Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
کتاب الوصايا/ باب ٢٧
أفعل على أنه من قول أبي طلحة وسقط لأبي ذر لفظة ذلك (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وفي بني
عمه) وفي رواية ثابت السابقة فجعلها لحسان وأبي، وفي رواية الماجشون السابقة أيضًا فجعلها أبو
طلحة في ذوي رحمه وكان منهم حسان وأبي بن كعب وهو يدل على أنه أعطى غيرهما أيضًا وسقط
لأبي ذر لفظة من قوله وفي بني عمه.
(وقال إسماعيل) هو ابن أبي أويس فيما وصله في التفسير (وعبد الله بن يوسف) هو التنيسي
فيما وصله في الزكاة (ويحيين بن يحيى) بن بكير أبو زكريا التميمي الحنظلي فيما وصله في الوكالة
الثلاثة في روايتهم (عن مالك) الإمام (رايح). بالمثناة التحتية.
٢٧٧٠ - حدثني محمدُ بنُ عبد الرحيم أخبرَنا رَوحُ بنُ عُبادةَ حدَّثَنا زكرياءُ بنُ إسحقَ قال:
حدَّثني عمرُو بن دِينارٍ عن عِكرِمةَ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنَّ رَجُلاً قال الرسولِ اللَّهِ وَ
إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أينفعُها إن تَصَدَّقتُ عنها؟ قال: نعم. قال: فإنَّ لي مِخرافًا، فأنا أُشهِدُكَ أني قد
تَصدَّقتُ به عنها)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) المشهور بصاعقة قال:
(أخبرنا روح بن عبادة) بفتح الراء وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة ابن العلاء البصري قال:
(حدّثنا زكريا بن إسحق) المكي الثقة (قال: حدّثني) بالإفراد (عمرو بن دينار عن عكرمة) مولى ابن
عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً) هو سعد بن عبادة (قال لرسول الله وَ لاو إن أمه
توفيت) زاد في رواية يعلى بن مسلم عن عكرمة وهو غائب عنها (أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال)
عليه الصلاة والسلام:
(نعم) ينفعها (قال) سعد (فإن لي مخرافًا) بالألف قال الدمياطي وصوابه مخرفًا بحذفها وهو
البستان (وأشهدك) ولأبي ذر: فأنا أشهدك (أني قد تصدقت عنها) ولأبي ذر به عنها.
٢٧ - باب إذا وَقَفَ جَماعةٌ أرضًا مُشاعًا فهو جائز
٢٧٧١ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا عبدُ الوارث عن أبي التيّاحِ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((أمَرَ
النبيُّ نَّهِ ببناءِ المسجدِ فقال: يا بني النجّارِ ثامِنوني بحائطِكم هذا، قالوا: لا وَاللَّهِ لا نَطلبُ ثمنَهُ
إلا إلى الله)).
هذا (باب) بالتنوين (إذا أوقف) بالألف وهي لغية ولأبي ذر وقف (جماعة أرضًا) شركة (مشاعًا
فهو جائز).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري (عن
أبي التياح) بفتح المثناتين الفوقية والتحتية المشددتين وبعد الألف حاء مهملة يزيد بن حميد الضبعي

٢٦٢
کتاب الوصايا/ باب ٢٨
(عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: أمر النبي ◌َّ ببناء المسجد) المدني وزاد في الصلاة فأرسل إلى
ملأ من بني النجار (فقال):
(يا بني النجار ثامنوني) بالمثلثة ساوموني (بحائطكم) ببستانكم (هذا قالوا: لا والله لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله) أي لا نطلب ثمنه من أحد لكنه مصروف إلى الله فالاستثناء منقطع أو معناه لا نطلب
ثمنه مصروفًا إلا إلى الله أو منتهيًا إلا إلى الله فالاستثناء متصل قاله الكرماني، وقال في الفتح: ظاهره
أنهم تصدقوا بالأرض الله عز وجل فقبل النبي وغير ذلك ففيه دليل لما ترجم له كذا قال فليتأمل فإنه
ليس فيه تصريح بقبوله عليه الصلاة والسلام ذلك منهم، وإنما أرادوا وقفه حيث قالوا لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله ولم يبين لهم عليه الصلاة والسلام أن هذا الذي قصدوه باطل، وعند ابن سعد في
الطبقات عن الواقدي أنه ﴿ اشتراه بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق لأنه كان ليتيمين لم
يقبله من بني النجار إلا بالثمن، فالمطابقة كما قال في الفتح من جهة تقريره عليه الصلاة والسلام
لقول بني النجار وعدم إنكاره عليهم فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبيّن لهم الحكم.
وهذا الحديث قد سبق في باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية في أوائل الصلاة.
٢٨ - باب الوَقفِ كيفَ يُكتَبُ؟
(باب الوقف كيف يكتب)؟ ولأبي ذر: الوقف وكيف بالواو وباب بغير تنوين مضاف لتاليه
كذا في الفرع وأصله.
٢٧٧٢ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُريعِ حدَّثَنا ابن عونٍ عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ
عنهما قال: ((أصابَ عمرُ بخَيَبَر أرضًا، فأتى النبيَّ وَ له فقال: أصبتُ أرضًاً لم أُصِبْ مالاً قطُ أنفَسَ
منه، فكيفَ تأمُرُني بهِ؟ قال: إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها وتَصدَّقتَ بها. فتصدَّقَ عمرُ أنّهُ لا يُباعُ أصلُها
ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ في الفُقراء والقُربى والرّقابِ وفي سبيلِ اللَّهِ والضيفِ وابنِ السبيلِ، لا جُناحَ
على مَن ولِيَها أن يأكلَ منها بالمعروفِ أو يُطعِمَ صَديقًا غيرَ متَموّلٍ فيه)».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يزيد بن زريع) من الزيادة وزريع
بتقديم الزاي على الراء مصغرًا وزاد أبو داود بشر بن المفضل ويحيى بن القطان قال الثلاثة: (حدّثنا
ابن عون) عبد الله (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا)
وعند أحمد من رواية أيوب أن عمر أصاب أرضًا من يهود بني حارثة يقال لها ثمغ (فأتى النبي اله
فقال): إني (أصبت أرضًا لم أصب مالاً قطّ أنفس) أي أجود (منه) قال الداودي: سمي نفيسًا لأنه
يأخذ بالنفس، وعند النسائي أنه قال للنبي ◌َ ل# كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر
من أهلها. قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر وأن مقدارها كان

