Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب في اللقطة / باب ١١
حكم التقاط السوط. (فقال: وجدت صرة على عهد النبي ◌َّر فيها مائة دينار) استدل به لأبي حنيفة
في تفرقته بين قليل اللقطة وكثيرها فيعرّف الكثير سنة والقليل أيامًا، وحدّ القليل عنده ما لا يوجب
القطع وهو ما دون العشرة (فأتيت بها النبي ◌َّرٍ فقال):
(عزّفها حولاً فعرفتها حولاً) أي فلم أجد من يعرفها (ثم أتيت) النبي ◌َّ (فقال) عليه الصلاة
والسلام (عرفها حولاً فعرفتها حولاً) أي فلم أجد من يعرفها (ثم أتيته) عليه الصلاة والسلام (فقال)
عليه الصلاة والسلام (عرفها حولاً فعرفتها حولاً) أي فلم أجد من يعرفها (ثم أتيته الرابعة) أي بعد
أن عرفتها ثلاثًا (فقال اعرف عدتها ووكاءها ووعاءها فإن جاء صاحبها) فأدّها إليه (وإلا) بأن لم
يجىء (استمتع بها) بدون فاء. قال ابن مالك: في هذه الرواية حذف جواب إن الأولى وحذف شرط
إن الثانية وحذف الفاء من جوابها، والأصل فإن جاء صاحبها أخذها أو نحو ذلك وإن لا يجىء
فاستمتع بها.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) واسمه عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة بفتح
الجيم والموحدة الأزدي البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سلمة) هو ابن كهيل (بهذا) الحديث
المذكور .
(قال) شعبة بن الحجاج (فلقيته) أي سلمة بن كهيل كما صرّح به مسلم (بعد) بالبناء على الضم
حال كونه (بمكة فقال) سلمة (لا أدري) قال سويد (أثلاثة أحوال أو) قال (حولاً واحدًا) وقد مرّ ما
في هذه المسألة من البحث وأن الشك يوجب سقوط المشكوك فيه وهو الثلاثة فيجب العمل بالجزم
وهو التعريف سنة واحدة في أول اللقطة .
١١ - باب من عرَّفَ اللُّقَطة ولم يَدْفَعْها إلى السلطانِ
(باب من عرف اللقطة ولم يدفعها) بالدال المهملة ولأبي ذر عن الكشميهني: ولم يرفعها بالراء
(إلى السلطان).
٢٤٣٨ - حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ حدَّثَنَا سُفيانُ عن رَبيعةَ عن يزيدَ مَولى المُنبعِث عن زيدِ بنِ
خالدٍ رضيَ اللهُ عنه: ((أنَّ أعرابيًّا سألَ النبيَّلَه عن اللُّقَطة، قال: عرِّفْها سَنةً، فإن جاء أحدٌ يخبرُكَ
بعِفاصِها ووِكانَها وإلاّ فاستثْفِقْ بها. وسألَهُ عن ضالَّةِ الإبلِ فتَمعَّرَ وجههُ وقال: ما لَكَ ولَها؟ معَها
سِقاؤها وحِذاؤها، تَرِدُ الماء وتأكُلُ الشجر، دَعْها حتّى يَجِدَها ربُّها. وسألَهُ عن ضالّةِ الغنَم فقال:
هِيَ لكَ، أو لأخيكَ، أو للذئب)).
وبه قال: (حدّثنا محمدبن يوسف) الفريابي بكسر الفاء قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن
ربيعة) الرأي (عن يزيد مولى المنبعث عن زيدبن خالد) الجهني (رضي الله عنه أن أعرابيًّا) مرّ الخلاف

٤٤٢
كتاب في اللقطة/ باب ١٢
في اسمه (سأل النبي ◌َّ- عن اللقطة) ما حكمها؟ (قال) عليه الصلاة والسلام:
(عرفها سنة فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها) وعائها (ووكائها) فادفعها إليه (وإلاّ) بأن لم يجىء
أحد أو جاء ولم يخبر بعلاماتها (فاستنفق بها) فإن جاء صاحبها فردّ بدلها.
(وسأله) الأعرابي (عن) حكم (ضالة الإبل فتمعر) بتشديد العين المهملة أي تغير (وجهه) عليه
الصلاة والسلام من الغضب (وقال ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها) بالذال المعجمة (ترد الماء
وتأكل الشجر) فهي مستغنية بذلك عن الحفظ (دعها) اتركها (حتى يجدها ربها) مالكها. نعم إذا وجد
الإبل أو نحوها في العمارة فيجوز له التقاطها للتملك كما مرّ مع غيره في ضالة الإبل.
(وسأله) الأعرابي أيضًا (عن) حكم (ضالة الغنم. فقال) عليه الصلاة والسلام (هي لك) إن
أخذتها (أو لأخيك) ملتقط آخر (أو للذئب) يأكلها إن تركتها ولم يأخذها غيرك لأنها لا تحمي نفسها.
١٢ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة وسقط لأبي ذر فهو كالفصل من سابقه.
٢٤٣٩ - حقّثنا إسحقُ بنُ إبراهيمَ أخبرنا النَّضرُ أخبرنا إسرائيلُ عن أبي إسحاق قال: أخبرني
البَراءُ عن أبي بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنهماح. حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رَجاءِ حدَّثنا إسرائيلُ عن أبي إسحقَ عنِ
البَراءِ عن أبي بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((انطلَقْتُ فإذا أنا براعي غنم يَسوقُ غَنَمهُ فقلت: لمن
أنت؟ قال: لرجلٍ من قُرَيشٍ -فسمّاهُ فعرَفتهُ. فقلتُ: هل في غنمِكَ مِن لَبَنٍ؟ فقال: نعم. فقلتُ:
هل أنتَ حالبٌ لي؟ قال: نعم، فأمرتهُ فاعتقلَ شاةً من غنمِه، ثمَّ أمرتهُ أن يَنفُضَ ضَرعَها منَ
الغُبارِ، ثمَّ أمرتهُ أن يَنْفُضَ كفَِّهِ فقال هكذا - ضرَبَ إحدَى كَفَِّهِ بالأخرى- فحلَبَ كُثْبَةً من لبَنٍ، وقد
جَعلتُ لرَسولِ اللَّهِ ◌َّ إداوةَ، عَلَى فَمِها خِرقةٌ، فصبَبتُ على اللبنِ حتّى بردَ أسفَلهُ، فانتَهيتُ إلى
النبيِّ وَّرَ فقلتُ: اشرَبْ يا رسولَ اللَّهِ، فشَربَ حتّى رَضيتُ)). [الحديث ٢٤٣٩ - أطرافه في:
٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إسحق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا
النضر) بسكون الضاد المعجمة ابن شميل مصغرًا قال: (أخبرنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحق
(عن) جده (أبي إسحق) عمروبن عبد الله السبيعي (قال: أخبرني) بالإفراد (البراء) بن عازب (عن أبي
بكر) الصديق (رضي الله عنهما).
وبه قال: (ح حدّثنا عبد الله بن رجاء) الغداني بضم الغين المعجمة والتخفيف البصري وثّقه غير
واحد قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جدّه (أبي إسحق) عمروبن عبد الله السبيعي (عن

