Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب الإجارة/ باب ١٦
الضاد المعجمة وتشديد التحتية ويروى يضيفوهم بكسر الضاد والتخفيف (فلدغ) بضم اللام وكسر
الدال المهملة لا المعجمة وسها الزركشي وبالغين المعجمة مبنيًّا للمفعول أي لسع (سيد ذلك الحي) أي
بعقرب كما في الترمذي ولم يسم سيد الحي (فسعوا له بكل شيء) مما جرت العادة أن يتداووا به من
لدغة العقرب، وللكشميهني: فشفوا بفتح الشين المعجمة والفاء وسكون الواو أي طلبوا له الشفاء
أي عالجوه بما يشفيه وقد زعم السفاقسي أنها تصحيف (لا ينفعه شيء فقال بعضهم) لبعض: (لو
أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا) عندكم (لعله) وللكشميهني: لعل بإسقاط الهاء (أن يكون عند
بعضهم شيء) يداويه (فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا) وللكشميهني: وشفينا (له
بكل شيء لا ينفعه) في رواية معبد بن سيرين أن الذي جاءهم جارية منهم فيحمل على أنه كان معها
غيرها (فهل عند أحد منكم من شيء) زاد أبو داود من هذا الوجه: ينفع صاحبنا، وزاد البزار فقالوا
لهم: قد بلغنا أن صاحبكم جاء بالنور والشفاء. قالوا: نعم (فقال بعضهم) هو أبو سعيد الراوي
كما في بعض روايات مسلم (نعم والله أني لأرقي) بفتح الهمزة وكسر القاف (ولكن) بالتخفيف (والله
لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً) بضم الجيم وسكون العين ما
يعطى على العمل (فصالحوهم) أي وافقوهم (على قطيع من الغنم). وفي رواية النسائي ثلاثون شاة
وهو مناسب لعدد السرية كما مرّ فكأنهم اعتبروا عددهم فجعلوا لكل واحد شاة، (فانطلق) الراقي
إلى الملدوغ وجعل (يتفل عليه) بفتح المثناة التحتية وسكون الفوقية وكسر الفاء وتضم ينفخ نفخًا معه
أدنى بزاق. قال العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة في بهجة النفوس: محل التفل في الرقية بعد
القراءة لتحصل بركة الريق في الجوارح التي يمرّ عليها فتحصل البركة في الريق الذي يتفله (ويقرأ
الحمد لله رب العالمين) الفاتحة إلى آخرها، وفي رواية الأعمش عند(١) سبع مرات، وفي حديث جابر
ثلاث مرات والحكم للزائد (فكأنما نشط) بضم النون وكسر الشين المعجمة من الثلاثي المجرد أي
حل (من عقال) بكسر العين المهملة وبعدها قاف حبل يشد به ذراع البهيمة، لكن قال الخطابي: إن
المشهور أن يقال في الحلّ أنشط بالهمزة وفي العقد نشط، وقال ابن الأثير وكثيرًا ما يجيء في الرواية
كأنما نشط من عقال وليس بصحيح يقال: نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها. وفي
القاموس كالصحاح والحبل كنصر عقده كنشطه وأنشطه حلّه، ونقل في المصابيح عن الهروي أنه
رواه كأنما أنشط من عقال. وعن السفاقسي أنه كذلك في بعض الروايات همهنا، (فانطلق) الملدوغ
حال كونه (يمشي وما به قلبة) بحركات أي علة وسمي بذلك لأن الذي تصيبه يتقلب من جنب إلى
جنب ليعلم موضع الداء منه، ونقل عن خط الدمياطي أنه داء مأخوذ من القلاب يأخذ البعير فيشتكي
منه قلبه فيموت من يومه. (قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه) وهو الثلاثون شاة (فقال
بعضهم: اقسموا فقال الذي رقى) بفتح الراء والقاف (لا تفعلوا) ما ذكرتم من القسمة (حتى نأتي
النبي ◌َّر فنذكر له) بنصب نذكر عطفًا على نأتي المنصوب بأن المضمرة بعد حتى (الذي كان) من
أمرنا هذا (فننظر) نصب عطفًا على المنصوب (ما يأمرنا) به فنتبعه وفي رواية الأعمش فلما قبضنا
(١) هكذا بیاض بأصله.
إرشاد الساري/ ج ٥/ م ١٦

٢٤٢٠
كتاب الإجارة/ باب ١٧
الغنم عرض في أنفسنا منها شيء (فقدموا على رسول الله وَّلخير) المدينة (فذكروا له) القصة (فقال) عليه
الصلاة والسلام للراقي :
(وما يدريك أنها) أي الفاتحة (رقية) بضم الراء وإسكان القاف. قال الداودي: معناه وما
أدراك؟ قال: ولعله المحفوظ لأن ابن عيينة قال: إذا قيل وما يدريك فلم يدره وما قيل فيه وما أدراك
فقد علمه. وأجاب ابن التين: بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن وإلاّ فلا فرق بينهما
في اللغة وعند الدارقطني وما علمك أنها رقية قال حق ألقي إلّ في روعي. (ثم قال) عليه الصلاة
والسلام (قد أصبتم) في الرقية أو في توقفكم عن التصرف في الجعل حتى استأذنتموني أو أعمّ من
ذلك (اقسموا) الجعل بينكم (واضربوا) اجعلوا (لي معكم) منه (سهمًا) أي نصيبًا والأمر بالقسمة من
باب مكارم الأخلاق وإلا فالجميع للراقي وإنما قال اضربوا تطييبًا لقلوبهم ومبالغة في أنه حلال لا
شبهة فيه (فضحك رسول الله) ولأبوي ذر والوقت: النبي (مَّدٍ).
(قال أبو عبد الله) البخاري (وقال شعبة) بن الحجاج فيما وصله الترمذي والمؤلف في الطب
لكن بالعنعنة: (حدّثنا أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية السابق قال: (سمعت أبا المتوكل) الناجي
(بهذا) الحديث السابق، وفائدة ذكره هذا تصريح أبي بشر بالسماع ومتابعة شعبة لأبي عوانة على
الإسناد، وقد تابع أبا عوانة أيضًا هشيم كما في مسلم والنسائي وخالفهم الأعمش فرواه عن
جعفر بن أبي وحشية عن أبي نضرة عن أبي سعيد فجعل بدل أبي المتوكل أبا نضرة أخرجه الترمذي
والنسائي وابن ماجة، وليس الحديث مضطربًا بل الطريقان محفوظان قاله في الفتح وقد سقط قوله
قال أبو عبد الله الخ ... في رواية الحموي، وثبت للمستملي والكشميهني.
ومباحث هذا الحديث وما يستنبط منه تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الطب، ومطابقته للترجمة
واضحة وفيه أن رجاله كلهم مذكورون. بالكنى وهو غريب جدًا وكلهم بصريون غير أبي عوانة
فواسطي، وأخرجه المؤلف في الطب أيضًا وكذا مسلم، وأخرجه أبو داود فيه وفي البيوع والترمذي
فيه وكذا النسائي وابن ماجة في التجارات.
١٧ - باب ضَريبةِ العبدِ، وتعاهُدٍ ضَرائبٍ الإماءِ
(باب) حكم (ضريبة العبد) بفتح الضاد المعجمة فعيلة بمعنى مفعولة ما يقرره السيد على عبده
في كل يوم (و) بيان (تعاهد ضرائب الإماء).
٢٢٧٧ - حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ حدَّثَنَا سُفيانُ عن حُميدِ الطويلِ عن أنسٍ بنِ مالكِ رضيَ
اللَّهُ عنه قال: ((حَجمَ أبو طَيْبَةَ النبيَّ نَّهِ فأمرَ لهُ بصاعٍ أو صاعَينِ من طعامٍ، وكلَّمَ مَواليَهُ فَخَفّفَ عن
غَلَّتِهِ أو ضَریبتهِ)).

