Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كتاب الجهاد والسير/ باب ١٣ ٢٨٠٧ - حقثنا أبو اليمانِ أخبرنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريّ ح. وحدَّثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني أخي عن سليمانَ أُراهُ عن محمدِ بنِ أبي عتيقِ عنِ ابنِ شِهاب عن خارجةَ بنِ زيدٍ أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ رضي اللهُ عنه قال: ((نَسَخْتُ الصُّحفَ في المصاحف ففَقَدْتُ آيَةً من سورة الأحزابِ كنتُ أسمعُ رسولَ اللَّهِ وَهِ يَقْرَأُ بها، فلم أجِدُها إلا معَ خُرَيْمةَ بنِ ثابتِ الأنصاريِّ الذي جَعلَ رسولُ اللَّهِ وَهـ شهادتَهُ شهادةَ رجُلَينٍ، وهو قولهُ: منَ المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا اللَّه عليه)). [الحديث ٢٨٠٧ - أطرافه في: ٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٧٨٤، ٤٩٨٦، ٤٩٨٨، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥]. وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب. (وحدّثنا) ولغير أبي ذر حدّثني بالإفراد وإسقاط واو العطف، وفي نسخة ح للتحويل وحدّثني بالإفراد والواو (إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (أخي) أبو بكر عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (عن محمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن خارجة بن زيد) الأنصاري (أن زيد بن ثابت) الأنصاري (رضي الله عنه) واللفظ لابن أبي عتيق ويأتي لفظ شعيب إن شاء الله تعالى في سورة الأحزاب (قال: نسخت الصحف في المصاحف ففقدت) بفتح القاف (آية من سورة الأحزاب) وسقط لأبي ذر سورة (كنت أسمع رسول الله* يقرأ بها فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول اللهصل* شهادته شهادة رجلين) خصوصية له رضي الله عنه لما كلم عليه الصلاة والسلام رجلاً في شيء فأنكره فقال خزيمة: أنا أشهد فقال عليه الصلاة والسلام: ((أتشهد ولم تستشهد» فقال: نحن نصدقك على خبر السماء فكيف بهذا فأمضى شهادته وجعلها بشهادتين وقال لا تعد (وهو قوله) تعالى: (﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾). [الأحزاب: ٢٣]. واستشكل كونه أثبتها في المصحف بقول واحد أو اثنين إذ شرط كونه قرآنًا التواتر. وأجيب: بأنه كان متواترًا عندهم ولذا قال: كنت أسمع رسول الله ◌َلا يقرأ بها، وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال: أشهد لسمعتها من رسول الله وَلغيره، وكذا عن أبي بن كعب وهلال بن أمية فهؤلاء جماعة. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التفسير وفي فضائل القرآن والترمذي والنسائي في التفسير هذا. ١٣ - باب عملٌ صالحٌ قبلَ القِتال وقال أبو الدَّزداءِ: إنما تُقاتلون بأعمالكم. ٣٠٢ کتاب الجهاد والسير/ باب ١٣ وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كَبُرَ مَقتًا عندَ اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون إنَّ اللَّه يُحِبُّ الذين يُقاتِلون في سبيلهِ صَفًّا كأنَّهم بُنيانٌ مَرْصوص﴾ [الصف: ٢ - ٤]. (باب) بالتنوين يذكر فيه (عمل صالح قبل القتال): وفي نسخة باب عمل صالح بالإضافة. (وقال أبو الدرداء): عويمر بن مالك الأنصاري مما ذكره الدينوري في المجالسة (إنما تقاتلون بأعمالكم) أي متلبسين بأعمالكم، (وقوله عز وجل) بالرفع عطفًا على المرفوع السابق (﴿ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾). كان المؤمنون يقولون لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون﴾ [الصف: ٤] فكرهوا القتال فوعظهم الله وأدّبهم فقال: لِمَ تقولون ما لا تفعلون (﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾) أي عظم ذلك في البغض وهذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب بتعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند كُبر إلى أن تقولوا ونصب مقتًا على تفسيره دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه لفرط تمكن المقت منه واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه (﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله﴾) أي في طاعته (﴿صفًّا﴾) صافين أنفسهم (﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾) [الصف: ٣، ٤] أي كأنهم في تراصّهم بنيان رصّ بعضه إلى بعض والمراد أنهم لا يزولون عن أماكنهم، ولفظ رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿ما لا تفعلون﴾ إلى قوله: ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ فلم يذكر ما بينهما. قال ابن المنير: ومناسبة الآية للترجمة فيها خفاء وكأنه من جهة أن الله تعالى عاتب من قال أنه يفعل الخير ولم يفعله وأثنى على من وفى وثبت عند القتال أو من جهة أنه أنكر على من قدّم على القتال قولاً غير مرضي، ومفهومه ثبوت الفضل في تقديم الصدق والعزم الصحيح على الوفاء وذلك من أصلح الأعمال. وقال الكرماني: والمقصود من ذكر هذه الآية ذكره ﴿صفًّا﴾ إذ هو عمل صالح قبل القتال. ٢٨٠٨ - حقثني محمدُ بن عبدِ الرَّحيمِ حدَّثَنَا شَبابةُ بنُ سَوّارِ الفَزاريُّ حدَّثَنا إسرائيلُ عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البراءَ رضيَ اللَّهُ عنه يقول: ((أتى النبيِّ ◌َ﴿ رجلٌ مُقَنَّعٌ بالحديد فقال: يا رسولَ اللَّه، أُقاتلُ أو أُسلِمُ؟ قال: أسلمْ ثم قاتِلْ. فأسلم ثمَّ قائلَ فقُتِلَ. فقال رسولُ اللَّهِ وَّ: عَملَ قليلاً وأُچِرَ کثیرًا». وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) المعروف بصاعقة قال: (حدّثنا شبابة بن سوار) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الموحدة وبعد الألف موحدة ثانية وسوار بفتح السين المهملة وتشديد الواو وبعد الألف راء (الفزاري) بفتح الفاء وتخفيف الزاي قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحق (عن) جده (أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت البراء) بن عازب (رضي الله عنه يقول: أتى النبي ( * رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم ٣٠٣ کتاب الجهاد والسير/ باب ١٤ أعرف اسمه لكنه أنصاري أوسي من بني النبيت بنون مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة ففوقية كما في مسلم، ولولا ذلك لأمكن تفسيره بعمرو بن ثابت بن وقش بفتح الواو والقاف بعدها معجمة وهو المعروف بأصيرم بني عبد الأشهل فإن بني عبد الأشهل بطن من الأنصار من الأوس وهم غير بني النبيت، ويمكن أن يحمل على أن له في بني النبيت نسبة فإنهم إخوة بني عبد الأشهل يجمعهم الانتساب إلى الأوس (مقنع) بفتح القاف والنون المشددة أي غطى وجهه (بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل وأسلم)؟ ولأبي ذر عن المستملي: أو أسلم (قال) عليه الصلاة والسلام: (أسلم ثم قاتل) (فأسلم ثم قاتل فقتل فقال رسول الله(وَي): (عمل قليلاً وأجر) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أجرًا (كثيرًا) بالمثلثة. وأخرج ابن إسحق في المغازي بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: ((أخبروني عن رجل دخل الجنة لم يصلُ صلاة ثم يقول هو عمرو بن ثابت». ١٤ - باب من أتاهُ سهمٌ غربٌ فقَتَله (باب من أتاه سهم غرب فقتله) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء آخره موحدة منوّنًا كسهم صفة له قال أبو عبيد وغيره أي لا يعرف راميه أو لا يعرف من أين أتى أو جاء على غير قصد من راميه وعن أبي زيد فيما حكاه الهروي إن جاء من حيث لا يعرف فهو بالتنوين والإسكان وإن عرف راميه لكن أصاب من لم يقصد فهو بالإضافة وفتح الراء، وأنكر ابن قتيبة السكون ونسبه لقول العامة وجوّز الفتح إضافة سهم لغرب. ٢٨٠٩ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا حُسَينُ بنُ محمدٍ أبو أحمدَ حدَّثنا شيبانُ عن قتادةَ حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ أنَّ أمَّ الرَّبَيِّع بنتَ البَراء وهي أمُّ حارثةَ بنِ سُراقةَ أَتَتِ النبيَّ ◌َّر فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ ألا تحدِّثني عن حارثةَ - وكانَ قُتِلَ يومَ بَذْرٍ أصابَهُ سهمٌ غربٌ - فإن كان في الجنَّةِ صَبَرتُ، وإن كان غيرَ ذُلك اجْتَهَدْتُ عليهِ في البكاء. قال: يا أُمَّ حارثةَ، إنها جِنانٌ في الجنَّةِ، وإنَّ ابنكِ أصابَ الفِردَوسَ الأعلى)). [الحديث ٢٨٠٩- أطرافه في: ٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله) هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي كما جزم به الكلاباذي وتبعه غيره وقد نسبه المؤلف إلى جده قال: (حدّثنا حسين بن محمد) بضم الحاء وفتح السين (أبو أحمد) بن بهرام التميمي المروذي سكن بغداد قال: (حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة أبو معاوية النحوي (عن قتادة) بن دعامة أنه قال: حدّثنا أنس بن مالك أن أم الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت البراء) بنصب بنت وتخفيف راء البراء وهذا وهم والصواب المعروف أن الربيع بنت النضر بن ضمضم عمة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم، وقال ابن الأثير في جامعه: إنه الذي وقع في كتب النسب والمغازي وأسماء الصحابة. قال ابن حجر: وليس ٣٠٤ كتاب الجهاد والسير/ باب ١٥ هذا بقادح في صحة الحديث ولا في ضبط رواته. (وهي أم حارثة بن سراقة) بضم السين المهملة وتخفيف الراء والقاف وحارثة بالحاء المهملة والمثلثة الأنصاري (أتت النبي ﴿﴿ فقالت: يا نبي الله ألا تحذّثني عن حارثة)؟ بضم المثلثة من تحدّثني (وكان قتل يوم) وقعة (بدر أصابه سهم غرب) بتنوين سهم وغرب مع سكون الراء، ولأبي ذر: غرب بفتح الراء. قال ابن قتيبة: وهو الأجود لكنه ذكره مع إضافة سهم لغرب وقد مرّ مع غيره أوّلاً، (فإن كان في الجنة صبرت) قال ابن المنير: إنما شكت فيه لأن العدوّ لم يقتله قصدًا وكأنها فهمت أن الشهيد هو الذي يقتل قصدًا لأنه الأغلب، فنزلت الكلام على الغالب حتى بيّن لها الرسول العموم (وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء). نقل الحافظ ابن حجر وتبعه العيني عن الخطابي ما نصه: أقرّها النبي ◌َّ ر على هذا فيؤخذ منه الجواز ثم تعقباه بأن ذلك كان قبل تحريم النوح فلا دلالة فيه فإن تحريمه كان في غزوة أُحُد، وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر وفي هذا نظر لا يخفى فإنها لم تقل اجتهدت عليه في النوح ولا يلزم من الاجتهاد في البكاء النوح وليس فيما نقلاه عن الخطابي ما يفهم ذلك، بل قوله أقرّها على هذا إشارة إلى البكاء المذكور في الحديث، ولا ريب أن البكاء على الميت قبل الدفن وبعده جائز اتفاقًا فليتأمل. (قال) عليه الصلاة والسلام (يا أم حارثة، إنها جنان) أي درجات (في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة والضمير في قوله إنها مبهم يفسره ما بعده كقولهم: هي العرب تقول ما تشاء، ويجوز أن يكون الضمير للشأن، وجنان مبتدأ والتنكير فيه للتعظيم والمراد بذلك التفخيم والتعظيم. (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لأبي ذر. ١٥ - باب من قَأْتَلَ لتكونَ كلمةُ اللَّهِ هي العُليا (باب) فضل (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا). ٢٨١٠ - حدثنا سُليمانُ بنُ حربٍ حدَّثَنَا شُعبةُ عن عمرو عن أبي وائلٍ عن أبي موسى رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((جاءَ رجُلٌ إلى النبيِّ نَّهِ فقال: الرجُلُ يُقاتلُ للمَغنم، والرجُلُ يُقاتلُ للذكر، والرّجلُ يقاتلُ ليُرَى مكانهُ، فمَنْ في سبيلِ اللَّه؟ قال: مَن قاتَلَ لتكونَ كلمةُ اللَّهِ هي العُليا فهو في سبيلٍ الله)). وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم هو ابن مرة (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (رضي الله عنه) أنه (قال: جاء رجل) هو لاحق بن ضميرة الباهلي كما عند أبي موسى المديني ٣٠٥ كتاب الجهاد والسير/ باب ١٦ في الصحابة (إلى النبي وَ ﴿ فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر) بين الناس ويشتهر بالشجاعة (والرجل يقاتل ليُرَى) بضم الياء وفتح الراء مبنيًّا للمفعول (مكانه) بالرفع نائب عن الفاعل أي مرتبته في الشجاعة، وفي رواية الأعمش عن أبي وائل الآتية إن شاء الله تعالى في التوحيد ويقاتل رياء، وزاد في رواية منصور عن أبي وائل السابقة في العلم والأعمش ويقاتل حمية وفي رواية منصور ويقاتل غضبًا فتحصل أن أسباب القتال خمسة طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية، والغضب (فمن في سبيل الله؟ قال) عليه الصلاة والسلام: (من قاتل لتكون كلمة الله) أي كلمة التوحيد (هي العليا) بضم العين المهملة (فهو) المقاتل (في سبيل الله) عز وجل لا طالب الغنيمة والشهرة ولا مُظهر الشجاعة ولا للحميّة ولا للغضب فلو أضاف إلى الأوّل غيره أخلّ بذلك. نعم لو حصل ضمنًا لا أصلاً ومقصودًا لا يخل وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال: لا شيء له. فأعادها ثلاثًا كل ذلك يقول لا شيء له. ثم قال رسول الله وَله: ((إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه)). وقال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه اهـ. وفي جوابه عليه الصلاة والسلام بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز فهو من جوامع كلمه وَلقر لأنه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتمل أن يكون ما عداه في سبيل الله وليس كذلك فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حالة المقاتل فتضمن الجواب وزيادة، وقد يفسر القتال للحمية بدفع المضرّة والقتال غضبًا بجلب المنفعة والذي يرى منزلته أي في سبيل الله فتناول ذلك المدح والذم فلذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي قاله في فتح الباري. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس والتوحيد، وسبق في العلم في باب: من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا. ١٦ - باب من اغبرَّتْ قَدَماهُ في سبيلِ اللَّهِ وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ما كانَ لأهلِ المدينةِ ومن حولهم منَ الأعرابِ أن يتخلّفوا عن رسولِ اللَّهِ - إلى قوله - إن الله لا يُضيعُ أجرَ المحسِنِين﴾ [التوبة: ١٢٠]. (باب) فضل (من اغبرت قدماه في سبيل الله) عند الاقتحام في المعارك لقتال الكفار وخص القدمين لكونهما العمدة في سائر الحركات. (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على السابق ولأبي ذر: عز وجل: (﴿ما كان لأهل المدينة﴾) ظاهره خبر ومعناه نهي (﴿ومن حولهم من الأعراب﴾) سكان البوادي مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار (﴿أن يتخلفوا عن رسول الله﴾) إذا غزا (إلى قوله ﴿إن الله لا إرشاد الساري/ ج ٢/٦ ٢٠ ٣٠٦ کتاب الجهاد والسير/ باب ١٦ يضيع أجر المحسنين)) [التوبة: ١٢٠] ولغير أبي ذر: ﴿ما كان لأهل المدينة) إلى قوله: ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ومناسبة الآية للترجمة كما قال ابن بطال: إن الله تعالى قال في الآية ﴿ولا يطؤون موطئًا﴾ أي أرضًا يغيظ الكفار وطؤهم إياها ولا ينالون من عدوّ نيلاً أي لا يصيبون من عدوهم قتلاً أو أسرًا أو غنيمة إلا كتب لهم به عمل صالح قال: ففسر ◌َّير العمل الصالح بأن النار لا تمس من عمل بذلك قال: والمراد بسبيل الله جميع طاعاته اهـ. وعن عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي ◌َّل يقول: ((من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)). رواه البخاري وفيه استعمال اللفظ في عمومه لكن المتبادر عند الإطلاق من لفظ سبيل الله الجهاد . ٢٨١١ - حدثنا إسحقُ أخبرنا محمدُ بنُ المباركِ حدَّثَنا يحيى بنُ حمزة قال: حدَّثني يَزِيدُ بنُ أبي مَريمَ أخبرنا عباية بنُ رفاعةً بن رافع بنٍ خَدِيجٍ قال: أخبرني أبو عبسٍ هو عبدُ الرحمنِ بنُ جبرٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ له قال: ((ما اغبرَّت قدما عبدٍ في سبيلِ اللَّهِ فَتَمسَّهُ النار)). وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن منصور كما نسبه الأصيلي فيما ذكره الجياني قال: (أخبرنا) بالخاء المعجمة (محمد بن المبارك) الصوري قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي الحميري قاضي دمشق (قال: حدثني) بالإفراد (يزيد بن أبي مريم) يزيد من الزيادة أبو عبد الله قال: (أخبرنا عباية بن رفاعة) بفتح عين عباية وتخفيف الموحدة والتحتية ورفاعة بكسر الراء وبالفاء وبعد الألف عين مهملة (ابن رافع بن خديج) بالفاء والعين المهملة وخديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم وسقط لغير أبي ذر ابن رفاعة، وسقط لأبي ذر ابن خديج (قال: أخبرني كبالإفراد (أبو عبس) بفتح العين وسكون الموحدة آخره سين مهملة (هو عبد الرحمن بن جبر) بفتح الجيم وسكون الموحدة آخره راء وسقط هو عبد الرحمن بن جبر لأبي ذر (أن رسول الله الفيوم قال): (ما اغبرّت قدما عبد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ما اغبرتا بالتثنية وهي لغة والأولى أفصح، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة: ((ساعة من نهار)) (في سبيل الله فتمسه النار) بنصب تمسه أي أن المس ينتفي بوجود الغبار المذكور وإذا كان مس الغبار قدميه دافعًا لمس النار إياه فكيف إذا سعى بهما واستفرغ جهده فقاتل حتى قتل وقتل؟ وفي الأوسط للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار وحديث الباب قد سبق في باب: المشي إلى الجمعة في كتاب الجمعة. ٣٠٧ کتاب الجهاد والسير/ باب ١٧ ١٧ - باب مَسح الغبارِ عنِ الرأسِ في سبيلِ اللَّه (باب) عدم كراهة (مسح الغبار عن الناس في السبيل) كذا في عدة نسخ مقابلة على اليونينية وفي بعض الأصول عن الرأس في سبيل الله، وقيل: إن التعبير بالناس تصحيف. قال العيني. ولا وجه لدعوى التصحيف لأنه إذا لم يكره مسح الغبار عن رأس من هو في سبيل الله فكذلك مسح غيرها. ٢٨١٢ - حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى أخبرَنا عبدُ الوهابِ حدَّثَنا خالدٌ عن عِكرِمةَ أنَّ ابنَ عبّاسٍ قال لهُ ولعليّ بنِ عبدِ اللَّهِ: انتيا أبا سعيدٍ فاسمعا مِن حديثهِ. فأتَيْنَاهُ وهوَ وأخوهُ في حائطٍ لهما يَسقيانه، فلمّا رآنا جاء فاحْتَبى وجَلسَ فقال: ((كنّا نَنقُلُ لَبِنَ المسجدِ لَبِنَّةً لَبنة، وكان عَمّارٌ ينقُلُ لِنَتِينٍ لبنتين، فمَرَّ بِهِ النبيُّ نَّهِ ومَسحَ عن رأسهِ الغُبارَ وقال: وَيحَ عمارٍ تَقتُلهُ الفِئةُ الباغية، عمّارٌ يَذْعوهم إلى اللَّهِ ويَدْعونَهُ إلى النار)). وبه قال: (حذّثنا إبراهيم بن موسى) الرازي الصغير قال: (أخبرنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة أن ابن عباس) رضي الله عنهما (قال له) أي لعكرمة (ولعلي) أي ولابنه عليّ (بن عبد الله) بن عباس أبي الحسن العابد (ائتيا أبا سعيد) الخدري رضي الله عنه (فاسمعا من حديثه فأتيناه) ولأبي ذر عن الكشميهني فأتيا (وهو وأخوه) أي من الرضاعة وليس لأبي سعيد أخ شقيق ولا أخ من أبيه ولا من أمه إلا قتادة بن النعمان، ولا يصح أن يكون هو فإن عليّ بن عبد الله بن عباس ولد في آخر خلافة عليّ ومات قتادة بن النعمان، قبل ذلك في أواخر خلافة عمر. (في حائط) أي بستان (لهما يسقيانه، فلما رآنا) أبو سعيد (جاء) فأخذ رداءه (فاحتبى وجلس فقال: كنا ننقل لبن المسجد) بفتح اللام وكسر الموحدة طوبه النيء المتخذ لعمارته (لبنة لبنة) مرتين (وكان عمار) هو ابن ياسر (ينقل لبنتين لبنتين) ذكرهما مرتين كلبنة (فمرّ به النبي ◌َ ﴿ ومسح عن رأسه الغبار وقال): (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، هم أهل الشام، وسقط لأبي ذر قوله تقتله الفئة الباغية، وفي البزار أن أبا سعيد هذا الساقط عند أبي ذر من أصحابه لا من النبي ◌َّر (عمار يدعوهم) أي يدعو عمار الفئة الباغية وهم أصحاب معاوية الذين قتلوه في وقعة صفين (إلى) طاعة (الله) إذ طاعة عليّ الإمام إذ ذاك من طاعة الله وقال ابن بطال: يريد والله أعلم أهل مكة الذين أخرجوا عمارًا من دياره وعذبوه في ذات الله قال: ولا يمكن أن يتأوّل ذلك على المسلمين لأنهم أجابوا دعوة الله تعالى، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجًا عن الإسلام (ويدعونه) أي الفئة الباغية أو أهل مكة (إلى) سبب (النار) لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم لأنهم كانوا مجتهدين ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم الناشئة عن الاجتهاد، وإذ قلنا المراد ٣٠٨ کتاب الجهاد والسير/ باب ١٨ أهل مكة وأنهم دعوه إلى الرجوع إلى الكفر، وأن هذا كان أول الإسلام فلم قال: يدعوهم بلفظ المستقبل فيكون قد عبّر بالمستقبل موضع الماضي كما يقع التعبير بالماضي موضع المستقبل فمعنى يدعوهم دعاهم إلى الله فأشار عليه الصلاة والسلام إلى ذكر هذا لما طابقت شدّته في نقله لبنتين شدّته في صبره بمكة على العذاب تنبيهًا على فضيلته وثباته في أمر الله قاله ابن بطال. والأول هو ظاهر السياق لا سيما مع قوله: تقتله الفئة الباغية، ولا يصح أن يقال: إن مراده الخوارج الذين بعث عليّ عمارًا يدعوهم إلى الجماعة لأن الخوارج إنما خرجوا على علي بعد قتل عمار بلا خلاف، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقب التحكيم، وكان عقب انتهاء القتال بصفّين، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعًا، لكن ابن بطال تأدب حيث لم يتعرض لذكر صفين إبعادًا لأهلها عن نسبة البغي إليهم وفيما تقدم من الاعتذار عنهم بكونهم مجتهدين والمجتهد إذا أخطأ له أجر ما يكفي عن هذا التأويل البعيد. وهذا الحديث قد مرّ في باب التعاون في بناء المسجد من كتاب الصلاة. ١٨ - باب الغُسْلِ بعدَ الحربِ والغُبارِ ٢٨١٣ - حدثنا محمدٌ أخبرَنا عَبدةُ عن هشام بنِ عُروةً عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها: (أنَّ رسولَ اللَّهِوَّل﴿ لما رَجَعَ يومَ الخَندقِ ووَضعَ السلاحَ واغتَسَل، فأتاهُ جبريلُ وقد عَصبَ رأسَهُ الغُبارُ فقال: وَضعتَ السِّلاحَ؟ فوَاللَّهِ ما وَضعتُهُ. فقال رسولَ اللَّهِ وَّهِ: فأينَ؟ قال: هُهنا - وأومَأ إلى بني قريظةً - قالت: فخرَجَ إليهم رسولُ اللَّهِ (ِ». (باب) جواز (الغسل بعد الحرب والغبار). وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد) بغير نسبه ونسبة أبو ذر عن الكشميهني فقال محمد بن سلام بتخفيف اللام ابن الفرج السلمي البيكندي قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﴿ لما رجع يوم الخندق) الذي حفره الصحابة لما تحزبت عليهم الأحزاب بالمدينة سنة أربع أو سنة خمس (ووضع السلاح) وسقط لأبي ذر لفظ السلاح (واغتسل، فأتاه جبريل) عليهما السلام (و) الحال أنه (قد عصب رأسه الغبار) بتخفيف الصاد المهملة أي ركب على رأسه الغبار وعلق به كالعصابة تحيط بالرأس (فقال) له: (وضعت السلاح فوالله ما وضعته. فقال) له (رسول (فأين)؟ وفي المغازي من طريق عبد الله بن أبي شيبة عن ابن نمير عن هشام والله ما وضعناه فاخرج إليهم قال: ((فإلى أين)»؟ (قال: هلهنا وأومأ إلى بني قريظة) بضم القاف وفتح الراء وسكون ٣٠٩ کتاب الجهاد والسير/ باب ١٩ التحتية وفتح الظاء المعجمة قبيلة من اليهود (قالت) عائشة رضي الله عنها (فخرج إليهم رسول الله ◌َالحد) : وهذا الحديث أخرجه في المغازي أيضًا. ١٩ - باب فضل قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ولا تحسبنَّ الذينَ قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتًا بل أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقون. فرحينَ بما آتاهُم اللَّهُ مِن فضلهِ ويستبشرونَ بالذينَ لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوفٌ علیھم ولا هم يَحزَنونَ. يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضلٍ وأنَّ الله لا يُضيعُ أجر المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٩ - ١٨١] (باب فضل قول الله تعالى): أي فضل من ورد فيه قول الله تعالى، ولأبي ذر: عز وجل (﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء﴾) أي بل هم أحياء (﴿عند ربهم)) ذوو زلفى منه (﴿يرزقون﴾) من الجنة (﴿فرحين﴾) حال من الضمير في يرزقون (﴿بما آتاهم الله من فضله﴾) وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله تعالى والتمتع بنعيم الجنة (﴿ويستبشرون﴾) عطف على فرحين أي يسرون بالبشارة (﴿بالذين لم يلحقوا بهم﴾) أي بإخوانهم المؤمنين الذين فارقوهم أحياء فيلحقوا بهم (﴿من خلفهم ألاّ خوف عليهم﴾) فيمن خلفوهم من ذريتهم (﴿ولا هم يحزنون﴾) على ما خلفوا من أموالهم (﴿يستبشرون﴾) قال القاضي كرره للتوكيد، أو ليعلق به ما هو بيان لقوله (أن لا خوف عليهم) ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم (﴿بنعمة من الله﴾) ثواب لأعمالهم (﴿وفضل)) زيادة عليه كقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] وتنكيرهما للتعظيم (﴿وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾﴾ [آل عمران: ١٦٩- ١٧٠ - ١٧١] من جملة المستبشر به عطف على فضل. وفي حديث ابن عباس عند الإمام أحمد مرفوعًا: الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم بكرةً وعشيًّا. وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة بالشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة فإذا شهدوا القتال باشروه بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر الله رسول الله وَلقه بأمرهم وما هم فيه من الكرامة وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا فذلك قوله تعالى: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ [آل عمران: ١٧٠] الآية. وسياق الآيتين الكريمتين ثابت في رواية الأصيلي وكريمة، وقال في رواية أبي ذر: يرزقون - إلى - وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين. ٢٨١٤ - هقثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثني مالكٌ عن إسحقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ عن أنسٍ بنِ مالكِ رضي اللَّهُ عنه قال: ((دعا رسولُ اللَّهِ وَهِ على الذين قتلوا أصحابَ بثرٍ ٣١٠ کتاب الجهاد والسير/ باب ١٩ مَعونةَ. ثلاثينَ غداةً، على رِعْلِ وذَكوانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ اللّهَ ورسولَهُ. قال أنسٌ: أُنزِلَ في الذينَ قُتلوا ببئرِ مَعونةَ قُرآنٌ قَرَأْناهُ ثمَّ نُسِخَ بعدُ: بَلْغوا قَومنا أنْ قد لَقِينا ربَّنا فرضيَ عنّا ورضِينا عنه)). وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه (أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال): (دعا رسول الله وَلقر على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة) بفتح الميم وضم العين المهملة ويعد الواو الساكنة نون موضع من جهة نجد (ثلاثين غداة على رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملة بدل من الذين قتلوا بإعادة العامل (وذكوان) بالذال المعجمة (وعصية) بضم العين وفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية (عصت الله ورسوله) (قال أنس: أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نسخ)، لفظه (بعد بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه). زاد عمر بن يونس عن عكرمة عن إسحاق بن أبي طلحة عند ابن جرير ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٦٩] وبهذه الزيادة تحصل المطابقة بين الحديث والآية. وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي بأتم من هذا وأخرجه مسلم في الصلاة. ٢٨١٥ - حدثنا عليّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدّثَنَا سُفيان عن عمرٍو سمع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ رضي اللَّهُ عنهما يَقولُ: ((اضْطَبِحَ ناسٌ الخَمرَ يَومَ أُحُدٍ، ثمَّ قُتلوا شُهَداء. فقيل لسُفيانَ: مِن آخرِ ذلك اليومِ؟ قال: ليسَ هذا فيه)). [الحديث ٢٨١٥ - طرفاه في: ٤٠٤٤، ٤٦١٨]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار المكي أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (رضي الله عنهما يقول: اصطبح ناس) منهم والد جابر (الخمر) أي شربوها بالغداة (يوم أُحُد) وكانت إذ ذاك مباحة (ثم قتلوا شهداء)، والخمر في بطونهم فلم يمنعهم ما كان في علم الله من تحريمها ولا كونها في بطونهم من حكم الشهادة وفضلها، لأن التحريم إنما يلزم بالنهي وما كان قبل النهي فغير مخاطب به، (فقيل لسفيان) بن عيينة: (من آخر ذلك اليوم) أي في هذا الحديث هذا اللفظ موجود (قال) سفيان: (ليس هذا فيه). وأما مطابقة الحديث للترجمة فقال ابن المنير: عسر جدًّا إلا أن يكون مراده التنبيه على أن الخمر التي شربوها لم تضرهم لأن الله أثنى عليهم بعد موتهم ورفع عنهم الخوف والحزن، وما ذاك أن الخمر كانت يومئذٍ مباحة، ولا يتعلق التكليف بفعل المكلف باعتبار ما في علم الله تعالى حتى يبلغه رسوله اهـ. قال في المصابيح بعد ذكره لهذا: لم تحصل النفس على شفاء من مطابقة