٢٦٣
کتاب الوصايا/ باب ٢٨
مائة سهم من السهام التي قسمها النبي ◌َّ ه بين من شهد خيبر وهذه المائة سهم غير المائة سهم التي
كانت لعمر بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة وغيرها، وكانت قصة عمر هذه فيما ذكره ابن
شبة بإسناد ضعيف عن محمد بن كعب سنة سبع من الهجرة، وقال البكري في المعجم ((ثمغ)) موضع
تلقاء المدينة كان فيه مال لعمر بن الخطاب فخرج إليه يومًا ففاتته صلاة العصر فقال: شغلتني ثمغ
عن الصلاة أشهدكم أنها صدقة (فكيف تأمرني) أن أفعل (به)؟ من أفعال البر والتقرب إلى الله تعالى
(قال) عليه الصلاة والسلام:
(إن شئت حبست أصلها) بتشديد الموحدة للمبالغة ولهذا كان صريحًا في الوقف، لاقتضائه
بحسب الغلبة استعمالاً الحبس على الدوام وحقيقة الوقف تحبيس مال يمكنه الانتفاع به مع بقاء عينه
يقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته ليصرف ريعه في جهة خير تقربًا إلى الله تعالى (وتصدقت بها).
أي بالأرض المحبسة فهو صريح بنفسه أو إذا قيد بقرينة أو الضمير راجع إلى الثمرة والغلة وحينئذٍ
فالصدقة على بابها لا على معنى التحبيس لكنه يكون على حذف مضاف أي وتصدقت بثمرتها وبريعها
أو بغلتها وبه جزم القرطبي (فتصدق عمر) أي بها (أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث) زاد
الدارقطني من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع حبيس ما دامت السماوات والأرض، وظاهره أن
الشرط من كلام عمر، لكن سبق في باب قول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾
[النساء: ٦] وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم من طريق صخر بن جويرية عن نافع فقال
النبي ◌َّل: ((تصدق بأصله لا يباع ولا يورث ولكن ينفق ثمره)) فتصدق به عمر أي كما أمره والتر
(في الفقراء) الذين لا مال لهم ولا كسب يقع موقعًا من حاجتهم (والقربى) أي الأقارب، والمراد
قربى الواقف لأنه الأحق بصدقة قريبه، ويحتمل على بعد أن يراد قربى النبي 18 كما في الغنيمة
(والرقاب) أي في عتقها بأن يشتري من غلتها رقابًا فيعتقون (وفي سبيل الله) أي في الجهاد وهو أعم
من الغزاة ومن شراء آلات الحرب وغير ذلك (والضيف) وهو من نزل بقوم يريد القرى (وابن
السبيل) المسافر أو مريد السفر وأطلق عليه ابن السبيل لشدة ملازمته للسبيل وهي الطريق ولو
بالقصد (لا جناح) لا إثم (على من وليها أن يأكل منها بالمعروف) أي بالأمر الذي يتعارفه الناس
بينهم ولا ينسبون فاعله لإفراط فيه ولا تفريط (أو يطعم) وفي رواية صخر المذكورة أو يؤكل
(صديقًا) له حال كونه (غير متموّل فيه). أي غير متخذ منها مالاً أي ملكًا، والمراد أنه لا يتملك
شيئًا من رقابها. وزاد الترمذي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عليةعن ابن عون حدثني به رجل
أنه قرأها في قطعة أديم أحمر غير متأثل مالاً. قال ابن علية: وأنا قرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر
فكان فيه غير متأثل مالاً.
، ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: إن شئت حبست أصلها إلخ إذ فيه شروط تكتب كلها في
کتاب الوقف.

٢٦٤
کتاب الوصايا/ باب ٢٩
وقد كتب عمر رضي الله عنه كتاب وقفه هذا بخط معيقيب كما رواه أبو داود من طريق
يحيى بن سعيد الأنصاري بلفظ قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب بسم
الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما كتب عبد الله عمر بن الخطاب في ثمغ فقصّ من خبره نحو حديث نافع
فقال: غير متأثل مالاً فما عفى عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم وساق القصة قال: فإن شاء ولي
ثمغ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله.
وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله
عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغًا وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم الذي
بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة التي أطعمه محمد ێز بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من
أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى ولا حرج على من
وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقًا منه وآكل الثانية بالمدّ أي أطعم ووصفه بأمير المؤمنين يشعر بأنه
کتبه في زمن خلافته، وقد کان معیقیب کاتبه إذ ذاك.
وحديث الباب يقتضي أن الوقف كان في زمنه وَ ل# فيكون وقفه حينئذٍ باللفظ وكتب بعد، وقد
قال الشافعي فيما قرأته في كتاب المعرفة للبيهقي: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارًا ولا أرضًا
تبررًا بحبسها وإنما حبس أهل الإسلام اهـ.
وعند أحمد عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: أول صدقة كانت أي موقوفة في الإسلام
صدقة عمر.
تنبيه :
أكثر الرواة عن نافع ثم عن ابن عون جعلوا هذا الحديث من مسند ابن عمر كما ساقه
المؤلف، وأخرجه مسلم والنسائي من رواية سفيان الثوري من مسند عمر والمشهور الأول قاله في
الفتح، وقد سبق في باب الشروط في الوقف، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ وبعضه
في باب إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره.
٢٩ - باب الوقف الغني والفقير والضيف
٢٧٧٣ - حدثنا أبو عاصمٍ حدَّثَنا ابنُ عونٍ عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ: ((أن عمرَ رضيَ اللَّهُ عنه
وجدَ مالاً بخَيبرَ، فأتى النبيَّ ◌َ﴿ فأخبرَهُ قال: إن شِئتَ تَصدَّقتَ بها فتصدَّقَ بها في الفُقَراء
والمساكين وذي القُربى والضيفِ)).
(باب) جواز (الوقف الغني والفقير والضيف).

٢٦٥
کتاب الوصايا/ باب ٣٠ ٣١٬
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد المشهور بالنبيل قال: (حدّثنا ابن عون) بالنون
عبد الله (عن نافع عن ابن عمر أن) أباه (عمر رضي الله عنه وجد مالاً بخيبر) وهو اسم جامع لما
يملك من ذهب وفضة وحيوان وأرض وغراس وبناء وغيرها وربما استعمل خاصًّا كما في حديث:
نهى عن إضاعة المال، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم (فأتى) عمر
(النبي ◌َّي﴿ فأخبره) أي فقال كما في الرواية السابقة أصبت أرضًا لم أصب مالاً قطّ أنفس منه فكيف
تأمرني به (قال):
(إن شئت تصدقت بها). بالأرض لا تباع ولا توهب ولا تورث (فتصدّق بها) عمر كما قال له
عليه الصلاة والسلام (في الفقراء والمساكين وذي القربى) الشامل للغني والفقير (والضيف) سواء كان
محتاجًا أو غير محتاج.
٣٠ - باب وقفِ الأرضِ للمسجِدِ
٢٧٧٤ - حدثني إسحقُ أخبرنا عبدُ الصمدِ قال: سمعتُ أبي حدَّثَنا أبو التَّحِ قال: حدَّثني
أنسُ بنُ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه ((لما قَدِمَ رسولُ اللَّهِ وَِّ المدينةَ أمر بالمسجدِ وقال: يا بني النجّارِ
ثامِنوني بِحائِطِكُمْ هذا، فقالوا: لا والله لا نَطلُبُ ثمنَهُ إلّ إلى الله.
(باب) جواز (وقف الأرض للمسجد) أي لأجل أن يبنى عليها المسجد.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إسحق) غير منسوب وللأصيلي كما في الفتح
ابن منصور وهو الكوسج قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (عبد الصمد قال: سمعت أبي)
عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم التنوري بفتح الفوقية وتشديد النون البصري قال: (حدّثنا أبو
التباح) بفتح المثناتين الفوقية والتحتية آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي (قال: حدثني) بالإفراد
(أنس بن مالك رضي الله عنه) قال: (لما قدم رسول الله وَّفي المدينة) مهاجرًا (أمر بالمسجد) ولأبي ذر
عن الكشميهني: أمر ببناء المسجد (وقال): (يا بني النجار ثامنوني) بالمثلثة أي ساوموني (بحائطكم
هذا) ولأبي ذر حائطكم بحذف حرف الخفض فينصب (قالوا) ولأبي ذر فقالوا (لا والله لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله) عز وجل أي من الله، وقد اختلف فيما إذا بنى صورة المسجد ولم يصرح بانيه بالوقف
والجمهور لا يثبت إلا إن صرّح به، وعن الحنفية إن أذن للجماعة بالصلاة فيه ثبت والله أعلم.
٣١ - باب وقفِ الدَّوابُ والكُراع والعُروض والصامتِ
وقال الزُّهريُّ فِيمَن جَعلَ ألفَ دِينارٍ في سبيلِ اللَّهِ، ودَفعها إلى غُلامِ لهُ تاجرٍ يَتجُرُ بها،
وجَعلَ ربحَهُ صَدقةٌ للمساكين والأقرَبينَ، هل للرَّجلِ أن يأكلَ من ربح ذلكَ الألفِ شيئًا وإن لم
يكنْ جَعلَ رِبْحَها صَدقةً في المساكين؟ قال: ليس له أن يأكلَ منها.

