Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٧
وتشديد الميم (وربما قال فهو ثمه) بزيادة هاء السكت الساكنة أي هناك (وأخذ) بالواو موسى
(حوتًا) مملوحًا (فجعله في مكتل) كما أمر (ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون) بالصرف كنوح
(حتى أتيا) ولأبي ذر حتى إذا أتيا (الصخرة) التي عند ساحل مجمع البحرين ويقال ثمة عين تسمى
بعين الحياة ((وضعا رؤوسهما فرقد موسى واضطرب الحوت)) أي تحرك لأنه أصابه من ماء عين
الحياة (فخرج) من المكتل (فسقط في البحر فاتخذ سبيله) طريقه (في البحر سربّا) مسلكًا (فأمسك
الله) عز وجل (عن الحوت جرية الماء فصار) عليه (مثل الطاق) وفي نسخة في مثل الطاق (فقال:
هكذا مثل الطاق) أي مثل عقد البناء قال الكرماني: معجزة لموسى والخضر (فانطلقا) موسى وفتاه
(يمشيان بقية ليلتهما ويومهما) بنصب اليوم (حتى إذا كان من الغد قال) موسى (لفتاه) يوشع:
(آتنا غداءنا) طعامنا الذي نأكله أوّل النهار (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) تعبا (ولم يجد موسى
النصب حتى جاوز حيث أمره الله) تعالى (قال له فتاه) يوشع: (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني
نسيت الحوت) أن أخبرك بحياته وانتضاب الماء مثل الطاق وغيره (وما أنسانيه إلا الشيطان أن
أذكره) لها بهر العقل من عظيم القدرة (واتخذ سبيله في البحر) سبيلاً (عجبًا) مفعول ثان لاتخذ
وهو كونه كالسرب (فكان للحوت) أي لدخول الحوت في الماء (سربًا) مسلكًا (ولهما) لموسى
وفتاه (عجبًا) فإنه جمد الماء أو صار صخرًا (قال له موسى ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي فارتدا
على آثارهما) يقصان (قصصًا) أي (رجعا) في الطريق الذي جاء فيه (يقصان آثارهما) قصصًا أي
يتبعان آثار مسيرهما اتباعًا (حتى انتهيا إلى الصخرة) فذهبا يلتمسان الخضر (فإذا رجل) نائم (مسجى
بثوب) أي مغطى كله به (فسلم موسى) أي عليه (فرد عليه) الخضر السلام (فقال): أي الخضر
(وأنى) وكيف (بأرضك السلام) وفي رواية وهل بأرضي من سلام قال الخضر: من أنت؟ (قال أنا
موسى. قال) الخضر: (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم) موسى بني إسرائيل قال ما شأنك قال
(أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا) مفعول ثان لتعلمني ولم يرد أن يعلمه شيئًا من أمر الدين إذ
الأنبياء لا يجعلون ما يتعلق بدينهم الذي تعبدت به أمتهم (قال يا موسى إني على علم من علم الله
علمنيه الله لا تعلمه) جميعه (وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه) جميعه.
وهذا التقدير واجب دافع لمن استدل بقوله: إني على علم الخ بأن نبينا وَّر اختص بجمع
الشريعة، والحقيقة ولم يكن لغيره من الأنبياء إلا أحدهما لأنه يلزم منه خلو بعض أولي العزم غير
نبينا من الحقيقة وإخلاء الخضر عن علم الشريعة ولا يخفى ما فيه، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد
لذلك في سورة الكهف من التفسير، ولا ريب أن العالم بالعلم الخاص لا يكون أعلم ممن له العلم
العام وهو حكم الشرائع والتكاليف فإن ضرورة الناس تدعوهم إلى ذلك.
(قال) موسى للخضر (هل أتبعك؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا) لأن موسى لا يصبر
على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا)؟ أي: وكيف
تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك. وخبرًا تمييز أو
مصدر لأن لم تحط به بمعنى لم تخبره (إلى قوله أمرًا) أي ولا أعصى لك أمرًا وفي اليونينية إمرًا

٣٤٢
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٧
بكسر الهمزة وكانت مفتوحة فكشطها مصححًا عليها (فانطلقا) موسى والخضر (يمشيان على
ساحل البحر) ومعهما يوشع (فمرّت بهما سفينة كلموهم) بغير فاء (أن يحملوهم فعرفوا) أي
أصحاب السفينة (الخضر فحملوه) وموسى وفناه (بغير نول) بفتح النون أجرة (فلما ركبا) موسى
والخضر (في السفينة جاء عصفور) بضم العين وحكي فتحها ((فوقع على حرف السفينة فنقر في
البحر نقرة أو نقرتين)) قال له (الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله) أي من
معلومه (إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) ولفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما
معناه إن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر فهو
على التقريب إلى الأفهام (إذ أخذ) الخضر (الفأس) بالهمز (فنزع لوحًا) من ألواح السفينة (فلم)
وفي الفرع كأصله قال: فلم (يفجأ موسى) عليه السلام بعد أن صارت السفينة في لجة البحر (إلا
وقد قلع) الخضر (لوحًا) من السفينة (بالقدوم) بفتح القاف وتشديد الدال في الفرع وأصله وضبطه
الصغاني بالفتح والتخفيف فقال له (موسى): منكرًا عليه بلسان الشرع (ما صنعت)؟ هؤلاء (قوم
حملونا) في سفينتهم (بغير نول) أجرة (عمدت) بفتح الميم (إلى سفينتهم فحرقتها لتغرق أهلها) فإن
خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها وقال لتغرق أهلها ولم يقل لتغرقنا. قال
السفاقسي: فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالة يقول فيها المرء: نفسي نفسي، واللام في لتغرق
للعلة أو للصيرورة (لقد جئت شيئًا إمرًا) عظيمًا. (قال) الخضر مذكرًا لموسى بما سبق من
الشرط (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا) استفهام على سبيل الإنكار (قال) موسى للخضر: (لا
تؤاخذني بما نسيت) يعني وصيته بأن لا يعترض عليه وهو اعتذار بالنسيان أو أراد بالنسيان الترك
أي لا تؤاخذني بما تركت (ولا ترهقني) أي لا تغشني (من أمري عسرًا) مفعول ثان لترهق
(فكانت الأولى) وفي الكهف قال أي أبي، وقال رسول الله وَّر ((وكانت الأولى)) (من موسى نسيانًا
فلما خرجا) أي موسى والخضر (من البحر مروا) موسى والخضر ويوشع (بغلام) وضيء الوجه
اسمه جيسون بالجيم المفتوحة والتحتية الساكنة والسين المهملة المضمومة وبعد الواو نون (يلعب مع
الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده وهكذا وأومأ سفيان) بن عيينة (بأطراف أصابعه) كأنه
يقطف بها شيئًا (فقال له موسى): منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بتشديد الياء من
غير ألف وهي قراءة ابن عامر والكوفيين أي طاهرة من الذنوب قاله لأنه لم يرها أذنبت أو صغيرة
لم تبلغ الحلم (بغير نفس) متعلق بقتلت (لقد جئت شيئًا نكرًا) منكرًا (قال) الخضر لموسى: (ألم أقل
لك إنك لن تستطيع معي صبرًا. قال) موسى: (إن سألتك عن شيء بعدها) بعد هذه المرة (فلا
تصاحبني) وفارقني (وقد بلغت من لدني عذرًا) متعلق ببلغت، ولدني بضم الدال وتشديد النون
ادخلوا نون الوقاية على لدن لتقيها من الكسر محافظة على سكونها (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية)
أنطاكية أو غيرها (استطعما أهلها) واستضافوهم (فأبوا أن يضيفوهما)، مفعول به واستطعما جواب
إذا وتكرير أهلها قيل للتأكيد وقيل للتأسيس (فوجدا فيها) في القرية (جدارًا يريد أن ينقض)
مفعول الإرادة أي (مائلاً) وهذا من مجاز كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له فالمعنى أنه دنا من

