Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
فارسَ مَشىء من حِمصَ إلى إيلياءَ شُكرًا لما أبلاهُ الله، فلمّا جاءَ قَيصَرَ كتابُ رسولِ اللَّهِ وَّهِ قالَ
حِينَ قرَأْهُ: التَمِسوا لي هُهُنا أحدًا مِن قومهِ لأسْألهم عن رسولِ اللَّهِ وَلِ)).
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن
عبد الله بن الزبير بن العوام أبو إسحاق القرشي الأسدي الزبيري المدني قال: (حدّثنا إبراهيم بن
سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي (عن صالح بن كيسان)
بفتح الكاف (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (عن
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره أن رسول الله ي ليفر كتب) كتابًا (إلى قيصر) ملك الروم
واسمه هرقل (يدعوه) فيه (إلى الإسلام وبعث) عليه الصلاة والسلام (بكتابه) هذا (إليه) إلى قيصر
(مع دحية الكلبي) في آخر سنة ست بعد أن رجع من الحديبية (وأمره رسول الله وَ لي) أي أمر دحية
(أن يدفعه إلى عظيم) أهل (بصرى) بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء مقصورًا مدينة
حوران ذات قلعة بين الشام والحجاز وعظيمها أميرها الحرث بن شمر الغساني (ليدفعه إلى قيصر،
وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس) عند غلبة جنود الروم عليهم في سنة عمرة الحديبية (مشى
من حمص) مجرور بالفتحة لأنه غير منصرف للعلمية والتأنيث. وزاد ابن إسحق عن الزهري أنه كان
يبسط له البسط ويوضع عليها الرياحين فيمشي عليها (إلى إيلياء) بكسر الهمزة واللام بينهما تحتية
ممدودة وهي بيت المقدس (شكرًا لما أبلاه الله) بهمزة مفتوحة وموحدة ساكنة أي أنعم الله عليه بدفع
فارس عنه بعد أن ملكوا الشام وما والاها من الجزيرة وأقاصي بلاد الروم واضطروا هرقل حتى
ألجؤوه إلى القسطنطينية وحاصروه فيها مدّة طويلة (فلما جاء قيصر) وهو بإيلياء (كتاب رسول
الله ◌َّ 3) الذي بعثه مع دحية فأعطاه دحية لعظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر فلما وصل
إليه (قال حين قرأه: التمسوا لي ههنا أحدًا من قومه لأسألهم عن رسول الله وَ﴿ ﴿) أي عن نسبه
وصفته ونعته وما يدعو إليه .
٢٩٤١ - قال ابنُ عبّاسٍ فأخبرني أبو سفيان بنُ حَربٍ أنه كان بالشامِ في رجالٍ من قُریشٍ
قَدِموا تجارًا في المدَّة التي كانت بينَ رسولِ اللَّهِ وَه وبينَ كفّارٍ قَرَيشٍ. قال أبو سفيانَ: فوجدنا
رسولُ قَيصرَ ببعضٍ الشام، فانطُلِقَ بي وبأصحابي حتّى قدِمنا إيلياءَ، فَأُدْخِلِنا عليهِ، فإذا هو جالسٌ
في مَجلسٍ مُلْكهِ وعليه التّاجُ، وإذا حَولَهُ عُظَماءُ الرُّومِ. فقال لترجُمانِهِ: سَلْهم أيُّهم أقرَبُ نَسَبًا إلى
هذا الرجُلِ الذي يَزعُمُ أنهُ نبيٍّ؟ قال أبو سفيانَ: فقلتُ أنا أقرَبُهم إليه نَسَبًا. قال: ما قَرابةُ ما بَينَكَ
وبينَهُ؟ فقلتُ هو ابنُ عمّ. وليس في الرَّكبِ يومَئذٍ أحدٌ من بني عبدِ مَنافٍ غيري. فقال قَيِصَرُ:
أذنوه. وأمرَ بأصحابي فجُعِلوا خلفَ ظَهري عندَ كَتِّفي. ثمَّ قال لتَرجمانِهِ: قُلْ لأصحابهِ إني سائلٌ .
هذا الرَّجُلَ عنِ الذي يَزْعُمُ أَنَّهُ نبِيٍّ، فإن كذَبَ فكذبوه. قال أبو سفيانَ: واللَّهِ لولا الحياءُ يومَئذٍ
من أن يَأثُرَ أصحابي عنّي الكذبَ لكذَبتهُ حينَ سألني عنه، ولكنّي استحيَيْتُ أن يأتُرُوا الكذِبَ عني

٤٢٢
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
فصدَقتُه. ثمَّ قال لترجُمانهِ: قُل لهُ كيفَ نَسَبُ هذا الرجُلِ فيكم؟ قلتُ: هوَ فينا ذو نَسَب. قال:
فهل قال هذا القولَ أحدٌ منكم قبلَه؟ قلت: لا. فقال: كنتم تَتَّهمونهُ على الكذبِ قبلَ أن يقولَ ما
قال؟ قلت: لا. قال: فهل كان مِن آبائهِ مِن مَلِكِ؟ قلت: لا. قال: فأشرافُ الناسِ يتبِعونَهُ أم
ضعفاؤهم؟ قلتُ: بل ضُعفاؤهم. قال: فَيَزِيدونَ أم يَنقُصون؟ قلتُ: بل يَزيدون. قال: فهل يَرْتَدُ
أحد سَخطةٌ لِدينهِ بعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلتُ: لا، ونحنُ الآن منه في
مدَّةٍ نحنُ نخافُ أن يَغدِر. قال أبو سفيان: ولم تُمَكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا أتَنَقَّصهُ بهِ - لا أخافُ
أن تُؤْثَرَ عني - غيرُها. قال: فهل قاتَلْتموهُ أو قاتَلَكم؟ قلتُ: نعم. قال: فكيفَ كانت حربُهُ
وحربُكم؟ قلت: دُوَلاً وسِجالاً: يُدال علينا المرَّةَ ونُدال عليهِ الأُخرى. قال: فماذا يأمُرُكم به؟
قال: يأمرُنا أن نعبُدَ اللَّهَ وحدَهُ لا نُشْرِكُ بهِ شيئًا، وينهانا عما كان يَعبُدُ آباؤنا، ويأمرنا بالصلاةِ،
والصدَقة، والعَفافِ، والوفاءِ بالعهدِ، وأداء الأمانة. فقال لترجمانهِ حين قلت ذلك له: قل له إني
سألتك عن نسبه فيكم، فزَعمتَ أنه ذو نَسَب، وكذلك الرَّسُلُ تُبعَثُ فِي نَسَبِ قومِها. وسألتُك هل
قال أحدٌّ منكم هذا القولَ قَبْلَه؟ فزعمتَ أن لا، فقلتُ لو كانَ أحدٌ منكم قال هذا القولَ قبلهُ قلتُ
يَأْتُمُّ بقَولٍ قد قيلَ قبله. وسألتكَ هل كنتم تَتَّهمونهُ بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال؟ فزعمتَ أن لا،
فعرَفتُ أنهُ لم يكُنْ لِيَدَعَ الكذبَ على الناس ويكذبَ على اللَّهِ. وسألتك هل كان مِن آبائه مِن
مَلِكَ؟ فزعَمتَ أن لا، فقلتُ لو كان من آبائِهِ ملكٌ قلتُ يَطلُبُ آبائهِ. وسألتكَ أشرافُ الناس يَتَّبعونهُ
أم ضُعَفاؤهم؟ فزعمتَ أنَّ ضعفاءَهمُ اتَّبعوه، وهم أتباع الرُّسُل. وسألتكَ هل يَزِيدونَ أو يَنقصون؟
فزعمتَ أنهم يزيدون، وكذلكَ الإيمانُ حتّى يَتِم. وسألتكَ هل يَرتدُّ أحدٌ سَخطةً لدِينِهِ بعدَ أن يَدخلَ
فيه؟ فزَعمتَ أن لا، فكذلكَ الإيمانُ حِين تخلِطُ بشَاشَتُهُ القُلوبُ لا يَسخَطُهُ أحد. وسألتُكَ هل
يَغْدِرُ؟ فزَعمتَ أن لا، وكذلكَ الرُّسُلُ لا يغدرون. وسألتكَ هل قاتلْمُوهُ وقاتلكم؟ فزَعمتَ أنْ قد
فعلَ، وأن حربَكم وحربَهُ تكونُ دُوَلاً، ويُدالُ عليكمُ المرةَ وتُدالون عليهِ الأخرى، وكذلكَ الرُّسُلُ
تُبتَلى وتكونُ لها العاقبة. وسألتكَ بماذا يأمرُكم؟ فزعمت أنه يأمرُكم أن تَعبدُوا اللَّهَ ولا تُشرِكوا به
شيئًا، وينهاكم عما كانَ يَعبدُ آباؤكم، ويأمرُكم بالصلاةِ، والصدق والعفافِ، والوفاء بالعهد، وأداءِ
الأمانةِ. قال: وهذهِ صفةُ نبيِّ قد كنتُ أعلمُ أنهُ خارج، ولكن لم أعلم أنهُ منكم، وإِنْ يَكُ ما قلتَ
حقًّا فيوشكُ أن يملكَ مَوضعَ قَدَميَّ هاتَينٍ ولو أرجو أن أخلُصَ إليهِ لَتَجِشَّمتُ لِقَاءَه، ولو كنتُ
عندَهُ لغَسَلْتُ قَدَمَيه. قال أبو سُفيانَ: ثمَّ دعا بكتابٍ رسولِ اللَّهِ وَلِهِ فَقُرِىءَ، فإذا فيه: بسم الله
الرَّحمنِ الرَّحيم. مِن محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولهِ، إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّوم. سَلامٌ علىْ مَنِ اتبعَ
الهدى. أما بعدُ فإني أدعُوكَ بدِعاية الإسلام، أسْلمْ تَسْلم، وأسْلِمْ يُؤتكَ اللَّهُ أجرَكَ مرَّتينٍ، فإن