٤٤٣
كتاب في اللقطة/ باب ١٢
البراء) بن عازب (عن أبي بكر) الصديق (رضي الله عنهما) أنه (قال: انطلقت) وفي علامات النبوّة
من طريق زهيربن معاوية أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمرّ فيه أحد
فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده وسويت للنبي ◌ّ مكانًا بيدي ينام
عليه وبسطت فيه فروة وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما
حوله (فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه فقلت) وسقطت الفاء لغير أبي ذر وثبتت له في نسخة (لمن)
ولأبي ذر ممن بالميم بدل اللام (أنت؟ قال: لرجل من قريش فسماه فعرفته) ولم يعرف اسم الراعي
ولا صاحب الغنم؟ وذكر الحاكم في الإكليل ما يدل على أنه ابن مسعود. قال الحافظ ابن حجر:
وهو وهم (فقلت: هل في غنمك من لبن) بفتح اللام والموحدة وحكى عياض أن في رواية لبن
بضم اللام وتشديد الموحدة جمع لابن أي ذوات لبن (فقال: نعم) فيها (فقلت: هل أنت حالب لي)؟
قال في الفتح: الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام أي أمعك إذن في الحلب لمن يمرّ بك على سبيل
الضيافة، وبهذا يندفع الإشكال وهو كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك
الغنم، ويحتمل أن يكون أبو بكر لما عرفه عرف رضاه بذلك لصداقته له أو إذنه العام بذلك (قال):
الراعي (نعم) أحلب لك. قال أبو بكر رضي الله عنه (فأمرته فاعتقل شاة من غنمه) أي حبسها
والاعتقال أن يضع رجله بين فخذي الشاة ويحلبها (ثم أمرته أن ينفض ضرعها) أي ثديها (من الغبار
ثم أمرته أن ينفض كفّيه) من الغبار أيضًا (فقال) ولأبي الوقت: قال (هكذا ضرب إحدى كفّيه
بالأخرى فحلب كثبة) بضم الكاف وسكون المثلثة وفتح الموحدة أي قدر قدح أو شيئًا قليلاً أو قدر
حلبة (من لبن وقد جعلت لرسول الله * إداوة) ركوة (على فمها) بالميم، ولأبي ذر والأصيلي عن
الحموي والمستملي: على فيها (خرقة) بالرفع (فصببت على اللبن) من الماء الذي في الإداوة (حتى برد
أسفله) بفتح الموحدة والراء (فانتهيت إلى النبي ◌ّر) زاد في العلامات فوافقته حين استيقظ (فقلت
اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت) الحديث في شأن الهجرة، وقد ساقه بأتم من هذا السياق
في العلامات.
قال ابن المنير: أدخل البخاري هذا الحديث في أبواب اللقطة لأن اللبن إذ ذاك في حكم
الضائع المستهلك فهو كالسوط الذي اغتفر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشاة الملتقطة في
المضيعة، وقد قال فيها: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)) وكذا هذا اللبن إن لم يحلب ضاع، وتعقبه
في المصابيح بأنه قد يمنع ضياعه مع وجود الراعي بحفظه وهذا يقدح في تشبيهه بالشاة لأنها بمحل
مضيعة بخلاف هذا اللبن والله الموفق والمعين على إتمام هذا الكتاب والنفع به والإخلاص فيه.

بسم الله الرحمن الرحيم
٤٦ - كتاب في المظالم والغصب
وقول اللَّهِ تعالى: ﴿ولا تحسبنَّ اللَّهَ غافلاً عمّا يَعمَلُ الظالمونَ، إنّما يُؤَخْرُهم ليومٍ تَشخَصُ
فيهِ الأبصارُ، مُهْطِعِينَ مقنعي رُؤوسِهم﴾: المقنِعُ والمقمِحُ واحد.
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(كتاب في المظالم) جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها حكاه الجوهري وغيره والكسر أكثر ولم يضبطها
ابن سيده في سائر تصرفها إلا بالكسر وفي القاموس، والمظلمة بكسر اللام وكثمامة ما يظلمه الرجل
فلم يذكر فيه غير الكسر، ونقل أبو عبيد عن أبي بكربن القوطية: لا تقول العرب مظلمة بفتح اللام
إنما هي مظلمة بكسرها وهي اسم لما أخذ بغير حق والظلم بالضم. قال صاحب القاموس وغيره:
وضع الشيء في غير موضعه.
(والغصب) وهو لغة أخذ الشيء ظلمًا، وقيل أخذه جهرًا بغلبة وشرعًا الاستيلاء
على حق الغير عدوانًا، وسقط حرف الجرّ لأبي ذر وابن عساكر، والمظالم بالرفع والغصب عطف عليه
وسقط لفظ كتاب لغير المستملي وللنسفي كتاب الغصب باب في المظالم. (وقول الله تعالى) بالجرّ عطفًا
على سابقه (﴿ولا تحسبن﴾) يا محمد (﴿الله غافلاً عما يعمل الظالمون)) أي لا تحسبه إذا أنظرهم وأجلهم
أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنيعهم بل هو يحصي ذلك عليهم ويعدّه عدًّا، فالمراد
تثبيته وله أو هو خطاب لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلاً لجهله بصفاته تعالى، وعن ابن عيينة تسلية
للمظلوم وتهديدًا للظالم (﴿إنما يؤخرهم﴾) يؤخر عذابهم (﴿ليوم تشخص فيه الأبصار﴾) أي تشخص فيه
أبصارهم فلا تقرّ في أماكنها من شدة الأهوال، ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى
المحشر فقال: ((مهطعين مقنعي رؤوسهم)) [إبراهيم: ٤٣] أي رافعي رؤوسهم ((المقنع﴾) بالنون والعين
(والمقمح) بالميم والحاء المهملة معناهما (واحد) وهو رفع الرأس فيما أخرجه الفريابي عن مجاهد وهو تفسير
أكثر أهل اللغة، وسقط قوله المقنع إلى آخره في رواية غير المستملي والكشميهني وزاد أبو ذر هنا:

٤٤٥
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١
١ - باب قِصاصِ المَظالم
قال مُجاهدٌ: ﴿مُهِطِعِينَ﴾ مُدِيمي النَّظر. ويقال مُسرعِينَ لا يرتدُ إليهم طَرْفُهم.
﴿وأفئدَتَهُم هَواء﴾ يَعني جُوفًا لا عقولَ لهم ﴿وأنذِرِ الناسَ يَومَ يأتيهمُ العذابُ فيقولُ الذينَ ظَلموا
ربَّنا أخّرْنا إلى أجَلٍ قَريبٍ نُجِبْ دَعوَتَكَ ونَتَّبَعِ الرُّسُلَ أوَلم تكونوا أقسمتُم مِن قبلُ ما لكم مِن
زَوال. وسَكنتُم في مَساكن الذينَ ظَلموا أنفُسَهم وتَبيَّنَ لَكُمْ كيفَ فعَلنا بهم وضَربنا لكُم الأمثال.
وقد مَكروا مَكْرَهم، وعند الله مكرهم وإنْ كان مكرُهم لتزول منهُ الجبال. فلا تحسَبنَّ الله مُخْلِفَ
وَعَدِهِ رُسلَه، إنَّ اللَّهَ عزيزٌ ذو انتقام﴾ .
(باب قصاص المظالم) أي يوم القيامة وسقط التبويب والترجمة هنا لأبي ذر وثبتا عنده بعد قوله
المقنع والمقمح واحد وسقطت الواو من قوله وقال مجاهد.
ا(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي أيضًا (مهطعين) أي (مديمي النظر) لا يطرفون هيبة
وخوفًا وسقط وقال لأبي ذر، ولأبوي ذر والوقت: مدمني النظر. (ويقال: مسرعين) أي إلى الداعي
كما قال تعالى: ﴿مهطعين إلى الداع﴾ [القمر: ٨] وهذا تفسير أبي عبيدة في المجاز (﴿لا يرتد إليهم
طرفهم﴾) بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم
(﴿وأفئدتهم هواء﴾ يعني جوفًا) بضم الجيم وسكون الواو خاوية خالية (لا عقول لهم) لفرط الحيرة
والدهشة وهو تشبيه محض لأنها ليست بهواء حقيقة، وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة
من الخير والرجاء والطمع في الرحمة (﴿وأنذر الناس﴾) يا محمد (﴿يوم يأتيهم العذاب﴾) يعني يوم القيامة
أو يوم الموت فإنه أول يوم عذابهم وهو مفعول ثانٍ لأنذر ولا يجوز أن يكون ظرفًا لأن القيامة ليست
بموطن الإنذار (﴿فيقول الذين ظلموا﴾) بالشرك والتكذيب (﴿ربنا أخّرنا إلى أجل قريب﴾) أخر العذاب
العورذْنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه (﴿نجب دعوتك ونتبع
الرسل﴾) جواب للأمر ونظيره قوله تعالى: ﴿لولا أخْرتني إلى أجل قريب فأصدّق﴾ [المنافقون: ١٠] (﴿أو
لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾) على إرادة القول وفيه وجهان أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا
ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمهلوا بعيدًا
وقوله ﴿ما لكم﴾ جواب القسم وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله أقسمتم، ولو حكي لفظ المقسمين
لقيل ما لنا من زوال، والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء وقيل لا تنتقلون
إلى دار أخرى يعني كفرهم بالبعث لقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من
يموت﴾ [النخل: ٣٨] قاله الزمخشري.
(﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾) بالكفر والمعاصي کعاد وثمود (﴿وتبین لكم كيف
فعلنا بهم﴾) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم (﴿وضربنا