٣٤٣
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٧
السقوط (أومأ) الخضر (بيده هكذا وأشار سفيان) بن عيينة (كأنه يمسح شيئًا إلى فوق) بالضم.
قال علي بن عبد الله المديني (فلم أسمع سفيان يذكر مائلاً إلاّ مرة):
(قال) موسى (قوم أتيناهم) فاستطعمناهم واستضفناهم (فلم يطعمونا ولم يضيفونا عمدت)
بفتح الميم في اليونينية ليس إلا (إلى حائطهم) المائل فأقمته (لو شئت لاتخذت) بهمزة وصل وتشديد
التاء وفتح الخاء وهي قراءة غير المكي والبصري (عليه أجرًا) جعلاً (قال) الخضر: (هذا فراق بيني
وبينك) أي الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو الاعتراض الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض
سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته (سأنبئك) سأخبرك (بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا) لكونه منكرًا
من حيث الظاهر.
(قال النبي ◌َّير: وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أن موسى كان صبر فقص الله
علينا من خبرهما) ولأبوي ذر والوقت: فقص بضم القاف مبنيًا للمفعول. (قال سفيان) بن عيينة
في روايته (قال النبي ◌َّر يرحم الله موسى لو كان صبر يقص) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي
لقص (علينا من أمرهما) وفي التفسير من طريق الحميد عن سفيان: وددنا أن موسى كان صبر
حتى يقص الله علينا من خبرهما.
(قال) في التفسير قال سعيد بن جبير وسقط قوله قال من اليونينية وثبت في فرعها (وقرأ
ابن عباس أمامهم) بدل قراءة العامة وراءهم (ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا وأما الغلام فكان
كافرًا وكان أبواه مؤمنين) قال ابن المديني: (ثم قال لي سفيان: سمعته منه) أي من عمرو بن دينار
(مرتين وحفظته منه. قيل لسفيان حفظته قبل أن تسمعه من عمرو) أي ابن دينار (أو تحفظته من
إنسان)؟ قال الكرماني الشك من علي بن عبد الله. يعني قيل لسفيان حفظته أو تحفظته من إنسان
قبل أن تسمعه من عمرو؟ (فقال) سفيان: (ممن أتحفظه. ورواه) أي أرواه (أحد من عمرو غيري)
فحذف همزة الاستفهام (سمعته منه) من عمرو (مرتين أو ثلاثًا وحفظته منه).
وهذا الحديث سبق في باب ما يستحب للعالم إذا سئل من كتاب العلم.
٣٤٠٢ - حدثنا محمدُ بن سعيدِ الأصبهانيّ أخبرنا ابنُ المبارَكِ عن مَعمرٍ عن همام بن مُنيِّهِ
عن أبي هريرةَ رضيَ اللّه عنه عن النبيِّ وَِّ قال: ((إنَّما سُمْيَ الخَضِر لأنهُ جَلسَ على فروةٍ
بيضاء، فإذا هي تهتزُّ مِن خلفهِ خضراء)»: قال الحَموِيُّ: قال محمدُ بن يوسفَ بن مطر الفربريُّ:
حدثنا عليّ بن خَشْرَمٍ عن سفيانَ بطوله.
وبه قال: (حدثنا محمد بن سعيد) بكسر العين (الأصبهاني) بفتح الهمزة والموحدة وفي نسخة
ابن الأصبهاني قال: (أخبرنا ابن المبارك) عبد الله (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه)
بكسر الموحدة المشددة (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي بَلي) أنه (قال):

٣٤٤
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٨
(إنما سمي الخضر) بفتح الراء وفي اليونينية وبالضم في فرعها خضرًا (أنه) ولأبي الوقت
وابن عساكر والأصيلي لأنه أي الخضر (جلس على فروة بيضاء) ليس فيها نبات، والفروة بفتح
الفاء وسكون الراء جلدة وجه الأرض (فإذا هي) أي الفروة البيضاء (تهتز من خلفه خضراء) بعد
أن كانت جرداء. وعن مجاهد قيل له الخضر لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله، واسمه بليا بفتح
الموحدة وسكون اللام وبعد التحتية ألف مقصورًا ابن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن
أرفخشذ بن سام بن نوح. قال في الفتح: فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل لأنه يكون ابن
عمر جد إبراهيم. وعند الدارقطني في الإفراد من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس هو
ابن آدم لصلبه وهو ضعيف منقطع، وعند أبي حاتم في المعمرين أنه ابن قابيل بن آدم، وعن ابن
لهيعة كان ابن فرعون نفسه، وقيل ابن بنت فرعون، وقيل كان أخا إلياس. وعند السهيلي عن
قوم أنه كان من الملائكة وليس من بني آدم واختلف في نبوته فقيل نبي واحتج بعضهم لنبوته
بقوله: وما فعلته عن أمري.
وأجيب: باحتمال الإيحاء إلى نبي من أنبياء ذلك الزمان أن يأمر الخضر بذلك، والأكثرون
كما قاله النووي على حياته بين أظهرنا واتفق عليه سادات الصوفية كابن أدهم وبشر الحافي
ومعروف الكرخي وسري السقطي والجنيد، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والذي جزم به البخاري
أنه غير موجود، وبه قال إبراهيم الحربي وأبو بكر بن العربي وطائفة من المحدثين، وعمدتهم
الحديث المشهور أن النبي ◌َّلير قال في آخر حياته: ((لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن
هو عليها اليوم أحد)). وأجيب بأنه كان حينئذٍ على وجه البحر أو هو مخصوص من الحديث إلى
غير ذلك مما سبق أوائل هذا المجموع.
(قال الحموي) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم المضمومة وبعد الواو المكسورة تحتية
عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي بفتح المهملة والراء (قال محمد بن يوسف بن مطر
الفربري): بفتح الفاء والراء (حدثنا علي بن خشرم) بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وبعد الراء
المفتوحة ميم المروزي (عن سفيان) بن عيينة فذكر حديث الخضر وموسى (بطوله) وفي اليونينية
علامة السقوط على قوله الحموي.
٢٨ - باب
هذا (باب) بالتنوين.
٣٤٠٣ - حدثني إسحاقُ بن نَصرِ حدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ عن مَعمرٍ عن همامِ بنِ مُنبِّهِ أنه سمعَ
أبا هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه يقول: قال رسولُ اللّهِ وَله: ((قيلَ لبني إسرائيلَ: ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا
وقولوا حِطّة، فبدَّلوا ودخلوا يزحَفونَ على أسْتَاهِهِمْ وقالوا حَبَّة في شعرة)). [الحديث ٣٤٠٣-
طرفاه في: ٤٤٧٩٠، ٤٦٤١].

٣٤٥
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٨
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن
إبراهيم بن نصر السعدي المروزي وقيل البخاري قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن
معمر) هو ابن راشد الأزدي مولاهم البصري (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة الصنعاني
أخي وهب (أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله (وَله):
(قيل لبني إسرائيل) لما خرجوا من التيه مع يوشع بن نون بعد أربعين سنة وفتح الله عليهم
بيت المقدس (ادخلوا الباب) باب القرية وكان قبل القبلة حال كونهم (سجدًا) منحنين ركوعًا أو
خضوعًا شكرًا على تيسير الدخول (وقولوا حطة) بالرفع أي مسألتنا حطة: وعند ابن أبي حاتم عن
ابن عباس قال قيل لهم قولوا مغفرة (فبدلوا) فغيروا السجود بالزحف (فدخلوا يزحفون) بفتح
الحاء المهملة (على أستاههم) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة أي أوراكهم (وقالوا) بدل حطة
(حبة في شعرة) بسكون العين فخالفوا في القول والفعل، فقالوا كلامًا مهملاً غرضهم به المخالفة
لما أمروا به من الكلام المستلزم للاستغفار، وحط العقوبة عنهم فعاقبهم الله بالطاعون حتى هلك
منهم سبعون ألفًا في ساعة واحدة، وقيل أربعة وعشرون ألفًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير، ومسلم في أواخر صحيحه، والترمذي في التفسير.
٣٤٠٤ - حدثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ حدَّثنا رَوحُ بن عُبادةَ حدَّثنا عَوفٌ عن الحسَنِ ومحمدٍ
وخِلاسٍ عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: قال رسولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ موسى كان رجلاً حَبِيًّا
سِتِيرًا لا يُرَى من جِلدِهِ شيء استحياءً منه، فآذاهُ مَن آذاه من بني إسرائيلَ فقالوا: ما يَستَتِرُ هذا
التستُّرَ إلاّ من عَيبٍ بجِلدِه: إمّا بَرص وإما أذْرَة، وإما آفة. وإِنَّ اللّهَ أرادَ أن يُبَرِّئه مما قالوا
لموسى، فخلا يومًا وَحدَهُ فوضَعَ ثيابهُ على الحَجرِ ثمَّ اغتسَلَ، فلما فرَغَ أقبلَ إلى ثيابهِ ليأخُذَها، وإنَّ
الحجرَ عَدا بثوبِهِ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر.
فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. حتى انتهى إلى ملاٍ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا
من أثر ضربهِ ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذَوا
موسى فبرأهُ مما قالوا وكان عندَ اللّه وجيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (قال:
حدثنا) ولأبوي الوقت وذر أخبرنا (روح بن عبادة) بفتح الراء وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة
البصري قال: (حدثنا عوف) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة فاء ابن أبي جميلة المعروف
بالأعرابي (عن الحسن) البصري (ومحمد) أي ابن سيرين (وخلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف
اللام آخره مهملة ابن عمرو البصري ثلاثتهم (عن أبي هريرة رضي الله عنه) ولم يسمع الحسن من
أبي هريرة عند الحفاظ، وما وقع في بعض الروايات مما يخالف ذلك فمحكوم بوهمه عندهم وأما

