Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ١
وفي حديث عائشة عند مسلم قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم
ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: ((لا ينفعه إن لم يقل يومًا ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين))
يعني لم يكن مصدقًا بالبعث ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل. ونقل عياض الإجماع على أن
الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذاباً من
بعضھم بحسب جرائمهم.
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري عند أحمد مرفوعًا: ما من رجل يغرس غرسًا وحديث ما من
عبد فظاهرهما يتناول المسلم والكافر لكن يحمل المطلق على المقيد والمراد بالمسلم الجنس فتدخل المرأة
المسلمة .
(وقال لنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال العيني كابن حجر: كذا بإثبات لنا
للأصيلي وكريمة وأبي ذر وفي رواية النسفي وآخرين وقال مسلم بدون لفظة لنا (حدّثنا أبان) ابن
يزيد العطار قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) لم يسق
متن هذا السند لأن غرضه منه التصريح بالتحديث من قتادة عن أنس، وقد أخرجه مسلم عن
عبد بن حميد عن مسلم بن إبراهيم المذكور بلفظ: أن نبي الله وَله رأى نخلاً لأم مبشر امرأة من
الأنصار فقال: ((من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر)؟ قالوا: مسلم بنحو حديثهم كذا عند مسلم
فأحال به على ما قبله، وقد بيّنه أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن مسلم بن إبراهيم، وباقيه:
لا يغرس مسلم غرسًا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابّة إلا كان له صدقة، وقد أخرج مسلم هذا
الحديث من طرق عن جابر قال في بعضها فيأكل منه سبع أو طائر أو شيء إلا كان له فيه أجر،
وفي أخرى: فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة. ومقتضاه أن ثواب
ذلك مستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه ولو مات غارسه أو زارعه ولو انتقل ملكه إلى غيره.
قال ابن العربي: في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب ذلك في الحياة
وذلك في ستة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غرس، أو زرع، أو
رباط فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة انتهى.
ونقل الطيبي عن محيي السُّنّة أنه روى أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال:
أتغرس هذه وأنت شيخ كبير وهذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا. قال: ما عليّ أن يكون لي أجرها
ويأكل منها غيري. قال: وذكر أبو الوفاء البغدادي أنه مرّ أنو شروان على رجل يغرس شجر الزيتون
فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزيتون وهو شجر بطيء الأثمار، فأجابه غرس من قبلنا فأكلنا
ونغرس ليأكل من بعدنا. فقال أنو شروان: زه أي أحسنت، وكان إذا قال زه يعطي من قيلت له
أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره فما أسرع ما أثمر. فقال:
زه فزيد أربعة آلاف درهم أخرى. فقال: كل شجر يثمر في العام مرة وقد أثمرت شجرتي في ساعة

٣٠٢
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٢
مرتين. فقال: زه فزيد مثلها فمضى أنو شروان فقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا.
ثم إن حصول هذه الصدقة المذكورة يتناول حتى من غرسه لعياله أو لنفقته لأن الإنسان يُثاب
على ما سرق له وإن لم ينوِ ثوابه ولا يختصّ حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزراعة بل يتناول من
استأجر لعمل ذلك والصدقة حاصلة حتى فيما عجز عن جمعه كالسنبل المعجوز عنه بالحصيدة فيأكل
منه حيوان فإنه مندرج تحت مدلول الحديث.
واستدل به على أن الزراعة أفضل المكاسب وقال به كثيرون، وقيل الكسب باليد، وقيل
التجارة، وقد يقال كسب اليد أفضل من حيث الحلّ والزرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ
فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزراعة أفضل للتوسعة
على الناس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق تكون التجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصنائع
تكون أفضل والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المصنف أيضًا في الأدب والترمذي في الأحكام.
٢ - باب ما يُخْذَرُ من عواقب
الاشتغالِ بآلةِ الزَّرع، أو مجاوزةِ الحدِّ الذي أُمرَ به
(باب) بيان (ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع) يحذر بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه
مخففًا، ولأبي ذر: يحذر بالتشديد (أو مجاوزة الحد) قال الحافظ ابن حجر: كذا للأصيلي وكريمة ولابن
شبويه أو يجاوز بالمثناة التحتية بدل الميم، ولأبي ذر والنسفي: جاوز الحد، وفي رواية بالفرع: أو
جاز الحد (الذي أمر به) سواء كان واجبًا أو مندوبًا.
٢٣٢١ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ حدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بنُ سالم الْحِمصيُّ حدَّثَنَا محمدُ بنُ زِيادٍ
الألْهانيُّ عن أبي أمامةَ الباهليّ قال - ورأى سكةً وشيئًا مِن آلَةِ الْحَرْثِ فقال - سمعتُ النبيّ ◌َّل.
يقول: ((لا يَدخُل هذا بيتَ قوم إلاّ أُدخِلَهُ الذُّلُّ)) قال محمدٌ: واسمُ أبي أمامةَ صُدَيُّ بنُ
عَجلانَ .
وبه قال: (حدّثنا عبدالله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا عبد الله بن سالم الحمصي) أبو
يوسف قال: (حدّثنا محمد بن زياد الألهاني) بفتح الهمزة وسكون اللام بعدها هاء فألف فنون فياء
نسب أبو سفيان الحمصي (عن أبي أمامة الباهلي) أنه (قال و) الحال أنه (رأى سكة) بكسر السين
المهملة وتشديد الكاف المفتوحة الحديدة التي تحرث بها الأرض (وشيئًا من آلة الحرث فقال: سمعت
النبي) ولأبي ذر: سمعت رسول الله (وَلٌ يقول):

٣٠٣
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٣
(لا يدخل هذا بيت قوم) يعملون بها بأنفسهم (إلا أدخله الذل) بضم الهمزة وكسر الخاء
المعجمة مبنيًّا للمفعول، والذل رفع نائب عن الفاعل فلو كان لهم من يعمل لهم وأدخلت الآلة
المذكورة دراهم للحفظ فليس مرادًا أو هو على عمومه، فإن الذل داخل شامل لكل من أدخل على
نفسه ما يستلزم مطالبة آخر له، ولا سيما إذا كان المطالب من ظلمة الولاة، ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي: إلا أدخله الله بفتح الهمزة والخاء مبنيًّا للفاعل الذلّ مفعول للاسم الكريم، وله عن
الكشميهني: إلا دخله الذل بإسقاط الهمزة وحذف الجلالة والذل رفع. وفي مستخرج أبي نعيم: إلا
أدخلوا على أنفسهم ذلاً لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة أي لما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها
ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الآن فوق ما عليهم بالضرب والحبس، بل ويجعلونهم
كالعبيد أو أسوأ من العبيد فإن مات أحد منهم أخذوا ولده عوضه بالغصب والظلم، وربما أخذوا
الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربما أخذوا من ببلد الزراع فجعلوه زراعًا، وربما أخذوا ماله
كما شاهدنا فلا حول ولا قوة إلا بالله. وكان العمل في الأراضي أول ما افتتحت على أهل الذمة
فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.
قال في فتح الباري: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة، والحديث
السابق في فضل الزرع والغرس وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك
ومحله إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد
فیه .
(قال محمد) هو ابن زياد الراوي (واسم أبي أمامة) الباهلي المذكور (صديّ بن عجلان) بفتح
العين المهملة وسكون الجيم وبعد اللام ألف ونون وصدي بضم الصاد وفتح الدال المهملتين آخره
تحتية مشددة آخر من مات بالشام من الصحابة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخرين
في الأطعمة والجهاد وهو ثابت هنا في بعض النسخ وعليه شرح العيني وهو في هامش اليونينية بإزاء
قوله في السند: عن أبي أمامة من غير إشارة لمحله مرقوم عليه علامة أبي ذر عن المستملي
والكشميهني، وفي بعض النسخ وعزاه في الفتح وتبعه العيني للمستملي قال أبو عبد الله أي
البخاري بدل قوله قال محمد.
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
٣ - باب اقتناءِ الكلب للحَرْثِ
(باب اقتناء الكلب) بالقاف أي اتخاذه (للحرث).
٢٣٢٢ - حدثنا مُعاذُ بنُ فَضالة حدَّثَنَا هِشامٌ عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سَلمَةً عن أبي
هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَن أمسَكَ كلبًا فإنهُ يَنقصُ كلَّ يومٍ مِن عَمَله

