Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب بدء الخلق / باب ١١
((الرؤيا الصالحة منَ اللَّه، والحُلُمُ منَ الشيطان فإذا حلَمَ أحدُكم حُلمًا يَخافهُ فَلْيَبصُق عن يَسارهِ
وليتعوَّذْ باللَّهِ من شرّها، فإنها لا تَضرُّه)). [الحديث ٣٢٩٢ - أطرافه في: ٥٧٤٧، ٦٩٨٤،
٦٩٨٦، ٦٩٩٥، ٦٩٩٦، ٧٠٠٥، ٧٠٤٤].
وبه قال: (حدّثنا أبو المغيرة) عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي قال: (حدّثنا
الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدَّثني) بالإفراد (يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن أبي
قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ).
قال البخاري: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: وحدَّثني (سليمان بن عبد الرحمن) المعروف
بابن ابنة شرحبيل الدمشقي قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم الدمشقي قال: (حدّثنا الأوزاعي)
عبد الرحمن (قال: حدَّثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا
(عبد الله بن أبي قتادة) صرح بتحديث أبي قتادة ليحيى (عن أبيه) أبي قتادة أنه (قال: قال
النبي ◌َ ر):
(الرؤيا الصالحة من الله) الصالحة صفة موضحة للرؤيا لأن غير الصالحة تسمى بالحلم أو
مخصصة والصلاح إما باعتبار صورتها أو باعتبار تعبيرها (والحلم) بضم الحاء المهملة واللام وهو
الرؤيا الغير الصالحة (من الشيطان) لأنه هو الذي يريها للإنسان ليحزنه ويسيء ظنه بربه (فإذا حلم
أحدكم) بفتح الحاء واللام (حلمًا) بضم الحاء وسكون اللام (يخافه) في موضع نصب صفة لحلمًا
(فليبصق عن يساره) طردًا للشيطان (وليتعوذ بالله من شرها) أي الرؤية السيئة (فإنها لا تضره).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التعبير والنسائي في اليوم والليلة.
٣٢٩٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن سُمَيّ مَولى أبي بكرٍ عن أبي صالحٍ
عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه أن رسولَ اللَّهِ وَّه قال: ((مَن قال لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكٌ
له، له الملكُ وله الحمدُ وهوَ على كلُّ شيءٍ قدير في يوم مائةَ مرَّة كانت لهُ عَدلَ عشرِ رِقابٍ،
وكُتبَتْ له مائةُ حسنة ومُحيّتْ عنه مائةُ سيئة وكانت له حِرِزًا منَ الشيطان يومه ذلك حتَّى يمسِي،
ولم يَأْتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ بهِ إلا أحدٌ عمِلَ أكثرَ من ذُلك)). [الحديث ٣٢٩٣ - طرفه في:
٦٤٠٣].
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن سمي) بضم
السين المهملة وبفتح الميم وتشديد التحتية (مولى أبي بكر) أي ابن عبد الرحمن بن الحرث بن
هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله وَالخير قال):
(من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في

٢٠٢
كتاب بدء الخلق/ باب ١١
يوم مائة مرة كانت) ولأبي ذر عن الكشميهني كان أي القول المذكور (له عدل) بفتح العين أي مثل
ثواب إعناق (عشر رقاب)، بسكون الشين وفي اليونينية بفتحها (وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه
مائة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان) بكسر الحاء المهملة أي حصنًا (يومه) نصب على الظرفية
(ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك).
قال القاضي عياض: ذكر هذا العدد من المائة دليل على أنها غاية للثواب المذكور، وأما قوله: إلا
أحد عمل أكثر من ذلك فيحتمل أن يراد الزيادة على هذا العدد فيكون لقائله من الفضل بحسابه لئلا
يظن أنها من الحدود التي نهى عن اعتدائها وأنه لا فضل في الزيادة عليها كما في ركعات السنن
المحدودة وإعداد الطهارة ويحتمل أن يراد بالزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغيره أي إلا أن يزيد
أحد عملاً آخر من الأعمال الصالحة، وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن الأجر يحصل لمن قال هذا
التهليل في اليوم متواليًا أو متفرقًا في مجلس أو مجالس في أول النهار أو في آخره: لكن الأفضل أن يأتي
به متوالیًا في أول النهار لیکون له حرزًا في جمیع نهاره وكذلك في أول الليل لیکون له حرزًا في جمیع لیله.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدعوات وكذا مسلم والترمذي، وأخرجه ابن ماجه في
ثواب التسبيح .
٣٢٩٤ - حدثنا عليّ بنُ عبدِ اللَّه حدَّثَنَا يَعقوبُ بن إبراهيمَ حدَّثنا أبي عن صالحِ عنِ ابنِ
شهاب قال: أخبرني عبدُ الحميدِ بن عَبدِ الرحمنِ بن زيدٍ أنَّ محمدَ بن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ
أخبرَهُ أنَّ أباهُ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ قال: ((استأذنَ عمرُ على رسولِ اللَّهِ وَهَ وعندَهُ نساءٌ من قريشٍ
يُكَلِّمْنَهُ وَيستكثرنَهُ عاليةٌ أَصواتهنَّ، فلما استأْذَنَ عمرُ قُمْنَ يبتَدِزْنَ الحجابَ، فأذنَ له رسولُ اللَّهِ وَهـ
ورسولُ اللَّهِ وَهِ يضحكُ، فقال عمرُ: أضحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يا رسولَ اللَّه، قال: عَجِبتُ من هؤلاء
اللائي كنَّ عندِي، فلما سمِعنَ صَوتكَ ابتدَرنَ الحجابَ. قال عمرُ: فأنتَ يا رسولَ اللَّهِ كنتَ أحقّ
أن يَهَبْنَ. ثم قال: أي عدوّاتِ أنفُسِهنَّ، أتهبتني ولا تَهبنَ رسولَ اللَّه ◌ِوََّ؟ قُلنَ: نعم، أنتَ أفظُ
وأغلظ من رسولِ اللَّهِ وَّهَ. قال رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: والذي نفسي بيدهِ، ما لقِيَكَ الشيطانُ قطُ سالكًا
فجًّا إلاَّ سَلكَ فجًّا غيرَ فجك)). [الحديث ٣٢٩٤ - طرفاه في: ٣٦٨٣، ٦٠٨٥].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا
أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن
شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد)
العدوي أبو عمرو المدني (أن محمد بن سعد بن أبي وقاص) الزهري أبا القاسم المدني نزيل الكوفة
(أخبره أن أباه سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب أحد العشرة رضي الله عنهم (قال: استأذن
عمر) رضي الله عنه (على رسول الله وَلجر وعنده نساء من قريش) هن من أزواجه (يكلمنه) عليه
الصلاة والسلام (ويستكثرنه) من النفقة حال كونهن (عالية أصواتهن) زاد في المناقب على صوته،

