Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٤
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحرث الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
جبلة) بالجيم والموحدة واللام المفتوحات ابن سحيم بضم السين وفتح الحاء المهملتين الشيباني أنه
قال: (كنّا بالمدينة في بعض أهل العراق) وعند الترمذي في بعث أهل العراق (فأصابنا سنة) غلاء
وجدب (فكان ابن الزبير) عبد الله (يرزقنا) أي يطعمنا (التمر فكان ابن عمر رضي الله عنهما يمرّ بنا)
أي ونحن نأكله (فيقول إن رسول الله ◌َ ﴿ل نهى عن الإقران) بهمزة مكسورة بين اللام والقاف من
الثلاثي المزيد فيه. قال عياض: والصواب القران بإسقاط الهمزة وهو أن تقرن تمرة بتمرة عند الأكل
لأن فيه إجحافًا برفيقه مع ما فيه من الشره المزري بصاحبه نعم إذا كان التمر ملكًا له فله أن يأكل
كيف شاء (إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) فيأذن له فإنه يجوز لأنه حقه فله إسقاطه، واختلف هل
قوله إلا أن يستأذن الخ ... مدرج من قول ابن عمر أو مرفوع، فذهب الخطيب إلى الأوّل،
وعورض بحديث جبلة عند البخاري سمعت ابن عمر يقول: ((نهى رسول الله , له أن يقرن بين
التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه)) وهل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ فنقل عياض عن أهل الظاهر
أنه للتحريم، وعن غيرهم أنه للتنزيه. وصوّب النووي التفصيل فإن كان مشتركًا بينهم حرم إلا
برضاهم وإلا فلا.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الأطعمة والشركة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن
ماجة في الأطعمة والنسائي في الوليمة .
٢٤٥٦ - حدثنا أبو النُّعمانِ حدَّثَنا أبو عَوانةَ عنِ الأعمشِ عن أبي وائلٍ عن أبي مَسعودٍ: ((أنَّ
رجُلاً من الأنصار يُقالُ لهُ أبو شُعَيبٍ كان لهُ غُلامٌ لخامٌ، فقال لهُ أبو شُعيبٍ: اصنعْ لي طعامَ خمسةٍ
لَعلِّي أدعو النبيَّ ◌َّ خامسَ خمسةٍ- وأبصَرَ في وجهِ النبيِّوَّ الجوعَ! فَدَعاهُ، فَتَبِعَهم رجلٌ لم يُدعَ،
فقال النبيُّ وَّهِ: إِنَّ هُذا قدِ اتَّبَعَنا، أتأذَنُ له؟ قال: نعم)).
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن
عبد الله اليشكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن أبي مسعود)
عقبة بن عمرو الأنصاري البدري (أن رجلاً من الأنصار يقال له أبو شعيب كان له غلام لحام) يبيع
اللحم ولم يسم (فقال له أبو شعيب: اصنع لي طعام خمسة) لعلمه أن النبي ◌ُّر سيتبعه غيره العلي أدعو
النبي ◌َّير خامس خمسة) أي أحد خمسة (وأبصر في وجه النبي ◌َّر الجوع) جملة فعلية حالية يعني أنه
قال لغلامه اصنع لنا في حال رؤيته تلك (فدعاه) أي دعا أبو شعيب النبي وَّر (فتبعهم رجل) أي
سادس لم يسم أيضًا (لم يدع فقال النبي ◌َّ):
(إن هذا قد اتّبعنا) بتشديد التاء (أتأذن له) في الدخول؟ (قال: نعم).
وهذا الحديث قد مضى في باب ما قيل في اللحام والجزار من كتاب البيوع.

٤٦٢
کتاب في المظالم والغصب/ باب ١٥ و١٦
١٥ - باب قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وهوَ أَلَّذُّ الخِصام﴾ [البقرة: ٢٠٤]
(باب قول الله تعالى) في سورة البقرة (﴿وهو ألد الخصام﴾) [البقرة: ٢٠٤] ألد أفعل تفضيل من
اللدد وهو شدة الخصومة والخصام المخاصمة، ويجوز أن يكون جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى
أشد الخصوم خصومة أو أن أفعل هنا ليست للتفضيل بل بمعنى الفاعل أي وهو لديد الخصام أي
شديد المخاصمة فهو من إضافة الصفة المشبهة. وعن ابن عباس أي ذو جدال، وقال السدي فيما
ذكره ابن كثير نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي جاء إلى رسول الله وَّر وأظهر الإسلام وفي باطنه
خلاف ذلك، وعن ابن عباس في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع
وعابوهم فأنزل الله ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه.
٢٤٥٧ - حدثنا أبو عاصم عنِ ابنِ جُرَيجِ عنِ ابنِ أبِي مُلَيكةَ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها عنِ
النبيِّ وَ ◌ّرَ قال: ((إنَّ أبغَضَ الرجالِ إلى اللّهِ الألَدُّ الخَصِمُ)). [الحديث ٢٤٥٧ - طرفاه في: ٤٥٢٣،
٧١٨٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
المكي (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيدالله واسم أبي مليكة زهير المكي الأحول (عن عائشة رضي
الله عنها عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(إن أبغض الرجال إلى الله) عز وجل (الألد الخصم) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة
المولع بالخصومة الماهر فيها واللام في الرجال للعهد، فالمراد الأخنس وهو منافق، أو المراد الألد في
الباطل المستحل له أو هو تغليظ في الزجر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأحكام والتفسير ومسلم في القدر والترمذي والنسائي في
التفسير .
١٦ - باب إثم مَن خاصَمَ في باطل وهوَ يَعلَمُه
(باب إثم من خاصم في) أمر (باطل وهو يعلمه) أي يعلم أنه باطل.
٢٤٥٨ - حدثنا عبد العزيز بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَني إبراهيمُ بنُ سعدٍ عن صالحِ عنِ ابنِ شهابٍ
قال: أخبرَني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ أن زينبَ بنتَ أمّ سلمةَ أخبرَتْهُ أنَّ أُمَّها أُمَّ سلمةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوجَ
النبيِّ وَله أخبرتَها عن رسولِ اللَّهِ وَ لِّ: («أنهُ سمِعَ خُصومة ببابِ حُجرتِهِ، فخرجَ إليهم فقال: إنما أنا
بشرٌ، وإنهُ يأتيني الخَصمُ، فلعلَّ بعضَكم أن يكونَ أبلغَ من بعضٍ، فأحسبُ أنهُ صَدقَ فأقضِي لهُ
بذلك، فَمن قضَيتُ له بحقٌ مسلم فإنما هيَ قِطعةٌ منَ النار، فلْيأْخُذْها أو فَليتركها)). [الحديث
٢٤٥٨ - أطرافه في: ٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥].

٤٦٣
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٦
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيزبن عبدالله)، الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد)
بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد تكلم فيه بلا قادح (عن
صالح) هو ابن كيسان مؤدب ولد عمربن عبدالعزيز (عن ابن شهاب) محمدبن مسلم الزهري أنه
(قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب بنت أم سلمة) بنت أبي سلمة عبد الله
وكان اسمها برة فسماها النبي ◌ّله زينب (أخبرته أن أمها أم سلمة) هند بنت أبي أمية (رضي الله عنها
زوج النبي ◌َّر أخبرتها عن رسول الله ◌َّفي أنه سمع خصومة بباب حجرته) التي هي سكن أم سلمة
(فخرج إليهم) أي إلى الخصوم ولم يسموا (فقال):
(إنما أنا بشر) من باب الحصر المجازي لأنه حصر خاص أي باعتبار علم البواطن ويسمى عند
علماء البيان قصر القلب لأنه أتى به على الرد على من زعم أن من كان رسولاً يعلم الغيب فيطلع
على البواطن ولا يخفى عليه المظلوم ونحو ذلك. فأشار إلى أن الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك
من الأمور إلا ظواهرها فإنه خلق خلقًا لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء فإذا ترك على ما
جبل عليه من القضايا البشرية ولم يؤيد بالوحي السماوي طرأ عليه ما يطرأ على سائر البشر (وإنه
يأتيني الخصم) وفي الأحكام: وإنكم تختصمون إلّ (فلعل بعضكم أن يكون أبلغ) أي أحسن إيرادًا
للكلام (من بعض) أي وهو كاذب وفي الأحكام ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أي
ألسن وأفصح وأبين كلامًا وأقدر على الحجة وفيه اقتران خبر لعل التي اسمها (بعضَ)) بأن المصدرية
(فأحسب) بفتح السين وكسرها لغتان والنصب عطفًا على أن يكون أبلغ وبالرفع أي فأظن لفصاحته
ببيان حجته (أنه صدق فأقضي له بذلك) الذي سمعته منه (فمن قضيت) أي حكمت (له بحق
مسلم) أي أو ذمي أو معاهد فالتعبير بالمسلم لا مفهوم له وإنما خرج مخرج الغالب كنظائره مما سبق
(فإنما هي) أي القصة أو الحالة (قطعة) طائفة (من النار) أي من قضيت له بظاهر يخالف الباطن فهو
حرام فلا يأخذن ما قضيت له لأنه يأخذ ما يؤول به إلى قطعة من النار فوضع المسبب وهو قطعة من
النار موضع السبب وهو ما حكم له به (فليأخذها أو فليتركها) ولأبي ذر: أو ليتركها بإسقاط الفاء.
قال النووي: ليس معناه التخيير بل هو للتهديد والوعيد كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن
شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصّلت: ٤٠] انتهى. وتعقب بأنه إن
أراد أن كلتا الصيغتين للتهديد فممنوع فإن قوله: فليتركها للوجوب وإن أراد الأولى وهو فليأخذها
فلا تخيير فيها بمجردها حتى يقول ليس للتخيير ثم إن أو مما يشرك لفظًا ومعنى والتهديد ضد
الوجوب .
وأجيب: بأنه يحتمل إرادة الصيغتين لا على معنى أن كل واحدة منهما للتهديد بل الأمر
للتخيير المستفاد من مجموعهما بدليل تنظيره بقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
وكلاهما نظير خذ من مالي درهما أو خذ دينارًا، وكذلك في معنى ذلك ﴿اعملوا ما شئتم﴾ لأنه
ينحل إلى اعملوا خيرًا إن شئتم واعملوا شرًّا إن شئتم، والتهديد هو التخويف. ودلالة هذه الصيغ