٤٢٣
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
توليتَ فعليك إثمُ الأريسِيِّينَ ﴿ويا أهل الكتابِ تعالوا إلى كلمةٍ سَواءٍ بيننا وبينكم أنْ لا نَعبُدَ إلاّ اللَّهَ
ولا نُشركَ بهِ شيئًا، ولا يتخذَ بعضُنا بعضًا أربابًا مِن دُون اللَّه. فإن تَوَلوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾
[آل عمران: ٦٤]. قال أبو سفيانَ: فلما أن قَضى مقالتَهُ عَلَتْ أصواتُ الذينَ حَولَهُ من عُظَماءِ
الروم وكَثُرَ لَغَطُهم، فلا أدري ماذا قالوا. وأُمِرَ بنا فأُخرِجْنا. فلما أن خَرَجتُ معَ أصحابي وخَلَوْتُ
بهم قلتُ لهم: أمِرَ أمرُ ابنِ أبي كبشةَ، هذا ملكُ بني الأصفرِ يَخافهُ. قال أبو سفيان: والله
ما زِلتُ ذَليلاً مُستَقِنًا بأنَّ أمرَهُ سَيَظْهَرُ، حتّى أدخلَ اللَّهُ قلبي الإسلامَ وأنا كارِه)) .
(قال ابن عباس): بالسند السابق: (فأخبرني أبو سفيان بن حرب) وسقط لغير أبي ذر ابن حرب
(أنه كان بالشام في رجال من قريش) صفة لرجال وكانوا ثلاثين رجلاً كما عند الحاكم حال كونهم
(قدموا تجارًا) بكسر الفوقية وتخفيف الجيم (في المدة التي كانت بين رسول الله (يطلقر وبين كفار قريش)
وهي مدة صلح الحديبية (قال أبو سفيان: فوجدنا) بفتح الدال وفعل ومفعول (رسول قيصر) ببعض
الشام) قيل غزة المدينة المشهورة (فانطلق بي وبأصحابي) رسول قيصر (حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه)
بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم).
وعند ابن السكن: وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان (فقال لترجمانه): بفتح التاء وقد تضم وضم
الجيم وهو المفسر لغة بلغة (سلهم أيهم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان
فقلت: أنا أقربهم إليه نسبًا. قال): قيصر (ما قرابة ما بينك وبينه؟ فقلت: هو ابن عمي) لأنه من
بني عبد مناف وهو الأب الرابع له وَ ل﴿ ولأبي سفيان، ولأبي ذر: ابن عم بإسقاط الباء وتنوين الميم
(وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري. فقال قيصر: أدنوه) بهمزة مفتوحة أي
قربوه. زاد في أول الكتاب مني، وإنما أراد بذلك الإمعان في السؤال. (وأمر بأصحابي) القرشيين
(فجعلوا خلف ظهري عند كتفي) لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالكذب إن كذب وكتفي بكسر الفاء
وتخفيف الياء في الفرع. (ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل) أبا سفيان (عن)
الرجل (الذي يزعم أنه نبي فإن كذب) في حديثه عنه (فكذبوه) بتشديد الدال المكسورة (قال أبو
سفيان: والله لولا الحياء يومئذ من أن يأثر) بضم المثلثة بعد الهمزة الساكنة أي يروي ويحكي
(أصحابي عني الكذب لكذبته حين سألني عنه) عليه الصلاة والسلام لبغضي إياه إذ ذاك (ولكني
استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقته) بتخفيف الدال المهملة (ثم قال): هرقل (لترجمانه: قل له
كيف نسب هذا الرجل فيكم)؟ أي ما حال نسبه أهو من أشرافكم أم لا؟ (قلت: هو فينا ذو نسب)
عظيم (قال: فهل قال هذا القول أحد منكم) من قريش (قبله؟ قلت: لا. فقال: كنتم) أي هل
كنتم؟ (تتهمونه على الكذب) وفي رواية شعيب عن الزهري أول هذا الكتاب: فهل كنتم تتهمونه
بالكذب؟ (قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك) بكسر ميم من حرف
جر وكسر لام ملك صفة مشبهة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من ملك؟ بفتح ميم من اسم
موصول وفتح لام ملك فعل ماض. (قلت: لا. قال: فأشراف الناس)؟ أهل النخوة والتكبر منهم

٤٢٤
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
(يتبعونه) بتشديد الفوقية وإسقاط همزة الاستفهام وهو قليل (أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم) أي
اتبعوه (قال: فیزیدون أو ينقصون)؟ وفي رواية شعیب أم بالمیم بدل الواو (قلت: بل يزيدون، قال:
فهل يرتد أحد) منهم كما في رواية شعيب (سخطة لدينه) بالنصب على الحال أي ساخطًا (بعد أن
يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر)؟ أي ينقض العهد (قلت: لا. ونحن الآن منه في مدة) أي
مدّة صلح الحديبية (نحن نخاف أن يغدر. قال أبو سفيان. ولم تمكني) بالفوقية والذي في اليونينية
بالتحتية (كلمة أدخل فيها شيئًا أنتقصه به) وسقط في رواية شعيب لفظ انتقصه به (لا أخاف أن
تؤثر) أي تروى (عني غيرها. قال: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قلت: نعم. قال: فكيف كانت حربه
وحربكم؟ قلت: كانت دولاً) بضم الدال وكسرها وفتح الواو (وسجالاً) بكسر السين بالجيم أي نوبًا
نوبة لنا ونوبة له كما قال (يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى) بضم أوّل يدال وندال بالبناء
للمفعول أي يغلبنا مرة ونغلبه أخرى (قال: فماذا يأمركم)؟ زاد أبو ذر: به (قال): أبو سفيان فقلت
(يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك) ولأبي الوقت: ولا نشرك (به شيئًا) بزيادة الواو وقيل لا (وينهانا
عما كان يعبد آباؤنا) من عبادة الأصنام (ويأمرنا بالصلاة) المعهودة (والصدقة) المفروضة. وفي رواية
شعيب: والصدق بدل الصدقة (والعفاف) بفتح العين الكف عن المحارم وخوارم المروءة (والوفاء
بالعهد وأداء الأمانة. فقال لترجمانه حين قلت ذلك له. قل له إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه
ذو نسب) أي عظيم (وكذلك الرسل تُبعث في أشرف (نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم
هذا القول قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت): في نفسي (لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت
رجل بأتم) أي يقتدي (بقول قد قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
فزعمت أن لا. فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس) قبل أن يظهر رسالته (ويكذب على الله)
بعد إظهارها. (وسألتك هل كان من آبائه من ملك فزعمت أن لا، فقلت لو كان من آبائه ملك قلت
يطلب ملك آبائه) بالجمع وفي رواية شعيب أبيه بالإفراد (وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم
ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل) غالبًا (وسألتك هل يزيدون أو) وفي
رواية شعيب أم (ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان) فإنه لا يزال في زيادة (حتى يتم)
أمره بالصلاة والزكاة والصيام ونحوها، ولذا نزل في آخر سنيه عليه الصلاة والسلام ﴿اليوم أكملت
لكم دينكم﴾ الآية [المائدة: ٣]. (وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت
أن لا. فكذلك الإيمان حين تخلط) بفتح المثناة وسكون الخاء المعجمة وبعد اللام المكسورة طاء مهملة
(بشاشته القلوب) بفتح الموحدة والإضافة إلى ضمير الإيمان والقلوب نصب على المفعولية أي تخالط
بشاشة الإيمان القلوب التي يدخل فيها (لا يسخطه أحد) وفي رواية ابن إسحق: وكذلك حلاوة
الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه. (وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا. وكذلك الرسل لا يغدرون.
وسألتك هل قاتلتموه وقاتلکم؟ فزعمت أن قد فعل وأن حربکم وحربہ یکون دولاً ویدال) بالواو
وسقطت لأبي ذر (عليكم المرّة وتدالون عليه الأخرى وكذلك الرسل تُبتلى) أي تختبر بالغلبة عليهم
ليعلم صبرهم (وتكون لها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: له أي للمبتلى منهم (العاقبة، وسألتك