٣٠٤
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٣
قيراطٌ، إلاّ كلبَ حرثٍ أو ماشيةٍ)). قال ابنُ سِيرينَ وأبو صالح عن أبي هريرة عن النبيِّ ◌َّ: ((إلا
كلبَ غَثَمٍ أو حَزْثٍ أو صَيدٍ)». وقال أبو حازم عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّ: ((كلبَ صَيدٍ أو
ماشيةٍ)). [الحديث ٢٣٢٢ - طرفه في: ٢٣٢٤].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء أبو زيد البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي
(عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه
(قال: قال رسول الله (وَلاتر):
(من أمسك كلبًا فإنه ينقص كل يوم من) أجر (عمله قيراط). وعند مسلم: فإنه ينقص من
أجره كل يوم قيراطان والحكم للزائد لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو أنه وَ لهو أخبر أوّلاً بنقص قيراط
واحد، فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد للتنفير عن ذلك فسمعه
الثاني أو ينزل على حالين فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها ونقص الواحد باعتبار قلته.
وقد حكى الروياني في البحر اختلافًا في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل وفي
محل نقصان القيراطين فقيل من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل آخر وقيل من الفرض قيراط ومن
النفل آخر، والقيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء أو جزأين من أجزاء عمله،
وهل إذا تعددت الكلاب تتعدد القراريط؟ وسبب النقص امتناع الملائكة من دخول بيته أو لما يلحق
المارّين من الأذى أو ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهى عن اتخاذه أو لأن بعضها شياطين أو ولوغها
في الأواني عند غفلة صاحبها.
(إلا كلب حرث أو ماشية) فيجوز وأو للتنويع لا للترديد والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ
الكلاب لحفظ الدور والدروب قياسًا على المنصوص بما في معناه، واستدل المالكية بجواز اتخاذها
على طهارتها. فإن ملابستها مع الاحتراز عن مسّ شيء منها أمر شاق والإذن في الشيء إذن في
مكملات مقصوده كما في المنع من لوازمه مناسبة للمنع منه. وأجيب: بعموم الخبر الوارد في الأمر
من غسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيل وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوّغه الدليل.
(قال) ولأبي ذر. وقال (ابن سيرين) محمد مما تتبعه الحافظ ابن حجر فلم يجده موصولاً (وأبو
صالح) ذكوان الزيات مما وصله أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه الترغيب (عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي وير إلا كلب غنم أو) كلب (حرث أو) كلب (صيد) فزاد أو صيد.
(وقال أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان بسكون اللام الأشجعي مما وصله أبو الشيخ
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَلّ كلب صيد أو) كلب (ماشية) فأسقط كلب الحرث
ولأبي ذر بالتقديم والتأخير.

٣٠٥
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٤
٢٣٢٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن يزيدَ بنِ خُصَيفة أن السائبَ بنَ يزيدَ
حدَّثهُ أنهُ سمعَ سُفيانَ بن أبي زُهَيرٍ - رَجُلاً من أزدِشَتُوءة، وكان مِن أصحابِ النبيِّ وَّ - قال:
سمعتُ النبيَّ وَّهِ يقول: ((مَن اقْتَنِى كلبًا لا يُغني عنهُ زَرعًا ولا ضَرعَا نَقَّصَ كلَّ يومٍ مِن عملهِ
قِيراطٌ. قلت: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللَّهِ وَلَ؟ قال: إي وربٌ هذا المسجدِ)). [الحديث
٢٣٢٣ - طرفه في: ٣٣٢٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن يزيد بن
خصيفة) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة مصغرًا نسبه لجده واسم أبيه عبد الله (أن السائب بن
يزيد) من الزيادة كالسابق الكندي صحابي صغير حج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه
عمر سوق المدينة وهو آخر من مات بها من الصحابة (حدّثه أنه سمع سفيان بن أبي زهير) بضم
الزاي مصغرًا (رجلاً) بالنصب قال العيني بتقدير أعني أو أخص، ولأبي ذر: رجل بالرفع خبر مبتدأ
محذوف أي هو رجل (من أزد شنوءة) بفتح الهمزة وسكون الزاي وشنوءة بفتح الشين المعجمة
وبعد النون المضمومة همزة مفتوحة (وكان من أصحاب النبي وي طهر قال: سمعت النبي ◌َّر يقول):
(من اقتنى كلبًا) وهذا مطابق للترجمة مفسر لقوله في الحديث السابق: من أمسك كلبًا (لا يغني
عنه زرعًا ولا ضرعًا) كناية عن الماشية (نقص كل يوم من) ثواب (عمله قيراط) قال السائب بن يزيد
(قلت) لسفيان بن أبي زهير للتثبت في الحديث (أنت سمعت هذا) الذي قلته (من رسول الله وَلا؟
قال: إي) سمعته منه بَّر (ورب هذا المسجد) أقسم للتأكيد.
وفي هذا الحديث صحابي عن صحابي، وأخرجه مسلم في البيوع والنسائي وابن ماجة في
الصيد .
٤ - باب استعمال البقَرِ للحِراثةِ
(باب استعمال البقر للحراثة).
٢٣٢٤ - حدثنا محمدُ بنُ بشّارِ حدَّثَنَا غُندَرّ حدَّثَنا شعبةُ عن سعدٍ قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ عن
أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه عن النبيِّ وَّرِ قال: ((بينما رجلٌ راكبٌ على بقرةِ الَفَتَتْ إليهِ فقالت: لم
أُخْلِقْ لهذا، خُلِقِتُ للحِراثةِ. قال: آمَنتُ به أنا وأبو بكر وعمرُ. وأخذَ الذّئبُ شاةً فتبعَها الراعي،
فقال الذّئبُ: مَن لها يومَ السَّبُع، يومَ لا راعيَ لها غيري؟ قال: آمنتُ به أنا وأبو بكرٍ وعمرُ. قال أبو
سَلمةَ: وما هُما يومئذٍ في القوم)). [الحديث ٢٣٢٤ - أطرافه في: ٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠].
إرشاد الساري/ ج ٥/ م ٢٠

٣٠٦٠
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٤
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة والشين المعجمة المشددة
المفتوحتين العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال:
(حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد) بسكون العين، ولأبي ذر زيادة ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف الزهري قاضي المدينة أنه (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني أحد الأعلام
يقال اسمه عبد الله ويقال إسماعيل وهو عمّ سعد بن إبراهيم السابق (عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي ◌َّةٍ) أنه (قال):
(بينما) بالميم (رجل) لم يسم (راكب على بقرة) وجواب بينما قوله (التفتت إليه) أي البقرة وزاد
في المناقب في فضل أبي بكر من طريق أبي اليمان فتكلمت (فقالت: لم أخلق لهذا) أي للركوب بقرينة
قوله راكب (خلقت للحراثة) وفي ذكر بني إسرائيل من طريق عليّ عن سفيان بينا رجل يسوق بقرة
إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم.
(قال) النبي ◌َّر (آمنت به) أي بنطق البقرة وفي ذكر بني إسرائيل فإني أومن بهذا والفاء فيه جزاء
شرط محذوف أي فإذا كان الناس يستغربونه ويعجبون منه فإني لا أستغربه وأؤمن به (أنا وأبو بكر
وعمر).
فإن قلت: ما فائدة ذكر أنا وعطف ما بعده عليه وهلا عطف على المستتر في أؤمن مستغنيًا
عنه بالجار والمجرور؟ أجيب: بأنه لو لم يذكر أنا لاحتمل أن يكون وأبو بكر عطفًا على محل أن
واسمها والخبر محذوف فلا يدخل في معنى التأكيد، وتكون هذه الجملة واردة على التبعية ولا كذلك
في هذه الصورة قاله في شرح المشكاة، واستدل بقولها: إنما خلقنا للحرث على أن الدواب لا
تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون قولها: إنما خلقنا للحرث إشارة إلى
تعظيم ما خلقت له ولم ترد الحصر في ذلك لأنه غير مراد اتفاقًا لأن جملة ما خلقت له أنها تذبح
وتؤكل بالاتفاق.
قال ابن بطال: في هذا الحديث حجة على من منع أكل الخيل مستدلاً بقوله تعالى ﴿لتركبوها﴾
[النحل: ٨] فإنه لو كان ذلك دالاً على منع أكلها لدل هذا الخبر على منع أكل البقر لقوله في
الحديث: إنما خلقنا للحرث، وقد اتفقوا على جواز أكلها فدلّ على أن المراد بالعموم المستفاد من
صيغة إنما في قولها إنما خلقنا للحرث عموم مخصوص.
(وأخذ الذئب شاة) هو معطوف على الخبر الذي قبله بالإسناد المذكور (فتبعها) أي الشاة
(الراعي) لم يسم وإيراد المصنف للحديث في ذكر بني إسرائيل فيه إشعار بأنه عنده ممن كان قبل
الإسلام نعم وقع كلام الذئب لأهبان بن أوس كما عند أبي نعيم في الدلائل (فقال الذئب) ولأبي
ذر: فقال له الذئب، وفي ذكر بني إسرائيل وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة

٣٠٧
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٤
فطلبه حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب هذا استنقذتها مني. واستشكل هذا التركيب، وخرّجه
ابن مالك في التوضيح على ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون منادى محذوفًا منه حرف النداء واعترضه البدر الدماميني بأنه ممنوع أو قليل.
الثاني: أن يكون في موضع نصب على الظرفية مشارًا به إلى اليوم أي هذا اليوم استنقذتها.
الثالث: في موضع نصب على المصدرية أي هذا الاستنقاذ استنقذتها مني، وقد وهم الزركشي
في التنقيح وتبعه البدر الدماميني في المصابيح والبرماوي في اللامع الصبيح فذكروا هذه الكلمة
المستشكلة في رواية هذا الباب ناقلين ما ذكرته عن ابن مالك في توجيهها، وليس لها ذكر في هذا
الباب أصلاً والله أعلم.
ولفظ رواية الحديث المذكور في المناقب: بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة
فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: (من لها) أي للشّاة (يوم السبع) بضم الموحدة ويجوز فتحها
وسكونها المفترس من الحيوان وجمعه أسبع وسباع كما في القاموس (يوم لا راعي لها غيري) أي إذا
أخذها السبع لم تقدر على خلاصها منه فلا يرعاها حينئذٍ غيري أي إنك تهرب منه وأكون أنا قريبًا منه
أراعي ما يفضل لي منها، أو أراد من لها عند الفتن حين تترك بلا راع نهبة للسّباع فجعل السبع لها
راعيًا إذ هو منفرد بها، أو أراد يوم أكلي لها يقال: سبع الذئب الغنم أي أكلها.
وقال ابن العربي: هو بالإسكان والضم تصحيف، وقال ابن الجوزي: هو بالسكون والمحدثون
يروونه بالضم، وقال في القاموس: والسبع أي بسكون الموحدة الموضع الذي يكون فيه الحشر أي
من لها يوم القيامة، ويعكر على هذا قول الذئب لا راعي لها غيري والذئب لا يكون راعيًا يوم
القيامة أو يوم السبع عيد لهم في الجاهلية كانوا يشتغلون فيه يلهوهم عن كل شيء قال: وروي بضم
الباء انتهى.
أي: يغفل الراعي عن غنمه فيتمكن الذئب منها وإنما قال ليس لها راع غيري مبالغة في تمكنه
منها .
(قال) وَ لّ لما تعجب الناس حيث قالوا سبحان الله ذئب يتكلم كما في ذكر بني إسرائيل
(آمنت به) أي بتكلم الذئب (أنا وأبو بكر وعمر).
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن الراوي بالسند المذكور (وما هما) أي العمران (يومئذٍ في القوم)
أي لم يكونا حاضرين: فيحتمل أن يكون أهبان على تقدير أن يكون هو صاحب القصة لما أخبر
النبي ◌َّ بذلك. كان العمران حاضرين فصدّقاه، ثم أخبر النبيَ ◌ّ الناس بذلك وهما غائبان فلذا
قال عليه الصلاة والسلام: ((فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر)) وأطلق ذلك لما اطّلع عليه من أنهما
يصدقان بذلك إذا سمعاه ولا يتردّدان فيه كغيره من قواعد العقائد.

٣٠٨
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٥
وقال التوربشتي: إنما أراد عليه الصلاة والسلام تخصيصهما بالتصديق الذي بلغ عين اليقين
وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب مجال انتهى.
ونطق البقرة والذئب جائز عقلاً أعني النطق اللفظي والنفسي معًا غير أن النفسي يشترط فيه
العقل وخلقه في البقرة والذئب جائز، وكل جائز أخبر به صاحب المعجزة أنه واقع علمنا عقلاً أنه
واقع، ولا يحمل توقف المتوقفين على أنهم شكوا في الصدق ولكن استبعدوه استبعادًا عاديًا ولم
يعلموا علمًا مكينًا أن خرق العادة في زمن النبوّات يكاد أن يكون عادة فلا عجب إذًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المناقب وبني إسرائيل ومسلم في الفضائل والترمذي في المناقب
مقطعًا .
٥ - باب إذا قال اكْفِني مؤونةَ النَّخلِ أو غيرهِ وتُشْركُني في الثَّمرِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) صاحب النخل لغيره (اكفني مؤونة النخل) أي العمل فيه من
السقي والقيام عليه بما يتعلق به (أو) مؤونة (غيره) كالعنب، ولأبي ذر وغيره بإسقاط الألف
(وتشركني) بضم أوّله وكسر ثالثه مضارع أشرك ويجوز فتحهما مضارع شرك وكلاهما في الفرع
وأصله ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي وأنت تشركني والواو للحال والنصب بتقدير أن بعد الواو
(في الثمر) الذي يحصل من النخل أو الكرم جاز هذا القول.
٢٣٢٥ - حدثنا الحَكم بنُ نافعٍ أخبرَنا شُعَيبٌ حدَّثَنا أبو الزِّنادِ عنِ الأعرجِ عن أبي هريرةً
رضيَ اللَّهُ عنه قال: «قالتِ الأنصارُ للنبيِّ وَِّ: اقسِمْ بيننا وبينَ إخواننا النَّخيلَ. قال: لا. فقالوا:
تَكفونا المؤونةَ وَنشرككم في الثمرةِ. قالوا: سمعنا وأطَعْنا)). [الحديث ٢٣٢٥- طرفاه في:
٢٧١٩، ٣٧٨٢].
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) هو أبو اليمان الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي
حمزة الحمصي اسم أبيه دينار قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال قالت الأنصار للنبي (َّي) حين قدم
المدينة: يا رسول الله (اقسم بيننا وبين إخواننا) المهاجرين (النخيل) بكسر الخاء ثم تحتية ساكنة،
وللكشميهني: النخل بسكون الخاء والنخيل جمع نخل كالعبيد جمع عبد وهو جمع نادر (قال) وَلّى:
(لا) اقسم وإنما أبى ذلك لأنه علم أن الفتوح ستفتح عليهم فكره أن يخرج عنهم شيئًا من
رقبة نخيلهم التي بها قوام أمرهم شفقة عليهم فلما فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين امتثال ما
أمرهم به عليه الصلاة والسلام وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين (فقالوا) أي الأنصار للمهاجرين
أيها المهاجرون (تكفونا المؤونة) في النخل بتعهده بالسقي والتربية (ونشرككم) بفتح أوله وثالثه. قال