٤٦٤
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٧
عليها إنما هي بقرينة خارجة عن اللفظ وهي ما قصد في الكلام من التخويف بعاقبة ذلك، ويحتمل
أن الصيغة الأولى هي التي للتهديد وهو قريب من نحو («فليتبوأ مقعده من النار)) وحينئذٍ فأو
للإضراب والصيغة الثانية على حقيقتها من الإيجاب أي بل ليدعها، وقد قال سيبويه: إن أو تأتي
للإضراب بشرطين سبق نفي أو نهي وإعادة العامل والشرطان موجودان فيه لأنّا إذا حملنا فليأخذها
على التهديد كأن معناه فلا يأخذها بل يدعها قاله فى العدة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأحكام والشهادات وترك الحيل ومسلم في القضاء وأبو داود
في الأحكام.
١٧ - باب إذا خاصمَ فَجرَ
هذا (باب) بالتنوين في ذم من (إذا خاصم فجر) وفي نسخة بترك تنوين باب.
٢٤٥٩ - حدثنا بِشرُ بنُ خالد أخبرنا محمدٌ عن شعبةً عن سليمان عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُرَّةً
عن مسروقٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّ وََّ قال: ((أربعٌ مَن كنَّ فيه كان مُنافِقًا،
أو كانت فيه خَصْلةٌ منَ أربعة كانت فيه خصلةٌ منَ النفاقِ حتّى يَدَعَها: إذا حدَّث كذَبَ، وإذا وَعدَ
أخلفَ، وإذا عاهدَ غدَرَ، وإذا خاصمَ فَجَرَ)).
وبه قال: (حدّثنا بشربن خالد) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة العسكري قال: (أخبرنا
محمد) غير منسوب ولأبي ذر محمدبن جعفر (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش
(عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي بخاء معجمة وراء وفاء الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع
أبو عائشة الهمداني (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن العاصي (رضي الله عنهما
عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(أربع) أي أربع خصال (من كنّ فيه كان منافقًا) عمليًّا لا إيمانيًّا أو منافقًا عرفيًّا لا شرعيًّا
وليس المراد الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار (أو كانت فيه خصلة) أي خلة بفتح الخاء (من
أربعة) ولأبي ذر: أربع (كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) يتركها (إذا حدّث) في كل شيء
(كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) في الخصومة أي مال عن الحق والمراد
به هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان، وزاد في كتاب الإيمان: ((إذا ائتمن خان)) لكنه
أسقطه هنا وأسقط ((وإذا وعد)) الخ ... هناك لأن المسقط في الموضعين داخل تحت المذكور منهما
فحصل من الروايتين خمس خصال.
وفي حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان أيضًا ((آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد
أخلف وإذا ائتمن خان)) فأسقط الغدر في المعاهدة، وفي رواية مسلم لحديث الباب الخلف في الوعد

٤٦٥
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٨
بدل الغدر كحديث أبي هريرة هذا فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه لأن معناهما قد يتّحد، وعلى
هذا فالمزيد الفجور في الخصومة وقد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث، ووجه
الاقتصار على الثلاثة أنها مبنية على ما عداها إذ أصل الديانة ينحصر في ثلاثة: القول والفعل والنيّة.
فنّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النيّة بالخلف، لأن خلف الوعد
لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا
لم توجد منه صورة النفاق .
وعند أبي داود والترمذي من حديث زيدبن أرقم: إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له
فلم یفِ فلا إثم عليه.
قال الكرماني: والحق أنها خمسة متغايرة عرفًا وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا، ووجه
الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن أما في الماليات وهو إذا ائتمن خان، وإما في غيرها فهو إما في
حالة الكدورة وهو إذا خاصم فجر، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكد باليمين وهو إذا عاهد أو لا
فهو إما بالنظر إلى المستقبل وهو إذا وعد وإما بالنظر إلى الحال وهو إذا حدّث.
وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون هذا مختصًّا بأبناء زمانه فإنه مَ لّ علم بنور الوحي بواطن
أحوالهم وميز بين من آمن به صدقًا ومن أذعن له نفاقًا وأراد تعريف أصحابه عن حالهم ليكونوا على
حذر منهم ولم يصرح بأسمائهم لأنه عليه الصلاة والسلام علم أن منهم من سيتوب فلم يفضحهم
بين الناس، ولأنه عدم التعيين أوقع في النصيحة وأجلب للدعوة إلى الإيمان وأبعد عن النفور،
ويحتمل أن يكون عامًّا لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذانًا بأنها طلائع النفاق الذي هو
أسمج القبائح كأنه كفر مموّه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب ومسبب الأسباب، فعلم من ذلك أنها
منافية لحال المسلمين فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع
فیه اهـ.
وسئل الطيبي أيّ الرذائل أقبح؟ فأجاب بأنه الكذب. قال: ولذلك علّل سبحانه وتعالى
عذابهم به في قوله: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠] ولم يقل بما كانوا يصنعون
من النفاق ليؤذن بأن الكذب قاعدة مذهبهم وأسه، فينبغي للمؤمن المصدق أن يجتنب الكذب لأنه
مُنافٍ لوصف الإيمان والتصديق ومنه الفجور في الخصومة .
وقد سبق الحديث في علامة المنافق من كتاب الإيمان.
١٨ - باب قِصاصٍ المظلوم إذا وَجدَ مالَ ظالمهِ
وقال ابنُ سِيرِينَ: يقاصُّه، وقرأ: ﴿وإن عاقَبْتم فعاقِبوا بمثلِ ما عُوقَبْتم به﴾ [النحل: ١٢٦].
إرشاد الساري/ ج ٥/ م ٣٠

٤٦٦
کتاب في المظالم والغصب/ باب ١٨
(باب قصاص المظلوم) الذي أخذ ماله (إذا وجد مال ظالمه) الذي ظلمه هل يأخذ منه بقدر
الذي له ولو بغير حكم حاكم وهي مسألة الظفر والمفتى به عند المالكية أنه يأخذ بقدر حقه إن أمن
فتنة أو نسبة إلى رذيلة وهذا في الأموال وأما في العقوبات البدنية فلا يقتصّ فيها لنفسه وإن أمكنه
لكثرة الغوائل. (وقال ابن سيرين) محمد مما وصله عبدبن حميد في تفسيره (يقاصّه) بتشديد الصاد
المهملة أي يأخذ مثل ماله، (وقرأ) ابن سيرين (﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾)
[النحل: ١٢٦] أي من غير زيادة ولا نقص.
٢٤٦٠ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شعيبٌ عنِ الزُّهريُ قال حدَّثَنِي عُروَةُ أنَّ عائشةَ رضيَ اللَّهُ
عنها قالت: ((جاءت هندُ بنتُ عُتبةَ بنِ ربيعةَ فقالت: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبا سُفيانَ رجلٌ مِسِّيك، فهل
عليَّ حَرَجٌ أن أُطعِمَ منَ الذي لهُ عِيالَنا؟ فقال: لا حَرَج عليكِ أن تُطعِميهم بالمعروف».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمدبن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبيربن العوام (أن عائشة
رضي الله عنها قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة) أم معاوية أسلمت يوم الفتح وتوفيت في
خلافة عمر رضي الله عنه (فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان) صخربن حرب زوجها والد معاوية
(رجل مسيك) بكسر الميم وتشديد السين المهملة في المشهور عند المحدثين، وفي كتب اللغة الفتح
والتخفيف أي بخيل شديد المسك لما في يده (فهل علي حرج) إثم (أن أطعم) بضم الهمزة وكسر
العين (من الذي له عيالنا؟ فقال) عليه الصلاة والسلام:
(لا حرج) لا إثم (عليك أن تطعميهم) أي بإطعامك إياهم (بالمعروف) أي بقدر ما يتعارف أن
يأكل العيال .
ومطابقة هذا الحديث للترجمة من جهة إذنه عليه الصلاة والسلام لهند بالأخذ من مال زوجها
أبي سفيان إذ فيه دلالة على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه.
وهذا الحديث قد مرّ ويأتي إن شاء الله تعالى في النفقات وفيه فوائد، وقوله في شرح السُّنّة:
إن من فوائده أن القاضي له أن يقضي بعلمه لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكلفها البيّنة فيه نظر لأنه
إنما كان فتوى لا حكمًا، وكذا استدلال جماعة به على جواز القضاء على الغائب لأن أبا سفيان كان
حاضرًا بالبلد.
٢٤٦١ - حقثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ حدَّثَنا الليثُ قال: حدَّثَني يزيدُ عن أبي الخَيرِ عن عُقبةَ بنِ
عامر قال: ((قُلنا للنبيِّ وَّ: إنكَ تَبعَثُنا فنزل بقوم لا يَقرونا، فما تَرَى فيه؟ فقال لنا: إن نزَلتم بقوم
فَأَمِرَ لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخُذوا منهم حقَّ الضيف)). [الحديث ٢٤٦١ .
طرفه في: ٦١٣٧].