٤٢٥
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
بماذا يأمركم)؟ بإثبات الألف مع ما الاستفهامية وهو قليل، وسبق في أوّل الكتاب مزيد فوائد
فلتنظر. (فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا و) أنه (ينهاكم عمّا كان يعبد آباؤكم)
أي عن عبادة الأوثان (و) أنه (يأمركم بالصلاة والصدقة) وللحموي والكشميهني: والصدق بدل
الصدقة (والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال) هرقل (وهذه صفة النبي) ولأبي ذر عن
الكشميهني والمستملي: نبي (قد كنت أعلم أنه خارج) قال ذلك لما رأى من علامات نبوّته الثابتة في
الكتب السابقة، (ولكني لم أظن) ولأبي ذر عن الكشميهني: لم أعلم (أنه منكم) أي من قريش (وإن
يك ما قلت حقًّا فيوشك) بكسر الشين المعجمة أي فيسرع (أن يملك) عليه الصلاة والسلام (موضع
قدميّ هاتين) أرض بيت المقدس أو أرض ملكه (ولو أرجو أن أخلص) بضم اللام أصل (إليه
لتجشمت) بالجيم والشين المعجمة لتكلفت (لقيه) ولأبي ذر عن الكشميهني: لقاءه، وفي مرسل ابن
إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال: ويحك والله إني لأعلم أنه نبي مرسل، ولكني أخاف
الروم على نفسي ولولا ذاك لاتبعته (ولو كنت عنده لغسلت قدميه) وفي رواية عبد الله بن شداد عن
أبي سفيان: لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه.
(قال أبو سفيان ثم دعا) هرقل (بكتاب رسول الله (#) أي من وكّل ذلك إليه أو من يأتي به،
وزاد في رواية شعيب عن الزهري الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل (فقرىء فإذا
فيه):
(بسم الله الرحمن الرحيم م محمد عبد الله ورسوله) قدّم لفظ العبودية على الرسالة ليدل على أن
العبودية أقرب طرق العباد إليه وتعريضًا لبطلان قول النصارى في المسيح أنه ابن الله لأن الرسل
مستوون في أنهم عباد الله (إلى هرقل عظيم) أهل (الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد؛ فإني
أدعوك بداعية الإسلام) مصدر بمعنى الدعوة كالعافية. وفي رواية شعيب بدعاية الإسلام أي بدعوته
وهي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل الِلَل الكافرة (أسلم تسلم وأسلم) بكسر اللام في الأولى
والأخيرة وفتحها في الثانية، وهذا في غاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس
فإن تسلم شامل لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الذراري والأموال ومن
عذاب الآخرة (يؤتك الله أجرك مرتين) أي من جهة إيمانه بنبيه ثم بنبينا محمد بَلقر، أو من جهة أن
إسلامه سبب لإسلام أتباعه (فإن توليت) أعرضت عن الإسلام (فعليك) مع إنمك (إثم الأريسيين)
بالهمزة وتشديد الياء بعد السين جمع يريسي أي الأكارين وهم الفلاحون والزراعون، وللبيهقي في
دلائله: عليك إثم الأكارين أي عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك ونبّه بهؤلاء على
جميع الرعايا لأنهم الأغلب وأسرع انقيادًا فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا. ﴿ويا أهل الكتاب﴾
بواو العطف على أدعوك أي أدعوك بداعية الإسلام وأدعوك بقول الله تعالى: يا أهل الكتاب ﴿تعالوا
إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله﴾ نوحده بالعبادة ونخلص له فيها ﴿ولا نشرك به شيئًا﴾
ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله﴾ فلا

٤٢٦
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
نقول عزير ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التحريم والتحليل ﴿فإن تولّوا﴾ عن التوحيد
﴿فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون﴾ [آل عمران: ٦٤]. أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنّا مسلمون دونكم
أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل.
(قال أبو سفيان: فلما أن قضى) هرقل (مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم
وكثر لغطهم) أي صياحهم وشغبهم (فلا أدري ماذا قالوا وأمر بنا فأخرجنا) بضم الهمزة وكسر تاليها
في الموضعين بالبناء للمجهول (فلما أن خرجت مع أصحابي وخلوت بهم قلت لهم: لقد أمر) بفتح
الهمزة وكسر الميم أي كبر وعظم (أمر ابن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة كنية رجل من
خزاعة خالف قريشًا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة وقيل
غير ذلك مما سبق أول الكتاب في بدء الوحي أي لقد عظم شأنه (هذا ملك بني الأصفر) وهم الروم
(يخافه. قال أبو سفيان: والله ما زلت ذليلاً) بالذال المعجمة (مستيقنًا بأن أمره) عليه الصلاة والسلام
(سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره) أي للإسلام، وكان ذلك يوم فتح مكة وقد حَسُنَ
إسلامه وطاب به قلبه بعد ذلك رضي الله عنه.
وهذا الحديث سبق في بدء الوحي مع زيادات مباحث والله الموفق.
٢٩٣٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ القَعْنَبِيُّ حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم عن أبيهِ عن
سهلٍ بن سعدٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ: ((سمعَ النبيِّ ◌َ يقولُ يومَ خَيِبرَ: لِأُعْطِينَّ الرايةَ رجُلاً يفتَحُ
اللَّهُ على يدَيهِ، فقاموا يزجون لِذُلك أيّهم يُعطى، فغَدَوا وكلُّهم يَرجو أن يُعطى، فقال:
أينَ عليٍّ؟ فقيل: يَشتكي يَنَيهِ، فأمرَ فَدُعيَ لهُ فَبَصَقَ في عينيه فبَرَأْ مكانهُ حتّى كأنهُ لم يكن بهِ شيءٌ،
فقال: نُقاتِلهم حتّى يكونوا مِثْلَنا. فقال: على رِسْلِكَ حتّى تَنزِلَ بساحتهم، ثمَّ ادعُهُم إلى الإسلام،
وأخبِرْهم بما يَجبُ عليهم، فواللهِ لأنْ يُهدَى بكَ رجُلٌ واحدٌ خيرٌ لكَ من حُمُرِ الثَّعَم)). [الحديث
٢٩٤٢ - أطرافه في: ٣٠٠٩، ٣٧٠١، ٤٢١٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة القعْنبي) قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه)
أبي حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون العين الساعدي (رضي
الله عنه) أنه (سمع النبي ◌َّر يقول يوم خيبر) في أول سنة سبع.
(لأعطين الراية) أي العَلَم (رجلاً يفتح الله على يديه) زاد ابن إسحاق عن عمرو بن الأكوع
ليس بفرّار (فقاموا) أي الصحابة الحاضرون (يرجون لذلك أيهم يعطى) بضم أوله مبنيًّا للمفعول أي
فقام الحاضرون من الصحابة حال كونهم راجين لإعطاء الراية حتى يفتح الله على يديه (فغدوا وكلهم)
أي وكل واحد منهم (يرجو أن يعطا) ها وكلمة أن مصدرية (فقال): عليه الصلاة والسلام (أين
علي) أي ما لي لا أراه حاضرًا وكأنه عليه الصلاة والسلام استبعد غيبته عن حضرته في مثل هذا

