Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٤
البحرين والجزية) من عطف الخاص على العام (ولمن يقسم الفيء) الحاصل من أموال الكفار من
غير حرب (والجزية).
٣١٦٣ - حدثنا أحمدُ بن يونُسَ حدَّثَنا زُهيرٌ عن يحيى بنِ سعيدٍ قال: سمعتُ أنسًا رضيَ
اللَّه عنه قال: ((دَعا النبيُّ نَّ الأنصار ليكتُبَ لهم بالبحرينِ، قالوا: لا واللهِ حتَّى تَكتبَ لإخواننا
من قريشٍ بمثلها، فقال: ذاك لهم ما شاء اللَّهُ على ذلك يقولون له. قال: فإنكم سَتَرونَ بعدي
أثرةً، فاصبروا حتى تلقَوني على الحوض)).
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي
قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية بن خديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي (عن يحيى بن سعيد)
الأنصاري أنه (قال: سمعت أنسًا) رضي الله عنه (قال: دعا النبي ◌ِّر الأنصار ليكتب لهم) أي
ليعين لكل منهم حصة على سبيل الاقطاع من الجزية والخراج (بالبحرين)، البلد المشهور بالعراق
وليس المراد تمليكهم لأن أرض الصلح لا تقسم ولا تقطع فقد كان عليه الصلاة والسلام صالح
أهله وضرب عليهم الجزية (فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا) المهاجرين (من قريش بمثلها
فقال) عليه الصلاة والسلام:
(ذاك لهم) أي ذاك المال لقريش (ما شاء الله على ذلك) وكان الأنصار (يقولون له) عليه
الصلاة والسلام في شأنهم مصرّين على ذلك حتى (قال) عليه الصلاة والسلام لهم: (فإنكم
سترون بعدي) من الملوك (أثرة) بفتح الهمزة والمثلثة وبضم الهمزة وسكون المثلثة أي إيثارًا
لأنفسهم عليكم بالدنيا ولا يجعلون لكم في الأمر من نصيب (فاصبروا حتى تلقوني) زاد أبو ذر
عن الكشميهني (على الحوض).
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة كونه عليه الصلاة والسلام لما أشار على الأنصار بما ذكر
ولم يقبلوا فتركه عليه الصلاة والسلام نزل المؤلف ما بالقوّة منزلة ما بالفعل وهو في حقه عليه
الصلاة والسلام واضح لأنه لا يأمر إلا بما يجوز فعله قاله في الفتح.
٣١٦٤ - حدثنا عليّ بن عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ قال: أخبرَني رَوحُ بن القاسم
عن محمدِ بن المنكدِرِ عن جابر بنِ عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((كان رسولُ اللَّهِ وَهِ قال
لي: لو قد جاءنا مالُ البحرَين قد أعطيتُكَ هكذا وهكذا وهكذا. فلما قُبِضَ رسولُ اللَّهِ وَّه وجاء
مالُ البحرينِ قال أبو بكرٍ: مَن كانت له عندَ رسولِ اللَّهِ وَ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي. فَأَتَيتُهُ فقلت: إنَّ
رسولَ اللَّهِ وَلجر قد كان قال لي: لو قد جاءنا مالُ البحرين لأعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا. فقال
لي: احْتُهُ. فحثَوتُ حَثيةً. فقال لي: عُدِّها. فعَدَدْتُها، فإذا هي خمسمائةٍ، فأعطاني ألفًا
وخَمْسَمائة .
إرشاد الساري/ ج ٧/ م ٦

٨٢
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٤
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن معمر
الهذلي الهروي نزيل بغداد (قال: أخبرني) بالإفراد (روح بن القاسم) بفتح الراء العنبري التميمي
البصري (عن محمد بن المنكدر) التميمي المدني (عن جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري (رضي الله
عنهما) أنه (قال: كان رسول الله وَلقر قال لي):
(لو قد جاءنا مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا) ثلاثًا (فلما قبض
رسول الله ◌َّ* وجاء مال البحرين) من عند العلاء بن الحضرمي (فقال أبو بكر الصديق رضي الله
عنه: (من كانت له عند رسول الله وَ ﴿ عدة) بكسر العين وتخفيف الدال المهملتين أي وعد
(فليأتني) أفِ له به (فأتيته فقلت: إن رسول الله وَ لير قد كان قال لي: لو قد جاءنا مال البحرين
لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا) ثلاثًا (فقال) أبو بكر (لي: احثه) بضم المثلثة وكسرها وبهاء السكت
(فحثوت) بالواو (حثية) بالياء وفتح الحاء فأخذ الفعل من لغة والمصدر من أخرى وكذا فعلوه في
تداخل اللغتين من كلمتين (فقال لي) أبو بكر: (عدها فعددتها فإذا هي خمسمائة فأعطاني ألفًا
وخمسمائة) ولأبي ذر: فأعطاني خمسمائة أي الأولى التي حثاها وأعطاني ألفًا وخمسمائة فالجملة
ألفان .
٣١٦٥ - وقال إبراهيمُ بن طَهمانَ عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيبٍ عن أنسٍ: ((أَتَيَ النبيُّ ◌َهُ
بمالٍ من البحرينِ فقال: انثرُوه في المسجدِ، فكانَ أَكثرَ مال أُتَيَ به رسولُ اللَّهِ وَِّ، إذ جاءهُ
العبَّاسُ فقال: يا رسولَ اللَّهِ أعطِني، فإني فادَيت نفسي وفادَيتُ عَقيلاً. فقال: خذ. فحثا في
ثَوبِهِ، ثمَّ ذهبَ يُقِلُهُ فلم يَستَطِعْ فقال: مرَّ بَعضَهم يَرفَعْهُ إليَّ، قال: لا. قال: فارفَعهُ أنت عليّ،
قال: لا. فنثر منه ثم ذهب يُقِلُّه فلم يَرفَعْه فقال: فمرَّ بعضَهم يَرفَعْه عليَّ، قال: لا، قَالَ:
فارفَعْه أنتَ عليَّ، قال: لا. فنَثَر ثمَّ احتملَهُ على كاهلهِ ثم انطلَقَ، فما زالَ يُتِبِعُهُ بَصَرَهُ حتى
خَفِيَ علينا، عَجَبًا مِن حِرصِهِ، فما قام رسولُ اللَّهِ وَّهِ وَثَمَّ منها دِرهم)).
(وقال إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء الخراساني مما وصله الحاكم في
مستدركه وابن منده في أماليه وأبو نعيم في مستخرجه (عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس)
رضي الله عنه أنه قال: (أتي النبي ◌ّله بمال من البحرين) بعثه العلاء بن الحضرمي من الخراج
وكان مائة ألف كما في مصنف ابن أبي شيبة (فقال: انثروه) بالمثلثة (في المسجد فكان أكثر مال أتي
به رسول الله ◌َ و إذ جاءه العباس) عمه (فقال: يا رسول الله أعطني) أي من هذا المال (إني ناديت
نفسي وفاديت عقيلاً) بفتح العين المهملة وكسر القاف ابن أبي طالب يوم بدر حين أسرا (قال) عليه
الصلاة والسلام. ولأبي ذر فقال: (خذ فحثى في ثوبه) أي فحثى العباس في ثوب نفسه (ثم
ذهب يقله) بضم الياء وكسر القاف أي يرفعه ويحمله (فلم يستطع فقال) العباس له عليه الصلاة
والسلام: (أمر) بهمزة ساكنة في أوّله على الأصل (بعضهم) أي الحاضرين (یرفعه إلي) بالجزم جوابًا