٤٤٦
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١
لكم الأمثال﴾) من أحوالهم أي بيّا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب أو صفات ما فعلوا
وفعل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة (﴿وقد مكروا مكرهم﴾) أي مكرهم العظيم الذي
استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل (﴿وعند الله مكرهم﴾) ومكتوب عنده فعلهم فهو
مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو عنده ما يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه (﴿وإن كان
مكرهم﴾) في العظم والشدة (﴿لتزول منه الجبال﴾) مسوّى لإزالة الجبال معدًا لذلك وقيل إن نافية
واللام مؤكدة لها كقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] والمعنى ومحال أن
تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتًا وتمكّنًا،
وتنصره قراءة ابن مسعود: وما كان مكرهم وقرىء لتزول بلام الابتداء على معنى وإن كان مكرهم
من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع عن أماكنها (﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾)
[إبراهيم: ٤٧] يعني قوله إنّا لننصر رسلنا كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي وأصله مخلف رسله وعده فقدم
المفعول الثاني على الأول إيذانًا بأنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله: ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾
[آل عمران: ٩] وإذا لم يخلف وعده أحدًا فكيف يخلف رسله (﴿إن الله عزيز﴾) غالب لا يماكر قادر لا
يدافع (﴿ذو انتقام﴾) لأوليائه من أعدائه كما مرّ ولفظ رواية أبي ذر ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل
الظالمون) إلى قوله: ﴿إن الله عزيز ذو انتقام﴾ وعنده بعد قوله: ﴿وأنذر الناس﴾ الآية.
٢٤٤٠ - حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ أخبرَنا مُعاذُبنُ هِشَامِ حدَّثَني أبي عن قَتادةً عن أبي المتوكُلِ
الناجيّ عن أبي سعيدِ الخُدريِّ رضيَ اللَّهُ عنه عن رسولِ اللَّهِ ◌َ ◌ّ قال: «إذا خَلَصَ المؤمنونَ منَ
النارِ حُبسوا بقَنطرةٍ بينَ الجَنَّةِ والنار، فَيتقاصُونَ مَظالمَ كانت بينهم في الدُّنيا، حتّى إذا نُقُوا وهُذّبوا
أُذنَ لهم بدخول الجنَّة، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لأحدُهم بمسكَنِهِ في الجنَّةِ أدَلُّ بمنزلهِ كان في
الدُّنیا».
وقال يُونُسُ بنُ محمدٍ : حدَّثَنَا شَيبانُ عن قتادةَ حدَّثنا أبو المتوكّل. [الحديث ٢٤٤٠ - طرفه
في: ٦٥٣٥].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا معاذ بن هشام) البصري
قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة الدوسي
البصري الأكمه أحد الأعلام (عن أبي المتوكل) علي بن دؤاد بدال مضمومة بعدها واو بهمزة (الناجي)
بالنون والجيم (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله وَ لا) أنه (قال):
(إذا خلص المؤمنون) نجوا (من) الصراط المضروب على (النار حبسوا بقنطرة) كائنة (بين الجنة
و) الصراط الذي على متن (النار فيتقاصون) بالصاد المهملة المشددة المضمومة من القصاص، والمراد به
تتبع ما بينهم من المظالم وإسقاط بعضها ببعض، وللكشميهني: فيتقاضون بالضاد المعجمة المفتوحة

٤٤٧
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٢
المخففة (مظالم كانت بينهم في الدنيا) من أنواع المظالم المتعلقة بالأبدان والأموال فيتقاصون بالحسنات
والسيئات، فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته ولا يدخل أحد الجنة ولأحد
عليه تباعة (حتى إذا نُقوا) بضم النون والقاف المشددة مبنيًّا للمفعول من التنقية، ولأبي ذر عن
المستملي: تقصوا بفتح المثناة الفوقية والقاف وتشديد الصاد المهملة المفتوحة أي أكملوا التقاص
(وهذبوا) بضم الهاء وتشديد الذال المعجمة المكسورة أي خلصوا من الآثام بمقاصصة بعضها ببعض
(أذن لهم بدخول الجنة) بضم الهمزة وكسر المعجمة ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقي لكل
واحد من الحسنات (فو) الله (الذي نفس محمد ◌َّله بيده) استعارة لنور قدرته (لأحدهم) بالرفع مبتدأ
وفتح اللام للتأكيد (بمسكنه في الجنة) وخبر المبتدأ قوله (أدل) بالدال المهملة (بمنزله) وللحموي
والمستملي: بمسكنه (كان في الدنيا) وإنما كان أدل لأنهم عرفوا مساكنهم بتعريضها عليهم بالغداة
والعشي.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الرقاق.
(وقال يونس بن محمد) المؤدب البغدادي فيما وصله ابن منده في كتاب الإيمان قال: (حدّثنا
شيبان) بن عبد الرحمن التيمي مولاهم النحوي البصري نزيل الكوفة يقال إنه منسوب إلى نحوة بطن
من الأزد لا إلى علم النحو (عن قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أبو المتوكل) هو الناجي وغرض المؤلف
بسياق هذا التعليق تصريح قتادة بالتحديث عن أبي المتوكل.
٢ - باب قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ألا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين﴾
(باب قول الله تعالى) في سورة هود: (ألا لعنة الله على الظالمين) وأولها: ﴿ومن أظلم ممن
افترى على الله كذبًا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة
الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] قال ابن كثير: بيّن تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار
الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل وسائر البشر والجان، وقال غيره من جوارحهم،
وفي قوله: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ تهويل عظيم بما يحيق بهم حينئذٍ لظلمهم بالكذب على الله.
٢٤٤١ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا همّامٌ قال: أخبرنا قَتادةُ عن صَفوانَ بنِ
مُخْرزِ المازنيِّ قال: ((بينما أنا أمشي معَ ابنِ عمرَ رضيَ الله عنهما آَخِذٌ بيدِهِ إذ عَرَضَ رجُلٌ فقال:
كيفَ سمعتُ رسولَ اللَّهِ ◌َّهِ فِي النَّجَوَى؟ فقال: سمعتُ رسولَ اللّهِوَّهِ يقول: إنَّ اللَّهَ يُذني المؤمنَ
فِيضَعُ عليهِ كنَفَهُ ويسترُه فيقول: أتعرفُ ذنْبَ كذا، أتعرِفُ ذنْبَ كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ. حتّى
إذا قرَّرَهُ بِذُنوبِهِ ورأى في نفسِهِ أنهُ هلكَ قال: سَترتُها عليكَ في الدُّنيا، وأنا أغفِرُها لكَ اليومَ،
فيُعطى كتابَ حَسناتِهِ. وأمّا الكافرُ والمنافقونَ فيقولُ الأشهادُ: هُؤلاءِ الذين كذبوا على ربهم، ألا
لَعنةُ اللَّهِ على الظالمين». [الحديث ٢٤٤١ - أطرافه في: ٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤].