٢٤٣
كتاب الإجارة/ باب ١٨
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي بكسر الموحدة البخاري قال: (حدّثنا سفيان) بن
عيينة (عن حميد الطويل) أبي عبيدة البصري (عن أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال: حجم
أبو طيبة) اسمه نافع على الصحيح (النبي ◌َّ فأمر له بصاع أو صاعين من طعام) شك الراوي، وفي
باب ذكر الحجام من كتاب البيوع فأمر له بصاع من تمر (وكلم مواليه) هم بنو حارثة على الصحيح
ومولاه منهم محيصة بن مسعود، وإنما جمع الموالي مجازًا كما مر (فخفّف) بفتح الخاء المعجمة وفي
نسخة فخفّف بضمها مبنيًّا للمفعول (عن غلته) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام (أو) قال (ضريبته)
وهما بمعنى والشك من الراوي.
ومناسبته للترجمة واضحة وأما ضرائب الإماء فبالقياس واختصاصها بالتعاهد لكونها مظنة
لتطرق الفساد في الأغلب، وإلاّ فكما يخشى من اكتساب الأمة بفرجها يخشى من اكتساب العبد
بالسرقة مثلاً والحديث سبق في البيع.
١٨ - باب خَراجِ الحجّامِ
(باب خراج الحجام).
٢٢٧٨ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا وُهَيبٌ حدَّثَنا ابنُ طاوُسٍٍ عن أبيهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ
رضيَ اللهُ عنهما قال: ((احْتَجَم النبيُّ وَّرَ وأعطى الحجّامَ أجرَه)).
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري البصري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو
مصغرًا ابن خالد الباهلي البصري قال: (حدّثنا ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن ابن
عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: احتجم النبي وَله وأعطى الحجّام) أبا طيبة نافعًا (أجره) بفتح
الهمزة أي صاعًا من تمر وزاد في البيع ولو كان حرامًا لم يعطه ونحوه في الحديث اللاحق وهو نص
في إباحتها، وإليه ذهب الجمهور وحملوا ما ورد في الزجر عنه على التنزيه وذهب الإمام أحمد وغيره
إلى الفرق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة ومنعوه الإنفاق منها على نفسه وأباحوا
إنفاقها على عبده ودابته وأباحوها للعبد مطلقًا لحديث محيصة عند مالك وأحمد وأصحاب السنن
ورجاله ثقات أنه سأل النبي وَلّر عن كسب الحجام فنهاه فذكر له الحاجة فقال له اعلفه نواضحك.
٢٢٧٩ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ عن خالدٍ عن عكرمةَ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ
عنهما قال: ((احتجَمَ النبيُّ وََّ وأعطى الحَجّامَ أجرَهُ، ولو علمَ كراهيةً لم يُعْطِ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بفتح السين وتشديد الدال الأولى المهملات الأسدي البصري قال:
(حدّثنا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي على الراء مصغرًا البصري (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة عن
ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: احتجم النبي ◌َّر وأعطى الحجام) أبا طيبة (أجره) صاعًا من
تمر (ولو علم) عليه الصلاة والسلام (كراهية) في أجر الحجام (لم يعطه) أجره.

٢٤٤
كتاب الإجارة/ باب ١٩ و٢٠
٢٢٨٠ - حدثنا أبو نُعَيمِ حدَّثَنا مِسْعرٌ عن عمرو بنِ عامرٍ قال سمِعتُ أنسًا رضيَ اللهُ عنه
يقول: ((كان النبيُّ نَّهِ يَحتجمُ، ولم يَكنْ يَظلمُ أحدًا أجرَه)).
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين
وفتح العين المهملتين آخره راء ابن كدام (عن عمرو بن عامر) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري
وليس له رواية في البخاري إلّ عن أنس ولا له في البخاري إلا حديثان هذا وآخر سبق في الطهارة
أنه (قال: سمعت أنسًا) هو ابن مالك (رضي الله عنه يقول: كان النبي ◌َّ يحتجم) التعبير بكان
يُشعِر بالمواظبة على القول بأن كان تقتضي التكرار (ولم يكن يظلم أحدًا أجره) أي لم يكن ينقص من
أجر أحد ولا يردّه بغير أجر وهو أعم من أجر الحجام وغيره ممن يستعمله في عمل.
١٩ - باب مَن كلَّمَ مَواليَ العَبدِ أنْ يُخفِّفوا عنهُ من خَراجهِ
(باب من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه).
٢٢٨١ - حقثنا آدمُ حدَّثَنَا شُعبةُ عن حُميدِ الطويلِ عن أنسٍ بنِ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه قال:
(دَعا النبيُّ وَّرَ غُلامَا حَجَامًا فَحَجَمهُ وأمرَ لهُ بصاعٍ أو صاعَينٍ، أو مُدِّ أو مُذَّين، وكلَّمَ فيهِ فخفَّفَ
مِن ضَریبتِه)).
وبه قال: (حدّثنا آدم) ابن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن حميد الطويل عن
أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال: دعا النبي ◌َّ غلامًا حجّامًا فحجمه) وسقط قوله حجامًا
في رواية أبوي ذر والوقت، والظاهر أنه أبو طيبة وإن كان حجمه أبو هند مولى بني بياضة كما عند
ابن منده وأبي داود لأنه ليس في حديثه عندهما ما في حديث أبي طيبة قوله: (وأمر له بصاع أو
صاعين أو مدّ أو مدّين) أي من تمر والشك من شعبة (وكلم) عليه الصلاة والسلام بالواو وللحموي
والمستملي: فكلم (فيه) مولاه محيصة بن مسعود، وإنما جمع في الترجمة كالحديث السابق على طريق
المجاز أو كان مشتركًا بين جماعة من بني حارثة منهم محيصة (فخفف من ضريبته) بضم الخاء المعجمة
مبنيًّا للمفعول.
وفي حديث عمر عند ابن أبي شيبة أن خراجه كان ثلاثة آصع والله أعلم.
٢٠ - باب كَسْبِ البَغيّ والإماءِ وكرهَ إبراهيمُ أجرَ النائحةِ والمُغنِيّةِ
وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ولا تُكرِهوا فتياتِكم على البِغاءِ إِنْ أَرَذْنَ تَحصُنَا لتَبْتَغُوا عَرَضَ الحياة
الدُّنيا، ومَن يُكرِههُنَّ فإن اللَّهَ من بعدِ إكراهِهِنَّ غفورٌ رَحيم﴾. وقال مجاهد فتياتكم: إماءَكم.