٨٣
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٥
للأمر ويجوز الرفع على الاستئناف (قال) عليه الصلاة والسلام (لا قال: فارفعه أنت عليّ قال: لا)
أرفعه (فنثر) العباس (منه ثم ذهب يقله فلم يرفعه) ولأبي ذر وابن عساكر: فلم يستطع (فقال:
أمر) ولأبي ذر عن الكشميهني فمر بإسقاط الهمزة (بعضهم يرفعه عليّ قال: لا قال فارفعه أنت
علّ قال: لا فنثر ثم) ولأبي ذر وابن عساكر: فنثر منه ثم (احتمله على كاهله) وهو ما بين كتفيه
(ثم انطلق فما زال) النبي ◌َّر (يتبعه بصره) من باب الإفعال (حتى خفي علينا عجبًا من حرصه)
بنصب عجبًا مفعولاً مطلقًا من قبيل ما يجب حذف عامله أو مفعولاً له (فما قام رسول الله) وَّ
من المسجد (وثمّ) بفتح المثلثة وهناك (منها درهم) وهذا التعليق قد مرّ في باب تعليق القنوت في
المسجد من كتاب الصلاة.
٥ - باب إثم مَن قَتلَ مُعاهِدًا بغير جُرمٍ
(باب إثم من قتل معاهدًا) بفتح الهاء ذميًا (بغير جرم) أي حق.
٣١٦٦ - حدثنا قيسُ بنُ حفصٍ حدَّثَنا عبدُ الواحدِ حدَّثنا الحسنُ بن عمرٍو حدَّثَنا مجاهدٌ
عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّ وَ ◌ّرِ قال: ((مَن قَتلَ مُعاهِدًا لم يرح رائحةً
الجنة، وإنَّ ريحَها توجَدُ من مَسيرةِ أربعين عامًا)). [الحديث ٣١٦٦- طرفه في: ٦٩١٤].
وبه قال: (حدّثنا قيس بن حفص) أبو محمد الدارمي البصري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن
زياد قال: (حدّثنا الحسن بن عمرو) بفتح الحاء والعين الفقيمي الكوفي قال: (حدّثنا مجاهد) هو
ابن جبر (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (رضي الله عنهما) وسماع مجاهد من ابن
عمرو بن العاص ثابت وروى الأصيلي فيما ذكره في الفتح عن الجرجاني عن الفربري: ابن عمر
بضم العين وهو تصحيف (عن النبي بَلٍ) أنه (قال):
(من قتل معاهدًا) ذميًا وفي رواية أبي معاوية الآتية بغير حق (لم يرح) بفتح التحتية والراء في
الفرع كأصله وحكى السفاقسي ضم أوّله وكسر الراء وابن الجوزي فتح أوّله وكسر ثانيه وكذا في
اليونينية أي لم يشم (رائحة الجنة) أوّل ما يجدها سائر المؤمنين الذين لم يقترفوا الكبائر (وإن ريحها
يوجد من مسيرة أربعين عامًا). وعند الترمذي من حديث أبي هريرة: ((سبعين خريفًا)). وفي
الموطأ: خمسمائة، وجمع بينهما ابن بطال بأن الأربعين أقصى أشد العمر وفيها يزيد عمل الإنسان
ويقينه ويندم على سالف ذنوبه فهذا يجد ريحها على مسيرة أربعين عامًا، وأما السبعون فحدّ المعترك
وفيها تحصل الخشية والندم لاقتراب الأجل فيجد ريح الجنة من مسيرة سبعين، وأما الخمسمائة
فهي زمن الفترة فيكون من جاء في آخر الفترة واهتدى باتباع النبي الذي كان قبل الفترة ولم يضره
طولها فيجد ريح الجنة على خمسمائة عام. كذا قال ولا يخفى ما فيه من التكلف والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الديات وكذا ابن ماجه.

٨٤
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٦
٦ - باب إخراج اليهودِ من جزيرة العرب
وقال عمرُ عنِ النبيِّ بَّهِ: ((أَقِرُكم ما أقرَّكم الله)).
(باب إخراج اليهود من جزيرة العرب. وقال عمر) بن الخطاب (عن النبي ◌َّر: أقركم ما
أقركم الله به) سقط لابن عساكر لفظة به وهذا طرف من قصة أهل خيبر السابقة موصولة في
المزارعة .
٣١٦٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ حدَّثنا الليثُ قال: حدَّثني سعيدٌ المقبُرِيُّ عن أبيهِ عن
أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((بينما نحنُ في المسجدِ خرَجَ النبي ◌َِّ فقال: انطلقوا إلى يهودَ،
فخرَجنا حتى جئنا بيتَ المِذْراس فقال: أسلِموا تَسلَموا، واعلموا أنَّ الأرضَ للهِ ورسولهِ، إني
أريدُ أن أجلِيَكم من هذهِ الأرض، فمن يَجدْ منكم بمالهِ شيئًا فَلْيَبِعْه، وإلا فاعلموا أنَّ الأرضَ للَّهِ
ورسوله)). [الحديث ٣١٦٧ - طرفاه في: ٦٩٤٤، ٧٣٤٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (قال:
حدَّثني) بالإفراد (سعيد المقبري عن أبيه) أبي سعيد كيسان المدني مولى بني ليث (عن أبي هريرة
رضي الله عنه) أنه (قال: بينما) بالميم (نحن في المسجد) وجواب بينما قوله (خرج النبي ◌َّ
فقال) :
(انطلقوا إلى يهود فخرجنا) معه (حتى جئنا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حتى إذا جئنا
(بيت المدراس) بكسر الميم وسكون الدال المهملة وفتح الراء آخره سين مهملة أي بيت العالم الذي
يدرس كتابهم أو البيت الذي يدرسون فيه كتابهم (فقال) عليه الصلاة والسلام لهم: (أسلموا
تسلموا) مجزوم بحذف النون بالأمر في الأوّل وجوابه في الآخر أي إن أسلمتم تصيروا سالمين
وهذا آية في البلاغة اللفظية والمعنوية وهو من جوامع كلمة عليه الصلاة والسلام (واعلموا أن
الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم) بضم الهمزة وسكون الجيم أخرجكم (من هذا الأرض)
ولأبي ذر: من هذه الأرض كأنهم قالوا في جواب قوله أسلموا تسلموا لم قلت هذا وكررته؟
فقال: اعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم من ذلك ومما هو أَشق منه، (فمن يجد
منكم) بكسر الجيم (بماله) أي بدل ماله فالباء للبدلية (شيئًا فليبعه) جواب من أي من كان له
شيء مما لا يمكن نقله فليبعه (وإلاً) أي وإن لم تسمعوا ما قلت لكم من ذلك (فاعلموا أن الأرض
لله ورسوله) ولابن عساكر: ولرسوله. أي: تعلقت مشيئة الله تعالى بأن يورث أرضكم هذه
للمسلمين ففارقوها، والظاهر كما قاله في فتح الباري: أن اليهود المذكورين بقايا تأخروا بالمدينة
بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة لأنه إنما
جاء بعد فتح خيبر وقد أقرّ عليه الصلاة والسلام يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض واستمروا

٨٥
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٦
إلى أن أجلاهم عمر، ولا يصح أن يقال إنهم بنو النضير لتقدم ذلك على مجيء أبي هريرة وأبو
هريرة يقول في هذا الحديث أنه كان معه عليه الصلاة والسلام.
ومطابقة الحديث لما ترجم به من حيث إنه عليه الصلاة والسلام همّ بإخراج يهود لأنه كان
يكره أن يكون بأرض العرب غير المسلمين إلى أن حضرته الوفاة فأوصى بإجلائهم من جزيرة
العرب فأجلاهم عمر رضي الله عنه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الإكراه والاعتصام والمغازي وأبو داود في الخراج والنسائي
في السير.
٣١٦٨ - حدثنا محمدٌ حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ عن سُلَيمانَ بنِ أبي مسلمِ الأخْوَلِ سمِعَ سعيدَ بنَ
جُبَيرِ سمِعَ ابنَ عبَّاس رضيَ اللَّهُ عنهما يقول: يومُ الخميس وما يوم الخميس. ثمَّ بكى حتَّى بلَّ
دمعهُ الحَصى. قلت: يا ابن عبّاسٍ ما يومُ الخميس؟ قال: اشتدَّ بِرسولِ اللَّهِ وَّهِ وَجَعُه فقال:
ائتوني بكْتِفٍ أكتُبْ لكم كتابًا لا تَضِلُّوا بعدَه أبدًا. فتنازَعوا. ولا ينبغي عند نبي تَنازُع. فقالوا:
ما لهُ؟ أهَجَرَ؟ استفهموهُ. فقال: ذَروني، فالذي أنا فيهِ خيرٌ مما تَذْعوني إليه. فأمَرَهم بثلاث
قال: أخرِجوا المشركينَ مِن جَزيرةِ العَرب وأجيزوا الوَفَدَ بنحو ما كنتُ أجيزهم، والثالثة إما أن
سكتَ عنها، وإما أن قالها فنسيتُها)) قال سفيان: هذا من قولٍ سليمان.
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام كما قاله الحافظ ابن حجر قال: (حدّثنا) ولأبي ذر:
أخبرنا (ابن عيينة) سفيان (عن سليمان بن أبي مسلم الأحول) سقط الأحول لأبي ذر وسقط لغيره
ابن أبي مسلم أنه (سمع سعيد بن جبير) وهو (سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: يوم
الخميس) خبر المبتدأ المحذوف أو بالعكس نحو يوم الخميس يوم الخميس نحو أنا أنا والمراد منه
تفخيم أمره في الشدّة والمكروه (وما يوم الخميس؟) أي أيّ يوم يوم الخميس وهو تعظيم للأمر
الذي وقع فيه (ثم بكى) ابن عباس رضي الله عنهما (حتى بلّ دمعه الحصى فقلت: يا ابن عباس)
بالموحدة والمهملة (ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله وَلير وجعه) الذي توفي فيه (فقال):
(ائتوني بكتف اكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع) وفي
كتاب العلم فاختلفوا وكثر اللغط قال أي النبي ◌َّر قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع فظهر أن
قوله: ولا ينبغي إلخ .. من قوله وَلهر (فقالوا: ما له أهجر؟) بهمزة وهاء وجيم وراء مفتوحات
والهمزة للاستفهام الإنكاري يعني أنهم أنكروا على من قال: لا تكتبوا أي لا تجعلوه كأمر من
هذى في كلامه (استفهموه) بكسر الهاء (فقال: ذروني) أي اتركوني (فالذي أنا فيه) من المراقبة
والتأهب للقاء الله والفكر في ذلك ونحوه (خير مما تدعوني) ولأبي ذر تدعونني (إليه فأمرهم بثلاث
قال): ولأبي ذر: فقال (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) ولما لم يتفرغ أبو بكر لإجلائهم
أجلاهم عمر رضي الله عنهما (وأجيزوا الوفد) الواردين (بنحو ما كنت أجيزهم والثالثة: إما أن