٤٤٨
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٣
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف قال :
(حدّثنا همام) هو ابن يحيى بن دينار البصري العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة
(قال: أخبرنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد فيهما (قتادة) بن دعامة (عن صفوان بن محرز) بضم الميم
وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وبالزاي (المازني) وقيل الباهلي البصري أنه (قال: بينما) بالميم وفي
رواية بينا (أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخذ بيده) بمد الهمزة مرفوع بدلاً من أمشي الذي
هو خبر لقوله أنا والجملة حالية والضمير في يده لابن عمر وجواب بينما قوله (إذا عرض) له
(رجل) لم أعرف اسمه (فقال) له: (كيف سمعت رسول الله يم طر في النجوى) وللكشميهني: يقول
في النجوى أي التي تقع بين الله وعبده يوم القيامة وهو فضل من الله تعالى حيث يذكر المعاصي
للعبد سرًّا (فقال) ابن عمر رضي الله عنهما (سمعت رسول الله ◌َّة) حال كونه (يقول):
(إن الله) عز وجل (يدني المؤمن) أي يقربه (فيضع عليه كتفه) بفتح الكاف والنون والفاء أي
حفظه وستره، وفي كتاب خلق الأفعال في رواية عبد الله بن المبارك عن محمدبن سواء عن قتادة في
آخر الحديث قال عبد الله بن المبارك كنفه ستره (ويستره) عن أهل الموقف (فيقول) تعالى له (أتعرف
ذنب كذا أتعرف ذنب كذا) مرتين ولأبي ذر ذنبًا بالتنوين في الأخيرة (فيقول) المؤمن (نعم أي رب)
أعرفه (حتى إذا قرره بذنوبه) جعله مقرًّا بأن أظهر له ذنوبه وألجأه إلى الإقرار بها حتى يعرف منة الله
عليه في سترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنه في الآخرة وسقط في رواية أبي ذر لفظ إذا (ورأى في
نفسه أنه هلك) باستحقاقه العذاب (قال) تعالى له: (سترتها) أي الذنوب (عليك في الدنيا وأنا
أغفرها لك اليوم فيعطى) حينئذٍ (كتاب حسناته، وأما الكافر) بالإفراد (والمنافقون) بالجمع في رواية
أبي ذر عن الكشميهني والمستملي وله عن الكشميهني أيضًا والمنافق بالإفراد (فيقول الأشهاد) جمع
شاهد وشهيد من الملائكة والنبيّين وسائر الإنس والجن (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله
على الظالمين).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير والأدب والتوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في
التفسير وفي الرقائق وابن ماجة في السُّنّة.
٣ - باب لا يَظْلِمُ المسلمُ المسلمَ ولا يُسْلِمُهُ
هذا (باب) بالتنوين (لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه) بضم الياء وسكون المهملة وكسر اللام
مضارع أسلم أي لا يلقيه إلى هلكة بل يحميه من عدوّه.
٢٤٤٢ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدَّثنا اللَّيثُ عن عُقَيلِ عنِ ابنِ شهابٍ أنَّ سالمًا أخبرَهُ أنَّ
عبدَاللَّهِ بنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أخبرَهُ أنَّ رسولَ اللَّهِمَ ◌ّ قال: «المسلمُ أخو المسلم لا يَظلمهُ ولا
يُسْلمُه، ومَن كان في حاجةِ أخيه كان الله في حاجتهِ، ومَن فرَّجَ عن مُسلِمٍ كُربةً فرَّجَ الله عنهُ كربةً

٤٤٩
كتاب في المظالم والغصب/ باب ٤
من كرُباتِ يَوْمِ القيامة، ومَن سَترَ مسلمًا سَترَهُ اللَّهُ يومَ القيامة)). [الحديث ٢٤٤٢- طرفه في:
٦٩٥١].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري ونسبه
إلى جدّه لشهرته به قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن
خالدبن عقيل بالفتح الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن سالمًا أخبره أن) أباه
(عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله وَ ل قال):
(المسلم) سواء كان حرًّا أو عبدًا بالغًا أو لا (أخو المسلم) في الإسلام (لا يظلمه) خبر بمعنى
النهي لأن ظلم المسلم للمسلم حرام (ولا يسلمه) بضم أوّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه لا يتركه مع
من يؤذيه بل يحميه وزاد الطبراني ولا يسلمه في مصيبة نزلت به (ومن كان في حاجة أخيه) المسلم
(كان الله في حاجته) وعند مسلم من حديث أبي هريرة ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون
أخيه)) (ومن فرج عن مسلم كربة) بضم الكاف وسكون الراء وهي الغم الذي يأخذ النفس أي من
كرب الدنيا (فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة) بضم الكاف والراء جمع كربة (ومن ستر
مسلمًا) رآه على معصية قد انقضت فلم يظهر ذلك للناس فلو رآه حال تلبسه بها وجب عليه الإنكار
لا سيما إن كان مجاهرًا بها فإن انتهى وإلا رفعه إلى الحاكم وليس من الغيبة المحرمة بل من النصيحة
الواجبة (ستره الله يوم القيامة) وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي ستره الله في الدنيا والآخرة)).
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الإكراه ومسلم وأبو داود والترمذي في الحدود
والنسائي في الرجم.
٤ - باب أعِنْ أخاكَ ظالما أو مَظلومًا
هذا (باب) بالتنوين (أعن أخاك) المسلم سواء كان (ظالما أو مظلومًا).
٢٤٤٣ - حدثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ حدَّثَنا هُشيمٌ أخبرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ أبي بكرِبنِ أَنَسٍ وحُمَيدٌ
الطويل سمع أنسَ بنَ مالك رضيَ اللَّهُ عنه يقولُ: قال رسول اللّهِ وَّهِ: ((انصُرْ أخاكَ ظالمًا أو
مَظلومًا)). [الحديث ٢٤٤٣ - طرفاه في: ٢٤٤٤، ٦٩٥٢].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني بالإفراد (عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن
أبي شيبة واسمه إبراهيم بن عثمان أبو الحسن العبسي الكوفي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح
المعجمة بالتصغير ابن بشير بالتصغير أيضًا الواسطي قال: (أخبرنا عبيد الله بن بي بكربن أنس) بضم
العين مصغرًا ابن مالك الأنصاري (وحميد الطويل) سقط الطويل لأبي ذر أن كلاً منهما (سمع أنس بن
مالك رضي الله عنه يقول) ولأبي ذر سمعا بالتثنية أي عبيدالله وحميد وقول العيني أن الضمير في
سمع بلفظ الإفراد يعود على حميد لا يخفى ما فيه (قال رسول الله) ولأبي ذر قال النبي (مَا﴾):
إرشاد الساري/ ج ٥/ م ٢٩

٤٥٠
كتاب في المظالم والغصب/ باب ٤
(انصر أخاك) أي فى الإسلام (ظالمًا) كان (أو مظلومًا) زاد في الإكراه من طريق أخرى عن
هشيم عن عبيد الله وحده فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إذا كان ظالما كيف
أنصره؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره)) أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه
الذي يغويه وعلى نفسه التي تأمره بالسوء وتطغيه.
٢٤٤٤ - حدثنا مُسدَّدٌ حذَّثنا مُعتمِرٌ عن حُمَيدٍ عن أَنَسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ
اللّهِ وَّهِ: ((انصُرْ أخاكَ ظالمًا أو مَظلومًا، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هذا ننصُرُهُ مَظلومًا، فكيفَ ننصُرُهُ
ظالمًا؟ قال: تأخُذُ فوقَ يدَيهِ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بمهملات وتشديد الدال الأولى ابن مسرهدبن مسربل الأسدي
البصري قال: (حدّثنا معتمر) من الاعتمار هو ابن سليمان بن طرخان التيمي (عن حميد) الطويل (عن
أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله (وَل﴿):
(انصر أخاك ظالما أو مظلومًا قالوا): ولأبي الوقت في نسخة قال وفي الإكراه فقال رجل (يا
رسول الله) ولم يسم هذا الرجل (هذا) أي الرجل الذي (ننصره) حال كونه (مظلومًا فكيف ننصره)
حال كونه (ظالمًا قال) عليه الصلاة والسلام (تأخذ فوق يديه) بالتثنية وهو كناية عن منعه عن الظلم
بالفعل إن لم يمتنع بالقول، وعنى بالفوقية الإشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوّة وقد ترجم المؤلف
بلفظ الإعانة، وساق الحديث بلفظ النصر فأشار إلى ما ورد في بعض طرقه وذلك فيما رواه
حديج بن معاوية وهو بالمهملة وآخره جيم مصغرًا عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا ((أعن أخاك ظالمًا))
الحديث. أخرجه ابن عدي وأبو نعيم في المستخرج من الوجه الذي أخرجه منه المؤلف.
قال ابن بطال: النصر عند العرب الإعانة، وقد فسرّ أن نصر الظالم منعه من الظلم لأنك
إذا تركته على ظلمه أدّاه ذلك إلى أن يقتص منه فمنعك له من وجوب القصاص نصرة له، وهذا من
باب الحكم للشيء وتسميته بما يؤول إليه وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة، وقد ذكر مسلم
من طريق أبي الزبير عن جابر سببًا لحديث الباب يستفاد منه زمن وقوعه ولفظه: اقتتل رجل من
المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجريّ يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار فخرج
رسول الله ﴿ فقال: ((ما هذا أدعوى الجاهلية)) قالوا: لا إن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر
فقال: ((لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلومًا)) الحديث.
وذكر المفضل الضبي في كتابه الفاخر: إن أول من قال انصر أخاك ظالما أو مظلومًا جندب بن
العنبربن عمروبن تميم وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية لا على ما فسره النبي
وفي ذلك يقول شاعرهم:
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم على القوم لم أنصر أخي حين يظلم