الحديث للترجمة لأن هؤلاء الذين اصطبحوا ثم ماتوا وهي في بطونهم لم يفعلوا ما يتوقع عليه عتاب ولا عقاب ضرورة ٣١١ کتاب الجهاد والسير/ باب ٢٠ أنها كانت مباحة حينئذٍ فهي كغيرها من مباحات صدرت منهم ذلك اليوم فما الحكمة في تخصيص هذا المباح دون غيره اهـ. وأجاب في فتح الباري: بإمكان أن يكون أورد الحديث للإشارة إلى أحد الأقوال في سبب نزول الآية المترجم بها، فقد روى الترمذي من حديث جابر أيضًا: إن الله تعالى لما كلم والد جابر وتمنى أنه يرجع إلى الدنيا ثم قال: يا رب بلغ من ورائي فأنزل الله تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]. وحديث الباب قد أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والتفسير. ٢٠ - باب ظلُ الملائكةِ على الشهيدِ ٢٨١٦ - حدثنا صِدَقةُ بنُ الفَضلِ قال: أخبرنا ابنُ عُيَينةَ قال: سمعتُ محمدَ بنَ المنكدِرِ أنّهُ سمع جابرًا يقول: ((جيءَ بأبي إلى النبيِّ نَ ◌ّهِ وقد مُثِّلَ بهِ ووُضعَ بين يديه، فذهَبتُ أكشفُ عن وَجِههِ، فنهاني قومي، فسمعَ صوتَ نائحةٍ، فقيل: ابنةُ عمرو - أو أختُ عمرو - فقال: لِمَ تبكي، أو لا تبكي، ما زالتِ الملائكةُ تُظلهُ بأجنحتها. قلتُ لصدَقةَ: أفيهِ حتّى رُفعَ؟ قال: رُبما قاله)). (باب ظل الملائكة على الشهيد). وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي (قال: أخبرنا ابن عيينة) سفيان (قال: سمعت محمد بن المنكدر) وسقط لأبي ذر لفظ محمد (أنه سمع جابرًا) الأنصاري (يقول: جيء بأبي) عبد الله أي يوم وقعة أُحُد (إلى النبي ◌َّه وقد مثل به) بضم الميم وتشديد المثلثة المكسورة أي جدع أنفه وأُذنه أو شيء من أطرافه (ووضع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه) الثوب (فنهاني قومي فسمع) عليه الصلاة والسلام (صوت) امرأة (صائحة) ولأبي ذر عن الكشميهني: صوت نائحة زاد في الجنائز فقال من هذه (فقيل: ابنة عمرو) فاطمة أخت المقتول عمة جابر (- أخت عمرو -) عمة المقتول عبد الله والشك من الراوي (فقال) عليه الصلاة والسلام: (لم تبكي) بكسر اللام وفتح الميم أي لم تبكي هي فالخطاب لغيرها، وإلا فلو كان مخاطبًا لها لقال: لم تبكين؟ (أو لا تبكي)، شك الراوي هل استفهم أو نهى (ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) فكيف تبكي عليه مع حصول هذه المنزلة له؟ قال البخاري رحمه الله تعالى (قلت: لصدقة): أي ابن الفضل شيخه (أفيه) أي في الحديث (حتى رفع؟ قال) أي سفيان بن عيينة (ربما قاله) أي جابر ولم يجزم وقد جزم به في الجنائز من طريق علي بن عبد الله المديني، وكذا رواه الحميدي وجماعة عن سفیان كما أفاده في فتح الباري. وهذا الحديث قد سبق في الجنائز وأخرجه أيضًا في المغازي. ٣١٢ كتاب الجهاد والسير/ باب ٢١ و٢٢ ٢١ - باب تَمنّي المجاهدِ أن يَرجعَ إلى الدُّنيا ٢٨١٧ - حدّثنا محمدُ بنُ بَشَار حدَّثَنَا غُندرٌ حدَّثَنَا شُعبةُ قال: سمعتُ قتادةَ قال: سمعت أنسَ بنَ مالكِ رضي اللَّهُ عنه عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((ما أحدٌ يَدخلُ الجنةَ يُحبُّ أن يَرجعَ إلى الدنيا وله ما على الأرضٍ مِن شيء، إلا الشهيدُ يتمنّى أن يرجعَ إلى الدُّنيا فيُقتَلَ عشرَ مرات، لما يَرىْ منَ الكرامةِ». (باب تمني المجاهد) الذي قتل في سبيل الله (أن يرجع إلى الدنيا) لما يرى من الكرامة. وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة آخره راء منوّنة محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ◌َلير) أنه (قال): (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا و) الحال أن (له ما على الأرض من شيء) وفي رواية مسلم من طريق أبي خالد الأحمر: وأن له الدنيا وما فيها (إلا الشهيد) بالرفع ولأبي ذر: إلا الشهيد بالنصب ((يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل)) بالنصب (عشر مرات) أي في سبيل الله (ما) باللام أي لأجل ما (يرى من الكرامة). ولأبي ذر بما بالموحدة أي بسبب ما يرى. وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي في الجهاد. ٢٢ - باب الجنةُ تحتَ بارقةِ السيوف وقال المغيرةُ بنُ شعبةً: أخبرَنا نبيّنا وَّهَ عن رسالةِ ربْنا: مَن قُتِلَ منّا صارَ إلى الجنّة. وقال عمرُ للنبيِّ وَله: أليسَ قَتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. هذا (باب) بالتنوين (الجنة تحت بارقة السيوف) من إضافة الصفة إلى الموصوف والبارقة اللمعان. (وقال المغيرة بن شعبة): مما وصله المؤلف تامًّا في الجزية (أخبرنا نبينا) وللأصيلي وأبي الوقت: نبينا محمد، وليس في اليونينية لفظ محمد نعم هو في فرعها ( * عن رسالة ربنا) (من قتل منا) أي في سبيل الله ((صار إلى الجنة)) وثبت قوله عن رسالة ربنا للحموي والمستملي. (وقال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه مما وصله المؤلف في قصة عمرة الحديبية (للنبي وَلافر: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ (قال): (بلى). ٢٨١٨ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا معاويةُ بنُ عمرٍو حدَّثَنا أبو إسحقَ عن موسى بنِ عُقبةَ عن سالمٍ أبي النَّضرِ مولى عمرَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ - وكان كاتِبَهُ - قال: كتبَ إليهِ عبد اللَّهِ بنُ أبي ٣١٣ كتاب الجهاد والسير/ باب ٢٢ أوفى رضيَ اللَّهُ عنهما أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّهِ قال: ((واعلموا أنَّ الجنَّة تحتَ ظِلالِ السيوف». تابعه الأويسيُّ عنِ ابنِ أبي الزنادِ عن موسى بنِ عُقبة. [الحديث ٢٨١٨ - أطرافه في: ٢٨٣٣، ٢٩٦٦، ٣٠٢٤، ٧٢٣٧]. وبه قال: (حذّثنا) وفي نسخة بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين بن المهلب الأزدي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد الفزاري لا السبيعي وسها الكرماني (عن موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف الإمام في المغازي (عن سالم أبي النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن معمر التميمي (- وكان) أي سالم (كاتبًا -) أي لعمر بن عبيد الله وفي الفرع كان كاتبه قاله الكرماني وتبعه البرماوي، وقد وقع التصريح بذلك في باب: لا تمنوا لقاء العدوّ من رواية يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليربوعي عن أبي إسحاق الفزاري حيث قال فيها: حدثني سالم أبو النضر كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله وحينئذٍ فقول الحافظ ابن حجر قوله وكان كاتبه أي أن سالمًا كان كاتب عبد الله بن تأبي أوفى سهو، وتبعه فيه العلامة العيني وزاد فقال: وقد سهى الكرماني سهوًا فاحشًا حيث قال: وكان سالم كاتب عمر بن عبيد الله، وليس كذلك بل الصواب ما ذكرناه أي من كونه كاتب عبد الله بن أبي أوفى. (قال) أي سالم (كتب إليه) أي إلى عمر بن عبيد الله (عبد الله بن أبي أوفى) فاعل كتب (رضي الله عنهما). زاد في رواية يوسف بن موسى فقرأته قال الدار قطني: لم يسمع أبو النضر من ابن أبي أوفى فهو حجة في رواية المكاتبة، وتعقب كما في فتح الباري بأن شرط الرواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه، وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم إنما كتب إلى عمر بن عبد الله وحينئذٍ فتكون رواية سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من صور الوجادة. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال الظاهر أنه من رواية سالم عن مولاه عن عبد الله بقراءته عليه لأنه كان كاتبه عن عبد الله بن أبي أوفى أنه كتب إليه فيصير حينئذٍ من صور المكاتبة اهـ. وفيه التصريح بأن سالمًا كاتب عمر بن عبيد الله فترجح أن قوله الأوّل سهو أو سبق قلم، ويستأنس له بقول الدارقطني لم يسمع أبو النضر من ابن أبي أوفى فليتأمل. (أن رسول الله وَ لفي قال): (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف). أي أن ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله وهو من المجاز البليغ لأن ظل الشيء لما كان ملازمًا له ولا شك أن ثواب الجهاد الجنة، فكأن ظلال السيوف المشهورة في الجهاد تحتها الجنة أي ملازمها استحقاق ذلك، وخص السيوف لأنها أعظم آلات القتال وأنفعها لأنها أسرع إلى الزهوق، وفي حديث عمار بن ياسر عند الطبراني بإسناد صحيح أنه قال يوم صفين: الجنة تحت الأبارقة، وفي ترجمة عمار بن ياسر من طبقات ابن سعد: تحت البارقة بغير همز. قال ابن حجر: وهو الصواب. والبارقة: اللمعان. وقد ٣١٤ کتاب الجهاد والسير/ باب ٢٣ تطلق البارقة ويراد بها نفس السيوف، وقيل الأبريق السيف ودخلت الهاء عوضًا عن الياء، ولم يذكر المؤلف من الحديث ما يوافق لفظ الترجمة وكأنه أشار بها إلى حديث عمار المذكور ولم يسقه لكونه ليس على شرطه، واستنبط معناها مما هو على شرطه فإنه إذا ثبت لها ظلال ثبت لها بارقة ولمعان قاله ابن المنير. (تابعه) أي تابع معاوية بن عمرو (الأويسي) عبد العزيز بن عبد الله مما رواه المؤلف في غير كتابه هذا (عن ابن أبي الزناد) عبد الرحمن مفتي بغداد واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني (عن موسى بن عقبة). قال في الفتح: وقد رواه عمر بن شبة عن الأويسي فبين أن ذلك كان يوم الخندق. وهذا الحديث ذكره هنا مختصرًا، وفي باب الصبر عند القتال، وباب تأخير القتال حتى تزول الشمس مطوّلاً، وفي باب النهي عن تمني لقاء العدو، وأخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود في الجهاد . ٢٣ - باب مَن طَلبَ الوَلدَ للچِهادِ (باب من طلب الولد للجهاد) أي في سبيل الله بأن ينوي ذلك عند المجامعة. ٢٨١٩ - حدثنا وقال الليثُ: حدَّثني جَعفرُ بنُ ربيعةً عن عبدِ الرحمنِ بنِ هُرمُزَ قال: سمعتُ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ عن رسولِ اللَّهِ وَإِ قال: «قال سليمانُ بنُ داود عليهما السلام: لأطوفنَّ الليلةَ على مائةِ امرأةٍ - أو تسع وتسعين - كلُّهنّ يأتي بفارسٍ يُجاهِدُ في سبيلِ اللَّهِ. فقال له صاحبهُ: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاءَ الله، فلم تحمل منهنَّ إلاّ امرأةٌ واحدة جاءت بشِقٌ رَجُل. والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لو قال إن شاء الله لجاهَدوا في سبيلِ اللَّهِ فُرسانًا أجمعون)». [الحديث ٢٨١٩ - أطرافه في: ٣٤٢٤، ٥٢٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩]. (وقال الليث) بن سعد الإمام الأعظم مما وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق يحيى بن بكير عنه وكذا مسلم (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل الكندي (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج أنه (قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَ لي) أنه (قال): (قال سليمان بن داود عليهما السلام لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين) بالشك من الراوي. أي: والله لأجامعن مائة أو تسعًا وتسعين، وفي رواية ستين وليس في ذكر القليل ما ينفي الكثير (كلهن يأتي) بالتحتية، ولأبي ذر: تأتي بالفوقية (بفارس يجاهد في سبيل الله) صفة لفارس (فقال له صاحبه) وهو الملك، وفي مسلم فقال له صاحبه أو الملك بالشك من أحد الرواة (قل إن شاء الله) لنسيانه (فلم يقل) عليه السلام (إن شاء الله). بلسانه والذي في الفرع وأصله حذف قل ولم ٣١٥ کتاب الجهاد والسير/ باب ٢٤ يكن غفل عن التفويض إلى الله بقلبه حاشى منصب النبوة عن ذلك (فلم يحمل) بالتحتية، ولأبي ذر: فلم تحمل بالفوقية (منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل) أي بنصف رجل كما في رواية أخرى (والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) عز وجل حال كونهم (فرسانًا) جمع فارس (أجمعون). رفع تأكيد لضمير الجمع في قوله لجاهدوا. قال شيخ مشايخنا السراج بن الملقن هذا الحديث أخرجه هنا البخاري معلقًا وأسنده في ستة مواضع منها في الأيمان والنذور. ٢٤ - باب الشجاعة في الحرب والجُبنِ ٢٨٢٠ - حقثنا أحمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ واقدٍ حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيدٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان النبيُّ وَ﴿ أحسنَ الناسِ وأشجعَ الناسِ وأجْوَدَ الناس. ولقد فَزِعَ أهلُ المدينةِ، فكان النبيُّ ◌َّرَ سَبَقَهم على فرس، وقال: وجَدْناهُ بحرًا)). (باب) مدح (الشجاعة في الحرب و) ذم (الجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة أي فيه. وبه قال: (حذّثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد) بالقاف الحراني بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء بالنون قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الأزدي الجهضمي البصري (عن ثابت) البناني (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال): (كان النبي ◌َّ أحسن الناس) لأن الله تعالى قد أعطاه كل الحسن (وأشجع الناس) إذ هو أكملهم (وأجود الناس) لتخلّقه بصفات الله تعالى التي منها الجود والكرم (ولقد فزع) بكسر الزاي أي خاف (أهل المدينة) أي ليلاً وزاد أبو داود في رواية فانطلق الناس قبل الصوت (فكان النبي ◌َّهه سبقهم على فرس) عرى استعاره من أبي طلحة يقال له: المندوب وكان يقطف أي بطيء المشي. (وقال): حين رجع (وجدناه) أي الفرس (بحرًا). أي جوادًا واسع الجري وفيه استعمال المجاز حيث شبّه الفرس بالبحر لأن الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع ماء البحر وسقطت واو وقال لأبي ذر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجهاد والأدب والترمذي في الجهاد والنسائي في السير. ٢٨٢١ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: أخبرَني عمرُ بنُ محمدِ بنِ جُبِيرِ بن مُطعم أنَّ محمدَ بنَ جُبيرٍ قال: ((أخبرَني جُبَيرُ بنُ مُطعم أنهُ بينما هوَ يسيرُ معَ رسولِ اللَّهِ وَهَ ومعه الناسُ مَقفَلَهُ من حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ الناسُ يسألونَه حتّى اضْطَرّوه إلى سَمُرَةٍ فخْطِفَتْ رِداءه فوقفَ النبيِ وَّ فقال: أعْطونِي رِدائي، لو كان لي عدد هذهِ العِضاءِ نَعمًا لقَسمتهُ بينكم، ثمَّ لا تجدوني بَخيلاً ولا كذوبًا ولا جَبانًا)). [الحديث ٢٨٢١ - طرفه في: ٣١٤٨]. ٣١٦ کتاب الجهاد والسير/ باب ٢٤ وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عمر بن محمد بن جبير بن مطعم) عمر بضم العين ومطعم بكسرها وضم الميم النوفلي القرشي (أن) أباه (محمد بن جبير قال: أخبرني) بالإفراد أبي (جبير