٨٦
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٧
سكت) عليه الصلاة والسلام (عنها) ولابن عساكر ونسيت الثالثة ولغير أبي ذر وابن عساكر والثالثة
خير إما أن سكت عنها (وإما أن قالها فنسيتها) قيل هي بعث أسامة (قال سفيان) بن عيينة: (هذا
من قول سليمان) الأحول.
٧ - باب إذا غَدَرَ المشركونَ بالمسلمين هل يُعفى عنهم؟
هذا (باب) بالتنوين (إذا غدر المشركون بالمسلمين هلى يعفى عنهم)؟
٣١٦٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ حدَّثَنا الليثُ قال: حدَّثني سعيدٌ عن أبي هريرة رضيَ
اللَّهُ عنه قال: ((لما فُتِحَتِ خَيِبرُ أهدِيَتْ للنبِيِّ وَّ شاةٌ فيها سُمِّ، فقال النبيُّ بِّهِ: اجْمَعوا لي مَن
كان ها هنا من يَهودَ، فجُمعوا له، فقال: إني سائلُكم عن شيء، فهل أنتم صادِقِيَّ عنه؟ فقالوا:
نعم. قال لهمُ النبيُّ ◌َّرَ: مَن أبوكم؟ قالوا: فلانٌ. فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان. قالوا:
صدَقتَ. قال: فهل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتُ عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذَبْنا
عرَفت كذبَنا كما عرَفَتَهُ في أبينا. فقال لهم: مَن أهلُ النار؟ قالوا: نكون فيها يَسيرًا، ثمَّ تخلفُونا
فيها. فقال النبيُّ وَّه: اخْسَوْوا فيها، واللَّهِ لا نَخْلُفكم فيها أبدًا. ثمّ قال: هل أنتم صادِقيٍّ عن
شيءٍ إن سألتُكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: هل جَعلتم في هذهِ الشاةِ سُمّا؟ قالوا:
نعم. قال: ما حملَكم على ذلك؟ قالوا: إن كنتَ كاذِبًا نَستَريحُ، وإن كنتَ نَبيَّا لم يَضرَّك)).
[الحديث ٣١٦٩ - طرفاه في: ٤٢٤٩، ٥٧٧٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال:
حدَّثني) بالإفراد (سعيد) ولابن عساكر سعيد بن أبي سعيد المقبري (عن أبي هريرة رضي الله عنه)
أنه (قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي ◌َلفر شاة) أهدتها له زينب بنت الحرث اليهودية (فيها سمّ)
بتثليث السين (فقال النبي وَ ة):
(اجمعوا إلي) ولأبي ذر وابن عساكر: لي (من كان ههنا من يهود فجمعوا له فقال) عليه
الصلاة والسلام لهم: (إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيّ عنه؟) بتشديد الياء وأصله صادقون
فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت النون وصار صادقوي فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما
بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء (فقالوا: نعم. قال) ولأبي ذر: فقال (لهم النبي ◌َلّ:
من أبوكم؟ قالوا: فلان. فقال) عليه الصلاة والسلام: ولأبي ذر قال: (كذبتم. بل أبوكم فلان)
قال في المقدمة: ما أدري من عنى بذلك (قالوا: صدقت. قال: فهل أنتم صادقيّ)؟ بتشديد الياء
(عن شيء إن سألت عنه؟ فقالوا: نعم. يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في
أبينا. فقال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها) ولأبي ذر: تخلفوننا
بنونين على الأصل فإسقاط النون في الأولى لغير ناصب ولا جازم لغة (فقال النبي: اخسؤوا فيها)

٨٧
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٨
زجر لهم بالطرد والإبعاد أو دعاء عليهم بذلك ويقال لطرد الكلب: اخسأ (والله لا نخلفكم فيها
أبدًا) لا يقال عصاة المسلمين يدخلون النار لأن يهود لا يخرجون منها بخلاف عصاة المسلمين فلا
يتصور معنى الخلافة (ثم قال) عليه السلام: (هل أنتم صادقيّ؟) بتشديد الياء كذلك (عن شيء إن
سألتكم عنه؟ فقالوا) ولأبي ذر قالوا: (نعم يا أبا القاسم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا
قالوا): ولأبي ذر: فقالوا (نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح
وإن كنت نبيًا لم يضرك).
واختلف هل عاقب عليه السلام اليهودية التي أهدت الشاة؟ وفي مسلم أنهم قالوا: ألا
نقتلها؟ قال: (لا). وعند البيهقي من حديث أبي هريرة فما عرض لها. ومن طريق أبي نصرة عن
جابر نحوه قال: فلم يعاقبها. وقال الزهري: أسلمت فتركها. قال البيهقي: يحتمل أن يكون
تركها أولاً ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها وبذلك أجاب السهيلي وزاد أنه تركها لأنه
كان لا ينتقم لنفسه ثم قتلها ببشر قصاصًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والطب والنسائي في التفسير.
٨ - باب دعاءِ الإمام على مَن نكثَ عَهدًا
(باب) جواز (دعاء الإمام على من نكث) بالمثلثة أي نقض (عهدًا).
٣١٧٠ - حدثنا أبو النعمانِ حدَّثنا ثابتُ بن يزيدَ حدَّثنا عاصمٌ قال: سألت أنسًا رضيَ اللَّهُ
عنه عنِ القُنوتِ قال: قبل الركوع. فقلتُ إنَّ فُلانًا يَزعمُ أنكَ قلتَ بعدَ الرُّكوع، فقال: كذَب.
ثمّ حدَّثَنا عنِ النبيِّ ◌َِّ أنّهُ قَنَتَ شهرًا بعدَ الرُّكوع يَدعو على أحياء من بني سُلَيم قال: بَعثَ
أربعينَ أو سبعينَ - يَشُكُّ فيه - منَ القُرّاءِ إلى أناسٍ منَ المشركينَ، فعرَضَ لهم هؤلاء فقتلوهم،
وكان بينَهم وبينَ النبيِّ وَِّ عهدٌ، فما رأيتَهُ وَجَدَ على أحدٍ ما وَجَدَ عليهم)).
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا ثابت بن يزيد)
بتحتية قبل الزاي من الزيادة وأسقط بعضهم التحتية فقال: زيد فأخطأ قال: (حدّثنا عاصم) هو
الأحول (قال: سألت أنسًا رضي الله عنه عن القنوت؟ قال: قبل الركوع فقلت: إن فلانًا) هو
محمد بن سيرين (يزعم أنك قلت بعد الركوع. فقال: كذب). أهل الحجاز يطلقون لفظ كذب في
موضع أخطأ (ثم حدثنا) ولأبي ذر: ثم حدّث (عن النبي ◌َّر: أنه قنت شهرًا بعد الركوع) وفي
حديث أنس في كتاب الوتر أنه بَّه قنت في الصبح بعد الركوع (يدعو على أحياء من بني سليم
قال: بعث أربعين أو سبعين يشك فيه من القراء) متعلق بقوله بعث وهم طائفة من الناس نزلوا
الصفة يتعلمون القرآن (إلى أناس من المشركين فعرض لهم هؤلاء) عامر بن الطفيل في أحياء وهم
رعل وذكوان وعصية لما نزلوا بئر معونة فقاتلوهم (فقتلوهم) ولم ينج منهم إلاّ كعب بن زيد