٤٥١
كتاب في المظالم والغصب/ باب ٥
قاله الحافظ ابن حجر .
٥ - باب نصرِ المظلوم
(باب نصر المظلوم).
٢٤٤٥ - حدثنا سعيدُ بنُ الرَّبيعِ حدَّثَنا شعبةُ عنِ الأشْعَثِ بنِ سُليمٍ قال: سمعتُ مُعاويةً بنَ
سُوَيدٍ قال سمعتُ البَراءَ بنَ عازِبٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((أمرنا النبيُّلَ ◌ّرَ بِسَبْعِ، ونَّهانا عن سَبِعٍ. فَذَكرَ
عِيادةَ المريضِ، واتّباعَ الجَنائزِ، وتَشْميتَ العاطِسِ، ورَدّ السلامِ، ونَصْرَ المظلومِ، وإجابةَ الداعي،
وإبْرارَ القَسَمِ)» .
وبه قال: (حدّثنا سعيدبن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وكسر عين سعيد العامري الحرشي
قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأشعث بن سليم) بضم السين وفتح اللام مصغرًا والأشعث
بالمعجمة والمثلثة أبي الشعثاء الكوفي (قال: سمعت معاوية بن سويد) بضم السين وفتح الواو ابن
مقرّن المزني الكوفي (قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا النبي ◌َّ- بسبع ونهانا
عن سبع فذكر عيادة المريض) وهي سنة إذا كان له متعهد وإلا فواجبة (واتباع الجنائز) فرض على
الكفاية (وتشميت العاطس) إذا حمد الله سنة (ورد السلام) فرض كفاية (ونصر المظلوم) مسلمًا كان أو
ذميًّا واجب على الكفاية ويتعين على السلطان وقد يكون بالقول أو بالفعل ويكفّه عنه الظلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ◌َ الر أنه قال: ((أمر الله بعبد من عباده أن يضرب في
قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل الله تعالى ويدعوه حتى صارت واحدة فامتلأ قبره عليه نارًا فلما ارتفع
عنه أفاق فقال علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صلّيت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم
تنصره)). رواه الطحاوي إن كان هذا حال من لم ينصره فكيف من ظلمه.
(وإجابة الداعي) سُنّة إلا في وليمة النكاح، فعند الشافعية والحنابلة أنها فرض عين إذا كان
الداعي مسلمًا وأن تكون في اليوم الأول وأن لا يكون هناك منكر كشرب خمر. (وإبرار المقسم) بميم
مضمومة وكسر السين سُنّة أي الحالف إذا أقسم عليه في مباح يستطيع فعله ولأبي ذر عن الكشميهني
وإبرار القسم.
وهذا الحديث قد سبق في الجنائز تامًا وساقه هنا مختصرًا لم يذكر السبع المنهي عنها والمراد منه
هنا قوله: ((ونصر المظلوم)).
٢٤٤٦ - حدثنا محمدُ بنُ العَلاءِ حدَّثَنا أبو أسامةَ عن بُرَيد عن أبي بُرْدة عن أبي موسى رضيّ
اللَّهُ عنهُ عنِ النبيِّوَ قال: «المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يَشْدُّ بعضُهُ بعضًا. وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ)) ..

٤٥٢
كتاب في المظالم والغصب/ باب ٦ و٧
وبه قال: (حدّثنا محمدبن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن
أسامة (عن بريد) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله بن أبي بردة (عن) جده (أبي بردة) الحرث أو عامر
(عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله عنه عن النبي ◌َّ-) أنه (قال):
(المؤمن للمؤمن) التعريف فيه للجنس والمراد بعض المؤمن للبعض (كالبنيان يشد بعضه بعضًا)
بيان لوجه التشبيه وللكشميهني يشد بعضهم بعضًا بميم الجمع (وشبك) عليه الصلاة والسلام (بين
أصابعه) كالبيان للوجه أي شدًا مثل هذا الشد وفيه تعظيم حقوق المسلمين بعضهم لبعض وحثّهم
على التراحم والملاطفة والتعاضد، والمؤمن إذا شدّ المؤمن فقد نصره والله أعلم.
٦ - باب الانتصارِ منَ الظالم، لقولهِ جلَّ ذِكرُه:
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ إلاّ مَن ظُلِمَ، وكانَ اللَّهُ سَميعًا عليمًا﴾. ﴿والذينَ إذا
أصابَهمُ البَغيُّ هم يَنتَصِرون﴾. قال إبراهيمُ: كانوا يَكرَهونَ أن يُسْتَذَلُّوا، فإذا قَدَروا عَفَوا.
(باب الانتصار من الظالم لقوله جل ذكره) في سورة النساء: (﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من
القول إلاّ من ظلم﴾) أي إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلّم منه، وعن السدي نزلت في
رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم ونزولها في واقعة عين لا يمنع حملها على
عمومها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما المراد بالجهر من القول الدعاء فرخص للمظلوم أن يدعو
على من ظلمه (﴿وكان الله سميعًا﴾) لكلام المظلوم (﴿عليمًا﴾) [النساء: ١٤٨] بالظالم ولقوله تعالى في
سورة الشورى: (﴿والذين إذا أصابهم البغي﴾) يعني الظلم (﴿هم ينتصرون﴾) [الشورى: ٣٩] ينتقمون
ويقتصّون .
(قال إبراهيم) النخعي مما وصله عبدبن حميد وابن عيينة في تفسيرهما (كانوا) أي السلف
(يكرهون أن يستذلوا) بضم الياء وفتح التاء والمعجمة من الذل (فإذا قَدَروا) بفتح الدال المهملة
(عفوا) عمّن بغى عليهم.
٧ - باب عَفوِ المظلوم، لقولهِ تعالى:
﴿إِنْ تُبْدوا خيرًا أو تُخْفوهُ أو تعْفوا عن سوءٍ فإنَّ اللَّهَ كان عَفُوًّا قَديرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيْئَةٌ مِثْلُها، فمَن عَفا وأصلَحَ فأجرُهُ على اللَّهِ إنهُ لا يُحِبُّ الظالِمِين. ولمَنِ انتصَرَ بَعْدَ
ظُلمهِ فأُولئكَ ما عليهم مِن سَبيل، إنَّما السبيلُ على الذينَ يَظلِمونَ الناسَ ويَبغونَ في الأرضِ بغيرِ
الحقّ، أُولئكَ لهم عذابٌ أليم. ولمنْ صَبَرَ وغَفرَ إنَّ ذُلكَ لَمِن عَزْم الأمور ... وتَرَى الظالمين لما
رأوا العذابَ يقولونَ هل إلى مَرَدِّ مِنْ سَبيل﴾. [الشورى: ٤٠-٤٤].