٣٠٩
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٦
ابن حجر: حسب والذي في الفرع وأصله بالوجهين كالسابق (في الثمرة) أي ويكون المتحصل من
الثمرة مشتركًا بيننا وبينكم وهذه عين المساقاة لكن لم يبينوا مقدار الأنصباء التي وقعت والمقرّر أن
الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها جزء معلوم كانت نصفين أو كان نصيب العامل في المساقاة معلومًا
بالعرف المنضبط فتركوا النص عليه اعتمادًا على ذلك العرف.
وقد أخرج المؤلف هذا الحديث بهذا السند بلفظ: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال لا
فقال تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة. قال البيضاوي: وهو خبر في معنى الأمر أي اكفونا تعب
القيام بتأبير النخل وسقيها وما يتوقف عليه صلاحها .
(قالوا) أي الأنصار والمهاجرون كلهم (سمعنا وأطعنا) أي امتثلنا أمر النبي ◌َّ فيما أشار إليه
قاله العيني.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الشروط وكذا النسائي.
٦ - باب قَطع الشجَرِ والنَّخلِ
وقال أنسٌ: أمرَ النبيُّ بِّرَ بِالنَّخلِ فَقُطِع.
(باب) حكم (قطع الشجر والنخل) بسكون الخاء للحاجة والمصلحة كإنكاء العدو. (وقال
أنس) مما وصله في باب نبش قبور الجاهلية في المساجد من كتاب الصلاة (أمر النبي وَلّ بالنخل
فقطع) وفيه الجواز للحاجة.
٠ ٢٣٢٦ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا جُوَيريةُ عن نافع عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنه:
((عنِ النبيِّ بَّهِ أَنْهُ حرَّقَ نخلَ بني النَّضيرِ وقَطَعَ، وهي البُويرةُ، ولها يقولُ حَسّانُ:
وَهانَ على سَراةِ بني لؤَي حَرِيق بالبُوَيرَةِ مُسْتطِيرُ
[الحديث ٢٣٢٦ - أطرافه في: ٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤].
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكى قال (حدّثنا جويرية) بن أسماء (عن نافع)
مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر (رضي الله عنه عن النبي (وَليقول: أنه حرق نخل بني النضير)
بفتح النون وكسر الضاد المعجمة قوم من اليهود (وقطع) شجرها (وهي البويرة) بضم الموحدة وفتح
الواو وسكون التحتية وبالراء موضع معروف من بلد بني النضير (ولها) للبويرة (يقول حسان) بدون
الصرف على أنه من الحس بغير نون وبالصرف على أنه من الحسن بالنون وهو ابن ثابت الخزرجي
الأنصاري (وهان) بالواو ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لهان باللام وللقابسي فيما ذكره العيني
هان فيكون فيه العضب بالمعجمة وهو خرم مفاعلتن (على سراة بني لؤي) بضم اللام وبعدها همزة
مفتوحة فتحتية مشددة أكابر قريش وسراة بفتح السين المهملة .

٣١٠
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٧
قال الجوهري جمع السريّ وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره وجمع السراة
سروات، وقد شدد السهيلي في الروض الأنف النكير في هذه المسألة على النحاة وقال: لا ينبغي أن
يقال في سراة القوم أنه جمع سري لا على القياس ولا على غير القياس، وإنما هو مثل كاهل القوم
وسنامهم، والعجب كيف خفي هذا على النحويين حتى قلد الخالف منهم السالف وساق فيه كلامًا
طويلاً حاصله أن السراة مفرد لا جمع، واستدل عليه بما تقف عليه من كلامه (حريق بالبويرة
مستطير) أي منتشر، ولما أنشد حسان هذا أجابه سفيان بن الحرث بقوله:
أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعير
وفي ذلك نزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة﴾ [الحشر: ٥]. وإنما قال حسان
ذلك لأن قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينه وبين
رسول الله وَيقل حتى خرج معهم إلى الخندق، وقيل إنما قطع النخل لأنها كانت تقابل القوم فقطعت
ليبرز مكانها فتكون مجالاً للحرب.
٧ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة.
٢٣٢٧ - حدثنا محمد أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنايحيى بنُ سعيدٍ عن حَنْظلةً بنِ
قَيسٍ الأنصاريُ سمِعَ رافعَ بنَ خَديجٍ قال: ((كنّا أكثرَ أهلِ المدينةِ مُزدَرَعًا، كنّا نُكْرِي الأرضَ
بالناحيةِ منها مُسمَّى لسيِّدِ الأرضِ، قال فممّا يُصابُ ذُلكَ وتَسْلمُ الأرضُ ومما يُصابُ الأرضُ
ويَسْلُمُ ذُلكَ، فتُهِينا. وأما الذَّهبُ والوَرِقُ فلم يكن يَومَئذٍ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد) ولأبوي ذر والوقت: ابن مقاتل قال (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال:
(أخبرنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن حنظلة بن قيس الأنصاري) الزرقي أنه (سمع رافع بن
خديج) بفتح الخاء المعجمة آخره جيم الأنصاري (قال: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعًا) هو مكان الزرع
أو مصدر أي كنا أكثر أهل المدينة زرعًا ونصبه على التمييز وأصله مزترعًا فأبدلت التاء دالاً لأن مخرج
التاء لا يوافق الزاي لشدتها (كنا نكري الأرض) بضم النون من الإكراء (بالناحية منها مسمى) القياس
مسماة لأنه حال من الناحية ولكنه ذكره باعتبار أن ناحية الشيء بعضه أو باعتبار الزرع (السيد
الأرض) أي مالكها تنزيلاً لها منزلة العبد وأطلق السيد عليه. (قال) رافع بن خديج (فمما) أي
كثيرًا ما، ولأبي ذر عن الكشميهني: فمهما (يصاب ذلك) البعض أي تقع عليه مصيبة ويتلف ذلك
(وتسلم الأرض) أي باقيها (ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك) البعض.
قال في المصابيح: الظاهر تخريج فمما على أنها بمعنى ربما على ما ذهب إليه السيرافي وابنا
طاهر وخروف والأعلم وخرجوا عليه قول سيبويه واعلم أنهم مما يحذفون كذا انتهى.

٣١١
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٨
ولأبي ذر: ومهما كالأول والأولى أولى لأن مهما تستعمل لأحد معانٍ ثلاثة:
أحدها: تضمن معنى الشرط فيما لا يعقل غير الزمان.
والثاني: الزمان والشرط وأنكر الزمخشري ذلك.
والثالث: الاستفهام ولا يناسب مهما إلا بالتعسف.
(فنهينا) عن هذا الإكراء على هذا الوجه لأنه موجب لحرمان أحد الطرفين فيؤدّي إلى الأكل
بالباطل. (وأما الذهب والورق) بكسر الراء وللأصيلي والفضة (فلم يكن يومئذ) يكري بهما ولم يرد
نفي وجودهما.
١
وهذا الباب بمنزلة الفصل من السابق لكن استشكل إدخال الحديث فيه حتى قيل إنه وضع في
غير موضعه من الناسخ. وأجيب: بأن وجه دخوله من حيث إن من اكترى أرضًا لمدة فله أن يزرع
ويغرس فيها ما شاء فإذا تَمت المدة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما فهو من إباحة قطع الشجر وهذا
كافٍ في المطابقة وفيه أن كراء الأرض بجزء مما يخرج منها منهي عنه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك
والشافعي .
وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي عن الصحابي، وأخرجه المؤلف أيضًا في المزارعة
والشروط ومسلم في البيوع وكذا أبو داود، وأخرجه النسائي في المزارعة وابن ماجة في الأحكام.
٨ - باب المُزارعةِ بالشَّطرِ ونحوهِ
وقال قيسُ بنُ مسلم عن أبي جعفر قال: ما بالمدينةِ أهلُ بيتِ هجرةٍ إلا يَزرَعونَ على الثُّلثِ
وَالرُّبع. وزارَعَ عليٍّ وسَعدُ بنُ مالكِ وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والقاسمُ وعُروةُ
ابن الزبير وآلُ أبي بكر وآلُ عمرَ وآلُ عليٍّ وابنُ سِيرينَ. وقال عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ: كنتُ أشارِكُ
عبدَ الرحمْنِ بنَ يَزِيدَ في الزَّرْعِ. وعامَلَ عمرُ الناسَ على إنْ جاءَ عمرُ بالبَذْرِ مِن عندهِ فلهُ الشَّطْرُ، وإن
جاؤوا بالبَذْرِ فلهم كذا. وقالَ الحسنُ: لا بأسَ أن تكونَ الأرضُ لأحدِهما فيُنْفِقانِ جميعًا، فما خرجَ
فهو بينَهما. ورأى ذلكَ الزُّهريّ. وقال الحسنُ: لا بأسَ أن يُجتَنى القُطْنُ على النّصفِ. وقال إبراهيمُ
وابنُ سِيرِينَ وعطاءٌ والحَكَم والزُّهريُّ وقتادة: لا بأسَ أن يُعطِيَ الثوبَ بالثُّلثِ أو الرُّبعِ ونحوه. وقال
مَعمرٌ: لا بأسَ أن تُكرَى الماشيةُ على الثُّلثِ أو الرُّبع إلى أَجَلٍ مُسمَّى.
(باب المزارعة بالشطر) وهو النصف (ونحوه. وقال قيس بن مسلم) هو ابن الجدلي الكوفي مما
وصله عبد الرزاق (عن أبي جعفر) محمد بن علي بن الحسين الباقر أنه (قال: ما بالمدينة أهل بيت
هجرة) أي مهاجري (إلا يزرعون على الثلث والربع) الواو بمعنى أو، وقوله في الفتح عاطفة على

