبرَنا شُعبة عن أبي جَمرةَ سمعتُ زَهدَمُ بنَ مضرّبٍ
قال سمعتُ عِمرانَ بنَ حُصَينٍ رضيَ اللَّهُ عنهما يقول: قال رسولُ اللَّهِ وََّ: ((خيرُ أُمَّتي قَرني،
ثمَّ الذينَ يَلونهم، ثمَّ الذين يَلونهم. قال عمرانُ: فلا أدري أذكرَ بعدَ قرنِهِ قَرنين أو ثلاثًا. ثمّ إنَّ
بَعدَكم قومًا يشهدون ولا يُستشهدون ويخونون ولا يُؤْتَمَنون، ويَنذُرون ولا یفون، ويَظھر فیھمُ
السمن».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحق) بن راهويه قال: (حدّثنا) ولأبي
ذر: أخبرنا (النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج
(عن أبي جمرة) بجيم مفتوحة وميم ساكنة فراء نصر بن عمران الضبعي أنه قال: (سمعت
زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة مفتوحة ثم ميم ومضرب بضم الميم
وفتح الضاد وكسر الراء المشددة وبعدها موحدة الجرمي بفتح الجيم (قال: سمعت عمران بن
حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (رضي الله عنهما يقول قال رسول الله داخلي):
١٤٠
كتاب فضائل أصحاب النبي {80#/ باب ١
(خير أمتي) أهل (قرني) بفتح القاف والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من
الأمور المقصودة ويطلق على مدة من الزمان واختلف في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة
وعشرين، والمراد بهم هنا الصحابة (ثم الذين يلونهم) أي يقربون منهم وهم التابعون (ثم الذين
يلونهم) وهم أتباع التابعين، وهذا صريح في أن الصحابة أفضل من التابعين وأن التابعين أفضل
من تابعي التابعين، وهذا مذهب الجمهور. وذهب ابن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد
الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة وأن قوله عليه الصلاة والسلام: خير الناس قرني، ليس
على عمومه بدليل ما يجمع القرن بين الفاضل والمفضول. وقد جمع قرنه عليه الصلاة والسلام
جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود.
وقد روى أبو أمامة أنه ويّ قال: ((طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني
وآمن بي)). وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن
عمر رضي الله عنه قال: كنت جالسًا عند النبي وَ﴿ فقال: «أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟))
قلنا: الملائكة قال: ((وحق لهم بل غيرهم)) قلنا: الأنبياء. قال: ((وحق لهم بل غيرهم)) ثم
قال ◌َله: ((أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق
إیمانًا» لکن روی أحمد والدارمي بإسناد حسن وصححه الحاكم قال أبو عبيدة: يا رسول الله هل
أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: ((قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني».
والحق ما عليه الجمهور لأن الصحبة لا يعدلها شيء وحديث للعامل منهم أجر خمسين منكم
لا دلالة فيه على أفضلية غير الصحابة على الصحابة لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت
الأفضلية المطلقة، وإسناد حديث أبي داود السابق ضعيف فلا حجة فيه، وكلام ابن عبد البر ليس
على إطلاقه في حق جميع الصحابة فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية، والذي يظهر
أن محل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة أما من قاتل معه أو في زمانه بأمره أو
أنفق شيئًا من ماله بسببه أو سبق إليه بالهجرة والنصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه وبلغه لمن بعده
فلا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان.
(وقال عمران) بن الحصين بالسند السابق (فلا أدري أذكر) وَلفير (بعد قرنه قرنين) ولأبي ذر:
مرتين بالميم (أو ثلاثًا) وفي نسخة أو ثلاثة، وفي مسلم عن عائشة رضي الله عنها قال رجل: يا
رسول الله أي الناس خير؟ قال: ((القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث)» فلم يشك كأكثر طرق
الحديث.
(ثم إن بعدكم) بالكاف (قومًا) بالنصب اسم إن وزاد ابن حجر هنا مما لم أره في الفرع ولا
أصله ولبعضهم قوم بالرفع، وقال: يحتمل أن يكون من الناسخ على طريقة من لا يكتب الألف
في المنصوب، وقال العيني: الوجه على تقدير صحة الرواية أن يكون بفعل محذوف تقديره ثم إن
بعدكم مجيء قوم (يشهدون ولا يستشهدون) أي يتحملون الشهادة من غير تحميل أو يؤدونها من