٢٦٦
کتاب الوصايا/ باب ٣١
(باب وقف الدواب والكراع) بضم الكاف وتخفيف الراء الخيل من عطف الخاص على العام
(والعروض) بضم العين جمع عرض بسكون الراء وهو المتاع لا نقد فيه (والصامت) ضد الناطق أي
النقدين الذهب والفضة.
(قال) ولأبي ذر: وقال (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب مما أخرجه عنه ابن وهب في
موطئه (فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها) بفتح التحتية وسكون
الفوقية وضم الجيم وتكسر (وجعل ربحه) أي ربح المال المتجر به (صدقة للمساكين والأقربين هل
للرجل) الجاعل (أن يأكل من ربح ذلك الألف شيئًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: تلك الألف
بالتأنيث وهو ظاهر ووجه التذكير باعتبار اللفظ (وإن لم يكن جعل ربحها صدقة) شرط على سبيل
المبالغة يعني هل له أن يأكل وإن لم يجعل ربحها صدقة (في المساكين؟ قال) الزهري: (ليس له أن
يأكل منها) وإن لم يجعل.
٢٧٧٥ - حدّثنا مسدَّدٌ حدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قال: حدَّثني نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنَّ
عمرَ حَملَ على فرسٍ لهُ في سَبيلِ اللهِ أعطاها رسولُ اللَّهِ وََّ له فحمَلَ عليها رجُلاً، فأُخبِرَ عمرُ أنه
قد وَقَفها يَبيعُها، فسألَ رسولَ اللَّهِ وَهِ أن يَبتاعها، فقال: لا تَبْتَعْها ولا ترجعنَّ في صدَقتِك)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا
عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر رضي الله
عنهما أن) أباه (عمر حمل على فرس له في سبيل الله) فيه حذف المفعول أي حمل رجلاً على فرس،
والمعنى أنه وهبه إياه وجعله مركوبًا له ليقاتل عليه في سبيل الله (أعطاها رسول الله) برفع رسول وفي
اليونينية بالنصب (8 * له ليحمل عليها رجلاً) ولأبي ذر فحمل أي عمر عليها (فأخبر عمر) عن
الرجل (أنه قد وقفها) بفتح القاف مخففة (يبيعها فسأل رسول الله و ﴿ أن يبتاعها) من الرجل (فقال)
عليه الصلاة والسلام له :
(لا تبتعها) بسكون العين مجزومًا على النهي للتنزيه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لا
تبتاعها بألف قبل العين ورفعها (ولا ترجعن) بنون التأكيد الثقيلة (في صدقتك).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: حمل على فرس في سبيل الله. قال العيني: وفيه نظر لأنه
إنما تصدق به على الرجل من غير أن يقفه، ويدل لذلك أنه أراد بيعه ولم ينكر عليه ذلك ولو كان
حمل تحبيس لم يبع إلا أن يحمل على أنه انتهى إلى حال لا ينتفع به فيما حبس عليه لكن ليس في
اللفظ ما يشعر به، ويدل لذلك أيضًا قوله: ولا تعد في صدقتك ولو كان تحبيسًا ووقفًا لعلل به دون
الهبة .
وهذا الحديث قد سبق في كتاب الهبة.

٢٦٧
کتاب الوصايا/ باب ٣٢
٣٢ - باب نفقةِ القَيّم للوَقف
٢٧٧٦ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي الزنادِ عنِ الأعرَجِ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللَّهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ قال: ((لا يَقْتَسِمْ ورَثتي دِينارًا ولا دِرهمًا، ما ترَكْتُ - بَعدَ نفقةٍ
نسائي ومؤونةٍ عامِلي - فهو صدَقة)). [الحديث ٢٧٧٦ - طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩].
(باب نفقة القيم للوقف) ولأبي ذر عن الحموي: نفقة بقية الوقف. قال في الفتح: والأول
أظهر لأن المراد أجرة القيم وهو العامل على الوقف.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد)
عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله ◌َا﴾ قال):
(لا یقتسم) بالجزم على النھي، ولأبي ذر: لا یقتسم بالرفع على الخبر (ورثتی دینارًا) زاد أبو ذر
عن الكشميهني ولا درهما وتوجيه الرفع أنه وَ له لم يترك مالاً يورث عنه، وأما النهي فعلى تقدير أن
يخلف شيئًا فنهاهم عن قسمته إن اتفق أنه يخلفه وسماهم ورثة مجازًا وإلا فقد قال: إنا معاشر الأنبياء
لا نورث (ما تركت بعد نفقة نسائي) احتج له ابن عيينة فيما قاله الخطابي بأنهن في معنى المعتدات
لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبدًا فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن يسكنها (ومؤونة عاملي
فهو صدقة) بالجر عطفًا على نفقة نسائي وهو القيم على الأرض أو الخليفة بعده عليه الصلاة والسلام
ففيه دليل على مشروعية أجرة العامل على الوقف.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الفرائض ومسلم في المغازي وأبو داود في الخراج.
٢٧٧٧ - حدثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ حدَّثَنا حمادٌ عن أيُّوب عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ
عنهما: ((أنَّ عمرَ اشترَطَ في وَقفهِ أنْ يَأْكلَ مَن وَلِيَهُ ويُؤْكِلَ صَديقَهُ غيرَ متموّلٍ مالاً».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد بن درهم
(عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما) (أن) أباه (عمر اشترط في وقفه)
الأرض التي أصابها بخيبر (أن يأكل من وليه) أي الوقف (ويؤكل) أي يطعم (صديقه) منه حال كونه
(غير متموّل) أي متخذ منه (مالاً).
وهذا الحديث قد سبق قريبًا، ومطابقته للترجمة هنا في قوله: اشترط إلخ.

٢٦٨
کتاب الوصايا/ باب ٣٣
٣٣ - باب إذا وَقَفَ أرضًا
أو بِئْرًا أو اشترَطَ لنفْسِهِ مِثلَ دِلاءِ المسلمين
ووقَفَ أنسٌ دارًا، فكان إذا قَدِمَ نزَلَها. وتَصدَّقَ الزُّبَيرُ بدُوره وقال للمردودةِ من بناتهِ: أن
تسكُنَ غيرَ مُضِرّةٍ ولا مُضَرِّ بها، فإن استَغْنَت بزَوجِ فليسَ لها حقِّ. وجعلَ ابنُ عمرَ نَصِيبَهُ من دارٍ
سُكْنى لذوي الحاجاتِ مِن آلِ عبدِ اللهِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقف) شخص (أرضًا أو بئرًا واشترط) ولأبي ذر: أو اشترط (لنفسه
مثل دلاء المسلمين) هل يجوز أم لا؟
(وأوقف) بالهمز لغية ولأبي ذر: ووقف (أنس) هو ابن مالك (دارًا) بالمدينة (فكان إذا قدم)
المدينة مارًا بها للحج وفي نسخة باليونينية إذا قدمها (نزلها) وهذا وصله البيهقي.
(وتصدق الزبير) بن العوام فيما وصله الدارمي في مسنده (بدوره وقال للمردودة) أي المطلقة
(من بناته أن تسكن) بفتح الهمزة أي لأن تسكن حال كونها (غير مضرة) بكسر الضاد اسم فاعل
للمؤنث من الضرر (ولا مضر بها) بفتح الضاد اسم مفعول (فإن استغنت بزوج فليس لها حق) في
السكنی.
ومطابقة هذا لما ترجم به من جهة أن البنت قد تكون بكرًا فتطلق قبل الدخول فتكون مؤنتها
على أبيها فيلزمه إسكانها فإذا أسكنها في وقفه فكأنه اشترط على نفسه رفع كلفة.
(وجعل ابن عمر نصيبه) الذي خصّه (من دار) أبيه (عمر) التى تصدّق بها وقال لا تباع ولا
توهب (سكنى لذوي الحاجة) بالإفراد ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لذوي الحاجات (من آل
عبد الله) كبارهم وصغارهم وهذا وصله ابن سعد بمعناه.
٢٧٧٨ - وقال عَبدانُ أخبرني أبي عن شُعبةَ عن أبي إسحقَ عن أبي عبد الرحمنِ: ((أن
عُثمانَ رضيَ اللَّهُ عنه حيثُ حُوصِرَ أشرفَ عليهم وقال: أنشُدُكُم اللَّهَ، ولا أنشُدُ إلاّ أصحابَ
النبيِّ وَّهِ: أَلَستم تعلمونَ أنَّ رسولَ اللَّهِ نَ ◌ّه قال: مَن حَفرَ رُومةَ فلهُ الجنَّة، فحفَرَتُها؟ أَستم
تَعلَمونَ أنهُ قال: مَن جَهَّزَ جيشَ العُسرةِ فلهُ الجنة، فجهّزْتَهُ؟ قال: فصدَّقوهُ بما قال. وقال عمرُ في
وقفهِ: لا جُنَاحَ على مَن وَلِيَهُ أن يَأْكِلَ، وقد يَليهِ الواقِفُ وغيرُه، فهوَ واسِعٌ لكلِّ)».
(وقال عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي فيما وصله الدارقطني والإسماعيلي
وغيرهما (أخبرني) بالإفراد (أبي) هو عثمان (عن شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحق) عمرو بن
عبد الله السبيعي (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي القاري (أن عثمان) بن
عفان (رضي الله عنه حيث) ولأبي ذر عن الكشميهني: حين (حوصر) أي لما حاصره أهل مصر في