٢٠٣
کتاب بدء الخلق/ باب ١١
ولعله كان قبل تحريم رفع الصوت على صوته أو كان ذلك من طبعهن (فلما استأذن عمر) في
الدخول (فمن) حال كونهن (يبتدرن الحجاب) أي يتسارعن إليه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي:
في الحجاب (فأذن له رسول الله و38َّ) أن يدخل فدخل (ورسول الله وَ له يضحك) جملة حالية
(فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله) يريد لازم الضحك وهو السرور (قال) مَ له:
(عجبت من هؤلاء اللاتي) بالمثناة الفوقية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: اللائي بالهمزة
بدل الفوقية (كن عندي) يتكلمن (فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب) هيبة منك (قال عمر:
فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهين) بفتح الهاء من الهيبة (ثم قال) عمر رضي الله عنه لهن:
(أي عدوّات أنفسهن أتهينني ولا تهين رسول الله بِّه) بفتح الهاء فيهما كالسابقة (قلن: نعم. أنت
أفظ وأغلظ من رسول الله وَله). أفظ وأغلظ بالمعجمتين بصيغة أفعل التفضيل من الفظاظة والغلظة
وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل ويعارضه قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا
من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] فإنه يقتضي أنه لم يكن فظًا ولا غليظًا. وفي حديث صفته في
التوراة مما أخرجه البيهقي وغيره عن كعب الأحبار: ليس بفظ ولا غليظ. وأجاب الزركشي: بأن
أفعل التفضيل قد يجيء لا للمشاركة في أصل الفعل كقولهم العسل أحلى من الخل. قال في
المصابيح وهو كلام إقناعي لا تحرير فيه وتحريره أن لأفعل حالات.
إحداها: وهي الأصلية أن تدل على ثلاثة أمور. أحدها: اتصاف من هو له بالحدث الذي
اشتق منه وبهذا المعنى كان وصفًا، والثاني مشاركة مصحوبة له في تلك الصفة، والثالث: تمييز
موصوفة على مصحوبة فيها وبكل من هذين المعنيين فارق غيره من الصفات.
الحالة الثانية: أن يبقى على معانيه الثلاثة، ولكن يخلع منه قيد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر،
وذلك أن المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقيدًا بتلك الصفة التي هي المعنى الأول فيصير مقيدًا
بالزيادة التي هي المعنى الثالث. ألا ترى أن المعنى في قولهم: العسل أحلى من الخل أن للعسل
حلاوة وأن تلك الحلاوة ذات زيادة وأن زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل قاله ابن
هشام في حاشية التسهيل وهو بديع جدًا.
الحالة الثالثة: أن يخلع منه المعنى الثاني وهو المشاركة، وقيد المعنى الثالث وهو كون الزيادة
على مصاحبه فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك نحو قولك:
يوسف أحسن أخوته اهـ.
وحاصله أن الأفظ هنا بمعنى فظ. قال في الفتح: وفيه نظر للتصريح بالترجيح المقتضي
لحمل أفعل على بابه، والجواب أن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة فلا يستلزم ما
في الحديث بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال وهو عند إنكار المنكر مثلاً فقد أمره الله
تعالى بالأغلاظ على الكافرين والمنافقين في قوله تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣] فالنفي
بالنسبة إلى المؤمنين والأمر بالنسبة إلى الكافرين والمنافقين أو النفي محمول على طبعه الكريم الذي

٢٠٤
كتاب بدء الخلق / باب ١١
جبل عليه والأمر محمول على المعالجة وكان عمر مبالغًا في الزجر عن المكروهات مطلقًا، وفي
طلب المندوبات كلها فلذا قال النسوة له ذلك.
(قال رسول الله وَلغير: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًا) بفاء مفتوحة
فجيم مشددة طريقًا واسعًا (إلا سلك فجّا غير فجك). قال النووي: هذا الحديث محمول على
ظاهره وأن الشيطان يهرب إذا رآه. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون على سبيل ضرب المثل
وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان، وسقط لأبي ذر:
والذي نفسي بيده.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل عمر ومسلم في الفضائل والنسائي في المناقب واليوم
والليلة .
٣٢٩٥ - حدثنا إبراهيمُ بنُ حمزةً قال: حدَّثني ابنُ أبي حازمٍ عن يزيدَ عن محمدٍ بن
إبراهيمَ عن عيسى بن طلحةً عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((إذا استيقظ - أُراهُ أحدُكم - من
منامهِ فتوضَّأ فَلْيَسْتَنِزْ ثلاثًا، فإنَّ الشيطانَ يبيتُ على خيشومه)).
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر حدَّثني بالإفراد (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن
محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوّام القرشي الأسدي الزبيري (قال: حدَّثني) بالإفراد
(ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار (عن يزيد) بن
عبد الله بن أسامة بن الهاد (عن محمد بن إبراهيم) بن الحرث التميمي القرشي (عن عيسى بن
طلحة) بن عبيد الله بن عثمان التميمي القرشي (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَليز) أنه
(قال) :
(إذا استيقظ - أراه) بضم الهمزة أي أظنه (أحدكم - من منامه) سقط لأبي ذر عن
الكشميهني أراه أحدكم (فتوضأ فليستنثر ثلاثًا) بأن يخرج ما في أنفه من أذى بنفسه بعد الاستنشاق
لما فيه من تنقية مجرى النفس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه تصح مجاري الحروف (فإن
الشيطان يبيت على خيشومه) حقيقة لأن الأنف أحد المنافذ التي يتوصل منها إلى القلب لا سيما
وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين، وقد جاء في التثاؤب الأمر
بكظمه من أجل دخول الشيطان حينئذٍ في الفم، ويحتمل أن يكون على الاستعارة فإنه ينعقد من
الغبار ورطوبة الخياشيم قذر يوافق الشيطان قاله القاضي عياض.
وقال التوربشتي والبيضاوي: الخيشوم هو أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ
الذي هو موضع الحسن المشترك ومستقر الخيال فإذا نام تجتمع فيه الأخلاط وييبس عليه المخاط
ويكل الحس ويتشوش الفكر فيرى أضغاث أحلام فإذا قام من نومه وترك الخيشوم بحاله استمر
الكسل والكلال واستعصى عليه النظر الصحيح وعسر الخضوع والقيام على حقوق الصلاة وأدائها .

٢٠٥
كتاب بدء الخلق / باب ١٢
ثم قال التوربشتي: ما ذكر هو من طريق الاحتمال وحق الأدب دون الكلمات النبوية التي هي
مخازن لأسرار الربوبية ومعادن الحكم الإلهية أن لا يتكلم في هذا الحديث وأخواته لأن الله تعالى
خصّ رسول الله وَّ ر بغرائب المعاني وكاشفه عن حقائق الأشياء ما يقصر عن بيانه باع الفهم ويكلّ
عن إدراكه بصر العقل اهـ.
وظاهر الحديث يقتضي أن يحصل هذا لكل نائم، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن لم يحترز
من الشيطان بشيء من الذكر كما في حديث آية الكرسي: ولا يقربك شيطان.
وسقط للمستملي قوله: يبيت، وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في الطهارة.
١٢ - باب ذكر الجنّ وثوابهم وعقابِهم. لقولِهِ: ﴿يا مَعشرَ الجنَّ والإنسِ ألم يَأْتِكُم
رسُلٌ منكم يَقصُون عليكم آياتي﴾ - إلى قوله - ﴿عما يعملون﴾. ﴿بَخْسًا﴾: نقصًا.
وقال مُجاهد: ﴿وَجَعلوا بينَهُ وبينَ الجِنَّةِ نسبًا﴾: قال كفّارُ قُرَيش: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ
وأَمَّهاتُهم بناتُ سَرَواتِ الجِن. قال اللَّهُ: ﴿ولقد علِمتِ الجِنَّةُ إنهم لمُحضَرون﴾:
سيُحضَرون للحِساب. ﴿جُندٌ مُحضَرون﴾: عندَ الحِساب.
(باب ذكر) وجود (الجن و) ذكر (ثوابهم) على الطاعات (و) ذكر (عقابهم) على المعاصي،
وقد دلت على وجودهم نصوص الكتاب والسنة مع إجماع كافة العلماء في عصر الصحابة والتابعين
عليه وتواتر نقله عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم تواترًا ظاهرًا يعلمه الخاص والعام فلا
عبرة بإنكار الفلاسفة والباطنية وغيرهم ذلك، وفي المبتدأ لإسحق بن بشر القرشي عن
عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: خلق الله تعالى الجن قبل آدم بألفي سنة.
وفي ربيع الأبرار للزمخشري عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إن الله خلق الخلق أربعة أصناف
الملائكة والشياطين والجن والإنس، ثم جعل هؤلاء الأربعة عشرة أجزاء فتسعة منهم الملائكة وجزء
واحد الشياطين والجن والإنس، ثم جعل هؤلاء الثلاثة عشرة أجزاء فتسعة منهم الشياطين وواحد
الجن والإنس، ثم جعل الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعة منهم الجن وواحد منهم الإنس)). قال
صاحب آكام المرجان: فعلى هذا تكون نسبة الإنس من الخلق كنسبة الواحد من الألف، ونسبة
الجن من الخلق كنسبة التسعة من الألف، ونسبة الشياطين من الخلق كنسبة التسعين من الألف،
ونسبة الملائكة من الخلق كنسبة التسعمائة من الألف، وقد ثبت في القرآن والسنة أن أصل الجن
النار كما أن أصل الإنس الطين.
فإن قلت: إذا ثبت أنهم من النار فكيف تحرقهم الشهب عند استراقهم السمع والنار لا
تحرق النار؟ أجيب: بأنه ليس المراد أن الجني نار حقيقة وإن كان أصله منها، كما أن الآدمي ليس

