Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب المناقب/ باب ٢٥
اعدل) في القسمة (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل) وفي رواية ابن أبي نعيم فقال: يا رسول الله اتق الله. قال:
((ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟)) (قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل) لم يضبط
في اليونينية تاءي خبت وخسرت هنا وضبطها في غيرها بالضم والفتح على المتكلم والمخاطب
والفتح أشهر وأوجه.
قال التوربشتي: هو على ضمير المخاطب لا على ضمير المتكلم وإنما رد الخيبة والخسران إلى
المخاطب على تقدير عدم العدل منه لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين وليقوم بالعدل فيهم فإذا قدر
أنه لم يعدل فقد خاب المعترف بأنه مبعوث إليهم وخسر لأن الله لا يحب الخائنين فضلاً أن يرسلهم
إلى عباده. وقال الكرماني: أي خبت وخسرت لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل، ولأبي ذر عن
الحموي: إذا لم أكن أعدل.
(فقال عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب) نصب
بفاء الجواب ولأبي ذر أضرب (عنقه) بإسقاط الفاء وبالجزم جواب الشرط (فقال: دعه) لا تضرب
عنقه.
فإن قلت: كيف منع من قتله مع أنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم؟ أجاب في شرح السنّة:
بأنه إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا للناس، ولم تكن هذه المعاني موجودة
حين منع من قتلهم، وأول ما نجم ذلك في زمان علي رضي الله عنه فقاتلهم حتى قتل كثيرًا
منهم. انتهى.
ولمسلم من حديث جابر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل
هذا المنافق. فقال: ((معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي)). وقال الإسماعيلي: إنما
ترك و﴿ قتل المذكور لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه فلو قتل من ظاهره الصلاح عند
الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب نفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما
بعده وي﴿ فلا يجوز ترك قتالهم إذا أظهروا رأيهم وخرجوا من الجماعة وخالفوا الأئمة مع القدرة
على قتالهم.
وفي المغازي من رواية عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد في هذا الحديث فسأله رجل
أظنه خالد بن الوليد قتله، ولمسلم فقال خالد بن الوليد بالجزم وجمع بينهما بأن كلاً منهما سأل
ذلك، ويؤيده ما في مسلم فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا أضرب
عنقه. قال: ((لا)). ثم أدبر، فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال: يا رسول الله ألا أضرب
عنقه؟ قال: ((لا)). قال في فتح الباري: فهذا نص في أن كلاً منهما سأل.
وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد

١٠٢
كتاب المناقب/ باب ٢٥
إليها، والذهب المقسوم كان أرسله علي من اليمن كما في حديث أبي نعيم عن أبي سعيد.
ويجاب: بأن عليًا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل علي بالذهب فحضر خالد
قسمته، ولأبي الوقت فقال له: دعه أي فقال ﴿ ﴿ لعمر: اتركه.
(فإن له أصحابًا يحقر أحدكم) بكسر القاف يستقل (صلاته مع صلاتهم وصيامه مع
صيامهم). وعند الطبري من رواية عاصم بن شميخ عن أبي سعيد: تحقرون أعمالكم مع
أعمالهم. ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم يصومون النهار ويقومون الليل. وفي
حديث ابن عباس عند الطبراني في قصة مناظرته للخوارج قال: فأتيتهم فدخلت على قوم لم أر
أشد اجتهادًا منهم، والفاء في قوله فإن له أصحابًا ليست للتعليل بل لتعقيب الأخبار أي قال:
دعه ثم عقب مقالته بقصتهم (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) بالمثناة الفوقية والقاف جمع ترقوة
بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وضم القاف بوزن فعلوة. قال في القاموس: ولا تضم تاؤه
العظم ما بين ثغرة النحر والعاتق يريد أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها لعلمه باعتقادهم أو أنهم
لا يعملون بها فلا يثابون عليها أو ليس لهم فيه حظ إلاّ مروره على لسانهم فلا يصل إلى حلوقهم
فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره لوقوعه في القلب (يمرقون) يخرجون
سريعًا ( من الدين) أي دين الإسلام من غير حظ ينالهم منه وفيه حجة لمن يكفر الخوارج، وإن
كان المراد بالدين الطاعة للإمام فلا حجة فيه وإليه ذهب الخطابي، وصرح القاضي أبو بكر بن
العربي في شرح الترمذي بكفرهم محتجًا بقوله والقر يمرقون من الإسلام (كما يمرق السهم من
الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية فعيلة بمعنى مفعولة وهي الصيد المرمي، والمروق
سرعة نفوذ السهم من الرمية حتى يخرج من الطرف الآخر، ومنه مرق البرق لخروجه بسرعة فشبه
مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه ولشدة سرعة خروجه لقوة
ساعد الرامي لا يعلق بالسهم من جسد الصيد شيء. (ينظر) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول
(إلى نصله) وهي حديدة السهم (فلا يوجد فيه) في النصل (شيء) من دم الصيد ولا غيره (ثم
ينظر إلى رصافه) بكسر الراء وبالصاد المهملة وبعد الألف فاء.
قال في القاموس: الرصفة محركة واحدة الرصاف للعقب أي بفتح القاف وهو العضب
يعمل منه الأوتار يلوي فوق الرعظ بضم الراء وسكون العين المهملة بعدها ظاء معجمة مدخل
سنخ النصل بالنون والخاء المعجمة أي أصله كالرصافة والرصوفة بضمهما والمصدر الرصف مسكنة
بالفتح رصف السهم شدّ على رعظه عقبة.
(فما) ولأبي ذر عن المستملي: فلا (يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه) بنون مفتوحة فضاد
معجمة مكسورة فتحتية مشددة (وهو قدحه) بكسر القاف وسكون الدال وبالحاء المهملة. قال
البيضاوي: وهو تفسير من الراوي أي عود السهم قبل أن يراش وينصل أو هو ما بين الريش
والنصل، وسمي بذلك لأنه بري حتى عاد نضواً أي هزيلاً (فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه)

١٠٣
کتاب المناقب/ باب ٢٥
بضم القاف وفتح الذال المعجمة الأولى جمع قذة الريش الذي على السهم (فلا يوجد فيه شيء قد
سبق) السهم (الفرث) بالمثلثة ما يجتمع في الكرش (والدم) فلم يظهر أثرهما فيه بل خرجا بعده
وكذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام (آيتهم) أي علامتهم (رجل أسود) اسمه نافع فيما
أخرجه ابن أبي شيبة. وقال هشام: ذو الخويصرة (إحدى عضديه) وهو ما بين المرفق إلى الكتف
(مثل ثدي المرأة) بفتح المثلثة وسكون الدال المهملة (أو) قال: (مثل البضعة) بفتح الموحدة وسكون
المعجمة القطعة من اللحم (تدردر) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة وآخره راء
أخرى وأصله تتدردر حذفت إحدى التاءين تخفيفًا أي تتحرك وتذهب وتجيء وأصله حكاية صوت
الماء في بطن الوادي إذا تدافع (ويخرجون على حين فرقة) بالحاء المهملة المكسورة آخره نون وفرقة
بضم الفاء أي زمان افتراق، ولأبي ذر عن الكشميهني: على خير فرقة بخاء معجمة مفتوحة وآخره
راء وكسر فاء فرقة أي على أفضل طائفة (من الناس) علي بن أبي طالب وأصحابه رضي الله
عنهم. وفي رواية عبد الرزاق عند أحمد وغيره حين فترة من الناس بفتح الفاء وسكون الفوقية.
قال في الفتح: ورواية فرقة بكسر الفاء هي المعتمدة وهي التي عند مسلم وغيره ويؤيدها ما عند
مسلم أيضًا من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى
الطائفتين بالحق.
(قال أبو سعيد) الخدري رضي الله عنه بالسند السابق إليه (فأشهد أني سمعت هذا الحديث
من رسول الله﴿ وأشهد أن علي بن أبي طالب) رضي الله عنه (قاتلهم وأنا معه) بالنهروان. وفي
باب قتل الخوارج: وأشهد أن عليًا قتلهم ونسبة قتلهم لعلي لأنه كان القائم بذلك (فأمر بذلك
الرجل) الذي قال فيه و # إحدى عضديه مثل ثدي المرأة (فالتمس) بضم الفوقية وكسر ما بعدها
مبنيًا للمفعول أي طلب في القتلى (فأتي به). ولمسلم من رواية عبيد الله بن أبي رافع فلما قتلهم
علي قال: انظروا فلم ينظروا شيئًا فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثًا ثم
وجدوه في خربة (حتى نظرت إليه على نعت النبي وَّر الذي نعته).
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الأدب وفي استتابة المرتدين وفضائل القرآن،
والنسائي في فضائل القرآن والتفسير، وابن ماجه في السنّة.
٣٦١١ - هقثنا محمدُ بن كثيرٍ أخبرَنا سفيانُ عنِ الأعمش عن خَيثَمَةً عن سُوَيدٍ بن غَفْلةً
قال: ((قال عليّ رضيَ اللَّهُ عنه: إذا حدَّثْتُكم عن رسولِ اللَّهِ وَهَ فلأنْ أَخِرَّ منَ السماءِ أحبُّ إليَّ
من أن أكذِبَ عليه، وإذا حدَّثتُكم فيما بيني وبينَكم فإنَّ الحربَ خَدْعة. سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَه
يقول: يأتي في آخِرِ الزمانِ قومٌ حُدَثاءُ الأسنانِ، سُفَهَاءُ الأحلام، يقولونَ مِن خَير قولِ البَريَّة،
يَمْرُقُونَ منَ الإسلامِ كما يمرُقُ السهمُ من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم
فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة)). [الحديث ٣٦١١- أطرافه في: ٥٠٥٧،
٦٩٣٠].