٤٢٧
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
الموطن، لا سيما وقد قال: لأعطين الراية إلخ ... وحضر الناس كلهم طمعًا أن يفوزوا بذلك
الوعد (فقيل): على سبيل الاعتذار عن غيبته (يشتكي عينيه) من الرمد (فأمر) وَلّ بإحضاره (فدُعي
له) بضم الدال مبنيًّا للمفعول أي دُعي علي للنبي وَّر (فبصق في عينيه فبرأ مكانه) بفتح الموحدة
والراء (حتى كأنه لم يكن به شيء) من الرمد (فقال): أي علي يا رسول الله (نقاتلهم حتى يكونوا)
مسلمين (مثلنا. فقال): عليه الصلاة والسلام له (على رسلك) بكسر الراء وسكون السين أي اتئد فيه
وكن على الهينة (حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام) أي قبل القتال.
وهذا موضع الترجمة .
(وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن) بفتح اللام وفي اليونينية بكسرها (يهدى بك رجل
واحد) بضم أوّل يهدى وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (خير لك من حُمر النعم) بضم الحاء المهملة والميم
كذا في اليونينية بضم الميم فلينظر، والنعم بفتح النون أي حمر الإبل وهي أحسنها وأعزها أي خير
لك من أن تکون لك فتتصدّق بها.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في فضل عليّ ومسلم في الفضائل.
٢٩٤٣ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا معاويةُ بنُ عمرٍو حدَّثَنَا أبو إسحقَ عن حُميدٍ قال:
سمعتُ أنسًا رضيَ اللَّهُ عنه يقول: ((كان رسولُ اللَّهِ وَ ل﴿ إذا غزا قومًا لم يُغِرْ حتّى يُصبحَ، فإن سمعَ
أذانًا أمْسَك، وإن لم يَسمَعْ أذانًا أغارَ بعدَ ما يُصبح. فَتَزَلْنا خَيِبرَ ليلاً)».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين قال:
(حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد بن الحرث الفزاري (عن حميد) الطويل أنه (قال: سمعت أنسًا
رضي الله عنه يقول: كان رسول الله ◌َ﴿ إذا غزا قومًا لم يغر) بضم أوّله من الإغارة (حتى يصبح فإن
سمع أذانًا أمسك) عن قتالهم (إن لم يسمع أذانًا أغار) عليهم (بعدما يصبح) أي أنه كان إذا لم يعلم
حال القوم هل بلغتهم الدعوة أم لا ينتظر بهم الصباح ليستبرىء حالهم بالأذان فإن سمعه أمسك عن
قتالهم وإلاّ أغار عليهم، (فنزلنا خيبر ليلاً) نصب على الظرفية.
٢٩٤٤ - حدثنا قتيبةُ حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ جَعفرٍ عن حُميدٍ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ
النبيَّ وَّوَ كانَ إذا غزا بنا ... )).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) أي ابن أبي كثير (عن
حميد) الطويل (عن أنس أن النبي ◌َليو كان إذا غزا بنا) هذا طريق آخر لحديث أنس أخرجه بتمامه في
الصلاة بلفظ: إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانًا كفّ عنهم وإن لم
يسمع أذانًا أغار عليهم الحديث.
٠

٤٢٨
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٢
٢٩٤٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ بن مالكِ عن حُميدٍ عن أنس رضيَ اللَّهُ عنه: ((أن
النبيَّ ◌َّ خرجَ إلى خَيبرَ فجاءَها ليلاً - وكان إذا جاء قومًا بليلِ لا يُغيرُ عليهم حتى يُصبحَ - فلما
أصبحَ خرَجَت يهودُ بمَساحِيهم ومكاتِلهم، فلما رأوهُ قالوا: محمدٌ والخميسُ. فقال النبيُّ نَّ: اللَّهُ
أكبرُ، خرِبَتْ خَيَرُ، إنّا إذا نزَلْنا بساحةِ قومٍ فساءَ صَبَاحُ المنذَرين)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا بواو العطف (عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك)
الإمام (عن حميد) الطويل (عن أنس رضي الله عنه أن النبي (وَل﴿ خرج إلى خيبر فجاءها ليلاً) نصب
على الظرفية (وكان إذا جاء قومًا بليل لا يغير) وفي رواية: لم يغر (عليهم حتى يصبح) أي يطلع
الفجر (فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم) بتخفيف الياء هي كالمجارف إلاّ أنها من حديد
(ومكاتلهم)، قففهم لزرعهم (فلما رأوه قالوا) جاء (محمد والله محمد والخميس) بفتح الخاء المعجمة
وكسر الميم أي الجيش لأنه خمس فرق المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة (فقال النبي (وَّر):
(الله أكبر) ثلثه الطبراني في روايته (خربت خيبر) قاله بوحي أو تفاؤلاً لما رأى آلات الخراب
معهم من المساحي والمكاتل (إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) وهذا طريق ثالث لحديث
أنس؛ وأخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والترمذي والنسائي في السير.
٢٩٤٦ - حدثنا حدّثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عن الزُّهريّ حدثني سعيدُ بن المسيَّبِ أنَّ أبا
هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أن أُقاتلَ الناس حتى يقولوا لا إلهَ إلاّ اللَّهُ،
فمَن قال لا إلهَ إلاّ اللَّهُ عَصَمَ مني نفسَهُ وماله إلا بحقُه، وحسابهُ على الله)) رواهُ عمرُ وابنُ عُمرَ عنِ
النبي زَلتر .
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (سعيد بن المسيب أن أبا
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (وَ ل*):
(أُمرت أن) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي أمرني الله تعالى بأن (أقاتل الناس) أي بمقاتلة الناس
وهو من العام الذي أريد به الخاص فالمراد بالناس المشركون من غير أهل الكتاب ويدل له رواية
النسائي بلفظ: أُمرت أن أقاتل المشركين (حتى) أي إلى أن (يقولوا لا إله إلاّ الله) ولمسلم: حتى
يشهدوا أن لا إله إلاّ الله محمدًا رسول الله، وزاد في حديث ابن عمر عند المؤلف في كتاب الإيمان:
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (فمن قال لا إله إلاّ الله فقد عصم) أي حفظ (مني نفسه وماله إلاّ بحقه)
أي الإسلام من قتل النفس المحرمة والزنا بعد الإحصان والارتداد عن الدين (وحسابه على الله) فيما
يسره من الكفر والمعاصي يعني أنا نحكم عليه بالإسلام ونؤاخذه بحقوقه بحسب ما يقتضيه ظاهر
حاله.

٤٢٩
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٣
(رواه عمر وابن عمر) بضم العين فيهما مثل حديث أبي هريرة هذا (عن النبي ◌َّد) وقد وصل
المؤلف رواية عمر في الزكاة ورواية ابنه في الإيمان.
١٠٣ - باب من أراد غَزوةً
فورَّى بغيرها، ومَن أحبَّ الخروجَ يومَ الخميس
هذا (باب) بيان (من أراد غزوة فورّى) بتشديد الراء سترها وكنّى عنها (بغيرها)، أي بغير
تلك الغزوة التي أرادها والتورية أن يذكر لفظًا يحتمل معنيين: أحدهما أقرب من الآخر مثلاً فيسأل
عنه وعن طريقه فيفهم السامع بسبب ذلك أنه يقصد المكان القريب، فالمتكلم صادق لكن الخلل وقع
من فهم السامع خاصة، وأصله من وراء الإنسان لأن من وزّى بشيء فكأنه جعله وراءه، وقيده
السيرافي في شرح سيبويه بالهمزة قال: وأصحاب الحديث يسقطونها اهـ.
وليس ذلك خطأ منهم في الصحاح واريت الشيء أي أخفيته وتوارى هو أي استتر قال:
وتقول وريت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره، ولا يقال إن كونه مأخوذًا من وراء الإنسان
يقتضي أن يكون مهموزًا لأن همزة وراء ليست أصلية وإنما هي منقلبة عن ياء فإذا لوحظ في فعل
معنى وراء لم يجز فيه الإتيان بالهمزة لفقدان الموجب لقلبها في الفعل وثبوته في وراء، وهذا مما
يقتضي القطع بخطأ من خطأ المحدثين ولا أدري مع هذا كيف يصح كلام السيرافي فتأمله قاله في
المصابيح .
(و) بيان (من أحب الخروج) إلى السفر (يوم الخميس). روي في حديث ضعيف عند الطبراني
عن نبيط بن شريط مرفوعًا: (بورك لأمتي في بكورها يوم الخميس) ولا يلزم من حبه عليه الصلاة
والسلام لذلك المواظبة عليه، وقد خرج عليه الصلاة والسلام في بعض أسفاره يوم السبت ولعله
كان يحبه أيضًا كما روي: بارك الله لأمتي في سبتها وخميسها.
٢٩٤٧ - حدثنا يحيى بنُ بكَيرٍ حدّثني الليثُ عن عُقيلٍ عنِ ابنِ شهابٍ قال: أخبرني
عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كعبٍ رضيَ اللَّهُ عنه - وكان قائدَ كعبٍ من بَنِيهِ . قال: ((سمعتُ
كعبَ بنَ مالكِ حين تَخلَّفَ عن رسولِ اللَّهِ وَّهِ، ولم يَكِنْ رسولُ اللَّهِ وَهِ يُرِيدُ غَزوةً إلا ورَّى
بغیرها».
وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الاف قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي
ذر: حدّثني بالإفراد (الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف (عن ابن شهاب) الزهري
(قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عبد الله) يقال لعبد الله هذا رؤية (ابن كعب بن مالك)
الأنصاري (أن) أباه (عبد الله بن كعب) زاد في اليونينية بين الأسطر من غير رقم عليه رضي الله عنه