٨٨
كتاب الجزية والموادعة/ باب ٩
الأنصاري (وكان بينهم وبين النبي ◌َّفي عهد) فغدروا (فما رأيته وجد على أحد ما وجد عليهم) أي
ما حزن على أحد ما حزن عليهم وفيه جواز الدعاء في الصلاة على عدو المسلمين.
وهذا الحديث قد سبق في باب القنوت قبل الركوع وبعده من كتاب الوتر.
٩ - باب أمانِ النساءِ وجوارِهنّ
(باب أمان النساء وجوارهن) بكسر الجيم والمراد هنا الإجارة.
٣١٧١ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي النَّضرِ مَولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّهِ
أن أبا مُرَّةً مَولى أمّ هانىءٍ ابنةٍ أبي طالبَ أخبرَهُ أنهُ سمعَ أمَّ هانىءٍ ابنةَ أبي طالبٍ تقول: ((ذَهبتُ
إلى رسولِ اللَّهِ وَله عام الفتحِ فوَجَدتَهُ يَغْتَسِلُ وفاطمةُ ابنته تَسترُهُ، فسلَّمتُ عليه فقال: من هذهِ؟
فقلتُ أنا أمُّ هانىء بنتُ أبي طالب فقال: مَرحبًا بأمّ هانىءٍ، فلما فرَغَ مِن غُسلِهِ قام فصلى ثمانَ
ركعاتٍ مُلتَحفًا في ثوبٍ واحد. فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، زعمَ ابنُ أمِّي عليٍّ أنهُ قاتلَ رجلاً قد
أجّرتهُ؛ فلان ابن هُبيرةَ. فقال رسولُ اللَّهِ وَّه: قد أجَرْنَا مَن أجَرْتِ يا أمَّ هانىء. قالت أمُّ
هانیء: وذلك ضُحی)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي النضر)
بفتح النون وسكون الضاد المعجمة سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) القرشي المدني (أن
أبا مرّة) بضم الميم وتشديد الراء يزيد (مولى أم هانىء) بالهمزة فاختة (ابنة) ولأبي ذر: بنت (أبي
طالب) ويقال مولى عقيل بن أبي طالب مدني مشهور بكنيته (أخبره) ولأبي ذر: أنه أخبره (أنه سمع
أم هانىء ابنة) ولأبي ذر: بنت (أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله (وَلفي عام الفتح) وهو بمكة
(فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته) رضي الله عنها (تستره فسلمت عليه فقال):
(من هذه؟ فقلت: أنا أم هانىء بنت أبي طالب فقال: مرحبًا) أي أتيت سعة (بأم هانىء)
بحرف الجر (فلما فرغ من غسله) بضم المعجمة ولأبي ذر: من غسله بفتحها (قام فصلى ثمان)
بفتح النون ولأبي ذر: ثماني بكسر النون وبتحتية بعدها مفتوحة (ركعات متحفًا في ثوب واحد
فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمي عليّ) هو ابن طالب وكان أخاها من الأب والأم (أنه قاتل
رجلاً) اسم فاعل لا فعل ماض (قد أجرته) بهمزة مقصورة أي أمنته (فلان ابن هبيرة) رفع فلان
خبر مبتدأ محذوف أي هو فلان. ولأبي ذر: فلان ابن بالنصب بدلاً من رجلاً أو بدلاً من الضمير
المنصوب وهبيرة بضم الهاء وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالراء. وهبيرة: هو ابن أبي وهب
المخزومي وهو زوج أم هانىء وابنه يسمى جعدة. قال ابن عبد البر: لم يكن لهبيرة ابن يسمى
جعدة من غير أم هانىء فكيف كان عليّ يقصد قتل ابن أخته؟ وقال الزبير بن بكار: فلان ابن
هبيرة هو الحرث بن هشام المخزومي.

٨٩
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٠
(فقال رسول الله بَّه: قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء) أي أمّنا من أمنتيه أو أن أمانك
لذلك الرجل کأماننا له فلا يصح لعلّ قتله.
وفيه جواز أمان المرأة وإن من أمنته حرم قتله، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وعن سحنون وابن الماجشون: هو إلى الإمام إن أجازه جاز وإن ردّه ردّ. وقال في المصابيح لقائل
أن يقول: إن كانت الإجارة منها يعني من أم هانىء نافذة فقد فات الأمر ونفذ الحكم فلا يوافق
قوله عليه الصلاة والسلام قد أجرنا من أجرتٍ لأنه يكون تحصيلاً للحاصل، فهذا يدل على
أنه * هو الذي أجار ولولا تنفيذه لما نفذ جوارها. وهل تنفيذ الجوار على القول بأنه موقوف
إجارة مؤتنفة أو لا؟ هي قاعدة اختلف فيها كتنفيذ الورثة وصية المورث بما زاد عن الثلث، فقيل
ابتداء عطية منهم فيشترط شروط العطية من الجوز وغيره، وقيل لا يشترط ذلك والتنفيذ ليس
ابتداء عطية، وانظر ما في أمان الآحاد من المسلمين إذا عقدوه لأهل مدينة عظيمة مثل أن تؤمن
امرأة أهل القسطنطينية هل يجب على الإمام تنفيذ ذلك أو إنما ينفذ تأمينهم للآحاد؟ يبحث فيه عن
النص غير أن المتأخرين أجازوا للآحاد إعطاء الأمان، وقالوا مطلقًا ومقيدًا قبل الفتح وبعده هكذا
في الصبح الصادع.
(قالت أم هانىء: وذلك) ولابن عساكر: وذاك (ضحى).
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلاة في الثوب الواحد متحفًا به في أوائل كتاب
الصلاة .
١٠ - باب ذمةُ المسلمين وجوارهُم واحدةٌ، يَسعى بها أدناهم
هذا (باب) بالتنوين (ذمة المسلمين وجوارهم واحدة) خبر المبتدأ الذي هو ذمة المسلمين
وجوارهم عطف عليه والمعنى أن كل من عقد أمانًا لأحد من أهل الحرب جاز أمانه على جميع
المسلمين دنيا كان أو شريفًا عبدًا أو حرًا رجلاً أو امرأة، واتفق مالك والشافعي على جواز أمان
العبد قاتل أو لم يقاتل، وأجازه أبو حنيفة وأبو يوسف إن كان قاتل، وسقط من بعض النسخ لفظ
وجوارهم (يسعى بها) أي بذمة المسلمين يعني أمانهم (أدناهم) أي أقلهم عددًا فيدخل فيه الواحد
والمرأة لا العبد عند أبي حنيفة إلا إن قاتل فيدخل كما مرّ.
٣١٧٢ - حدثني محمدٌ أخبرَنا وَكيعٌ عنِ الأعمشِ عن إبراهيمَ النَّيميِّ عن أبيهِ قال:
((خَطَبنا عليٍّ فقال: ما عندَنا كتابٌ نَقْرِؤُهُ إلا كتابَ اللَّهِ وما في هذهِ الصحيفةِ، فقال: فيها
الجراحاتُ، وأسنانُ الإبلِ، والمدينة حرمٌ ما بينَ عَيرٍ إلى كذا، فمن أحدَثَ فيها حدثًا أو آوى
فيها مُخدِثًا فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدل، ومَن تولَّى
غيرَ مَواليهِ فعلَيه مِثلُ ذلك. وذِمَّةُ المسلمين واحدةٌ، فمن أخفَرَ مُسلمًا فعليه مِثلُ ذلك)).

٩٠
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١١
وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدَّثنا (محمد) هو ابن سلام كما قاله ابن السكن
قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (وكيع) هو ابن الجراح (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن
إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب أنه (قال: خطبنا عليّ) هو ابن أبي
طالب (فقال: ما عندنا كتاب) في أحكام الشريعة (نقرؤه) بضم الهمزة (إلا كتاب الله) زاد أبو
ذر: تعالى (وما في هذه الصحيفة؟ فقال: فيها الجراحات) أي أحكامها (وأسنان الإبل) أي إبل
الديات مغلظة ومخففة (والمدينة حرام) يحرم صيدها ونحوه (ما بين عير) بفتح العين المهملة وبعد
التحتية الساكنة راء منوّنة جبل (إلى كذا) قيل جبل أُحُد (فمن أحدث فيها) في المدينة (حدثًا) بفتح
الحاء والدال المثلثة أمرًا منكرًا ليس معروفًا في السنة ولأبي ذر عن الحموي: حدثه (أو آوى فيها
محدثًا) بمدّ آوى في اللازم والمتعدي جميعًا لكن القصر في اللازم والمدّ في المتعدي أشهر ومحدثًا
بكسر الدال أي صاحب الحدث الذي جاء ببدعة في الدين أو بدل سنة (فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين) والمراد باللعنة البعد عن رحمة الله والجنة أول الأمر بخلاف الكفار فإنها البعد عنهما
كل البعد أولاً وآخرًا (لا يقبل منه صرف ولا عدل)، أي فريضة ولا نفل وقيل غير ذلك ولأبي ذر
عن الحموي والمستملي لا يقبل الله صرفًا ولا عدلاً (ومن تولى) أي اتخذ أولياء أو موالي (غير مواليه
فعليه مثل ذلك). الذي على من أحدث فيها (وذمة المسلمين واحدة)، وهذا مناسب لصدر الترجمة،
وأما قوله فيها يسعى بذمتهم أدناهم فأشار به إلى ما في طريق سفيان عن الأعمش في باب: إثم
من عاهد ثم غدر من ذكرها ثم، وعند الإمام أحمد وعند ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا:
المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم (فمن أخفر مسلمًا) بهمزة
مفتوحة فحاء معجمة ساكنة وبعد الفاء المفتوحة راء أي فمن نقض عهد مسلم (فعليه مثل ذلك)
الوعيد المذكور في حق من أحدث في المدينة حدثًا.
وهذا الحديث قد سبق في باب حرم المدينة.
١١ - باب إذا قالوا صَبَأْنا ولم يُحسِنوا أسلمنا
هذا (باب) بالتنوين (إذا قالوا) أي المشركون حين يقاتلون (صبأنا) بهمزة ساكنة (ولم يحسنوا)
أن يقولوا (أسلمنا) جريًا منهم على لغتهم.
وقال ابن عمرَ: ((فجعَلَ خالدٌ يَقتلُ، فقال النبي ◌ََّ: أبرَأْ إليكَ مما صنَعَ خالد)).
وقال عمرُ: إذا قال مَتَرَس فقد آمنَهُ، إِنَّ اللَّهَ يَعلمُ الألسنةَ كلها. وقال: تكلَّمْ. لا بأس.
(وقال ابن عمر) رضي الله عنهما مما أخرجه مطوّلاً موصولاً في غزوة الفتح (فجعل خالد)
هو ابن الوليد لما بعثه عليه الصلاة والسلام إلى بني هدية فقالوا: صبأنا وأرادوا أسلمنا فلم يقبل
ذلك وجعل (يقتل) منهم على ظاهر اللفظ (فقال النبي (ص3): لما بلغه ذلك (أبرأ إليك) ولابن