٢٠٦
كتاب بدء الخلق/ باب ١٢
طينًا وإن كان أصله منه، وفي حديث عروص الشيطان له في صلاته أنه خنقه حتى وجد برد ريقه
على يده ولو كانت ذاته نارًا محرقة لما كان له ريق بارد بل ولا ريق أصلاً.
وقد اختلف في صفتهم فقال أبو يعلى بن الفراء: هم أجسام مؤلفة وأشخاص مركبة يجوز
أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة إذ لا يمكن معرفتها على التعيين إلا بالمشاهدة أو بإخبار الله تعالى
أو رسوله و 98 وكل مفقود، وقول المعتزلة: إنما هم أجسام رقيقة ولرقتهم لا نراهم مردود فإن
الرقة ليست بمانعة عن الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله
فينا إدراكها، وقد روى إسحق في المبتدأ عن عكرمة عن ابن عباس لما خلق الله سوميًا أبا الجن
وهو الذي خلق من مارج من نار قال تبارك وتعالى: تمنّ قال: أتمنى أن نرى ولا نرى وأن نغيب
في الثرى وأن يصير كهلنا شابًا. قال: فأعطي ذلك فهم يرون ولا يرون وإذا ماتوا غيبوا في
الثرى ولا يموت کھلهم حتى يعود شابًا يعني مثل الصبي ثم يرد إلى أرذل العمر اهـ.
فخلق الله تعالى في عيون الجن إدراكًا يرون به الإنس ولا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق لهم
ذلك الإدراك قال تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧] وهو
يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص.
قال ابن عساكر في كتاب الزهادة في طلب الشهادة فيما نقله عنه في الآكام: وممن ترد
شهادته ولا تسلم له عدالته من يزعم أنه يرى الجن عيانًا ويدعي أن له منهم إخوانًا، ثم روى
بسنده إلى حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى
في كتابه الكريم ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧] وعن الربيع سمعت
الشافعي يقول من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلت شهادته لأن الله تعالى يقول: ﴿إنه
يراكم﴾ الآية. إلا أن يكون نبيًا.
قال في الفتح: وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها، وأما
من زعم أنه يراهم بعد أن يتصوروا على صورة شيء من الحيوان فلا، وقد تواترت الأخبار
بتصورهم في صور شتى فيتصوّرون بصور بني آدم كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن
مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم.
وفي صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة. وفي صورة الحيات. ففي الترمذي عن أبي سعيد
الخدري مرفوعًا: ((إن بالمدينة نفرًا من الجن فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا فإن بدا لكم
فاقتلوه)) .
وفي صورة الكلاب. واختلف في ذلك فقيل: هو تخييل فقط ولا قدرة لهم على تغيير
خلقتهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضربا من ضروب الأفعال إذا
تكلموا بها وفعلوها نقلهم الله تعالى من صورة إلى صورة فيقال: إنهم قادرون على التصوير
والتخييل على معنى أنهم قادرون على قول إذا قالوه نقلهم الله من صورة إلى أخرى، وأما تصوير

٢٠٧
کتاب بدء الخلق/ باب ١٢
أنفسهم فذلك محال لأن انتقال الصورة إلى أخرى إنما يكون ينقض البنية وتفريق الأجزاء وإذا
نقضت بطلت تلك الحياة واستحال وقوع الفعل بالجملة، وكذا القول في تشكل الملائكة وقد ذكر
ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي شيبة. قال ابن حجر: بإسناد صحيح أن الغيلان ذكروا
عند عمر فقال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتغير عن صورته التي خلقه الله تعالى عليها ولكن لهم
سحرة کسحرتکم فإذا رأيتم ذلك فأذنوا.
وفي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير قال: سئل رسول الله وَلّر عن الغيلان. قال ((هم
سحرة الجن)). ورواه إبراهيم بن هراسة عن جرير بن حازم بن عبد الله بن عبيد عن جابر
وصله.
وروى الطبراني بإسناد حسن عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي وَّ قال: ((الجن
ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وصنف يحلون ويظعنون)).
ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وفي حديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب
وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب. وخلق
الله بني آدم أصنافًا: صنف منهم كالبهائم. قال الله تعالى: ﴿إن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضل
سبيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤] وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في
ظل الله يوم لا ظل إلا ظله)). قال ابن حبان: رواه يزيد بن سفيان الرهاوي عن أبي المنيب عن
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء. ويزيد بن سفيان ضعفه يحيى وأحمد وابن
المديني، واختلف في الجن هل يأكلون ويشربون؟ والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم يأكلون
ويشربون، ويدل لذلك الأحاديث الصحيحة والعمومات الصريحة .
منها: حديث أمية بن محشي عند أبي داود: كان رسول الله وَّ جالسًا ورجل يأكل ولم يسم
حتى إذا لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك
رسول الله ◌َّ ثم قال: ((ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه)).
وفي الصحيحين أن الجن سألوه وَلخير الزاد فقال: كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد
أحدهم أوفر ما يكون لحمًا وكل بعر علف لدوابهم) وفي البخاري أن الروث والعظم طعام
الجن.
وفي أبي داود: كل عظم لم يذكر اسم الله عليه فالأول محمول على الجن المؤمنين، والثاني في
حق الشياطين. وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب، وتأول قوله وَله: ((إن
الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)» على المجاز أي أكل يحبه الشيطان ويدعو إليه ويزينه. قال
ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة

٢٠٨
کتاب بدء الخلق/ باب ١٢
بوجه ما، وأما قول بعضهم أكل الجن صحيح ولكنه تشمم واسترواح لا مضغ وبلع وإنما المضغ
والبلع لذوي الجثث فلا دليل عليه، وكونهم أجسادًا رقيقة لا يمنع أن يكونوا ممن يأكل ويشرب،
وبالجملة فالقائلون إن الجن لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطل لمصادمتهم الأحاديث
الصحيحة، وإن أرادوا صنفًا منهم فمحتمل، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون.
وقول الله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٥٦] يدل على أنه يتأتى من الجن
الطمث وهو الافتضاض وهو الجماع الذي يكون معه تدمية من الفرج أو المسيس بالمجامعة، وكذا
قوله تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني﴾ [الكهف: ٥٠] فإنه يدل على أنهم يتناكحون
لأجل الذرية ورقتهم لا تمنع من توالدهم إذا كان ما يلدونه رقيقًا ألا ترى أنا قد نرى من الحيوان
ما لا يتبين للطافته إلا بالتأمل ولا يمنع ذلك من التوالد، وغالب ما توجد الجن في مواضع
النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل، وكثير من أهل الضلالات والبدع المظهرين للزهد
والعبادة على غير الوجه الشرعي يأوون إلى مواضع الشياطين المنهي عن الصلاة فيها يقع لهم فيها
بعض مكاشفات لأن الشياطين تنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض الأمر كما تخاطب الكهان، وكما
كانت تدخل في الأصنام وتكلم عابديها .
واختلف هل هم مكلفون؟ فذهب الحشوية إلى أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين،
والذي عليه الجمهور أنهم مكلفون مخاطبون مثابون على الطاعات معاقبون على المعاصي (لقوله) عز
وجل: (﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾) في موضع رفع صفة لرسل (﴿يقصون
عليكم آياتي﴾) [الأنعام: ١٣٠] إلى قوله: ((عما يعملون﴾) وسقط لأبي ذر إلى قوله: ﴿عما
يعملون﴾ وقال: الآية ويحتمل أن تكون يقصون صفة ثانية لرسل وأن تكون في موضع نصب على
الحال وصاحبها رسل وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف أو الضمير المستتر في منكم، وزعم
الفراء أن في الآية حذف مضاف أي: ألم يأتكم رسل من أحدكم يعني من جنس الإنس كقوله
تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح فالتقدير يخرج من
أحدهما وإنما يحتاج إلى ذلك لأن الرسل عنده مختصة بالإنس يعني أنه يعتقد أن الله ما أرسل للجن
رسولاً منهم بل إنما أرسل إليهم الإنس ولم يرسل من الجن إلا بواسطة رسالة الإنس لقوله تعالى:
﴿وَلّوا إلى قومهم منذرين﴾ [الأحقاف: ٢٩] وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن قلنا: إن
رسل الجن من الإنس لأنه يطلق عليهم رسل مجازًا لكونهم رسلاً بواسطة رسالة الإنس والإجماع
على أن نبينا وَّ ر مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وتمسك قوم منهم الضحاك وقالوا: بعث إلى
كل من الثقلين رسل منهم وإن الله تعالى أرسل إلى الجن رسولاً منهم اسمه يوسف. قال ابن
جرير: وأما الذين قالوا بقول الضحاك فإنهم قالوا إن الله تعالى أخبر أن من الجن رسلاً أرسلوا
إليهم، ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس جاز أن يكون خبره عن
رسل الإنس بمعنى أنهم رسل الجن. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدل على أن الخبرين جميعًا
بمعنى الخبر عنهم أنهم رسل الله تعالى لأن ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره.