٤٣٠
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٣
(وكان) أي عبد الله (قائد كعب) أبيه حين عمي (من بنيه) عبد الله هذا وأخويه عبيد الله بالتصغير
وعبد الرحمن (قال): أي عبد الله (سمعت) أبي (كعب بن مالك) هو ابن أبي كعب عمرو الشيباني
(حين تخلف عن رسول الله (ص) في غزوة تبوك (ولم يكن رسول الله وَلفهو يريد غزوة إلاّ ورى بغيرها)
لئلا يتفطن العدوّ فيستعد للدفع.
٢٩٤٨ - حدثنا أحمدُ بن محمدٍ أخبرَنا عبدُ اللَّهِ أخبرنا يونُسُ عنِ الزُّهريّ قال: أخبرني
عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكِ رضي اللهُ عنه: يقول:
كان رسولُ اللَّهِ وَ﴿ قلما يُريد غزوةً يغزوها إلاّ ورَّى بغيرِها، حتى كانت غزوةُ تَبوكَ فغزاها رسولُ
اللَّهِ وَ﴿ في حرِّ شديد، واستقبلَ سفَرًا ومَفازًا واستَقبل غزْوَ عدُوِّ كثير، فجلَّى للمسلمين أمرَهُ
ليَتأهبوا أُهْبةَ عدوّهم، وأخبرَهم بوجههِ الذي يريد)).
وبه قال: (وحدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن محمد) هو ابن موسى المروزي أبو
العباس مردويه الكلاباذي السمسار قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد
(عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال:
سمعت) جدي (كعب بن مالك) اعترضه الدار قطني بأن عبد الرحمن لم يسمع من جده كعب، وإنما
سمع من أبيه عبد الله، واستدل لذلك بما رواه سويد بن نصر عن ابن المبارك حيث قال عن أبيه
عن كعب كما قال الجماعة، لكن جوّز الحافظ ابن حجر سماعه له عن جده كأبيه وثبته فيه أبوه
فكان في أكثر الأحوال يرويه عن أبيه عن جدّه، وربما رواه عن جده لكن رواية سويد بن نصر
توجب أن يكون الاختلاف فيها على ابن المبارك، وحينئذ فتكون رواية أحمد بن محمد شاذة ولا
يترتب على تخريجها كبير تعليل فإن الاعتماد إنما هو على الرواية المتصلة انتهى.
وحمله بعضهم على أن يكون ذكر ((ابن)) موضع ((عن)) تصحيفًا من بعض الرواة، فكأنه كان
أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله عن كعب بن مالك (رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صل# قدما)
يوصل اللام بالميم وفي نسخة أبي ذر قلّ ما يفصلها منها (يريد غزوة يغزوها إلاّ وزّى) بتشديد الراء
أي سترها وكنى عنها (بغيرها حتى كانت غزوة تبوك) في رجب سنة تسع من الهجرة بتقديم المثناة
الفوقية على المهملة والمشهور في تبوك منع الصرف للعلمية والتأنيث ومن صرفها أراد الموضع (فغزاها
رسول الله ﴿﴿ في حرِّ شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا) بفتح الفاء والزاي البرية التي بين المدينة
وتبوك سميت مفازًا تفاؤلاً بالفوز، وإلاّ فهي مهلكة كما قالوا للديغ سلیم، (واستقبل غزو عدوّ كثير
فجلا) قال الزركشي وابن حجر والدماميني وغيرهم: بالجيم وتشديد اللام زاد ابن حجر فقال:
ويجوز تخفيفها. وقال العيني: بتخفيف اللام وضبطه الدمياطي في حديث سعد في المغازي بالتشديد
وهو خطأ أي أظهر (للمسلمين أمرهم) بالجمع ولأبي ذر عن الحموي أمره (ليتأهبوا أهبة عدوّهم) أي

٤٣١
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٤
ليكونوا على أهبة يلاقون بها عدوّهم ويعتدّوا لذلك (وأخبرهم بوجهه الذي يريد) أي بجهته التي
يريدها وهي جهة تبوك.
٢٩٤٩ - ومن يُونسَ عنِ الزُّهريِّ قال: أخبرني عبدُ الرحمنِ بنُ كعبِ بنِ مالكِ أن
كعبَ بنَ مالكِ رضي اللهُ عنه كان يقول: ((لقلما كان رسولُ اللَّهِ وَهُ يَخرُج إذا خرَج في سفَرٍ إلا
یوم الخمیس)).
(و) بالسند السابق عن ابن المبارك (عن يونس) بن يزيد (عن) ابن شهاب (الزهري قال:
أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن) عم عبد الرحمن بن عبد الله (بن كعب بن مالك رضي الله عنه أن
كعب بن مالك كان يقول: لقلما كان رسول الله وَالقوي يخرج) في يوم من الأيام (إذا خرج في سفر
إلا يوم الخميس) فإن أكثر خروجه في السفر فيه، وقد وهم من زعم أن هذا الحديث معلق.
٢٩٥٠ - حقثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا مِشامٌ أخبرنا معمرٌ عن الزُّهريِّ عن
عبد الرحمنِ بنِ كعب بنِ مالكِ عن أبيه رضي اللهُ عنه أن النبيِ نَّ خرج يومَ الخميسِ في غزوةٍ
تَبوكَ، وكان يُحِبُّ أن یَخرُج یومَ الخمیس)).
وبه قال: (حدّثني) وفي بعض النسخ: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون قال:
(حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري
عن عبد الرحمن) أخي عبد الله (بن كعب بن مالك عن أبيه) كعب بن مالك (رضي الله عنه أن
النبي ◌َّر خرج يوم الخميس) من المدينة (في غزوة تبوك وكان يجب أن يخرج) في السفر جهاد أو
غيره (يوم الخميس).
والمطابقة بين الأحاديث والترجمة ظاهرة، وحاصل ما سبق في أسانيدها أن الزهري سمع من
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب كما في الحديثين الأولين ومن عمه عبد الرحمن بن كعب كما في
باقيها. وكذا روى أيضًا عن أبيه عبد الله بن كعب نفسه، وكذا عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
كعب عن عمه عبيد الله بن كعب بالتصغير.
١٠٤ - باب الخروج بعد الظهر
١٩٥١ - حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ حدَّثَنا حَمّادُ بن زيدٍ عن أيُّوبَ عن أبي قلابة عن أنس
رضي اللَّهُ عنه أن النبي وَّهِ صلى بالمدينةِ الظُّهرَ أربعًا، والعصرَ بذِي الحُلَيفةِ ركعتينٍ، وسمعتهم
يصرخون بهما جميعًا)).
(باب) بيان (الخروج) في السفر (بعد الظهر).

٤٣٢
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٥
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي بالشين المعجمة والحاء المهملة البصري
قال: (حدّثنا حماد) ولأبي ذر: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف
عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه) (أن النبي (وَلاغير) لما أراد حجة
الوداع (صلى بالمدينة الظهر أربعًا) يوم السبت خامس عشر ذي القعدة لأن الوقفة بعرفة كانت يوم
الجمعة فأول الحجة الخميس قطعًا، ولا يقال أن الخامس والعشرين من القعدة الجمعة لأنه عليه
السلام صلى الظهر أربعًا فتعين أن يكون أول القعدة الأربعاء والخامس والعشرين منه يوم السبت
فيكون ناقصًا (و) صلى عليه الصلاة والسلام (العصر بذي الحليفة ركعتين) قصرًا قال أنس:
(وسمعتهم يصرخون) بضم الراء في الفرع ويجوز فتحها ولم يضبطها في اليونينية أي يلبون برفع
الصوت (بهما) أي بالحج والعمرة (جميعًا).
وفي الحديث إشارة إلى جواز التصرف في غير وقت البكور لأن خروجه عليه الصلاة والسلام
كان بعد الظهر وحينئذ فلا يمنع حديث ((بورك لأمتي في بكورها)» المروي في السنن، وصححه ابن
حبان من حديث صخر الغامدي بالغين المعجمة والدال المهملة جواز ذلك وإنما كان في البكور بركة
لأنه وقت نشاط .
١٠٥ - باب الخُروجِ آخِرَ الشهرِ
وقال كُرِيبٌ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما ((انطَلَقَ النبيُّ نَّهِ من المدينةِ لخمسٍ بَقين من
ذي القَعدةِ وقدِمَ مكة لأربعٍ ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجةِ».
(باب) جواز (الخروج) إلى السفر (آخر الشهر) من غير كراهة، (وقال كريب) مولى ابن عباس
فيما وصله المؤلف في حديث طويل في الحج (عن ابن عباس رضي الله عنهما: انطلق النبي وَّر من
المدينة) في حجة الوداع (لخمس بقين من ذي القعدة) يوم السبت أي في الأذهان حالة الخروج بتقدير
تمامه فاتفق أن كان الشهر ناقصًا فأخبر بما كان في الأذهان يوم الخروج لأن الأصل التمام أو ضم
يوم الخروج إلى ما بقي لأن التأهب وقع في أوله كأنهم لما باتوا ليلة السبت على سفر اعتدّوا به من
جملة أيام السفر قاله في الفتح، وفيه جواز السفر في أواخر الشهر خلافًا لما كان عليه أهل الجاهلية
حيث كانوا يتحرون أوائل الشهر للأعمال ويكرهون فيه التصرف، (وقدم) عليه الصلاة والسلام
(مكة لأربع ليالٍ خلون من ذي الحجة).
٢٩٥٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةً عن مالكِ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن عَمرةً بنتِ
عبد الرحمنِ أنها سمعت عائشةَ رضي اللَّهُ عنها تقول: ((خرجنا مع رسولِ اللَّهِ وَّ لخمس ليالٍ
بقينَ من ذي القَعدةِ ولا نرَى إلا الحجّ، فلما دنوْنا من مكةً أمرَ رسولُ اللَّهِ وَلَ مَن لم يكن معهُ
هَذْيٌّ إذا طاف بالبيتِ وسَعى بين الصفا والمَرْوَةِ أن يَحِلَّ. قالت عائشةُ: فَدُخِلَ عليها يومَ النحوِ