٣٤٦
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٨
خلاس فقال أبو داود عن أحمد أنه لم يسمع من أبي هريرة، وأما محمد بن سيرين فسماعه ثابت من
أبي هريرة أنه (قال: قال رسول الله وَليه):
(إن موسى) عليه الصلاة والسلام (كان رجلاً حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتية وتشديد
الثانية أي كثير الحياء (ستيرًا) بكسر السين المهملة والفوقية المشددة أي من شأنه وإرادته حب الستر
(لا يُرى) بضم أوله وفتح ثانيه (من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا
ما يستتر) موسى (هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص) ولغير أبي ذر برص بالجر (وإما أدرة)
بفتح الهمزة وفي الفرع وأصله وسكون الدال وفيهما أيضًا بفتحهما. وقال في الفتح بضم الهمزة
وسكون الدال على المشهور وبفتحتين أيضًا فيما حكاه الطحاوي عن بعض مشايخه ورجح الأول
وبالرفع لأبي ذر وبالجر لغيره وهو نفخ في الخصيتين (وإما آفة) من عطف العام على الخاص (وإن
الله) عز وجل (أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى) ولأبي ذر عن المستملي: بموسى بالموحدة بدل اللام
(فخلا) موسى (يومًا وحده) ليغتسل (فوضع ثيابه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثيابًا أي له (على
الحجر) الذي كان ثم (ثم اغتسل) وفي رواية علي بن زيد عن أنس عند أحمد في هذا الحديث أن
موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء (فلما فرغ) من غسله
(أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا) بالعين المهملة مضى مسرعًا (بثوبه) بالتوحيد على إرادة
الجنس (فأخذ موسى عصاه) التي كانت إحدى آياته (وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حر ثوبي
حجر) مرتين أي اعطني ثوبي يا حجر (حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه) حال كونه
(عريانًا) حال كونه (أحسن ما خلق الله وأبرأه) تعالى (مما يقولون وقام الحجر فأخذ) موسى (ثوبه)
ولأبوي ذر والوقت: بثوبه (فلبسه وطفق) بكسر الفاء أي جعل (بالحجر) يضرب (ضربًا بعضاه
فوالله إن بالحجر لندبًا) بفتح النون والمهملة أي أثرًا (من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا) بالشك
من الراوي.
وفي الغسل في باب: من اغتسل عريانًا قال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو
سبعة بالشك أيضًا وفيه أن قوله: فوالله الخ من قول أبي هريرة، وفي رواية حبيب بن سالم عن
أبي هريرة عند ابن مردويه الجزم بست ضربات قال النووي: فيه معجزتان ظاهرتان لموسى عليه
السلام: مشي الحجر بثوبه وحصول الندب في الحجر بضربه وفيه حصول التمييز في الجماد.
(فذلك) أي ما ذكر من أذى بني إسرائيل موسى (قوله) عز وجل: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا
تكونوا كالذين آذوا موسى﴾) بنسبة العيب في بدنه (﴿فبرّأه الله مما قالوا﴾) بإبراز جسده لقومه
حتى رأوه وعلموا فساد اعتقادهم (﴿وكان عند الله وجيهًا﴾) [الأحزاب: ٦٩] كريمًا ذا جاه.
وقال ابن عباس: كان حظيّا عند الله لا يسأل شيئًا إلا أعطاه. وقال الحسن: كان مجاب الدعوة،
وقيل كان محببًا مقبولاً.
٣٤٠٥ - حدثنا أبو الوليدِ حدَّثنا شعبةُ عن الأعمشِ قال: سمعتُ أبا وائلٍ قال: سمعت

٣٤٧
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٩
عبدَ اللّهِ رضي اللّهُ عنه قال: ((قَسمَ النبيُّ وَّرَ قَسْمًا، فقال رجلٌ: إنَّ هذهِ لقِسمةٌ ما أُرِيدَ بها
وَجهُ الله. فأتيتُ النبيِّ وَّرِ فأخبرتهُ، فغضبَ حتى رأيتُ الغضبَ في وجههِ، ثم قال: يرحمُ اللّهُ
موسی، قد أُوذِي بأكثر من هذا فصبرًا.
وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج
(عن الأعمش) سليمان بن مهران أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (قال: سمعت
عبد الله) يعني ابن مسعود (رضي الله عنه قال: قسم النبي ◌َّ قسمًا) بفتح القاف وسكون السين
يوم حنين فآثر ناسًا في القسمة أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن مثل ذلك
وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ على غيرهم (فقال رجل): هو معتب بن قشير
المنافق (إن هذه) القسمة (لقسمة ما أريد بها وجه الله)، زاد في الجهاد ما عدل فيها (فأتيت) أي
قال ابن مسعود فأتيت (النبي ◌َل﴿ فأخبرته) بقول الرجل (فغضب) عليه الصلاة والسلام (حتى
رأيت الغضب) أي أثره (في وجهه) الشريف (ثم قال):
(يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا) الذي أوذیت به (فصبر).
وهذا الحديث سبق في الجهاد في باب: ما كان النبي ◌َّر يعطي المؤلفة قلوبهم.
٢٩ - باب ﴿يَعكِفونَ على أصنام لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨]
﴿مُتَبَّرْ﴾: خُسرانٌ. ﴿وليُتَبِّروا﴾: يُدمِّروا. ﴿ما عَلوا﴾: ما غَلبوا
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((يعكفون على أصنام لهم﴾﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي
يقيمون على عبادتها قيل كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل وكانوا من العمالقة الذي أمر
موسى بقتالهم.
(﴿متبر﴾) في قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي (خسران)
أخرجه الطبري عن ابن عباس بلفظ: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه﴾ [الأعراف: ١٣٩] قال
خسران والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر. وقال في الأنوار: متبر مكسر مدمر يعني أن
الله يهدم دينهم الذي هم فيه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضًا. (﴿وليتبروا)) [الإسراء: ٧] أي
(يدمروا ﴿ما علوا﴾) أي (ما غلبوا). بفتح الغين المعجمة واللام وذكره استطرادًا.
٣٤٠٦ - حدثنا يحيى بن بُكَيرِ حدَّثَنا الليثُ عن يونُسَ عن ابنِ شهابٍ عن أبي سلمةَ بن
عبدِ الرَّحمن أنَّ جابرَ بن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((كنا معَ رسولِ اللّهِ وَرَ نَجني الكَباثَ،
وإن رسولَ اللّهِ نَّه قال: عليكم بالأسْودِ مِنْهُ فإنه أطيبهُ. قالوا: أكنتَ تَرعى الغنم؟ قال: وهل
من نبيّ إلا وقد رعاها)»؟ [الحديث ٣٤٠٦ - طرفه في: ٥٤٥٢].