٢٤٥
كتاب الإجارة/ باب ٢٠
(باب) حكم (كسب البغي) بفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التحتية أي الزانية
(و) حكم كسب (الإماء) البغايا والممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة. (وكره إبراهيم)
النخعي فيما وصله ابن أبي شيبة (أجر النائحة والمغنية) من حيث أن كلاً منهما معصية وإجارته باطلة
كمهر البغيّ. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على كسب أو بالرفع على الاستئناف (﴿ولا تكرهوا
فتياتكم﴾) أي إماءكم (﴿على البغاء﴾) أي الزنا. وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني
وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان
سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري أن عبد الله بن أُبّ أمر أمة له بالزنا فجاءت ببرد فقال ارجعي
فازني على آخر فقالت ما أنا براجعة فنزلت.
وهذا أخرجه مسلم من طريق أبي سفيان عن جابر مرفوعًا وروى أبو داود والنسائي من طريق
أبي الزبير سمع جابرًا قال: جاءت مسيكة أمة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يُكرِهني على البغاء
فنزلت والظاهر أنها نزلت فيهما وسمّاها الزهري معاذة (﴿إن أردن تحصنًا﴾).
قال في الكشاف، فإن قلت: لم أقحم قوله: ((إن أردن تحصنًا)) قلت: لأن الإكراه لا يتأتى إلا
مع إرادة التحصّن وآمر المؤاتية للبغاءَ لا يسمى مكرهًا ولا أمره إكراهًا وكلمة إن وإيثارها على إذا
إيذانًا بأن الباغيات كنّ يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهنّ وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز
الشاذ النادر (﴿لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾) من خراجهنّ وأولادهن (﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد
إكراههن﴾) لهنّ (﴿غفور رحيم﴾) [النور: ٣٣] وقال الترمذي: لهم أو لهنّ أو لهم ولهنّ إن تابوا
وأصلحوا. وقال أبو حيان في البحر: فإن الله من بعد إكراههنّ غفور رحيم جواب الشرط،
والصحيح أن التقدير غفور لهم ليكون جواب الشرط فيه ضمير يعود على من الذي هو اسم الشرط
ويكون ذلك مشروطًا بالتوبة، ولما غفل الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء عن هذا الحكم قدّروا فإن
الله غفور رحيم لهن أي للمكرهات فعريت جملة جواب الشرط من ضمير يعود على اسم الشرط وقد
ضعف ما قلناه أبو عبد الله الرازي فقال: فيه وجهان. أحدهما: فإن الله غفور رحيم لهن لأن
الاكراه يزيل الإثم والعقوبة عن المكره فيما فعل، والثاني: فإن الله غفور رحيم للمكره بشرط التوبة
وهذا ضعيف لأنه على التفسير الأول لا حاجة لهذا الإضمار وعلى الثاني يحتاج إليه انتهى. وكلامهم
كلام من لم يمعن في لسان العرب.
فإن قلت: قوله بعد إكراههنّ مصدر أضيف إلى المفعول وفاعل المصدر محذوف والمحذوف
كالملفوظ به والتقدير من بعد إكراههم إياهنّ والربط يحصل بهذا المحذوف المقدر فلتجز هذه المسألة.
قلت: لم يعدّوا في الرابط الفاعل المحذوف تقول هند عجبت من ضربها زيدًا فتجوز المسألة. ولو
قلت: هند عجبت من ضرب زيدًا لم تجز ولما قدّر الزمخشري في أحد تقديراته لهنّ أورد سؤالاً
فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنّ لأن المكرهة على الزنا بخلاف المكره عليه في أنها
غير آئمة. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف أو

٢٤٦١
كتاب الإجارة/ باب ٢٠
ذهاب العضو من ضرب عنيف وغيره حتى تسلم من الإثم وربما قصرت عن الحد الذي تعذّر فيه
فتكون آثمة انتهى.
وهذا السؤال والجواب مبنيان علی تقدیر لهنّ انتهى.
وقد حكى ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال: فإن فعلتم فإن الله لهنّ غفور رحيم
وإثمهنّ على مَن أكرههنّ قال: وكذا قال عطاء الخراساني ومجاهد والأعمش وقتادة وعن الزهري قال
غفر لهنّ ما أكرههنّ عليه، وعن زيد بن أسلم قال غفور رحيم للمكرهات حكاهنّ ابن المنذر في
تفسيره قال: وعند ابن أبي حاتم قال في قراءة عبد الله بن مسعود فإن الله من بعد إكراههنّ لهنّ
غفور رحيم وإثمهنّ على من أكرههنّ انتهى. وهذا يرجح قول القائل إن الضمير يعود على
المكرهات.
(وقال مجاهد) في تفسير (فتياتكم) أي (إماءكم) أخرجه عبد بن حميد والطبري من طريق ابن
أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء قال إماءكم على الزنا، وهذا ساقط في
رواية غير المستملي ثابت في روايته ولفظ رواية أبي ذر ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن
تحصنًا﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾ .
٢٢٨٢ - حدّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ عن مَالِكِ عنِ ابنِ شِهابٍ عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
الحارثِ بنِ هشامٍ عن أبي مَسعودٍ الأنصاريِّ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ نَهى عن ثمنِ
الكلبِ، ومَهرِ البَغيِّ، وحُلوانِ الكاهنِ)) .
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين (عن مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري
(عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي مسعود الأنصاري) هو عقبة بن عامر
(رضي الله عنه أن رسول الله وَلل نهى عن) أكل (ثمن الكلب) مطلقًا (و) عن (مهر البغي) بكسر
الغين المعجمة وتشديد الياء وفي الفرع بسكون الغين والذي في اليونينية كسرها وإطلاق المهر فيه
مجاز، والمراد ما تأخذه على الزنا لأنه حرام بالإجماع فالمعاوضة عليه لا تحل لأنه ثمن عن محرم
(و) عن (حلوان الكاهن) بضم الحاء وهو ما يعطاه على كهانته.
وهذا الحديث قد سبق في أواخر البيوع.
٢٢٨٣ - حدثنا مُسْلَمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنا شعبةُ عن محمدِ بنِ جُحادةً عن أبي حازمٍ عن أبي
هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((نَهى النبيُّ وَّر عن كسبِ الإماء)). [الحديث ٢٢٨٣- طرفاه في:
٥٣٤٨].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن جحادة)
بجيم مضمومة فحاء مهملة مفتوحة وبعد الألف دال مهملة الأيامي بفتح الهمزة وتخفيف التحتية

٢٤٧
کتاب الإجارة/ باب ٢١ و٢٢
الكوفي (عن أبي حازم) بالجاء المهملة والزاي المعجمة المكسورة سلمان الأشجعي (عن أبي هريرة
رضي الله عنه) أنه (قال: نهى النبي ◌َّر عن كسب الإماء) بالفجور لا ما تكتسبه بالصنعة والعمل.
٢١ - باب عَسْبِ الفَخْلِ
(باب) النهي عن (عسب الفحل) بفتح العين المهملة وسكون السين آخره موحدة والفحل
الذکر من کل حيوان.
٢٢٨٤ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنَا عبدُ الوارثِ وإسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عَن عليّ بنِ الحَكمِ عن نافعٍ
عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((نَهى النبيُّ وَلّ عن عَسْب الفحل)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (وإسماعيل بن
إبراهيم) أمه علية (عن علي بن الحكم) بفتحتين البناني بضم الموحدة وتخفيف النونين (عن نافع) مولى
ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: أنهى النبي ◌َّ- عن) كراء (عسب الفحل) حذف
المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والمشهور في كتب الفقه أن عسب الفحل ضرابه وقيل أجرة ضرابه
وقيل ماؤه، فعلى الأول والثالث تقديره بدل عسب الفحلِ، وفي رواية الشافعي رحمه الله نهى عن
ثمن عسب الفحل، والحاصل أن بذل المال عوضًا عن الضراب إن كان بيعًا فباطل قطعًا لأن ماء
الفحل غير متقوّم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وكذا إن كان إجارة على الأصح، ويجوز أن
يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئًا على سبيل الهدية لما روى الترمذي وقال: حسن غريب
من حديث أنس أن رجلاً من كلاب سأل رسول الله وَ لقول عن عسب الفحل. فقال: يا رسول الله إنّا
نطرق الفحل فنكرم فرخص في الكرامة، وهذا مذهب الشافعي. قال المالكية: حمله أهل المذهب على
الإجارة المجهولة وهو أن يستأجر منه فحله ليضرب الأنثى حتى تحمل، ولا شك في جهالة ذلك
لأنها قد تحمل من أول مرة فيغبن صاحب الأنثى. وقد لا تحمل من عشرين مرة فيغبن صاحب
الفحل فإن استأجره على نزوات معلومة ومدّة معلومة جاز.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في البيوع.
٢٢ - باب إذا استأجَرَ أرضًا فماتَ أحدُهما
وقال ابنُ سِيرينَ ليسَ لأهلهِ أن يُخْرِجُوهُ إلى تمامِ الأجل.
وقال الحكمُ والحسنُ وإياسُ بنُ معاويةَ: تمضى الإجارة إلى أجَلِها .
وقال ابنُ عمرَ: أعطى النبيُّ وَ خَيبرَ بالشطرِ فكانَ ذلكَ على عهدِ النبيِّ وَّر وأبي بكرٍ
وصَدرًا من خِلافةِ عمرَ، ولم يُذْكر أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ جدَّدا الإجارةَ بعدَما قُبِضَ النبيُّ وَلَ .