٤٦٧
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٩
وبه قال: (حدّثنا عبدالله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال:
حدّثني) بالإفراد (يزيد) بن أبي حبيب (عن أبي الخير) مرثد بالمثلثة ابن عبد الله اليزني (عن عقبة بن
عامر) الجهني أنه (قال: قلنا للنبي وَّل: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا) بفتح أوله وإسقاط نون
الجمع للتخفيف، ولأبي ذر: لا يقروننا أي لا يضيفوننا (فما ترى فيه؟ فقال) عليه الصلاة والسلام
(لنا):
(إن نزلتم بقوم فأمر لكم) بضم الهمزة وكسر الميم (بما ينبغي للضيف فاقبلوا) ذلك منهم (فإن
لم يفعلوا فخذوا منهم) وللكشميهني: فخذوا منه أي من مالهم (حق الضيف) ظاهره الوجوب بحيث
لو امتنعوا من فعله أخذ منهم قهرًا. وحكي القول به عن الليث، وقال أحمد بالوجوب على أهل
البادية دون القرى، ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والجمهور أن ذلك سُنّة مؤكدة، وأجابوا عن
حديث الباب بحمله على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة تؤخذ من مال الممتنع بعوض عند الشافعي
أو هذا كان في أول الإسلام حيث كانت المواساة واجبة، فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك بقوله عليه
الصلاة والسلام: ((جائزته يوم وليلة)) والجائزة تفضل وليست بواجبة، أو المراد العمال المبعوثون من
جهة الإمام بدليل قوله: إنك تبعثنا فكان على المبعوث إليهم طعامهم ومركبهم وسكناهم يأخذونه
على العمل الذي يتولونه لأنه لا مقام لهم إلا بإقامة هذه الحقوق. واستدل به المؤلف على مسألة
الظفر وبها قال الشافعي فجزم بالأخذ فيما إذا لم يمكن تحصيل الحق بالقاضي بأن يكون منكرًا ولا
بيّنة لصاحب الحق. قال: ولا يأخذ غير الجنس مع ظفره بالجنس فإن لم يجد إلا غير الجنس جاز
الأخذ وإن أمكن تحصيل الحق بالقاضي بأن كان مقرًّا مماطلاً أو منكرًا وعليه بيّنة أو كان يرجو إقراره
لو حضر عند القاضي وعرض عليه اليمين فهل يستقل بالأخذ أم يجب الرفع إلى القاضي؟ فيه
للشافعية وجهان أصحهما عند أكثرهم جواز الأخذ، واختلف المالكية والمفتى به عندهم أنه يأخذ
بقدر حقه إن أمن فتنة أو نسبة إلى رذيلة، وقال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب ومن الفضة
الفضة ومن المكيل المكيل ومن الموزون الموزون ولا يأخذ غير ذلك.
وفي سنن أبي داود من حديث المقدام بن معد يكرب قال، قال رسول الله وَ يقول: ((أيما رجل
ضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه
وماله)). ورواه ابن ماجة بلفظ («ليلة الضيف واجبة فمن أصبح بفنائه فهو دين عليه فإن شاء اقتضى
وإن شاء ترك)) فظاهره أنه يقتضي ويطالب وينصره المسلمون ليصل إلى حقه لا أنه يأخذ ذلك بيده
من غير علم أحد.
١٩ - باب ما جاءَ في السَّقائفِ
وجلَسَ النبيُّ وَلَّ وأصحابهُ فِي سَقيفة بني ساعدةً.

٤٦٨
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٠
(باب ما جاء في السقائف) جمع سقيفة وهي المكان المظلل. (وجلس النبي ◌َّر وأصحابه في
سقيفة بني ساعدة) التي وقعت المبايعة فيها بالخلافة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا طرف من
حديث وصله المؤلف في الأشربة من حديث سهل بن سعد ومراد المؤلف التنبيه على جواز اتخاذها
وهي أن صاحب جانبي الطريق يجوز له أن يبني سقفًا على الطريق تمر المارّة تحته ولا يقال إنه تصرف
في هواء الطريق وهو تابع لها يستحقه المسلمون لأن الحديث دال على جواز اتخاذها، ولولا ذلك لما
أقرّها النبي ټ ولا جلس تحتها.
٢٤٦٢ - حذّثنا يحيى بنُ سليمانَ قال: حدَّثني ابنُ وَهبٍ قال: حدَّثني مالكٌ ح وأخبرَني
يونُسُ عنِ ابن شهابٍ قال أخبرني عبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ أنَّ ابنَ عبّاسٍ أخبرَهُ ((عن عمرَ رضيَ
اللَّهُ عنهم قال حينَ توفَّى اللَّهُ نبيَّهُ وَ له: إنَّ الأنصارَ اجتمعوا في سَقيفة بني ساعدةً، فقلتُ لأبي بكرٍ :
انْطلِقْ بنا، فجئناهم في سَقيفة بني ساعدةَ». [الحديث ٢٤٦٢ - أطرافه في: ٣٤٤٥، ٣٩٢٨،
٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي (قال: حدثني) بالإفراد (ابن
وهب) عبد الله المصري (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (مالك) الإمام قال ابن وهب (ح).
(وأخبرني) بالإفراد أيضًا (يونس) أي ابن يزيد الأيلي كلاهما (عن ابن شهاب) محمدبن مسلم
الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بضم العين في الأول مصغرًا وفي
الثالث وسكون ثانيه (أن ابن عباس أخبره عن عمر رضي الله عنهم قال حين توفّ الله نبيّه و ◌َلاير: إن
الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة) نسبت إليهم لأنهم كانوا يجتمعون إليها أو لأنهم بنوها
وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج قال عمر (فقلت لأبي بكر) الصدّيق (انطلق بنا) زاد في الحدود إلى
إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم (فجئناهم في سقيفة بني ساعدة) الحديث بطوله في
الحدود، وساقه هنا مختصرًا والغرض منه أن الصحابة استمروا على الجلوس في السقيفة المذكورة
فلیس ظلمًا.
والحديث أخرجه أيضًا في الهجرة والحدود، وسيأتي ما فيه من المباحث إن شاء الله تعالى.
٢٠ - باب لا يَمنعُ جارٌ جارَهُ أن يغرِزَ خشبةً في جِدارهِ
هذا (باب) بالتنوين في قوله عليه الصلاة والسلام (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة) بالإفراد
لأبي ذر ولغيره خشبه بالهاء بصيغة الجمع (في جداره) ومعنى الجمع والإفراد واحد لأن المراد بالواحد
الجنس كما نقل عن ابن عبدالبر. قال في الفتح: وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين وإلاّ فالمعنى
قد يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثيرة، وقول