٣١٢
کتاب الحرث والمزارعة/ باب ٨
الفعل لا على المجرور أي يزرعون على الثلث ويزرعون على الربع، تعقبه في عمدة القاري بأنه لا
يقال الحرف يعطف على الفعل، وإنما الواو بمعنى أو فإذا أبقيناها على أصلها يكون فيه حذف تقديره
وإلا يزرعون على الربع ولا يضر تفرّد قيس الكوفي بروايته هذا عن أبي جعفر المدني عن المدنيين
الراوين عنه فإن انفراد الثقة الحافظ غير مؤثر على أنه لم ينفرد به فقد وافقه غيره في بعض معناه كما
سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
(وزارع علي) هو ابن أبي طالب فيما وصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صليع عنه،
(وسعد بن مالك) وهو سعد بن أبي وقاص، (وعبد الله بن مسعود) فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة
أيضًا من طريق موسى بن طلحة، (وعمر بن عبد العزيز) فيما وصله أيضًا ابن أبي شيبة من طريق
خالد الحذاء (والقاسم) بن محمد فيما وصله عبد الرزاق، (وعروة بن الزبير) فيما وصله ابن أبي
شيبة أيضًا (وآل أبي بكر) الصديق (وآل عمر) بن الخطاب (وآل علي) بن أبي طالب فيما وصله ابن
أبي شيبة أيضًا وآل الرجل أهل بيته (وابن سيرين) محمد فيما وصله سعيد بن منصور.
(وقال عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد النخعي أبو بكر الكوفي فيما وصله ابن أبي شيبة:
(كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي وهو أخو الأسود بن يزيد وابن أخي
علقمة بن قيس (في الزرع) زاد ابن أبي شيبة فيه وأحمله إلى علقمة والأسود فلو رأيا به بأسًا لنهياني
عنه .
(وعامل عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (الناس على إن جاء) بكسر الهمزة (عمر بالبذر)
بالذال المعجمة (من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر) من عندهم (فلهم كذا) وهذا وصله ابن أبي
شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد أن عمر فذكر نحوه وهذا مرسل.
- وأخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: لما استخلف
عمر أجلى أهل نجران وأهل فدك وتيماء وأهل خيبر واشترى عقرهم وأموالهم واستعمل يعلى بن
أمية فأعطى البياض يعني بياض الأرض على أن كان البذر والبقر والحديد من عمر فلهم الثلث
ولعمر الثلثان وإن كان منهم فلهم الشطر، وأعطى النخل والعنب على أن له الثلثين ولهم الثلث
وهذا مرسل أيضًا فيتقوى أحدهما بالآخر، وكأن المصنف أبهم المقدار بقوله فلهم كذا لما وقع فيه من
الاختلاف لأن غرضه منه أن عمر أجاز المعاملة بالجزء.
وفي إيراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة
بمعنى واحد وهو وجه عند الشافعية والآخر أنهما مختلفا المعنى، فالمزارعة العمل في الأرض ببعض
ما يخرج منها والبذار من المالك والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل.
(وقال الحسن): البصري (لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فينفقان جميعًا) عليها (فما خرج)
منها (فهو بينهما) وهذا وصله سعيد بن منصور فيما قاله الحافظ ابن حجر قال العيني لم أجده بعد

٣١٣
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٨
الكشف. (ورأى ذلك) الذي قاله الحسن (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال ابن حجر: وصله
عبد الرزاق وابن أبي شيبة نحوه قال العيني لم أجده عندهما .
(وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن على النصف) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح الفوقية
مبنيًّا للمفعول والقطن رفع نائب عن الفاعل وهذا موصول فيما قاله الحافظ ابن حجر عند
عبد الرزاق ومثل القطن العصفر ولقاط الزيتون والحصاد وغير ذلك مما هو مجهول فأجازه جماعة من
التابعين وهو قول أحمد قياسًا على القراض لأنه يعمل بالمال على جزء منه معلوم لا يدرى مبلغه.
(وقال إبراهيم) النخعي مما وصله الأثرم (وابن سيرين) محمد مما وصله ابن أبي شيبة (وعطاء)
هو ابن أبي رباح (والحكم) بن عتيبة فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة كما قاله في الفتح وقال في
عمدة القاري: لم أجد ذلك عنده (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وقتادة) فيما وصله عنه ابن
أبي شيبة: (لا بأس أن يعطي الثوب) أي الغزل للنسّاج ينسجه وإطلاق الثوب عليه من باب المجاز،
ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: الثور (بالثلث أو الربع ونحوه) أي يكون الثلث أو الربع ونحوه
للنساج والباقي لمالك الغزل.
(وقال معمر): بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما ابن راشد مما وصله عبد الرزاق عنه،
وفي نسخة باليونينية وفرعها معتمر بالفوقية فلينظر (لا بأس أن تكون الماشية) ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر: تكرى الماشية (على الثلث أو الربع إلى أجل مسمى) أي ثلث الكراء الحاصل
منها أي بأن يكريها لحمل طعام مثلاً إلى مدة معلومة على أن يكون ذلك بينهما أثلاثًا أو أرباعًا،
ورأيت بهامش اليونينية ما لفظه وعند الحافظ أبي ذر على قوله إلى أجل مسمى علامة المستملي
والكشميهني وهو يدل على أنه عندهما دون الحموي وهو ثابت على ما تراه في روايته في هذا
الأصل، وكذا كل ما أشار إليه في المواضع المعلم عليها فاعلم ذلك وأمعن النظر فيه .
٢٣٢٨ - حدثنا إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ حدَّثَنا أنسُ بنُ عِياضٍ عن عُبَيدِ اللَّهِ عن نافعِ أنَّ
عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أخبرَه عن النبيّ وَِّ عاملَ خَيبرَ بِشَطْرِ ما يَخرُجُ منها مِن ثمرٍ أو
زَرعٍ، فكان يُعطي أزواجَهُ مائةَ وَسْقٍ. ثمانونَ وَسقَ تمر، وعشرونَ وسقَ شَعيرٍ. فَقَسَمَ عمرُ خَيِبرَ
فخَيَّرَ أزواجَ النبيِّ وَّرِ أن يُقْطِعَ لهنَّ منَ الماءِ والأرضِ، أو يُمضِيَ لهنَّ؟ فمنهنَّ مَنِ اختارَ الأرضَ
ومنهنَّ مَنِ اختارَ الوَسقَ، وكانت عائشةُ اختارَتِ الأرضَ.
وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا أنس بن عياض) الليثي (عن
عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
أخبره عن النبي) ولأبي ذر: أن النبي (3َ﴿﴿):