٩١
کتاب الجزية والموادعة/ باب ١٢
عساكر: اللهم إني أبرأ إليك (مما صنع خالد) وهذا يدل على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من
لغتهم وقد عذر عليه السلام خالدًا في اجتهاده ولذلك لم يقدمنه.
(وقال عمر) رضي الله عنه مما وصله عبد الرزاق (إذا قال مترس) بفتح الميم وسكون الفوقية
وبعد الراء المفتوحة سين مهملة ساكنة، ولابن عساكر: مترس بكسر الميم، ولأبي ذر: مترس
بكسر الميم وتشديد الفوقية المفتوحة وكسر الراء كذا في الفرع وأصله وضبطه في الفتح والعمدة
والمصابيح والتنقيح مترس بفتح الميم وتشديد الفوقية المفتوحة وإسكان الراء وهي كلمة فارسية
معناها لا تخف لأن م كلمة نفي عندهم وترس بمعنى الخوف (فقد آمنه) بمدّ الهمزة (إن الله يعلم
الألسنة كلها. وقال): ولأبي ذر: أو قال أي عمر رضي الله عنه للهرمزان حين أتوا به إليه
واستعجم (تكلم. لا بأس) عليك فكان ذلك تأمينًا من عمر رضي الله عنه. وهذا وصله ابن أبي
شيبة ويعقوب بن أبي سفيان في تاريخه بإسناد صحيح عن أنس، وهذا الباب ثابت في رواية
الحموي والمستملي.
١٢ - باب الموادعةِ والمصالحةِ معَ المشركينَ بالمالِ وغيره،
وإثم مَن لم يَفِ بالعهد وقوله: ﴿وإن جَنَحوا للسَّلْم﴾
- جنحوا: طَلبوا السلم - ﴿فاجنخ لها﴾ [الأنفال: ٦١] الآية
(باب الموادعة) وهي المسالمة على ترك الحرب والأذى (والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره)
كالأسرى (وإثم من لم يفِ) ولأبي ذر عن الكشميهني: يوفِ بضم التحتية ثم زيادة واو ساكنة
وتخفيف الفاء (بالعهد وقوله) تعالى: (﴿وإن جنحوا للسلم﴾) وسقط قوله وقوله لأبي ذر وزاد
جنحوا طلبوا السلم بفتح السين فيهما وهو من قول المؤلف (﴿فاجنح لها﴾) [الأنفال: ٦١].
وقال أبو عبيدة: السلم والسلم واحد وهو الصلح وقيل بالفتح الصلح وبالكسر الإسلام زاد ابن
عساكر وتوكل على الله إنه هو السميع العليم. وفي رواية غيره وأبي ذر بعد قوله: ﴿فاجنح لها﴾
الآية.
٣١٧٣ - حدثنا مسدّدٌ حدَّثَنَا بِشرٌّ هو ابنُ المفضَّلِ حدَّثنا يحيى عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ عن
سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ قال: ((انطلقَ عبدُ اللَّهِ بنُ سهلٍ ومُحيِّصةُ بن مسعودِ بنِ زيد إلى خَيبر، وهي
يومئذٍ صُلحٌ، فتفرَّقا، فأتى محيِّصةُ إلى عبد اللَّهِ بنِ سهلٍ وهو يتشخَّط في دمه قتيلاً، فدفنَه، ثمَّ
قدِمِ المدينةَ فانطلَق عبدُ الرحمنِ بن سهل ومحيِّصةُ وحُوَيِّصة ابنا مسعودٍ إلى النبيِّ ◌َّرَ، فذهبَ
عبدُ الرحمنِ يتكلمُ، فقال: كبِّرْ كبِّر - وهو أحدثُ القوم - فسكتَ، فتكلما، فقال: أتحلِفون
وتستحِقُون قاتِلَكم - أو صاحبَكم - قالوا: وكيفَ نَحلِفُ ولم نَشهَدْ ولم نرَ - قال: فتُبْرِئكم يَهودُ
بخمسينَ. فقالوا: كيفَ نأخذُ أيمانَ قومٍ كفَّار؟ فعقَلهُ النبيُّ وَّرِ مِن عنده)).

٩٢
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٢
وبه قال: (حدّثنا مسدَّد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة
(هو ابن المفضل) بفتح الضاد المعجمة المشددة ابن لاحق البصري قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن
سعيد الأنصاري (عن بشير بن يسار) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغرًا ويسار بتحتية
وسين مهملة مخففة المدني مولى الأنصار (عن سهل بن أبي حثمة) بفتح السين المهملة وسكون الهاء
وحثمة بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة وفتح الميم واسمه عبد الله الأنصاري المدني أنه (انطلق
عبد اللَّه بن سهل) الحارثي (ومحيصة بن مسعود بن زيد) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد
التحتية وفتح الصاد المهملة الأنصاري المدني، وقيل الصواب ابن كعب بدل زيد (إلى خيبر) في
أصحاب لهما يمتارون تمرّا (وهي يومئذ صُلح فتفرقا) أي ابن سهل ومحيصة (فأتى محيصة إلى
عبد الله بن سهل) فوجده في عين قد كسرت عنقه وطرح فيها (وهو يتشحط) بالشين المعجمة
والحاء المهملة أي يضطرب (فيدم) حال كونه (قتيلاً) ولأبي ذر عن الكشميهني في دمه بالضمير
(فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل) أخو عبد الله بن سهل (ومحيصة و) أخوه
(حويصة ابنا مسعود إلى النبي وَ*) ليخبروه بذلك (فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال) عليه الصلاة
والسلام له:
(كبر كبر) بالجزم على الأمر وكرره للمبالغة أي قدم الأسن يتكلم (وهو) أي عبد الرحمن
(أحدث القوم) سنًا (فسكت فتكلما) أي محيصة وحويصة بقضية قتل عبد الله (فقال) عليه
الصلاة والسلام: (أتحلفون) أطلق الخطاب للثلاثة بعرض اليمين عليهم ومراده من يختص به وهو
أخوه لأنه كان معلومًا عندهم أن اليمين مختص بالوارث، وإنما أمر أن يتكلم الأكبر لأنه لم يكن
المراد بكلامه حقيقة الدعوى لأنه لا حق لابني العم فيها، بل المراد سماع الصورة الواقعة
وكيفيتها ويحتمل أن يكون عبد الرحمن وكّل الأكبر أو أمره بتوكيله فيها (وتستحقون قاتلكم)
ولأبي ذر دم قاتلكم (أو صاحبكم) بالنصب أو بالجر على رواية أبي ذر. قال النووي: المعنى
يثبت حقكم على من حلفتم عليه وذلك الحق أعم من أن يكون قصاصًا أو دية (قالوا: وكيف
نحلف ولم نشهد) قتله (ولم نر؟) من قتله (قال) عليه الصلاة والسلام: (فتبرئكم) بسكون
الموحدة في الفرع أي تبرأ إليكم (يهود) من دعواكم (بخمسين) أي يمينًا (فقالوا: كيف نأخذ
أيمان قوم كفار؟) قال الخطابي: بدأ عليه الصلاة والسلام بالمدعين في اليمين فلما نكلوا ردّها
على المدعى عليهم فلم يرضوا بأيمانهم (فعقله) أي أدّى ديته (النبي وَلفي من عنده) من خالص
ماله أو من بيت المال لأنه عاقلة المسلمين وولي أمرهم وفيه أن حكم القسامة مخالف لسائر
الدعاوى من جهة أن اليمين على المدعي وأنها خمسون يمينًا واللوث هنا هو العداوة الظاهرة بين
المسلمين واليهود.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلح والأدب والديات والأحكام ومسلم في الحدود وأبو
داود والترمذي وابن ماجه في الديات والنسائي في القضاء والقسامة.