٤٥٣
کتاب في المظالم والغصب/ باب ٨
(باب عفو المظلوم) عمن ظلمه (لقوله تعالى) في سورة النساء: (﴿إن تبدوا خيرًا﴾) طاعةً وبرًّا
(﴿أو تخفوه﴾) أي تفعلوه سرًّا (﴿أو تعفوا عن سوء﴾) لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود وذكر إبداء الخير
وإخفائه تسبيب له ولذلك رتب عليه قوله: (﴿فإن الله كان عفوًا قديرًا﴾) [النساء: ١٤٩] أي يكثر
العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك وهو حثّ للمظلوم على العفو بعدما
رخص له في الانتصار حملاً على مكارم الأخلاق، وقوله تعالى في سورة حم عسق: (﴿وجزاء
سيئة سيئة مثلها﴾) وسمى الثانية سيئة للازدواج ولأنها تسوء من تنزل به (﴿فمن عفا وأصلح﴾)
بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء (﴿فأجره على الله﴾) عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم
(﴿إنه لا يحب الظالمين)) المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام (﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾)
بعدما ظلم فهو من إضافة المصدر إلى المفعول (﴿فأولئك ما عليهم من سبيل﴾) من مأثم
(﴿إنما السبيل﴾) يعني الإثم والحرج (﴿على الذين يظلمون الناس﴾) يبتدئونهم بالإضرار
يطلبون ما لا يستحقونه تجبّرًا عليهم (﴿ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾)
على ظلمهم وبغيهم (﴿ولمن صبر﴾) على الأذى ولم يقتص من صاحبه (﴿وغفر﴾) تجاوز عنه
وفوّض أمره إلى الله (﴿إن ذلك﴾) الصبر والتجاوز (﴿لمن عزم الأمور﴾) [الشورى: ٤٠ - ٤١.
٤٢ - ٤٣] أي إن ذلك منه فحذف للعلم به كما حذف في قولهم السمن منوان بدرهم.
ويحكى أن رجلاً سبّ رجلاً في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح
العرق ثم قام فتلا هذه الآية فقال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون.
وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد وأبي داود أن النبي وَ لّ قال لأبي بكر: ((ما من عبد ظلم
مظلمة فعفا عنها إلا أعز الله بها نصره)) وقد قالوا: العفو مندوب إليه ثم قد ينعكس الأمر في بعض
الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى،
وسقط من الفرع قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده﴾ أي من ناصر يتولاه من بعد
خذلان الله له وثبت فيه قوله تعالى: (﴿وترى الظالمين لما رأوا العذاب﴾) حين يرونه فذكره بلفظ الماضي
تحقيقًا (﴿يقولون هل إلى مرد من سبيل﴾) [الشورى: ٤٤] أي إلى رجعة إلى الدنيا. وفي رواية أبي ذر
﴿فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) إلى قوله: ﴿مرة من سبيل﴾ فأسقط ما ثبت في رواية غيره.
٨ - باب الظُلمُ ظلماتٌ يومَ القيامة
هذا (باب) بالتنوين (الظلم ظلمات يوم القيامة).
٢٤٤٧ - حدثنا أحمدُ بنُ يونُسَ حدَّثَنا عبدُ العزيزِ الماجِشونُ أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ دِينارٍ عن
عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((الظُّلُمُ ظُلُماتٌ يومَ القيامة)).
وبه قال: (حدّثنا أحمدبن يونس) هو أحمدبن عبد الله بن يونس أبو عبد الله التميمي اليربوعي
الكوفي قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن عبد الله بن أبي سلمة واسمه دينار (الماجشون) بكسر الجيم وبالشين

٤٥٤
كتاب في المظالم والغصب/ باب ٩
المعجمة المضمومة قال: (أخبرنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي وَليو) أنه
(قال) :
(الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه أو نحو ذلك (ظلمات) على صاحبه
(يوم القيامة). فلا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما وقع قدمه في ظلمة ظلمه فهوت
في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا
سعى المتّقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه
ظلمه شيئًا. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يؤتى بالظلمة فيوضعون في تابوت من نار ثم
یزجّون فيها .
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب والترمذي في البر.
٩ - باب الاتّقاءِ والحذّرِ من دَعوةِ المظلوم
(باب الاتّقاء والحذر من دعوة المظلوم).
٢٤٤٨ - حدثنا يحيى بنُ موسى حدَّثنا وَكيعٌ حدَّثَنا زكرياءُ بنُ إسحقَ المكيُّ عن يحيى بنِ
عبدِ اللهِ بنِ صَيفيّ عن أبي مَعْبَدٍ مَولى ابنِ عبّاسٍ عن ابن عبّاس رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنَّ النبيَّ ◌َل
بَعثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ فقال: اتقِ دَعوة المظلوم، فإنها ليسَ بينها وبينَ اللَّهِ حِجاب)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربّه البلخي الملقب بخت بفتح المعجمة وتشديد المثناة
الفوقية قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة الكوفي قال: (حدّثنا
زكريابن إسحاق المكي) الثقة (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) بالصاد المهملة المكي (عن أبي معبد)
نافذ بالفاء والمعجمة أو المهملة (مولى ابن عباس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي بقليل بعث
معاذًا إلى) أهل (اليمن) واليًا عليهم سنة عشر يعلمهم الشرائع ويقبض الصدقات (فقال) له:
(اتق دعوة المظلوم) وإن كان عاصيًا (فإنها) أي دعوة المظلوم وللمستملي فإنه أي الشأن (ليس
بينها وبين الله حجاب) كناية عن الاستجابة وعدم الرد كما صرّح به في حديث أبي هريرة عند
الترمذي مرفوعًا بلفظ ثلاثة لا تردّ دعوتهم الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم
يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين)).
وحديث الباب قد سبق في باب أخذ الصدقة من الأغنياء من كتاب الزكاة بأتم من هذا
واقتصر منه هنا على المراد.

٤٥٥
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٠
١٠ - باب مَن كانت لهُ مَظلمَةٌ عندَ الرَّجُلِ فحلَّلها له هل يُبيِّنُ مَظْلمَتَهُ؟
(باب من كانت له مظلمة) بكسر اللام وحكي فتحها (عند الرجل) وفي رواية عند رجل
(فحللها له هل يبينّ مظلمته) حتى يصح التحليل منها أم لا .
٢٤٤٩ - حدثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ حَدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ حدْثَنا سعيدٌ المقبريُّ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللَّهِوَِّ: ((مَن كانت لهُ مَظلمةٌ لأحد مِن ◌ِرضِهِ أو شيءٌ فليَتَحلَّلهُ
منهُ اليومَ قبلَ أن لا يكونَ دِينارٌ ولا دِرهمٌ، إن كان لهُ عملٌ صالحٌ أُخِذَ منهُ بقدْرِ مَظلمتهِ، وإن لم
تكنْ له حَسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبهِ فحُملَ عليه)).
قال أبو عبدِ اللهِ قال إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ: إنما سُمي المقبُريَّ لأنه كانَ ينزلُ ناحيةَ المقابر.
قال أبو عبد اللّهِ: وسعيدٌ المقبُريُّ هوَ مَولى بني لَيثٍ، وهو سعيدُبنُ أبي سعيدٍ، واسمُ أبي سعيدٍ
كيسانُ. [الحديث ٢٤٤٩ - طرفه في: ٦٥٣٤].
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) عبد الرحمن العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا ابن
أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال
رسول الله وَ لية) :
(من كانت له مظلمة) بكسر اللام وفي الرقاق من رواية مالك عن المقبري من كانت عنده
مظلمة (لأحد) ولأبي ذر: لأخيه (من عرضه) بكسر العين المهملة موضع الذم والمدح منه سواء كان
في نفسه أو أصله أو فرعه (أو شيء) من الأشياء كالأموال والجراحات حتى اللطمة وهو من عطف
العام على الخاص (فليتحلله منه اليوم) نصب على الظرفية والمراد من اليوم أيام الدنيا لمقابلته بقوله
(قبل أن لا يكون دينار ولا درهم) فيؤخذ منه بدل مظلمته وهو يوم القيامة، والمراد بالتحلل أن يسأله
أن يجعله في حلٌ وليطلبه ببراءة ذمته. وقال الخطابي: معناه يستوهبه ويقطع دعواه عنه لأن ما حرم
الله من الغيبة لا يمكن تحليله وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال: اجعلني في حِلُّ فقد اغتبتك. فقال:
إني لا أحل ما حرم الله ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حلِّ ولما قال قبل أن لا يكون دينار ولا
درهم كأنه قيل فما يؤخذ منه بدل مظلمته؟ فقال: (إن كان له) أي الظالم (عمل صالح أخذ منه)
أي من ثواب عمله الصالح (بقدر مظلمته) التي ظلمها لصاحبه (وإن لم يكن له حسنات أخذ من
سيئات صاحبه) الذي ظلمه (فحمل عليه) أي على الظالم عقوبة سيئات المظلوم.
قال المازري: زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر
أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهو باطل وجهالة بيّنة لأنه إنما عوقب بفعله ووزره فتوجه عليه حقوق
لغريمه فدفعت إليه من حسناته فلما فرغت حسناته أخذ من سيئات خصمه فوضعت عليه فحقيقة
العقوبة مسببة عن ظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه.