١٠٤
كتاب المناقب/ باب ٢٥
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأعمش)
سليمان بن مهران (عن خيثمة) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وبالمثلثة المفتوحة ابن
عبد الرحمن الجعفي الكوفي (عن سويد بن غفلة) بضم السين وفتح الواو وسكون التحتية وغفلة
بفتح الغين المعجمة والفاء واللام أنه (قال: قال علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن
رسول الله ﴿ فلأن أخِرّ) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة أسقط (من السماء أحبّ إلي من أن
أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال
المهملة ويجوز ضم فسكون وضم ففتح كهمزة وفتحهما جمع خادع وكسر فسكون فهي خمسة
وتكون بالتورية وبخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرم المأذون فيه رفقًا
بالعباد وليس للعقل في تحريمه ولا تحليله أثر إنما هو إلى الشاعر (سمعت رسول الله) ولأبوي ذر
والوقت: النبي (858* يقول):
(يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالمثلثة ممدودًا
والأسنان بفتح الهمزة أي صغارها (سفهاء الأحلام) أي ضعفاء العقول (يقولون من خير قول
البرية) وهو القرآن، كما في حديث أبي سعيد السابق يقرؤون القرآن، وكان أول كلمة خرجوا بها
قولهم لا حكم إلا لله وانتزعوها من القرآن لكنهم حملوها على غير محملها (يمرقون من الإسلام
كما يمرق السهم من الرمية) إذا رماه رام قوي الساعد فأصابه فنفد منه بسرعة بحيث لا يعلق
بالسهم ولا بشيء منه من المرمي شيء كما قال في السابق: ((سبق الفرث والدم)) أي جاوزهما ولم
يتعلق فيه منهما شيء بل خرجا بعده، وفي رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد عند الطبراني:
مثلهم كمثل رجل رمى رمية فتوخى السهم حيث وقع فأخذه فنظر إلى فوقه فلم ير به دسمًا ولا
دمًا لم يتعلق به شيء من الدسم والدم كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام (لا يجاوز إيمانهم
حناجرهم) بالحاء المهملة ثم النون وبعد الألف جيم جمع حنجرة بوزن قسورة وهي رأس الغلصمة
بالغين المعجمة المفتوحة واللام الساكنة والصاد المهملة منتهى الحلقوم حيث تراه بارزًا من خارج
الحلق. والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل الحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى الطعام
والشراب وهو تحت الحلقوم، والمراد أنهم مؤمنون بالنطق لا بالقلب (فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن
قتلهم أجر) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فإن في قتلهم أجر (لمن قتلهم يوم القيامة) لسعيهم
في الأرض بالفساد، واحتج السبكي لتكفيرهم بأنهم كفروا أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب
النبي ◌َّير في شهادته لهم بالجنة، واحتج القرطبي في المفهم بقوله أنهم يخرجون من الإسلام ولم
يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية.
وبقية مباحث ذلك تأتي في محالها إن شاء الله تعالى.
٣٦١٢ - حقثني محمدُ بنُ المثنى حدَّثني يحيى عن إسماعيلَ حدَّثَنا قيسٌ عن خَبّابٍ بن
الأرَتِّ قال: ((شَكَونا إلى رسولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ وهوَ مُتَوّسَّدٌ بُردَةً له في ظِلِّ الكعبةِ - قلنا له: ألا

١٠٥
كتاب المناقب/ باب ٢٥
تَستنصِرُ لنا، ألا تَدعو اللَّهَ لنا؟ قال: كان الرَّجلُ فيمن قبلَكمُ يُحفَرُ له في الأرضِ فيُجعَلُ فيه،
فيُجاء بالميشارِ فيوضعُ على رأسهٍ فيُشَقُّ بائنتَينٍ، وما يَصُدُّهُ ذُلكَ عن دِينه، ويُمشَطُ بأمشاطِ
الحديدِ ما دُونَ لحمهِ من عظم أو عَصَب، وما يَصدُّهُ ذُلكَ عن دِينه. واللَّه لَيُتَمَّنَّ هذا الأمرَ حتى
يَسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوتَ لا يخافُ إلاَّ اللَّهَ، أوِ الذِئبَ على غَنَمه، ولكنّكم
تَستَعجِلون)). [الحديث ٣٦١٢ - طرفاه في: ٣٨٥٢، ٦٩٤٣].
وبه قال: (حدِّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدَّثنا (محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثني
يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه قال: (حدّثنا قيس) هو ابن أبي حازم
البجلي (عن خباب بن الأرت) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، والأرتّ بهمزة وراء
مفتوحتين وتشديد المثناة الفوقية أنه (قال: شكونا إلى رسول الله) ولأبي ذر والوقت: إلى النبي (3) ﴾
وهو) أي والحال أنه (متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا) ولأبي ذر فقلنا (له) يا رسول الله (ألا)
بالتخفيف للتحريض (تستنصر) تطلب (لنا) من الله عز وجل النصر على الكفار (ألا) بالتخفيف
أيضًا (تدعو الله لنا؟ قال): عليه الصلاة والسلام.
(كان الرجل فيمن قبلكم) من الأنبياء وأمهم (يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء) بضم
التحتية وفتح الجيم ممدودًا (بالميشار) بكسر الميم وسكون التحتية وبالنون موضعها كلاهما في الفرع
كأصله، وفي بعض النسخ بالهمزة يقال: نشرت الخشبة وأشرتها (فيوضع على رأسه فيشق) بضم
التحتية وفتح المعجمة (باثنتين) بعلامة التأنيث (وما يصده ذلك) وضع المنشار على مفرق رأسه (عن
دينه) وضبب في اليونينية على قوله ذلك وأسقطها في الفرع (ويمشط بأمشاط الحديد) جمع مشط
بضم الميم وتكسر (ما دون لحمه) أي تحته أو عنده (من عظم أو عصب وما) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي ما (يصده ذلك عن دينه والله ليتمن) بضم التحتية وكسر الفوقية من الإتمام والإكمال
واللام للتوكيد (هذا الأمر) بالرفع في اليونينية وفي الناصرية ليتمن بفتح التحتية هذا الأمر بالرفع
وفي الفرع بضم التحتية من ليتمن ونصب الأمر على المفعولية وحذف الفاعل أي ليكملن الله أمر
الإسلام (حتى يسير الراكب من صنعاء) بفتح الصاد المهملة وسكون النون وبعد العين ألف ممدودة
قاعدة اليمن ومدينته العظمى (إلى حضرموت) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح
الراء والميم وسكون الواو بعدها فوقية بلدة باليمن أيضًا بينها وبين صنعاء مسافة بعيدة قيل أكثر
من أربعة أيام، أو المراد صنعاء الشام فيكون أبلغ في البعد والمراد نفي الخوف من الكفار على
المسلمين كما قال (لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه) عطف على الجلالة الشريفة (ولكنكم
تستعجلون).
وهذا الحديث أخرجه في الإكراه، وفي باب: ما لقي النبي ◌َلتر من المشركين بمكة. وأبو
داود في الجهاد، والنسائي في العلم والزينة.