٤٦٩
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٠
عبد الغني بن سعيد كل الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاوي فإنه قال عن روح بن الفرج: سألت أن
زيد والحرث بن بكير ويونس بن عبدالأعلى عنه فقالوا كلهم خشبة بالتنوين مردود بموافقة أبي ذر.
٢٤٦٣ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالك عنِ ابنِ شهابٍ عنِ الأعرجِ عن أبي هريرةَ رضيَ
اللَّهُ عنهُ أن رسولَ اللَّهِ لَإِ قال: «لا يمنع جارٌ جارَهُ أن يغرِزَ خشبه في جِدارهِ. ثم يقولُ أبو هريرةَ:
ما لي أراكم عنها مُعرِضينَ؟ واللَّهِ لأرمينَّ بها بينَ أكتافِكم)). [الحديث ٢٤٦٣ - طرفاه في: ٥٦٢٧،
٥٦٢٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي الحارثي البصري المدني الأصل (عن
مالك) هو ابن أنس الإمام (عن ابن شهاب) محمدبن مسلم الزهري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن
هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ◌َ ليل قال):
(لا يمنع) بالجزم على أن لا ناهية وبالرفع وعزاها في الفتح لأبي ذر على أنه خبر بمعنى النهي،
ولأحمد: لا يمنعن (جار جاره) الملاصق له (أن يغرز خشبة) بالإفراد وخشبه بالجمع كما مرّ، وقال
المزني فيما ذكره البيهقي في المعرفة بسنده حدّثنا الشافعي قال: أخبرنا مالك فذكره وقال: خشبه بغير
تنوين، وقال يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك خشبة بالتنوين (في جداره) حمله الشافعي
في الجديد على الندب فليس لصاحب الخشب أن يغرزها في جدار جاره إلا برضاه ولا يجبر مالك
الجدار إن امتنع من وضعها، وبه قال المالكية والحنفية جمعًا بين حديث الباب وحديث خطبة حجة
الوداع المروي عند الحاكم بإسناد على شرط الشيخين في معظمه ولفظه: لا يحلّ لامرىء من مال
أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، وفي القديم على الإيجاب عند الضرورة وعدم تضرر الحائط
واحتياج المالك لحديث الباب فليس له منعه فإن أبى جبره الحاكم، وبه قال أحمد وإسحق وأصحاب
الحديث وابن حبيب من المالكية ولا فرق في ذلك عندهم بين أن يحتاج في وضع الخشب إلى نقب
الجدار أم لا، لأن رأس الخشب يسد المنفتح ويقوّي الجدار، وجزم الترمذي وابن عبدالبر عن
الشافعي بالقول القديم وهو نصه في البويطي، وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار: وأما حديث
الخشب في الجدار فإنه حديث صحيح ثابت لم نجد في سنن رسول الله وت طير ما يعارضه ولا تصح
معارضته بالعمومات، وقد نص الشافعي في القديم والجديد على القول به فلا عذر لأحد في
مخالفته، وقد حمله الراوي على ظاهره وهو أعلم بالمراد بما حدّث به يشير إلى قوله :
(ثم يقول أبو هريرة) بعد روايته لهذا الحديث محافظة على العمل بظاهره وتحضيضًا على ذلك لما
رآهم توقفوا عنه (ما لي أراكم عنها) أي عن هذه المقالة (معرضين) وعند أبي داود: إذا استأذن
أحدكم أخاه أن يغرز خشية في جداره فلا يمنعه فنكسوا رؤوسهم فقال أبو هريرة: ما لي أراكم قد
أعرضتم (والله لأرمين بها) أي هذه المقالة (بين أكتافكم) بالمثناة الفوقية جمع كتف، وفي رواية أبي
داود لألقينها أي لأصرخن بالمقالة فيكم ولأوجعنكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين

٤٧٠
كتاب في المظالم والغصب/ باب ٢١
كتفيه ليستيقظ من غفلته أو الضمير للخشبة، والمعنى إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين
لأجعلن الخشبة على رقابكم كارهين وقصد بذلك المبالغة قاله الخطابي. وقال الطيبي: هو كناية عن
إلزامهم بالحجة القاطعة على ما ادعاه أي لا أقول الخشبة ترمى على الجدار بل بين أكتافكم لما وصى
رسول الله وَ لا بالبر والإحسان في حق الجار وحمل أثقاله.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وأبو داود في القضاء والترمذي في الأحكام وأخرجه
ابن ماجة أيضًا.
٢١ - باب صبِّ الخَمرِ في الطريقِ
(باب صبّ الخمر في الطريق) أي المشتركة بين الناس، وفي رواية في الطرق بالجمع.
٢٤٦٤ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحيم أبو يحيى أخبرَنا عفّانُ حدَّثَنَا حَمّادُ بنُ زيدٍ حدَّثنا ثابتٌ
عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه: ((كنتُ ساقِيَ القَومِ في منزِلِ أبي طلحةَ، وكان خمرُهم يومَئذِ الفَضیخَ،
فأمرَ رسولُ اللَّهِوَ ﴿ مُناديًا ينادي: ألا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمَتْ. قال: فقال لي أبو طلحةً: اخرُجْ
فأهرقُها، فخرجتُ فهَرَقتُها، فجرَتْ في سِكَكِ المدينةِ. فقال بعضُ القومِ: قد قُتِلَ قومٌ وهيَ في
بُطونِهم. فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿ليسَ على الذينَ آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ جُناحٌ فيما طعِموا﴾ الآية)).
[الحديث ٢٤٦٤ - أطرافه في: ٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠،
٥٦٢٢، ٧٢٥٣].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى) المعروف بصاعقة
قال: (أخبرنا عفّان) بن مسلم الصفار وهو من شيوخ المؤلف روى عنه في الجنائز بغير واسطة قال:
(حدّثنا حمادبن زيد) البصري واسم جده درهم قال: (حدّثنا ثابت) هو ابن أسلم البناني (عن أنس
رضي الله عنه) أنه قال: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة) سهل الأنصاري زوج أم أنس وقد
جاءت أسامي القوم مفرّقة في أحاديث صحيحة في هذه القصة وهم: أَبّ بن كعب، وأبو عبيدة بن
الجراح، ومعاذبن جبل، وأبو دجانة سماك بن خرشة، وسهيل بن بيضاء، وأبو بكر رجل من بني
ليث بن بكربن عبد مناة بن كنانة وهو ابن شعوب الشاعر، (وكان خمرهم يومئذ الفضيخ) بفاء
ومعجمتين بوزن عظيم اسم للبسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب، وقد يطلق الفضيخ على
خليط البسر والرطب كما يطلق على خليط البسر والتمر وكما يطلق على البسر وحده وعلى التمر
وحده (فأمر رسول الله ◌َ ﴿ مناديًا) قال الحافظ ابن حجر لم أر التصريح باسمه (ينادي).
(ألا) بفتح الهمزة والتخفيف (إن الخمر قد حرمت قال) أي أنس (فقال لي أبو طلحة) ولأبي
ذر قال: فجرت في سكك المدينة جمع سكة بكسر السين في المفرد والجمع أي طرقها وأزقتها وفي

٤٧١
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢١
السياق حذف تقديره حرمت فأمر النبي ◌ّالر بإراقتها فأريقت فجرت في سكك المدينة فقال لي أبو
طلحة (اخرج فأهرقها) بقطع الهمزة في الفرع ووصلها في غيره والجزم على الأمر أي صبها قال
أنس: (فخرجت فهرقتها) بفتح الهاء والراء وسكون القاف والأصل أرقتها فأبدلت الهمزة هاء وقد
يستعمل بالهمزة والهاء معًا كما مرّ وهو نادر أي صببتها (فجرت) أي سالت الخمر (في سكك
المدينة) وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزقة من
کثرتها .
قال المهلب: إنما صبت الخمر في الطريق للإعلان برفضها وليشتهر تركها وذلك أرجح في
المصلحة من التأذّي بصبها في الطريق، ولولا ذلك لم يحسن صبّها فيه لأنها قد تؤذي الناس في ثيابهم
ونحن نمنع من إراقة الماء في الطريق من أجل أذى الناس في ممشاهم فكيف أذى الخمر؟
قال ابن المنير: إنما أراد البخاري التنبيه على جواز مثل هذا في الطريق للحاجة فعلى هذا يجوز
تفريغ الصهاريج ونحوها في الطرقات ولا يعدّ ذلك ضررًا ولا يضمن فاعله ما ينشأ عنه من زلق
ونحوه انتھی.
ومذهب الشافعية لو رش الماء في الطريق فزلق به إنسان أو بهيمة فإن رش لمصلحة عامة كدفع
الغبار عن المارّة فليكن كحفر البئر للمصلحة العامة وإن كان لمصلحة نفسه وجب الضمان ولو جاوز
القدر المعتاد في الرش. قال المتولي: وجب الضمان قطعًا كما لو بلّ الطين في الطريق فإنه يضمن ما
تلف به، ويحتمل أنها إنما أريقت في الطرق المنحدرة بحيث ينصب إلى الأتربة والحشوش أو الأودية
فتستهلك فيها، ويؤيده ما أخرجه ابن مردويه من حديث جابر بسند جيد في قصة صب الخمر قال:
فانصبت حتى استنقعت في بطن الوادي.
(فقال بعض القوم) لم أقف على اسم القائل (قد قتل قوم وهي) أي الخمر (في بطونهم) وعند
البيهقي والنسائي من طريق ابن عباس قال نزل تحريم الخمر في ناس شربوا فلما ثملوا عبثوا فلما
صحوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر فنزلت فقال ناس من المتكلفين هي رجس وهي في بطن
فلان وقد قتل بأحد، وروى البزار من حديث جابر أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود (فأنزل الله)
عز وجل الآية التي في سورة المائدة (﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾)
الآية [المائدة: ٩٣] يعني شربوا قبل تحريمها ووقع في رواية الإسماعيلي عن ابن ناجية عن أحمد بن
عبدة ومحمدبن موسى عن حماد في آخر هذا الحديث قال حماد فلا أدري هذا في الحديث أي عن
أنس أو قاله ثابت أي مرسلاً يعني قوله فقال بعض القوم إلى آخر الحديث.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في تفسير سورة المائدة وفي الأشربة ومسلم وأبو داود في
الأشربة .