٢٠٩
كتاب بدء الخلق/ باب ١٢
قال في الآكام: ويدل لما قاله الضحاك حديث ابن عباس عند الحاكم قال: ومن الأرض
مثلهن قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم
كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم. قال الذهبي: إسناده حسن وله شاهد عند الحاكم أيضًا عن ابن
عباس قال في قوله: ﴿سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] قال في كل أرض
نحو إبراهيم ◌َ لقر. قال الذهبي: حديث على شرط الشيخين رجاله أئمة إذا تقرر أنهم مكلفون فهم
مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام وأما ما عداه من الفروع فاختلف فيها لما ثبت من النهي عن
الروث والعظم وإنهما زاد الجن.
واختلف هل يثابون على الطاعات؟ فروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب
الجن أن يجاروا من النار ثم يقال لهم: كونوا ترابًا. وروي عن أبي حنيفة نحوه، وذهب الجمهور
وهو مذهب الأئمة الثلاثة أنهم يثابون على الطاعة. وعن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب
ولهم الثواب بقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ثم قال: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾
[الرحمن: ٤٦] والخطاب للإنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام
ربه ثبت المطلوب. وهل يدخلون الجنة كالإنس؟ والجمهور على أنهم يدخلون ولا يأكلون فيها ولا
يشربون، بل يلهمون التسبيح والتقديس. وحكاه الكمال الدميري عن مجاهد واستغربه. وقال الحرث
المحاسبي: نراهم فيها ولا يرونا عكس ما في الدنيا وقيل: لا يدخلونها بل يكونون في ربضها وهذا
مأثور عن مالك والشافعي وأحمد، وقيل: إنهم على الأعراف وتوقف بعضهم عن الجواب في هذا.
(﴿بخسًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسًا﴾ [الجن: ١٣] أي (نقصًا)
قاله يحيى الفراء. والمراد النقص في الجزاء وفي الآية دليل على ثبوت أنهم مكلفون (قال) ولأبي
الوقت وقال (مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿وجعلوا بينه﴾) سبحانه وتعالى
(﴿وبين الجنة نسبًا﴾ قال): هم (كفار قريش) قالوا (الملائكة بنات الله وأمهاتهم) ولأبي ذر:
وأمهاتهن والأولى أوجه (بنات سروات الجن، بفتحات أي ساداتهم (قال الله) عز وجل: (﴿ولقد
علمت الجنة إنهم﴾) أي قائلي هذا القول وهم الكفار (﴿المحضرون﴾) [الصافات: ١٥٨] أي
(ستحضر للحساب) وسمي الملائكة جنة لاجتنانهم عن الأبصار. (﴿جند محضرون﴾) [يَس: ٧٥]
في سورة يس أي (عند الحساب). ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: محضر بالإفراد والصواب
الأول وهو لفظ القرآن.
٣٢٩٦ - حدثنا قُتَبيةُ عن مالكِ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عبد الرحمن بن أبي
صَعْصَعةَ الأنصاريِّ عن أبيهِ أنهُ أخبرَهُ: ((أنَّ أبا سعيدِ الخُذْريَّ رضيَ اللَّهُ عنه قال له: إني أراكَ
تُحِبُّ الغَنمَ والبادية، فإذا كنتَ في غنَمِكَ وباديتكَ فأذَّنتَ بالصلاةِ فارفعْ صَوتَكَ بالنداء، فإنه لا
يَسمَعُ مَدَى صَوتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إِنسٌ ولا شيءٌ إلاَّ شهدَ له يومَ القيامة. قال أبو سعيدٍ:
سمعتهُ من رسولِ اللَّهِ ◌ِ﴾.
إرشاد الساري/ ج ٧ / م ١٤

٢١٠
كتاب بدء الخلق/ باب ١٣ و١٤
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (عن مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن
أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه) عبد الله (أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له)
أي لعبد الله (إني أراك تحب الغنم و) تحب (البادية)، الصحراء التي لا عمارة فيها لأجل إصلاح
الغنم بالرعي وهو في الغالب يكون فيها (فإذا كنت في) أي بين (غنمك) في غير بادية أو فيها
(أو) في (باديتك) من غير غنم أو معها أو هو شك من الراوي (فأذنت بالصلاة) أي أعلمت
بوقتها (فارفع صوتك بالنداء) بالأذان (فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن) أي غايته (جن ولا إنس
ولا شيء) من حيوان أو جماد بأن يخلق الله تعالى له إدراكًا (إلا شهد له يوم القيامة) ليشتهر
بالفضل وعلو الدرجة. (قال أبو سعيد الخدري: (سمعته من رسول الله (وَلقر).
وسبق هذا الحديث في باب رفع الصوت بالنداء من كتاب الأذان والمراد منه هنا قوله فإنه لا
يسمع مدى صوت المؤذن جن إلا شهد له إذ إنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة.
١٣ - باب قولِ اللَّهِ عزَّ وجل: ﴿وإذ صَرَفنا إليكَ نَفرًا مِنَ الجنّ﴾ - إلى قولهِ -
﴿أولئكَ فِي ضَلالٍ مُبِين﴾. ﴿مَصرِفَا﴾: مَعدِلاً. ﴿صَرَفنا﴾: أي وجّهنا
(باب قوله عز وجل) وسقط باب لغير أبي ذر (﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا﴾) دون العشرة
والجمع أنفار (﴿من الجن﴾) [الأحقاف: ٢٩] (إلى قوله) جل وعلا (﴿أولئك في ضلال مبين﴾)
[الأحقاف: ٣٢] أي حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه (﴿مصرفًا﴾) أي (معدلاً) قاله أبو
عبيدة ومراده قوله تعالى: (﴿ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾ ﴿صرفنا﴾) في قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا
إليك نفرًا من الجن﴾ قال المؤلف: (أي وجهنا). وكان ذلك حين انصرف وَّ راجعًا من الطائف
إلى مكة حين يئس من ثقيف. وعن ابن عباس أن الجن كانوا سبعة من جن نصيبين فجعلهم
رسول الله وَلّ رسلاً إلى قومهم. وعن مجاهد فيما ذكره ابن أبي حاتم: كانوا ثلاثة من حران
وأربعة من نصيبين، وسمى منهم ابن دريد وغيره شاصر وماصر ومنشى وماشى والأحقب، وعند
ابن إسحق حسا ومسا وأنين والأخصم. وعند ابن سلام عمرو بن جابر، وذكر ابن أبي الدنيا
زوبعة ومنهم سرق، وقيل إنهم كانوا اثني عشر ألفًا.
١٤ - باب قول اللَّهِ تعالى: ﴿وَبَثَّ فيها من كلِّ دابةٍ﴾ قال ابن عبَّاسٍ:
الثُعبان الحية الذَّكَر منها، يُقال الحَيَاتُ أجناسٌ: الجانُّ والأفاعي والأساوِد.
﴿آَخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ في مِلكهِ وسُلطانه. ويقال: ﴿صافَاتٍ﴾ بُسُطْ أجْنِحَتُهنَّ.
﴿يقبضنَ﴾: يضربن بأجنِحَتِھن
(باب قول الله تعالى ﴿وبث﴾) نشر وفرق (﴿فيها﴾) في الأرض (﴿من كل دابة﴾)
[لقمان: ١٠] ما دب من الحيوان (قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (الثعبان) في قوله