٢٤٨
كتاب الإجارة/ باب ٢٢
هذا (باب) بالتنوين (إذا استأجر) أحد (أرضًا) من آخر (فمات أحدهما) أي أحد المتآجرين هل
تنفسخ الإجارة أم لا؟ (وقال) بالواو ولأبي الوقت قال (ابن سيرين) محمد (ليس لأهله) أي أهل الميت
(أن يخرجوه) أي المستأجر (إلى تمام الأجل) الذي وقع العقد عليه وقول البرماوي كالكرماني لأهله أي
لورثته أن يخرجوه من عقد الإجارة ويتصرفوا في منافع المستأجر. قال العيني: هو بيان لعود
المنصوب في أن يخرجوه إلى عقد الاستئجار قال وهذا لا معنى له بل الضمير يعود على المستأجر
ولكن لم يتقدم ذكر للمستأجر فكيف يعود إليه، وكذلك الضمير في أهله ليس مرجعه مذكورًا ففيهما
إضمار قبل الذكر، ولا يجوز أن يقال مرجع الضميرين يفهم من لفظ الترجمة وضعت بلا ريب قبل
قول ابن سيرين، فالوجه أن يقال: إن مرجع الضميرين محذوف والقرينة تدل عليه فهو في حكم
الملفوظ وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا سئل محمد بن سيرين في رجل استأجر من رجل أرضًا
فمات أحدهما هل لورثة الميت أن يخرجوا يد المستأجر من تلك الأرض أم لا؟ فأجاب بقوله ليس
لأهله أي لأهل الميت أن يخرجوا المستأجر إلى تمام الأجل أي أجل الإجارة.
(وقال الحكم) بن عتيبة أحد فقهاء الكوفة (والحسن) البصري (وإياس بن معاوية) بن قرة
المزني (تمضى الإجارة) بضم الفوقية وفتح الضاد ولأبي ذر بفتحها وكسر الضاد (إلى أجلها) وصله ابن
أبي شيبة من طريق حميد عن الحسن وإياس بن معاوية ومن طريق أيوب عن ابن سيرين نحوه،
والحاصل أن الإجارة لا تنفسخ عندهم بموت أحد المتآجرين وهو مذهب الجمهور وذهب
الكوفيون والليث إلى الفسخ واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها فارتفعت يد المستأجر
عنها بموت الذي آجره.
(وقال ابن عمر) رضي الله عنهما مما أخرجه مسلم (أعطى النبي ◌َّر خيبر بالشطر) أي بأن
يكون النصف للزراع والنصف له وَ لقر (فكان ذلك) مستمرًا (على عهد النبي) ولأبي ذر: على عهد
رسول الله (َّ﴿ و) عهد (أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر) رضي الله عنهما (ولم يذكر أن أبا بكر
وعمر جدّدا الإجارة) ولأبي ذر: ولم يذكر أن أبا بكر جدّد الإجارة (بعدما قبض النبي ◌ََّ) فدل على
أن عقد الإجارة لم ينفسخ بموت أحد المتآجرين.
- ٢٢٨٥ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا جُوَيريةُ بنُ أسماءَ عن نافع عن عبدِ اللهِ رضي
اللَّهُ عنه قال: أعطى رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ خَيبرَ أن يَعمَلوها ويزرعوها ولهم شَطرُ ما يخرُجُ منها.
وأن ابنَ عمرَ حدَّثَهُ أنَّ المَزارعَ كانت تُكرى على شيءٍ سَمّاهُ نافعٌ لا أحفظُهُ)). [الحديث ٢٢٨٥ -
أطرافه في: ٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٧٢٠، ٣١٥٢، ٤٢٤٨].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) قال: (حدّثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن عبد الله)
أي ابن عمر (رضي الله عنه) وعن أبيه أنه (قال: أعطى رسول الله (بَ ل خيبر) زاد أبوا ذر والوقت
اليهود (أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها).

٢٤٩
كتاب الإجارة/ باب ٢٢
(وأن ابن عمر) عطف على سابقه أي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما (حدّثه) أيضًا (أن
المزارع) بفتح الميم (كانت تكرى على شيء) من حاصلها قال جويرية (سمّاه) أي سمى (نافع) مقدار
ذلك الشيء (لا أحفظه).
٢٢٨٦ - وأن رافعَ بنَ خَدِيجِ حدَّثَ ((أنَّ النبيَّ ◌َِّ نَهى عن كِراءِ المزارع)). وقال عُبِيدُ اللَّهِ
عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ ((حتى أجلاهُم عمرُ)). [الحديث ٢٢٨٥ - أطرافه في: ٢٢٧، ٢٣٣٢،
٢٣٤٤، ٢٧٢٢].
(وأن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة (حدّث) بإثبات الضمير في الأول وحذفه في هذا
لأن ابن عمر رضي الله عنهما حدّث نافعًا بخلاف رافع فإنه لم يحدّث له خصوصًا (أن النبي ◌َّ-
نهى عن كراء المزارع) بفتح الميم.
(وقال عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع عن ابن عمر)
رضي الله عنهما (حتى أجلاهم عمر) رضي الله عنه وهذا وصله مسلم ولفظه أن رسول الله وَليه
عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ورواه أيضًا من وجوه أخرى وفي آخره قال لهم
رسول الله وسلّ نقرّكم بها على ذلك ما شئنا فقروا بها حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه إلى تيماء
وأريحاء .

بسم الله الرحمن الرحيم
٣٨ - كتاب الحوالات
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(الحوالات) بالجمع وفتح الحاء وقد تكسر وهي نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى وفي رواية أبي
ذر عن المستملي كما في الفرع وأصله كتاب الحوالات بسم الله الرحمن الرحيم. وقال الحافظ ابن
حجر: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحوالة كذا للأكثر وزاد النسفي والمستملي بعد البسملة كتاب
الحوالة .
١ - باب في الحَوالةِ. وهل يَرجِعُ في الحَوالةِ
وقال الحسنُ وقَتادةُ: إذا كان يومَ أحالَ عليه مَلِيًّا جاز. وقال ابنُ عبّاسٍ: يَتخارَجُ الشَّريكانِ
وأهلُ المِيراثِ فيأخُذُ هُذا عَيْنَا وهذا دَينًا، فإن تَوِيَ لأحدِهما لم يَرجِع على صاحبه .
هذا (باب) بالتنوين (في الحوالة وهل يرجع) المحيل (في الحوالة) أم لا فإن قلنا إنها عقد لازم
لا یرجع.
ولها ستة أركان محيل ومحتال ومحال عليه ودين للمحتال على المحيل ودين للمحيل على المحال
عليه وصيغة .
وهي بيع دين بدين جوّز للحاجة ولهذا لم يشترط التقابض في المجلس وإن كان الدينان ربويين
فهي بيع لأنها إبدال مال بمال فإن كلاً من المحيل والمحتال يملك بها ما لم يملكه قبلها لا استيفاء لحق
بأن يقدر أن المحتال استوفى ما كان له على المحيل وأقرضه المحال عليه.
وشروطها رضا المحيل والمحتال لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء فلا يلزم بجهة وحق
المحتال في ذمة المحيل فلا ينتقل إلا برضاه ومعرفة رضاهما بالصيغة ولا يشترط رضا المحال عليه لأنه