٩٣
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٣ و١٤
١٣ - باب فضل الوفاءِ بالعَهد
(باب فضل الوفاء بالعهد).
٣١٧٤ - هذّثنا يحيى بنُ بكَيرِ حدَّثنا الليثُ عن يونُسَ عنِ ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ
عبدِ الله بن عتبةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ أخبرَه أنَّ أبا سفيانَ بنَ حربٍ أخبرَه «أن هِرَقل أرسل إليه
في ركب من قُريشٍ كانوا تجارًا بالشام في المدَّةِ التي مادَّ فيها رسولُ اللَّه ◌َّرِ أبا سفيانَ في كفارٍ
قریش».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام
(عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين
(ابن عبد اللَّه بن عتبة) بن مسعود (أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان) صخر (بن حرب).
ولأبي ذر وابن عساكر ابن حرب بن أمية (أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش كانوا
تجارًا) بكسر الفوقية وتخفيف الجيم نحو صاحب وصحاب ويجوز ضم الفوقية وتشديد الجيم
(بالشام) متعلق بتجارًا أو بكانوا أو بوصف آخر لركب (في المدّة التي ماذ فيها) بتخفيف الدال
ضبطه في اليونينية هنا وفي غيرها ماد بالمدّ والتشديد وهو فعل ماض من المفاعلة يقال ماذ
الغريمان إذا اتفقا على أجل للدين وضربا له زمانًا، وهذه المدّة هي المدّة التي هادن (رسول الله الخيول
أبا سفيان في كفار قريش) سنة ست من الهجرة.
ودلالة الحديث على الترجمة من بقية الحديث حيث قال في مدح رسول الله رَطاهر: وكذلك
الرسل لا تغدر، وقال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم وليس
هو من صفات الرسل، وهذا طرف من حديث أبي سفيان السابق في أول الكتاب.
١٤ - باب هل يُعفى عنِ الذمّ إذا سَحر؟
هذا (باب) بالتنوين وسقط لفظ باب لأبي ذر (هل يعفى من الذميّ إذا سحر؟).
وقال ابنُ وَهبِ أخبرني يونسُ: ((عنِ ابنِ شهاب سُئلَ: أعلى من سَحر من أهلِ العهدِ
قَتِلٌ؟ قال: بلَغَنا أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلهَ قد صُنع له ذلك فلم يَقتُلْ من صَنعه، وكان من أهلِ
الکتاب».
(وقال ابن وهب): عبد الله مما وصله في جامعه (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي
(عن ابن شهاب) الزهري أنه (سئل) بضم السين مبنيًا للمفعول (أعلى من سحر من أهل العهد
قتل؟ قال): أي ابن شهاب مجيبًا للسائل (بلغنا أن رسول الله وَلخير قد صنع له ذلك) السحر (فلم
يقتل من صنعه وكان) الذي صنعه (من أهل الكتاب) ممن له عهد. قال ابن بطال: ولا حجة لابن

٩٤
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٥
شهاب في هذا لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا ينتقم لنفسه، ولأن السحر لم يضره في شيء من
أمور الوحي ولا في بدنه وإنما كان اعتراه شيء من التخيل.
٣١٧٥ - حدثني محمدُ بن المُثنَى حدَّثنا يحيى حدَّثنا هشامٌ قال: حدَّثني أبي عن عائشة
أنَّ النبيَّ وََّ سُحرَ حتَّى كان يُخيَّلُ إليه أنهُ صَنعَ شيئًا ولم يَصنعْه)). [الحديث ٣١٧٥ - أطرافه
في: ٢٢٦٨، ٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦، ٦٠٦٣، ٦٣٩١].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا
يحيى) بن سعيد الأنصاري قال: (حدّثنا هشام، قال: حدَّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أبي)
عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) رضي الله عنها (أن النبي (وَلي سحر) بضم أوّله مبنيًا
للمفعول والذي سحره لبيد بن الأعصم اليهودي في مشط ومشاطة ودسها في بئر ذروان (حتى
كان) عليه الصلاة والسلام (يخيل إليه أنه صنع شيئًا ولم يصنعه).
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه عفا عن اليهودي الذي سحره. وقال في فتح الباري:
أشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة أي وهي قوله يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما
استفتيته فيه أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلّ فقال الذي عند رأسي للآخر:
ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: وفيم؟ قال: في
مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان. قالت عائشة
رضي الله عنها: فأتى النبي ◌َّ البئر حتى استخرجه فقال: هذه البئر التي أريتها. قال: فاستخرج
فقلت: أفلا أي تنشرت. فقال: أما والله قد شفاني وأنا أكره أن أثير على أحد من الناس شرًا.
١٥ - باب ما يُحذَرُ منَ الغَدرِ وقولِ اللَّهِ تعالى:
{وإِن يُرِيدوا أن يَخْدَعوكَ فإن حَسْبَكَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٢] الآية
(باب ما يحذر) بسكون الحاء المهملة ولأبي ذر يحذر بفتح الحاء وتشديد الذال المعجمة (من
الغذر. وقوله تعالى). ولأبي ذر: وقول الله تعالى: (﴿وإن يريدوا أن يخدعوك﴾) أي وإن يرد
الكفار بالصلح خديعة ليتقوّوا ويستعدّوا (﴿فإن حسبك الله﴾) [الأنفال: ٦٢]. أي كافيك وحده
(الآية) أي إلى آخرها، ولابن عساكر: ﴿فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره﴾ إلى قوله: ﴿عزيز
حكيم﴾ .
٣١٧٦ - حدثنا الحُميديُّ حدَّثَنا الوليدُ بن مسلمٍ حدَّثنا عبدُ الله بن العَلاءِ بنِ زَبرِ قال:
سمعتُ بسرَ بن عبيدِ اللَّهِ أنه سمعَ أبا إِدريسَ قال: سمعت عَوف بنَ مالكِ قال: ((أتيتُ
النبيَّ وَّر في غزوةٍ تَبوك - وهوَ في قُبَّةٍ من أدَم - فقال: اعدُذ ستًا بين يدي الساعة: مَوتي، ثمَّ
فتحُ بيتِ المَقْدِس، ثمَّ مُوتانٌ يأخذُ فيكم كقعاصٍ الغنم، ثمّ استِفاضةُ المال حتَّى يعطى الرجلُ

٩٥
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٥
مائةَ دينارٍ فيَظَلُّ ساخطًا، ثمّ فتنةٌ لا يبقى بيتٌ منَ العربِ إِلا دخلَتْه، ثمَّ هدنةٌ تكون بينكم وبينَ
بَنِي الأصفرِ فَغدِرون، فيأتونكم تحت ثمانين غايةً، تحت كلِّ غايةٍ اثنا عشر ألفًا)».
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) أبو العباس
القرشي قال: (حدّثنا عبد الله بن العلاء بن زبر) بفتح الزاي وسكون الموحدة وبالراء الربعيّ بفتح
الراء والموحدة وكسر العين المهملة (قال: سمعت بسر بن عبيد اللَّه) بضم الموحدة وسكون المهملة
وعبيد الله بضم العين مصغرًا الحضرمي (أنه سمع أبا إدريس) عائذ الله الخولاني (قال: سمعت
عوف بن مالك) الأشجعي (قال: أتيت النبي ◌َّه في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم) جلد مدبوغ
وسقط لفظة ((من)) لأبي ذر وابن عساكر (فقال):
(أعدد ستًا) من العلامات (بين يدي الساعة) لقيامها أو لظهور أشراطها المقتربة منها (مونى
ثم فتح بيت المقدس ثم موتان) بضم الميم وسكون الواو آخره نون منوّنة الموت أو الكثير الوقوع
والمراد به الطاعون ولابن السكن موتتان بلفظ التثنية. قال في الفتح: وحينئذ فهو بفتح الميم قيل
ولا وجه له هنا (يأخذ) الموتان (فيكم كقعاص الغنم) بضم القاف بعدها عين مهملة فألف فصاد
مهملة داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة. ويقال: إن هذه الآية ظهرت في
طاعون عمواس في خلافة عمر ومات منه سبعون ألفًا في ثلاثة أيام وكان ذلك بعد فتح بيت
المقدس (ثم استفاضة المال) أي كثرته ووقع ذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه عند فتح تلك
الفتوح العظيمة (حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا) استقلالاً لذلك المبلغ وتحقيرًا له (ثم
فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته) أولها قتل عثمان رضي الله عنه (ثم هدنة) بضم الهاء
وسكون الدال المهملة بعدها نون صلح على ترك القتال بعد التحرك فيه (تكون بينكم وبين بني
الأصفر) وهم الروم (فيغدرون) بكسر الدال المهملة (فيأتونكم تحت ثمانين غاية) بغين معجمة
فألف فتحتية أي راية. قال الجواليقي: لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف وإذا مشت تبعها (تحت كل
غاية اثنا عشر ألفًا) فجملة ذلك تسعمائة ألف وستون ألف رجل، وعند بعضهم فيما حكاه ابن
الجوزي غابة في الموضعين بموحدة بدل التحتية وهي الأجمة فشبه كثرة الرماح بالأجمة. وفي
حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة عند أبي داود في نحو هذا الحديث
راية بدل غاية وفي أوله: ستصالحون الروم صلحًا أمنًا ثم تغزون أنتم وهم فتنصرون ثم تنزلون
مرجًا فيرفع رجل من أهل الصليب فيقول: غلب الصليب فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه
فيدفع فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون فذكره. وعند ابن ماجه مرفوعًا من حديث
أبي هريرة: ((إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثًا من الموالي يؤيد الله بهم الدين)). وله من حديث
معاذ بن جبل مرفوعًا: ((الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر)). وله
من حديث عبد الله بن بسر رفعه: ((بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في
السابعة)) وإسناده أصح من إسناد حديث معاذ.