٢١١
كتاب بدء الخلق/ باب ١٤
تعالى: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف: ١٠٧] (الحية الذكر منها) وقيد بالذكر لأن لفظ الحية
شامل للذكر والأنثى. قال المؤلف: (يقال الحيات أجناس: الجان) بتشديد النون الحية البيضاء،
(والأفاعي) جمع أفعى وهي الأنثى من الحيات والذكر منها أفعوان بضم الهمزة والعين، (والأساود)
جمع أسود. قال أبو عبيدة: حية فيها سواد وهي أخبث الحيات. وزعموا أن الحية تعيش ألف سنة
وهي في كل سنة تسلخ جلدها. ومن غريب أمرها أنها إذا لم تجد طعامًا عاشت بالنسيم وتقتات به
الزمن الطويل، وإذا كبرت صغر جرمها ولا ترد الماء ولا تريده إلا أنها لا تملك نفسها عن الشراب
إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر، وربما كان السكر
سبب هلاكها، وتهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتطلبها طلبًا شديدًا وتحب اللبن حبًا شديدًا
(﴿آخذ بناصيتها﴾﴾ [هود: ٥٦] في قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ أي (في
ملكه) بضم الميم في غير اليونينية والذي في اليونينية كسرها (وسلطانه) قاله أبو عبيدة. (يقال
﴿صافات﴾) أي (بسط) بضم الموحدة والمهملة مرفوع منوّن (أجنحتهن) بنصب التاء (﴿يقبضن﴾)
أي (يضربن بأجنحتهن). قاله أبو عبيدة أيضًا في قوله تعالى: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات
ويقبضن﴾ [الملك: ١٩].
٣٢٩٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن محمدٍ حدَّثَنَا هِشامُ بنُ يوسُفَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريُّ عن
سالم عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنهُ سمعَ النبيّ ◌َّهُ يَخْطُبُ على المِنبرِ يقول: اقتُلوا
الحَيَّاتِ واقتُلُوا ذا الطّفيَتَين والأبتَرَ، فإنهما يَطمِسانِ البَصَرَ ويَستَسْقِطان الحَبَل)). [الحديث
٣٢٩٧ - أطرافه في: ٣٣١٠، ٣٣١٢، ٤٠١٦].
وبه قال: (حدّثنا عبد اللَّه بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال:
(حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم عن ابن عمر رضي
الله عنهما أنه سمع النبي ◌َيرِ يخطب على المنبر يقول):
(اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين) بضم الطاء المهملة وسكون الفاء تثنية طفية، وهو الذي
على ظهره خطان أبيضان (والأبتر) الذي لا ذنب له أو قصيره أو الأفعى التي قدر شبر أو أكثر
قليلاً (فإنهما يطمسان البصر) أي يمحوان نوره (ويستسقطان) بسينين مهملتين ساكنتين بينهما فوقية
مفتوحة وضبب عليها في الفرع، وفي نسخة به: ويسقطان (الحبل). بفتح الحاء المهملة والموحدة
أي الولد إذا نظرت إليهما الحامل. ومن الحيات نوع إذا وقع نظره على إنسان مات من ساعته
وآخر إذا سمع صوته مات وإنما أمر بقتل ذي الطفيتين والأبتر لأن الشيطان لا يتمثل بهما قاله
الداودي وهو متعقب بما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
٣٢٩٨ - «قال عبدُ اللَّهِ: فَبَينا أنا أطارِدُ حيَّةً لأقتُلَها، فناداني أبو لُبابةَ: لا تقتُلُها فقلتُ: إنَّ
رسولَ اللَّهِ وَهَ قد أمرَ بقتلِ الحَياتِ. فقال: إنهُ نَهى بعدَ ذلك عن ذواتِ الْبُيوت، وهي

٢١٢
كتاب بدء الخلق/ باب ١٥
العَوامر)). [الحديث ٣٢٩٨- أطرافه في: ٣٣١١، ٣٣١٣].
(قال عبد اللَّه) بن عمر رضي الله عنهما (فبينا) بغير ميم (أنا أطارد) أي أتبع وأطلب
(حية لأقتلها) أي لأن اقتلها (فناداني أبو لبابة) بضم اللام وتخفيف الموحدة. قال الكرماني: اسمه
رفاعة على الأصح بكسر الراء وبالفاء ابن عبد المنذر الأوسي النقيب. وقال الحافظ ابن حجر:
صحابي مشهور اسمه بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة، وقيل مصغر، وقيل بتحتية ومهملة
مصغرًا وشذ من قال اسمه مروان (لا تقتلها. فقلت) له: (إن رسول الله وَ ثير قد أمر بقتل الحيات
قال): ولأبي ذر: فقال (إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت) أي اللاتي توجدن في البيوت لأن
الجني يتمثل بها، وخصصه مالك ببيوت المدينة، وفي مسلم: إن بالمدينة جنّا قد أسلموا فإذا رأيتم
منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. فإنما هو شيطان. قال الزهري: (وهي
العوامر). أي سكانها من الجن سمين لطول لبثهن فيها من العمر وهو طول البقاء.
٣٢٩٩ - «وقال عبدُ الرزّاقِ عن مَعْمَرٍ: فرآني أبو لُبابةَ، أو زيدُ بنُ الخَطَّاب. وتابعَهُ يُونُسُ
وابنُ عُيَينةَ وإسحقُ الكلبيُّ والزُّبَيدِيُّ. وقال صالحٌ وابنُ أبي حَفصةَ وابنُ مُجَمعِ عنِ الزّهريُّ عن
سالمٍ عنِ ابنِ عمرَ: فرآني أبو لبابةَ وزيدُ بنُ الخطاب)).
(وقال عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد أي عن الزهري (فرآني أبو
لبابة أو زيد بن الخطاب) أخو عمر على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر. (وتابعه) أي
تابع معمرًا (يونس) بن يزيد فيما وصله مسلم (وابن عيينة) سفيان مما وصله أحمد (وإسحق) بن
يحيى (الكلبي) فيما ذكره في نسخته (والزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد
الحمصي فيما وصله مسلم. (وقال صالح) هو ابن كيسان مما وصله مسلم وأبو عوانة (وابن أبي
حفصة) محمد البصري مما ذكره في نسخته من طريق أبي أحمد بن عدي موصولة (وابن مجمع) بميم
مضمومة فجيم مفتوحة فميم مشددة مكسورة إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري المدني مما وصله
البغوي وابن السكن في كتاب الصحابة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن ابن عمر:
رآني) ولأبي ذر عن المستملي فرآني (أبو لبابة وزيد بن الخطاب). كلاهما من غير شك.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
١٥ - باب خيرُ مالِ المسلم غَنَمْ يَتَبَعُ بها شَعفَ الجِبال
هذا (باب) بالتنوين (خير مال المسلم غنم) اسم جنس يشمل الذكور والإناث (يتبع) بسكون
الفوقية (بها شعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة أعلاها.
٣٣٠٠ - حدثنا إسماعيلُ بنُ أبي أوَيس قال: حدَّثني مالكٌ عن عبدِ الرحمنِ بنِ
عبدِ اللهِ بن عبد الرحمن بن أبي صَغْصعةً عن أبيهِ عن أبي سعيدِ الخُدريِّ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال:

٢١٣
کتاب بدء الخلق/ باب ١٥
قال رسولُ اللَّهِ وَّ: ((يوشِكُ أن يكونَ خيرَ مالِ الرجلِ غَنمْ يَتبَعُ بها شعَفَ الجبال ومَواقِعَ
القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينه منَ الفِتَن)».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدَّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاري (عن أبيه عن أبي سعيد)
سعد بن مالك (الخدري رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله وَاتٍ):
(يوشك) بكسر المعجمة يقرب (أن يكون خير مال الرجل) ولأبي ذر المسلم بدل الرجل
(غنم) رفع اسم كان مؤخرًا نكرة موصوفة ونصب خير خبرها مقدّمًا. وفي اليونينية في نسخة
غنمًا نصب خبرها خير رفع اسمها ويجوز رفعها على الابتداء والخبر ويقدّر في يكون ضمير الشأن
(يتبع بها شعف الجبال) رؤوسها (ومواقع القطر)، بطون الأدوية والصحارى أي يتبع بها مواقع
العشب والكلأ في شعاف الجبال حال كونه (يفر بدينه من الفتن). طلبًا لسلامته لا لقصد دنيوي
والباء للمصاحبة أو للسببية.
وهذا الحديث سبق في باب من الدين الفرار من الفتن.
٣٣٠١ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي الزنادِ عنِ الأعرجِ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللَّهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لهَّ قال: ((رأسُ الكفرِ نحوَ المَشرقِ، والفخرُ والخُيَلاءُ في أهلٍ
الخيل والإبل، والفدّادِينَ أهل الوَبَر، والسَّكِينةُ في أهلِ الغَنَم)). [الحديث ٣٣٠١ - أطرافه في:
٣٤٩٩، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد)
عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله وَلفي قال):
(رأس الكفر نحو المشرق)، بنصب نحو لأنه ظرف وهو مستقر في محل رفع خبر المبتدأ،
ولأبي ذر عن الكشميهني: قبل المشرق أي أكثر الكفرة من جهة المشرق وأعظم أسباب الكفر
منشؤه منه ومنه يخرج الدجال. قال في الفتح: وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس لأن مملكة
الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة وكانوا في غاية القوّة
والتكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي وغير إليه واستمرت الفتن من قبل المشرق (والفخر)
بالخاء المعجمة كإعجاب النفس (والخيلاء) بضم الخاء المعجمة وفتح التحتية ممدودًا الكبر واحتقار
الغير (في أهل الخيل والإبل والفدادين) بفتح الفاء والدال المشددة المهملة وحكي تخفيفها وبعد
الألف أخرى مخففة مكسورة. قال في القاموس. الفداد مالك المئين من الإبل إلى الألف والمتكبر
والجمع الفدادون وهم أيضًا الجمالون والرعيان والبقارون والحمارون والفلاحون وأصحاب الوبر
والذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم والمكثرون من الإبل، وقال الخطابي: إن رؤيته