٣١٤
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٨
(عامل) أهل (خيبر بشطر) بنصف (ما يخرج منها من ثمر) بالمثلثة إشارة إلى المساقاة (أو زرع)
إشارة إلى المزارعة (فكان يعطي أزواجه) رضي الله عنهن (مائة وسق) بفتح الواو وكسرها كما في
التاليين في الفرع وأصله الوسق ستون صاعًا بصاع النبي وَلقر منها (ثمانون وسق تمر و) منها
(عشرون وسق شعير) وسق نصب على التمييز في الموضعين مضاف فيهما للاحقه، وللكشميهني
ثمانين وعشرين بالنصب فيهما. (فقسم) بالفاء ولأبي ذر وقسم (عمر خيبر) كذا بإثبات خيبر في
الفرع وغيره مما وقفت عليه من الأصول وقول الحافظ ابن حجر قوله: وقسم عمر أي خيبر وصرّح
بذلك أحمد في روايته عن ابن نمير عن عبيد الله بن عمر مقتضاه أن رواية البخاري بحذفه ليس إلا
فلينظر (فخير أزواج النبي ◌َ﴿ أن يقطع لهن) بضم الياء وسكون القاف من الإقطاع (من الماء
والأرض أو يمضي لهن) أي يجري لهن قسمتهن على ما كان في حياة رسول الله وَل كما كان من
التمر والشعير، (فمنهنّ من اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الوسق، وكانت عائشة) رضي الله عنها
(اختارت الأرض).
وفي هذا الحديث جواز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي وّير لذلك واستمراره في عهد أبي بكر
إلى أن أجلاهم عمر رضي الله عنهما، وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي، وصنّف فيهما ابن
خزيمة جزءًا بيّن فيه علل الأحاديث الواردة بالنهي عنهما وجمع بين أحاديث الباب، ثم تابعه الخطابي
وقال: ضعف أحمد بن حنبل حديث النهي وقال هو مضطرب، وقال الخطابي وأبطلها مالك وأبو
حنيفة والشافعي لأنهم لم يقفوا على علته قال فالمزارعة جائزة وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار لا
يبطل العمل بها أحد هذا كلام الخطابي، والمختار جواز المزارعة والمخابرة وتأويل الأحاديث على ما
إذا شرط لواحد زرع قطعة معينة ولآخر أخرى، والمعروف في المذهب إبطالهما فمتى أفردت الأرض
بمخابرة أو مزارعة بطل العقد، وإذا بطلتا فتكون الغلة لصاحب البذر لأنها نماء ماله فإن كان البذر
للعامل فلصاحب الأرض عليه أجرتها أو المالك فللعامل عليه أجرة مثل عمله وعمل ما يتعلق به من
آلاته كالبقر إن حصل من الزرع شيء أو لهما فعلى كلٌّ منهما أجرة مثل عمل الآخر بنفسه وآلاته في
حصته، لذلك فإن أراد أن يكون الزرع بينهما على وجه مشروع بحيث لا يرجع أحدهما على الآخر
بشيء فليستأجر العامل من المالك نصف الأرض بنصف منافعه ومنافع آلاته ونصف البذر إن كان
منه، وإن كان البذر من المالك استأجر المالك العامل بنصف البذر ليزرع له نصف الأرض ويعيره
نصف الأرض الآخر وإن شاء استأجره بنصف البذر ونصف منفعة تلك الأرض ليزرع له باقيه في
باقيها وإن كان البذر لهما آجره نصف الأرض بنصف منفعته ومنفعة آلاته أو أعاره نصف الأرض
وتبرع العامل بمنفعة بدنه وآلته فيما يخص المالك أو أكراه نصفها بدينار مثلاً واكترى العامل ليعمل
على نصيبه بنفسه وآلته بدینار وتقاصًا.
وفي الحديث أيضًا جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر
كالخوخ والمشمش بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور وخصّه الشافعي في الجديد

٣١٥
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ٩ و١٠
بالنخل وكذا شجر العنب لأنه في معنى النخل بجامع وجوب الزكاة وتأتي الخرص في ثمرتيهما
فجوّزت المساقاة فيهما سعيًا في تثميرهما رفقًا بالمالك والعامل والمساكين، واختار النووي في
تصحيحه صحتها على سائر الأشجار المثمرة وهو القول القديم، واختاره السبكي فيها إن احتاجت
إلى عمل ومحل المنع أن تفرد بالمساقاة فإن ساقاه عليها تبعًا لنخل أو عنب صحّت كالمزارعة وألحق
المقل بالنخل. وقال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز المساقاة بحال لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة،
وجوّزها أبو يوسف ومحمد وبه يفتي لأنها عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة لأن
المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول، وقد صح عقد الإجارة مع أن المنافع
معدومة وكذلك هنا وأيضًا فالقياس في إبطال نص أو إجماع مردود.
٩ - باب إذا لم يَشتَرِطِ السِّنينَ في المزارَعة
(باب) بالتنوين (إذا لم يشترط) المالك للأرض (السنين) المعلومة (في) عقد (المزارعة).
٢٣٢٩ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ عن عُبَيدِ اللَّهِ حدَّثَني نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ
اللَّهُ عنهما قال: ((عامَلَ النبيُّ ◌َلّهِ خَيِبرَ بِشَطرِ ما يخرُجُ منها من ثمَرٍ أو زَزْع)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن
عبيد الله بن عمر العمري قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله
عنهما) أنه (قال: عامل النبي ◌َّة) أهل (خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر) بالمثلثة (أو زرع) للتنويع ولم
يقع في شيء من طرق هذا الحديث التقييد بسنين معلومة وفيه جواز ذلك فللمالك أن يخرج العامل
متى أراد وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة والمزارعة .
١٠ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو بمنزلة الفصل من السابق.
٢٣٣٠ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا سُفيانُ قال عمروٌ: ((قلتُ لطاوُسٍ: لو تَرَكتَ
المُخابَرَةَ، فإنهم يَزْعُمونَ أنَّ النبيَّ وَّ نَهى عنه. قال: أيْ عمرُو، إني أُعطِيهم وأُغنيهم. وإنَّ
أَعلَمَهم أخبرَني - يعني ابنَ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما - أنَّ النبيَّ وَِّ لم يَنْهَ عنهُ، ولكنْ قال: أن
يَمنحَ أحدُكم أخاهُ خَيرٌ لهُ مِن أن يَأْخُذَ عليهِ خَرْجًا مَعلومًا)). [الحديث ٢٣٣٠ - طرفاه في:
٢٣٤٢، ٢٦٣٤].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو) هو ابن
دينار (قلت لطاوس: لو تركت المخابرة) وهي كما مرّ العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر

٣١٦
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ١٠
من العامل وجواب لو محذوف تقديره لكان خيرًا أو لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب (فإنهم) أي
رافع بن اخديج وعمومته والثابت بن الضحاك وجابر بن عبد الله ومن روى منهم والفاء للتعليل
(يزعمون أن النبي) أي يقولون أنه (قَ ليل نهى عنه) أي عن الزرع على طريق المخابرة (قال) طاوس (أي
عمرو) يعني يا عمرو (إني) ولأبي ذر: فإني (أعطيهم) بضم الهمزة من الإعطاء (وأغنيهم) بضم
الهمزة وسكون الغين المعجمة من الإغناء وفي رواية وأعينهم بضم الهمزة وكسر العين المهملة
وبعدها تحتية ساكنة من الإعانة كذا للمستملي والحموي كما في فتح الباري، وتبعه في عمدة القاري
وكذا هي في الأصل المقروء على الميدومي، وصوّب الحافظ ابن حجر الثانية، ولأبي ذر عن
الكشميهني كما في الفرع وأصله وأعينهم بضم الهمزة وسكون العين المهملة وكسر النون بعدها تحتية
ساكنة فلينظر.
(وإن أعلمهم) أي الذين يزعمون أنه وَ لّ نهى عن ذلك (أخبرني يعني ابن عباس رضي الله
عنهما أن النبي وَّه لم ينه عن) أي عن الزرع على طريق المخابرة ولا يقال هذا يعارض النهي عنه لأن
النهي كان فيما يشترطون فيه شرطًا فاسدًا وعدمه فيما لم يكن كذلك أو المراد بالإثبات نهي التنزيه
وبالنفي نهي التحريم، (ولكن قال) عليه الصلاة والسلام:
(أن) بفتح الهمزة وسكون النون (يمنح أحدكم أخاه خير له) بفتح أول يمنح وآخره ولأبي ذر إن
بكسر الهمزة وسكون النون يمنح بفتح أوله وسكون آخره وقول الحافظ ابن حجر: إن الأولى تعليلية
والأخرى شرطية، تعقبه العيني فقال: ليس كذلك بل أن بفتح الهمزة مصدرية ولام الابتداء مقدّرة
قبلها والمصدر المضاف إلى أحدكم مبتدأ خبره قوله خير له وقد جاء أن بالفتح بمعنى أن بالكسر
الشرطية فحينئذ يمنح مجزوم به وجواب الشرط خير لكن فيه حذف تقديره فهو خير له وقول
الزركشي وفي يمنح فتح النون وكسرها مع ضم أوله فإنه يقال منحته وأمنحته إذا أعطيته لم أقف
عليه في شيء من نسخ البخاري كذلك والله أعلم.
وقد وقع في رواية الطحاوي: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له (من أن يأخذ) أي من
أخذه (عليه خرجًا معلومًا) أي أجرة معلومة .
ومناسبة هذا الحديث للباب السابق من جهة أن فيه للعامل جزءًا معلومًا وهنا لو ترك مالك
الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه وفيه جواز أخذ الأجرة لأن الأولوية لا
تنافي الجواز.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المزارعة والهبة، ومسلم، وأبو داود في البيوع، والترمذي وابن
ماجة في الأحكام، والنسائي في المزارعة.

٣١٧
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ١١ و١٢
١١ - باب المزارَعةِ معَ اليهود
(باب) حكم (المزارعة مع اليهود) أي وغيرهم من أهل الذمة.
٢٣٣١ - حدثنا ابنَ مقاتل أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرنا عُبَيدُ اللَّهِ عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ
رضيَ اللَّهُ عنهما ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَ أعطى خَيبرَ اليهودَ على أن يعملوها ويَزْرَعوها ولهم شطرُ ما
يخرُجُ منها)).
وبه قال: (حدّثنا ابن مقاتل) المروزي ولأبي ذر محمد المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا
عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر
(عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ◌َ﴿ أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها) أي
يتعاهدوا أشجارها بالسقي وإصلاح مجاري الماء وتقليب الأرض بالمساحي وقلبها للحرث وتلقيح
الشجر وقطع المضر بالشجر من الحشيش ونحوه وغير ذلك (ويزرعوها ولهم شطر) أي نصف (ما
يخرج منها) زاد في الرواية السابقة في باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة من ثمر أو زرع.
واعلم أن اليهود استمروا على هذه المعاملة إلى صدر من خلافة عمر رضي الله عنه فبلغه قول
النبي ◌َّ في وجعه: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان فأجلاهم عنها، والذي ذهب إليه الأكثرون
المنع من كراء الأرض بجزء مما يخرج منها، وحمل بعضهم هذا الحديث على أن المعاملة كانت مساقاة
على النخل والبياض المتخلل بين النخيل كان يسيرًا فتقع المزارعة تبعاً للمساقاة، وذهب غيره إلى أن
صورة هذه صورة المعاملة وليست لها حقيقتها فإن الأرض كانت قد ملكت بالاغتنام والقوم صاروا
عبيدًا فالأموال كلها للنبي وَّر، والذي جعل لهم منها بعض ماله لينتفعوا به لا على أنه حقيقة
المعاملة، وهذا يتوقف على إثبات أن أهل خيبر استرقوا فإنه ليس بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق
للبالغین قاله ابن دقيق العيد.
وقد سبق ما في الحديث قريبًا ومراد البخاري بهذه الترجمة الإعلام بأنه لا فرق في جواز هذه
المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة.
١٢ - باب ما يُكرَهُ من الشروطِ في المزارعة
(باب) بيان (ما يكره من الشروط في المزارعة).
٢٣٣٢ - حدثنا صَدَقةُ بن الفضلِ أخبرنا ابنُ عُيَينةَ عن يحيى سمعَ حَنْظلةَ الزُّرَقِيَّ عن رافعٍ
رضيَ اللهُ عنه قال: ((كنا أكثرَ أهل المدينةِ حَقْلاً، وكان أحدُنا يُكرِي أرضَهُ فيقول: هُذهِ القِطعةُ لي
وهُذهِ لك، فرُبما أخرَجَت ذِهِ ولم تُخرِجْ ذِهِ، فَنهاهُمُ النبيُّ نَّا)).

٣١٨
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ١٣
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) أبو الفضل المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن
يحيى) بن سعيد الأنصاري أنه (سمع حنظلة) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة ابن
قيس (الزرقي عن رافع) هو ابن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال وبعد التحتية جيم (رضي الله
عنه) أنه (قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلاً) بفتح الحاء المهملة وسكون القاف والنصب على التمييز أي
زرعًا والمحاقلة بيع الطعام في سنبله وقيل اشتراء الزرع بالحنطة، وقيل المزارعة بالثلث وبالربع
وغيرهما وقيل كراء الأرض بالحنطة، (وكان أحدنا يكري أرضه فيقول) بالفاء ولأبي الوقت ويقول
(هذه القطعة) من الأرض (لي وهذه) القطعة منها (لك فربما أخرجت ذه) بكسر الذال المعجمة
وسكون الهاء وبكسرها كما في اليونينية ويكون بالاختلاس والإشباع والأصل ذي فجيء بالهاء
للوقف أو لبيان اللفظ إشارة إلى القطعة من الأرض وهي من الأسماء المبهمة التي يشار بها إلى
المؤنث، (ولم تخرج ذه) يعني ربما تخرج هذه القطعة المستثناة ولم تخرج سواها أو بالعكس فيفوز
صاحب هذه بكل ما حصل ويضيع حق الآخر بالكلية (فنهاهم النبي (وَّر) عن ذلك لما فيه من
حصول المخاطرة المنهي عنها .
وموضع الترجمة قوله هذه القطعة الخ ... ولا ريب أن هذا يؤدّي إلى النزاع على ما لا يخفى.
وقد سبق هذا الحدیث قريبًا .
١٣ - باب إذا زَرَعَ بمالِ قومٍ بغَيرِ إذنهم، وكان في ذلكَ صلاحٌ لهم
هذا (باب) بالتنوين (إذا زرع) أحد (بمال قوم بغير إذنهم وكان في ذلك) الزرع (صلاح لهم)
لمن يكون الزرع.
٢٣٣٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أبو ضَمْرةَ حدَّثَنا موسى بن عُقْبةَ عن نافعٍ عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما عنِ النبيِّ نَّه قال: ((بينما ثلاثةُ نَفَر يمشون أخَذَهُم المطرُ،
فأوَوْا إلى غارِ في جَبلٍ، فانحطَّتْ على فم غارِهم صَخرةٌ من الجبلِ فانطبقتْ عليهم، فقال
بعضُهم لبعضٍ: انظُروا أعمالاً عملْتُموها صالحةً لله فادعوا الله لعلهُ يُفَرِّجُها عنكم. قال
أحدُهم: اللهمَّ إنهُ كان لي والِدانِ شَيخانٍ كبيرانٍ، ولي صِبْيةٌ صغارٌ كُنْتُ أرعى عليهم فإذا رُحتُ
عليهم حَلَبتُ فبدأتُ بوالِدَيَّ أسقِيهِما قبلَ بَنِيَّ. وإني استأخرتُ ذاتَ يومٍ فلم آتِ حتّى أمسَيتُ
فوجَدْتُهُما ناما، فحلَبتُ كما كنتُ أحلُبُ، فقمتُ عندَ رُؤُوسِهما أكرَهُ أن أُوقِظَهما، وأكرَهُ أن أسْقي
الصِّبيةَ والصبيةُ يَتَضاغَوْنَ عندَ قَدَميَّ حتى طلعَ الفجرُ، فإن كنتَ تَعلَم أني فعَلتَهُ ابْتِغَاءَ وَجهِكَ فافرُجْ
لنا فُرْجةً نَرَى منها السماءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ فرَأَوُا السماءَ. وقال الآخرُ اللهمَّ إنها كانت لي بنتُ عمِّ
أحبَبْتُها كأشدِ ما يُحبُّ الرجالُ النساءَ، فطلبتُ منها فأبَتْ حتّى أتيتُها بمائةِ دِينارٍ فبغيْتُ حتى
جمعتها، فلما وقعتُ بين رِجِلَيها قالت: يا عبدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ ولا تَفتَحِ الخاتَمَ إلا بحقٌّهِ، فقُمتُ،