٢٦٩
کتاب الوصايا/ باب ٣٤
داره لأجل تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح واجتمع الناس (أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله)
زاد النسائي من رواية ثمامة بن حرب عن عثمان والإسلام وفي روايته أيضًا من طريق الأحنف
أنشدكم بالله الذي لا إله إلاّ هو وسقط لفظ الجلالة هنا عند غير أبي ذر (ولا أنشد إلا أصحاب
النبي * ألستم تعلمون أن رسول الله بَير قال): (من حفر رومة فله الجنة فحفرتها) المشهور أن
اشتراها لا أنه حفرها كما في الترمذي بلفظ: هل تعلمون أن رسول الله ﴿ قدم المدينة وليس بها
ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: ((من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها
في الجنة فاشتريتها من صلب مالي الحديث. وعند النسائي أنه اشتراها بعشرين ألفًا أو بخمسة
وعشرين ألفًا، لكن روى البغوي الحديث في الصحابة بلفظ: وكانت لرجل من بني غفار عين يقال
لها رومة وإذا كانت عينًا فيحتمل أن يكون عثمان حفر فيها بئرًا أو كانت العين تجري إلى بئر فوسعها
عثمان أو طواها فنسب حفرها إليه قاله في فتح الباري.
(ألستم تعلمون أنه) وَ ر (قال): (من جهز جيش العسرة) بضم العين وسكون السين المهملتين
وهي غزوة تبوك (فله الجنة فجهزتهم) ولأبي ذر عن الكشميهني فجهزته (قال: فصدقوه بما قال)
والضمير للصحابة.
وروى النسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه هم عليّ بن أبي طالب وطلحة
والزبير وسعد بن أبي وقاص.
(وقال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه فيما سبق موصولاً (في وقفه) تلك الأرض (لا جناح)
لا إثم (على من وليه) من ناظر ومتحدّث (أن يأكل) أي منه بالمعروف قال البخاري (وقد يليه) أي
الوقف (الواقف وغيره فهو واسع لكلِّ) من الواقف وغيره، وقد استدل المؤلف بما ذكره على جواز
اشتراط الواقف لنفسه منفعة من وقفه وهو مقيد بما إذا كانت المنفعة عامّة كالصلاة في بقعة جعلها
مسجدًا والشرب من بئر وقفها، وكذا كتاب وقفه على المسلمين للقراءة فيه ونحوها وقدر للطبخ فيها
وكيزان للشرب ونحو ذلك، والفرق بين العامة والخاصة أن العامة عادت إلى ما كانت عليه من
الإباحة بخلاف الخاصة.
٣٤ - باب إذا قال الواقِفُ لا نَطلُبُ ثمنَهُ إلا إلى اللَّهِ فهو جائز
٢٧٧٩ - هذّثنا مسدَّدٌ حدَّثَنا عبدُ الوارثِ عن أبي التّحِ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((قال
النبيُّ ◌َّهِ: يَا بَني النجّارِ ثامِنوني بحائطِكم، قالوا: لا نطلُبُ ثمنَهُ إلا إلى الله)).
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال الواقف لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز).

٢٧٠
کتاب الوصايا/ باب ٣٥
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد العنبري مولاهم
التنوري (عن أبي التياح) يزيد بن حميد الضبعي (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي (وَلّ) لما
أراد بناء مسجده:
(يا بني النجار ثامنوني) بالمثلثة أي ساوموني ((حائطكم)) ببستانكم (قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى
الله) عز وجل أي منه ولا يصير الملك وقفاً بقول مالكه لا أطلب ثمنه إلا إلى الله، لكن أجاب ابن
المنير بأن مراد البخاري أن الواقف يصح بأي لفظ دلّ عليه إما بمجرده أو بقرينة اهـ.
وألفاظ الواقف صريحة كوقفت كذا وحبست وسبلت أو أرضي موقوفة أو محبسة أو مسبلة،
وكناية كحرمت هذه البقعة للمساكين أو أبدتها، أو داري محرمة أو مؤيدة، ولو قال تصدقت به على
المساكين ونوى الوقف فوجهان: أصحهما أن النية تلتحق باللفظ ويصير وقفاً وإن أضاف إلى معين
فقال تصدقت عليك، أو قاله لجماعة معينين لم يكن وقفًا على الصحيح بل ينفذ فيما هو صريح فيه
وهو التمليك المحض، ولو قال: جعلت هذا المكان مسجدًا صار مسجدًا على الأصح لإشعاره
بالمقصود واشتهاره فیه.
٣٥ - باب قول الله عز وجل:
﴿يا أيُّها الذين آمنوا شَهادةُ بينكم إذا حَضرَ أحدَكُم الموتُ حِينَ الوَصيّةِ اثنانِ ذوا عَدْلٍ منكم
أو آخرانٍ مِن غيركم إن أنتم ضَربتُم في الأرضِ فأصابَتْكم مُصيبةُ المَوتِ تَحبِسونَهما من بعدٍ
الصلاةِ، فيُقسِمانِ باللَّهِ إن ارتَبتم لا نَشتري بهِ ثَمِنًا ولو كانَ ذا قُرْبى، ولا نكتُمُ شهادةَ اللَّهِ إنّا إذَا
لمنَ الآئِمِينَ. فإن عُثِرَ على أنَّهما استَحقًّا إثمًا فَآخَرانِ يَقومانٍ مَقَامَهُما منَ الذينَ استُحقٌّ عليهمُ
الأوْلَيانِ فيُقسِمانِ بالله لَشهادَتُنا أحقُّ مِن شهادَتِهما وما اعتَدَينا، إنا إذًا لَمِنَ الظالمين. ذُلكَ أدْنَى أن
يأتوا بالشهادةِ على وَجهِها أو يَخافوا أن تُرَدَّ أيمانٌ بعدَ أيمانِهم، وانَّقوا اللَّهَ واسمَعوا، واللَّهُ لا
يَهدِي القومَ الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٧]. الأوليانٍ واحِدُهما أولى، ومنه: أولى به. عُثِرَ:
ظُهرَ. أعْثَرْنا: أُظْهَرْنا.
(باب) بيان سبب نزول (قول الله تعالى) ولأبي ذر عز وجل (﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم))
أي شهادة اثنين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو التقدير فيما أمرتم شهادة بينكم والمراد
بالشهادة الإشهاد وأضافها إلى الظرف على الاتساع (﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾) أحدكم نصب على
المفعولية وإذا حضر ظرف للشهادة وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل (﴿حين
الوصية﴾) بدل من إذا حضر قال في الكشاف: وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية وأنها من
الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها وخبر المبتدأ الذي هو شهادة بينكم