٤٧٢
كتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٢
٢٢ - باب أقْنِيةِ الدُّورِ والجُلوسِ فيها، والجلوسِ على الصعُدات
وقالت عائشةُ: فابتَنى أبو بكرٍ مسجدًا بفِناءِ دارهِ يُصلّي فيه ويقرأُ القُرآنَ فيتقصَّفُ عليه نساءُ
المشركينَ وأبناؤهم يَعْجبونَ منه، والنبيُّ ◌َّلِ يومَئذٍ بمكةً.
(باب) جواز تحجير (أفنية الدور) جمع فناء بكسر الفاء والمد المكان المتّسع أمام الدار كبناء
مساطب فيها إذا لم يضر الجار والمار (و) حكم (الجلوس فيها و) حكم (الجلوس على الصعدات) بضم
الصاد والعين المهملتين جمع صعد بضمتين أيضًا جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات وزنًا ومعنى ولأبي
ذر الصعدات بفتح العين وضمها .
(وقالت عائشة) رضي الله عنها في حديث الهجرة الطويل الموصول في بابها (فابتنى أبو بكر
مسجدًا بفناء داره يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف) بالقاف والصاد المهملة المشددة (عليه نساء
المشركين وأبناؤهم) أي يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر وأطلق يتقصف
مبالغة (يعجبون منه والنبي ◌ّ# يومئذ بمكة) جملة حالية كقوله يعجبون منه.
٢٤٦٥ - حدّثنا مُعاذ بنُ فَضالةَ حدَّثَنا أبو عمرَ حفصُ بنُ مَيْسَرَةَ عن زيدِبنِ أَسْلمَ عن عطاءِ بنِ
يسارٍ عن أبي سعيدِ الخُدريِّ رضيَ اللَّهُ عنه عنِ النبيِّوَِّ قال: ((إيّاكم والجلوسَ على الطُّرُقاتِ.
فقالوا: ما لَنا بُدِّ، إنما هي مَجالسُنا نتحدَّثُ فيها. قال: فإذا أبيتُم إلا المجالسِ فأعطوا الطريقَ
حقها)) قالوا: وما حقُّ الطريقِ؟ قال: غَضُّ البَصرِ، وكفُّ الأذَى، وردُّ السلام، وأمرٌ بالمعروفِ
ونهيّ عن المنكر)). [الحديث ٢٤٦٥ - طرفه في: ٦٢٢٩].
وبه قال: (حدثنا معاذبن فضالة) بفتح الفاء والمعجمة الزهري أبو زيد البصري قال: (حدّثنا
أبو عمر) بضم العين (حفص بن ميسرة) العقيلي بضم العين الصنعاني نزيل عسقلان (عن زيدبن
أسلم) العدوي مولى عمر المدني (عن عطاءبن يسار) بالمثناة التحتية والسين المهملة المخففة الهلالي
المدني (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ-) أنه (قال):
(إياكم والجلوس) بالنصب على التحذير (على الطرقات) لأن الجالس بها لا يسلم غالبًا من رؤية
ما يكره وسماع ما لا يحل إلى غير ذلك وترجم بالصعدات ولفظ المتن الطرقات ليفيد تساويهما في
المعنى. نعم ورد بلفظ الصعدات عند ابن حبان من حديث أبي هريرة (فقالوا: ما لنا بدٌّ) أي غنى
عنها (إنما هي) أي الطرقات ولأبي ذر: إنما هو (مجالسنا نتحدّث فيها) وللحموي والمستملي: فيه
بالتذكير (قال) عليه الصلاة والسلام (فإذا أبيتم إلاّ المجالس) من الإباء وتشديد إلاّ أي إن أبيتم إلا
الجلوس فعبّر عن الجلوس بالمجالس، وللحموي والمستملي: فإذا أتيتم من الإتيان إلى المجالس
(فأعطوا الطريق حقها) بهمزة قطع (قالوا) يا رسول الله (وما حق الطريق؟ قال) عليه الصلاة والسلام
(غضّ البصر) عن الحرام (وكفّ الأذى) عن الناس فلا تحتقرنهم ولا تغتابنهم إلى غير ذلك (وردّ

٤٧٣
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٣
السلام) على من يسلم من المارة (وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) ونحوهما مما ندب إليه الشارع من
المحسنات ونهى عنه من المقبحات، وزاد أبو داود ((وإرشاد السبيل وتشميت العاطس)). والطبري من
حديث عمر ((وإغاثة الملهوف)) وقد تبينّ من سياق الحديث أن النهي للتنزيه لئلا يضعف الجالس عن
أداء هذه الحقوق المذكورة وفيه حجة لمن يقول إن سدّ الذرائع بطريق الأولى لا على الحتم لأنه عليه
الصلاة والسلام نهى أولاً عن الجلوس حسمًا للمادة فلما قالوا ما لنا بدُّ فسح لهم في الجلوس بها
على شريطة أن يعطوا الطريق حقها وفسرها لهم بذكر المقاصد الأصلية فرجح أولاً عدم الجلوس على
الجلوس وإن كان فيه مصلحة لأن القاعدة تقتضي تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاستئذان ومسلم فيه وفي اللباس وأبو داود في الأدب.
٢٣ - باب الآبار على الطرق إذا لم يُتَأَذَّ بها
(باب) حكم (الآبار) التي حفرت (على الطرق) ولأبي ذر: على الطريق بالإفراد (إذا لم يتأذّ بها)
أحد من المارة وفي اليونينية بضم تحتية يتأذ والآبار جمع بئر مؤنثة وهو بهمزة مفتوحة ساكنة ثم همزة
مفتوحة. قال في الصحاح: ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول آبار بمد الهمزة وفتح الموحدة، وبه
ضبط في البخاري وهذا جمع قلة كأبؤر وأبور بالهمز وتركه فإذا كثرت جمعت على بئار والأبار
حافرها .
٢٤٦٦ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن سُمَيِّ مولى أبي بكرٍ عن أبي صالحِ السمّانِ
عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه أنَّ النبيَّ ◌َ لَّ قال: ((بينا رجلٌ بطريقِ اشتدّ عليه العطشُ، فوجَدَ بِئْرًا
فنزّل فيها فشرِبَ، ثمَّ خرَج، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ يأكلُ الثَّرَى منَ العطشِ، فقال الرجُلُ: لقد بَلغَ هذا
الكلبَ منَ العطشِ مثلُ الذي كان بَلِغَ مني، فنزَلَ البِرَ فمَلأَ خُفْهُ ماءً فسَقى الكلبَ، فشَكر اللَّهُ لهُ
فَغْفَرَ له. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وإنَّ لنا في البَهائم لأجْرًا؟ فقال: في كلِ ذاتِ كبدٍ رَطبةٍ أجرٌ)) .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن سمي) بضم
المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية (مولى أبي بكر) أي ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام (عن أبي
صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي) ولأبي ذر أن رسول الله (مَ ل﴿ه قال):
(بينا) ولأبي ذر: بينما بالميم (رجل) لم يسم (بطريق) وفي رواية الدارقطني في الموطآت من
طريق ابن وهب عن مالك يمشي بطريق مكة (اشتد) ولأبي ذر فاشتد بزيادة الفاء (عليه العطش)
والفاء في موضع إذا (فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج) منها (فإذا كلب يلهث) بالمثلثة أي يرتفع
نفسه بين أضلاعه أو يخرج لسانه من العطش حال كونه (يأكل الثرى) بالمثلثة المفتوحة الأرض الندية
(من العطش) ويجوز أن يكون قوله يأكل الثرى خبرًا ثانيًا (فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب)
بالنصب على المفعول به (من العطش مثل الذي كان بلغ مني) برفع مثل فاعل بلغ (فنزل البئر فملأ