١٠٦
كتاب المناقب/ باب ٢٥
٣٦١٣ - حدثنا عليّ بن عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا أزهَرُ بن سعدٍ حدَّثَنا ابنُ عَونٍ قال: أنبأني
موسى بن أنس عن أنسٍ بن مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ النبيَّ ◌َّ افتقدَ ثابتَ بنَ قَيسٍ، فقالَ
رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ أنا أعلمُ لكَ عِلمَه. فأتاهُ فوجدَهُ جالسًا في بيتهِ منكسًا رأسه، فقال: ما
شأنُك؟ فقال: شرّ، كان يَرفَعُ صوتَهُ فوقَ صوتِ النبيِّ وَّ﴿ فقد حَبِطَ عمله وهو من أهلِ النار.
فأتى الرجلُ فأخبرَهُ أنّهُ قال كذا وكذا. فقال موسى بنُ أنسٍ: فرجَعَ المرَّةَ الآخِرَةَ ببشارةٍ عظيمة،
فقال: اذهبْ إليهِ فقُل لهُ: إنكَ لستَ من أهلِ النار، ولكن من أهلِ الجنة)). [الحديث ٣٦١٣-
طرفه في: ٤٨٤٦].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حذَّثنا أزهر بن سعد) بفتح الهمزة
وسكون الزاي بعدها راء وسعد بسكون العين الباهلي السماني قال: (حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت:
أخبرنا (ابن عون) هو عبد اللّه بن عون بن أرطبان المزني البصري (قال: أنبأني) بالإفراد
(موسى بن أنس) بن مالك قاضي البصرة. وعند عبد الله بن أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين
عن أزهر عن ابن عون عن ثمامة بن عبد الله بن أنس بدل موسى بن أنس أخرجه أبو نعيم عن
الطبراني عنه وقال: لا أدري ممن الوهم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن
عون عن موسى بن أنس قال: لما نزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾
[الحجرات: ٢] قعد ثابت في بيته. الحديث. قال في الفتح بعد أن ذكر ذلك وهذا صورته
مرسل إلا أنه يقوي أن الحديث لابن عون عن موسى لا عن ثمامة (عن) أبيه (أنس بن مالك
رضي الله عنه أن النبي ﴿ افتقد ثابت بن قيس) أي ابن شماس خطيبه وله وخطيب الأنصار
(فقال رجل): قال الحافظ ابن حجر: هو سعد بن معاذ رواه مسلم وإسماعيل القاضي في أحكام
القرآن، ورواه الطبراني لعاصم بن عدي العجلاني والواقدي لأبي مسعود البدري وابن المنذر
لسعد بن عبادة وهو أقوى (يا رسول الله أنا أعلم لك) أي لأجلك (علمه) أي خرـ . فأتاه)
الرجل (فوجده) حال كونه (جالسًا في بيته) حال كونه (منكسًا رأسه) بكسر الكاف المشدد، فقال:
ما شأنك؟) أي ما حالك (فقال): ثابت حالي (شرّ كان يرفع صوته) التفات من الحاضر إلى الغائب
وكان الأصل أن يقول: كنت أرفع صوتي (فوق صوت النبي والر فقد حبط عمله) أي بطل
والأصل أن يقول عملي فهو التفات كما مرّ. (وهو من) وفي اليونينية مكتوب فوق من في
بالأخضر (أهل النار فأتى الرجل) النبي وَلغر (فأخبره أنه) أي ثابتًا (قال كذا وكذا) يعني أنه حبط
عمله وهو من أهل النار (فقال موسى بن أنس) الراوي بالسند السابق (فرجع) الرجل إلى ثابت
(المرة الآخرة) بعد الهمزة وكسر المعجمة من عنده وَل في (ببشارة عظيمة فقال): له النبي أل *:
(اذهب إليه) أي إلى ثابت (فقل له إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة) وعند ابن
سعد من مرسل عكرمة أنه لما كان يوم اليمامة انهزم المسلمون فقال ثابت: أف لهؤلاء ولما يعبدون
ولهؤلاء ولما يصنعون قال ورجل قائم على ثلمة فقتله وقتل.

١٠٧
كتاب المناقب/ باب ٢٥
وعند ابن أبي حاتم في تفسيره عن ثابت عن أنس في آخر قصة ثابت بن قيس: فكنا نراه
يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة فلما كان يوم اليمامة كان في بعضنا بعض
الانكشاف فأقبل وقد تكفن وتحنط فقاتل حتى قتل وظهر بذلك مصداق قوله عليه: إنه من أهل
الجنة لكونه استشهد، وبهذا تحصل المطابقة، وليس هذا مخالفًا لقوله ﴿﴿: أبو بكر في الجنة وعمر
في الجنة إلى آخر العشرة لأن التخصيص بالعدد لا ينافي في الزائد.
٣٦١٤ - هقني محمدُ بن بَشّارِ حدَّثنا غُندَرٌ حدَّثنا شعبةُ عن أبي إسحقَ سمعتُ البَراءَ بنَ
عازبٍ رضيَ اللَّهَ عنهما: ((قرأ رجلٌ الكهفَ وفي الدار الدّابَة، فجعلَتْ تَنْفِرُ، فسلّمَ، فإذا ضَبابةٌ
غَشِيَتْهُ، فذكرَهُ للنبيِّ وَ﴿ فقال: اقْرَأْ فُلانُ، فإنها السّكينةُ نزَلَت للقرآن، أو تَنزِّلت للقرآن».
[الحديث ٣٦١٤ - طرفاه في: ٤٨٣٩، ٥٠١١].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (محمد بن بشار) بندار العبدي البصري قال:
(حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحلق) عمرو بن عبد الله
السبيعي أنه قال: (سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول: قرأ رجل) هو أسد بن حضير
(الكهف وفي الدار الدابة) أي فرسه (فجعلت تنفر) بنون وفاء مكسورة (فسلم) الرجل. قال
الكرماني: دعا بالسلامة كما يقال: اللهم سلم أو فوّض الأمر إلى الله تعالى ورضي بحكمه أو قال:
سلام عليك (فإذا ضبابة) بضاد معجمة مفتوحة وموحدتين بينهما ألف سحابة تغشى الأرض
کالدخان. وقال الداودي: الغمام الذي لا مطر فيه (أو) قال (سحابة غشيته) شك الراوي (فذكره)
أي ما وقع له (للنبي # فقال: اقرأ فلان) قال النووي: معناه كان ينبغي أن تستمر على القرآن
وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة وتستكثر من القراءة التي هي سبب بقائهما اهـ.
فليس أمرًا له بالقراءة في حالة التحدیث وكأنه استحضر صورة الحال فصار كأنه حاضر لما
رأى ما رأى. وفي حديث أبي سعيد عند المؤلف في فضائل القرآن أن أسيد بن حضير كان يقرأ
من الليل سورة البقرة فظاهره التعدد ويحتمل أن يكون قرأ البقرة والكهف جميعًا أو من كل منهما
(فإنها) أي الضبابة المذكورة (السكينة) وهي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. رواه الطبري
وغيره عن علي، وقيل: لها رأسان. وعن مجاهد رأس كرأس الهر، وعن الربيع بن أنس لعينها
شعاع، وعن وهب هي روح من روح الله. وقيل غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في فضائل
القرآن واللائق هنا الأول (نزلت للقرآن و) قال: (تنزلت للقرآن). ومطابقة الحديث للترجمة في
إخباره عليه الصلاة والسلام عن نزول السكينة عند القراءة.
وأخرجه مسلم في الصلاة والترمذي في فضائل القرآن.
٣٦١٥ - حدثنا محمدُ بنُ يوسفَ حدَّثنا أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبو الحسنِ الحرّاني
حدّثنا زُهَيرُ بن معاويةَ حدَّثنا أبو إسحقَ سمعتُ البراءَ بنَ عازبٍ يقول: ((جاء أبو بكرٍ رضيَ اللَّه

١٠٨
كتاب المناقب/ باب ٢٥
عنه إلى أبي في منزلهِ فاشترى منهُ رَحلاً، فقال لعازِبٍ: ابعثْ ابنكَ يَحمِلْهُ معي، قال: فحملتُه
معَه، وخَرَجَ أبي يَنتقِدُ ثمنَهُ، فقال له أبي: يا أبا بكرٍ حَدْثْني كيف صنعتما حينَ سَرَيتَ معَ
رسولِ اللَّهِ وَ﴿؟ قال: نعم، أسرَينا لَيَلَتَنا ومِنَ الغَدِ حتى قامَ قائمُ الظهيرةِ، وخَلا الطريقُ لا يَمرَّ فيه
أحد، فرُفعَتْ لنا صخرةٌ طويلةٌ لها ظِلِّ لم تَأتِ عليه الشمسُ فنزلْنا عندَه، وسَوَّيتُ للنبيِّ وَ﴿ مَكانًا
بيدي يَنامُ عليه، وبَسَطتُ عليه فَروةً وقلتُ له: نِمْ يا رسولَ اللَّهِ وأنا أنفضُ لكَ ما حولك. فنامَ.
وخرَجتُ أنْفُضُ ما حولهُ، فإذا أنا بِراعٍ مُقبِلٍ بغنمه إلى الصخرةِ يُريدُ منها مثلَ الذي أرَدْنا. فقلت:
لِمن أنتَ يا غُلامُ؟ فقال: لِرَجلِ من أهلِ المدينةِ - أو مكةَ - قلتُ: أفي غَنمِكَ لبَنّ؟ قال: نعم.
قلت: أفتَحلِبُ؟ قال: نعم. فأخذَ شاة، فقلتُ: انفُضِ الضَّرعَ منَ التُّرابِ والشّعَر والقَذَى. قال:
فرأيتُ البَراءَ يضربُ إحدَى يديهِ على الأخرىْ يَنفُضُ. فحلبَ في قَعبٍ كُثْبةٌ من لبنٍ، ومعي إداوةٌ
حَمِلْتُها للنبيِّ :﴿ يَرتَوي منها يَشرَبُ ويَتَوَضَّأ، فأتيتُ النبيِّ وَ﴿َ، فَكَرِهتُ أن أُوقِظَهُ، فوافَقْتَهُ حِينَ
استَيقَظَ، فصَبَبتُ منَ الماءِ على اللبنِ حتى برَدّ أسفَله، فقلتُ: اشرَبْ يا رسولَ اللَّهِ، فشَرِبَ حتى
رَضِيتُ، ثمّ قال: ألم يَأن للرّحيلِ؟ قلتُ: بلى. قال: فارتحلنا بعدَ ما مالَتِ الشمسُ، واتَّبَعنا
سُراقةُ بن مَالكِ، فقُلت: أُتينا يا رسولَ اللَّه، فقال: لا تحزَنْ، إنَّ الله معنا. فدعا عليه النبيِّ وَّ
فارتطَعَتْ بِهِ فَرَسُهُ إلى بَطنِها - أُرَى فِي جَلَدٍ مِنَ الأرض، شكِّ زُهَيرٌ - فقال: إني أراكما قد دَعَوتما
عليّ، فادعُوَا لي، فاللَّهُ لكما أن أردّ عنكما الطلبَ، فدعا لهُ النبيُّ وَّهُ، فَتَجا. فجعلَ لا يَلقَى أَحَدًا
إلا قال: كَفَيْتُكُم ما هُنا، فلا يَلقَى أحدًا إلا ردّه، قال: ووفى لنا)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (أحمد بن
يزيد) من الزيادة (ابن إبراهيم أبو الحسن الحراني) بفتح الحاء المهملة والراء المشددة وبعد الألف
نون قال: (حدّثنا زهير بن معاوية) الجعفي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي
قال: (سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر) الصديق (رضي الله عنه إلى أبي) أي
عازب بن الحرث الأوسي الأنصاري (في منزله فاشترى منه رحلاً) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة
وهو للناقة كالسرج للفرس (فقال لعازب: ابعث ابنك) البراء (يحمله) يعني الرحل (معي. قال):
البراء (فحملته معه وخرج أبي) عازب (ينتقد ثمنه) أي يستوفيه وكان كما في باب مناقب المهاجرين
ثلاثة عشر درهما (فقال له أبي) عازب (يا أبا بكر حدثني) بالإفراد (كيف صنعتما حين سريت)
بغير ألف (مع رسول الله( *) أي حين خرجتما من الغار في الهجرة (قال: نعم) أحدثك عن
ذلك (قال: أسرينا) بألف لغتان جمع بينهما عازب والصديق (ليلتنا) أي بعضها (ومن الغد) أي
بعضه والعطف فیه کھو في قوله:
علفتها تبنًا وماء باردًا