٢٧١
کتاب الوصايا/ باب ٣٥
قوله ((اثنان﴾) وجوّز الزمخشري أن يكون اثنان فاعل شهادة بينكم على معنى فيما فرض عليكم أن
يشهد اثنان (﴿ذوا عدل﴾) أي أمانة وعقل (﴿منكم﴾) من المسلمين أو من أقاربكم (﴿أو آخران من
غيركم﴾) من غير المسلمين يعني أهل الكتاب عند فقد المسلمين أو من غير أقاربكم (﴿إن أنتم ضربتم
في الأرض﴾) أي سافرتم فيها (﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾) أي قاربتموها وهذان شرطان لجواز
استشهاد الذميّين عند فقد المسلمين أن يكون ذلك في سفر وأن يكون في وصية، وهذا مروي عن
الإمام أحمد وهو من أفراده وخالفه الأئمة الثلاثة في ذلك وإن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ممن
ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد أجمعوا على ردّ شهادة الفاسق والكافر شر من الفاسق نعم
جوّز أبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض (﴿تحبسونهما﴾) تمسكونهما لليمين ليحلفا (﴿من بعد
الصلاة﴾) صلاة العصر أو صلاة أهل دينهما (﴿فيقسمان﴾) فيحلفان (﴿بالله إن ارتبتم﴾) أي ظهرت لكم
ريبة من اللذين ليسا من أهل ملّتكم إنهما خانا فيحلفان حينئذٍ بالله (﴿لا نشتري به﴾) بالقسم (﴿ثمنًا﴾)
لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة (﴿ولو كان﴾) المشهود عليه (﴿ذا قربى﴾) أي قريبًا
إلينا وجوابه محذوف أي لا نشتري (﴿ولا نكتم شهادة الله﴾) أي الشهادة التي أمر الله بإقامتها (﴿إنّا إذًا
لمن الآثمين﴾) إن كتمناها (﴿فإن عُثر﴾) فإن اطلع (﴿على أنهما﴾) أي الشاهدين (﴿استحقا إثمًا﴾) أي
استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين (﴿فآخران﴾) فشاهدان آخران من قرابة الميت (﴿يقومان مقامهما
من الذين استحق عليهم﴾) الإثم أي فيهم ولأجلهم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم
فعلى بمعنى في كقوله على ملك سليمان أي في ملك سليمان (﴿الأوليان﴾) بالرفع خبر مبتدأ محذوف
أي هما الأوليان كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل بدل من الضمير في يقومان أو من
آخران أي الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما من الأجانب (﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من
شهادتهما﴾) أي أصدق منهما وأولى بأن تقبل (﴿وما اعتدينا﴾) فيما قلنا فيهما من الخيانة (﴿إنّا إذّا
لمن الظالمين﴾) [المائدة: ١٠٦، ١٠٧] إن كنا قد كذبنا عليهما.
ومعنى الآيتين كما قاله، القاضي: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من
ذوي نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطًا فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من
غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت فإن اطّلع على
أنهما كذبا بأمارة ومظنة حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإنه
لا يحلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث وثبت إن كانا وصيين ورة اليمين إلى الورثة إما
لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى.
(﴿ذلك﴾) الذي تقدم من بيان الحكم (﴿أدنى﴾) أقرب (﴿أن يأتوا﴾) أي الشهداء على نحو تلك
الحادثة (﴿بالشهادة على وجهها﴾) من غير تحريف ولا خيانة فيها (﴿أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد
أيمانهم﴾) أي أقرب إلى أن يخافوا ردّ اليمين بعد يمينهم على المدعین فیحلفون علی خیانتھم وکذبهم
فيفتضحوا ويغرموا وإنما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم ((واتقوا الله﴾) أن تحلفوا كاذبين أو

٢٧٢
کتاب الوصايا/ باب ٣٥
تخونوا (﴿واسمعوا﴾) الموعظة (﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾) أي لا يرشد من كان على معصية،
وساق في رواية أبي ذر من قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إلى قوله: ﴿من غيركم) ثم قال إلى قوله:
﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. وقال المؤلف: (الأوليان واحدهما أولى ومنه أولى به): أي أحق به،
وقوله: (عثر) أي (أظهر) قاله أبو عبيدة في المجاز (أعثرنا) أي (أظهرنا). قاله الفراء وهذا كله ثابت
في رواية الكشميهني فقط.
٢٧٨٠ - وقال لي عليّ بنُ عبدِ اللَّهِ: حدَّثَنا يحيى بنُ آدَمَ حدَّثَنا ابنُ أبي زائدةً عن محمدِ بنِ
أبي القاسم عن عبدِ الملكِ بنِ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ عن أبيهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((خَرَجَ
رُجُلٌ من بني سَهْمٍ مع تميم الداري وعَدِيٍّ بنِ بَدَاءِ، فمات السَّهميُّ بأرض ليسَ بها مُسلمٌ، فلمّا
قَدِما بتَرِكتهِ فقَّدُوا جامًا من فِضةٍ مُخَوَّصًا من ذهبٍ، فأحلَفَهما رسولُ اللَّهِ وَه ثمَّ وُجِدَ الجامُ بمكةً
فقالوا: ابتَعْناهُ من تميمٍ وعَدِيٍّ، فقامَ رجُلانِ من أولياءِ السهميِّ فحلَفا: لشهادَتُنا أحقُّ من شهادَتِهما
وإنَّ الجامَ لصاحبهم، قال وفيهم نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حَضرَ
أحدكم الموتُ﴾.
(وقال لي علي بن عبد الله) المديني (حدّثنا) وهذا وصله المؤلف في التاريخ فقال: حدّثنا
علي بن المديني قال: حدّثنا (يحيى بن آدم) بن سليمان المخزومي قال: (حدّثنا ابن أبي زائدة)
يحيى بن زكريا واسم أبي زائدة ميمون الهمداني القاضي (عن محمد بن أبي القاسم) الطويل (عن
عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه) سعيد (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: خرج رجل
من بني سهم) هو بزيل بضم الموحدة وفتح الزاي مصغرًا عند ابن ماكولا، ولابن منده من طريق
السدي عن الكلبي بديل بن أبي مارية بدال مهملة بدل الزاي وليس هو بديل بن ورقاء فإنه خزاعي
وهذا سهمي، وفي رواية ابن جريج أنه كان مسلمًا (مع تميم الداري) الصحابي المشهور وكان نصرانيًا
وكان ذلك قبل أن يسلم (وعدي بن بداء) بفتح الموحدة وتشديد المهملة ممدودًا مصروفًا وكان عدي
نصرانيًّا. قال الذهبي: لم يبلغنا إسلامه من المدينة للتجارة إلى أرض الشام (فمات) بزيل (السهمي
بأرض ليس بها مسلم) وكان لما اشتدّ وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا
إلى أهله (فلما قدما) عليهم (بترِكَته فقدوا جامًا) بفتح القاف وبالجيم وتخفيف الميم. قال في الفتح:
أي إناء، وتعقبه العيني فقال: هذا تفسير الخاص بالعام وهو لا يجوز لأن الإناء أعم من الجام والجام
هو الكأس انتهى. والذي ذكره البغوي وغيره من المفسرين: أنه إناء من فضة منقوش بالذهب فيه
ثلاثمائة مثقال، وكذا في رواية ابن جريج عن عكرمة إناء من فضة منقوش بذهب. (من فضة
مخوّصًا من ذهب) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة آخره صاد مهملة أي فيه خطوط
طوال كالخوص كانا أخذاه من متاعه، وفي رواية ابن جريج عن عكرمة أن السهمي المذكور مرض
فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه ثم أوصى إليهما فلما مات فتحا متاعه ثم قدما على أهله فدفعا