٩٦
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٦
ورواة حديث الباب كلهم شاميون إلاّ شيخ المؤلف فمكيّ.
١٦ - باب كيف يُنْبَذُ إِلى أهلِ العهدِ؟ وقولُ اللَّهِ عزَّ وجل:
﴿إِما تَخافَنَّ من قومٍ خيانةً فانبِذْ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨] الآية
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كيف ينبذ) بضم أوله وآخره معجمة مبنيًّا للمفعول أي يطرح
(إلى أهل العهد وقوله) ولأبي ذر وقول الله سبحانه: (﴿وأما تخافن﴾) یا محمد (﴿من قوم﴾)
معاهدين (﴿خيانة﴾) نقض عهد بإمارات تلوح لك (﴿فانبذ إليهم)) فاطرح إليهم عهدهم (﴿على
سواء﴾﴾ [الأنفال: ٥٨]. على عدل وطريق قصد في العهد ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة
منك أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه
الأول أي بانيًا على طريق سويّ أو منه أو من المنبوذ إليهم أو منهما على غيره (الآية). وسقطت
هذه اللفظة لابن عساكر وأبي ذر.
٣١٧٧ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريّ أخبرَنا حُميدُ بن عبدِ الرحمنِ أنَّ أبا
هريرةً قال: ((بَعثَني أبو بكر رضيَ اللَّه عنه فيمن يُؤَذِّنُ يومَ النَّحرِ بمنىٌ: لا يَحُجُّ بعدَ العام
مُشرك، ولا يَطوفُ بالبيتِ عُريان. ويومُ الحجِّ الأكبر يوُ النحر، وإنَّما قيلَ: ((الأكبر)) من أجل
قولِ الناس ((الحجُّ الأصغر)) فنبذ أبو بكرٍ إلى الناسِ في ذلكَ العام، فلم يَحُجَّ عامَ حَجَّةِ الوَداع
الذي حجَّ فيه النبيُّ ◌َطّر مشرك)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: أخبرني (حميد بن عبد الرحمن)
أي ابن عوف (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه) في الحجة والتي
أمره وآخر قبل حجة الوداع (فيمن يؤذن يوم النحر بمنى لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت
عريان ويوم الحج الأكبر) هو (يوم النحر) هذا قول مالك وجماعة. وقال في المصابيح: لا دليل في
الحديث المذكور على أن وقوف أبي بكر في ذي الحجة، وإنما يريد بيوم الحج ويوم النحر من
الشهر الذي وقف فيه فيصدق، وإن كان وقف في ذي القعدة لأنهم كانوا يقفون وينحرون فيه فلا
يدل قوله يوم الحج الأكبر على أنه كان في ذي الحجة والصحيح أنه كان في ذي القعدة (وإنما قيل
الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر) عن العمرة (فنبذ) أي طرح (أبو بكر إلى الناس) عهدهم
(في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي ◌َّرِ مشرك).
وموضع الترجمة قوله: فنبذ أبو بكر إلى الناس على ما لا يخفى، وسبق هذا الحديث في باب
لا يطوف بالبيت عريان.

٩٧
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٧
١٧ - باب إِثم مَن عاهَدَ ثمَّ غَدَر وقولِ اللَّهِ:
﴿الذين عاهدتَ منهم ثمَّ ينقضون عهدَهم في كلِّ مرَّة وهم لا يتقون﴾ [الأنفال: ٥٦]
(باب إثم من عاهد ثم غدر) بأن نقض العهد (وقوله) بالجر عطفًا على سابقه ولأبي ذر:
وقول الله (﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة﴾) قال البيضاوي: هم يهود
قريظة عاهدهم رسول الله وَ ل﴿ أن لا يمالؤوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا، ثم
عاهدهم فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم ومن
لتضمين المعاهدة معنى الأخذ والمراد بالمرة مرة المعاهدة أو المحاربة (﴿وهم لا يتقون﴾)
[الأنفال: ٥٦]. سبة الغدر، ولأبي ذر بعد قوله: ﴿في كل مرة﴾ الآية فاسقط ما بعدها.
٣١٧٨ - حدثنا قتيبة بنُ سعيدٍ حدَّثنا جريرٌ عنِ الأعمشِ عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةً عن مسروقٍ
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو رضي اللَّهُ عنهما قال: قال رسولُ اللَّهُ وَّهِ: ((أربَعُ خلال مَن كُنَّ فيه كان
مُنافقًا خالصًا: مَن إِذا حدَّثَ كَذَب، وإِذا وَعدَ أخلَفَ. وإذا عاهَدَ غَدَر، وإذا خاصمَ فجر. ومَن
كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانت فيهِ خصلة من النفاق حتى يَدَعَها)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني قال: (حدّثنا جرير) هو ابن
عبد الحميد بن قرط بضم القاف وسكون الراء (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن
عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء الهمداني بسكون الميم الكوفي التابعي (عن مسروق) أبي
عائشة بن الأجدع بالجيم والدال والعين المهملتين التابعي الكوفي (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن
العاص (رضي الله عنهما) أنه (قال: قال رسول الله (وَلخد):
(أربع خلال) جمع خلة وهي الخصلة (من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا. من إذا حدّث كذب)،
فأخبر بخلاف الواقع والشرطية خبر المبتدأ الذي هو أربع خلال (وإذا وعد) بخير في المستقبل
(أخلف)، فلم يفِ (وإذا عاهد غدر) وهذا موضع الترجمة (وإذا خاصم فجر). قال البيضاوي:
يحتمل أن يكون هذا خاصًا بأبناء زمانه عليه الصلاة والسلام علم بنور الوحي بواطن أحوالهم
وميّز بين من آمن به صدقًا ومن أذعن له نفاقًا فأراد تعريف أصحابه حالهم ليكونوا على حذر
منهم ولم يصرح بأسمائهم لأنه علم أن منهم من سيتوب فلم يفضحهم بين الناس ولأن عدم
التعيين أوقع في النصيحة وأجلب للدعوة إلى الإيمان وأبعد عن النفور والمخاصمة، ويحتمل أن
يكون عامًا لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذانًا بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج
القبائح كأنه كفر ممّه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب ومسبب الأسباب فعلم من ذلك أنها منافية
لحال المسلمين فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه،
ويحتمل أن يكون المراد بالمنافق العرفي وهو من يخالف سره علنه مطلقًا، ويشهد له قوله: (ومن
إرشاد الساري/ ج ٧ / م ٧