٢١٤
كتاب بدء الخلق/ باب ١٥
بتشديد الدال فهو جمع فداد وهو الشديد الصوت وذلك من دأب أصحاب الإبل وإ رويته
بتخفيفها فهو جمع الفدان وهو آلة الحرث البقر، وعلى هذا فالمراد أصحاب الفدادين فهو على حذف
مضاف وإنما ذم ذلك لأنه يشغل عن أمر الدين ويلهي عن الآخرة وذلك يفضي إلى قساوة
القلب، وقال القرطبي: ليس في رواية الحديث إلا التشديد وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي
وغيره. وقال ابن فارس: في الحديث الجفاء والقسوة في الفدادين أي أصحاب الحروث
والمواشي.
(أهل الوبر)، بفتح الواو والموحدة بيان للفدادين أي ليسوا من أهل الحضر بل من أهل
البدو. قال في القاموس: المدر محركة المدن والحضر. (والسكينة) بفتح السين وتخفيف الكاف،
وفي القاموس بكسرها مشددة الطمأنينة. وقال ابن خالويه: السكينة مصدر سكن سكينة وليس في
المصادر له شبيه إلا قولهم: عليه ضريبة أي خراج معلوم (في أهل الغنم) لأنهم في الغالب دون
أهل الإبل في التوسع والكثرة وهما من سبب الفخر والخيلاء. وفي حديث أم هانىء المروي في
ابن ماجه أن النبي ◌ّ قال لها ((اتخذي الغنم فإن فيها بركة)).
٣٣٠٢ - هذّثنا مسدَّدٌ حدَّثَنا يحيى عن إسماعيلَ قال: حدَّثني قَيسٌ عَنْ عقبَةَ بنِ عمرٍو
أبي مسعودٍ قال: ((أشارَ رسولُ اللّهِ وَّهِ بِيدِهِ نحوَ اليمن فقال: الإيمانُ يَمانِ ها هُنا، ألا إنَّ
القَسوةَ وغِلَظَ القلوبِ في الفذّادِينَ عندَ أصولِ أذنابِ الإبل حيثُ يَطلُعُ قَرنا الشيطانِ في ربيعةً
ومُضَر)). [الحديث ٣٣٠٢ - أطرافه في: ٣٤٩٨، ٤٣٨٧، ٥٣٠٣].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) هو القطان (عن إسماعيل) بن
أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي (قال: حدَّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم البجلي (عن
عقبة بن عمرو أبي مسعود) الأنصاري البدري أنه (قال: أشار رسول الله مَّ يه بيده نحو اليمن
فقال) :
(الإيمان يمان) مبتدأ وخبر وأصله يمني بياء النسبة فحذفوا الياء للتخفيف وعوضوا الألف
بدلها أي الإيمان منسوب إلى أهل اليمن، وحمله ابن الصلاح على ظاهره وحقيقته الإذعانهم إلى
الإيمان من غير كبير مشقة على المسلمين بخلاف غيرهم ومن اتصف بشيء وقوي إيمانه به نسب
ذلك الشيء إليه اشعارًا بكمال حاله فيه، فكذا حال أهل اليمن حينئذٍ، وحال الوافدين منهم في
حياته وفي أعقابه كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما ممن سلم قلبه وقوي إيمانه فكانت
نسبة الإيمان إليهم بذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم فلا
منافاة بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام ((الإيمان في أهل الحجاز)) ثم المراد بذلك الموجودون
منهم حينئذٍ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه. وصرفه بعضهم عن ظاهره
من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة حرسهما الله تعالى وردّني إليهما ردًّا جميلاً.

٢١٥
كتاب بدء الخلق/ باب ١٥
وحكى أبو عبيد في ذلك أقوالاً فقيل: مكة لأنها من تهامة وتهامة من أرض اليمن، وقيل:
مكة والمدينة، فإنه يروي في الحديث أنه ◌َ﴿ قاله وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن
وأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال: الإيمان يمان فنسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذٍ
من ناحية اليمن، وقيل: المراد الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم
أنصاره وعورض بأن في بعض طرقه عند مسلم: أتاكم أهل اليمن والأنصار من جملة المخاطبين
بذلك فهم إذًا غيرهم، وفي قوله في حديث الباب أشار بيده نحو اليمن إشارة إلى أن المراد به
أهلها حينئذٍ لا الذين كان أصلهم منها.
(هلهنا ألا) بالتخفيف (أن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين) أي المصوتين (عند أصول
أذناب الإبل) عند سوقهم لها (حيث يطلع قرنا الشيطان) بالتثنية جانبا رأسه لأنه ينتصب في محاذاة
مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين قرني رأسه أي جانبيه فتقع السجدة له حين يسجد عبدة
الشمس (في ربيعة ومضر) متعلق بالفدادين. وقال الكرماني: بدل منه. وقال النووي: أي القسوة
في ربيعة ومضر الفدادين، والمراد اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر كما قال
في الحديث الآخر: ((رأس الكفر نحو المشرق)). وكان ذلك في عهده بَّر حين قال ذلك، ويكون
حين يخرج الدجال من المشرق وهو فيما بينهما منشأ الفتن العظيمة ومثار الكفرة الترك العاتية
الشديدة الباس.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطلاق والمناقب والمغازي ومسلم في الإيمان.
٣٣٠٣ - حدّثنا قُتَيبة حدَّثَنا الليثُ عن جَعفرِ بنِ رَبيعةَ عنِ الأعرج عن أبي هريرةَ رضيَ
اللّهُ عنه أنَّ النبيَّ وََّ قال: ((إِذا سَمعتم صِياحَ الدِّيكةِ فاسألوا اللَّهَ من فضلهِ فإنها رأتْ مَلَكًا، وإذا
سمعتم نهيقَ الحمار فتعوَّذوا باللّهِ منَ الشيطان فإنه رأى شيطانًا)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) هو ابن سعد الإمام (عن جعفر بن
ربيعة) بن شرحبيل ابن حسنة القرشي (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي ◌َ لقر قال):
(إذا سمعتم صياح الديكة) بكسر الدال المهملة وفتح التحتية جمع ديك ويجمع في القلة على
أدياك وفي الكثرة على ديوك وديكة (فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكًا) بفتح اللام رجاء تأمينه
على دعائكم واستغفاره لكم وشهادته لكم بالتضرع والإخلاص فتحصل الإجابة وفيه استحباب
الدعاء عند حضور الصالحين، وأعظم ما في الديك من الخواص العجيبة معرفة الأوقات الليلية
فيقسط أصواته عليها تقسيطًا لا يكاد يغادر منه شيئًا سواء طال النهار أو قصر، ويوالي صياحه قبل
الفجر وبعده، فسبحان من هداه لذلك، ولهذا أفتى القاضي حسين والمتولي والرافعي بجواز اعتماد
الديك المجرب في أوقات الصلوات.