٢٧٣
کتاب الوصايا/ باب ٣٦
إليهم ما أراد ففتح أهله متاعه فوجدوا الوصية وفقدوا أشياء فسألوهما عنها فجحدا فرفوعهما إلى
النبي 8ّ* فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لمن الآثمين﴾ [المائدة: ١٠٦] (فأحلفهما رسول الله وَل خير ثم
وجد الجام بمكة. فقالوا) أي الذين وجد الجام معهم (ابتعناه من تميم وعدي فقام رجلان) عمرو بن
العاص والمطلب بن أبي وداعة (من أوليائه) أي من أولياء بزيل السهمي (فحلفا لشهادتنا أحق من
شهادتهما) يعني يميننا أحق من يمينهما (وإن الجام لصاحبهم قال وفيهم نزلت هذه الآية ﴿يا أيها
الذين آمنوا شهادة بینکم﴾) زاد أبو ذر (﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾).
٣٦ - باب قَضاءِ الوَصيِّ دُيونَ الميّتِ بغيرِ مَخضرٍ منَ الورثة
(باب) جواز (قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة).
٢٧٨١ - حدثنا محمدُ بنُ سابقٍ - أوِ الفضلُ بنُ يَعقوبَ عنه - حدَّثَنا شيبانُ أبو معاويةً عن
فِراس قال: قال الشّعبيُّ حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريّ رضي اللَّهُ عنهما: ((أنَّ أباهُ اسْتُشْهِدَ
يومَ أُحُدٍ وتركَ سِتَّ بناتٍ وتركَ عليهِ دينًا، فلمّا حَضرهُ جِذاذُ النخلِ أتّيْتُ رسولَ اللَّهِ وَه فقلتُ: يا
رسول اللَّهِ قد علمتَ أن والدي استُشهِدَ يومَ أُحُدٍ وترك عليهِ دَيئًا كثيرًا، وإنّي أُحِبُّ أن يَراك
الغُرَماءُ. قال: اذهَبْ فَبَيدِزْ كلَّ تمرٍ على ناحيةٍ. ففَعلتُ، ثم دَعوتَهُ، فلما نظروا إليه أُغرُوا بي تلكَ
الساعةَ، فلمّا رأى ما يَصَعون طاف حولَ أعظَمِها بَيدرًا ثلاثَ مرّاتٍ، ثمَّ جلس عليهِ ثم قال: ادعُ
أصحابَك، فما زالَ يَكِيلُ لهم حتى أدَّى اللَّهُ أمانةَ والدي، وأنا واللَّهِ راضٍ أن يُؤدِّيَ اللَّهُ أمانةً
والدي ولا أرجعُ إلى أخواتي تمرةً، فسَلمَ واللَّهِ البَيادِرُ كلُّها حتّى أني أنظرُ إلى البَيدَرِ الذي عليهِ
رسولُ اللَّهِ بِّهِ كَأَنَّهُ لم يَنْقُص تمرةً واحدةً)).
قال أبو عبد اللَّهِ: ((أغروا بي)) يعني هِيجُوا بي. ﴿فأغرينا بينهم العداوةَ والبغضاء﴾ [المائدة: ١٤].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سابق) بالسين المهملة وبعد الألف موحدة ثم قاف أبو جعفر
التميمي مولاهم البغدادي البزاز الفارسي الأصل ثم الكوفي (أو الفضل بن يعقوب) الرخامي بالخاء
المعجمة البغدادي (عنه) أي عن محمد بن سابق والشك من المؤلف، وقد روى عن ابن سابق بواسطة
في أول حديث يلي هذا الباب وفي المغازي والنكاح والأشربة ولم يرو عنه بغير واسطة إلا في هذا
الموضع مع التردد في ذلك قال: (حدّثنا شيبان) هو ابن عبد الرحمن (أو معاوية) النحوي البصري ثم
الكوفي (عن فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى الهمداني الحارثي
الكوفي أنه (قال: قال الشعبي) عامر بن شراحيل (حدّثني) بالإفراد (جابر بن عبد الله الأنصاري
رضي الله عنهما أن أباه استشهد يوم أُحُد) سنة ثلاث (وترك ست بنات وترك عليه دينًا) ليهودي وغيره
(فلما حضر جداد النخل) بفتح الجيم وبدالين مهملتين أي أوان قطع ثمرتها، ولأبي ذر: فلما حضره
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ١٨

٢٧٤
کتاب الوصايا/ باب ٣٦
جذاذ النخل بضمير المفعول وجذاذ بذالين معجمتين وكسر الجيم يقال: جذذت الشيء أي كسرته
وقطعته (أتيت رسول الله وَ﴿ فقلت: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أُحُد وترك عليه
دينًا كثيرًا وإني أحب أن يراك الغرماء قال):
(اذهب فبيدر) بفتح الموحدة وسكون التحتية وكسر الدال المهملة أمر من بيدر يبيدر أي اجعل
کل صنف في بیدر أي جرین يخصه ولأبي ذر عن الحموي فبادر (كل تمر على ناحية) (ففعلت) ذلك
(ثم دعوت) رسول الله وَ ل ﴿ ولأبي ذر عن الحموي والمستملي دعوته وله عن الكشميهني فدعوته بالفاء
بدل ثم (فلما نظروا) أي الغرماء (إليه) عليه الصلاة والسلام (أغروا) بضم الهمزة وسكون الغين
المعجمة وبالراء المهملة مبنيًّا لما لم يسمّ فاعله أي لهجوا (بي) وقال في النهاية: لجوا في مطالبتي
وألحوا علي (تلك الساعة، فلما رأى) عليه الصلاة والسلام (ما يصنعون) بي (أطاف) بالهمزة قبل
الطاء ولأبي ذر طاف بإسقاطها (حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات ثم جلس عليه ثم قال): (ادع
أصحابك) أي غرماء أبيك فدعوتهم (فما زال يكيل لهم) من ذلك البيدر (حتى أدى الله أمانة والدي
وأنا والله راضٍ أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواني) الستة (بتمرة) بمثناة فوقية بعد الموحدة
وسكون الميم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: تمرة بإسقاط الموحدة (فسلم والله البيادر كلها حتى
أني) بفتح الهمزة (أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله وَي كأنه لم ينقص تمرة واحدة).
(قال أبو عبد الله) أي البخاري في تفسير قوله (أغروا بي يعني هيجوا بي) بكسر الهاء وسكون
التحتية (﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾) [المائدة: ١٤] قال أبو عبيدة في المجاز الإغراء التهييج
والإفساد، وسقط قوله قال أبو عبد الله إلخ ... للحموي والكشميهني وثبت للمستملي وحده والله
أعلم.
وقد سبق حديث الباب غير مرة. منها في الصلح والاستقراض والهبة ويأتي إن شاء الله تعالى
في علامات النبوّة.

بسم الله الرحمن الرحيم
٥٦ - کتاب الجهاد والسير
بكسر السين المهملة وفتح التحتية وجاء في الفرع بفتح السين وسكون التحتية جمع سيرة وهي
الطريقة، وأطلق ذلك على أبواب الجهاد لأنها متلقاة من أحوال النبي بَّر وفي غزواته. والجهاد:
بکسر الجيم مصدر جاهدت العدوّ مجاهدة وجهادًا وأصله جیھاد کقیتال فخفف بحذف الياء وهو
مشتق من الجهد بفتح الجيم وهو التعب والمشقة لما فيه من ارتكابها أو من الجهد بالضم وهو الطاقة
لأن كل واحد منهما بذل طاقته في دفع صاحبه، وهو في الاصطلاح قتال الكفار لنصرة الإسلام
وإعلاء كلمة الله، ويطلق أيضًا على جهاد النفس والشيطان وهو من أعظم الجهاد، والمراد بالترجمة
الأول والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وقاتلوا
المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦] وكان قبل الهجرة محرمًا ثم أمر لتر بعدها بقتال من قاتله ثم أبيح
الابتداء به في غير الأشهر الحرم ثم أمر به مطلقًا.
ثم أن الجهاد قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية لأن الكفار إن دخلوا بلادنا أو
أسروا مسلمًا يتوقع فكّه ففرض عين. وإن كان ببلادهم ففرض كفاية، ويأتي البحث في ذلك إن
شاء الله تعالى في باب: وجوب النفير.
١ - باب فضل الجهاد والسير
وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ المؤمنينَ أَنفُسَهُم وأموالهم بأنَّ لهمُ الجنةَ يُقاتِلونَ في
سَبِيلِ اللَّهِ فِيَقْتُلُونَ ويُقتَلونَ وَعْدًا عليه حَقًّا في التَّوراةِ والإنجيلِ والقُرآنِ، ومَن أوْفى بعهدهِ منَ اللَّه؟
فاستَبْشِروا ببيعكم الذي بايعتم بهِ - إلى قولهِ - وبشّرِ المؤمنين﴾ [التوبة: ١١١]. قال ابنُ عباسٍ:
الحُدودُ الطاعة.