٢٥١
كتاب الحوالات/ باب ١
محل الحق والتصرف كالعبد المبيع ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكل غيره
بالاستيفاء والإيجاب والقبول كما في البيع وأن تكون الحوالة بدين لازم فلو أحال على من لا دين
عليه لم تصح الحوالة ولو رضي بها لعدم الاعتياض إذ ليس عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال
فإن تطوّع بأداء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره وهو جائز ويشترط أيضًا اتفاق الدينين جنسًا وقدرًا
وحلولاً وتأجيلاً وصحة وتكسيرًا وجودة ورداءة وقال المالكية ولا يشترط رضا المحال عليه على
المشهور خلافًا لابن شعبان وعلى المشهور فيشترط في ذلك السلامة من العداوة وهو قول مالك،
وحقيقتها أن تكون على أصل دين فإن لم تكن على أصل دين انقلبت حمالة ولو كانت بلفظ الحوالة
واشتراط الحنفية رضا المحال عليه لتفاوت الناس في الاقتضاء فلعل المحال عليه أعسر وأفلس
فيشترط رضاه دفعًا للضرر عنه. وقال الحنابلة: ولا يعتبر رضا محتال إن كان المحال عليه مليًا ولو
ميتًا قاله في الرعاية .
(وقال الحسن) البصري (وقتادة) مما وصله ابن أبي شيبة والأثرم واللفظ له وقد سئلا عن رجل
أحال على رجل فأفلس فقالا: (إذا كان) المحال عليه (يوم أحال عليه مليًّا) أصله مليئًا بالهمزة بعد
الياء الساكنة فأبدلت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء أي غنيًّا وجواب إذا قوله: (جاز) أي الفعل
وهو الحوالة وليس له أي للمحتال أن يرجع على المحيل ومفهومه: أنه إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له
الرجوع ومذهب الشافعي أن المحتال لا يرجع بحال حتى لو أفلس المحال عليه ومات أو لم يمت أو
جحد وحلف لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل كما لو تعوّض عن الدين ثم تلف الدين في يده
وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل بل يطالبه بعد العتق. وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا
شرط ملاءة المحال عليه فتبين مفلسًا، وقال المالكية يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرور بأن يكون
إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة وهو جاهل به مع علم المحيل به، وقال الحنفية: يرجع عليه إذا
توى حقه والتوى عند أبي حنيفة إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيّنة عليه أو يموت مفلسًا. وقال
محمد وأبو يوسف يحصل التوي بأمر ثالث وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته.
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يتخارج الشريكان) إذا كان
لهما دين على إنسان فأفلس أو مات أو جحد وحلف حيث لا بيّنة يخرج هذا الشريك مما وقع في
نصيب صاحبه وذلك الآخر كذلك في القسمة بالتراضي بغير قرعة مع استواء الدين (و) كذا يتخارج
(أهل الميراث فيأخذ هذا عينًا وهذا دينًا فإن توي) بفتح المثناة الفوقية وكسر الواو على وزن قوي من
توي المال يتوى من باب علم يعلم إذا هلك أي فإن هلك (لأحدهما) شيء مما أخذه (لم يرجع على
صاحبه) لأنه رضي بالدين عوضًا فتوي في ضمانه كما لو اشترى عينًا فتلفت في يده وقد ألحق
المؤلف الحوالة بذلك وكذلك الحكم بين الورثة كما أشار إليه بقوله وأهل الميراث .
٢٢٨٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي الزنادِ عن الأعرج عن أبي هريرةَ

٢٥٢
كتاب الحوالات/ باب ١
رضيَ اللَّهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ◌ِّ قال: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ، فإذا أُتْبِعَ أحدُكم على مَلِيٍّ فَلْيَتبعْ)).
[الحديث ٢٢٨٧ - طرفاه في: ٢٢٨٨ و٢٤٠٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد)
عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله ◌َلخيرٍ قال):
(مطل) المديان (الغني) القادر على وفاء الدين ربه بعد استحقاقه (ظلم) محرم عليه وخرج بالغني
العاجز عن الوفاء، والمطل أصله المدّ تقول مطلت الحديدة أو مطلها إذا مددتها لتطول، والمراد هنا
تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر ولفظ المطل يشعر بتقدم الطلب فيؤخذ منه أن الغني لو أخّر الدفع
مع عدم طلب صاحب الحق له لم يكن ظالمًا، وقد حكى أصحابنا وجهين في وجوب الأداء مع
القدرة من غير طلب من رب الدين فقال إمام الحرمين في الوكالة من النهاية وأبو المظفر السمعاني في
القواطع في أصول الفقه والشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد الكبرى لا يجب الأداء إلا
بعد الطلب وهو مفهوم تقييد النووي في التفليس بالطلب، والجمهور على أن قوله ((مطل الغني ظلم)»
من باب إضافة المصدر للفاعل كما سبق تقريره، وقيل هو من إضافة المصدر للمفعول والمعنى أنه
يجب وفاء الدين وإن كان مستحقه غنيًّا ولا يكون سببًا لتأخيره عنه، وإذا كان كذلك في حق الغني
فهو في حق الفقير أولى.
قال الحافظ زين الدين العراقي: وهذا فيه تعسف وتكلف ولو لم يكن له مال لكنه قادر على
التكسب فهل يجب عليه ذلك لوفاء الدين؟ أطلق أكثر أصحابنا ومنهم الرافعي والنووي أنه ليس عليه
ذلك، وفصل الفراوي فيما حكاه ابن الصلاح في فوائد الرحلة بين أن يلزمه الدين بسبب هو به
عاصٍ فيجب عليه الاكتساب لوفائه أو غير عاصٍ فلا. قال الأسنوي: وهو واضح لأن التوبة مما
فعله واجبة وهي متوقفة في حقوق الآدميين على الردّ انتهى.
قال ابن العراقي: ولو قيل بوجوب التكسُّب مطلقًا لم يبعد كالتكسب لنفقة الزوجة وكما أن
القدرة على الكسب كالمال في منع أخذ الزكاة يبقى النظر في أن لفظ هذا الحديث هل يتناوله إن
فسّرنا الغنى بالمال فلا وإن فسّرناه بالقدرة على وفاء الدين فنعم وكلامهم فيمن ماله غائب يوافق
الثاني، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند النسائي وابن ماجة المطل ظلم والمعنى أنه من الظلم
وأطلق ذلك للمبالغة في التنفير عن المطل.
(فإذا أتبع أحدكم) بضم الهمزة وسكون المثناة الفوقية وكسر الموحدة مبنيًّا للمفعول (على ملي)
بتشديد المثناة التحتية وضبطها الزركشي بالهمزة وقال الغنيّ من الملاءة.
وقال في المصابيح: وظاهره أن الرواية كذلك فينبغي تحريرها ولم أظفر بشيء انتهى.