٤٣٣
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٦
بلحم بقَر، فقلتُ: ما هذا؟ فقال: نَحر رسولُ اللّهِ وَهِ عن أزواجِهِ)). قال يحيى: فذكرتُ هذا
الحديثَ للقاسم بنِ محمدٍ فقال: أتَتْكَ واللَّهِ بالحديثِ على وَجههِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن يحيى بن سعيد)
الأنصاري (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (أنها سمعت عائشة
رضي الله عنها تقول: خرجنا مع رسول الله و98َّ) ولأبي ذر عن المستملي: خرج (لخمس ليالٍ بقين من
ذي القعدة) بفتح القاف وكسرها سمي به لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال (ولا نرى) بضم النون
وفتح الراء أي لا نظن (إلاّ الحج، فلما دنونا) بفتح الدال والنون! أي قربنا (من مكة أمر رسول
الله ◌َ﴾ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت) الحرام (وسعى بين الصفا والمروة أن يحل) بفتح أوله
وكسر ثانيه من نسكه. (قالت عائشة): رضي الله عنها (فدخل علينا) بضم الدال مبنيًّا لما لم يسم
فاعله (يوم النحر) نصب على الظرفية أي في يوم النحر (بلحم بقر فقلت ما هذا؟ فقال: نحر رسول
الله ◌َل ◌ّ عن أزواجه) أي البقر واستعمل النحر موضع الذبح.
(قال يحيى) بن سعيد الأنصاري (فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد) هو ابن أبي بكر
الصديق رضي الله عنهم (فقال): أي القاسم (أنتك) عمرة (والله بالحديث) الذي حدّثتك به (على
وجهه) لم تختصر منه شيئًا ولا غيرته.
١٠٦ - باب الخروج من رمضان
(باب) جواز (الخروج) إلى السفر (في رمضان) من غير كراهة.
٢٩٥٣ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا سفيانُ قال: حدّثني الزُّهريُّ عن عُبيدِ اللَّهِ عنِ ابنِ
عبّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما قال: ((خرج النبيُّ ◌ََّ في رمضانَ فصام حتّى بَلغ الكَديدَ أفطر)).
قال سفيانُ: قال الزُّهريَّ أخبرني عُبيدُ اللَّهِ عنِ ابنِ عبّاس ... وساقَ الحديثَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثني)
بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عبيد الله) بالتصغير ابن عبد الله بن عتبة بن
مسعود الهذلي المدني (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج النبي وَّة) إلى مكة في غزوة فتحها
يوم الأربعاء بعد العصر (في رمضان) لعشر مضين منه (فصام حتى بلغ الكديد) بفتح الكاف ودالين
مهملتين الأولى مكسورة على وزن رغيف عين جارية على نحو مرحلتين من مكة وهو ما بين قديد
وعسفان (أفطر) وفي رواية النسائي: حتى أتى قديدًا ثم أتى بقدح من لبن فشرب فأفطر هو
وأصحابه.
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ٢٨

٤٣٤
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٧
(قال سفيان): بن عيينة بالسند السابق (قال): ابن شهاب (الزهري أخبرني) بالإفراد
(عبيد الله) بن عبد الله السابق قريبًا (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (وساق الحديث) بطوله كما
سبق عند المؤلف في باب: إذا صام أيامًا من رمضان في كتاب الصيام، وأفاد في هذه أن الزهري
رواه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بالأخبار بخلاف الأولى فبالعنعنة وزاد المستملي: هنا. قال أبو
عبد الله أي البخاري هذا قول الزهري محمد بن مسلم، ولعل مذهبه أن طرقّ السفر في رمضان لا
يبيح الفطر لأنه شهد الشهر في أوله فهو كطروّه في أثناء اليوم. قال المؤلف: وإنما يقال أي يؤخذ
بالآخر من فعل رسول الله وَي لأنه ناسخ للأول وقد أفطر عند الكديد وهو أفضل السفر لأنه إنما
يفعل في المخير فيه الأفضل نعم إن لم يتضرر بالصوم فهو أفضل عند الشافعية، وفيه رد على من كره
السفر في رمضان.
١٠٧ - باب التودِيعِ
(باب) بيان مشروعية (التوديع) عند السفر من المسافر للمقيم ومن المقيم للمسافر.
٢٩٥٤ - وقال ابن وَهبِ أخبرني عمرو عن بُكيرٍ عن سليمانَ بنِ يَسارٍ عن أبي هريرةَ رضيَ
اللَّهُ عنه أنهُ قال: ((بَعَثنا رسولُ اللَّهِ وَّهِ فِي بَعثٍ فقال لنا: إن لَقِيتم فُلانًا وفلانًا - لرجُلَين من قريشٍ
سمّاهما - فحرِّقوهما بالنار. قال: ثمَّ أتيناهُ نُوَدْعهُ حين أرَذنا الخروجَ فقال: إني كنتُ أمَرْتُكم أن
تحرِّقوا فُلانًا وفلانًا بالنارِ، وإنَّ النارَ لا يُعذّبُ بها إلاّ اللَّهُ، فإن أخَذْتموهما فاقتُلوهما)). [الحديث
٢٩٥٤ - طرفه في: ٣٠١٦].
(وقال) بالواو ولأبي ذر: قال (ابن وهب) عبد الله المصري مما وصله النسائي والإسماعيلي،
وكذا المؤلف لكن من وجه آخر كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين
ابن الحرث المصري (عن بكير) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله بن الأشج (عن سليمان بن يسار)
ضد اليمين (عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال" بعثنا رسول الله ◌َفي في بعث) أي جيش أميره
حمزة بن عمرو الأسلمي (وقال): عليه الصلاة والسلام بواو العطف ولأبي ذر: فقال (لنا):
(إن لقيتم فلانًا وفلانًا لرجلين) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: للرجلين (من قريش سماهما) عليه
الصلاة والسلام (فحرّقوهما بالنار) هما هبار بن الأسود بتشديد الموحدة ونافع بن عبد عمرو كما عند
آبن بشكوال من طريق ابن لهيعة عن بكير، أو هبار وخالد بن عبد قيس كما في سيرة ابن هشام
ومسند البزار، أو هبار ونافع بن قيس بن لقيط بن عامر الفهري وهو والد عقبة كما حرره
البلاذري، وهو الذي نخس بزينب بنت النبي ◌َ ◌ّر بعيرها وكانت حاملاً فألقت ما في بطنها وكان
هو وهبار معه، فلذا أمر عليه الصلاة والسلام بإحراقهما قال:

٤٣٥
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٨
(قال) أبو هريرة (ثم أتيناه) عليه الصلاة والسلام (نودعه حين أردنا الخروج) للسفر فيه توديع
المسافر للمقيم فتوديع المقيم للمسافر بطريق الأولى وهو أكثر في الوقوع (فقال): عليه الصلاة
والسلام (إني كنت أمرتكم أن تحرّقوا فلانًا وفلانًا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله) عز وجل خبر
بمعنى النهي وظاهره التحريم (فإن أخذتموهما فاقتلوهما) قاله بعد أمره بإحراقهما ففيه النسخ قبل
العمل أو قبل التمكن من العمل به ولا حجة في قصة العرنيين حيث سمل عليه الصلاة والسلام
أعينهم بالحديد المحمى لأنها كانت قصاصًا أو منسوخة كذا قاله ابن المنير وفيه كراهة قتل مثل
البرغوث بالنار.
١٠٨ - باب السمع والطاعةِ للإمام
(باب) وجوب (السمع والطاعة للإمام) زاد أبو ذر عن الكشميهني ما لم يأمر بمعصية.
٢٩٥٥ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ قال: حدَّثني نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ
عنهما عن النبيِّ بَّرَ. وحدثنا محمدُ بنُ صَبّاحِ حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ زكرياءَ عن عُبَيدِ اللَّهِ عن نافعِ
عن ابن عمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ نَّه قال: ((السمعُ والطاعةُ حقِّ، ما لم يُؤْمرْ بمعصيةٍ، فإذا
أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة)). [الحديث ٢٩٥٥ - طرفه في: ٧١٤٤].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله)
بالتصغير ابن عمر بن حفص العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر) ابن الخطاب
(رضي الله عنهما عن النبي ◌َليّ).
قال المؤلف: (وحدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: وحدّثنا (محمد بن الصباح) وفي نسخة: ابن
صباح بتشديد الموحدة آخره حاء مهملة البزار الدولابي البغدادي (عن إسماعيل بن زكريا) بن مرّة
الخلقاني بضم الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها قاف الملقب بشقوصا بفتح الشين المعجمة وضم
القاف المخففة وبالصاد المهملة (عن عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري السابق قريبًا (عن نافع عن
ابن عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما عن النبي وَيقر قال):
(السمع) لأُولي الأمر بإجابة أقوالهم (والطاعة) لأوامرهم (حق) واجب وهو شامل لأمراء
المسلمين في عهد الرسول وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة (ما لم يؤمر) أحدكم (بالمعصية) لله،
ولأبي ذر: بمعصية (فإذا أمر) أحدكم (بمعصية فلا سمع) لهم (ولا طاعة) إذ لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق وإنما الطاعة في المعروف والفعلان مفتوحان، والمراد نفي الحقيقة الشرعية لا
الوجودية .