١٠٩
كتاب المناقب/ باب ٢٥
إذ الإسراء إنما يكون بالليل؛ وإنما قال: ليلتنا ليدل على أن الإسراء كان قد وقع طول
الليل. (حتى قام قائم الظهيرة) شدّة حرها عند منتصف النهار وسمي قائمًا لأن الظل لا يظهر
حينئذ فكأنه واقف (وخلا الطريق) من السالك فيه (لا يمر فيه أحد) من شدة الحر (فرفعت) بضم
الراء وكسر الفاء أي ظهرت (لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه) أي على الظل. ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي: عليها أي الصخرة (الشمس) بحيث تذهب بظلها بل كان ظلها ممدودًا ثابتًا
(فنزلنا عنده) عند الظل (وسويت للنبي إلي مكانًا بيدي ينام عليه وبسطت فيه) ولأبي ذر عليه
(فروة) زاد في رواية يوسف بن إسحاق. وفي حديث خديج كانت معي (وقلت) له عليه الصلاة
والسلام (نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك) أي من الغبار ونحوه حتى لا يثيره الريح أو
أحرسك وأطوف هل أرى طلبًا يقال: نفضت المكان واستنفضته وتنفضته إذا نظرت جميع ما فيه
(فنام) عليه الصلاة والسلام (وخرجت أنفض ما حوله) من الغبار أو أحرسه (فإذا أنا براع مقبل
بغنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا) من الظل (فقلت: لمن) ولأبي ذر: فقلت له لمن (أنت
يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة أو مكة) بالشك. وفي رواية مسلم من طريق الحسن بن
محمد بن أعين عن زهير فقال: لرجل من أهل المدينة من غير شك. وفي البخاري الجزم بأنها مكة
فأطلق المدينة عليها للصفة لا للعلمية فليست المدينة النبوية مرادة هنا والراعي وصاحب الغنم لم
يسميا (قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب؟) بضم اللام أمعك إذن من مالكها في
الحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة (قال: نعم فأخذ) أي الراعي (شاة) قال الصديق: (فقلت)
له (انفض الضرع) أي ثدي الشاة (من التراب والشعر والقذى) بالقاف والذال المعجمة مقصور
وأصله ما يقع في العين. قال الجوهري: أو في الشراب وكأنه شبه ما يعلق بالضرع من الأوساخ
بالقذى الذي يسقط في العين أو الشراب.
(قال) أبو إسحلق السبيعي (فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض فحلب)
الراعي (في قعب) بقاف مفتوحة فعين مهملة ساكنة قدح من خشب مقعر (كثبة) بضم الكاف
وسكون المثلثة وفتح الموحدة شيئًا قليلاً (من لبن) قدر حلبة (ومعي) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي: ومعه (إداوة) بكسر الهمزة إناء من جلد فيها ماء (حملتها للنبي) لأجله (8* يرتوي)
يستقي (منها) حال كونه (يشرب ويتوضأ) مستأنفان لبيان الاعتمال في السقي (فأتيت النبي }
فكرهت أن أوقظه) من نومه (فوافقته حين استيقظ) أي وافق إتياني وقت استيقاظه (فصببت من
الماء) الذي في الإدارة (على اللبن) الذي في القعب (حتى برد) بفتح الراء (أسفله فقلت: اشرب با
رسول الله. قال: فشرب حتى رضيت) أي طابت نفسي لكثرة ما شرب (ثم قال) وَ ل# لأبي بكر:
(ألم يأن للرحيل) أي ألم يأت وقت الارتحال. قال أبو بكر رضي الله عنه (قلت: بلى قال:
فارتحلنا بعدما مالت الشمس) عن خط الاستواء وانكسرت سورة الحر (واتبعنا) بفتح العين
(سراقة بن مالك) بضم السين ابن جعشم (فقلت أتينا) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (يا رسول الله
فقال): (لا تحزن إن الله معنا) بالنصر (فدعا عليه النبي وَ﴿ فارتطمت) بهمزة وصل وسكون الراء

١١٠
كتاب المناقب/ باب ٢٥
وفتح الفوقية والطاء المهملة والميم (به) بسراقة (فرسه) أي غاصبت به قوائمها (إلى بطنها أرى)
بضم الهمزة أظن (في جلد) بفتح الجيم واللام صلب (من الأرض). (شك زهير) الراوي هل
قال: هذه اللفظة أم لا. (فقال): سراقة (إني أراكما) بضم الهمزة أظنكما (قد دعوتما علّ) حتى
ارتطمت بي فرسي (فادعوا لي) بالخلاص (فالله لكما) مبتدأ أو خبر أي ناصركما وحافظكما حتى
تبلغا مقصدكما (أن أرد) أي ادعوا لأن أرد (عنكما الطلب) وفي نسخة فالله بالنصب. قال في
المصابيح على إسقاط حرف القسم أي أقسم بالله لكما لأن أردّ عنكما أو على معنى فخذا عهد الله
لكما فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (فدعا له النبي ﴿ ﴿ فنجا) من الارتطام (فجعل) أي
فشرع فيما وعد من رد من لقي فكان (لا يلقى أحدًا) يطلبهما (إلا قال) له (كفيتكم) ولأبي ذر إلا
قال: قد كفيتكم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: كفيتم بضم الكاف وكسر الفاء وإسقاط
الكاف الثانية (ما هنا) أي الطلب الذي هنا لأني كفيتكموه (فلا يلقى أحدًا إلاّ ردّه) بيان لسابقه
(قال): أبو بكر رضي الله عنه (ووفى) بتخفيف الفاء سراقة (لنا) ما وعد به من رد الطلب.
.٣٦١٦ - هقثنا مُعَلَّى بِنُ أَسَدٍ حدِّثَنَا عبدُ العزيزِ بنُ مختارِ حدَّثنا خالدٌ عن عِكرمةَ عنِ ابنِ
عبّاس رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنَّ النبيِّ ◌َهُ دَخلَ على أعرابيّ يَعودُه، قال: وكان النبيُّ وَ﴿ إذا دَخْلَ
على مَريضٍ يعودُهُ قال: لا بأسَ، طَهورٌ إن شاء اللّه. فقال له: لا بأسَ، طَهورٌ إن شاء الله.
قال: قلت: طهورٌ؟ كلا، بل هي حُمِّى تفُور - أو تَثور - على شيخ كبير، تزِيرُه القُبور. فقال
النبيُّ ◌َ: فَتَعَم إذًا)). [الحديث ٣٦١٦ - أطرافه في: ٥٦٥٦، ٥٦٦٢، ٧٤٧٠].
وبه قال: (حذّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي البصري
قال: (حدّثنا عبد العزيز بن مختار) بالخاء المعجمة الدباغ الأنصاري قال: (حدّثنا خالد) هو ابن
مهران الحذاء (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وَلفي دخل
على أعرابي) قيل هو قيس بن أبي حازم كما في ربيع الأبرار للزمخشري (يعوده) جملة حالية (فقال)
بالفاء في الفرع وفي اليونينية قال: (وكان النبي # إذا دخل على مريض يعوده) سقط قوله
النبي 14 في الفرع وثبت في اليونينية (قال: لا بأس) عليك هو (طهور) لك من ذنوبك أي
مطهرة (إن شاء الله) يدل على أن قوله طهور دعاء لا خبر (فقال): عليه الصلاة والسلام (له) أي
للأعرابي.
(لا بأس طهور إن شاء الله. قال) الأعرابي مخاطبًا له پے (قلت طهور كلا) ليس بطهور (بل
هي حمى) وللكشميهني كما في الفتح: بل هو أي المرض حمى (تفور) بالفاء أي يظهر حرها
ووهجها وغليانها (أو) قال (تثور) شك من الراوي هل قال بالفاء أو بالمثلثة ومعناهما واحد (على
شيخ كبير تزيره القبور) بضم الفوقية وكسر الزاي من أزاره إذا حمله على الزيارة. (فقال
النبي ◌َ﴾﴾: (فنعم إذًا) بالتنوين.