٢١٦
كتاب بدء الخلق/ باب ١٥
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي وَل
قال: ((لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة)) قال الحليمي: فيه دليل على أن كل من استفيد منه
خير لا ينبغي أن يسب ويستهان بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان، وليس معنى دعاء
الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراخه صلوا أو حانت الصلاة بل معناه أن العادة جرت أنه يصرخ
صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال فطرة فطره الله عليها فيذكر الناس بصراحه
الصلاة، ولا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواها إلا من جرب منه ما لا يخلف
فيصير ذلك له إشارة والله الموفق.
(وإذا سمعتم نهيق الحمار) جمعه حمير وحمر وأحمرة (فتعوذوا بالله من الشيطان) من شره وشر
وسوسته (فإنه رأى شيطانًا) ولأبي ذر: فإنها رأت شيطانًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات وأبو داود في الأدب والترمذي في الدعوات
والنسائي في التفسير واليوم والليلة.
٣٣٠٤ - حدثنا إسحقُ أخبرَنا رَوحٌ قال: أخبرنا ابنُ جرَيجِ قال: أخبرني عطاءٌ سمعَ
جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إذا كان جُنْحُ الليل - أو أمسَيتم -
فكفُّوا صِبيانكم، فإنَّ الشياطينَ تنتشِرُ حينئذ، فإذا ذَهَبَتْ ساعة منَ الليلِ فحلُوهم وأغلِقوا الأبوابَ
واذكروا اسمَ اللَّهِ، فإنَّ الشيطانَ لا يَفْتَحُ بابًا مُغلَقًا)). قال وأخبرَني عمرُو بن دِينارٍ سمعَ جابرَ بِنَّ
عبدِ اللَّهِ نحوَ ما أخبرَني عطاءٌ ولم يَذكر ((واذكروا اسمَ اللَّهِ).
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه كما عند أبي نعيم أو ابن منصور بن كوسج
المروزي قال: (أخبرنا روح) بفتح الراء بعد الواو الساكنة حاء مهملة ابن عبادة (قال: أخبرنا ابن
جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (سمع
جابر بن عبد الله) الأنصاري (رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(وَل ﴿):
(إذا كان جنح الليل) بضم الجيم وسكون النون ظلامه أو أول ظلامه (أو أمسيتم) بالشك من
الراوي أي دخلتم في المساء (فكفّوا صبيانكم) عن الانتشار (فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ) وربما
يتعلقون بهم فيؤذونهم (فإذا ذهب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا ذهبت (ساعة من الليل
فحلوهم) بالحاء المهملة المضمومة، ولأبي ذر عن المستملي والحموي: فخلوهم بالخاء المعجمة
المفتوحة (وأغلقوا الأبواب) بقطع همزة وأغلقوا (واذكروا اسم الله) عليها (فإن الشيطان لا يفتح بابًا
مغلقًا). وهذا الحديث سبق في باب: صفة إبليس وجنوده.
(وقال) ابن جريج (وأخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار) أنه (سمع جابر بن عبد الله) يروي
هذا الحديث (نحو ما أخبرني) بالإفراد (عطاء و) لكنه (لم يذكر) قوله (واذكروا اسم الله) كما ذكره
عطاء في روايته.

٢١٧
كتاب بدء الخلق/ باب ١٥
٣٣٠٥ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا وُهيبٌ عن خالدٍ عن محمدٍ عن أبي هريرةً
رضيَ اللَّهُ عنه عن النبي ◌َِّ قال: ((فُقِدَتْ أمَّةٌ من بني إسرائيلَ لا يدرى ما فعلَت، وإني لا أراها
إلا الفأر: إذا وُضِعَ لها ألبان الإبلِ لم تَشرَب، وإذا وُضِعَ لها ألبانُ الشاءِ شَرِبت. فحدَّثتُ كعبًا
فقال: أنتَ سمعتَ النبيِّ وََّ يقولهُ؟ قلتُ: نعم. فقال لي مِرارًا، فقلتُ: أفأقرأُ الثَّوراة؟)).
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدَّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن
خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري (عن خالد) ولغير أبي ذر حدَّثنا خالد هو الحذاء (عن
محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (بَّ) أنه (قال):
(فقدت) بضم الفاء وكسر القاف مبنيًّا للمفعول (أمة) رفع نائبًا عن الفاعل طائفة (من بني
إسرائيل لا يدرى) بضم التحتية وفتح الراء (ما فعلت وإني لا أراها) بضم الهمزة لا أظنها (إلا
الفأر) بإسكان الهمزة زاد مسلم في طريق أخرى عن ابن سيرين مسخ وآية ذلك (إذا وضع لها
ألبان الإبل لم تشرب) لأن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل (وإذا وضع لها ألبان الشاء)
أي الغنم (شربت) لأنها حلال لهم كلحمها وهو دليل على المسخ. قال أبو هريرة (فحدثت كعبًا)
هو كعب الأحبار بذلك (فقال) لي (أنت سمعت النبي بَّ يقوله؟) قال أبو هريرة (قلت) له:
(نعم). سمعته (قال) ولأبي ذر: فقال أي كعب (لي) أنت سمعته من النبي وَّرِ (مرارًا) قال أبو
هريرة (فقلت) له (أفأقرأ التوراة؟) بهمزة الاستفهام الإنكاري. وعند مسلم قال: أفأنزلت علّ
التوراة أي أنا لا أقول إلا ما سمعته عن النبي وَّه ولا أنقل عن التوراة، وقد اختلف في الممسوخ
هل يكون له نسل أم لا؟ فذهب أبو إسحاق الزجاج وابن العربي أبو بكر إلى أن الموجود من القردة
من نسل الممسوخ تمسكًا بحديث الباب، وقال الجمهور: لا. وهو المعتمد لحديث ابن مسعود عند
مسلم مرفوعًا: إن الله لم يهلك قومًا أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلاً وإن القردة والخنازير كانوا
قبل ذلك. وأجابوا عن حديث الباب بأنه عليه الصلاة والسلام قاله قبل أن يوحى إليه بحقيقة
الأمر في ذلك، ولذا لم يجزم به بخلاف النفي فإنه جزم به كما في حديث ابن مسعود.
ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في باب أيام الجاهلية بعون الله. وهذا الحديث أخرجه
مسلم في أواخر صحيحه.
٣٣٠٦ - حقثنا سعيدُ بن عُفير عنِ ابنِ وهَبٍ قال: حدَّثني يونُسُ عنِ ابنِ شهابٍ عن
عُروةَ يُحدِّثُ عن عائشةَ رضيَ اللَّه عنها: ((إِنَّ النبيَّ وََّ قَال للوَزَعْ: الفُوَيسقُ. ولم أسمَعْهُ أمرَ
بقَتلِهِ. وزعمَ سعدُ بن أبي وَقَّاصٍ أنَّ النبيَّ وَِّ أَمرَ بقتله)).
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري مولاهم البصري
نسبه لجده لشهرته به (عن ابن وهب) عبد الله أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن
ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير (يحدث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وَالقر قال):

٢١٨
كتاب بدء الخلق/ باب ١٥
(للوزغ) بفتح الواو والزاي جمع وزغة ويجمع أيضًا على أوزاغ ووزغان ووزاغ وأزغان وهي
السام الأبرص وسميت بذلك لخفتها وسرعة حركتها واللام في قوله للوزغ بمعنى عن أي قال عن
الوزغ (الفويسق) مصغرًا للذم والتحقير، وأصل الفسق الخروج ووصفت هذه بالفسق كالمذكورين
في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى لخروجها عن معظم غيرها من الحشرات بالإيذاء
والإفساد. قالت عائشة: (ولم أسمعه) وَلَّ (أمر بقتله) لا حجة فيه إذ لا يلزم من عدم سماعها
عدم وقوعه فقد سمعه غيرها بل جاء عنها من وجه آخر عند الإمام أحمد وابن ماجه أنه كان في
بيتها رمح موضوع فسئلت عنه فقالت: نقتل به الوزغ فإن النبي ور أخبرنا أن إبراهيم عليه
السلام لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ
عليه، فأمر النبي ◌َّه بقتلها، لكن قال الحافظ ابن حجر: والذي في الصحيح أصح، ولعل عائشة
سمعت ذلك من بعض الصحابة وأطلقت لفظ أخبرنا مجازًا أي أخبر الصحابة. قال عروة أو
عائشة أو الزهري.
(وزعم) أي قال (سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه (أن النبي بَّر أمر بقتله). فعلى القول
بأن عروة هو القائل يكون متصلاً لأن عروة سمع من سعد، وعلى الثاني يكون من رواية القرين
عن قرينه، وعلى القول بأنه الزهري يكون منقطعًا قاله في الفتح مرجحًا للأخير بأن الدار قطني
أخرجه في الغرائب من طريق ابن وهب عن يونس ومالك معًا عن ابن شهاب عن عروة عن
عائشة أن النبي وَل﴾ قال: (للوزغ فويسق). وعن ابن شهاب عن سعد بن أبي وقاص: أن
رسول الله ولي أمر بقتل الوزغ، وقد أخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن حبان حديث عائشة
من طريق ابن وهب وليس عندهم حديث سعد، وأخرج مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان من
طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ◌َّلير أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا،
فكأن الزهري وصله لمعمر وأرسله ليونس قال: ولم أر من نبه على ذلك من الشراح ولا من
أصحاب الأطراف فللَّهِ الحمد اهـ.
ورجح العيني احتمال كون عائشة هي القائلة. وزعم بمقتضى التركيب، ونقل الدميري أن
أصحاب الآثار ذكروا أن الوزغ أصم وأن السبب في صممه ما تقدم من نفخه النار على إبراهيم
فصم لذلك وبرص.
وهذا الحديث سبق في باب: ما يقتل من الدواب من كتاب الحج.
٣٣٠٧ - حدثنا صدقةُ بن الفضلِ أخبرنا ابنُ عُبِينَةَ حدَّثَنا عبدُ الحميدِ بن جُبيرٍ بن شَيبةً عن
سعيدٍ بنِ المسيَّبِ أنَّ أمَّ شُرَيكٍ أخبرَتْهُ أنَّ النبيِّ وَِّ أمرَها بقتلِ الأوزاغ)). [الحديث ٣٣٠٧-
طرفه في: ٣٣٥٩].
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي وسقط لغير أبي ذر ابن الفضل قال: (أخبرنا