٤٧٤
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٤ و٢٥
خفّه ماء) ولابن حبان خفّيه بالتثنية (فسقى الكلب) بعد أن خرج من البئر حتى روي (فشكر الله له)
أثنى عليه أو قبل عمله (فغفر له) الفاء للسببية أي بسبب قبول عمله غفر الله له (قالوا) أي الصحابة
ومنهم سراقة بن مالك بن جعشم كما عند أحمد وغيره (يا رسول الله) الأمر كما قلت (وإن لنا في)
سقي (البهائم لأجرًا؟ فقال) عليه الصلاة والسلام (في) إرواء (كل ذات كبد رطبة) برطوبة الحياة من
جميع الحيوانات المحترمة (أجر) أي أجر حاصل في الإرواء المذكور فأجر مبتدأ قدم خبره.
وفي الحديث جواز حفر الآبار في الصحراء لانتفاع عطشان وغيره بها.
فإن قلت: كيف ساغ مع مظنة الاستضرار بها بساقط بليل أو وقوع بهيمة أو نحوها فيها؟
أجيب: بأنه لما كانت المنفعة أكثر ومتحققة والاستضرار نادرًا ومظنونًا غلب الانتفاع وسقط الضمان
فكانت جبارًا فلو تحققت المضرة لم يجز وضمن الحافر.
وهذا الحديث قد سبق في باب سقي الماء من كتاب الشرب.
٢٤ - باب إماطة الأذى
وقال هَمّامٌ عن أبي هريرة رضيَ اللَّهُ عنه عنِ النبيِّ ◌َّهِ: ((يُميطُ الأذى عنِ الطريقِ صَدَقة)).
(باب إماطة الأذى) أي إزالته عن المسلمين (وقال همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن منبّه أخو
وهب مما وصله المؤلف في باب من أخذ بالركاب من الجهاد (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي وَ﴾) أنه قال: (يميط الأذى) هو على حدّ قوله تسمع بالمعيدي أي أن تسمع وأن يميط الأذى
فأن مصدرية أي إماطة الرجل الأذى كتنحية حجر أو شوك (عن الطريق صدقة) على أخيه المسلم لأنه
لما تسبب في سلامته عند المرور بالطريق من ذلك الأذى فكأنه تصدّق عليه بذلك فحصل له أجر
الصدقة .
٢٥ - باب الغُرفةِ والعُلْيَّةِ المشْرِفةِ وغيرِ المشرِفةِ في السُّطوحِ وغيرها
(باب) جواز سكنى (الغرفة) بضم الغين المعجمة وسكون الراء وفتح الفاء المكان المرتفع في
البيت (و) سكنى (العلمية) بضم العين المهملة وكسرها وتشديد اللام المكسورة والمثناة التحتية. قال
الكرماني: وهي مثل الغرفة، وقال الجوهري: الغرفة العلية فهو من العطف التفسيري (المشرفة) على
المنازل (وغير المشرفة) بالشين المعجمة الساكنة والفاء وتخفيف الراء فيهما صفتان للسابق (في السطوح
وغيرها) ما لم يطلع منها على حرمة أحد وقد تحصل مما ذكره أربعة :
عليّة مشرفة على مكان على سطح.
مشرفة على مكان على غير سطح.

٤٧٥
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٥
غير مشرفة على مكان على سطح.
غير مشرفة على مكان غير سطح.
٢٤٦٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا ابنُ عُيَينةَ عنِ الزُّهريّ عن عُروةَ عن أُسامةَ بنِ زيدٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((أشرَفَ النبيُّ ◌َِّ على أُطُم من آطام المدينةِ ثمَّ قال: هل تَرَونَ ما أرى؟
مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيُوتِكم كَمواقعِ القَطْرِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا ابن
عيينة) سفيان (عن الزهري) محمدبن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبيربن العوّام (عن أسامة بن
زيد رضي الله عنهما) أنه (قال: أشرف النبي ◌َّي على أطم) بضم الهمزة والطاء (من آطام المدينة) بمد
الهمزة جمع أطم وهو بناء مرتفع كالعلية المشرفة، وقيل الآطام حصون على المدينة (ثم قال) عليه
الصلاة والسلام:
(هل ترون ما أرى) بفتح الهمزة وزاد أبو ذر عن المستملي إني أرى (مواقع الفتن) بنصب مواقع
على المفعولية وعلى رواية غير المستملي بحذف إني أرى يكون بدلاً من ما أرى (خلال بيوتكم) بكسر
الخاء المعجمة أي وسطها وخلال نصب مفعول ثانٍ. قال شارح المشكاة: والأقرب إلى الذوق أن
يكون حالاً (كمواقع القطر) أي المطر وهو كناية عن كثرة وقوع الفتن بالمدينة والرؤية هنا بمعنى النظر
أي كشف لي فأبصرتها عيانًا.
وقد سبق هذا الحديث في أواخر الحج ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته في كتاب
الفتن .
٢٤٦٨ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدَّثَنا اللَّيثُ عن عُقَيلٍ عنِ ابنِ شهابٍ قال: أخبرني
عُبيداللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي ثَورٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((ألم أزَلْ حَريصًا على
أن أسألَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنه عنِ المرأتَينِ مِن أزواجِ النبيِّنَ ◌ّ اللَّتينِ قال اللَّهُ لَهما: ﴿إِنْ تَتوبا إلى
اللَّهِ فقد صَغَتْ قُلوبُكما﴾، فحجَجْتُ معَهُ، فَعَدَلَ وعَدَلتُ معَهُ بالإداوة، فتبَرَّزَ، حتّى جاء
فسَكبتُ على يَديهِ مِنَ الإداوَةِ فَتَوَضَّأ. فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، مَنِ المرأتانِ من أزواجِ النبيِّ وَّ
اللّتانِ قال لهما: ﴿إِن تَتوبا إلى اللَّهِ﴾ فقال: واعجبي لكَ يا ابْنَ عبّاسٍ، عائشةُ
وحفصةُ. ثمَّ استقبلَ عمرُ الحديثَ يَسوقهُ فقال: إني كنتُ وجارٌ لي منَ الأنصارِ في بني أُميَّةَ بنِ زيد
-وهيَ مِن عَوالي المدينةِ - وكنّا نَتَناوَبُ النّزولَ على النبيِّمَ، فَيَنْزِلُ يَومًا وأنزِلُ يومًا، فإذا نزَلتُ
جُنْتُه مِن خَبَرٍ ذُلكَ اليوم منَ الأمرِ وغيرهِ، وإذا نَزَلَ فَعَلَ مثلَه. وكنّا مَعشَرَ قُرَيشٍ نَغِبُ النساءَ، فلما
قَدِمُنا على الأنصارِ إذْ هم قَومٌ تَغْلِيُهم نِساؤهم، فطفِقَ نِساؤنا يأخُذْنَ مِن أدبِ نساءِ الأنصار،

٤٧٦
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٥
فصِحتُ على امرأتي، فراجَعَتني، فأنكرتُ أن تُراجعَني. فقالت: ولم تُتُكِرُ أن أُراجِعَكَ؟ فواللهِ إنَّ
أزواجَ النبيِّ وَّهَ ليُراجعْنَه، وإنَّ إحداهنَّ لتَهجُرُهُ اليومَ حتى الليلِ. فأفزَعَني. فقلتُ: خابَتْ مَن
فعلتْ منهنَّ بعظيم. ثمَّ جَمعتُ عليَّ ثيابي فدخلتُ على حفصةَ فقلتُ أيْ حفصةُ، أَتُغاضِبُ إحداكنَّ
رسولَ اللَّهِ ◌َّ اليومَ حتى الليلِ؟ فقالت: نعم. فقلت: خابَت وخَسِرَت. أفتأمنُ أن يَغضبَ اللَّهُ
لغضبٍ رسولهِ فتهلِكينَ؟ لا تَستكثري على رسولِ اللَّهِ ◌ِّ، ولا تراجعيهِ في شيءٍ، ولا تَهجُرِيهِ.
واسأليني ما بدا لك. لا يَغُرَّنك أن كانت جارتُكِ هيَ أوْضَأَ منكِ وأحبَّ إلى رسولِ اللَّهِ وَِّ (يريدُ
عائشةَ). وكنّا تَحدَّثنا أنَّ غَسّانَ تُنعِلُ النعالَ لغزوِنا، فنزَلَ صاحبي يومَ نَوبتهِ، فرجَعَ عِشاءً فضرَبَ
بابي ضَربًا شديدًا وقال: أنائمٌ هو؟ ففزِعتُ فخرجتُ إليه، وقال: حدَثَ أمرٌ عظيم، قلت: ماهوَ،
أجاءَتْ غَسّانُ؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطولُ، طَلَّقَ رسولُ اللَّهِوَ لِّ نِساءَه. قال: قد خابَتْ حفصةُ
وخَسِرَتْ. كنتُ أظنُّ أنَّ هذا يوشِك أن يكون فجَمعتُ عليَّ ثِيابي، فصلَّيتُ صلاةَ الفجرِ معَ
النبيِّوَّرِ فدخل مَشرُبةً لهُ فاعتزَلَ فيها. فدخلتُ على حفصةَ، فإذا هيَ تبكي. قلتُ ما يُبكيكِ، أوَ
لم أكنْ حَذَّرتُكِ؟ أطلَّقَكُنَّ رسولُ اللَّهِوَّهِ؟ قالت: لا أدري، هوَ ذا في المشرُبةِ. فخرجتُ فجِئتُ
المِنبرَ، فإذا حولَهُ رَهْطٌ يَبكي بعضُهم، فجلستُ معهم قليلاً. ثمَّ غلَبني ما أجِدُ فجئتُ المشرُبةَ التي
هو فيها، فقلتُ الغُلام لهُ أسودَ: استأذِنْ لعمرَ. فدخلَ فكلَّمَ النبيَّ ◌َّهِ، ثُمَّ خْرَجَ فقال: ذكرتُكَ له
فصمَتَ. فانصرَفْتُ حتّى جلستُ معَ الرهطِ الذينَ عندَ المِنبرِ. ثمَّ غَبني ما أجِدُ، فجئتُ -فذكَّرَ
مثلهُ. فجلستُ معَ الرهطِ الذينَ عندَ المنبرِ. ثم غلَبني ما أجِدُ فجئتُ الغُلامَ فقلتُ: استأذِن لعمرَ
-فذكَرَ مثلَه ◌ِ فلمّا ولَّيتُ مُنصَرِفًا فإذا الغُلامُ يَدْعوني قال: أذِنَ لكَ رسولُ اللَّهِوَ لَ، فدخلتُ عليه،
فإذا هوَ مُضْطجِعٌ على رِمالِ حَصيرٍ، ليسَ بَينَهُ وبينهُ فِراشٌ، قد أثّرَ الرِّمالُ بجَنبهِ، مُتَّكىءٌ على
وسادةٍ من أدَمِ حَشْوُها ليف. فسلَّمتُ عليه، ثمَّ قلتُ وأنا قائم: طلَّقتَ نِساءَكَ؟ فرَفعَ بصرَهُ إليَّ
فقال: لا. ثم قلتُ وأنا قائمٌ أستأنسُ: يا رسولَ اللَّهِ، لو رأيتَني وكنّا مَعشرَ قُرَيشٍ نَغلِبُ النساءَ،
فلمّا قدِمْنا على قومٍ تغلِيُهم نِساؤهم ... فذكره. فتبسَّمَ النبيُّوَ ﴿. ثم قلتُ: لو رأيتَني ودَخلتُ
على حفصةَ فقلتُ لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانت جارَتُكِ هي أوْضأ منكِ وأحبَّ إلى النبيِّوَّهِ (يريدُ عائشةَ)،
فتبسَّمَ أُخرَى. فجلستُ حينَ رأيتهُ تبسَّمَ. ثمَّ رفعتُ بَصري في بَيتِهِ فواللهِ ما رأيتُ فيهِ شيئًا يَرُدُ
البصرَ غيرَ أهَبَةٍ ثلاثة، فقلتُ: ادعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ على أُمَّتِكَ، فإنَّ فارسَ والرُّومَ وُسِّعَ عليهم وأُعْطوا
الدُّنيا وهم لا يَعْبُدونَ اللَّه. وكان مُتَّكثًا فقال: أوَفي شكِّ أنتَ يابنَ الخَطَّاب؟ أولئكَ قومٌ عُجَّلَتْ
لهم طيّباتُهم في الحياةِ الدُّنيا. فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ استغفِرْ لي. فاعتزَلَ النبيُّ ◌ََّ من أجلِ ذُلكَ
الحديثِ حينَ أفشَتْهُ حفصةُ إلى عائشةَ، وكان قد قالَ: ما أنا بداخلٍ عليهنَّ شهرًا، مِن شدَّةِ مَوجدَته