كتاب المناقب/ باب ٢٥
قال في شرح المشكاة: الفاء مرتبة على محذوف، ونعم تقرير لما قال يعني أرشدتك بقولي لا
بأس عليك إلى أن الحمى تطهرك وتنقي ذنوبك فاصبروا شكرًا عليها فأبيت إلا اليأس والكفران
فكان كما زعمت وما اكتفيت بذلك بل رددت نعمة الله قاله غضبًا عليه. انتهى.
وزاد الطبراني من حديث شرحبيل والد عبد الرحمن أن النبي ◌َ# قال للأعرابي: ((إذا أبيت
فهي كما تقول وقضاء الله كائن)) فما أمسى من الغد إلا ميتًا. قال في فتح الباري: وبهذه الزيادة
يظهر دخول هذا الحديث في هذا الباب، وأخرجه الدولابي في الكنى بلفظ فقال النبي وَل فتر: ((ما
قضی الله فهو كائن)) فأصبح الأعرابي ميتًا.
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في الطب وفي التوحيد، والنسائي في الطب وفي اليوم
والليلة .
٣٦١٧ - هذّثنا أبو مَعْمِرٍ حدّثَنا عبدُ الوارثِ حدَّثَنا عبدُ العزيز عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه
قال: ((كان رجلٌ نَصرانيًا فأسلم وقرأَ البقرةَ وآل عمران، فكان يَكتُبُ للنبيِّ وَّهِ، فعادَ نصرانيًا،
فكانَ يقول: ما يدري محمدٌ إلا ما كتبتُ له، فأماتَهُ اللَّه، فدفنوه، فأصبحَ وقد لفَظتْهُ الأرض،
فقالوا: هذا فعلُ محمدٍ وأصحابهِ لما هَربَ منهم نَبَشوا عن صاحبِنا فألقَوهُ. فحفَروا لهُ فأعمقوا،
فأصبحَ وقد لفَظْه الأرض، فقالوا: هذا فعلُ محمدٍ وأصحابهِ نَبشوا عن صاحبِنا لما هربَ منهم
فألقوهُ خارج القبر، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبحَ قد لَفظَتْهُ الأرض،
فعلِموا أنه ليسَ منَ الناس فألقوه)).
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بميمين مفتوحين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن
عمرو بن أبي الحجاج واسمه ميسرة المقعد المنقري مولاهم البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن
سعيد البصري التنوري قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب البصري (عن أنس رضي الله عنه أنه
قال: كان رجل نصرانيًا) لم يسم وفي مسلم أنه من بني النجار (فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران
فكان يكتب للنبي ( #) الوحي (فعاد نصرانيًا) كما كان، ولمسلم من طريق ثابت عن أنس فانطلق
هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب فرفعوه (فكان يقول) لعنه الله (ما يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته
الله) ولمسلم فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم (فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض) بفتح الفاء في
الفرع، وقال السفاقسي وغيره بكسرها أي طرحته ورمته من داخل القبر إلى خارجه لتقوم الحجة
على من رآه ويدل على صدقه وَلفي (فقالوا) أي أهل الكتاب (هذا) الرمي (فعل محمد وأصحابه لما
هرب منهم) وللإسماعيلي: لما لم يرض دينهم (نبشوا عن صاحبنا) قبره (فألقوه) خارجه (فحفروا له
فأعمقوا) بالعين المهملة أبعدوا (فأصبح) ولأبي ذر فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح (وقد
لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم) سقط لما هرب
منهم لأبي ذر (فألقوه) خراج القبر (فحفروا له فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح قد)

١١٢
كتاب المناقب/ باب ٢٥
ولأبي ذر: قد (لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس) بل من رب الناس (فألقوه) وفي رواية
ثابت عند مسلم: فتركوه منبوذًا.
٣٦١٨ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدَّثنا الليثُ عن يونُسَ عنِ ابن شهابٍ قال: وأخبرَني ابنُ
المسيَّب عن أبي هُريرةً أنه قال: ((قال رسولُ اللَّهِ وَله: إذا هلكَ كِسرَىْ فلا كِسرىُ بعدَه، وإذا
هلكَ قيصرُ فلا قَيَصَرَ بعدَه. والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ لتُتْفِقُنَّ كنوزَهما في سبيل اللّه)).
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) نسبة لجده واسم أبيه عبد اللّه المصري بالميم قال: (حدّثنا
الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: وأخبرني)
بالإفراد وهو عطف على محذوف أي أخبرني فلان وأخبرني (ابن المسيب) سعيد (عن أبي هريرة)
رضي الله عنه (أنه قال: قال رسول الله (صل﴿):
(إذا هلك كسرى) بكسر الكاف والفتح أفصح وأنكر الزجاج الكسر محتجًا بأن النسبة إليه
كسروي بالفتح وردّ بنحو قولهم في بني تغلب بكسر اللام تغلبي بفتحها فلا حجة والمعنى إذا
مات كسرى أنو شروان بن هرمز وهو لقب لكل من ملك الفرس (فلا كسرى بعده) بالعراق (وإذا
هلك) مات (قيصر) وهو هرقل ملك الروم (فلا قيصر بعده) بالشام قاله عليه الصلاة والسلام
تطييبًا لقلوب أصحابه من قريش وتبشيرًا لهم بأن ملكهما يزول عن الإقليمين المذكورين لأنهم
كانوا يأتون الشام والعراق تجارًا، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لدخولهم في الإسلام
فقال لهم ﴿ ذلك قاله إمامنا الأعظم الشافعي، وقد عاش قيصر إلى زمن عمر سنة عشرين على
الصحيح وبقي ملكه، وإنما ارتفع من الشام وما والاها لأنه لما أتاه كتاب النبي وَ لغير قبله وكاد أن
يسلم، وأما كسرى فمزق كتاب النبي وه فدعا عليه أن يمزق ملكه فذهب ملكه أصلاً ورأسًا فقد
وقع مصداق ذلك فلم تبق مملكتهما على الوجه الذي كان في الزمن النبوي (و) الله (الذي نفس
محمد بيده لتنفقن) بضم الفوقية وسكون النون وكسر الفاء وضم القاف (كنوزهما) مالهما المدفون
أو الذي جمع واذخر (في سبيل الله) عز وجل. وقد وقع ذلك وفي نسخة الناصرية: لتنفقن بفتح
الفاء والقاف مصلحة كرفعة كنوزهما وكذا هو ثابت في غيرها من النسخ.
٣٦١٩ - هقلنا قَبِيصةُ حدِّثنا سُفيانُ عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ عن جابر بن سَمْرةَ رفعهُ
قال: ((إذا هلكَ كِسرَى فلا كِسرَى بعدَه۔ وذكرَ وقال -: لتُنفِقُنَّ كنوزَهما في سبيل الله)).
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة السوائي الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) بن سعيد بن
مسروق الثوري (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين مصغرًا الفرسي نسبة إلى فرس له سابق (عن
جابر بن سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم السوائي بضم السين المهملة والمد الصحابي ابن
الصحابي رضي الله عنهما (رفعه) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني برفعه أي الحديث إلى
النبي ◌َ﴿ أنه (قال):