بن مطعم) رضي الله عنه (أنه بينما) بالميم (هو يسير مع رسول الله وَلافي ومعه) أي والحال أنه عليه الصلاة والسلام معه (الناس مقفلة) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء واللام مصدر ميمي أو اسم زمان أي زمان رجوعه (من حنين) وادٍ بين مكة والطائف سنة ثمان (فعلقه الناس) بفتح العين وكسر اللام المخففة وبالقاف ثم الهاء أي تعلقوا به ولأبي ذر: فعلقت بتاء التأنيث بدل الهاء الأعراب بدل الناس، وله عن الكشميهني: فطفقت الناس حال كونهم (يسألونه حتى اضطروه) أي الجؤوه (إلى سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم وهي شجرة من شجر البادية ذات شوك (فخطفت رداءه) بكسر الطاء أي علق شوكها بردائه الشريف فجبذه فهو مجاز لأنه استعير لها الخطف أو المراد خطفته الأعراب، (فوقف النبي وَ ﴿ فقال): (أعطوني ردائي) بهمزة قطع (لو كان لي عدد هذه العضاء نعمًا) بكسر العين وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف هاء وقفًا ووصلاً شجر كثير الشوك ونعمًا نصب على التمييز ولي خبر كان، ويجوز أن يكون نعمًا خبر كان والنعم الإبل أو والبقر والغنم، ولأبي ذر عدد بالنصب خبر كان مقدمًا نعم بالرفع اسمها مؤخرًا (لقسمته بينكم) ولأبي ذر من غير اليونينية: عليكم (ثم لا تجدوني) بنون واحدة ولأبي ذر: لا تجدونني (بخيلاً ولا كذوبًا ولا جبانًا) أي إذا جربتموني لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله لا نفي المبالغة التي تدل عليها الثلاثة لأن كذوبًا من صيغ المبالغة وجبانًا صفة مشبهة وبخيلاً يحتمل الأمرين. قال ابن المنير رحمه الله تعالى: وفي جمعه عليه الصلاة والسلام بين هذه الصفات لطيفة وذلك لأنها متلازمة وكذا أضدادها الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسب سيفه فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، وقوله: لو كان لي عدد هذه العضاه تنبيه بطريق الأولى لأنه إذا سمح بمال نفسه فلأن یسمح بقسم غنائمهم علیھم أولی واستعمال ثم هنا بعد ما تقدم ذكره لیس مخالفًا لمقتضاها وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد بثم هنا الدلالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء وإنما التراخي هنا لعلوّ رتبة الوصف كأنه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرم فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل ونحو ذلك اهـ. وفيه دليل على جواز تعريف الإنسان نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه ليعتمد عليه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس. ٣١٧ کتاب الجهاد والسير/ باب ٢٥ ٢٥ - باب ما يُتْعَوَّذُ من الجُبنِ ٢٨٢٢ - حدثنا موسى بن إسماعيلَ حدّثنا أبو عَوانةَ حدَّثَنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ سمعتُ عمرو بنَ مَيمونٍ الأودِيَّ قال: ((كان سعدٌ يُعلِّم بَنيهِ هؤلاءِ الكلماتِ كما يُعلم المعلمُ الغِلمانَ الكتابةَ ويقول: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَله كان يتعوَّذُ منهنَّ دُبُرَ الصلاةِ: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الجُبنِ، وأعوذ بكَ أن أُرَدَّ إلى أرذَلِ العُمر، وأعوذ بك من فتنةِ الدُّنيا، وأعوذ بكَ من عَذابِ القَبر. فحدَّثتُ بهِ مُصعَبًا فصدَّقَهُ)). [الحديث ٢٨٢٢ - أطرافه في: ٦٣٦٥، ٦٣٧٠، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠]. (باب ما يتعوذ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول أي بيان التعوّذ (من الجبن) وهو ضد الشجاعة. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري قال: (حدّثنا عبد الملك بن عمير) بضم العين مصغرًا ابن سويد الكوفي القرشي بفتح الفاء والراء ثم مهملة نسبة إلى فرس له سابق (قال: سمعت عمرو بن ميمون الأودي) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة نسبة إلى أود بن معن في باهلة (قال: كان سعيد) هو ابن أبي وقاص أحد العشرة (يُعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله وَليو كان يتعوذ منهن) بالميم وفي بعض الأصول بهم (دبر الصلاة): بعد السلام منها. (اللهم إني أعوذ بك من الجبن) وهو ضد الشجاعة (وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)، هو الخرف أي يعود كهيئته الأولى في زمن الطفولية سخيف العقل قليل الفهم أو هو أردؤه وهو حال الهرم والضعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه فيكون كلاًّ على أهله مستثقلاً بينهم يتمنون موته وإن لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم. (وأعوذ بك من فتنة الدنيا)، زاد في باب: التعوذ من البخل من رواية آدم عن شعبة عن عبد الملك عن مصعب عن سعد ((وأعوذ بك من فتنة الدنيا)) يعني فتنة الدجال، وحكى الكرماني أن هذا من زيادات شعبة بن الحجاج. قال ابن حجر: وليس كما قال فقد بيّن يحيى بن بكير عن شعبة أنه من كلام عبد الملك بن عمير راوي الخبر أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا (وأعوذ بك من عذاب القبر) الواقع أن الكفار ومن شاء الله من الموحدين بمطارق من حديد يسمعه خلق الله كلهم إلا الجن والإنس أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنّه وكرمه، والإضافة هنا من إضافة المظروف إلى ظرفه فهو على تقدير في أيٍّ من عذاب القبر. قال عبد الملك بن عمير: (فحدّثت به) أي بهذا الحديث (مصعبًا) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح العين بعدها موحدة ابن سعد بن أبي وقاص (فصدقه). ومطابقة الحديث للترجمة واضحة وإنما استعاذ من الجبن لأنه يؤدي إلى عذاب الآخرة كما قاله المهلب لأنه يفر من قرنه في الزحف فيدخل تحت الوعيد فمن ولى فقد باء بغضب من الله، وربما ٣١٨ کتاب الجهاد والسير/ بابٍ ٢٦ يفتن في دينه فيرتد بجبن أدركه وخوف على مهجته من الأسر والعبودية. ثبتنا الله على دينه القويم. وهذا الحديث أخرجه الترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة. ٢٨٢٣ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثنا مُعتمرٌ قال: سمعتُ أبي قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان النبيُّ ◌َّه يقول: اللَّهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ العَجزِ والكُسلِ، والجُبنِ والهرَم. وأعوذُ بكَ من فِتنةِ المَحيا والممات. وأعوذُ بكَ من عذاب القبر)). [الحديث ٢٨٢٣ - أطرافه في: ٦٣٦٧، ٦٣٧١]. وبه قال: (حذّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: حدّثنا معتمر) بكسر الميم الثانية (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي (قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه) يقول: (كان النبي) ولأبي ذر: رسول الله (48* يقول): (اللهم إني أعوذ بك من العجز) هو ذهاب القدرة (والكسل) بفتح السين وفي اليونينية بسكونها وهو القعود عن الشيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحة البدن على التعب (والجبن) وهو الخور من تعاطي الحرب ونحوها خوفًا على المهجة (والهرم) هو الزيادة في كبر السن المؤدي إلى ضعف الأعضاء وتساقط القوة. قال ابن المنير: فيه دليل على أن الغرائز قد تتبدل من خير إلى شر ومن شر إلى خير، ولولا ذلك لما صح تعوذ الجبان من الجبن (وأعوذ بك من فتنة المحيا) أن نفتتن بالدنيا ونشتغل بها عن الآخرة وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت أو هي فتنة الدجال كما مرّ في تفسير عبد الملك بن عمير (والممات) قيل المراد فتنة القبر كسؤال الملكين ونحو ذلك، والمراد من شر ذلك وإلاّ فأصل السؤال واقع لا محالة فلا يدعى برفعه. وفي الحديث إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك والسبب غير المسبب، وقيل: المراد الفتنة قبيل الموت وأضيفت إلى الموت لقربها منه فعلى هذا تكون فتنة المحيا قبل ذلك. (وأعوذ بك من عذاب القبر) فيه دليل لأهل السُّنّة على إثبات عذاب القبر، وقد قال ◌َل* يتعوذ من جميع ما ذكر تشريعًا لأمته ليبين لهم المهم من الأدعية. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدعوات، وكذا مسلم، وأخرجه النسائي في الاستعاذة وأبو داود في الصلاة. ٢٦ - باب مَن حدَّثَ بمَشاهِدهِ في الحرب قالهُ أبو عثمانَ عن سعدٍ . (باب من حدّث بمشاهده في الحرب). ليتأسى بذلك ويرغب فيه لا الرياء والسمعة (قاله أبو عثمان) عبد الرحمن النهدي (عن سعد) هو ابن أبي وقاص فيما وصله في المغازي. ٣١٩ کتاب الجهاد والسير/ باب ٢٧ ٢٨٢٤ - حدثنا قتيبةُ بن سعيدٍ حدَّثنا حاتمٌ عن محمدِ بنِ يوسفَ عنِ السائبِ بنِ يزيدَ قال: ((صَحبتُ طلحةَ بنَ عُبيدِ اللَّهِ وسَعدًا والمِقدادَ بنَ الأسْودِ وعبدَ الرحمْنِ بنَ عَوفٍ رضيَ اللَّهُ عنهم، فما سمعتُ أحدًا منهم يُحدِّثُ عن رسولِ اللَّهِ وَلَهَ إلاّ أني سمعتُ طلحةَ يُحدِّثُ عن يومٍ أُحُد)). [الحديث ٢٨٢٤ - طرفه في: ٤٠٦٢]. وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا حاتم) هو ابن إسماعيل الكوفي (عن محمد بن يوسف) الكندي (عن السائب بن يزيد) الصحابي ابن الصحابيين وهو جد محمد بن يوسف لأمه أنه (قال: صحبت طلحة بن عبيد الله) بضم العين (و) صحبت (سعدًا) هو ابن أبي وقاص (و) صحبت (المقداد بن الأسود و) صحبت (عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فما سمعت أحدًا منهم) أي من هؤلاء الصحابة الأربعة وسقط لفظ منهم للمستملي (يحدّث عن رسول الله (وَلي) خشية التزايد والنقصان والدخول في الوعيد (إلا أني سمعت طلحة) بن عبيد الله (يحدّث عن يوم أَحُد) أي بما وقع له فيه من ثبات القدم أو نحو ذلك. وقد كان من أهل النجدة، وذكر المؤلف في المغازي عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله وَ#* يوم أُحُد. وعن أبي عثمان النهدي أنه لم يبق مع رسول الله وَّير تلك الأيام غير طلحة وسعد، فلهذا حدّث طلحة عن مشاهده يوم أُحُد ليقتدي به الناس في مثل فعله. وقال الحافظ ابن حجر: لم يبين في هذا الحديث ما حدّث به طلحة من ذلك، وقد أخرجه أبو يعلى من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عمن حدّثه عن طلحة أنه ظاهر بين درعين يوم أُحْد. ٢٧ - باب وُجوبِ النَّفيرِ، وما يَجبُ منَ الجهادِ والنيَّةِ وقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿انفِروا خِفافًا وثِقالاً وجاهِدوا بأموالكم وأنفُسِكم في سبيلِ اللَّهِ، ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون. لو كانَ عَرَضًا قريبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبعوكَ، ولكن بَعُدَتْ عليهمُ الشُّقَّةُ، وسيَحلِفُونَ باللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآية. وقوله: ﴿يا أيُّها الذينَ آمَنوا ما لَكم إذا قِيلَ لكُم انفِروا في سبيلِ اللَّهِ الثّاقَلْتم إلى الأرضِ؟ أرضيتُم بالحياة الدنيا منَ الآخرةِ - إلى قوله - على كلّ شيءٍ قدير﴾ [التوبة: ٣٨] يُذكَّرُ عنِ ابنِ عبّاسٍ: ((انفِروا ثُباتٍ: سرايا مُتفرّقين)). ويُقال: واحدُ الثُّبَاتِ ثُبَة. (باب وجوب النفير)، بفتح النون وكسر الفاء أي الخروج إلى قتال الكفار (وما يجب) أي وبيان القدر الواجب (من الجهاد) مشروعية (النيّة) في ذلك، (وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق، ولأبي ذر وقول الله عز وجل آمرًا بالنفير العام مع الرسول عليه الصلاة والسلام عام غزوة تبوك لقتال ٣٢٠ كتاب الجهاد والسير/ باب ٢٧ أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال تعالى: ((انفروا خفافًا﴾) لنشاطكم له (﴿وثقالاً﴾) عنه لمشقة عليكم أو لقلة عيالكم ولكثرتها أو ركبانًا ومشاة أو خفافًا وثقالاً من السلاح أو صحاحًا ومراضًا، ولما فهم بعض الصحابة من هذا الأمر العموم لم يتخلفوا عن الغزو حتى ماتوا منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود، ثم رغب تعالى في بذل المهج في مرضاته والنفقة في سبيله فقال (﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾) أي بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما (﴿ذلكم خير لكم﴾) من تركه (﴿إن كنتم تعلمون﴾) الخير (﴿لو كان عَرَضًا قريبًا﴾) أي لو كان ما دعوا إليه نفعًا دنيويًا قريبًا سهل المأخذ (﴿وسفرًا قاصدًا﴾) متوسطًا (﴿لاتبعوك﴾) طمعًا في ذلك النفع (﴿ولكن بعدت عليهم الشقّة﴾) أي المسافة التي تقطع بمشقة (﴿وسيحلفون بالله﴾) [التوبة: ٤١، ٤٢]. لكم إذا رجعتم إليهم لو استطعنا لخرجنا معكم (الآية) إلى آخرها. وساقها إلى آخر قوله: ﴿بالله﴾ وقال في رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿بأموالكم وأنفسكم﴾ إلى ﴿إنهم لكاذبون﴾ وحذف ما عدا ذلك، وقد ذكر سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى أن هذه الآية ﴿انفروا خفافًا﴾ أوّل ما نزل من سورة براءة نقله ابن كثير الحافظ. (وقوله) تعالى بالجر أو بالرفع على الاستئناف: (﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم﴾) تباطأتم (﴿إلى الأرض)) متعلق به كأنه ضمن معنى الإخلاد والميل فعدى بإلى، وكان هذا في غزوة تبوك حيث أمروا بها بعد رجوعهم من الطائف حين طاب الثمار والظلال في شدة الحر مع بعد المشقة وكثرة العدوّ فشق عليهم (﴿أرضيتم بالحياة الدنيا﴾) وغرورها (﴿من الآخرة﴾) بدل الآخرة ونعيمها (إلى قوله) (﴿على كل شيء قدير﴾﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩]. وقال في رواية أبي ذر قوله: ﴿إلى الأرض﴾ إلى قوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴿. (يذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول بغير واو، ولأبي ذر: ويذكر (عن ابن عباس) رضي الله عنهما مما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه (انفروا) حال كونكم (ثبات) بضم المثلثة وتخفيف الموحدة نصب بالكسرة كهندات جمع ثبة، ولأبي ذر والقابسي: ثباتًا بالألف. قال ابن حجر: وهو غلط لا وجه له. وقال العيني: وهو صحيح لأنه جمع المؤنث السالم، وكذا قال ابن الملقن والزركشي، وتعقبه العلامة ابن الدماميني: بأن مذهب الكوفيين جواز إعرابه في حالة النصب بالفتح مطلقًا، وجوّزه قوم في محذوف اللام وعلى كلِّ من الرأيين يكون لهذه الرواية وجهة، ومن ذا الذي أوجب اتباع المذهب البصري وألغى المذهب الكوفي حتى يقال بأن هذه الرواية لا وجه لها اهـ. والمعنى انفروا جماعات متفرقة حال كونكم (سرايا) جمع سرية ممن يدخل دار الحرب مستخفيًا حال كونكم (متفرقين. يقال أحد الثبات) ولأبي ذر: واحد الثبات (ثبة). بضم المثلثة فيهما وهذا قول أبي عبيدة في المجاز.