٢٥٣
كتاب الحوالات/ باب ٢
والذي في الفرع وجميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة بدون الهمزة وهو الذي رويناه
وذكر هذه الجملة عقب ما قبلها يشعر بأن الأمر بقبول الحوالة معلل بكون مطل الغني ظلمًا.
قال ابن دقيق العيد: ولعل السبب فيه أنه إذا تقرر كونه ظلمًا والظاهر من حال المسلم
الاحتراز عنه فيكون ذلك سببًا للأمر بقبول الحوالة عليه لأن به يحصل المقصود من غير ضرر المطل،
ويحتمل أن يكون ذلك لأن الملّ لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع بل يأخذه الحاكم قهرًا ويوفيه
ففي قبول الحوالة عليه يحصل الغرض من غير مفسدة في الحق قال: والمعنى الأول أرجح لما فيه من
بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلمًا وعلى هذا المعنى الثاني تكون العلة عدم وفاء الحق لا الظلم
انتھی .
والمعنى الأول هو الذي اقتصر عليه الرافعي، وقال ابن الرفعة في المطلب وهذا إذا كان
الوصف بالغنى يعود إلى من عليه الدين، وقد قيل إنه يعود إلى من له الدين وعلى هذا لا يحتاج أن
يذكر في التقديرين الغني انتهى.
قال البرماوي: وقد يدعى أن في كلِّ منهما بقاء للتعليل بكون المطل ظلمًا لأنه لا بدّ في كلِّ
منهما من حذف بذكره يحصل الارتباط فيقدر في الأول مطل الغني ظلم والمسلم في الظاهر يجتنبه
فمن أتبع على ملّ فينبغي أن يتبعه وفي الثاني مطل الغني ظلم والظلم تزيله الحكام ولا تقره فمن اتبع
على ملّ فليتبع ولا يخش من المطل ويشبه كما قال الأذرعي أنه يعتبر في استحباب قبولها على ملّ
كونه وفيًّا وكون ماله طيبًا ليخرج المماطل ومن في ماله شبهة (فليتبع) بفتح التحتية وسكون الفوقية
أي إذا أحيل بالدين الذي له على موسر فليحتل ندبًا وقوله ظلم يشعر بكونه كبيرة والجمهور على أن
فاعله يفسق لكن هل يثبت فسقه بمرة واحدة أم لا .
قال النووي مقتضى مذهبنا التكرار ورده السبكي في شرح المنهاج بأن مقتضى مذهبنا عدمه
واستدل بأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب والغصب كبيرة والكبيرة لا يشترط
فیھا التكرار لکن لا یحکم علیه بذلك إلا بعد أن یظهر عدم عذره انتھی.
ويدخل في المطل كل من لزمه حق كالزوج لزوجته والسيد لعبده والحاكم لرعيته والعكس،
واستدل به على اعتبار رضا المحيل والمحتال دون المحال عليه لكونه لم يذكر في الحديث وبه قال
الجمهور كما مرّ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الحوالة ومسلم في البيوع وكذا النسائي والترمذي وابن ماجة .
٢ - باب إذا أحالَ على مَلِيٍّ فليسَ لهُ رَدٌ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أحال) من عليه دين رب الدين بدينه (على ملّ فليس له رد).

٢٥٤
ـر
کتاب الحوالات/ باب ٣
٢٢٨٨ - حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ حدَّثَنا سُفيانُ عن ابن ذَكوانٍ عَنِ الأعرج عن أبي هريرةَ
رضيَ اللهُ عنهُ عن النبيِّ وَِّ قال: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ، ومَن أتْبعَ على مَلِيءٍ فَلْيَتََّغْ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ابن ذكوان)
عبد الله (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (وَّة) أنه (قال):
(مطل الغني ظلم ومن أتبع على ملّ فليتبع) بتشديد التاء كما في الفرع. وقال النووي المشهور
في الرواية واللغة التخفيف، وقال الخطابي أكثر المحدّثين يقولونه بالتشديد والصواب التخفيف
والمعنى جعل تابعًا له بدينه وهو معنى أحيل في الرواية الأخرى في مسند الإمام أحمد بلفظ: وإذا
أحيل أحدكم على ملّ فليحتل ولهذا عدّى أتبع بعلى لأنه ضمن معنى أحيل. وعند ابن ماجة من
حديث ابن عمر: فإذا أحلت على ملّ فاتبعه بتشديد التاء بلا خلاف وجمهور العلماء على أن هذا
الأمر للندب، وقال أهل الظاهر وجماعة من الحنابلة بالوجوب فأوجبوا قبولها على المليء كما حكيناه
في الباب السابق عن الرعاية من كتبهم وإليه مال البخاري حيث قال فليس له ردّ وهو ظاهر
الحديث، وعلى الأول فالصارف للأمر عن حقيقته وهي الوجوب إلى الندب أنه راجع لمصلحة دنيوية
فيكون أمر إرشاد أشار إليه ابن دقيق العيد بقوله لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من
تحويل الحق عنه وترك تكليفه التحصيل بالطلبة انتهى.
وقد يقال الإحسان قد يكون واجبًا كإنظار المعسر والدنيوي إنما هو في جانب المحيل أما قبول
المحتال الحوالة فلأمر أخروي، وقيل الصارف كونه أمر أبعد حظر وهو بيع الكالىء بالكالىء فيكون
للإباحة أو الندب على المرجح في الأصول ومن أتبع بالواو وحينئذٍ فلا تُعلق للجملة الثانية بالأولى
بخلاف الحديث السابق حيث عبر بالفاء فإذا أتبع وقد مرّ ما في ذلك.
وهذا الباب ثابت في نسخة الفربري ساقط من نسخ الباقين.
٣ - باب إن أحالَ دَينَ الميّتِ على رجُلٍ جازَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أحال) رجل (دين الميت على رجل جاز) هذا الفعل.
٢٢٨٩ - حدثنا المكيُّ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنا يزيدُ بنُ أبي عُبَيدٍ عن سَلمَةَ بنِ الأكْوَعِ رضيَ اللَّهُ
عنه قال: ((كنّا جُلوسًا عندَ النبيِّ وَهَ إذ أُتَيَ بجَنازةٍ فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: هل عليهِ دَيْنٌ؟
قالوا: لا. قال: فهل تَركَ شيئًا؟ قالوا: لا. فصلَّى عليه. ثمَّ أُتيَ بِجَنازةٍ أُخرى فقالوا: يا رسولَ
اللَّهِ صلِّ عليها. قال: هل عليه دَينٌ؟ قيل: نعم. قال: فهل تَركَ شيئًا؟ قالوا: ثلاثةَ دَنانيرَ. فصَلّى
عليها. ثمَّ أُتيَ بالثالثةِ فقالوا: صلِّ عليها. قال: هل تَركَ شَيئًا؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دَينٌ؟

٢٥٥
كتاب الحوالات/ باب ٣
قالوا: ثلاثةُ دَنانيرَ. قال: صلُّوا على صاحبِكم. قال أبو قتادةَ: صلٌ عليهِ يا رسولَ اللَّهِ وعليَّ دَينهُ،
فصلّى عليه)). [الحديث ٢٢٨٩ - طرفه في: ٢٢٩٥].
وبه قال: (حدَّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد البلخي قال: (حدّثنا يزيد بن أبي عبيد)
بالتصغير مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) واسمه سنان المدني شهد بيعة الرضوان
(رضي الله عنه) أنه (قال كنا جلوسًا عند النبي وَّر إذا أتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بجنازة
فقالوا: صلّ عليها) يا رسول الله ولم يسم صاحب الجنازة ولا الذي قال صلّ عليها، وفي حديث
جابر عند الحاكم: مات رجل فغسّلناه وكفّناه وحنّطناه ووضعناه حيث توضع الجنازة عند مقام
جبريل ثم آذنّا رسول الله وَّه به (فقال: هل عليه) أي الميت (دين) لأنه عليه السلام كان قبل أن
تفتح عليه الفتوح إذا أتي بمدين لا وفاء لدينه قال لأصحابه صلّوا عليه ولا يصلي هو عليه تحذيرًا عن
الدين وزجرًا عن المماطلة (قالوا لا) دين عليه (قال فهل ترك شيئًا؟ قالوا لا) لم يترك شيئًا (فصلى
عليه) زاده الله شرفًا لديه (ثم أُتي بجنازة أخرى فقالوا يا رسول الله صلٌ عليها قال) عليه الصلاة
والسلام: (هل عليه دين؟ قيل: نعم) عليه دين قال: (فهل ترك شيئًا) لدينه؟ (قالوا) ترك (ثلاثة دنانير)
وللحاكم من حديث جابر ديناران وعند الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد كانا دينارين وشطرًا
وجمع الحافظ ابن حجر بين هذا بأن من قال ثلاثة جبر الكسر. ومن قال دينارين ألغاه أو كان
أصلهما ثلاثة فوفى قبل موته دينارًا وبقي عليه ديناران فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل ومن قال
ديناران فباعتبار ما بقي (فصلى عليها) ولعله عليه الصلاة والسلام على أن هذه الدنانير الثلاثة تفي
بدينه بقرائن الحال أو بغيرها (ثم أُتي با) لجنازة | (الثالثة فقالوا صلّ عليها) يا رسول الله (قال: هل
ترك) الميت (شيئًا قالوا لا قال فهل عليه دين قالوا) نعم (عليه دنانير قال: صلوا على صاحبكم)
(قال أبو قتادة) الحرث بن ربعي الأنصاري (صلّ عليه يا رسول الله وعلّ دينه فصلى عليه) وَ له ..
وفي رواية ابن ماجة من حديث أبي قتادة نفسه فقال أبو قتادة أنا أتكفل به زاد الحاكم في حديث
جابر فقال هما عليك، وفي مالك، والميت منهما بريء. قال: نعم فصلى عليه فجعل رسول الله وليه
إذا لقي أبا قتادة يقول ما صنعت الديناران حتى كان آخر ذلك أن قال قد قضيتهما يا رسول الله.
قال: الآن حين بردت عليه جلده، وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أحوال وترك الرابع وهو من لا
دين عليه وله مال وحكم هذا أنه كان يصلي عليه ولعله إنما لم يذكر لكونه كان كثيرًا لا لكونه لم يقع
ولم يسم أحد من الموتى الثلاثة.
ومطابقته للترجمة ظاهرة من قول أبي قتادة علّ دينه وفي الرواية الأخرى أنا أتكفل به. وقوله
عليه الصلاة والسلام هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء، وإلى هذا ذهب الجمهور فصححوا
هذه الكفالة من غير رجوع في مال الميت وعن مالك له أن يرجع إن قال ضمنت لأرجع، فإن لم
يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له، وعن أبي حنيفة إن ترك الميت وفاء جاز الضمان
بقدر ما ترك وإن لم يترك وفاء لم يصح وصلاته عليه الصلاة والسلام عليه وإن كان الدين باقيًا في