٤٧٧
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٥
عليهنَّ حينَ عاتبَهُ اللَّهُ. فلمّا مضَتْ تسعٌ وعشرونَ دخلَ على عائشةَ فبَدَأ بها، فقالت لهُ عائشةُ:
إنكَ أقسمتَ أن لا تدخلَ علينا شهرًا، وإنّا أصبحنا لتسع وعشرِينَ ليلةً أعُدُّها عَدًّا، فقال النبيُّ ◌َلّ:
الشهرُ تسعٌ وعشرون، وكان ذلك الشهرُ تسعٌ وعشرون. قالت عائشة: فأُنزِلَتْ آيَةُ التخييرِ، فبدَأَ بي
أولَ امرأةٍ فقال: إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، ولا عليكِ أن لا تَعجَلي حتّى تَستَأُمِري أبوَيكِ. قالت: قد
أعلمُ أنَّ أبويَّ لم يكونا يأمُراني بِفِراقِهِ. ثمَّ قال: إنَّ اللَّهَ قال: ﴿يا أيُّها النبيُّ قُلْ لأزواجِكَ - إلى
قولهِ. عظيمًا﴾ قلت: أفي هذا أستأمِرُ أبويٍّ، فإني أُريدُ اللَّهَ ورسولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ. ثمَّ خَيَّرَ نساءَهُ.
فقُلنَ مثلَ ما قالت عائشةُ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله المخزومي مولاهم المصري قال:
(حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن
مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) بالمثلثة وضم العين وفتح
الموحدة في العبد الأول المدني مولى بني نوفل (عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: لم
أزل حريصًا على أن أسأل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي ◌َّر اللتين قال
الله) عز وجل (لهما ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾) [التحريم: ٤] (فحججت معه) ولابن
مردويه في رواية يزيدبن رومان عن ابن عباس أردت أن أسأل عمر فكنت أهابه حتى حججنا معه
فلما قضينا حجنا (فعدل) عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا تسلك غالبًا ليقضي حاجته (وعدلت معه
بالإداوة) بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة (فتبرز) أي خرج إلى الفضاء لقضاء
حاجته (حتى) ولأبي ذر: ثم (جاء) من البراز (فسكبت على يديه) ماء (من الإدارة فتوضأ فقلت) له
عقب وضوئه (يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ◌َّلي اللتان قال لهما) ولأبي ذر قال الله عز
وجل لهما: (﴿إن تتوبا إلى الله﴾) أي من التعاون والتظاهر على رسول الله وَ لره (فقال) ولأبي ذر: إن
تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما. فقال أي عمر: (واعجبي لك يا ابنَ عباس) بكسر الموحدة وسكون
المثناة التحتية، وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي: واعجبًا بالتنوين نحو: يا رجلاً وفي نسخة مقابلة
على اليونينية أيضًا بالألف في آخره من غير تنوين نحو: وازيدا.
قال الكرماني: يندب على التعجب وهو إما تعجب من ابن عباس كيف خفي عليه هذا الأمر
مع شهرته بينهم بعلم التفسير وإما من جهة حرصه على سؤاله عما لا يتنبه له إلا الحريص على العلم
من تفسير ما أبهم في القرآن.
وقال ابن مالك في التوضيح: ((و)) في قوله واعجبًا اسم فعل إذا نوّن عجبًا بمعنى أعجب
ومثله وي وجيء بقوله عجبًا توكيدًا وإذا لم ينوّن فالأصل فيه واعجبي فأبدلت المثناة التحتية ألفًا وفيه
استعمال ((و)) في غير الندبة كما هو رأي المبرد، وقال الزمخشري قاله تعجبًا كأنه كره ما سأله عنه

٤٧٨
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٥
(عائشة وحفصة) هما المرأتان اللتان قال الله تعالى لهما: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾.
(ثم استقبل عمر) رضي الله عنه (الحديث) حال كونه (يسوقه فقال: إني كنت وجار لي من
الأنصار) هو عتبان بن مالك بن عمرو العجلاني الخزرجي كما عن ابن بشكوال، والصحيح أنه
أوس بن خولي بن عبد الله بن الحرث الأنصاري كما سماه ابن سعد من وجه آخر عن الزهري عن
عروة عن عائشة في حديث ولفظه: فكان عمر مواخيّا أوس بن خولي لا يسمع شيئًا إلا حدّثه ولا
يسمع عمر شيئًا إلا حدّثه فهذا هو المعتمد، ولا يلزم من كونه # آخى بين عتبان وعمر أن
يتجاوزا. فالأخذ بالنص مقدّم على الأخذ بالاستنباط وقوله وجار بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع
المتصل الذي في كنت بدون فاصل على مذهب الكوفيين وهو قليل.
وفي رواية في باب التناوب في كتاب العلم كنت أنا وجار لي وهذا مذهب البصريين لأن
عندهم لا يصح العطف بدون إظهار أنا حتى لا يلزم عطف الاسم على الفعل والكوفيون لا
يشترطون ذلك وجوّز الزركشي والبرماوي النصب، وقال الكرماني إنه الصحيح عطفًا على الضمير
في قوله ((إني)).
قال في المصابيح: لكن الشأن في الرواية وأيضًا فالظاهر أن قوله (في بني أمية بن زيد) بضم
الهمزة خبر كان وجملة كان ومعموليها خبر إن فإذا جعلت جارًا معطوفًا على اسم إن لم يصح كون
الجملة المذكورة خبرًا لها إلا بتكلف حذف لا داعي له انتهى.
وقوله في بني أمية في موضع جر صفة لسابقه أي وجار لي من الأنصار كائنين في بني أمية بن
زيد (وهي) أي أمكنتهم (من عوالي المدينة) القرى التي بقربها وأدناها منها على أربعة أميال وأقصاها
من جهة نجد ثمانية (وكنا نتناوب النزول على النبي ◌ّل﴿ فينزل هو يومًا و) أنا (أنزل يومًا) والفاء
تفسيرية للتناوب المذكور (فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر) أي الوحي إذ اللام للأمر
المعهود بينهم أو الأوامر الشرعية (وغيره) من الحوادث الكائنة عنده ◌َ 18 (وإذا نزل) أي جاري (فعل
مثله) أي مثل الذي أفعله معه من الأخبار بأمر الوحي وغيره (وكنا معشر قريش نغلب النساء) أي
نحكم عليهن ولا يحكمن علينا (فلما قدمنا على الأنصار) أي المدينة (إذا هم) أي فاجأناهم (قوم)
ولأبي ذر عن الكشميهني: إذ هم بسكون الذال قوم (تغلبهم نساؤهم) فليس لهم شدة وطأة عليهن
(فطفق نساؤنا) أي أخذن (يأخذن من أدب نساء الأنصار) بالدال المهملة أي من سيرتهن وطريقتهن
كذا وجدته في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة، وقال الحافظ ابن حجر: إنه بالراء قال
وهو العقل (فصحت على امرأتي) أي رفعت صوتي عليها (فراجعتني) ردّت عليّ الجواب (فأنكرت أن
تراجعني) أي تراددني في القول (فقالت: ولم تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ◌َّ ليراجعنه)
بسكون العين (وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل) بجر الليل بحتى، وفي رواية عبيدبن حنين