.٤٣٦
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠٩
١٠٩ - باب يُقاتَلُ مِن وراءِ الإمام، ويُتَّقى به
هذا (باب) بالتنوين (يقاتل) بضم المثناة التحتية وفتح الفوقية مبنيًّا للمفعول (من وراء الإمام)
القائم بأمور الأنام(ويتقى به) بضم أوّله وفتح ثالثه.
٢٩٥٦ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعَيبٌ حدَّثنا أبو الزنادِ أنَّ الأعرجَ حدَّثهُ أنهُ سمِعَ أبا هريرةَ
رضي اللهُ عنه أنهُ سمِعَ رسولَ اللَّهِ وَلَّهِ يقول: ((نحنُ الآخِرونَ السابقون)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال:
حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (أن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (حدّثه أنه سمع أبا هريرة
رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ێ يقول):
(نحن الآخرون) في الدنيا (السابقون) في الآخرة.
وهذا طرف من حديث، وقد سبق الكلام فيه في كتاب الطهارة والجمعة.
ومطابقته لما ترجم له هنا غير بيّنة، لكن قال ابن المنير: إن معنى يقاتل من ورائه أي من أمامه
فأطلق الوراء على الأمام لأنهم وإن تقدموا في الصورة فهم أتباعه في الحقيقة والنبي وَّر تقدم غيره
عليه بصورة الزمان، لكن المتقدم عليه مأخوذ عهده أن يؤمن به وينصره كآحاد أمته، ولذلك ينزل
عيسى ابن مريم عليه السلام مأمومًا فهم في الصورة أمامه وفي الحقيقة خلفه فناسب ذلك قوله يقاتل
من ورائه وهذا كما تراه في غاية من التكلف، والظاهر أنه إنما ذكره جريًا على عادته أن يذكر الشيء
كما سمعه جملة لتضمنه موضع الدلالة المطلوب منه وإن لم يكن باقيه مقصودًا.
٢٩٥٧ - وبهذا الإسنادِ ((مَن أطاعَني فقد أطاعَ اللَّهَ، ومَن عصاني فقد عَصىُ اللَّهَ. ومَن يُطِعِ
الأميرَ فقد أطاعَني، ومَن يَعصِ الأميرَ فقد عصاني. وإنما الإمامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ مِن وَرائه، ويُنَّقى به.
فإن أمرَ بتقوَى اللَّهِ وعَدَلَ فإنَّ لهُ بذلكَ أجرًا، وإن قال بغيرهِ فإنَّ عليهِ منه)). [الحديث ٢٩٥٧.
طرفه في: ٧١٣٧].
(وبهذا الإسناد) السابق قال بَله: (من أطاعني) فيما أمرت به (فقد أطاع الله) لأنه عليه الصلاة
والسلام في الحقيقة مبلّغ والآمر هو الله عز وجل (ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير)
أمير السرية أو الأمراء مطلقًا فيما يأمرونه به (فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) قيل:
وسبب قوله عليه الصلاة والسلام ذلك أن قريشًا ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا
يطيعون غير رؤساء قبائلهم، فأعلمهم عليه الصلاة والسلام أن طاعة الأمراء حق واجب (وإنما
الإمام) القائم بحقوق الأنام (جّة) بضم الجيم وتشديد النون سترة ووقاية يمنع العدوّ من أذى
المسلمين ويحمي بيضة الإسلام (يقاتل) بضم أوله مبنيًّا للمفعول معه الكفار والبغاة (من ورائه) أي

٤٣٧
کتاب الجهاد والسير/ باب ١١٠
أمامه فعبّر بالوراء عنه كقوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك﴾ [الكهف: ٧٩]. أي أمامهم فالمراد
المقاتلة للدفع عن الإمام سواء كان ذلك من خلفه حقيقة أو قدّامه فإن لم يقاتل من ورائه وأبى عليه
مرج أمر الناس وسطا القوي على الضعيف وضيعت الحدود والفرائض (ويتقى به) بضم أوله مبنيًّا
للمفعول فلا يعتقد من قاتل عنه أنه حماه، بل ينبغي أن يعتقد أنه احتمى به لأنه فئته وبه قويت همته
وفيه إشارة إلى صحة تعدّد الجهات وأن لا يعدّ من التناقض وإن توهّم فيه ذلك لأن كونه جنّة يقتضي
أن يتقدم وكونه يقاتل من أمامه يقتضي أن يتأخر فجمع بينهما باعتبارين وجهتين (فإن أمر) رعيته
(بتقوى الله وعدل) (فإن له بذلك) الأمر والعدل (أجرًا، وإن قال) أي أم وحكم (بغيره) أي بغير
تقوى الله وعدله (فإن عليه منه). وزرًا كذا ثبتت هذه في بعض طرق الحديث كما سيأتي إن شاء الله
تعالى وحذفت هنا لدلالة مقابله السابق عليه ومنه للتبعيض، فيكون المراد أن بعض الوزر عليه أو
المراد أن الوبال الحاصل منه عليه لا على المأمور، وحكى صاحب الفتح أنه وقع في رواية أبي زيد
المروزي: فإن عليه منه بضم الميم وتشديد النون بعدها هاء تأنيث قال: وهي تصحيف بلا ريب،
وبالأولی جزم أبو ذر.
١١٠ - باب البيعةِ في الحَربِ أن لا يَفِرُّوا، وقال بعضُهم: على المَوت
لقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿لقد رَضِيَ اللَّهُ عنِ المؤمنينَ إذ يُبابِعُونَكَ تحتَ الشجرة﴾
[الفتح: ١٨].
(باب البيعة في الحرب) على (أن لا يفروا وقال بعضهم على الموت) أي على أن لا يفروا ولو
ماتوا (لقوله تعالى): ولأبي ذر: عز وجل بدل قوله تعالى: (﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ
يبايعونك﴾) يوم الحديبية بيعة الرضوان (﴿تحت الشجرة﴾) [الفتح: ١٨]. السمرة أو أم غيلان وهم
يومئذ ألف وخمسمائة وأربعون رجلاً وقد أخبر سلمة بن الأكوع وهو من بايع تحت الشجرة أنه بايع
على الموت وليس المراد أن يقع الموت ولا بدّ بل عدم الفرار ولو ماتوا.
٢٩٥٨ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا جُوَيريةُ عن نافعٍ قال: قال ابنُ عمرَ رضيَ اللَّهُ
عنهما ((رَجعْنا منَ العام المقبل، فما اجتمعَ منّا اثنانِ على الشجرةِ التي بايَعْنا تحتَها، كانت رحمةً
منَ الله. فسألنا نافعًا: على أيّ شيءٍ بايَعهم، على الموت؟ قال: لا، بل بايَعهم على الصبر)).
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا جويرية) بضم الجيم
مصغرًا جارية ابن أسماء الضبعي البصري (عن نافع) مولى ابن عمر (قال: قال عمر) ابن الخطاب
(رضي الله عنهما رجعنا من العام المقبل)، الذي بعد صلح الحديبية إليها (فما اجتمع منا اثنان على
الشجرة التي بايعنا تحتها) أي ما وافق منا رجلان على هذه الشجرة أنها هي التي وقعت المبايعة تحتها
بل خفي مكانها أو اشتبهت عليهم لئلا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن من