٢٥٦
کتاب الحوالات/ باب ٣
ذمة الميت، لكن صاحب الحق عاد إلى الرجاء بعد اليأس واطمأن بأن دينه صار في مأمن فخفّ
سخطه وقرب من الرضاء.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الكفالة وهو سابع ثلاثياته، وأخرجه النسائي أيضًا في الجنائز.

بسم الله الرحمن الرحيم
٣٩ - كتاب الكفالة
(بسم الله الرحمن الرحيم).
١ - باب الكَفالةِ في القَرْضِ والدُّيونِ بالأبدانِ وغيرِها
(باب الكفالة في القرض والديون) من عطف العام على الخاص والكفالة في العرف كما قاله
الماوردي تكون في النفوس والضمان في الأموال والحمالة في الديات والزعامة في الأموال العظام.
قال ابن حبان في صحيحه: والزعيم لغة أهل المدينة والحميل لغة أهل مصر والكفيل لغة أهل العراق
وهي التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة (بالأبدان وغيرها) أي
الكفالة بالأموال والجار والمجرور يتعلق بالكفالة وسقطت البسملة لأبي ذر.
٢٢٩٠ - وقال أبو الزّنادِ عن محمدِ بنِ حمزة بن عمرٍو الأسلميِّ عن أبيهِ ((أنَّ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنه
بَعثَهُ مُصدّقًا، فوقَعَ رجلٌ على جاريةِ امرأتهِ، فأخذَ حمزةُ منَ الرجلِ كفيلاً حتى قدِمَ على عمرَ، وكان
عمرُ قد جلَدَهُ مائةَ جَلْدةٍ، فصدَّقَهم، وعذَرَهُ بالجهالة)).
وقال جريرٌ والأشعثُ لعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ في المرتدّينَ: استَتِبْهم وكفّلْهم، فتابوا وكفَلَهم
عَشائرهم .
وقال حمَّادٌ إذا تكفَّلَ بنَفْسٍ فماتَ فلا شيءَ عليه. وقال الحَكَمُ يَضمنُ.
(وقال أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن محمد بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي (ابن عمرو)
بفتح العين (الأسلمي عن أبيه) حمزة (أن عمر رضي الله عنه بعثه مصدقًا) بتشديد الدال المكسورة أي
آخذًا للصدقة عاملاً عليها (فوقع رجل على جارية امرأته) لم يسم أحد منهم وهذا مختصر من قصة
أخرجها الطحاوي ولفظه كما رأيته في شرح معاني الآثار له أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقًا على
إرشاد الساري/ ج ٥/ م ١٧

٢٥٨
كتاب الكفالة/ باب ١
سعد هذيم فأتي حمزة بمال ليصدقه فإذا رجل يقول لامرأته أدي صدقة مال مولاك وإذا المرأة تقول له
بل أنت فأدّ صدقة مال ابنك فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة
وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته المرأة ثم ورث من أمه مالاً فقالوا: هذا المال لابنه من
جاريته. قال حمزة للرجل: لأرجمّك بأحجارك فقيل له إن أمره رفع إلى عمر فجلده مائة ولم يرَ عليه
رجما قال (فأخذ حمزة) رضي الله عنه (من الرجل كفيلاً) ولأبي ذر كفلاء بالجمع (حتى قدم على عمر
وكان عمر) رضي الله عنه (قد جلده مائة جلدة) كما سبق وسقط قوله جلدة لأبوي ذر والوقت
(فصدقهم) بالتشديد في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة أي صدق القائلين بما قالوا (و) إنما درأ
عمر عنه الرجم لأنه (عذره بالجهالة) وفي بعض الأصول فصدقهم بالتخفيف أي صدق الرجل القوم
واعترف بما وقع منه لكن اعتذر بأنه لم يكن عالمًا بحرمة وطء جارية امرأته أو بأنها جاريتها لأنها
التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته ولعل اجتهاد عمر اقتضى أن يجلد بالحرمة وإلا فالواجب
الرجم فإذا سقط بالعذر لم يجلد واستنبط من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان فإن حمزة صحابي
وقد فعله ولم ينكره عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذٍ.
(وقال جرير) بفتح الجيم وكسر الراء ابن عبد الله البجلي (والأشعث) بن قيس الكندي
الصحابي (لعبد الله بن مسعود في المرتدين) وهذا أيضًا مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من
طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود فلما سلم قام
رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة فسمع مؤذن عبد الله ابن النوّاحة يشهد أن مسيلمة
رسول الله فقال عبد الله: علّ بابن النواحة وأصحابه فجيء بهم فأمر قرظة بن كعب فضرب عنق
ابن النواحة ثم استشار الناس في أولئك النفر فأشار عليه عديّ بن حاتم بقتلهم فقام جرير
والأشعث فقالا: لا بل (استتبهم وكفلهم) أي ضمنهم وكانوا مائة وسبعين رجلاً كما رواه ابن أبي
شيبة (فتابوا وكفلهم) ضمنهم (عشائرهم).
قال البيهقي في المعرفة: والذي روي عن ابن مسعود وجرير والأشعث في قصة ابن النّاحة
في استتابتهم وتكفيلهم عشائرهم كفالة بالبدن في غير مال. وقال ابن المنير: أخذ البخاري الكفالة
بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى والكفالة بالنفس قال بها الجمهور
ولم يختلف من قال بها أن المكفول بحد أو قصاص إذا غلب أو مات أن لا حدّ على الكفيل بخلاف
الدين والفرق بينهما أن الكفيل إذا أدّى المال وجب له على صاحب المال مثله، وفرق الشافعية
والحنفية بين كفالة من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحدّ قذف ومن عليه عقوبة لله فصححوها في
الأولى لأنها حق لازم كالمال ولأن الحضور مستحق عليه دون الثانية لأن حقه تعالى مبني على الدرء.
قال الأذرعي: ويشبه أن يكون محل المنع حيث لا يتحتم استيفاء العقوبة فإن تحتم وقلنا لا يسقط
بالتوبة فيشبه أن يحكم بالصحة .