٣٤٨
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٠
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري
قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن
أبي سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (أن جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري (رضي الله عنهما قال: كنا
مع رسول الله وَظله) بمرّ الظهران (نجني الكباث) بكاف فموحدة مفتوحتين وبعد الألف مثلثة ثمر
الأراك النضيج (وأن رسول الله بَّقي قال) لمن معه من أصحابه:
(عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه قالوا: أكنت ترعى الغنم)؟ إذ لا يميز بين أنواعه غالبًا إلا
من يلازم رعي الغنم (قال) بَّر: (وهل من نبي) موسى وغيره (إلا وقد رعاها)؟ ليترقى من
سياستها إلى سياسة من يرسل إليه ويأخذ نفسه بالتواضع وتصفية القلب بالخلوة، وفيه إشارة إلى أن
النبوة لم يضعها الله تعالى في أبناء الدنيا والمترفين منهم، وإنما جعلها في أهل التواضع قاله الخطابي
ووقع عند النسائي في التفسير بإسناد رجاله ثقات افتخر أهل الإبل والشاء فقال النبي وَّر ((بعث
موسى وهو راعي غنم)). ووقع في رواية النسفي ذكر باب من غير ترجمة وحينئذٍ فهو كالفصل من
باب قول الله تعالى ﴿وواعدنا موسى﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل فتكون مطابقة الحديث للترجمة من
حيث إن فيه حالة من حالات موسى عليه السلام لدخوله في عموم قوله: ((ما من نبي إلا رعاها))
لا سيما. ووقع التصريح بذكر موسى عند النسائي كما سبق.
وقال في فتح الباري: ومناسبة الحديث غير ظاهرة يعني لقوله ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾
والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور والحديث بياض أخلاه لحديث يدخل في
الترجمة والترجمة تصلح لحديث جابر، ثم وصل كما في نظائره وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن
تعسف فالله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأطعمة وكذا مسلم وأخرجه النسائي في الوليمة.
٣٠ - باب ﴿وإذ قال موسى لقومهِ إِنَّ اللّهَ يأمُرُكم أن تذبحوا بقرة﴾ الآية [البقرة: ٦٧]
قال أبو العالية العَوانُ: النّصَفُ بينَ البِكر والهرِمة. ﴿فَاقِعٌ﴾: صافٍ. ﴿لا ذَلولٌ﴾:
لم يُذِلَّها العملُ. ﴿تُثِيرُ الأرضَ﴾: ليست بذلول تُثِيرُ الأرضَ ولا تعملُ في الحرث.
﴿مسلَّمة﴾: منَ العيوب. ﴿لاشِيَةَ﴾: بياضٌ. ﴿صفراءُ﴾: إن شئتَ سَوداء ويقال
صفراءُ كقوله: ﴿جِمالاتٌ صُفْرٌ﴾. ﴿فادارَ أتم﴾: اختلفتم.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإذا قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا
بقرة﴾) [البقرة: ٦٧] أول هذه القصة قوله تعالى ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها﴾.
قال في الكشاف، فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها وكان حقها أن يقدم ذكر
القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادّارأتم فيها﴾

٣٤٩
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٠
[البقرة: ٧٢] فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها. وأجاب: بأن كل ما قص من قصص بني
إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات وتقريعًا لهم عليها ولما جدد فيهم من الآيات
العظام، وهاتان القصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين،
فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية: للتقريع على
قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآيات العظيمة، وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر
القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض في تثنية التقريع.
وحاصل القصة: إنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه وطرحوه
على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها
ليحيا فيخبر بقاتله فعجبوا من ذلك فقالوا: ﴿أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين
قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض﴾ [البقرة: ٦٧ - ٦٨] يعني لا
هرمة ولا بكر يعني ولا صغيرة ﴿عوان بين ذلك﴾ (قال أبو العالية): رفيع الرياحي فيما وصله
آدم بن أبي إياس في تفسيره (عوان) وفي اليونينية العوان بالتعريف وفي فرعها بالتنكير أي
(النصف) بفتح النون والمهملة (بين البكر والهرمة). وقال الضحاك عن ابن عباس: بين الكبيرة
والصغيرة وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما يكون. (﴿فاقع﴾) [البقرة: ٦٩] أي
(صاف) لونها وعن ابن عمر كانت صفراء الظلف وزاد سعيد بن جبير والقرن (﴿لا ذلول﴾) أي
(لم يذلها العمل) بلام واحدة مشددة بعد المعجمة المكسورة في الحراثة، ولأبي ذر عن الكشميهني:
لم يذللها بفتح الذال ولامين أولاهما مشددة والثانية ساكنة ﴿تثير الأرض﴾ أي (ليست بذلول تثير
الأرض) تقلبها للزراعة (ولا تعمل في الحرث) بل هي مكرمة حسناء صبيحة (﴿مسلمة﴾) أي (من
العيوب). وآثار العمل. وقال عطاء الخراساني. مسلمة القوائم والخلق (﴿لاشية﴾) [البقرة: ٧١]
(بياض) بسقوط لا قبل بياض في الفرع كأصله وفي بعضها لاشية لا بياض بإثبات لا فيهما
ونصب ما بعدهما وزاد السدي ولا سواد ولا حمرة (﴿صفراء﴾﴾ [البقرة: ٩٩] قال أبو عبيدة (إن
شئت سوداء ويقال صفراء) والمعنى هنا أن الصفرة يمكن حملها على معناها المشهور، وعلى معنى
السواد (كقوله ﴿جمالات صفر﴾) [المرسلات: ٣٣] قال مجاهد كالإبل السود (﴿فاذارأتم﴾)
[البقرة: ٧٢] أي (اختلفتم). وكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم.
وقال عطاء الخراساني: اختصمتم فيها. قال في الأنوار: إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضًا
قال ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم أن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى
وجدوها عند رجل في بقر له وكانت تعجبه قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء
مسكها دنانير فذبحوها فضربوه يعني القتيل بعضو منها فقام تشخب أوداجه دمًا فقالوا له: من
قتلك؟ قال: فلان. قال ابن كثير: ولم يجىء من طريق صحيح عن معصوم بيان العضو الذي
ضربوه به، وعن عكرمة ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير رواه عبد الرزاق بإسناد جيد. قال ابن
كثير: والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب وكذا لم يثبت كثرة ثمنها إلا من نقل من بني إسرائيل،

٣٥٠
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣١
وقال ابن جريج قال عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم. قال ابن جريج قال رسول الله وَ لقوله((إنما
أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله تعالى عليهم وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا
ما بينت لهم آخر الأبد».
٣١ - باب وفاةٍ موسى، وذِكره بعدُ
(باب) ذكر (وفاة موسى)، وَلير (وذكره) بالجر عطفًا على المجرور ولأبي ذر: وذكره بالرفع
وسقوط باب (بعد) بضم الدال لقطعه عن الإضافة.
٣٤٠٧ - حدّثنا يحيى بنُ موسى حدَّثَنا عبدُ الرزّاق أخبرَنا مَعمرٌ عنِ ابنِ طاوسٍ عن أبيهِ
عن أبي هريرةَ رضي اللّه عنه قال: ((أُرسِلَ ملكُ الموتِ إِلى موسى عليهم السلام، فلما جاءهُ
صَكَّهُ، فرجَعَ إلى ربهِ فقال: أرسلتَني إِلى عبدٍ لا يريدُ الموتَ. قال: ارجِعْ إِليهِ فقل له يَضَعُ يدَهُ
على مَتنِ ثورٍ، فلهُ بما غطّى يدُهُ بكلٌ شعرةٍ سنة. قال: أي ربّ، ثمَّ ماذا؟ قال: ثمَّ الموت.
قال: فالآن. قال: فسأَلَ اللّهَ أن يُدنِيَهُ منَ الأرض المقدَّسةِ رميةً بحجَرٍ. قال أبو هريرةَ: فقال
رسولُ اللّهِ وَّ: لو كنتُ ثمَّ لأريتُكم قبرَهُ إِلى جانب الطريقِ تحتَ الكثيبِ الأحمر. قال:
وأخبرَنا مَعْمَرٌ عن هَمامِ حدَّثنا أبو هريرةَ عنِ النبيِّ وَّر نحوَه.
وبه قال: (حدثنا يحيى بن موسى) المعروف بخت بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفوقية قال:
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري مولاهم الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن
طاوس) عبد الله (عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: أرسل ملك الموت) أي أرسل
الله ملك الموت (إلى موسى عليهما السلام)، في صورة آدمي وكان عمر موسى إذ ذاك مائة
وعشرين سنة (فلما جاءه) ظنه آدميًا حقيقة تسوّر عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا فلما تصوّر
ذلك (صكه)، ولأبي الوقت فصكه أي لطمه على عينه التي ركبت في الصورة البشرية دون
الصورة الملكية ففقأها. وعند أحمد أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا فأتى موسى فلطمه ففقا عينه
(فرجع) ملك الموت (إلى ربه فقال): رب (أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت) زاد في باب من أحب
الدفن في الأرض المقدّسة من الجنائز فردّ الله عز وجل عليه عينه، وقيل: المراد بفقء العين هنا
المجاز يعني أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة يقال فقأ فلان عين فلان إذا غلبه بالحجة
وضعف هذا لقوله فردّ الله عليه عينه (قال) له ربه: (ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور)
بالمثناة الفوقية في الأولى وبالمثلثة في الثانية أي على ظهر ثور (فله بما غطت) ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي بما غطى (يده بكل شعرة سنة. قال) موسى: (أي رب ثم ماذا)؟ يكون بعد
هذه السنين حياة أو موت (قال) الله عز وجل (ثم) يكون بعدها (الموت. قال) موسى: (فالآن)
يكون الموت.