٣١٩
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ١٣
فإن كنتَ تَعلَم أني فعلتهُ ابْتِغَاءَ وَجهِكَ فافرُجْ عّا فَرجةٌ، فَفَرَج. وقال الثالثُ: اللهمَّ إني استأجَرتُ
أجِيرًا بِفَرَقِ أرُزٍ، فلما قَضى عَملَهُ قال: أعطِنِي حَقِّي، فعَرَضْتُ عليهِ فرَغِبَ عنه، فلم أزَلْ أزْرَعُهُ
حتّى جَمعتُ منهُ بقرًا وَرَاعِيها، فجاءني فقال: اتَّقِ اللَّهَ. فقلتُ: اذهَبْ إلى ذُلكَ البقر ورعاتِها
فخُذْ. فقال: اتَّقِ اللَّهَ ولا تَستَهزىء بي. فقلتُ: إني لا أستهزىءُ بكَ، فخُذْ. فأخذَهُ. فإن كنتَ
تعلمُ أني فعلتُ ذُلِكَ ابْتِغَاءَ وَجهِكَ فافرُجْ ما بقي. فَفَرَجَ اللَّهُ)).
قال أبو عبدِ اللَّهِ: وقال ابنُ عُقبةَ عن نافعٍ ((فسعَيتُ)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني (إبراهيم بن المنذر) الحمامي قال (حدّثنا أبو ضمرة)
بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين المهملة
وسكون القاف (عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي وَّر) أنه (قال):
(بينما) بالميم (ثلاثة نفر) لم يعرف اسمهم. زاد الطبراني من حديث عقبة بن عامر من بني
إسرائيل حال كونهم (يمشون) وعند ابن حبان والبزار من حديث أبي هريرة والطبراني من حديث
عقبة بن عامر أنهم خرجوا يرتادون لأهليهم (أخذهم المطر فأووا) بقصر الهمزة (إلى غار) كائن (في
جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم) وعند الطبراني من حديث
النعمان بن بشير إذ وقع حجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سدّ فم الغار (فقال بعضهم
لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله) بالنصب صفة لأعمالاً. ولأبي ذر عن الكشميهني:
خالصة لله (فادعوا الله لعله يفرّجها عنكم) بضم المثناة التحتية وفتح الفاء وتشديد الراء مكسورة ولأبي
ذر يفرجها بفتح التحتية وسكون الفاء وضم الراء ولأبي الوقت يفرجها كذلك لكن بكسر الراء (قال
أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية) بكسر الصاد جمع صبي (صغار كنت أرعى
عليهم فإذا رحت عليهم حلبت) غنمي (فبدأت بوالديّ أسقيهما) بفتح الهمزة (قبل بنيّ) الصبية (وإني
استأخرت) بالخاء المعجمة وعند مسلم من طريق أبي ضمرة وإني نأى بي ذات يوم الشجر أي أنه
استطرد مع غنمه في الرعي إلى أن بعد عن مكانه زيادة على العادة فلذلك استأخر (ذات يوم فلم)
بالفاء، ولأبوي ذر والوقت: ولم (آت) بهمزة مفتوحة ممدودة أي لم أجىء (حتى أمسيت) دخلت في
المساء (فوجدتهما ناما) وللكشميهني نائمين (فحلبت) الغنم (كما كنت أحلب فقمت عند رؤوسهما
أكره أن أوقظهما) من نومهما فيشق ذلك عليهما (وأكره أن أسقي الصبية) قبلهما (والصبية
يتضاغون) بالضاد والعين المعجمتين يتصايحون بالبكاء بسبب الجوع (عند قدميّ) بفتح الميم وتشديد
التحتية بلفظ التثنية (حتى طلع الفجر) زاد من طريق سالم عن أبيه فاستيقظا فشربا غبوقهما (فإن كنت
تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك). استشكل هذا من حيث إن المؤمن يعلم قطعًا أن الله تعالى يعلم ذلك.
وأجيب: بأنه تردّد في عمله ذلك هل له اعتبار عند الله أم لا؟ فكأنه قال: إن كان عملي ذلك مقبولاً
عندك (فافرج) بهمزة وصل مع ضم الراء، ولأبي الوقت: فأفرج بقطع الهمزة وكسر الراء (لنا فرجة)

٣٢٠
كتاب الحرث والمزارعة/ باب ١٣
بفتح الفاء وأصله، وقال في القاموس والفرجة مثلثة (نرى منها السماء ففرج الله) بتخفيف الراء
وتشدد أي كشف الله (فرأوا السماء).
(وقال الآخر: اللهم إنها) أي القصة (كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء)
الكاف زائدة أو أراد تشبيه محبته بأشدّ المحاب (فطلبت منها) ما يطلب الرجل من المرأة وهو الوطء
(فأبت حتى) ولأبي ذر عن الكشميهني: فأبت علي حتى (أتيتها) بهمزة مقصورة ففوقية مفتوحة وبعد
التحتية الساكنة فوقية أخرى ولأبي ذر آتيها بمد الهمزة وكسر الفوقية وأسقط الأخرى (بمائة دينار
فبغيت) بالموحدة وفتح الغين المعجمة وسكون التحتية أي نظرت وطلبت، ولأبي الوقت: فتعبت
بفوقية وعين مهملة مكسورة فموحدة ساكنة من التعب (حتى جمعتها) وأعطيتها إياها وخلت بيني
وبين نفسها (فلما وقعت بين رجليها) لأطأها (قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم) أي الفرج
(إلا بحقه) أي لا يحل لك أن تطأني إلا بتزويج صحيح وبين في رواية سالم سبب إجابتها بعد
امتناعها فقال: فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة قحط فجاءتني.
وفي حديث النعمان بن بشير عند الطبراني أنها ترددت إليه ثلاث مرات تطلب إليه شيئًا من
معروفه ويأبى عليها إلا أن تمكّنه من نفسها فأجابت في الثالثة بعد أن استأذنت زوجها فأذن لها وقال
لها: أغني عيالك. قال: فرجعت فناشدتني بالله فأبيت عليها فأسلمت إليّ نفسها فلما كشفتها
ارتعدت من تحتي فقلت: ما لك؟ فقالت: أخاف الله ربّ العالمين. فقلت: خفتيه في الشدة ولم
أخفه في الرخاء (فقمت) أي وتركتها والذهب الذي أعطيتها (فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء
وجهك) وفي ذكر بني إسرائيل: فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، وفي الطبراني عن
علي: من مخافتك وابتغاء مرضاتك (فافرج) بهمزة وصل وضم الراء (عنّا فرجة) بفتح الفاء وتضم
وتكسر لم يقل في هذه نرى منها السماء (ففرج) حذف الفاعل للعلم به أي ففرج الله .
(وقال الثالث: اللهمَّ إني استأجرت أجيرًا) واحدًا وفي رواية سالم أجراء (بفرق أرز) بفتح الفاء
والراء بعدها قاف وقد تسكن الراء قال في القاموس: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع أو يسع ستة
عشر رطلاً والأرز فيه ست لغات فتح الألف وضمها مع ضم الراء وتضم الألف مع سكون الراء
وتخفيف الزاي وتشديدها والرواية هنا بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي، (فلما قضى عمله)
الذي استأجرته عليه (قال) ولأبي ذر فقال (أعطني) بهمزة قطع مفتوحة (حقي فعرضت عليه) أي
حقه (فرغب عنه) ولم يأخذه (فلم أزل أزرعه) بالجزم (حتى جمعت منه بقرًا وراعيها) بالإفراد، ولأبي
ذر عن الحموي والمستملي: ورعاتها (فجاءني فقال اتق الله فقلت) ولأبي الوقت قلت (اذهب إلى ذلك)
بالتذكير باعتبار اللفظ وللمستملي إلى تلك (البقر ورعاتها) بالجمع (فخذ) بإسقاط ضمير المفعول
(فقال: اتق الله ولا تستهزىء بي) بالجزم على الأمر (فقلت) ولأبي ذر فقال وهو من باب الالتفات
(إني لا أستهزىء بك فخذ) بإسقاط الضمير أيضًا (فأخذه فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء
وجهك فافرج) عنّا (ما بقي) من الصخرة (ففرج الله) أي عنهم وخرجوا يمشون.