١١٣
کتاب المناقب/ باب ٢٥
(إذا هلك کسری فلا کسری بعده) بل يمزق ملكه أصلاً ورأسًا (وإذا هلك قيصر فلا قيصر
بعده) يملك مثل ما يملك وذلك أنه كان بالشام وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا
به ولا يملك على الروم أحد إلا كان دخله فانجلى عنها قيصر ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك
البلاد بعده قاله الخطابي؛ وسقط لغير أبي ذر قوله: وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وللإسماعيلي
من وجه آخر عن قبيصة المذكور مثل رواية الأكثرين وقال: كذا قال: ولم يذكر قيصر وقال:
(وذكر) الحديث كالسابق على رواية الأكثرين ففيه حذف أي وذكر كلامًا أو حديثًا (وقال):
(لتنفقن) بفتح الفاء والقاف مع ضم الفوقية (كنوزهما) رفع مفعول ناب عن فاعله ولم يضبط في
اليونينية الفاء والقاف من ولتنفقن ولا زاي كنوزهما. نعم ضبط في الفرع الزاي بالرفع فقط (في
سبيل الله) أي في أبواب البر والطاعات، والحديث قد مرّ في الخُمس.
٣٦٢٠ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شعيبٌ عن عبدِ الله بنِ أبي حسينٍ حدَّثنا نافعُ بنُ جُبَيْرٍ
عن ابن عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: ((قدِمَ مُسيلمة الكذّابُ على عهد رسول اللَّهِ وَلّ فجعلَ
يقول: إن جَعلَ لي محمدٌ الأمرَ مِن بعدهِ تَبعْته، وقَدِمَها في بَشَرِ كثيرٍ مِن قومهِ، فأقبلَ إليهِ
رسولُ اللَّهِ وَ﴿ ومعه ثابتُ بنُ قيسٍ بن شَمّاسٍ - وفي يدِ رسولِ اللهِ﴾ قِطعةُ جَرِيدٍ - حتى
وقف على مُسيلمةَ في أصحابهِ فقال: لو سألتَني هذه القطعةَ ما أعطيتُكها، ولن تعدُوَ أمرَ اللَّهِ
فيك، ولَئن أدبرتَ ليَعقِرَنك اللَّه، وإني لأَراكَ الذي أُرِيتُ فيكَ ما رأيتُ)). [الحديث ٣٦٢٠-
أطرافه في: ٤٢٧٣، ٤٢٧٨، ٧٠٣٣، ٧٤٦١].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (من
عبد الله بن أبي حسين) مصغرًا ونسبه لجده واسم أبيه عبد الرحمن النوفلي أنه قال: (حدّثنا
نافع بن جبير) أي ابن مطعم (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قدم مسيلمة الكذاب)
بكسر اللام من اليمامة إلى المدينة النبوية (على عهد رسول الله) أي زمنه ولأبوي ذر والوقت على
عهد النبي (18) سنة تسع من الهجرة وهي سنة الوفود (فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر)
أي النبوة والخلافة (من بعده تبعته وقدمها) أي المدينة (في بشر كثير من قومه) وذكر الواقدي أن
عدد من كان معه من قومه سبعة عشر نفسًا فيحمل على تعدد القدوم (فأقبل إليه رسول الله وَ﴿)
تألفًا له ولقومه رجاء إسلامهم وليبلغه ما أنزل إليه (ومعه ثابت بن قيس بن شماس) بفتح المعجمة
والميم المشددة وبعد الألف سين مهملة خطيبه (وفي يد رسول الله 8* قطعة جريد حتى وقف على
مسيلمة) بكسر اللام (في أصحابه فقال) عليه الصلاة والسلام له:
(لو سألتني هذه القطعة) من الجريدة (ما أعطيتكها ولن تعدو) بالعين المهملة أي لن تجاوز
(أمر الله) حكمه (فيك ولئن أدبرت) عن طاعتي (ليعقرنك الله) بالقاف ليقتلنك (وإني لأراك) بفتح
همزة لأراك وفي بعضها بضمها أي لأظنك (الذي أريت) بضم الهمزة وكسر الراء في منامي (فيك.
ما رأيت).
إرشاد الساري/ ج ٨/ ٢ ٨

١١٤
كتاب المناقب/ باب ٢٥
٣٦٢١ - فأخْبرَني أبو هريرةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ﴾ قال: ((بينما أنا نائم رأيتُ في يدَيَّ
سوارَين من ذهب فأهَمَّني شأنُهما، فأُوحيّ إليَّ في المنام أن انفُخْهما، فنَفختُهما، فطارا.
فأوَّلتُهما كذَابَينِ يَخرُجان بعدي، فكان أحدُهما العَنسيِّ، والآخرُ مُسَيلمةَ الكذّابَ صاحِبَ
اليمامة)). [الحديث ٣٦٢١- أطرافه في: ٤٣٧٤، ٤٣٧٥، ٤٣٧٩، ٧٠٣٤، ٧٠٣٧].
قال ابن عباس رضي الله عنهما بالسند السابق (فأخبرني أبو هريرة) رضي الله عنه عن تفسير
المنام المذكور (أن رسول الله و ل﴾ قال):
(بينما) بالميم (أنا نائم رأيت في يدي) بالتثنية (سوار من ذهب) صفة لهما، ويجوز أن تكون
من الداخلة على التمييز وفي التوضيح كما نقله العيني أن السوار لا يكون إلا من ذهب فذكر
الذهب للتأكيد فإن كان من فضة فهو قلب كذا قال، وتبعه في المصابيح وعبارته: ومن ذهب
صفة كاشفة لأن السوار لا يكون إلا من ذهب إلى آخره.
وقال في الفتح: من لبيان الجنس كقوله تعالى: ﴿وحلوا أساور من فضة﴾ [الإنسان: ٢١]
ووهم من قال: الأساور لا تكون إلا من ذهب إلى آخره.
(فأهمني) فأحزنني (شأنهما) لكون الذهب من حلية النساء ومما حرّم على الرجال (فأوحي إلي
في المنام) على لسان الملك أو وحي إلهام (أن أنفخهما) بهمزة وصل وكسر النون للتأكيد وبالجزم
على الأمر. وقال الطيبي: ويجوز أن تكون مفسرة لأن أوحي متضمن معنى القول، وأن تكون
ناصبة والجار محذوف (فنفختهما فطارا) في ذلك إشارة إلى حقارة أمرهما لأن شأن الذي ينفخ
فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة قاله بعضهم، ورده ابن العربي بأن أمرهما كان في غاية
الشدة لم ينزل بالمسلمين قبله مثله. قال في الفتح: وهو كذلك لكن الإشارة إنما هي للحقارة
المعنوية لا الحسية وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما (فأولتهما) أي السوارين (كذابين) لأن
الكذب وضع الشيء في غير موضعه، ووضع سواري الذهب المنهي عن لبسه في يديه من وضع
الشيء في غير موضعه إذ هما من حلية النساء، وأيضًا فالذهب مشتق من الذهاب فعلم أنه شيء
يذهب عنه وتأكد ذلك بالأمر له بنفخهما فطارا، فدل ذلك على أنه لا يثبت لهما أمر، وأيضًا
يتجه في تأويل نفخهما بأنه قتلهما بريحه لأنه لم يغزهما بنفسه، فأما العنسي فقتله فيروز الصحابي
بصنعاء في حياته 183 في مرض موته على الصحيح، وأما مسيلمة فقتله وحشي قاتل حمزة في
خلافة الصديق رضي الله عنه.
(يخرجان بعدي) استشكل بأنهما كانا في زمنه وَله. وأجيب: بأن المراد بخروجهما بعده
ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة. نقله الإمام النووي عن العلماء. قال الحافظ ابن
حجر: وفيه نظر لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته وهو فادعى النبوة وعظمت شوكته
وحارب المسلمين وفتك فيهم وغلب على البلدان وآل أمره إلى أن قتل في حياته عليه الصلاة

١١٥
کتاب المناقب/ باب ٢٥
والسلام كما مرّ، وأما مسيلمة فكان ادعى النبوة في حياته وهو لكن لم تعظم شوكته ولم تقع
محاربته إلا في زمن الصديق، فأما أن يحمل ذلك على التغليب أو أن المراد بقوله بعدي أي بعد
نبوتي.
(فكان أحدهما العنسي) بفتح العين المهملة وسكون النون وكسر السين المهملة من بني عنس
وهو الأسود واسمه عبلة بعين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة ابن كعب ويقال له: ذو الخمار بالخاء
المعجمة لأنه كان يخمر وجهه (والآخر مسيلمة) بكسر اللام مصغرًا ابن ثمامة بضم المثلثة ابن كبير
بموحدة ابن حبيب بن الحرث من بني حنيفة (الكذاب صاحب اليمامة) بتخفيف الميمين مدينة
باليمن على أربع مراحل من مكة. قال في المفهم: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء
وأهل اليمامة كانوا أسلموا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما الكذابان وتبهرجا على أهلهما
بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك فكان اليدان بمنزلة البلدين والسواران
بمنزلة الكذابين وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفاه؛ والزخرف من أسماء الذهب.
وهذا الحديث أخرج أيضًا في المغازي ومسلم والترمذي والنسائي في الرؤيا.
٣٦٢٢ - حدثنا محمدُ بنُ العَلاءِ حدَّثنا حمّادُ بن أسامةَ عن بُرَيدِ بن عبدِ اللهِ بن أبي بُردّةً
عن جدِّهِ أبي بُردةً عن أبي موسى أَراهُ عنِ النبيِّ وَ ◌ِّ قال: «رأيتُ في المنام أني أُهاجرُ من مكةً
إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وَهَلِي إلى أنها اليمامةُ أو هَجَرٌ، فإذا هيَ المدينةُ يَثرب، ورأيتُ في
رؤيايَ هذهِ أني هَزَزْتُ سيفًا فانقطعَ صَدرهُ، فإذا هوَ ما أصيبَ من المؤمنينَ يوم أحُدٍ، ثمَّ هَززْتَهُ
أخرَى فعادَ أحسنَ ما كان، فإذا هوَ ما جاءَ اللَّهُ بهِ منَ الفتح واجتماع المؤمنين. ورأيت فيها بقَرًا
واللَّه خيرٌ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فإذا همُ المؤمنونَ يومَ أحدٍ، وإذا الخيرُ ما جاءَ اللَّه
بهِ منّ الخير وثوابِ الصدقِ الذي آتانا اللَّه بعدَ يوم بدر)». [الحديث ٣٦٢٢- أطرافه في:
٣٩٨٧، ٤٠٨١، ٧٠٣٥، ٧٠٤١].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدَّثنا (محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي
قال: (حدّثنا حماد بن أسامة) أبو أسامة القرشي مولاهم الكوفي (عن بريد بن عبد الله) بضم
الموحدة مصغرًا (ابن أبي بريدة) بضم الموحدة وسكون الراء (عن جده أبي بردة) الحرث أو عامر
(عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (أراه) بضم الهمزة أظنه (عن
النبي (*) والقائل أراه قال الحافظ ابن حجر هو البخاري كأنه شك هل سمع من شيخه صيغة
الرفع أو لا، وقد ذكر مسلم وغيره عن أبي كريب محمد بن العلاء شيخ المؤلف فيه بالسند المذكور
بدون هذه اللفظة بل جزموا برفعه إلى النبي وَلغير أنه (قال):
(رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي) بفتح الواو والهاء
وتسكن وبه جزم في النهاية وكسر اللام أي وهمي (إلى أنها اليمامة أو هجر) بفتح الهاء والجيم غير