٣٥١
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣١
(قال) أبو هريرة: (فسأل الله) عز وجل موسى (أن يدنيه) يقربه (من الأرض المقدسة) ليدفن
بها لشرفها (رمية بحجر) أي دنوًا لو رمى رام بحجر من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره
لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك بالتيه وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس
لأنه خاف أن يشتهر قبره عندهم فيفتنوا به. قال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون
لاتخذوهما إلهين من دون الله. (قال أبو هريرة رضي الله عنه: فقال رسول الله وَ ل ﴿):
(لو) ولأبي ذر: فلو (كنت ثم) أي هناك (الأريتكم قبره إلى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
من وهي التي في الفرع لا غير (جانب الطريق تحت) وللكشميهني عند (الكثيب الأحمر) بالمثلثة
الرمل المجتمع وليس نصًا في الإعلام بتعيين قبره، وقد اشتهر قبره بأريجاء عند كثيب أحمر أنه قبر
موسى. وأريحاء من الأرض المقدسة، وأما ما يرى عند قبره المقدس من أشباح بالقبة المبنية عليه
مختلفة الهيئات والأفعال فالله أعلم بحقيقتها، لكن أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف:
أنه إذا وقع هناك فعل ما لا يجوز تحصل ظلمة واضطراب حتى يزال ذلك فتنجلي، وقد روي عن
وهب بن منبه أن الملائكة تولوا دفنه والصلاة عليه.
(قال) أي عبد الرزاق بن همام موصولاً بالإسناد المذكور: (وأخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن
همام) هو ابن منبه أنه (قال: حدثنا أبو هريرة عن النبي بَل﴿ نحوه). أي نحو الحديث المذكور.
٣٤٠٨ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال: أخبرني أبو سلمَةً بن
عبدِ الرَّحمْنِ وسعيد بن المسيَّبِ أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((استَبَّ رجلٌ منَ المسلمينَ
ورجُلٌ منَ اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا بَّرَ على العالمين - قَسَم يُقْسِمُ به -
فقال اليهوديُّ: والذي اصطفى مُوسى على العالمين. فرفَعَ المسلمُ عندَ ذلكَ يدَهُ فلطم اليهوديّ،
فذهبَ اليهوديُّ إِلى النبيِّ وَّرَ فأخبرَهُ الذي كان من أمرِهِ وأمرِ المسلم، فقال: لا تخَيِّروني على
موسى، فإِنَّ الناسَ يَصعَقونَ فأكونُ أولَ مَن يُفيقُ، فإِذا موسى باطِشٌ بجانبِ العَرشِ، فلا أدري
أُكانَ فيمَن صَعِقَ فأفاقَ قَبلي، أو كان ممَّن استثنى اللّهُ».
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرَّحمن) بن
عوف (وسعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: استب رجل من المسلمين) هو أبو
بكر الصديق رضي الله عنه (ورجل من اليهود) قيل هو فنحاص بفاء مكسورة ونون ساكنة
وبعد الحاء المهملة ألف فصاد مهملة قاله ابن بشكوال وعزاه لابن إسحاق، وتعقب بأن الذي
ذكره ابن إسحاق لفنحاص مع أبي بكر الصدّيق في لطمه إياه قصة أخرى في نزول قوله تعالى:
﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية. قال في الفتح: ولم
أقف على اسم هذا اليهودي في هذه القصة (فقال المسلم) أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
(والذي اصطفى محمدًا ◌َلر على العالمين قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى

٣٥٢
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣١
على العالمين فرفع المسلم) أبو بكر (عند ذلك) الذي سمعه من قول اليهودي والذي اصطفى موسى
على العالمين الشامل لمحمد وَلاي وسائر الأنبياء والمرسلين وغيرهم (يده فلطم اليهودي) عقوبة له على
إطلاقه. وفي رواية عبد الله بن الفضل الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى وقال يقول: والذي اصطفى
موسى على البشر والنبي بين أظهرنا (فذهب اليهودي إلى النبي ◌ِّر فأخبره الذي كان من أمره وأمر
المسلم) وزاد في رواية إبراهيم بن سعد فدعا النبي وّر المسلم فسأله عن ذلك فأخبره (فقال) على
سبيل التواضع.
(لا تخيروني على موسى). وفي حديث أبي سعيد عند ... (١) لا تخيروا بين الأنبياء أي من
تلقاء أنفسكم فإن ذلك قد يفضي إلى العصبية فينتهز الشيطان عند ذلك فرصة فيدعوكم إلى الإفراط
والتفريط فتطرون الفاضل فوق حقه وتبخسون المفضول حقه فتقعون في مهواة الغي فلا تقدموا
على ذلك بآرائكم بل ما آتاكم الله من البيان (فإن الناس يصعقون) يوم القيامة (فأكون أوّل من
يفيق) بعد النفخة الأخيرة (فإذا موسى باطش) آخذ (بجانب العرش) بقوّة وفي حديث أبي سعيد
آخذ بقائمة من قوائم العرش (فلا أدري أكان فيمن) ولأبي ذر: ممن (صعق فأفاق قبلي) ثبت لفظ
قبلي في الفرع وسقطت من أصله (وكان ممن استثنى الله) عز وجل في قوله: ﴿فصعق من في
السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨] فلم يصعق فحوسب بصعقة الطور فلم
يكلف صعقة أخرى.
٣٤٠٩ - حدثنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ اللَّه حدَّثنا إِبراهيمُ بن سعدٍ عنِ ابنِ شهابٍ عن
حُمَيدٍ بن عبدِ الرَّحمن أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللّهِ وَّرَ: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له
موسى: أنتَ آدمُ الذي أخرجَتْكَ خطيئتكَ منَ الجنة. فقال لهُ آدمُ: أنتَ موسى الذي اصطفاكَ
اللّهُ برسالاتهِ وبكلامهِ ثمَّ تلومُني على أمر قُدْرَ عليَّ قبل أن أُخلَقَ؟ فقال رسولُ اللّهِ وَلَّهِ: فحجَّ
آدمُ موسى مرَّتَين)). [الحديث ٣٤٠٩ - أطرافه في: ٤٧٣٦، ٤٧٣٨، ٦٦١٤، ٧٥١٥].
وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه) الأويسي قال: (حدثنا إبراهيم بن سعد) بسكون.
العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري القرشي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم
(عن حميد بن عبد الرَّحمن أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال قال رسول الله وخليٍ):
(احتج) أي تحاج (آدم وموسى) بأشخاصهما أو التقت أرواحهما في السماء فوقع التحاج
بينهما ويحتمل وقوع ذلك في حياة موسى (فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك)
وهي أكلك من الشجرة التي نهيت عنها بقوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] (من
الجنة. فقال له آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله) اختارك على الناس (برسالاته) يعني بأسفار
(١) بياض في الأصل.