٢٥٩
كتاب الكفالة/ باب ١
(وقال حماد) هو ابن أبي سليمان واسمه مسلم الأشعري الكوفي الفقيه أحد مشايخ الإمام أبي
حنيفة (إذا تكفل بنفس فمات فلا شيء عليه) سواء كان المتعلق بتلك النفس حدًّا أو قصاصًا أو مالاً
من دين وغيره. قال في عيون المذاهب: وتبطل أي الكفالة بموته إلا عند مالك وبعض الشافعية
يلزمه ما عليه وبموت الكفيل لا الطالب بالإجماع انتهى.
والذي رأيته في شرح مختصر الشيخ خليل للشيخ بهران عند قوله ولا يسقط بإحضاره أن حكم
لا إن أثبت موته أو عدمه في غيبته ولو بغير بلده ورجع به مراده أن يشير إلى ما وقع من الخلاف
والتفصيل في هذه المسألة، ونصها عند ابن زرقون ولو مات الغريم سقطت الحمالة بالوجه وقاله في
المدونة قال: وهذا إذا مات ببلده قبل أن يلتزم الغريم قبل الأجل أو بعده وأما إن مات بغير البلد
فقال أشهب لا أبالي مات غائبًا أو في البلد أي يبرأ الحميل وهو مذهب المدونة. وقال ابن القاسم
يغرم الحميل إن كان الدين حالاً قربت غيبته أو بعدت وإن كان مؤجلاً فمات قبله بمدة طويلة لو
خرج إليها لجاء قبل الأجل فلا شيء عليه وإن كان على مسافة لا يمكنه أن يجيء إلا بعد الأجل
ضمن .
(وقال الحكم) بن عتيبة (يضمن) أي ما يقبل ترتبه في الذمة وهو المال وهذا وصله الأثرم من
طريق شعبة عن حماد والحكم.
٢٢٩١ - قال أبو عبدِ اللَّهِ: وقال اللَّثُ حدَّثَني جَعفرُ بنُ رَبيعةً عن عبد الرحمنِ بنِ هُزْمُزَ
عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه ((عن رسولِ اللَّهِ وَِّ أنهُ ذَكرَ رجُلاً مِن بني إسرائيلَ سألَ بعضَ بني
إسرائيلَ أن يُسْلِفَهُ ألفَ دينارٍ فقال: اتِنِي بالشُّهَداءِ أشهدُهم، فقال كفى بالله شَهيدًا. قال: فائِني
بالكَفيل، قال: كفى باللَّهِ كَفيلاً. قال: صَدقتَ، فدَفعَها إليه إلى أجلٍ مُسَمَّى. فخرجَ في البحرِ
فقَضى حاجتَهُ، ثمَّ التمسَ مَركبًا يركبُها يَقْدَمُ عليهِ للأجَلِ الذي أجَّلَهُ فلم يَجدْ مَركبًا، فأخَذَ خشبةً
فنَقَرَها فأدخلَ فيها ألفَ دِينارٍ وصحيفةً منهُ إلى صاحبِهِ، ثمَّ زَجَّجَ مَوضِعَها، ثمَّ أتى بها إلى البحرِ
فقال: اللّهِمَّ إِنكَ تَعلمُ أني كنتُ تَسلَّفتُ فلانًا ألفَ دِينارٍ فسألني كفيلاً فقلتُ كفى باللهِ كفيلاً،
فرَضيَ بكَ. وسألني شَهيدًا فقلتُ كفى باللهِ شهيدًا، فرضيَ بك. وإني جَهَدْتُ أن أجدَ مَركبًا
أبعثُ إليه الذي له فلم أقدِرْ، وإني أستودِعُكَها. فرمى بها في البحرِ حتى وَلَجَتْ فيه، ثمَّ انصرَف
وهو في ذُلك يَلتمِس مَركبًا يَخرُجُ إلى بلدِهِ، فخرَجَ الرجُلُ الذي كان أسْلَفْهُ يَنظُرُ لعلَّ مَركبًا قد جاء
بمالهِ، فإذا بالخشبةِ التي فيها المالُ، فأخَذَها لأهلهِ حَطَبًا، فلما نَشرَها وجَدَ المالَ والصحيفةَ، ثمَّ
قدِمَ الذي كان أسلفَهُ فأتى بالألفِ دِينارٍ فقال: واللهِ ما زلتُ جاهدًا في طلبٍ مَركبٍ لآتيكَ بمالكَ
فما وجدتُ مركبًا قبلَ الذي أتيتُ فيه. قال: هل كنتَ بعثتَ إليَّ بشيءٍ؟ قال: أُخبرُك أني لم أجِدْ

٢٦٠
كتاب الكفالة/ باب ١
مركبًا قبل الذي جئتُ فيه. قال: فإنَّ اللَّهَ قد أدَّى عنك الذي بعثتَ في الخشبةِ، فانصرفْ بالألفِ
الدینار راشدًا».
(قال أبو عبد الله) البخاري، (وقال الليث) بن سعد وسبق في باب التجارة في البحر أن أبا
ذر عن المستملي وصله فقال حدّثني عبد الله بن صالح قال حدّثني الليث وعبد الله هذا هو كاتب
الليث وكذا وصله أبو الوقت فيما قاله في الفتح كذلك وسقط في رواية أبي ذر قوله أبو عبد الله
وكذا في رواية أبي الوقت واقتصرا على قوله وقال الليث، (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن
شرحبيل بن حسنة القرشي المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن رسول الله (ملجم) :
(أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني
بالشهداء أشهدهم) علی ذلك (فقال کفی بالله شهيدا. قال فائتني بالکفیل قال کفی بالله کفیلاً قال:
صدقت) وفي رواية أبي سلمة فقال سبحان الله نعم (فدفعها) أي الألف دينار (إليه) وفي رواية أبي
سلمة فعدّ له ستمائة دينار. قال ابن حجر رحمه الله: والأول أرجح لموافقته حديث عبد الله بن
عمرو (إلى أجل مسمى فخرج) الذي استلف (في البحر فقضى حاجته) وفي رواية أبي سلمة فركب
البحر بالمال يتجر فيه (ثم التمس مركبًا) بفتح الكاف أي سفينة (يركبها) حال كونه (يقدم عليه) أي
على الذي أسلفه ودال يقدم مفتوحة (للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا) زاد في رواية أبي سلمة وغدا
ربّ المال إلى الساحل يسأل عنه ويقول اللهم اخلفني وإنما أعطيت لك (فأخذ) الذي استلف (خشبة
فنقرها) أي حفرها (فأدخل فيها) في الخشبة وللكشميهني فيه أي في المكان المنقور من الخشبة (ألف
دينار وصحيفة منه إلى صاحبه) الذي استلف منه ولأبي الوقت وصحيفة فيه، وفي رواية لأبي سلمة
وكتب إليه صحيفة من فلان إلى فلان إني دفعت مالك إلى وكيل توكل بي (ثم زجج موضعها) بزاي
وجيمين. قال القاضي عياض: سمرها بمسامير كالزج أو حشا شقوق لصاقها بشيء ورقعه بالزج،
وقال الخطابي: سوّى موضع النقر وأصلحه وهو من تزجيج الحواحب وهو حذف زوائد الشعر،
ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزج وهو النصل كأن يكون النقر في طرف الخشبة فشد عليه زجًّا
يمسكه ويحفظ ما فيه، وقال السفاقسي: أصلح موضع النقر، (ثم أتى بها) أي بالخشبة (إلى البحر
فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانًا ألف دينار).
قال ابن حجر كالزركشي كذا وقع فيه هنا تسلفت فلانًا والمعروف تعديته بحرف الجرّ، وزاد
ابن حجر كما وقع في رواية الإسماعيلي استسلفت من فلان، وتعقبه العيني بأن تنظيره باستسلفت
غير موجه لأن تسلفت من باب التفعّل واستسلفت من باب الاستفعال وتفعل يأتي للمتعدي بلا
حرف الجرّ كتوسدت التراب واستسلفت معناه طلبت منه السلف ولا بدّ من حرف الجرّ انتهى.
وسقط قوله: كنت في رواية أبي ذر (فسألني كفيلاً فقلت كفى بالله كفيلاً فرضي بك وسألني