٤٧٩
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٥
عند المؤلف في تفسير سورة التحريم وإن ابنتك لتراجع رسول الله وَل حتى يظل يومه غضبان،
(فأفزعني) كلامها ولأبي ذر عن الكشميهني: فأفزعتني أي المرأة (فقلت: خابت) بتاء التأنيث الساكنة
ولغير الكشميهني: خاب (من فعلت منهن) ذلك (بعظيم) أي بأمر عظيم وفي نسخة لعظيم بلام
مفتوحة بدل الموحدة، وللكشميهني جاءت من المجيء من فعل منهن بعظيم (ثم جمعت علّ ثيابي)
أي لبستها جميعًا (فدخلت على حفصة) يعني ابنته (فقلت أي) أي يا (حفصة أتغاضب إحداكن رسول
الله ◌َّ اليوم حتى الليل)؟ بالجر (فقالت: نعم) إنا لنراجعه (فقلت: خابت وخسرت) أي من غاضبته
(أفتأمن) التي تغاضبه منكن (أن يغضب الله) عليها (لغضب رسوله وّر فتهلكين) بكسر اللام وفي
آخره نون. قال أبو علي الصدفي: والصواب أفتأمنين وفي آخره فتهلكي أي بحذف النون كذا قال
وليس بخطأ لإمكان توجيهه، وقال البرماوي كالكرماني: القياس فيه حذف النون فتأويله فأنت
تهلكين، وقال في المصابيح بكسر اللام وفتح الكاف وفاعله ضمير الأوّل (لا تستكثري على رسول
الله ◌َّ﴾﴾ أي لا تطلبي منه الكثير (ولا تراجعيه في شيء) أي لا ترادديه في الكلام (ولا تهجريه) ولو
هجرك (واسأليني) بسكون السين وبعدها همزة مفتوحة ولأبي ذر: وسليني بفتح السين وإسقاط
الهمزة (ما بدا لك) أي ظهر لك من الضرورات (ولا يغرّنّك) بنون التوكيد الثقيلة (أن كانت) بفتح
الهمزة وتخفيف النون أي بأن كانت (جارتك) أي ضرتك والعرب تطلق على الضرة جارة لتجاورهما
المعنوي ولكونهما عند شخص واحد وإن لم يكن حسيًّا (هي أوضأ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبعد
الضاد المعجمة المفتوحة همزة من الوضاءة أي ولا يغرنك كون ضرّتك أجمل وأنظف (منك وأحب إلى
رسول الله ◌َّلة) ولغير أبي ذر أوضاً وأحب بالنصب فيهما خبر كان ومعطوفًا عليه (يريد) عمر رضي
الله عنه بجارتها الموصوفة بالوضاءة (عائشة) رضي الله عنها، والمعنى لا تغترّي بكون عائشة تفعل ما
نهيتك عنه فلا يؤاخذها بذلك فإنها تدل بجمالها ومحبة النبي صَ لّ فيها فلا تغتري أنت بذلك لاحتمال
أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها.
(وكنّا تحدّثنا) وفى نسخة عليها علامة السقوط فى اليونينية حدثنا بإسقاط المثناة الفوقية وضم
الحاء وكسر الدال المهملة المشددة (أن غسان) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبعد الألف
نون رهطًا من قحطان نزلوا حين تفرقوا من مأرب بماء يقال له غسان فسموا بذلك وسكنوا بطرف
الشام (تنعل) بضم المثناة الفوقية وبعد النون الساكنة عين مهملة مكسورة الدواب (النعال) بكسر
النون وفيه حذف أحد المفعولين للعلم به وللحموي والمستملي: تنتعل بمثناتين فوقيتين مفتوحتين
بينهما نون ساكنة وفي باب موعظة الرجل ابنته من النكاح تنعل الخيل (لغزونا) معشر المسلمين (فنزل
صاحبي) الأنصاري المسمى عتبان بن مالك على النبي ◌َّ﴾ (يوم نوبته) فسمع اعتزال رسول الله وَل عن
زوجاته (فرجع) إلى العوالي (عشاء) نصب على الظرفية أي في عشاء فجاء إليّ (فضرب بابي ضربًا
شديدًا وقال: أنائم هو) بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي:
أثم هو بفتح المثلثة أي في البيت وذلك لبطء إجابتهم له فظن أنه خرج من البيت قال عمر رضي الله

٤٨٠
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢٥
عنه: (ففزعت) بكسر الزاي أي خفت لأجل الضرب الشديد (فخرجت إليه وقال: حدث أمر
عظيم: قلت: ما هو أجاءت غسان) وفي رواية عبيدبن حنين جاء الغساني واسمه كما في تاريخ ابن
أبي خيثمة والمعجم الأوسط للطبراني جبلة بن الأيهم. (قال: لا بل أعظم منه وأطول طلّق رسول
الله ◌َلَّ نساءه) وعند ابن سعد من حديث عائشة فقال الأنصاري: أعظم من ذلك ما أرى رسول
الله ◌َلّ إلا وقد طلّق نساءه فوقع طلق مقرونًا بالظن، وفي جميع الطرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي
ثور طلق بالجزم فيحتمل أن يكون الجزم وقع من إشاعة بعض أهل النفاق فتناقله الناس وأصله ما
وقع من اعتزاله ◌َّ بذلك ولم تجر عادته بذلك فظنوا أنه طلقهن (قال): أي عمر (قد خابت حفصة
وخسرت) خصّها بالذكر لمكانتها منه لكونها ابنته ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك
(كنت أظن أن هذا يوشك) بكسر الشين (أن يكون) أي يقرب كونه لأن المراجعة قد تفضي إلى
الغضب المفضي إلى الفرقة (فجمعت علي ثيابي) أي لبستها (فصليت صلاة الفجر مع النبي مَّ فدخل
مشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتح الموحدة غرفة (له فاعتزل فيها فدخلت
على حفصة فإذا هي تبكي قلت: ما يبكيك أو لم أكن حذّرتك)؟ أي من أن تغاضبي رسول الله وَ الر أو
تراجعيه أو تهجريه زاد في رواية سماك بن الوليد عند مسلم لقد علمت أن رسول الله اله لا يحبك
ولولا أنا لطّقك فبكت أشد البكاء، وذلك لما اجتمع عندها من الحزن على فراق النبي ◌َّ ولما تتوقعه
من شدة غضب أبيها وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه والله إن كان طلّقك لا أكلمك أبدًا ثم
استفهمها عما سمعه فقال: (أطلقكن رسول الله وَّرَ؟ قالت: لا أدري هو ذا في المشربة فخرجت) من
بيت حفصة (فجئت المنبر فإذا حوله رهط) لم يسموا (يبكي بعضهم فجلست معهم قليلاً ثم غلبني ما
أجد) أي من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه عليه الصلاة والسلام نساءه ومن جملتهن بنته وفي ذلك من
المشقة ما لا يخفى (فجئت المشربة التي هو) وَّر (فيها) وفي نسخة التي فيه وفي الفرع علامة السقوط
على قوله هو فيها ثم كتب بالهامش الذي فيه بالتذكير وإسقاط هو وصحح على ذلك (فقلت لغلام له
أسود) اسمه رباح بفتح الراء والموحدة المخففة وبعد الألف حاء مهملة وسقط لفظ له في رواية أبي
ذر (استأذن عمر فدخل فكلم النبي ◌ّليل ثم خرج فقال: ذكرتك له) عليه الصلاة والسلام (فصمت)
قال عمر رضي الله عنه: (فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت
فذكر مثله) ولأبي ذر فجئت فقلت للغلام أي استأذن لعمر فذكر مثله (فجلست مع الرهط الذين عند
المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر فذكر مثله فلما وليت) حال كوني (منصرفًا
فإذا الغلام) فاجأني (يدعوني قال: أذن لك رسول الله ◌َ له) أي في الدخول (فدخلت عليه) وَ لَه (فإذا
هو مضطجع على رمال حصير) بكسر الراء والإضافة ما رمل أي نسج من حصير وغيره (ليس بينه)
عليه الصلاة والسلام (وبينه) أي الحصير (فراش قد أثر الرمال بجنبه) الشريف وهو (متكىء على
وسادة من أدم) بفتحتين جلد مدبوغ (حشوها ليف فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: طلقت) أي
أطلقت (نساءك)؟ فهمزة الاستفهام مقدّرة (فرفع) عليه الصلاة والسلام (بصره) الشريف (إليّ فقال):