٣٥٣
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣١
التوراة وفيها قصتي (وبكلامه) وبتكليمه إياك (ثم) بالمثلثة المضمومة والميم المشدّدة ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي بم بموحدة مكسورة فميم مخففة (تلومني على أمر قدّر) بضم القاف وتشديد
الدال المكسورة (علّ قبل أن أخلق) وحكم بأن ذلك كائن لا محالة لعلمه السابق فهل يمكن أن
يصدر مني خلاف علم الله، فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب
وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سر الله من وراء
الأستار؟ (فقال رسول الله مَّتر: فحج) أي غلب (آدم) بالرفع (موسى) بالحجة في دفع اللوم
(مرتين) متعلق بقال، والغرض من هذا الحديث شهادة آدم لموسى أن الله اصطفاه.
وقد أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في القدر.
٣٤١٠ - حدّثنا مسدّدٌ حدَّثَنا حُصينُ بنُ نُميرٍ عن حُصينٍ بن عبدِ الرَّحمنِ عن سعيدِ بن
جُبِير عنٍ ابن عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((خرَجَ علينا النبيُّ بِّهِ يومًا قال: عُرِضَت عليَّ
الأممُ، ورأيتُ سَوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل: هذا موسى في قومِه)). [الحديث ٣٤١٠ - أطرافه
في: ٥٧٠٥، ٥٧٥٢، ٦٤٧٢، ٦٥٤١].
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا حصين بن نمير) بضم الحاء وفتح
الصاد المهملتين ونمير بضم النون وفتح الميم مصغرين الواسطي (عن حصين بن عبد الرَّحمن) بضم
الحاء مصغرًا أيضًا السلمي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال:
خرج علينا النبي) ولأبي ذر: رسول الله (َّ﴿ يومًا قال) ولأبي ذر: فقال:
(عرضت) بضم العين مبنيًا للمفعول (علي) بتشديد الياء (الأمم) بالرفع مفعولاً ناب عن
الفاعل. وعند الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم بموحدة ثم مثلثة بوزن جعفر في
روايته عن حصين بن عبد الرَّحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه: لما أسري بالنبي ◌َّ جعل
يمرّ بالنبي الحديث. فإن كان هذا محفوظًا ففيه دلالة لمن ذهب إلى تعدّد الإسراء وأن الذي وقع
بالمدينة غير الذي وقع بمكة لكن الإسراء الواقع وهو بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة من استفتاح
أبواب السموات بابًا بابًا إلى غير ذلك. (ورأيت سوادًا كثيرًا سدّ الأفق) أي ناحية السماء
والسواد ضد البياض هو الشخص الذي يرى من بعيد ووصفه بالكثير إشارة إلى أن المراد الجنس
لا الواحد (فقيل: هذا موسى في قومه). وفي حديث ابن مسعود عند أحمد حتى مرّ على
موسى في كبكبة أي جماعة من بني إسرائيل فأعجبني فقلت من هؤلاء فقيل هو أخوك موسى
معه بنو إسرائيل.
وقد ساق المؤلف هذا الحديث هنا مختصرًا جدًّا وأخرجه مطوّلاً في الطب والرقاق، وأخرجه
مسلم في الإيمان والترمذي في الزهد والنسائي في الطب.
إرشاد الساري/ ج ٧/ م ٢٣

٣٥٤
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٢
٣٢ - باب قولِ اللّهِ تعالى: ﴿وَضَربَ اللّهُ مثلاً للذين آمنوا امرأةَ فِرِعونَ﴾
- إلى قوله - ﴿وكانت منَ القائِتِين﴾ [التحريم: ١١]
(باب قول الله تعالى ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون﴾) [التحريم: ١١]. هذا
مثل ضربه للمؤمنين أنهم لا يضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم بحال آسية بنت
مزاحم امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله كما قال تعالى: ﴿لا
يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن
تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران: ٢٨]. قال قتادة: كان فرعون أغنى أهل الأرض وأكفرهم فوالله ما
ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها ليعلموا أن الله حكم عدل لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه.
وروي أنه لما غلب موسى السحرة قالت آسية: آمنت برب موسى وهارون، فلما تبين
لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس. قال سليمان: فإذا انصرفوا
عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها فقالت: رب ابنٍ لي عندك بيتا في الجنة، فكشف الله لها عن بيتها
في الجنة حتى رأته من درة فضحكت حين رأت بيتها وفرعون حاضر فقال: ألا تعجبون من
جنونها إنا نعذبها وهي تضحك ثم أمر بصخرة عظيمة تلقى عليها فانتزعت روحها ثم ألقيت
الصخرة على جسد لا روح فيه فلم تجد ألمًا. وقال الحسن وابن كيسان رفع الله امرأة فرعون إلى
الجنة فهي تأكل وتشرب.
(إلى قوله ﴿وكانت﴾) أي مريم ابنة عمران (﴿من القانتين﴾) [التحريم: ١٢]. قال
القاضي: من عداد المواظبين على الطاعة والتذكير للتغليب والاشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة
الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم أو من نسلهم فتكون من ابتدائية وسقط لأبي ذر ﴿للذين
آمنوا امرأة فرعون﴾ وقال إلى قوله: ﴿وكانت من القانتين﴾.
٣٤١١ - حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني
عن أبي موسى رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللّهِ وَّهِ: ((كَمِلَ منَ الرجالِ كثيرٌ، ولم يَكمُلْ منَ
النساءِ إِلاّ آسيةُ امرأةٌ فرعونَ ومريمُ بنتُ عِمرانَ، وإِنَّ فضلَ عائشةَ على النساءِ كفضلِ الثَّريدِ على
سائر الطعام)). [الحديث ٣٤١١ - أطرافه في: ٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨].
وبه قال: (حدثنا يحيى بن جعفر) البيكندي قال: (حدثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف
ابن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم سين مهملة العابد الكوفي (عن
شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء المرادي الأعمى
الكوفي (عن مرة) بن شراحيل المخضرم (الهمداني) كان يصلي ألف ركعة في كل يوم (عن أبي
موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله (َيرٍ):

٣٥٥
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٢
(كمل) بفتح الميم في الفرع وأصله وتضم وتكسر (من الرجال كثير ولم يكمل) بضم الميم
(من النساء إلا آسية امرأة فرعون) قيل: وكانت ابنة عم فرعون، وقيل من العماليق، وقيل من
بني إسرائيل من سبط موسى. وقال السهيلي: هي عمة موسى (ومريم بنت عمران) أم عيسى.
وقال في الكواكب ولا يلزم من لفظ الكمال نبوّتها إذ هو مطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه،
فالمراد تناهيهما في جميع الفضائل التي للنساء وقد نقل الإجماع على عدم النبوة لهن اهـ.
وهذا معارض بما نقل عن الأشعري: إن من النساء من نبىء وهن ست: حواء وسارة وأم
موسى واسمها يوخاند وقيل أباذخا وقيل أباذخت وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من
جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلامه شيئًا فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء
بأمور شتى من ذلك من عند الله تعالى، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهن في القرآن قال الله تعالى:
﴿وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه﴾ [القصص: ٧]. الآية. وقال تعالى بعد أن ذكر مريم
والأنبياء بعدها ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ [مريم: ٥٨]. فدخلت في عمومه.
وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم
يأت ما يدل على نبوتها، واستدل بعضهم لنبوّتها ونبوّة مريم بالحصر في حديث الباب حيث قال:
ولم يكمل من النساء إلا آسية ومريم. قال لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء ثم الأولياء والصديقون
والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة، والواقع
أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة فكأنه قال: لم ينبأ من النساء إلاّ فلانة وفلانة، ولو قال لم
تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن إلا
أن يكون المراد بالحديث كمال غير الأنبياء فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، واحتج المانعون
بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم﴾ [يوسف: ١٠٩] وأجيب: بأنه لا
حجة فيه لأن أحدًا لم يدّع فيهن الرسالة وإنما الكلام في النبوّة فقط.
(وإن فضل عائشة) بنت أبي بكر الصدّيق (على النساء) أي نساء هذه الأمة (كفضل الثريد)
بالمثلثة (على سائر الطعام) قيل: إنما مثّل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب ولأنه ليس في الشبع
أغنى غناء منه، وقيل إنهم كانوا يحملون الثريد فيما طبخ بلحم، وروي سيد الطعام اللحم فكأنها
فضلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه أن الثريد مع اللحم جامع بين
الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في المريء فضرب به
مثلا ليؤذن بأنها أعطيت مع حسن الخلق حسن الخلق وحلاوة المنطق وفساحة اللهجة وجودة
القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب إلى البعل فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس
بها والإصغاء إليها، وحسبك أنها عقلت من النبي ◌َّر ما لم يعقل غيرها من النساء، وروت ما لم
يرو مثلها من الرجال، ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم وألذها قول شاعرهم:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثريد

٣٥٦
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٣
قاله في فتوح الغيب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل عائشة وفي الأطعمة ومسلم في الفضائل والترمذي في
الأطعمة والنسائي في المناقب وعشرة النساء وابن ماجه في الأطعمة.
٣٣ - باب ﴿إِنَّ قارونَ كان مِن قوم موسى﴾ الآية [القصص: ٧٦]
﴿لَتَنُوءُ﴾: لتَثْقُل. قال ابن عباس: ﴿أولِي القوَّةِ﴾: لا يَرفَعُها العُصبة من الرجال. يقال:
﴿الفرِحين﴾: المرِحين. ﴿وَيْكأنَّ اللّهَ﴾ مثلُ ﴿ألم تَرَ أنَّ اللّهَ يَبسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقدِر)
يُوَسِعُ عليه ويُضيِّق.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إن قارون كان من قوم موسى﴾) [القصص: ٧٦]
الآية. قال ابن عباس: ابن عمه لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب،
وموسى بن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى أخا عمران وهما ابنا
يصهر، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون وكان يسمى المنوّر لحسن صوته بالتوراة
ولکنه نافق کما نافق السامري فأهلكه الله.
(﴿لتنوء﴾) في قوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء﴾ أي (لتثقل) بضم
الفوقية وكسر القاف المفاتيح (قال ابن عباس): في تفسير قوله تعالى: (﴿أولي القوة﴾) أي (لا
يرفعها) أي المفاتيح (العصبة) أي الجماعة الكثيرة (من الرجال) لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة
قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح كنوز قارون من جلود كلّ مثل الأصبع كل مفتاح لكنز، فإذا
ركب حملت على ستين بغلاً، وقيل كان يعلم علم الكيمياء علمه له موسى أنزل عليه من السماء
وكان ذلك سبب كثرة مال قارون، لكن قال الزجاج: هذا لا يصح لأن الكيمياء علم لا حقيقة
له. قال القرطبي: ولعل ذلك كان من قبيل المعجزة (يقال) ﴿الفرحين﴾ [القصص: ٧٦]. أي
(المرحين) وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، وقال
بعضهم لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن إليها فأما من يعلم أنه سيفارقها عن قريب لم يفرح وأما
أحسن قول المتنبي :
أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا
(﴿ويكأن الله﴾) قال أبو عبيدة هو (مثل ﴿ألم تر أن الله﴾) [لقمان: ٣٩]. وقال غيره كلمة
مستعملة عند التنبيه للخطأ وإظهار التندم، فلما قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ثم وشاهدوا
الخسف به تنبهوا لخطئهم ثم قالوا: كأنه (﴿يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾) [الروم: ٣٧]. أي
(يوسع عليه) بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه (ويضيق). عليه لا لهوان من يضيق عليه
بل لحكمته وله الحجة البالغة.

٣٥٧
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٤
وهذا الباب وتاليه ثابت في رواية المستملي والكشميهني فقط.
٣٤ - باب قولِ اللّهِ تعالى: ﴿وإلى مَذْيَن أخاهم شُعَيبًا﴾
[الأعراف: ٨٥، هود: ٨٤، العنكبوت: ٣٦] إلى أهلِ مَذْينَ، لأنَّ مَدينَ بَلد،
ومثلهُ ﴿واسْألِ القريةَ واسألِ العِيرَ﴾: يَعني أهلَ القريةِ وأهلَ العِير.
﴿وراء كم ظِهْرِيًّا﴾: لم يَلتَفِتوا إِليه. يقال إذا لم تُقضَ حاجتهُ: ظَهرْتَ حاجتي،
وجعلتني ظهريًّا. قال الظُّهريُّ: أن تأخُذَ معكَ دابَّةً أو وعاءً تستظهِرُ به. ﴿مكانتُهم﴾
ومكانُهم واحد. ﴿يَغْنَوا﴾: يَعيشوا. ﴿يَأْيَسُ﴾: يَحزنُ. ﴿آسى﴾: أخزنُ. وقال
الحسن ﴿إِنكَ لأنتَ الحليم﴾: يَستَهزِئون بهِ. وقال مجاهد ﴿لَيْكَةُ﴾: الأيكة.
﴿يوم الظُّلةِ﴾: إِظلال الغَمام العذابَ عليهم.
(باب قول الله تعالى ﴿وإلى مدين﴾) قيل أعجمي منع من الصرف للعجمة والعلمية وهو
مدين بن إبراهيم عليه السلام (﴿أخاهم شعيبًا﴾) [هود: ٨٤]. وهو نويب بن مدين بن إبراهيم
وقال ابن إسحاق شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم أي أرسلنا شعيبًا (إلى أهل
مدين) يعني على حذف مضاف (لأن مدين بلد) على بحر القلزم محاذية لتبوك على ست مراحل
منها وأنشد الفراء:
رهبان مدين والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها خرّوا لعزه ركعًا وسجودا
وهذا عربي فمنعه للعلمية والتأنيث.
(ومثله) في حذف المضاف (﴿واسأل القرية﴾) واسأل (﴿العير﴾) [يوسف: ٨٢]. (يعني
أهل القرية وأهل العير) ويجوز أن يراد بالمكان ساكنوه. وقيل مدين أعجمي منع للعلمية والعجمة،
وكان شعيب يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال
والميزان.
(﴿وراءكم ظهريا﴾) [هود: ٩٢]. بسورة هود أي (لم يتلفتوا إليه) فالضمير في واتخذتموه
يعود على الله، وقيل يعود على العصيان أي واتخذتم العصيان عونًا على عداوتي فالظهري على هذا
بمعنى المعين المقوي، والظهري هو المنسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب، كقولهم في النسبة
إلى الأمس أمسي بكسر الهمزة وإلى الدهر دهري بضم الدال (يقال: إذا لم يقض حاجته) ولأبوي
الوقت وذر ويقال إذا لم تقض بالفوقية بدل التحتية (ظهرت) بفتح الظاء المعجمة والهاء وسكون
وفتح الفوقية (حاجتي) أي جعلتها وراء ظهرك (و) يقال أيضًا إذا لم يلتفت إليه ولا قضى حاجته