٢٧٦
كتاب الجهاد والسير/ باب ١
(بسم الله الرحمن الرحيم). قدم النسفي البسملة وسقط كتاب الترجمة لأبي ذر كما في الفرع
وأصله.
(باب فضل الجهاد والسير). سقط لفظ باب لأبي ذر وحينئذ فقوله فضل رفع بالابتداء.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على المجرور أو بالرفع ولأبي ذر عز وجل بدل قوله تعالى: (﴿إن
الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾) أي طلب من المؤمنين أن يبذلوا أنفسهم
وأموالهم في الجهاد في سبيل الله ليثيبهم الجنة، وذكر الشراء على وجه المثل لأن الأنفس والأموال
كلها لله وهي عندنا عارية، ولكنه قال أراد التحريض والترغيب في الجهاد وهذا كقوله تعالى: ﴿من
ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. والباء في بأن للمعاوضة وهذا من فضله تعالى
وكرمه وإحسانه فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له، ولذا قال الحسن
البصري: بايعهم الله فأغلى ثمنهم، وقال عبد الله بن رواحة لرسول الله * ليلة العقبة: أشترط
لربك ولنفيك ما شئت. فقال: ((أشترط لربي أن تصدقوه ولا تشركوا به شيئًا وأشترط لنفسي أن
تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم)) قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: ((الجنة)) قالوا: ربح
البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾.
(﴿يقاتلون في سبيل الله﴾) أي في طاعته مع العدوّ وهذا كما قال الزمخشري في معنى الأمر أو هو
بيان ما لأجله الشراء (﴿فَيَقْتلون ويُقْتلون﴾) أي يقتلون العدوّ ويقتلهم (﴿وعدًا عليه حقًّا﴾) مصدر مؤكد
أي أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته (﴿في التوراة والإنجيل
والقرآن. ومن أوفى بعهده من الله﴾؛ مبالغة في الإنجاز وتقرير لكونه حقًّا. (﴿فاستبشروا ببيعكم الذي
بايعتم به﴾) [التوبة: ١١١، ١١٢]. أي فافرحوا به غاية الفرح فإنه أوجب لكم عظائم المطالب
وذلك هو الثواب الوافر، (- إلى قوله - ﴿وبشر المؤمنين﴾) [التوبة: ١١٢]. أي الموصوفين بتلك
الفضائل من التوبة والعبادة والصوم وغير ذلك مما في الآية، وساق في رواية أبي ذر إلى قوله:
﴿وعدّا عليه حقًّا﴾ ثم قال إلى قوله: ﴿والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ وللنسفي وابن شبويه:
﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ الآيتين إلى قوله: ﴿وبشر المؤمنين)
وساق في رواية الأصيلي وكريمة الآيتين جميعًا قاله في فتح الباري.
(قال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم في تفسير قوله تعالى: ﴿تلك
حدود الله﴾ [البقرة: ١٨٧]. (الحدود الطاعة). وكأنه تفسير باللازم لأن من أطاع الله وقف عند
امتثال أمره واجتناب نهيه .
٢٧٨٢ - هقائنا الحسنُ بنُ صَبَاحِ حدَّثَنَا محمدُ بنُ سابقٍ حدَّثَنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ قال: سمعتُ
الوليدَ بنَ العَيزارِ ذَكَرَ عن أبي عمرو الشيبانيّ قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنه: ((سَأَلتُ
رسولَ اللَّهِ ﴿ قُلت: يا رسولَ اللَّهِ أيُّ العملِ أفضلُ: قال: الصلاةُ على مِيقاتِها. قلتُ: ثمَّ أيّ؟

٢٧٧
کتاب الجهاد والسير/ باب ١
قال: ثمّ برّ الوالِدَين. قلتُ: ثمَّ أيٍّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله. فسكتُ عن رسولِ اللَّهِ وَّل، ولو
استزَذْتُهُ لزَادَني)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (الحسن بن صباح) بتشديد الموحدة البزار آخره
راء أبو علي الواسطي قال: (حدّثنا محمد بن سابق) التميمي البزار الكوفي نزيل بغداد قال: (حدّثنا
مالك بن مغول) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو الكوفي (قال: سمعت الوليد بن
العيزار) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وبالزاي وبعد الألف راء ابن حريث العبدي الكوفي (ذكر
عن أبي عمرو) بفتح العين سعد بن أياس (الشيباني) بالشين المعجمة المفتوحة أنه (قال: قال
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألت رسول الله وَ ي قلت يا رسول الله أيّ العمل أفضل؟ قال:
(الصلاة على ميقاتها) على بمعنى في لأن الوقت ظرف لها (قلت: ثم أيّ)؟ بالتشديد منوّنًا.
قال ابن الخشاب: لا يجوز غيره لأنه اسم معرب غير مضاف وسبق زيادة بحث في هذا في المواقيت
(قال): عليه الصلاة والسلام (ثم برّ الوالدين) أي بالإحسان إليهما وترك عقوقهما (قلت: ثم أي؟
قال): (الجهاد في سبيل الله) بالنفس والمال، وإنما خصّ هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ما
سواها من الطاعات لأن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.
قال ابن مسعود (فسكت عن) سؤال (رسول الله (وَ *) حينئذ (ولو استزدته) أي طلبت منه الزيادة في
السؤال (لزادني) في الجواب.
وهذا الحديث قد سبق في المواقيت من كتاب الصلاة.
٢٧٨٣ - حدّثنا عليّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ حدَّثَنا سُفيان قال: حدَّثني منصورٌ
عن مُجاهدٍ عن طاوُسٍ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((قال رسولُ اللَّهِ وَ لا هِجرةَ بعدَ
الفتحِ، ولكنْ جِهادٌ ونيّة، وإذا استُنفِرتم فانفِروا)).
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: (حدّثنا
سفيان) الثوري (قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم
وسكون الموحدة المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (عن طاوس عن ابن عباس رضي الله
عنهما) أنه (قال: قال رسول الله (َله) أي يوم فتح مكة سنة ثمان.
(لا هجرة) واجبة من مكة إلى المدينة (بعد الفتح) أي فتح مكة للاستغناء عن ذلك إذ كان
معظم الخوف من أهلها فأمر المسلمون أن يقيموا في أوطانهم، والمراد لا هجرة بعد الفتح لمن لم يكن
هاجر بدليل الحديث الآخر يقيم المهاجر ثلاثًا بعد قضاء الحج (ولكن جهاد) في الكفار (ونيّة)، في
الخير يحصلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة، وقال النووي: معناه أن تحصيل الخير بسبب
الهجرة قد انقطع بفتح مكة لكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة قال: وفيه حثّ على نية الخير وأنه

٢٧٨
كتاب الجهاد والسير/ باب ١
يثاب عليها (إذا) بالواو. ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فإذا (استنفرتم) بضم التاء وكسر الفاء
(فانفروا) بهمزة وصل وكسر الفاء أيضًا أي إذا طلبكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فأخرجوا إليه.
وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرض عين بل فرض كفاية.
وهذا الحديث سبق في كتاب الحج في باب: لا يحل القتال بمكة.
٢٧٨٤ - حدّثنا مسدَّدٌ حدَّثَنا خالدٌ حدَّثَنا حَبيبُ بنُ أبي عَمرةَ عن عائشةَ بنْتِ طلحةً ((عن
عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنها قالت: يا رسول اللَّهِ، نرى الجهادَ أفضلَ العملِ، أفلا نُجاهِدُ؟ قال:
لكُنَّ أفضلُ الجهادِ حَجِّ مَبرور)) .
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين وتشديد الدال الأولى المهملات ابن مسرهد قال: (حدّثنا
خالد) هو ابن عبد الله الطحان قال: (حدّثنا حبيب بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأسدي
القصاب (عن عائشة بنت طلحة) التيمية القرشية (عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله
نرى) بضم النون وفي نسخة بفتحها وفي أخرى بمثناة فوقية مضمومة وهي التي في الفرع وأصله
أي نظن أو نعتقد (الجهاد أفضل العمل)، وللنسائي من رواية جرير عن حبيب: فإني لا أرى في
القرآن أفضل من الجهاد (أفلا نجاهد؟ قال):
(لكن أفضل الجهاد) بضم الكاف وتشديد النون لأبي ذر ولغيره لكن بكسر الكاف وزيادة ألف
قبلها أفضل الجهاد بنصب أفضل بلكن (حج مبرور) خبر مبتدأ محذوف أي هو حج.
وهذا الحديث قد سبق في الحج.
٢٧٨٥ - هذّثنا إسحقُ أخبرَنا عَفّانُ حدَّثَنَا هَمامٌ حدَّثَنا محمدُ بنُ جُحادة قال: أخبرني أبو
حَصِينٍ أنَّ ذَكوانَ حدَّثَهُ أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ حدَّثَهُ قال: ((جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ لِو
فقال: دُلَّني على عملٍ يَعدِلُ الجِهادَ. قال: لا أجِدهُ. قال: هل تَستطيعُ إذا خَرَجَ المجاهدُ أن
تدخُلَ مَسجِدَك فتقومَ ولا تَفْتُرَ، وتَصومَ ولا تُفطِرَ؟ قال: ومن يَستطيعُ ذلك؟ قال أبو هريرةَ: إنَّ
فَرَسَ المجاهدِ لِيَسْتَنُّ في طِوَلهِ، فيُكتبُ لهُ حسَناتٍ)).
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) وسقط لأبي ذر ابن منصور قال: (أخبرنا عفان) بن
مسلم الصفار قال: (حدّثنا همام) بتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار العوذي الشيباني قال:
(حذّثنا محمد بن جحادة) بجيم مضمومة فحاء مهملة مخففة الأيامى (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو
حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (أن ذكوان) الزيات (حدّثه أن أبا
هريرة رضي الله عنه حدّثه قال: جاء رجل) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه (إلى رسول الله الحيوي
فقال: (دلّني) بفتح اللام (على عمل يعدل الجهاد) أي يساويه ويماثله. (قال): عليه الصلاة والسلام:

٢٧٩
کتاب الجهاد والسير/ باب ٢
(لا أجده) أي لا أجد العمل الذي يعدل الجهاد ثم (قال) عليه الصلاة والسلام مستأنفًا: (هل
تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم) بالنصب عطفًا على أن تدخل (ولا تفتر وتصوم
ولا تفطر) بنصبهن عطفًا على السابق (قال): الرجل (ومن يستطيع ذلك)؟
(قال أبو هريرة): موقوفًا عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الخيل ثلاثة من طريق
زيد بن أسلم عن أبي صالح مرفوعًا: (إن فرس المجاهد ليستنّ) من الاستنان وهو العدو، وقال
الجوهري هو أن يرفع يديه ويطرحهما معًا (في طوله)، بكسر الطاء المهملة وفتح الواو وحبله
المشدود به المطوّل له ليرعى وهو بيد صاحبه (فيكتب له حسنات). أي فيكتب له استنانه حسنات
فالضمير راجع إلى المصدر الذي دلّ عليه ليستنّ فهو مثل: اعدلوا هو أقرب للتقوى وحسنات نصب
على أنه مفعول ثانٍ .
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الجهاد أيضًا.
٢ - باب أفضلُ الناسِ مُؤمنٌ مجاهدٌ بنفسهِ ومالهِ في سبيل الله
وقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا هل أدُلْكم على تجارة تُنْجيكم من عذابٍ أليم؟ تُؤمنونَ
باللّهِ ورسولهِ وتُجاهِدونَ في سبيلِ اللَّهِ بأموالكم وأنفُسِكم، ذلكُم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون. يَغْفِرْ
لكم ذُنوبَكم ويُدخِلْكُم جَنّاتٍ تَجري مِن تحتِها الأنهارُ ومَساكنَ طيبةً في جناتٍ عَدْنٍ، ذُلكَ الفَوزُ
العظيم﴾ [الصف: ١٠].
هذا (باب) بالتنوين (أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله) ولغير الكشميهني
مجاهد بالميم صفة لمؤمن. (وقوله تعالى): بالرفع عطفًا على أفضل (﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم
على تجارة﴾) استفهام في اللفظ إيجاب في المعنى (﴿تنجيكم)) تخلصكم (﴿من عذاب أليم تؤمنون
بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾) استئناف مبين للتجارة وهو الأجمع بين
الإيمان والجهاد والمراد به الأمر وإنما جيء به بلفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال كأنها وجدت
وحصلت (﴿ذلكم﴾) أي ما ذكر من الإيمان والجهاد ((خير لكم﴾) في أنفسكم وأموالكم (﴿إن
كنتم تعلمون﴾) العلم (﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾) جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر قال القاضي:
ويبعد جعله جوابًا لهل أدلكم لأن مجرد دلالته لا يوجب المغفرة (﴿ويدخلكم﴾) عطف على يغفر
لكم (﴿جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك﴾) ما ذكر من المغفرة
وإدخال الجنة (﴿الفوز العظيم)) [الصف: ١٠- ١٢]. وفي نسخة بعد قوله من ﴿عذاب أليم)
إلى ﴿الفوز العظيم).
٢٧٨٦ - حدثنا أبو اليمانِ أخبَرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريُ قال: حدَّثني عطاءُ بنُ يزيدَ اللَّيْثِيُّ أنَّ
أبا سعيدِ الخُدريَّ رضيَ اللَّهُ عنه حدَّثْهُ قال: قيل يا رسول اللَّهِ أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقال رسولُ

٢٨٠
کتاب الجهاد والسير/ باب ٢
اللَّهِ وَله: مُؤمنٌ يُجاهِدُ في سبيلِ اللَّهِ بنفسهِ ومالهِ. قالوا: ثمَّ مَن؟ قال: مؤمنٌ في شِعبٍ منَ
الشعابٍ يَتَّقي اللَّهَ ويَدعُ الناسَ مِن شَرِّه)). [الحديث ٢٧٨٦ - طرفه في: ٦٤٩٤].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (عطاء بن يزيد) من الزيادة (الليثي)
بالمثلثة (أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه حدّثه قال: قيل يا رسول الله أيّ الناس أفضل)؟ قال في
الفتح: لم أقف على اسم السائل، وقد سبق أن أبا ذر سأل عن نحو ذلك، وللحاكم: أيّ الناس
أكمل إيمانًا؟ (فقال رسول الله (وَل﴿):
(مؤمن) أي أفضل الناس مؤمن (يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله). لما فيه من بذلهما الله مع
النفع المتعدي، وعند النسائي: إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه بمن
التبعيضية وذلك يقوي قول من قال أن قوله مؤمن يجاهد المقدّر بقوله أفضل الناس مؤمن يجاهد عام
مخصوص وتقديره من أفضل الناس لأن العلماء الذين حملوا الناس على الشرائع والسُّنن وقادوهم إلى
الخير أفضل وكذا الصديقون. (قالوا: ثم من)؟ يلي المؤمن المجاهد في الفضل (قال): عليه الصلاة
والسلام (مؤمن) أي ثم يليه مؤمن (في شعب من الشعاب) بكسر الشين المعجمة وسكون العين
المهملة في الأول وفتحها في الثاني آخره موحدة هو ما انفرج بين الجبلين وليس بقيد بل على سبيل
المثال. والغالب على الشعاب الخلوّ عن الناس فلذا مثل بها للعزلة والانفراد فكل مكان يبعد عن
الناس فهو داخل في هذا المعنى كالمساجد والبيوت ولمسلم من طريق معمر عن الزهري: رجل
معتزل (يتقي الله ويدع الناس من شره) وفيه فضل العزلة لما فيها من السلامة من الغيبة واللغو
ونحوهما وهو مقيد بوقوع الفتنة.
وفي حديث بعجة بفتح الموحدة والجيم بينهما عين مهملة ساكنة ابن عبد الله عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب
الموت في مظانه ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويدع الناس إلا من
خیر)). رواه مسلم وابن حبان.
وروى البيهقي في الزهد عن أبي هريرة مرفوعًا: ((يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه
إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق ومن حجر إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بسخط
الله فإذا كان ذلك كذلك كان هلاك الرجل على يد زوجته وولده فإن لم يكن له زوجة ولا ولد كان
هلاكه على يد أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يد قرابته أو الجيران». قالوا: كيف ذلك يا
رسول الله؟ قال: ((يعيرونه بضيق المعيشة فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه». أما عند
عدم الفتنة فمذهب الجمهور أن الاختلاط أفضل لحديث الترمذي: المؤمن الذي يخال الناس ويصبر
على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.