٢١٩
كتاب بدء الخلق/ باب ١٥
ابن عيينة) سفيان قال: (حدّثنا عبد الحميد بن جبير بن شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري
الحجبي المكي (عن سعيد بن المسيب أن أم شريك) غزية بضم الغين المعجمة وفتح الزاي مصغرًا
عامرية قرشية أو أنصارية (أخبرته أن النبي ◌َليزر أمرها بقتل الوزغ).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء ومسلم في الحيوان والنسائي وابن ماجه في
الصید .
٣٣٠٨ - حدّثنا عُبَيْدُ بن إسماعيلَ حدَّثَنا أبو أسامةَ عن هِشام عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ
عنها قالَت: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اقْتُلُوا ذا الطُّفْيَتَيْن، فإنه يَطْمِسُ البصرَ ويُصيبُ الحَبَلَ)).
تابعَهُ حَمَّادُ بن سلمةَ: ((أخبرَنا أُسامة)). [الحديث ٣٣٠٨ - طرفه في: ٣٣٠٩].
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) أبو محمد القرشي الهباري الكوفي من ولد هبار بن
الأسود القرشي واسمه في الأصل عبد الله وعبيد لقب غلب عليه وعرف به قال: (حدّثنا أبو
أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنه) أنها (قالت:
قال النبي) ولأبوي ذر والوقت: قال رسول الله (﴿﴿):
(اقتلوا ذا الطفيتين) بضم المهملة وسكون الفاء من الحيات الذي على ظهره خطّان كالخوصتين
(فإنه يطمس البصر) يمحو نوره (ويصيب الحبل) أي يسقط الجنين إذا نظرت إليه الحامل (تابعه)
أي تابع أبا أسامة (حماد بن سلمة) في روايته عن هشام فيما وصله أحمد عن عفان ولأبي ذر عن
الكشميهني تابع حماد بن سلمة قال: (أخبرنا أسامة) وهذه المتابعة ثبتت لأبي ذر عن الحموي
والمستملي.
٣٣٠٩ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثنا يحيى عن هشام قال: حدّثني أبي عن عائشة قالت: ((أمرَ
النبيُّ وَّه بقتل الأبتَرِ وقال: إِنه يُصيبُ البصرَ ويُذهِبُ الحبلَ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن رامك الأسدي البصري
قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) أنه (قال: حدَّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير
(عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: أمر النبي ◌َّه بقتل الأبتر) القصير أو الذي لا ذنب له من
الحيات (وقال):
(إنه يصيب البصر) أي يعميه (ويذهب الحبل) يسقط الجنين.
٣٣١٠ - حدثنا عمرُو بن عليّ حدَّثَنا ابنُ أبي عَدِيّ عن أبي يونُسَ القُشَيريِّ عن ابن أبي
مُليكةَ أنَّ ابنّ عمرَ كانَ يَقتلُ الحيَّاتِ، ثم نهى قال: ((إِنَّ النبيِّ وَِّ هِدَمَ حائطًا لَهُ فوَجدَ فيه سِلخَ
حيةٍ فقال: انظروا أينَ هو فنظروا فقال: اقتلوهُ، فكنتُ أقتُلها لذلك)).

٢٢٠
کتاب بدء الخلق/ باب ١٥
٣٣١١ - «فلقيتُ أبا لُبابةَ فأخبرَني أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: لا تقتُلُوا الجِنّانَ إلا كلَّ أبترَ ذي
طُفِيتَين، فإنه يُسقِطُ الوَلدَ ويُذهِبُ البصرَ فاقتُلوه)).
وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدَّثنا (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم
الصيرفي البصري قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم (عن أبي يونس) حاتم بن أبي
صغيرة (القشيري) بضم القاف وفتح المعجمة نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة (عن ابن أبي
مليكة) عبد الله بن عبيد الله (أن ابن عمر) رضي الله عنهما (كان يقتل الحيات) لعموم أمره اليه
بقتلها (ثم نهى) بفتح النون والهاء يعني ابن عمر لسبب يأتي إن شاء الله تعالى (قال: إن النبي وَلـ
هدم حائطًا له فوجد فيه سلخ حية) بكسر السين أي جلدها (فقال):
(انظروا أين هو فنظروا. فقال) عليه السلام: (اقتلوه) قال ابن عمر (فكنت أقتلها لذلك) أي
الذي قاله عليه السلام (فلقيت) ولأبي ذر: لذاك بغير لام قبل الكاف قال فلقيت (أبا لبابة) بن
عبد المنذر الأوسي الصحابي (فأخبرني أن النبي ◌َّلفي قال: لا تقتلوا الجنان) بكسر الجيم وتشديد
النون وبعد الألف نون أخرى جمع جان وهو الحية البيضاء أو الصغيرة أو الرقيقة أو الخفيفة (إلا
كل أبتر ذي طفيتين) خطين على ظهره (فإنه يسقط الولد) من بطن أمه إذا رأته (ويذهب البصر)
يعميه (فاقتلوه).
واستشكل بما سبق اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر بالواو إشارة إلى أنهما صنفان وهنا دال على أنه
صنف واحد. وأجاب في الكواكب الدراري: بأن الواو للجمع بين الوصفين لا بين الذاتين
فمعناه اقتلوا الحية الجامعة بين وصف الأبترية وكونها ذات الطفيتين كقولهم: مررت بالرجل
الكريم والنسمة المباركة. قال: وأيضًا لا منافاة بين أن يرد الأمر بقتل ما اتصف بإحدى الصفتين
وبقتل ما اتصف بهما معًا لأن الصفتين قد يجتمعان فيها وقد يفترقان اهـ.
قال في الفتح: إن كان الاستثناء في قوله إلاّ كل أبتر متصلاً ففيه تعقب على من زعم أن ذا
الطفيتين والأبتر ليسا من الجنان، ويحتمل أن يكون منقطعًا أي لكن كل ذي طفيتين فاقتلوه.
٣٣١٢ - حدثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ حدَّثنا جريرُ بن حازمٍ عن نافعِ عنِ ابنِ عمرَ أنه كان
يَقتُلُ الحيات.
وبه قال: (حدَّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم أبو غسان النهدي الكوفي قال:
(حدَّثنا جرير بن حازم) بفتح الجيم وحازم بالحاء المهملة والزاي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن
عمر) رضي الله عنهما (أنه كان يقتل الحيات) أخذًا بعموم قوله عليه السلام: ((اقتلوا الحيات فمن
ترکهن مخافة ثارهن فليس مني» رواه أبو داود.
٣٣١٣ - فحدّثَهُ أبو لُبابةَ: ((أنَّ النبيَّ وَِّ نَهى عن قتلِ جِنَّانِ البيوت، فأمسَكَ عنها)).