٩٨
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٧
كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها). لأن الخصال التي تتم بها المخالفة
بين السر والعلن لا تزيد على هذا فإذا نقصت منها واحدة نقص الكمال اهـ.
فمن ندر ذلك منه ليس داخلاً في ذلك والكذب أقبحها ولذلك علل الله سبحانه وتعالى
عذابهم به في قوله: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠]. ولم يقل بما كانوا
يصنعون من النفاق.
وهذا الحديث سبق في باب الإيمان.
٣١٧٩ - حدثنا محمدُ بن كثير أخبرَنا سُفيانُ عن الأعمشِ عن إبراهيمَ التَّيميِّ عن أبيهِ عليّ
رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((ما كتَبنا عن النبيِّ وَّهِ إلا القرآن، وما في هذهِ الصحيفةِ، قال النبيُّ وَلّ:
المدينةُ حَرامٌ ما بينَ عائرٍ إلى كذا، فمن أَحدَثَ حَدَثًا أو آوَى مُخْدِثًا فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ
والناس أجمعين، لا يُقبَلُ منه عَدلٌ ولا صَرف. وذمَّةُ المسلمينَ واحدةٌ يسعَى بها أدناهم، فمن
أخفَر مسلمًا فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ. ومَن والى
قومًا بغير إذن مَواليه فعليه لعنةُ اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبلُ منه صَرفٌ ولا عَدل)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
الأعمش) سليمان (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك التيمي (عن علي رضي الله عنه)
أنه (قال: ما كتبنا عن النبي ◌َّلتر إلاَّ القرآن وما في هذه الصحيفة).
فإن قلت: إن (ما) و (إلا) يفيدان الحصر عند علماء المعاني فيفيد التركيب أن عليا رضي الله
عنه ما كتب شيئًا غير القرآن وما في هذه الصحيفة. فالجواب: إن في مسند الإمام أحمد أن عليّا
قال: ما عهد إليّ رسول الله وَّر شيئًا خاصة دون الناس إلا شيئًا سمعته منه فهو في صحيفتي في
قراب سيفي قال: يزالوا به حتى أخرج الصحيفة.
(قال النبي ◌َّليقول: المدينة حرام) كحرم مكة لا يحل صيدها ونحو ذلك (ما بين عائر) بالمدّ
جبل معروف (إلى كذا)، وفي رواية ما بين عير وثور وفي أخرى بين عير وأُحُد، ورجحت هذه
بأن أُحدًا بالمدينة وثورًا بمكة بل صرح بعضهم بتغليط الراوي وحمله بعضهم على أن المراد أنه حرم
من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة أو حرم المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة
على حذف مضاف (فمن أحدث حدثًا) منكرًا ليس بمعروف (أو آوى محدثًا) بهمزة ممدودة ومحدثًا
بكسر الدال أي نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه ويجوز فتح
الدال وهو الأمر المبتدع نفسه ويكون بمعنى الإيواء الرضا به والصبر عليه فإذا رضي بالبدعة وأقرّ
فاعلها ولم ينكرها فقد آواه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف).
فريضة ولا نفل أو شفاعة ولا فدية (وذمة المسلمين واحدة) أي عهدهم لأنها يذم متعاطيها على

٩٩
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٧
إضاعتها (يسعى بها) أي يتولاها ويذهب بها (أدناهم) أي أقلهم عددًا، فإذا أمن أحد من المسلمين
كافرًا وأعطاه ذمته لم يكن لأحد نقضه (فمن أخفر مسلمًا) بهمزة مفتوحة فخاء ساكنة معجمة يقال
خفرت الرجل أجرته وحفظته وأخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه، والهمزة فيه للإزالة أي
أزلت خفارته كأشكيته إذا أزلت شكواه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه
صرف ولا عدل، ومن والى قومًا) أي اتخذهم أولياء (بغير إذن مواليه) ظاهره يوهم أنه شرط
وليس شرطًا لأنه لا يجوز له إذا أذنوا له أن يوالي غيرهم إنما هو بمعنى التوكيد لتحريمه والتنبيه
على بطلانه والإرشاد إلى السبب فيه لأنه إذا استأذن أولياءه في موالاة غيرهم منعوه، والمعنى إن
سولت له نفسه ذلك فليستأذنهم فإنهم يمنعونه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه
صرف ولا عدل).
وهذا الحديث مرّ في باب ذمة المسلمين وجوارهم والغرض منه هنا كما قال ابن حجر:
فمن أخفر مسلمًا أي نقض عهده كما مرّ. وقال العيني: يمكن أن تؤخذ المطابقة من قوله فمن
أحدث حدثًا الخ ... لأن في إحداث الحدث وإيواء المحدث والموالاة بغير إذن مواليه معنى الغدر
فلذا استحق هؤلاء اللعنة اهـ.
٣١٨٠ - قال أبو موسى حدَّثَنا هاشمُ بن القاسمِ حدَّثَنا إسحقُ بن سعيدٍ عن أبيهِ عن أبي
هريرةَ رضي اللَّه عنه قال: ((كيفَ أنتم إذا لم تَجْتبوا دِينارًا ولا دِرهمًا؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك
كائنًا يا أبا هريرةَ؟ قال: إي والذي نفسُ أبي هريرةَ بيده، عن قولِ الصادقِ المصدوق. قالوا:
عَمَّ ذلك؟ قال: تُنْتَهَكُ ذِمةُ اللّهِ وذمة رسوله وَّةِ، فيشُدُّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ قلوبَ أهلِ الذمةِ فَيَمنَعونَ
ما في أیدیھم».
(قال أبو موسى) هو محمد بن المثنى شيخ المؤلف مما وصله أبو نعيم في المستخرج ولأبي ذر
قال أي البخاري وقال أبو موسى، وقال في الفتح: ووقع في بعض نسخ البخاري حدَّثنا أبو
موسى قال: والأول هو الصحيح وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم وغيرهما قال: (حدّثنا هاشم بن
القاسم) أبو النضر التميمي قال: (حدّثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه) سعيد بن عمرو بن سعيد بن
العاص (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: كيف أنتم إذا لم تجتبوا) بجيم ساكنة ففوقية ثانية
مفتوحة فموحدة من الجباية أي لم تأخذوا من الجزية والخراج (دينارًا ولا درهما؟ فقيل له: وكيف
ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة؟ قال: إي) بكسر الهمزة وسكون التحتية (والذي نفس أبي هريرة بيده
عن قول الصادق المصدوق). الذي لم يقل له إلا الصدق يعني أن جبريل مثلاً لم يخبره إلا بالصدق
(قالوا: عم ذلك؟ قال: تنتهك) بضم الفوقية وسكون النون وفتح الفوقية الأخرى والكاف (ذمة
الله وذمة رسوله وَليه) أي يتناول ما لا يحل من الجور والظلم (فيشدّ الله عز وجل) بالشين المعجمة
المضمومة والدال المهملة (قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم) أي من الجزية.

١٠٠
كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٨
وفي هذا الحديث التوصية بأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين، وفيه
· التحذير من ظلمهم وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد فلم يجتب المسلمون منهم شيئًا فتضيق
أحوالهم.
١٨ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة.
٣١٨١ - حدّثنا عَبدانُ أخبرنا أبو حمزةَ قال: سمعتُ الأعمشَ قال: ((سألت أبا وائل:
شهدتَ صِفْين؟ قال: نعم، فسمعتُ سهلَ بنَ حُنَيفٍ يقول: اتَّهِموا رأيكم، رأيتُني يومَ أبي جَنْدَلَ
ولو أسْتَطِيعُ أن أردَّ أمرَ النبيِّ وَّهِ لرَدَدْتَهُ، وما وَضَعنا أسيافَنا على عواتِقنا لأمرٍ يُفِعُنا إلا أسهَلْنَ
بنا إلى أمرٍ نَعرِفَهُ غير أمرنا هذا». [الحديث ٣١٨١ - أطرافه في: ٣١٨٢، ٤١٨٩، ٤٨٤٤،
٧٣٠٨].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد اللَّه بن عثمان قال: (أخبرنا أبو حمزة) بالحاء المهملة
والزاي محمد بن ميمون السكري المروزي (قال: سمعت الأعمش) سليمان (قال: سألت أبا وائل)
شقيق بن سلمة (شهدت صفين) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة غير منصرف اسم موضع على
الفرات وقع فيه الحرب بين معاوية وعلي (قال: نعم. فسمعت سهل بن حنيف) بضم الحاء وفتح
النون مصغرًا (يقول): وقد كانوا يتهمونه بالتقصير في القتال يوم صفين (اتهموا رأيكم) في هذا
القتال يعظ الفريقين فإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم باجتهاد اجتهدتموه (رأيتني) أي رأيت
نفسي (يوم أبي جندل) بفتح الجيم وسكون النون العاصي بن سهيل لما جاء إلى النبي ◌َّل يوم
الحديبية من مكة مسلمًا وهو يجر قيوده وكان قد عذب في الله فقال أبوه يا محمد أول ما أقاضيك
عليه فردّ عليه أبا جندل وكان ردّه على المسلمين أشق عليهم من سائر ما جرى عليهم (ولو) بالواو
ولأبي ذر فلو (أستطيع أن أرد أمر النبي ◌َّ) يوم الحديبية (لرددته) وقاتلت قريشًا قتالاً لا مزيد
عليه، فأعلمهم بأنه وَير كان قد تثبت يوم الحديبية في القتال إبقاء على المسلمين وصونًا للدماء هذا
وهو بمرصاد الوحي وعلى يقين الحق نصًا بغير اجتهاد ولا ظن فكيف لا تثبت في قتال الفتنة
ومظنة المحنة وعدم القطع واليقين (وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا) في الله (لأمر يفظعنا) يثقل
علينا ويشق (إلا أسهلن بنا) الضمير عائد على الأسياف السابق ذكرها أي أدنتنا (إلى أمر) سهل
(نعرفه) فأدخلتنا فيه (غير أمرنا هذا) يعني أمر الفتنة التي وقعت بين المسلمين فإنها مشكلة حيث
جلت المصيبة بقتل المسلمين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام والخمس والتفسير ومسلم في المغازي والنسائي في
التفسير .