٤٣٨
كتاب الجهاد والسير/ باب ١١٠
تعظيم الجهال لها حتى ربما يفضي بهم إلى اعتقاد أنها تضر وتنفع فكان في إخفائها رحمة، وإلى ذلك
أشار ابن عمر بقوله: (كانت رحمة من الله). قال جويرية (فسألت) ولأبي ذر عن الكشميهني: فسألنا
(نافعًا) مولى ابن عمر (على أيّ شيء بايعهم) عليه السلام (على الموت) فهمزة الاستفهام مقدرة
(قال: لا. بايعهم) ولأبي ذر عن الكشميهني بل بايعهم (على الصبر) أي على الثبات وعدم الفرار
سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا .
٢٩٥٩ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنَا وُهَيبٌ حدَّثَنا عمرُو بنُ يحيى عن عَبّادِ بنِ تميم
عن عبدِ اللَّهِ بنِ زيدٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((لما كان زمنُ الحرَّةِ أتاهُ آتٍ فقال لهُ: إنَّ ابنَ حَنظلَةَ يُبايعُ
الناسَ على الموت. فقال: لا أبايعُ على هذا أحدًا بعدَ رسولِ اللَّهِ وَ﴾)). [الحديث ٢٩٥٩- طرفه
في: ٤١٦٧].
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي وسقط عند أبي ذر ابن إسماعيل قال: (حدّثنا
وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين وسكون الميم
الأنصاري المدني (عن عباد بن تميم) بفتح العين وتشديد الموحدة ابن زيد بن عاصم (عن) عمه
(عبد الله بن زيد) الأنصاري المدني (رضي الله عنه قال: لما كان زمن الحرة) بفتح الحاء وتشديد الراء
أي زمن وقعة الحرة وهي حرة زهرة أو واقم بالمدينة سنة ثلاث وستين، وسببها أن عبد الله بن
حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا إلى يزيد بن معاوية فرأوا منه ما لا يصلح فرجعوا إلى المدينة
فخلعوه وبايعوا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فأرسل يزيد بن مسلم بن عقبة فأوقع بأهل المدينة
وقعة عظيمة قتل من وجوه الناس ألفًا وسبعمائة ومن أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء
والصبيان (أتاه آتٍ فقال له: إن ابن حنظلة) هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يعرف أبوه
بغسيل الملائكة وكان أميرًا على الأنصار (يبايع الناس على الموت فقال) عبد الله بن زيد (لا أبايع على
هذا أحدًا بعد رسول الله وَل38) والفرق أنه عليه الصلاة والسلام يستحق على كل مسلم أن يفديه بنفسه
بخلاف غيره، وهل يجوز لأحد أن يستهدف عن أحد لقصد وقايته أو يكون ذلك من إلقاء اليد إلى
التهلكة؟ تردد فيه ابن المنير قال: لا خلاف أنه لا يؤثر أحد أحدًا بنفسه لو كان في مخمصة ومع
أحدهما قوت نفسه خاصة قاله في المصابيح.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي وكذا مسلم.
٢٩٦٠ - حدثنا المكيُّ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ أبي عُبيدٍ عن سَلمةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال:
((بايعتُ النبيِّ وَّهِ ثمَّ عَدَلتُ إلى ظِلٌّ شجرةٍ، فلما خفّ الناسُ قال يا بنَ الأكوَع ألا تُبايعُ؟ قال:
قلت: قد بايعتُ يا رسولَ اللَّهِ، قال: وأيضًا. فبايعتهُ الثانية. فقلتُ له: يا أبا مُسلم، على أيّ

٤٣٩
كتاب الجهاد والسير/ باب ١١٠
شيءٍ، كنتم تُبايعون يومَئذٍ؟ قال: على الموت)). [الحديث ٢٩٦٠ - أطرافه في: ٤١٦٩، ٧٢٠٦،
٧٢٠٨].
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد الحنظلي التميمي قال: (حدّثنا يزيد
بن أبي عبيد) مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة) بن الأكوع سنان بن عبد الله (رضي الله عنه قال:
بايعت النبي (18) بيعة الرضوان بالحديبية تحت الشجرة (ثم عدلت إلى ظل الشجرة) المعهودة،
ولأبي ذر: إلى ظل شجرة (فلما خفّ الناس قال): عليه الصلاة والسلام:
(يا ابن الأكوع ألا تبايع)؟ (قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال): (و) بايع (أيضًا) مرة
أخرى (فبايعته الثانية). وإنما بايعه مرة ثانية لأنه كان شجاعًا بذّالاً لنفسه فأكد عليه العقد احتياطًا
حتى يكون بذله لنفسه عن رضًا متأكد وفيه دليل على أن إعادة لفظ النكاح وغيره ليس فسخًا للعقد
الأول خلافًا لبعض الشافعية قاله ابن المنير. قال يزيد بن أبي عبيد (فقلت له): أي لسلمة بن الأكوع
(يا أبا مسلم)، وهي كنية سلمة (على أيّ شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال): كنا نبايع (على الموت) أي
على أن لا نفر ولو متنا.
وفي هذا الحديث الثلاثي التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والترمذي
والنسائي في السير.
٢٩٦١ - حدثنا حفصُ بنُ عمرَ حدَّثنا شُعبةُ عن حُميدٍ قال: سمعتُ أنَسّا رضي اللَّهُ عنه
يقول: كانتِ الأنصارُ يومَ الخَندَقِ تقول:
نحنُ الذينَ بايَعوا محمدا على الجهادِ ما حَيينا أبدا
فأجابهمُ النبيُّ وَّرَ فقال: اللّهمَّ لا ◌َيشَ إلا عَيشُ الآخرة، فأكرِم الأنصارَ والمُهاجِرَه)).
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحرث الحوضي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن
الحجاج (عن حميد) الطويل (قال: سمعت أنسًا رضي الله عنه يقول: كانت الأنصار يوم) حفر
(الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما حيينا أبدا)
وفي بعض الأصول كما نبّه عليه البرماوي نحن الذي بغير نون وهو على حدّ: ﴿وخضتم
كالذي خاضوا﴾ [التوبة: ٦٩]. وسبق في باب حفر الخندق بلفظ: على الإسلام بدل قوله هنا على
الجهاد وهو الموزون (فأجابهم) متمثلاً بقول ابن رواحة يحرضهم على العمل (فقال) ولغير أبي ذر
فأجابهم النبي ◌َّ- فقال:

٤٤٠
كتاب الجهاد والسير/ باب ١١١
(اللهم) لكن قال الداودي إنما قال ابن رواحة لا هم بغير ألف ولا لام فأتى به بعض الرواة
على المعنى وليس بموزون ولا هو رجز (لا عيش) يعتبر أو يبقى (إلاّ عيش الآخرة فأكرم الأنصار
والمهاجرة).
ومطابقته للترجمة من قوله على الجهاد ما حيينا أبدًا فإن معناه يؤول إلى أنهم لا يفرون عنه في
الحرب أصلاً.
٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - هقلنا إسحقُ بنُ إبراهيمَ سمِعَ محمدَ بنَ فُضَيلٍ عن عاصمٍ عن أبي
عثمانَ عن مُجاشعٍ رضيَ اللهُ عنه قال: ((أتيتُ النبيَّ وَّ أنا وأخي فقلتُ: بابِعْنا على الهجرةِ،
فقال: مَضَتِ الهجرةُ لأهلِها. فقلت: عَلامَ تُبابِعُنا؟ قال: على الإسلام والجهادِ)). [الحديث
٢٩٦٢ - أطرافه في: ٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧]. [الحديث ٢٩٦٣ - أطرافه في: ٣٠٧٩، ٤٣٠٦،
٤٣٠٨].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه أنه (سمع محمد بن فضيل) بضم الفاء تصغير
فضل بن غزوان الكوفي (عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي
بالنون البصري (عن مجاشع) بضم الميم وتخفيف الجيم وكسر الشين المعجمة آخره عين مهملة ابن
مسعود السلمي بضم السين قتل يوم الجمل (رضي الله عنه قال: أتيت النبي وَليّ) بعد الفتح (أنا
وأخي) مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم وكسر اللام آخره دال مهملة ابن مسعود قال مجاشع (فقلت):
يا رسول الله (بايعنا) بكسر المثناة التحتية وسكون العين (على الهجرة. فقال): عليه الصلاة والسلام:
(مضت الهجرة) أي حكمها (لأهلها) الذين هاجروا قبل الفتح فلا هجرة بعده ولكن جهاد
ونية (فقلت): يا رسول الله (علام) بحذف الألف وإبقاء الفتحة دليلاً عليها كفيم للفرق بين
الاستفهام والخبر ولأبي ذر قلت علاما بإسقاط الفاء قبل القاف وإثبات الألف بعد الميم أي على أي
شيء (تبايعنا؟ قال): عليه الصلاة والسلام أبايعكم (على الإسلام والجهاد) إذا احتيج إليه، وقد
كان قبل من بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلا لعذر ومن أسلم بعده فله أن يجاهد وله
التخلف عنه بنية صالحة إلا إن احتيج كنزول عدوّ فيلزم كل أحد.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والجهاد ومسلم في المغازي.
١١١ - باب عزم الإمام على الناسِ فيما يُطِيقون
(باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون) أي أن وجوب طاعة الإمام على الناس محله فيما لهم
به طاقة فالجار والمجرور متعلق بمحله المحذوف من اللفظ .