١١٦
کتاب المناقب/ باب ٢٥
منصرف مدينة معروفة باليمن، ولأبي ذر أو الهجر بزيادة أل (فإذا هي) مبتدأ وإذا للمفاجأة
(المدينة) خبره (يثرب) بالمثلثة عطف بيان والنهي عن تسميتها بها للتنزيه أو قاله قبل النهي (ورأيت
في رؤياي هذه أني هززت) بمعجمتين (سيفًا) هو سيفه ذو الفقار (فانقطع صدره) وعند أبي
إسحق: ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا (فإذا هو) تأويله (ما أصيب من المؤمنين يوم أُحُد) وذلك
لأن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم كما يصول بسيفه. وعند ابن هشام: حدّثني بعض
أهل العلم أنه 9 قال: وأما الثلم في السيف فهو رجل من أهل بيتي يقتل، وفي رواية عروة
كان الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه وَلفير (ثم هززته بأخرى) ولأبي ذر: أخرى بإسقاط الموحدة
(فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به من الفتح) لمكة (واجتماع المؤمنين) وإصلاح حالهم
(ورأيت فيها) في رؤياه (بقرًا) بالموحدة والقاف (والله) بالرفع في اليونينية فقط ورقم عليه علامة
أبي ذر وصحح وكشط الخفضة تحت الهاء (خير) رفع مبتدأ وخبر وفيه حذف أي وصنع الله
بالمقتولين خير لهم من مقامهم في الدنيا وفي نسخة والله بالجر على القسم لتحقيق الرؤيا، ومعنى
خير بعد ذلك على التفاؤل في تأويل الرؤيا. كذا قاله في المصابيح (فإذا هم) أي البقر (المؤمنون)
الذين قتلوا (يوم أُحُد).
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: بقرًا يذبح، وبهذه الزيادة يتم التأويل إذ ذبح البقر هو
قتل الصحابة بأحد، وفي حديث ابن عباس عند أبي يعلى: فأوّلت البقر الذي رأيت بقرًا يكون
فينا. قال: فكان ذلك من أصيب من المسلمين، وقوله: بقرًا بفتح الموحدة وسكون القاف مصدر
بقره يبقره بقرًا وهو شق البطن وهذا أحد وجوه التعبير، وهو أن يشتق من الأمر معنى يناسبه
والأولى أن يكون قوله: والله خير من جملة الرؤيا وأنها كلمة سمعها عند رؤيا البقر بدليل تأويله
لها بقوله ولا:
(وإذا الخير ما جاء الله من الخير) ولأبي ذر ما جاء الله به من الخير (وثواب الصدق الذي
آتانا الله) بالمد أعطانا الله عز وجل (بعد يوم بدر) بنصب دال بعد وجر ميم يوم أي من فتح خيبر
ثم مكة قاله في الفتح. ووقع في رواية بعد بالضم أي بعد أُحُد ونصب يوم أي ما جاءنا الله به
بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين.
وهذا الحديث أخرجه مقطعًا في المغازي والتعبير، ومسلم في الرؤيا وكذا النسائي وابن
ماجه .
٣٦٢٣ - حدثنا أبو نُعَيم حدَّثنا زكريّاء عن فراسٍ عن عامرِ الشعبيِّ عن مسروقٍ عن عائشةً
رضي اللَّه عنها قالت: ((أقبَلَتَ فاطمةُ تمشِي كأنَّ مِشيَتَها مشيُّ النبيِّ وَه، فقال النبيُّ وَّهِ: مَرحبًا
يا ابنَتي، ثمَّ أجلَسْها عن يمينه - أو عن شِمالِهِ - ثمَّ أسرّ إليها حَديثًا فبكت، فقلتُ لها: لم
تَبكينَ؟ ثمَّ أسرّ إليها حديثًا فضحِكتْ، فقلتُ: ما رأيتُ كاليوم فرَحًا أقربَ من حزن، فسألتُها

١١٧٠
كتاب المناقب/ باب ٢٥
عما قال. فقالت: ما كنتُ لأفشِيَ سِرَّ رسولِ اللهِ وَله، حتى قُبض النبيُِّ ◌َّ فسألتُها. [الحديث
٣٦٢٣ - أطرافه في: ٣٦٢٥، ٣٧١٥، ٤٤٣٣، ٦٢٨٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا زكريا) بن أبي زائدة الهمداني
الكوفي (عن فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى المكتب (عن
عامر) ولأبي ذر زيادة الشعبي (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة رضي الله عنها) أنها
(قالت: أقبلت فاطمة) رضي الله عنها (تمشي كأن مشيتها) بكسر الميم لأن المراد الهيئة (مشي
النبي ◌َ(9) وكان إذا مشى كأنما ينحدر من صبب (فقال): لها (النبي ◌َّ):
(مرحبًا يا ابنتي) بياء النداء في الفرع، وفي الناصرية يا حرف نداء بنتي بإسقاط الألف وعلى
هامشها صوابه بابنتي بموحدة فألف وإسكان الموحدة وكذا هو في اليونينية وظاهر الفرع إلحاق
ألف وزيادة نقطة تحت الموحدة (ثم أجلسها عن يمينه أو عن شمالهِ) بالشك من الراوي (ثم أسرّ
إليها حديثًا فبكت) قالت عائشة رضي الله عنها: (فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرّ إليها حديثًا
فضحكت) قالت عائشة رضي الله عنها (فقلت: ما رأيت كاليوم) أي كفرح اليوم (فرحًا) بفتح
الراء (أقرب من حزن) بضم الحاء المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذر من حزن بفتحهما. قالت
عائشة رضي الله عنها (فسألتها عما قال) عليه الصلاة والسلام لها حتى بكت وضحكت (فقالت:
ما كنت لأفشي) بضم الهمزة (سرّ رسول الله ◌َ في حتى قبض النبي (98) متعلق بمحذوف تقديره
فلم تقل لي شيئًا حتى توفي (فسألتها) عن ذلك.
٣٦٢٤ - ((فقالت: أسرَّ إليَّ إنّ جبريلَ كان يُعارضني القرآنَ كلِّ سنةٍ مرةً، وإنه عارَضني
العام مرَّتين ولا أراهُ إلا حضرَ أجلي، وإنك أولُ أهلٍ بيتي لحَاقًّا بي، فبكيت. فقال: أما ترضَين
أن تكوني سيدة نساء أهل الجَنَّة! أو نساءِ المؤمنين. فضحكت لذلك)). [الحديث ٣٦٢٤- أطرافه
في: ٣٦٢٦، ٣٧١٦، ٤٤٣٤، ٦٢٨٦].
(فقالت: أسرّ إلي إن جبريل) بكسر همزة إن (كان يعارضني) يدارسني (القرآن كل سنة مرة،
وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه) بضم الهمزة ولا أظنه (إلا حضر أجلي) فيه أنه استنبط ذلك مما
ذكره من معارضة القرآن مرتين وفي رواية عروة الجزم بأنه ميت من وجعه ذلك (وإنك أول أهل
بيتي لحاقًا بي) بفتح اللام والحاء المهملة (فبكيت) لذلك الذي قاله من حضور أجلي وأنك أول أهل
بيتي موتًا بعدي (فقال): عليه الصلاة والسلام:
(أما) بتخفيف الميم (ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة) دخل فيه أخواتها وأمها وعائشة
رضي الله عنهن، قيل: وإنما سادتهن لأنهن متن في حياته وَ ﴿ فكن في صحيفته، ومات أبوها
وهو سيد العالمين فكان في صحيفتها وميزانها، وقد روى البزار عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه
الصلاة والسلام قال: ((فاطمة خير بناتي إنها أصيبت بي فحق لمن كانت هذه حالتها أن تسود نساء