٤٥٦
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١١
(قال أبو عبدالله) المؤلف (قال إسماعيل بن أبي أويس) هو شيخ المؤلف (إنما سمي) أي أبو
سعيد المذكور في السند (المقبري لأنه كان نزل) ولأبي ذر: ينزل (ناحية المقابر) بالمدينة الشريفة،
وقيل: لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعله على حفر القبور بالمدينة وهو تابعي.
(قال أبو عبدالله) البخاري (وسعيد المقبري هو مولى بني ليث) كان مكاتبًا لامرأة من أهل
المدينة من بني ليث بن بكربن عبد مناة بن كنانة (وهو سعيدبن أبي سعيد واسم أبي سعيد كيسان)
بفتح الكاف ومات سعيد المقبري في أول خلافة هشام. وقال ابن سعد مات سنة ثلاث وعشرين
ومائة واتفقوا على توثيقه. قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث لكنه اختلط قبل موته بأربع
سنين، وقد سقط قوله قال أبو عبد الله قال إسماعيل الخ في غير رواية الكشميهني وثبت فيها والله
أعلم.
١١ - باب إذا حلّلهُ مِن ظُلمهِ فلا رجوعَ فيهِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه) سواء كان معلومًا أو مجهولاً عند من
يجيزه .
٢٤٥٠ - حدثنا محمدٌ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا هشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ
عنها: ﴿وإن امرأةٌ خافَت مِن بَعلِها نشوزًا أو إعراضًا﴾ قالت: الرجلُ تكونُ عندَهُ المرأةُ ليسَ
بمستكثِرٍ منها يُريدُ أن يُفارقَها، فتقول: أجعَلُكَ من شأني في حِلِّ، فنزلَتْ هُذهِ الآيةُ في ذُلك».
[الحديث ٢٤٥٠ - أطرافه في: ٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن مقاتل قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا هشام بن
عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) زاد الكشميهني في هذه الآية: (﴿وإن امرأة
خافت من بعلها نشوزًا﴾) تجافيًا عنها وترفعًا عن صحبتها كراهة لها ومنعًا لحقوقها (﴿أو إعراضًا﴾)
[النساء: ١٢٨] بأن يقل مجالستها ومحادثتها. (قالت) عائشة (الرجل تكون عنده المرأة) حال كونه
(ليس بمستكثر منها) أي ليس بطالب كثرة الصحبة منها إما لكبرها أو لسوء خلقها أو لغير ذلك
وخبر المبتدأ الذي هو الرجل قوله (يريد أن يفارقها) أي لما ذكر (فتقول) المرأة (أجعلك من) أجل
(شأني في حلِّ) أي من حقوق الزوجية وتتركني بغير طلاق (فنزلت هذه الآية في ذلك).
وعن علي رضي الله عنه نزلت في المرأة تكون عند الرجل تكره مفارقته فيصطلحان على أن
يجيئها كل ثلاثة أيام أو أربعة .
وروى الترمذي من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خشيت
سودة أن يطلقها رسول الله ﴿ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت
هذه الآية وقال: حسن غريب.

٤٥٧
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٢ و١٣
وقد تبين أن مورد الحديث إنما هو في حق من تسقط حقها من القسمة وحينئذٍ فقول الكرماني
أن المطابقة بين الترجمة وما بعدها من جهة أن الخلع عقد لازم لا يصح الرجوع فيه فيلتحق به كل
عقد لازم وهم كما نبّه عليه في فتح الباري.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير.
١٢ - باب إذا أذِنَ لهُ أو أحلَّهُ ولم يُبَيِّنْ كم هوَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أذن) رجل (له) أي لرجل آخر في استيفاء حقه (أو أحلّه) ولأبي ذر
عن الكشميهني أو أحلّ له (ولم يبينّ كم هو) أي مقدار المأذون في استيفائه أو المحلّل .
٢٤٥١ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي حازم بنِ دِينارٍ عن سعدِ الساعدي
رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ يَ أُتَيَ بِشَرابٍ فَشَرِبَ منهُ -وعن يَمِينِهِ غُلامٌ وعن يَسارهِ الأشياخُ - فقال
للغُلامِ: أَتَأْذَنُ لي أنْ أُعطِيَ هؤلاءِ؟ فقال الغلامُ: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، لا أُوثِرُ بنَصِيبي منكَ
أحدًا. قال فَتَلَّهُ رسولُ اللَّهِ ◌َلَّ في يدِه)) .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي حازم بن
دينار) بالحاء المهملة والزاي سلمة الأعرج (عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله)
وفي نسخة صحح عليها في اليونينية أن النبي (1 أتي بشراب) في قدح والشراب هو اللبن الممزوج
بالماء (فشرب منه وعن يمينه غلام) هو ابن عباس (وعن يساره الأشياخ فقال) عليه الصلاة والسلام:
(للغلام أتأذن لي أن أعطي) القدح (هؤلاء)؟ أي الأشياخ (فقال الغلام: لا والله يا رسول الله
لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا) إنما قال ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمره به ولو أمره لأطاع
وظاهره أنه لو أذن له لأعطاهم (قال: فتلّه) بالمثناة الفوقية واللام المشددة أي دفعه (رسول الله صل في
يده) ولم يظهر لي وجه المناسبة بين الترجمة والحديث والله أعلم. وقد قيل إنها تؤخذ من معنى الحديث
لأنه لو أذن الغلام له عليه الصلاة والسلام بدفع الشراب إلى الأشياخ لكان تحليل الغلام غير معلوم
وكذلك مقدار شربهم وشربه .
١٣ - باب إثم مَن ظَلَمَ شَيئًا منَ الأرضِ
(باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض).
٢٤٥٢ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريُّ قال: حدَّثني طلحةُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنَّ
عبد الرحمنِ بنَ عمرٍوبنِ سَهلٍ أخبرَهُ أنَّ سعيدَ بنَ زيد رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِوَهُ
يقولُ: ((مَنْ ظَلمَ مِنَ الأرضِ شيئًا طُوْقَهُ مِن سَبع أرَضينَ)). [الحديث ٢٤٥٢ - طرفه في: ٣١٩٨].

٤٥٨
کتاب في المظالم والغصب/ باب ١٣
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة
(عن الزهري) محمدبن مسلم بن شهاب (قال: حدّثني) بالإفراد (طلحة بن عبد الله) بن عوف ابن أخي
عبد الرحمن بن عوف (أن عبدالرحمن بن عمروبن سهل) القرشي وقيل الأنصاري المدني، وليس له في
البخاري إلا هذا الحديث (أخبره أن سعيدبن زيد) القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة (رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله ◌َله يقول):
(من ظلم من الأرض شيئًا) قليلاً أو كثيرًا وفي رواية عروة في بدء الخلق: من أخذ شبرًا من
الأرض ظلمًا، ولأحمد من حديث أبي هريرة: من أخذ من الأرض شبرًا بغير حقه (طوّقه) بضم
الطاء المهملة وكسر الواو المشددة وبالقاف مبنيًّا للمفعول (من سبع أرضين) بفتح الراء وقد تسكن أي
يوم القيامة قيل أراد طوق التكليف وهو أن يطوّق حملها يوم القيامة. ولأحمد والطبراني من حديث
يعلى بن مرّة مرفوعًا: ((من أخذ أرضًا بغير حقها كلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر)) وفي رواية للطبراني
في الكبير ((من ظلم من الأرض شبرًا كلف أن يحفره حتى يبلغ به الماء ثم يحمله إلى المحشر)) وقيل إنه
أراد أنه يخسف به الأرض فتصير الأرض المغصوبة في عنقه كالطوق ويعظم قدر عنقه حتى يسع ذلك
كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه. قال البغوي: وهذا أصح، ويؤيده حديث ابن عمر
المسوق في هذا الباب ولفظه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
وفي حديث ابن مسعود عند أحمد بإسناد حسن والطبراني في الكبير قلت: يا رسول الله أيّ
الظلم أظلم؟ فقال: ((ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض
يأخذها إلا طوّقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلاّ الله الذي خلقها)) أو المراد بالتطوّق
الإثم فيكون الظلم لازمًا في عنقه لزوم الإثم عنقه، ومنه قوله تعالى: ﴿ألزمناه طائره في عنقه﴾
[الإسراء: ١٣] وفي هذا تهديد عظيم للغاصب خصوصًا ما يفعله بعضهم من بناء المدارس والربط
ونحوهما مما يظنون به القرب والذكر الجميل من غصب الأرض لذلك وغصب الآلات واستعمال
العمال ظلمًا وعلى تقدير أن يعطى فإنما يعطى من المال الحرام الذي اكتسبه ظلمًا الذي لم يقل أحد
بجواز أخذه ولا الكفّار على اختلاف مِللهم فيزداد هذا الظالم بإرادته الخير على زعمه من الله بعدًا أما
سمع هذا الظالم قوله ◌َّية: ((من ظلم من الأرض شيئًا طوّقه من سبع أرضين)) وقوله عليه الصلاة
والسلام فيما يروي عن ربه: ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي العهد ثم غدر، ورجل
باع حرًّا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه عمله ولم يعطه أجره)) رواه البخاري.
٢٤٥٣ - حدّثنا أبو مَعْمَرِ حدَّثَنا عبدُ الوارثِ حدَّثَنَا حُسينٌ عن يحيى بن أبي كثير قال: حدَّثني
محمدُ بنُ إبراهيمَ أنَّ أبا سلمةَ حدَّثَهُ أنهُ كانت بَيْنَهُ وبينَ أُناس خُصومةٌ، فذَكرَ لعائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها
فقالت له: يا أبا سَلمَةَ اجتنِبِ الأرضَ، فإنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ قال: ((مَن ظَلمَ قيدَ شِبر منَ الأرضِ طُوْقَهُ مِن
سَبع أرَضين)). [الحديث ٢٤٥٣ - طرفه في: ٣١٩٥].