٣٥٨
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٥
(جعلتني ظهريًا) أي وراء ظهرك. و(قال) أي البخاري (الظهريّ أن تأخذ معك دابة أو وعاء
تستظهر به) أي تتقوی به.
(﴿مكانتهم) ومكانهم واحد) وفي نسخة بجرهما. قال في الفتح: هكذا وقع وإنما هو في
قصة شعيب ﴿مكانتكم﴾ في قوله: ﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ [هود: ٩٣]. ثم هو قول
أبي عبيدة قال في تفسير يس في قوله: ﴿على مكانتكم﴾ المكان والمكانة واحد.
(﴿يغنوا﴾) في قوله تعالى: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ [هود: ٦٨]. أي لم (يعيشوا) فيها والمغنى
الدار والجمع مغان بالغين المعجمة قاله أبو عبيدة.
(﴿يأيس﴾) بفتح التحتية بعدها همزة ساكنة فتحتية مفتوحة أي (يحزن) وأشار إلى قوله تعالى:
﴿فلا تأس على القوم الكافرين﴾ [المائدة: ٢٦]. ولأبي ذر: تأس بإسقاط التحتية بعد الهمزة تحزن
وبالفوقية بدل التحتية بينهما.
(﴿آسى﴾) في قوله: ﴿فكيف آسى﴾ [المرسلات: ٩٣]. أي كيف (أحزن) وأتوجع.
(وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله: (﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾)
[هود: ٨٧]. (يستهزئون به) كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك، وقال ابن
عباس أرادوا السفيه الغاوي والعرب تصف الشيء بضده فتقول للديغ سليم وللفلاة مفازة.
(وقال مجاهد: ﴿ليكة﴾) بلام مفتوحة من غير ألف وصل قبلها ولا همزة بعدها وهي
قراءة نافع وابن كثير وابن عامر هي (الأيكة) بهمزة وصل وسكون اللام بعدها همزة مفتوحة وهي
قراءة الباقين أي الغيضة فيكونان مترادفين، وقيل الأيكة غيضة تنبت ناعم الشجر يريد غيضة
بقرب مدين يسكنها طائفة، وقيل شجر ملتف وليكة بغير ألف اسم بلدهم وبقية مباحث ذلك في
كتابي الجامع للقراءات الأربع عشرة (﴿يوم الظلة﴾) هو (إظلال العذاب) ولأبي ذر: إظلال الغمام
(عليهم) وروي أنه أخذهم حر شديد فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرّا فخرجوا
فأظلتهم سحابة وهي الظلة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا.
٣٥ - باب قولِ اللّهِ تعالى: ﴿وإنَّ يونُسَ لَمِنَ المرسَلين﴾
- إلى قوله - ﴿فمتَّغْناهم إلى حين﴾ [الصافات: ١٣٩]، - إلى قوله - ﴿وهو مليم﴾
قال مجاهد: مذنب. المشحون: الموقر. ﴿فلولا أنه كان من المسبُحِين﴾ الآية
﴿فنبذناه بالعراء﴾ بوجه الأرض ﴿وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾
من غير ذات أصل، الدباء ونحوه.
﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين﴾ [الصافات: ١٤٧].

٣٥٩
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٥
﴿ولا تَكُنْ كصاحبِ الحُوتِ إذْ نادَى وهوَ مكظوم﴾ [القلم: ٤٨]، ﴿كظيم﴾: وهو
مغموم.
وهذا الباب كله ثابت في رواية الكشميهني والمستملي فقط كالذي قبله.
(باب قول الله تعالى) الباب ساقط في الفرع ثابت في أصله (﴿وإن يونس لمن المرسلين))
[الصافات: ١٣٩]. أي هو من المرسلين حتى في هذه الحالة (إلى قوله) (﴿وهو مليم))
[الصافات: ١٤٢]. حال.
(قال مجاهد): فيما وصله ابن جرير في تفسير (مليم) أي (مذنب) بفعله خلاف الأولى وقيل
مليم نفسه (المشحون) أي (الموقر) بفتح القاف المملوء (﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾)
[الصافات: ١٤٣] (الآية) أي الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح مدة عمره أو في بطن الحوت وهو قوله
﴿لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧]. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
أي حيّا أو ميتًا (﴿فنبذناه﴾) طرحناه (﴿بالعراء﴾) أي (بوجه الأرض) قيل على جانب دجلة وقيل
بأرض اليمن فالله أعلم وأضاف الله تعالى النبذ إلى نفسه المقدسة مع أنه إنما حصل بفعل الحوت
إيذانًا بأن فعل العبد مخلوق له تعالى (﴿وهو سقيم)) [الصافات: ١٤٥]. مما حصل له. قيل صار
بدنه كبدن الطفل حين يولد. (﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾) [الصافات: ١٤٦]. أي (من
غير ذات أصل) بل تنبسط على وجه الأرض ولا تقوم على ساق (الدباء) بالجر بدلاً أو بيانًا
(ونحوه) كالقثاء والبطيخ؛ وقال البغوي: المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين (﴿وأرسلناه إلى
مائة ألف﴾) هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى (﴿أو يزيدون﴾) في مرأى الناظر أي إذا
نظر إليهم قال هم مائة ألف أو أكثر، والمراد الوصف بالكثرة (﴿فآمنوا﴾) فصدقوا (﴿فمتعناهم إلى
حين﴾) [الصافات: ١٤٧]. إلى أجلهم المسمى وسقط لغير أبي ذر قوله: ﴿وهو مليم﴾ إلى آخر
قوله ﴿فآمنوا﴾ (﴿ولا تكن﴾) يا محمد (﴿كصاحب الحوت)) يونس (﴿إذ نادى﴾) في بطن
الحوت (﴿وهو مكظوم)) [القلم: ٤٨]. أي (كظيم) يعني أن مكظوم بوزن مفعول بمعنى كظيم
بوزن فعيل أي (وهو مغموم) وسقط قوله ((وهو) لأبي ذر.
وكانت قصة يونس أن الله تعالى بعثه إلى أهل نينوى وهو من أرض الموصل فكذبوه فوعدهم
بنزول العذاب في وقت معين ففارقهم إذ لم يتوبوا، فلما دنا الموعد أغامت السماء غيمًا أسود ذا
دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقة فلبسوا المسوح
وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين كل والدة وولدها، فحنّ
بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأخلصوا التوبة وأظهروا الإيمان وتضرعوا إلى الله
فرحمهم وكشف عنهم، وأما يونس فإنه لم يعرف الحال فظن أنه كذبهم فغضب من ذلك وذهب
فركب مع قوم في سفينة فوقفت فقال لهم يونس: إن معكم عبدًا أبق من ربه وإنها لا تسير حتى
تلقوه فاقترعوا فخرجت القرعة عليه فقال: أنا الآبق وزج بنفسه في الماء فأرسل الله عز وجل من

٣٦٠
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣٥
البحر الأخضر حوتًا فشق البحار حتى جاء فالتقمه وأوحى الله تعالى إلى ذلك الحوت لا تأكل له
لحمًا ولا تهشم له عظمًا فإنه ليس رزقًا وإنما بطنك له سجن فنادى في الظلمات ظلمة بطن
الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾
[الأنبياء: ٨٧]. وقال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات فحرك
رجليه فتحركتا فسجد مكانه فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًا فقال: ما هذا؟
فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر فسبح فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا سمع
صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت فشفعوا فيه
فأمر الله الحوت فقذفه في الساحل وهو كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. قال أبو
هريرة: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض فتتفشخ عليه فترويه من لبنها بكرة
وعشية، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين مظلة عليه قيل إنها يبست وبكى عليها فأوحى الله تعالى
إليه أتبكي على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم.
٣٤١٢ - حدثنا مسدّد حدثنا يحيى عن سفيانَ قال: حدَّثني الأعمشُ ح.
وبه قال: (حدثنا مسدد) أي ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان)
الثوري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (الأعمش) سليمان (ح).
حدثنا أبو نُعَيم حدَّثَنا سفيانُ عنِ الأعمشِ عن أبي وائلٍ عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللهُ عنه عنٍ
النبيِّ وَّرِ قال: ((لا يَقولنَّ أحدُكم إِني خيرٌ من يونسَ)) زاد مسدّد (يونسَ بن متّى)). [الحديث
٣٤١٢ - طرفاه في: ٤٦٠٣، ٤٨٠٤].
(حدثنا) ولأبي ذر: وحدثنا (أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن
الأعمش عن أبي وائل) بالهمزة شقيق بن سلمة (عن عبد اللَّه) يعني ابن مسعود (رضي الله عنه
عن النبي ◌ٍَّ) أنه (قال):
(لا يقولن أحدكم إني) يريد نفسه الشريفة أو غيره (خير من يونس زاد مسدد) في رواية
(يونس بن متى) بفتح الميم والفوقية المشددة قيل وخص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته
أن يقع في نفسه تنقيص له فبالغ في ذكر فضله لسدّ هذه الذريعة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وكذا النسائي.
٣٤١٣ - حدّثنا حفصُ بنُ عمرَ حدَّثنا شعبةُ عن قتادةَ عن أبي العاليةِ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ
اللّهُ عنهما عن النبيِّ وَِّ قال: ((ما ينبغي لعبدٍ أن يقولَ إِني خيرٌ من يونس بن متى ونسَبَهُ إلى
أبیه».