١١٨
كتاب المناقب/ باب ٢٥
أهل الجنة)). وقد سئل أبو بكر بن داود من أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: إن رسول الله اصل4 9م
قال: إن فاطمة بضعة مني فلا أعدل ببضعة من رسول الله ﴿﴿ أحدًا. وحسن هذا القول السهيلي
واستشهد لصحته بأن أبا لبابة حين ربط نفسه وحلف أن لا يحله إلا رسول الله * جاءت فاطمة
لتحلّه فأبى من أجل قسمه فقال رسول الله وَ له: ((إنما فاطمة بضعة مني فحلّته)) وهو تقرير
حسن، لكن قوله لأنهن متن في حياته منتقض بأن عائشة لم تمت في حياته بل بعده في أيام
معاوية بن أبي سفيان، وقد يقال أن قوله: (أو) سيدة (نساء المؤمنين) بالشك من الراوي يضعف
الاستدلال بالسابق مع ما يتبادر إليه الذهن من أن المراد من لفظ المؤمنين غير النبي وَ لجر فلا يدخل
أزواجه ودخول المتكلم في عموم كلامه مختلف فيه كما لا يخفى (فضحكت لذلك) الذي قاله
وهو: أما ترضين أن تكون سيدة نساء أهل الجنة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاستئذان وفضائل القرآن ومسلم في الفضائل والنسائي في
الوفاة والمناقب.
٣٦٢٥ - هذّثنا يحيى بن قَزَعةَ حدَّثَنا إبراهيمُ بن سعدٍ عن أبيهِ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ
اللَّه عنها قالت: ((دَعا النبيُّ ◌َ﴿ فاطمةَ ابنتَهُ فِي شَكواهُ التي قُبِضَ فيها، فسارّها بشيءٍ فبكَتْ، ثمّ
دعاها فسارّما فضَحِكت، قالتِ فسألتُها عن ذلك)).
وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدَّثنا (يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين
المهملة الحجازي المدني المؤذن قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن عروة) بن الزبير بن العوام بسكون العين (عن عائشة رضي
الله عنها) أنها (قالت: دعا النبي ◌َ﴿ فاطمة ابنته في شكواه) أي مرضه (الذي قبض فيه) ولأبي ذر
عن الكشميهني في شكواه التي قبض فيها (فسارّها بشيء فبكت ثم دعاها فسارّها فضحكت.
قالت): عائشة رضي الله عنها (فسألتها عن ذلك) لم يقل عروة في روايته هذه ما سبق في رواية
مسروق فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله - ﴿ الخ. بل قال: بعد قوله فسألتها عن ذلك.
٣٦٢٦ - ((فقالت: سارَّني النبيِّ ◌َ﴿ فأخبرني أنهُ يُقبض في وَجعِهِ الذي تُوُفِّيَ فيهِ فبكيتُ،
ثمَّ سارَّني فأخبرَني أني أوّلُ أهلِ بيتِهِ أَتَبَعُهُ فضحِكت)).
(فقالت): أي فاطمة (سارّني النبي {$) بتشديد راء سارني (فأخبرني أنه يقبض في وجعه
الذي توفي فيه فبكيت) لذلك (ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه) بفتح الهمزة وسكون
الفوقية وفتح الموحدة (فضحكت) لذلك، وقد اتفقت الروايتان على أن بكاءها لإعلامه إياها موته،
وضم مسروق لذلك كونها أول أهله لحاقًا به، واختلف في سبب ضحكها ففي رواية مسروق
إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنة، ورواية عروة كونها أول أهله لحاقًا به، ورجح في الفتح
رواية مسروق لاشتمالها على زيادة ليست في رواية عروة وهو من الثقات الضابطين.

١١٩
کتاب المناقب/ باب ٢٥
ومطابقة الحديث للترجمة إخباره ولتير بما سيقع فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة
رضي الله عنها كانت أول من مات من أهل بيته المقدس بعده حتى من أزواجه رضي الله عنهن.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي ومسلم في فضائل فاطمة والنسائي في المناقب.
٣٦٢٧ - حدثنا محمدُ بن عَزْعرَةَ حدَّثنا شعبةُ عن أبي بِشْر عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ عنِ ابنِ
عبّاسٍ قال: ((كان عمرُ بن الخطاب رضيَ اللَّهُ عنه يُدني ابنَ عبّاسٍ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ
عوفٍ: إنَّ لنا أبناءٌ مثلَهُ؛ فقال: إنهُ مِن حيث تعلم، فسأل عمرُ ابنَ عبّاسٍ عن هذهِ الآية: ﴿إذا
جاء نصرُ اللَّهِ والفَتح﴾ [النصر: ١] فقال: أجلُ رسولِ اللَّهِ وَل ◌َوَ أَعلَمَهُ إياه، قال: ما أعلم منها
إلا ما تَعلم)). [الحديث ٣٦٢٧ - أطرافه في: ٤٢٩٤، ٤٤٣٠، ٤٩٦٩، ٤٩٧٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عرعرة) بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وبعد الثانية
أخرى مفتوحة ابن البرند بكسر الموحدة والراء وسكون النون بعدها دال مهملة ابن النعمان السامي
بالسين المهملة القرشي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بشر) بالموحدة المكسورة
والمعجمة الساكنة جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه
(قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدني) أي يقرب (ابن عباس) يريد نفسه ففيه التفات (فقال
له عبد الرحمن بن عوف) الزهري لعمر (إن لنا أبناء) بالتنوين (مثله) في السن فلم تدنهم (فقال):
عمر (إنه من حيث تعلم) من جهة علمه، ولأبي ذر فقال: إنه من كنت تعلم (فسأل عمر ابن عباس
عن هذه الآية) ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] ليريهم علمه وذكاءه (فقال): ابن عباس هو
(أجل رسول الله ◌َ﴿ أعلمه) الله (إياه فقال): عمر لابن عباس (ما أعلم منها إلا ما تعلم).
قال العيني: ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله أعلمه إياه أي أعلم النبي وَلتر ابن عباس
أن هذه السورة في أجله عليه الصلاة والسلام وهو إخبار قبل وقوعه فوقع كما قال كذا قال
فليتأمل.
وفي حديث جابر عند الطبراني لما نزلت هذه السورة قال النبي و 98: ((نعيت إليّ نفسي)).
فقال له جبريل: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾ [الضحى: ٤].
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والتفسير والترمذي في التفسير وقال:
حسن، وتأتي مباحثه في محالها إن شاء الله تعالى.
٣٦٢٨ - حدثنا أبو نُعَيم حدّثنا عبدُ الرحمن بنُ سليمانَ بن حنظلة بن الغَسيلِ حدَّثنا
عِكرمةُ عنِ ابن عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((خَرجَ رسولُ اللَّهِ ﴾ في مرضهِ الذي مات فيه
بِمِلْحَفةٍ قد عَصَّبَ بعِصابةٍ دَسماءً حتى جلس على المنبرِ فحمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ ثمّ قال: أما بعدُ
فإن الناسَ يَكثرون ويقلُ الأنصارُ، حتى يكونوا في الناس بمنزِلة الملح في الطعام، فمن وَليَ

١٢٠
كتاب المناقب/ باب ٢٥
منكم شيئًا يَضرُّ فيه قومًا ويَنفعُ آخرين فلْيَقبلْ من مُحسنِهم ويتجاوَزْ عن مُسِيئهم. فكان آخرّ
مجلس جلس فيه النبي (چ).
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان بن
حنظلة بن الغسيل) المعروف بغسيل الملائكة قال: (حدّثنا عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس
رضي الله عنهما) أنه (قال: خرج رسول الله ﴿) من الحجرة إلى المسجد (في مرضه الذي مات
فيه بملحفة) بكسر الميم وفتح الحاء المهملة مرتديًا بها على منكبيه (قد عصب) بتشديد الصاد المهملة
في الفرع وأصله أي رأسه (بعصابة دسماء) سوداء (حتى جلس على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى
عليه ثم قال):
(أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار) هو من الإخبار بالمغيبات فإن الناس كثروا وقلّ
الأنصار كما قال عليه الصلاة والسلام (حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام) قال
الكرماني: وجه التشبيه الإصلاح بالقليل دون الإفساد بالكثير أو كونه قليلاً بالنسبة إلى سائر أجزاء
الطعام (فمن ولي منكم شيئًا يضر فيه) أي في الذي وليه (قومًا وينفع فيه آخرين فليقبل من
محسنهم) الحسنة (ويتجاوز) بالجزم عطفًا على فليقبل أي فليعف (عن مسيئهم) السيئة أي في غير
الحدود. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (فكان ذلك آخر مجلس جلس به) أي بالمنبر ولأبي ذر
فيه (النبي ◌ِ ﴾).
وقد مرّ الحديث في باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد من كتاب الجمعة.
٣٦٢٩ - عقلني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدّثَنا يحيى بن آدمَ حدَّثَنا حسينٌ الجُعفيَّ عن أبي
موسى عن الحسن عن أبي بَكرةً رضيَ اللَّه عنه: ((أخرجَ النبيّ ◌ِ ﴿ ذاتَ يومِ الحسنَ فَصَعِدَ بهِ
على المنبرِ فقال: ابني هذا سيّد، ولعلَّ اللَّهَ أن يُصلِحَ به بينَ فِئتين منَ المسلمين)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا
يحيى بن آدم) الكوفي صاحب الثوري قال: (حدّثنا حسين الجعفي) بضم الجيم وسكون العين
المهملة وكسر الفاء (عن أبي موسى) إسرائيل بن موسى البصري (عن الحسن) البصري (عن أبي
بكرة) بفتح الموحدة وسكون الكاف نفيع بن الحرث الثقفي (رضي الله عنه) أنه (قال: أخرج
النبي (8* ذات يوم الحسن) بن علي رضي الله عنهما (فصعد به المنبر) بكسر عين صعد (فقال) :.
والحسن إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى:
(ابني هذا سيد) كفاه شرفًا وفضلاً تسمية سيد البشر وال﴿ له سيدًا، وفيه أن ابن البنت يطلق
عليه ابن ولا اعتبار بقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنومن أبناء الرجال الأباعد