٤٥٩
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٣
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمروبن الحجاج المقعد البصري قال: (حدّثنا
عبدالوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا حسين) المعلم (عن يحيى بن أبي كثير) الطائي اليمامي (قال:
حدّثني) بالإفراد (محمد بن إبراهيم) التيمي (أن أبا سلمة) عبد الله أو إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف
(حدّثه أنه كانت بينه وبين أناس خصومة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم، ووقع لمسلم
من طريق حرب بن شداد عن يحيى وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض ففيه نوع تعيين للخصوم
وتعيين المتخاصم فيه (فذكر لعائشة رضي الله عنها) أي ذلك كما في بدء الخلق (فقالت له: يا أبا
سلمة اجتنب الأرض) فلا تغصب منها شيئًا (فإن النبي ◌َّ قال) وفي رواية يقول:
(من ظلم قيد شبر) بكسر القاف وسكون المثناة التحتية أي قدر شبر (من الأرض طوّقه من
سبع أرضين) أي يوم القيامة .
وفي حديث أبي مالك الأشعري عند ابن أبي شيبة بإسناد حسن ((أعظم الغلول عند الله يوم
القيامة ذراع أرض يسرقه رجل فيطوّقه من سبع أرضين)).
وعند ابن حبّان من حديث يعلى بن مرة مرفوعًا «أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن
يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين ثم يطوّقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس)).
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في بدء الخلق ومسلم في البيوع.
٢٤٥٤ - حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنا عبدُ اللَّهِ بنُ المبارَكِ حدَّثَنا موسى بنُ عُقبةَ عن سالم
عن أبيهِ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال النبيُّ ◌َّه: ((مَنْ أَخذَ منَ الأرضِ شيئًا بغيرِ حقَّهِ خُسِفَ بهِ يومَ
القِيامةِ إلى سَبع أَرَضِينَ)). قال الفِرَبْرِيُّ: قال أبو جعفرِ بنُ أبي حاتم: قال أبو عبدِ اللهِ: هذا
الحديثُ ليس بخراسانَ في كتاب ابنِ المباركِ، أملاه عليهم بالبصرةِ. [الحديث ٢٤٥٤ -طرفه في :
٣١٩٦].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا عبدالله بن المبارك) المروزي قال:
(حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) وعن
أبيه أنه (قال: قال النبي ◌َّ):
(من أخذ من الأرض شيئًا) قلّ أو كثر (بغير حقه خسف به) أي بالآخذ غصبًا تلك الأرض
المغصوبة (يوم القيامة إلى سبع أرضين) فتصير له كالطوق في عنقه بعد أن يطوّله الله تعالى أو أن هذه
الصفات تتنوّع لصاحب هذه الجناية على حسب قوّة المفسدة وضعفها فيعذب بعضهم بهذا وبعضهم
بهذا. وفي الحديث إمكان غصب الأرض خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف حيث قالا: الغصب لا
يتحقق إلا فيما ينقل ويجوّل لأن إزالة اليد بالنقل ولا نقل في العقار وإذا غصب عقارًا فهلك في يده
لم يضمنه. وقال محمد: يضمنه وهو قول أبي يوسف الأول وبه قال الشافعي لتحقق إثبات اليد،

٤٦٠
كتاب في المظالم والغصب/ باب ١٤
ومن ضرورته زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة فيتحقق
الوصفان وهو الغصب فصار كالمنقول وجحود الوديعة، ولهما يعني لأبي حنيفة وأبي يوسف أن
الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعل في العين وهذا لا يتصوّر في العقار لأن يد المالك لا تزول
إلا بإخراجه عنها وهو فعل فيه لا في العقار قاله في الهداية.
واستدل لهما في الاختيار شرح المختار بحديث الباب ((من ظلم من الأرض شيئًا طوّقه من
سبع أرضين)) لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر الجزاء في غصب العقار ولم يذكر الضمان ولو وجب
لذكره وصوّر المسألة بما إذا سكن دار غيره بغير إذنه ثم خرجت أما إذا هدم البناء وحفر الأرض
فيضمن لأنه وجد منه النقل والتحويل فإنه إتلاف ويضمن بالإتلاف ما لا يضمن بالغصب، والعقار
يضمن بالإتلاف وإن لم يضمن بالغصب ولأنه تصرف في العين انتهى.
ومن فوائد حديث الباب ما قاله ابن المنير أن فيه دليلاً على أن الحكم إذا تعلق بظاهر الأرض
تعلق بباطنها إلى التخوم فمن ملك ظاهر الأرض ملك باطنها من حجارة وأبنية ومعادن، ومن حبس
أرضًا مسجدًا أو غيره يتعلق التحبيس بباطنه حتى لو أراد إمام المسجد أن يحتفر تحت أرض المسجد
ويبني مطامير تكون أبوابها إلى جانب المسجد تحت مصطبة له أو نحوها أو جعل المطامير حوانيت
ومخازن لم يكن له ذلك لأن باطن الأرض تعلق به الحبس كظاهرها، فكما لا يجوز اتخاذ قطعة من
المسجد حانوتًا كذلك لا يجوز ذلك في باطنه .
(قال الفربري: قال أبو جعفربن أبي حاتم) واسمه محمد البخاري ورّاق المؤلف (قال أبو
عبد الله) البخاري: (هذا حديث) أي حديث الباب (ليس بخراسان في كتاب ابن المبارك) ولأبي ذر
في كتب ابن المبارك التي صنفها بها (أملاه) أي الحديث، وللمستملي والحموي: إنما أملى بزيادة إنما
وضم الهمزة وحذف الضمير المنصوب (عليهم بالبصرة) لكن نعيم بن حماد المروزي ممن حمل عنه
بخراسان وقد حدّث عنه بهذا الحديث فيحتمل أن يكون حدّث به بخراسان والله أعلم.
وهذا الفائدة التي ذكرها الفربري ثابتة في رواية أبي ذر ساقطة لغيره.
١٤ - باب إذا أذِنَ إنسانٌ لآخَرَ شيئًا جاز
هذا (باب) بالتنوين (إذا أذن إنسان لآخر شيئًا) أي في شيء (جاز).
٢٤٥٥ - حدّثنا حَفصُ بنُ عمرَ حدّثَنا شُعبةُ عن جَبَةَ: كنّا بالمدينةِ في بعضِ أهلِ العراقِ
فأصابَنا سَنةٌ، فكان ابنُ الزُّبَيرِ يَرزُقُنا الثَّمرَ، فكان ابنُ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما يَمُرُّ بنا فيقول: ((إنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ لِّ نَهى عنِ الإقرانِ، إلاّ أن يَستأذِنَ الرجلُ منكم أخاه)). [الحديث ٢٤٤٥ - أطرافه في:
٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦].