Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الصوم/ باب ٤٤/ حديث ١٩٥٦
ففي حال الصحو أو كانا في حالة واحدة وحفظ أحد الراويين ما لم يحفظ الآخر. وهذا الحديث سبق
في باب الصوم في السفر.
٤٤ - باب يُفْطِرُ بما تَيَسَّر مِنَ الماءِ أو غيره
هذا (باب) بالتنوين (يفطر) الصائم (بما تيسر عليه بالماء وغيره) وسقط لابن عساكر لفظ عليه
وللکشميهني من الماء.
١٩٥٦ - حدّثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا عبدُ الواحدِ حدَّثَنا الشَّيبانيُّ سُليمانُ قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ
أبي أوفى رضيَ اللّهُ عنهُ قال: ((سِرْنا معَ رسولِ اللهِ وَ له وهوَ صائمٌ، فلما غَرَبَتِ الشمسُ قال:
انزِل فاجدَخْ لنا، قال يا رسولَ اللّهِ لو أمسَيتَ، قال: انزِلْ فاجدَخ لنا، قال: يا رسولَ اللّهِ إِنَّ
عليكَ نهارًا، قال: انزِلْ فاجدَحْ لنا، فَتَزَّلَ فجدَحَ، ثم قال: إِذا رأَيتُم الليلَ أقْبلَ مِن هلهنا فقد أفطَرَ
الصائمُ. وأشارَ بِإِصبَعِه قِبَلِ المَشرِقِ)) .
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدثنا عبد الواحد) بن زیادة قال (حدثنا
الشيباني) أبو إسحاق ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: الشيباني سليمان فزاد اسمه (قال: سمعت
عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: سرنا مع رسول الله وَّر وهو صائم) في رمضان (فلما
غربت الشمس قال).
(انزل فاجدح لنا) وفي رواية شعبة عن الشيباني عن أحمد فدعا صاحب شرابه بشراب، وهو
يؤيد كونه بلالاً فإنه هو المعروف بخدمته عليه الصلاة والسلام لا سيما وفي رواية أبي داود بلفظ: يا
بلال انزل فاجدح لنا (قال يا رسول الله لو أمسيت؟ قال): (انزل فاجدح لنا) (قال يا رسول الله إن
عليك نهارًا قال): (انزل فاجدح لنا) (فنزل) ولأبي الوقت قال فنزل (فجدح) زاد في الباب السابق
فشرب النبي ◌ّ (ثم قال): (إذا رأيتم الليل يقبل من ههنا فقد أفطر الصائم) (وأشار) عليه الصلاة
والسلام (بإصبعه قبل المشرق) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة المشرق.
ومطابقته للترجمة من جهة أن الجدح تحريك السويق بالماء وهو مشتمل على الماء وغيره، وفي
الترمذي وغيره وصححوه: إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه
طهور .
وروى الترمذي وحسنه أنه وَلو كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يكن على تمرات فإن
لم يكن حسا حسوات من ماء وقضيته تقديم الرطب على التمر وهو على الماء والقصد بذلك كما قاله
المحب الطبري أن يدخل جوفه أولاً ما مسته النار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلاً
قال: ومن كان بمكة سنّ له أن يفطر على ماء زمزم لبركته ولو جمع بينه وبين التمر فحسن اهـ.

٥٢٢
کتاب الصوم/ باب ٤٥/ حديث ١٩٥٧ و ١٩٥٨
وردّ هذا بأنه مخالف للأخبار وللمعنى الذي شرع الفطر على التمر لأجله وهو حفظ البصر أو
أن التمر إذا نزل إلى المعدة فإن وجدها خالية حصل الغذاء وإلا أخرج ما هناك من بقايا الطعام وهذا
لا يوجد في ماء زمزم وعن بعضهم الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر ليكون
أبعد عن الشبهة. قال في المجموع: وهذا شاذ والمذهب وهو الصواب فطره على تمر ثم ماء.
٤٥ - باب تعجيلِ الإفطارِ
(باب) استحباب (تعجيل الإفطار) للصائم بتحقيق الغروب.
١٩٥٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي حازم عن سَهلِ بنِ سعدٍ أنَّ
رسولَ اللّهِ وَ لَّه قال: ((لا يَزالُ الناسُ بخيرِ ما عَجَّلوا الفِطرَ)).
وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي
حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ له
قال) :
(لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) أي إذا تحققوا الغروب بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل
على الأرجح، وما ظرفية أي مدة فعلهم ذلك امتثالاً للسنة واقفين عند حدودها غير متنطعين
بعقولهم ما يغير قواعدها، وزاد أبو هريرة في حديثه لأن اليهود والنصارى يؤخرون أخرجه أبو داود
وابن خزيمة وغيرهما وتأخير أهل الكتاب له أمد وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من
حديث سهل أيضًا: لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم، ويكره له أن يؤخره إن
قصد ذلك ورأى أن فيه فضيلة وإلا فلا بأس به نقله في المجموع عن نص الأم وعبارته تعجيل
الفطر مستحب ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمده ورأى أن الفضل فيه، ومقتضاه أن التأخير لا يكره
مطلقًا وهو كذلك إذ لا يلزم من كون الشيء مستحبًا أن يكون نقيضه مكروهًا مطلقًا، وخرج بقيد
تحقق الغروب ما إذا ظنه فلا يسن له تعجيل الفطر به وما إذا شكه فيحرم به وأما ما يفعله الفلكيون
أو بعضهم من التمكين بعد الغروب بدرجة فمخالف للسنة فلذا قل الخير والله يوفقنا إلى سواء السبيل.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة.
١٩٥٨ - حدثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ حدَّثَنا أبو بكرٍ عن سُليمانَ عنِ ابنِ أبي أوفى رضيَ اللّهُ عنهُ
قال: ((كنتُ معَ النّبِيِّ ◌ِّهِ فِي سَفْرٍ، فصامَ حتّى أمسى، قال لرجُلٍ: انزِلْ فاجدَخْ لي، قال: لوِ
انتَظرْتَ حتى تُمسِيَ، قال: انزِلْ فاجدَخْ لي، إذا رأيتَ الليلَ قد أقبلَ مِن هُهُنا فقد أفطَرَ الصائمُ)) .
وبه قال: (حدثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله وهو كوفي قال: (حدثنا أبو

٥٢٣
كتاب الصوم/ باب ٤٦/ حديث ١٩٥٩
بكر) هو ابن عياش القارىء (عن سليمان) الشيباني (عن ابن أبي أوفى) عبد الله (رضي الله عنه قال:
كنت مع النبي ◌ِّ في سفر فصام حتى أمسى) دخل في المساء (قال الرجل):
(انزل فاجدح لي) (قال: لو انتظرت حتى تمسي قال): (انزل فاجدح لي إذا رأيت الليل) أي
ظلامه (قد أقبل من هلهنا) أي من جهة المشرق (فقد أفطر الصائم) خبر بمعنى الأمر أو أفطر حكمًا
وإن لم يفطر حسا، فيدل على أنه يستحيل الصوم بالليل شرعًا. قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أن رجلاً
حلف لا يفطر على حار ولا بارد فأفتى الفقهاء بحثه إذ لا شيء مما يؤكل أو يشرب إلا وهو حار أو
بارد، وأفتى الشيرازي بعدم حنثه فإنه ◌َّر جعله مفطرًا بدخول الليل وليس بحار ولا بارد وهذا
تعلق باللفظ والأيمان إنما تبنى على المقاصد ومقصود الحالف المطعومات.
٤٦ - باب إِذا أفطَّرَ في رَمضانَ، ثُمَّ طَلَعتِ الشمسُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أفطر) الصائم (في رمضان)، ظانًا غروب الشمس (ثم طلعت
الشمس) أي ظهرت هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟
١٩٥٩ - حدثني عبدُ اللهِ بنُ أبي شيبةَ أبو أسامةَ عن هِشامِ بنِ عُروةً عن فاطمةَ عن
أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رضيَ اللّهُ عنهما قالت: ((أفطَرْنا على عهدِ النبيِّ يومَ غيمٍ ثُمَّ طَلَعتِ الشمسُ،
قيلَ لهشام: فأُمِروا بالقضاءِ؟ قال: بُدٍّ من قَضاء»؟ وقال مَعْمَرٌ سمعتُ هشامًا يقولُ: ((لا أدري
أقضَوْا أم لا)).
وبالسند قال: (حدثني) بالإفراد (عبد اللَّه بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
قال: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن)
زوجته وابنة عمه (فاطمة) بنت المنذر (عن أسماء بنت أبي بكر) ولابن عساكر: زيادة الصديق
(رضي الله عنهما) أنها (قالت أفطرنا على عهد النبي) ولأبي الوقت: على عهد رسول الله (وَليّ) أي
على زمنه وأيام حياته (يوم غيم) بنصب يوم على الظرفية، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيم (ثم
طلعت الشمس، قيل لهشام): هو ابن عروة المذكور والقائل له هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن
أبي شيبة في مصنفه وأحمد في مسنده (فأمروا) من جهة الشارع (بالقضاء؟ قال: بد من قضاء)؟ هل
بدّ من قضاء؟ فحرف الاستفهام مقدر، ولأبي ذر لا بدّ من قضاء، وهذا مذهب الشافعية والحنفية
والمالكية والحنابلة وعليه أن يمسك بقية النهار لحرمة الوقت ولا كفارة عليه. وحكى في الرعاية من
كتب الحنابلة أنه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلاً فبان نهارًا لكن الصحيح من مذهبهم، وجزم به
الأكثر أنه يجب القضاء والكفارة.
(وقال معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين ابن راشد مما وصله عبد بن حميد (سمعت
هشامًا) أي ابن عروة يقول: (لا أدري أقضوا) ذلك اليوم (أم لا) وقد روى عن مجاهد وعطاء

٥٢٤
كتاب الصوم/ باب ٤٧/ حديث ١٩٦٠
وعروة بن الزبير عدم القضاء وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا وعن عمر يقضي وفي آخر لا رواهما
البيهقي وضعفت الثانية النافية، وفي هذا الحديث كما قاله ابن المنير أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر
فإذا اجتهدوا فأخطأوا فلا حرج عليهم في ذلك وقد أخرجه أبو داود وابن ماجة في الصوم.
٤٧ - باب صوم الصّبيانِ
وقال عمرُ رضيَ اللّهُ عنه لِنَشْوان في رمضانَ: وَيْلَكَ، وصِبياننا صِيامٌ. فَضَرَبَه.
(باب) حكم (صوم الصبيان) هل يشرع أم لا؟ والمراد الجنس الصادق بالذكور والإناث،
ومذهب الشافعية أنهم يؤمرون به لسبع إذا أطاقوا ويضربون على تركه لعشر قياسًا على الصلاة،
ويجب على الولي أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأن الضرب عقوبة
فيقتصر فيها على محل ورودها وهو مشهور مذهب المالكية فيفرقون بين الصلاة والصيام فيضربون على
الصلاة ولا يكلفون الصيام وهو مذهب المدونة. وعن أحمد في رواية أنه يجب على من بلغ عشر
سنين وأطاقه، والصحيح من مذهبه عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يؤمر به إذا أطاقه
ويضرب عليه ليعتاده قالوا: وحيث قلنا بوجوب الصوم على الصبي فإنه يعصي بالفطر ويلزمه
الإمساك والقضاء كالبالغ.
(وقال عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) فيما وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجديات
(النشوان) بفتح النون وسكون الشين المعجمة غير مصروف لأن الاسم يمنع من الصرف للصفة
وزيادة الألف والنون بشرط أن لا يكون المؤنث في ذلك بتاء تأنيث نحو: نشوان وعطشان تقول هذا
نشوان ورأيت نشوان ومررت بنشوان فتمنعه من الصرف للصفة وزيادة الألف والنون والشرط
موجود فيه لأنك لا تقول للمؤنث نشوانة إنما تقول نشوى، لكن حكى الزمخشري في مؤنثه نشوانة
وحينئذٍ فيجوز صرفه، والمعنى قال عمر لرجل سكران (في رمضان: ويلك) بفتح اللام مفعول فعله
لازم الحذف أي شربت الخمر (وصبياننا) الصغار (صيام). بالياء، ولغير أبي ذر وابن عساكر: صوّام
بضم الصاد وتشديد الواو (فضربه) الحدّ ثمانين سوطًا ثم سيره إلى الشام وهذا من أحسن ما يتعقب
به على المالكية لأن أكثر ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ولا
عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر رضي الله عنه مع شدة تحريه ووفور الصحابة في
زمانه وقد قال لهذا الرجل كيف وصبياننا صيام.
١٩٦٠ - حدثنا مسذَّدٌ حدَّثَنا بشرُ بنُ المفضَّلِ عن خالدِ بنِ ذَكوانَ عنِ الرُّبَيِّع بنتِ مُعَوِّدٍ
قالت: ((أرسلَ النبيُّ وَِّ غَدَاةَ عاشوراءَ إِلى قُرَى الأنصار: مَن أصبَحَ مُفطِرًا فَلْيُتمَّ بقيةَ يومهِ، ومَن
أصبحَ صائمًا فَلْيَصُم. قالت: فكنّا نَصومهُ بَعدُ ونصَوِّمُ صِبيانَنا ونَجعَلُ اللعبةَ منَ العِهنِ. فإذا بكى
أحدُهم على الطّعامِ أعطيناهُ ذاكَ حتى يكونَ عندَ الإِفطارِ)).

٥٢٥
کتاب الصوم/ باب ٤٨
وبالسند قال: (حدثنا مسدد) قال: (حدثنا بشر بن المفضل) بالضاد المعجمة المشددة المفتوحة
من التفضيل قال: (حدثنا خالد بن ذكوان) أبو الحسن (عن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد
التحتية آخره عين مهملة (بنت معوذ) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الواو المكسورة آخره ذال
معجمة الأنصارية من المبايعات تحت الشجرة ابن عفراء أنها (قالت: أرسل النبي بَّقو غداة عاشوراء
إلى قرى الأنصار) زاد مسلم التي حول المدينة (من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائمًا
فليصم) أي فليستمر على صومه (قالت): أي الربيع (فكنا) ولأبي الوقت: كنا (نصومه) أي عاشوراء
(بعد ونصوّم صبياننا) زاد مسلم الصغار ونذهب بهم إلى المسجد وهذا تمرين للصبيان على الطاعات
وتعويدهم العبادات، وفي حديث رزينة بفتح الراء وكسر الزاي عند ابن خزيمة بإسناد لا بأس به
أن النبي وَ ﴿ كان يأمر برضعائه في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا
برضعن إلى الليل وهو يردّ على القرطبي حيث قال في حديث الربيع: هذا أمر فعله النساء بأولادهن
ولم يثبت علمه عليه الصلاة والسلام بذلك وبعيد أن يأمر بتعذيب صغير بعبادة شاقة اهـ.
ومما يقوى الرد عليه أيضًا أن الصحابي إذا قال فعلنا كذا في عهده وَّر كان حكمه الرفع لأن
الظاهر اطلاعه ◌َّيهر على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام مع أن
هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا بتوقيف.
(ونجعل لهم اللعبة) بضم اللام ما يلعب به (من العهن). الصوف المصبوغ كما سيأتي
إن شاء الله قريبًا (فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك) الذي جعلناه من العھن لیلتهي به (حتى
يكون عند الإفطار) زاد في رواية ابن عساكر والمستملي قال أي المصنف: العهن الصوف وقد أخرج
هذا الحديث مسلم أيضًا في الصوم.
٤٨ - باب الوِصالِ، ومَن قال لیسَ في
الليلِ صِيامٌ، لقولهِ عزَّ وجلَّ ﴿ثم أتمُّوا الصيامَ إلى الليلِ﴾
ونَهَى النبيُّ وَّرِ عنه رحمةً لهم وإبقاءً عليهم، وما يُكرَهُ مِنَ التَعَمُّق
(باب) حكم (الوصال) وهو أن يصوم فرضًا أو نفلاً يومين فأكثر ولا يتناول بالليل مطعومًا
عمدًا بلا عذر قاله في شرح المهذب، وقضيته أن الجماع والاستقاءة وغيرهما من المفطرات لا يخرجه
عن الوصال. قال الأسنوي في المهمات: وهو ظاهر من جهة المعنى لأن النهي عن الوصال إنما هو
لأجل الضعف والجماع ونحوه يزيده أو لا يمنع حصوله، لكن قال الروياني في البحر: هو أن
يستديم جميع أوصاف الصائمين. وقال الجرجاني في الشافي: أن يترك ما أبيح له من غير إفطار. قال
الأسنوي أيضًا: وتعبيرهم بصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كتارك النية لا يكون امتناعه
بالليل من تعاطي المفطرات وصالاً لأنه ليس بين صومين إلا أن الظاهر أن ذلك جرى على الغالب.

٥٢٦
كتاب الصوم/ باب ٤٨/ حديث ١٩٦١
(و) باب (من قال ليس في الليل صيام) أي ليس محلاً له (لقوله تعالى) ﴿ثم أتموا الصيام إلى
الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه آخر وقته.
وفي حديث أبي سعيد الخير عند الترمذي في جامعه وابن السكن وغيره في الصحابة
والدولابي في الكنى مرفوعًا: أن الله لم يكتب الصيام بالليل فمن صام فقد تعنى ولا أجر له. قال
ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ما أرى
عبادة سمع من أبي سعيد الخير، وعند الإمام أحمد والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن
أبي حاتم في تفسيرهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين
مواصلة فمنعني بشير وقال: إن رسول الله وَّو نهى عنه وقال يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا
كما أمركم الله تعالى: ﴿وأتموا الصيام إلى الليل﴾ فإذا كان الليل فأفطروا. (ونهى النبي وَليز) فيما
وصله المؤلف قريبًا من حديث عائشة (عنه) أي عن الوصال (رحمة لهم) أي الأمة (وإبقاء عليهم) أي
حفظًا لهم في بقاء أبدانهم على قوّتهم، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة قال:
نهى النبي ◌َّر عن الحجامة والمواصلة ولم يجرمهما إبقاء على أصحابه.
(و) باب (ما يكره من التعمق) وهو المبالغة في تكلف ما لم يكلف به.
١٩٦١ - حدثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَني يحيى عن شُعبةً قال: حدَّثني قتادة عن أنسٍ
رضيَ اللهُ عنهُ عن النبيِّ ◌َِّ قال: لا تُواصِلوا، قالوا إِنكَ تُواصِلُ، قال: لستُ كأحدٍ منكم، إِنّي
أُطِعَمُ وأُسقى. أو إني أبيتُ أُطْعَمُ وأسقى)). [الحديث ١٩٦١ - طرفه في: ٧٢٤١].
وبالسند قال (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثني) بالتوحيد (يحيى) بن سعيد القطان
(عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني) بالتوحيد أيضًا (قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه عن
النبي ◌َّ*) أنه (قال) لأصحابه:
(لا تواصلوا) نهي يقتضي الكراهة وهل هي للتنزيه أو للتحريم والأصح عند الشافعية التحريم
قال الرافعي: وهو ظاهر نص الشافعي وكرهه مالك. قال الأبيّ: ولو إلى السحر واختار اللخمي
جوازه إلى السحر لحديث من واصل فليواصل إلى السحر وقول أشهب من واصل أساء ظاهره
التحريم. وقال ابن قدامة في المغني: يكره للتنزيه لا للتحريم ويدل للتحريم قوله في رواية ابن
خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد إياكم والوصال.
(قالوا إنك تواصل)، لم يسم القائلون، وفي رواية أبي هريرة الآتية إن شاء الله تعالى أول
الباب اللاحق فقال رجل من المسلمين: وكأن القائل واحد ونسب إلى الجمیع لرضاهم به وفيه دليل
على استواء المكلفين في الأحكام وأن كل حكم ثبت في حقه عليه الصلاة والسلام ثبت في حق أمته
إلا ما استثنى فطلبوا الجمع بين قوله في النهي وفعله الدال على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به

٥٢٧
کتاب الصوم/ باب ٤٨/ حديث ١٩٦٢ و ١٩٦٣,
حيث (قال) عليه الصلاة والسلام: (لست) ولابن عساكر: إني لست (كأحد منكم) ولأبي ذر عن
الكشميهني: كأحدكم (إني أطعم وأسقى) بضم الهمزة فيها (أو) قال (إني أبيت أطعم وأسقى) حقيقة
فيؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صومه ورد بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً
والجمهور على أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوّة الآكل والشارب
أو أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش
والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ريّ بل مع الجوع والظمأ، وعلى
الثاني يعطى القوّة مع الشبع والريّ. ورجح الأول فإن الثاني ينافي في حال الصائم ويفوّت المقصود
من الصوم والوصال لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
١٩٦٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن نافع عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٌ
رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((نَهى رسولُ اللّهِ وَ لهَ عنِ الوِصالِ، قالوا: إِنكَ تُواصِلُ، قال: إِني لستُ
مِثْلَكم، إِني أُطْعَمُ وأُسقى)) .
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله وَي) أصحابه (عن الوصال)، سبق في باب
بركة السحور من غير إيجاب من طريق جويرية عن نافع ذكر السبب ولفظه: أن النبي ◌َّ واصل
فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم (قالوا) ولابن عساكر قال قالوا: (إنك تواصل قال):
(إني لست مثلكم)، وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم لستم في ذلك مثلي أي
لستم على صفتي أو منزلتي من ربي (إني أطعم وأسقى) قال ابن القيم: يحتمل أن يكون المراد ما
يغذيه الله تعالى به من معارفه وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه ونعيمه بحبه قال:
ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني
ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه.
١٩٦٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ حدثنا الليثُ حدَّثَني ابنُ الهادِ عن عبدِ اللهِ بنِ خبّابٍ
عن أبي سَعيدٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنهُ سمعَ النبيّ ◌ََّيقول: ((لا تُواصِلوا، فأيُّكم إِذا أرادَ أن يُواصِلَ
فلْيُواصِلْ حتّى السحر، قالوا: فإِنكَ تُواصِلُ يا رسولَ اللّهِ، قال: إِني لستُ كهيئتِكم، إِني أَبِيتُ لي
مُطعِمٌ يُطْعِمُني وساقٍ يَسْقِين)). [الحديث ١٩٦٣ - طرفه في: ١٩٦٧].
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام قال:
(حدثني) بالإفراد (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثي (عن عبد الله بن خباب) بالخاء
المعجمة المفتوحة والموحدة المشددة الأنصاري (عن أبي سعيد) الخدري (رضي الله عنه أنه سمع
النبي وَ ل﴾ يقول):

٥٢٨
کتاب الصوم/ باب ٤٨/ حديث ١٩٦٤
(لا تواصلوا فأيكم إذا أراد) وسقط لفظ إذا لأبي ذر (أن يواصل فليواصل حتى السحر) بالجر
بحتى الجارة التي بمعنى ((إلى)) وفيه رد على من قال: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز (قالوا فإنك)
بالفاء (تواصل يا رسول الله قال):
(إني لست كهيئتكم) أي لست مثل حالتكم وصفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع
وصاله (إني أبيت) حال كوني (لي مطعم) حال كونه (يطعمني و) لي (ساق) حال كونه (يسقين)
بحذف الياء في الفرع كالمصحف العثماني في الشعراء. وفي بعض الأصول يسقيني بإثباتها كقراءة
يعقوب الحضرمي في الآية حالة الوصل والوقف مراعاة للأصل والحسن البصري في الوصل فقط
مراعاة للأصل والرسم.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود من رواية ابن الهاد ولم يخرجه مسلم، ووهم صاحب العمدة
فعزاه له وإنما هو من أفراد البخاري كما قاله عبد الحق في الجمع بين الصحيحين وكذا صاحب
المنتقى وصاحب الضياء في المختارة بل والحافظ عبد الغني بن سرور في عمدته الكبرى عزا ذلك
للبخاري فقط فلعله وقع له في عمدته الصغرى سبق قلم والله أعلم.
١٩٦٤ - حقّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ ومحمدٌ قالا: أخبرَنا عَبْدةُ عن هِشام بنِ عُرْوةً عن أبيهِ
عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت: ((نَهى رسولُ اللّه ◌ََّ عنِ الوِصالِ رَحمةً لهم، فقالوا: إِنكَ
تُواصِلُ، قال: إِنِي لَستُ كهيئتِكم، إِني يُطعمُني ربي ويَسْقِين)). قال أبو عبد اللَّه: لم يَذكُرْ عثمانُ
((رحمة لهم)) .
وبه قال: (حدثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد وفي نسخة: أخبرنا (عثمان بن أبي شيبة) أخو
أبو بكر بن أبي شيبة (ومحمد) هو ابن سلام (قالا: أخبرنا عبدة) بن سليمان (عن هشام بن عروة عن
أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله وَل عن الوصال
رحمة لهم)، نصب على التعليل أي لأجل الرحمة، وتمسك به من قال النهي ليس للتحريم كنهيه لهم
عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن
الزبير أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا، ويأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى أنه وَ له واصل
بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم عليه فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف
عنهم كما صرحت به عائشة.
وأجيب: بأن قوله رحمة لهم لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم، وأما
مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلاً فاحتمل ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد
زجرهم لأنهم إذا باشروه وظهرت لهم حكمة النهي فكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من
الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع
الشديد ينافي ذلك. وفرق بعضهم بين من يشق عليه فيحرم ومن لم يشق عليه فيباح.

٥٢٩
كتاب الصوم/ باب ٤٩/ حديث ١٩٦٥
(فقالوا: إنك تواصل، قال): (إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقين) بحذف الياء
وإثباتها كما مرّ والياء في يطعمني بالضم وفي يسقين بالفتح، والصحيح أن هذا ليس على ظاهره لأنه
لو كان على الحقيقة لم يكن مواصلاً، وقيل: إنه كان يؤتى بطعام وشراب في النوم فيستيقظ وهو يجد
الريّ والشبع. وقال النووي في شرح المهذب: معناه محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب
البالغ يشغل عنهما وآثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة في قوله: يطعمني ربي دون أن يقول الله
لأن التجلي باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الألوهية لأنها تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها وتجلي
الربوبية تجلي رحمة وشفقة وهي أليق بهذا المقام.
(قال أبو عبد اللَّه) البخاري كذا لأبوي ذر والوقت وسقط لغيرهما (لم يذكر عثمان) بن أبي
شيبة في الحديث المذكور قوله (رحمة لهم) فدل على أنها من رواية محمد بن سلام وحده.
وأخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة جميعًا وفيه رحمة لهم ولم يبين أنها
ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في مسنديهما عن عثمان وليس فيه
رحمة لهم.
وأخرجه الجوزقي من طريق محمد بن حاتم عن عثمان وفيه رحمة لهم فيحتمل أن يكون عثمان
تارة يذكرها وتارة يحذفها وقد رواها الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن عثمان فجعل ذلك من قول
النبي 18َّ ولفظه قالوا: إنك تواصل، قال: (إنما هي رحمة رحمكم الله بها إني لست كهيئتكم) قاله
في فتح الباري.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الإيمان ومسلم في الصوم وكذا النسائي.
٤٩ - باب التنكيلِ لِمَنْ أكثَرَ الوصالَ. رواهُ أنسٌ عنِ النبيِّ وَّل
(باب التنكيل) من النكال أي العقوبة من النبي ◌َّ (لمن أكثر الوصال). في صومه (رواه) أي
التنكيل (أنس عن النبي وَلي) مما وصله في كتاب التمني.
١٩٦٥ - حدثنا أبو اليّمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: أخبرني أبو سَلمَةَ بنُ
عبد الرحمنِ أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ قال: ((نَهى رسولُ اللّهِ وَ لَهَ عنِ الوِصالِ في الصَّومِ، فقالَ
لهُ رجلٌ منَ المسلمِينَ: إِنكَ تُواصلُ يا رسولَ اللهِ. قال: وأيُّكم مِثلي؟ إني أبِيتُ يُطعِمني ربي
ويَسقِينِ. فلما أبوا أن يَنْتهوا عنِ الوِصالِ واصلَ بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهِلالَ، فقال: لو تَأَخَّرَ
لزِذْتُكم. كالتَّنكيلِ لهم حِينَ أبَوا أن يَنْتهوا)). [الحديث ١٩٦٥ - أطرافه في: ١٩٦٦، ٦٨٥١،
٧٢٤٢، ٧٢٩٩].
ارشاد الساري/ ج ٤/ م ٣٤
ـسارى

٥٣٠
کتاب الصوم/ باب ٤٩/ حديث ١٩٦٦
وبالسند قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن)
ابن شهاب (الزهري قال: حدثني) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر أخبرني بالإفراد فيهما (أبو
سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله وَلي) أصحابه (عن الوصال
في الصوم) فرضًا أو نفلاً (فقال له رجل من المسلمين) لم يسم، وفي رواية عقيل في التعزير فقال له
رجال: (إنك تواصل يا رسول الله) أي ووصلك دال على إباحته فأجابهم عليه الصلاة والسلام بأن
ذلك من خصائصہ حیث قال:
(وأيكم) وفي نسخة: فأيكم (مثلي) استفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد (إني أبيت يطعمني
ربي ويسقين) بحذف الياء وثبوتها كما سبق تقريره (فلما أبوا) أي امتنعوا (أن ينتهوا عن الوصال)
لظنهم أن نهيه عليه الصلاة والسلام نهي تنزيه لا تحريم، وللكشميهني كما في الفتح من الوصال
بالميم بدل العين (واصل بهم) عليه الصلاة والسلام (يومًا ثم يومًا) أي يومين لأجل المصلحة ليبين
لهم الحكمة في ذلك (ثم رأوا الهلال فقال) عليه الصلاة والسلام (لو تأخر) الشهر (لزدتكم) في
الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف منه بالترك (كالتنكيل لهم) وفي رواية معمر في التمني
كالمنكل لهم ووقع فيها عند المستملي كالمنكر لهم بالراء وسكون النون من الإنكار، وللحموي كالمنكي
بتحتية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من الإنكاء والأول هو الذي تضافرت به الروايات خارج
هذا الكتاب (حين أبوا) أي امتنعوا (أن ينتهوا) أي عن الانتهاء عن الوصال، وهذا الحديث أخرجه
أيضًا النسائي.
١٩٦٦ - حدثنا يحيى حدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن هَمّامٍ أنه سُمِعَ أبا هريرةَ
رضيَ اللّهُ عنهُ عن النبيِّي ◌َّ قال: ((إيّاكم والوِصالَ، مرَّتَيْنِ. قِيلَ: إِنكَ تُواْصِلُ. قال: إِني أبِيتُ
يُطْعِمُني ربي ويَسْقِين، فاكلفوا منَ العملِ ما تُطيقون)).
وبه قال (حدثنا يحيى) غير منسوب، ولأبي ذر كما في الفتح يحيى بن موسى وهو المعروف
بخت قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام) بن منبه
الصنعاني (أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي (وَليز) أنه (قال):
(إياكم والوصال) نصب على التحذير أي احذروا الوصال (مرتين) وعند ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ إياكم والوصال ثلاث مرات (قيل إنك تواصل
قال): عليه الصلاة والسلام: (إني أبيت) وفي حديث أنس في باب التمني إني أظل وهو محمول على
مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهارًا، وأكثر الروايات إنما
هو بلفظ: أبيت فكأن بعض الرواة عبر عنها بلفظ أظل نظرًا إلى اشتراكهما في مطلق الكون قال
تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا﴾ [النحل: ٥٨] فالمراد به مطلق الوقت ولا
اختصاص لذلك بنهار دون ليل (يطعمني ربي ويسقين) جملة حالية (فاكلفوا) بهمزة وصل وسكون

٥٣١
كتاب الصوم/ باب ٥٠/ حديث ١٩٦٧
الكاف وفتح اللام من كلفت بهذا الأمر أكلف به من باب علم يعلم أن تكلفوا (من العمل ما
تطيقون) أي تطيقونه فحذف العائد أي الذي تقدرون عليه ولا تتكلفوا فوق ما تطيقونه فتعجزوا.
٥٠ - باب الوِصالِ إِلى السَّحَر
(باب) جواز (الوصال إلى السحر) أطلق عليه وصالاً لمشابهته له في الصورة وإلا فحقيقة
الوصال أن يمسك جميع الليل كالنهار، لكن يحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في
إمساك جميع الليل، فقد ورد أنه # # كان يواصل من سحر إلى سحر رواه أحمد وعبد الرزاق عن
علي .
١٩٦٧ - حقّثنا إبراهيمُ بنُ حَمزةَ حدَّثني ابنُ أبي حازمٍ عن يزيدَ عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابٍ عن
أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ رضيَ اللّهُ عنهُ أنهُ سمِعَ رسولَ اللّهِ رَ له يقول: ((لا تُواصِلوا، فأيُّكم أرادَ أن
يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ حتّى السَّحَر، قالوا: فإِنكَ تُواصِلُ يا رسولَ اللّهِ، قال: لستُ كهيئتِكم، إِني أبِيتُ
لي مطْعِمٌ يُطعِمُني وساقٍ يَسْقِينٍ)).
وبالسند قال (حدثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن
عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الزبيري المدني قال: (حدثني) بالإفراد (ابن أبي حازم)
هو عبد العزيز (عن يزيد) بن عبد اللَّه بن الهاد (عن عبد الله بن خباب) بمعجمة وموحدتين
الأولى مثقلة المدني من موالي الأنصار وثقه أبو حاتم وغيره (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه
سمع رسول الله ◌َالقر يقول).
(لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) بالجر بحتى الجارة وهو قول
اللخمي من المالكية ونقل عن أحمد وعبارة المرداوي في تنقيحه ويكره الوصال ولا يكره إلى السحر
نصًا وتركه أولى انتهى. وقال به أيضًا ابن خزيمة من الشافعية وطائفة من أهل الحديث (قالوا فإنك
تواصل يا رسول الله قال): (لست) ولابن عساكر قال: إني لست (كهيئتكم إني أبيت) حال كوني (لي
مطعم) حال كونه (يطعمني و) لي (ساق) حال كونه (يسقين) بفتح أوله وحذف الياء وإثباتها كما
تقدم، وهذا لا يعارضه حديث أبي صالح عن أبي هريرة المروي عند ابن خزيمة من طريق عبيدة بن
حميد عن الأعمش عنه بلفظ: كان رسول الله وَ ل# يواصل إلى السحر ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه
الحديث لأن المحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، فرواية
عبيدة هذه شاذة. وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك أخرجه أحمد
وغيره عن أبي معاوية وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما سبق، وعلى تقدير أن تكون رواية
عبيدة محفوظة فقد جمع ابن خزيمة بينهما باحتمال أن يكون نهي ◌ّ عن الوصال أولاً مطلقًا سواء
جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح ثم خص النهي بجميع الليل فأباح الوصال

٥٣٢
کتاب الصوم/ باب ٥١/ حدیث ١٩٦٨
إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، وقيل يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة
التنزيه، وفي حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم قاله في الفتح.
ثم شرع المؤلف في أبواب التطوّع بالصوم فقال:
٥١ - باب مَن أقسَمَ على أخيهِ لِيُفطِرَ في التطَّوُّعِ،
ولم يَرَ عليهِ قضاءَ إِذا كان أَوفقَ لهُ
(باب من أقسم) حلف (على أخيه) وكان صائمًا (ليفطر) والحال أنه كان (في) صوم (التطوع
ولم ير عليه) أي على هذا المفطر (قضاء) عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه (إذا كان) الإفطار (أوفق له)
بالواو في الفرع وغيره. وقال الحافظ ابن حجر: ويروى أرفق بالراء بدل الواو والضمير في له
للمقسم عليه أي إذا كان المقسم عليه معذورًا بفطره ومفهومه عدم الجواز ووجوب القضاء على من
تعمد بغير سبب ويأتي البحث في هذه المسألة آخر الباب إن شاء الله تعالى. وقال البرماوي
كالكرماني: المعنى يفطر إذا كان الإفطار أرفق للمقسم الذي هو صاحب الطعام فإذا متعلقة بما
استلزمه قوله لم ير عليه قضاء من جواز إفطاره.
قال الشافعية في باب وليمة العرس ولا تسقط إجابة بصوم فإن شق على الداعي صوم نفل
فالفطر أفضل من إتمام الصوم وإن لم يشق عليه فالإتمام أفضل أما صوم الفرض فلا يجوز الخروج منه
مضيفًا كان أو موسعًا كالنذر المطلق ولابن عساكر في نسخة إذ كان بسكون الذال يعني حين كان.
١٩٦٨ - حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ حدَّثَنا جَعفرُ بنُ عَونِ حدَّثَنا أبو العُمَيسِ عن عَونِ بنِ أبي
جُحَيفة عن أبيهِ قال: ((آخى النبيُّ نَّ بِينَ سَلمانَ وأبي الدَّرداءِ، فزارَ سَلمانُ أبا الدَّرداءِ، فرأَى أَمَّ
الدَّرداءِ متَبذِلةً فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوكَ أبو الدَّرداءِ ليسَ لهُ حاجةٌ في الدُّنيا. جاءَ أبو
الدَّرداءِ فصنَعَ لهُ طَعامًا فقال له: كل، قال: فإني صائمٌ، قال: ما أنا بِآكلِ حتى تَأْكُلَ. قال: فأكلَ.
فلمّا كان الليلُ ذَهبَ أبو الدرداءِ يقومُ، قال: نم، فنام. ثم ذَهبَ يقومُ، فقال: نم. فلمّا كانَ من
آخِرِ الليلِ قال سلمانُ: قُمِ الآنَ، فصَليًّا. فقال له سلمانُ: إِنَّ لِربِّكَ عليكَ حقًّا، ولنفْسِكَ عليكَ
حقًا، ولأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأعْطِ كلَّ ذي حَقٌ حقّه، فأتى النبيَّ ◌َ فَذَكرَ ذُلكَ له، فقال له
النبيُّ وَله: صَدَقَ سَلمانُ)). [الحديث ١٩٦٨ - طرفه في ٦١٣٩].
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن بشار) بالمعجمة المشددة بعد الموحدة العبدي البصري بندار
قال: (حدثنا جعفر بن عون) المخزومي القرشي قال: (حدثنا أبو العميس) بضم العين المهملة وفتح
الميم وإسكان التحتية آخره سين مهملة اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعود (عن عون بن أبي جحيفة)
بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المثناة التحتية وفتح الفاء (عن أبيه) أبي جحيفة وهب بن

٥٣٣
کتاب الصوم/ باب ٥١/ حدیث ١٩٦٨
عبد اللَّه السوائي أنه (قال: آخى النبي ◌ِّ بين سليمان) بن عبد الله الفارسي ويقال له سلمان ابن
الإسلام وسلمان الخير أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان عاش فيما رواه أبو الشيخ في طبقات
الأصبهانيين ثلاثمائة وخمسين سنة ويقال إنه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل بل أدرك وصي عيسى
وكان أول مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البر يقال أنه شهد بدرًا (و) بين (أبي الدرداء)، عويمر أو
عامر بن قيس الأنصاري أول مشاهده أحد (فزار سلمان أبا الدرداء) في عهده وَل# وكان أبو الدرداء
غائبًا (فرأى) سلمان (أم الدرداء) هي خيرة بفتح الخاء المعجمة بنت أبي حدرد الأسلمية الصحابية
الكبرى وليست أم الدرداء الصغرى المسماة هجيمة (متبذّلة) بضم الميم وفتح المثناة الفوقية والموحدة
وكسر المعجمة المشددة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون المعجمة أي المهنة وزنًا ومعنى
أي تاركة للباس الزينة وللكشميهني مبتذلة بميم مضمومة فموحدة ساكنة ففوقية مفتوحة فمعجمة
مكسورة.
(فقال) سلمان (لها: ما شأنك)؟ يا أم الدرداء مبتذلة (قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة
في الدنيا) وللدارقطني: من وجه آخر عن محمد بن عون في نساء الدنيا وزاد ابن خزيمة يصوم
النهار ويقوم الليل، (فجاء أبو الدرداء) زاد الترمذي فرحب بسلمان (فصنع له (طعامًا) وقربه إليه
ليأكل (فقال): سلمان لأبي الدرداء (كُل قال): أبو الدرداء (فإني صائم) وفي رواية الترمذي فقال:
كُل فإني صائم، وعلى هذا فالقائل أبو الدرداء والمقول له سلمان (قال) سلمان لأبي الدرداء (ما أنا
بآكل) من طعامك (حتى تأكل). أراد سلمان أن يصرف أبا الدرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد
نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه زوجته (قال: فأكل)، أبو الدرداء معه.
فإن قلت: لم يذكر في هذا الحديث قسمًا من سلمان حتى تقع المطابقة بينه وبين الترجمة حيث
قال من أقسم على أخيه؟ قلت أجاب ابن المنير بأنه إما لأنه في طريق آخر وإما لأن القسم في هذا
السياق مقدر قبل لفظ ما أنا بآكل كما قدر في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]
وتعقبه في المصابيح بأنه يحتاج إلى إثبات الطريق الذي وقع فيه القسم والاحتمال ليس كافيًا في ذلك،
وتقدیر قسم هنا تقدیر ما لا دلیل علیه فلا يصار إليه انتهى.
وقد وقع في رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ المؤلف كما أفاده في الفتح فقال: أقسمت
عليك لتفطرن، وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى والدارقطني من طريق علي بن مسلم
وغيره والطبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة والعباس بن عبد العظيم، وابن حبان من
طريق أبي خيثمة كلهم عن جعفر بن عون به، فكأن محمد بن بشار لم يذكر هذه الجملة لما حدث به
المؤلف وبلغ المؤلف ذلك من غيره فاستعمل هذه الزيادة في الترجمة.
(فلما كان الليل) أي أوله (ذهب أبو الدرداء) حال كونه (يقوم) يعني يصلي. وقد روى
الطبراني هذا الحديث من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلاً فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند

٥٣٤
کتاب الصوم/ باب ٥١/ حدیث ١٩٦٨
أبي الدرداء ولفظه كان أبو الدرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها. (قال) سلمان له (نم فنام) أبو
الدرداء (ثم ذهب يقوم، فقال) له سلمان: (نم فلما كان من آخر الليل) عند السحر (قال) له
(سلمان. قم الآن) فقام أبو الدرداء وسلمان وتوضاً (فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا،
ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا) زاد الترمذي وابن خزيمة وإن لضيفك عليك حقّا (فأعط
كل ذي حق حقه). بقطع همزة فأعط وللدارقطني فصم وأفطر ونم وائت أهلك (فأتى) أبو الدرداء
(النبي ◌َ ◌ّ فذكر ذلك) الذي قاله سلمان (له) عليه الصلاة والسلام (فقال النبي (وَّر):
(صدق سلمان) وللترمذي فأتيا بالتثنية وفيه: أنه لا يجب إتمام صوم التطوع إذا شرع فيه
كصلاته واعتكافه لئلا يغير الشروع حكم المشروع فيه ولحديث الترمذي وصححه الحاكم: الصائم
المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ويقاس بالصوم الصلاة ونحوها، لكن يكره الخروج
منه لظاهر قوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد ير: ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه
كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى إلا بعذر كمساعدة ضيف في الأكل إذا عز عليه امتناع مضيفه منه أو
عكسه فلا يكره الخروج منه، بل يستحب لحديث الباب مع زيادة الترمذي: وإن لضيفك عليك حقًا
أما إذا لم يعز على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه ذكره في المجموع، وإذا
خرج منه قال المتولي: لا يثاب على ما مضى لأن العبادة لم تتم، وحكي عن الشافعي أنه يثاب عليه
وهو الوجه إن خرج منه بعذر ويستحب قضاؤه سواء خرج بعذر أو بغيره وهذا مذهب الشافعية
والحنابلة والجمهور، وقال المالكية: يجب البقاء في صوم النفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا فلا قضاء
على من أفطر ناسيًا ولا على من أفطر لعذر من مرض أو غيره، فلو شرع في صوم نفل وجب عليه
إتمامه وحرم عليه الفطر من غير عذر ولو حلف عليه شخص بالطلاق الثلاث فإنه يحنثه ولا يفطر
فإن أفطر وجب عليه القضاء إلا في كوالد وشيخ وإن لم يحلفا.
وفي حكايات أهل الطريق أن بعض الشيوخ حضر دعوة فعرض الطعام على تلميذه فقال: إني
على نية وأبى أن يأكل فقال له الشيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنة فأبى، فقال الشيخ: دعوه فإنه
سقط من عين الله فنسأل الله العافية .
وقال الحنفية يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصد أو غير قصد بأن عرض الحيض للصائمة
المتطوعة لا خلاف بين أصحابنا في ذلك وإنما اختلاف الرواية في نفس الإفساد هل يباح أو لا؟
ظاهر الرواية لا إلاّ لعذر، ورواية المنتقى يباح بلا عذر، ثم اختلف المشايخ على ظاهر الرواية هل
الضيافة عذر أو لا؟ قيل: نعم، وقيل لا، وقيل عذر قبل الزوال لا بعده إلا إذا كان في عدم الفطر
بعده عقوق لأحد الوالدين لا غيرهما حتى لو حلف عليه رجل بالطلاق الثلاث لتفطرن لا يفطر
لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها
عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سبقت في معرض ذمهم

٥٣٥
كتاب الصوم/ باب ٥٢/ حديث ١٩٦٩
على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم والقدر المؤدي عمل كذلك فوجب صيانته
عن الإبطال بهذين النصين فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال.
وأجيب: بأن المراد لا تحبطوا الطاعات بالكبائر أو بالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن
والأذى ونحوها وهذا غير الإبطال الموجب للقضاء، وقد قال ابن المنير من المالكية في الحاشية: ليس
في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾
إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشافعية في هذه المسألة أظهر.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته مما يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمل، وأخرجه
المؤلف في الأدب وكذا الترمذي.
٥٢ - باب صَومِ شَعبانَ
(باب) فضل (صوم شعبان).
١٩٦٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي النّضرِ عن أبي سَلمَةً عن عائشةَ
رضيَ اللهُ عنها قالت: ((كانَ رسولُ اللّهِ وَّهِ يَصومُ حتَّى نقولَ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتَّى نقولَ لا
يصومُ، وما رأيتُ رسولَ اللّهِ وَ له استكملَ صِيامَ شهرٍ إِلا رمضانَ، وما رأيتهُ أكثرَ صِيامًا منهُ في
شَعبانَ)). [الحديث ١٩٦٩ - طرفاه في: ١٩٧٠ و٦٤٦٥].
وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي
النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن عائشة
رضي الله عنها) أنها (قالت) (كان رسول الله و لم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا
يصوم)، أي ينتهي صومه إلى غاية نقول إنه لا يفطر ويفطر فينتهي إفطاره إلى غاية حتى نقول إنه لا
يصوم (فما) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وما (رأيت رسول الله) ولأبوي ذر والوقت:
النبي (َّ استكمل صيام شهر إلا رمضان) وإنما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلا يظن وجوبه
((وما رأيته صيامًا منه في شعبان)) بنصب صيامًا. قال البرماوي كالزركشي وروي بالخفض.
قال السهيلي: وهو وهم كأنه بناه على كتابتها بغير ألف على لغة من يقف على المنصوب المنون
بلا ألف فتوهمه مخفوضًا لا سيما وصيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة، ولكن الإضافة هنا ممتنعة
قطعًا ووجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكون أعمال العباد ترفع فيه ففي النسائي من حديث أسامة
قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يغفل
الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا
صائم، فبين وّل وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: إنه شهر يغفل الناس عنه بين
رجب ورمضان يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما

٥٣٦
کتاب الصوم/ باب ٥٢/ حديث ١٩٧٠
فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس من يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس
كذلك، وقيل في تخصيصه شعبان غير ذلك.
وحديث الباب أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصيام.
١٩٧٠ - حدثنا مُعاذُ بنُ فَضالةَ حدَّثَنا هِشامٌ عن يحيى عن أبي سَلمَةَ أنَّ عائشةَ
رضيَ اللّهُ عنها حدَّثَتْهُ قالت: «لم يكنِ النبيُّ نَّه يَصومُ شهرًا أكثرَ من شَعبانَ، وكانَ يَصومُ شَعبانَ
كلَّهُ، وكانَ يقولُ: خُذوا منَ العملِ ما تُطِيقونَ، فإِنَّ اللّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا. وأُحَبُّ الصلاةِ إلى
النبيِّ وَّرَ مَا دُورِمَ عليهِ وإِنْ قَلَّتْ. وَكانَ إِذا صلَّى صلاةً داوَمَ عليها)).
وبه قال: (حدثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة قال: (حدثنا هشام) الدستوائي
(عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن عائشة رضي الله عنها حدثته قالت):
(لم يكن النبي (وَ﴿ يصوم شهرًا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله)، واستشكل هذا مع قوله
في الرواية الأولى وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.
وأجيب: بأن الرواية الأولى مفسرة لهذه ومبينة بأن المراد بكله غالبه، وقيل كان يصومه في
وقت وبعضه في آخر، وقيل كان يصوم تارة من أوّله وتارة من وسطه وتارة من آخره ولا يترك منه
شيئًا بلا صيام، لكن في أكثر من سنة كذا قاله غير واحد كالزركشي وتعقبه في المصابيح بأن الثلاثة
كلها ضعيفة فأما الأول إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا غير معهود اهـ.
وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال
صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليله أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كأن
ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك فالمراد الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال واستبعده أيضًا فقال كل
توكيد لإرادة الشمول ورفع التجوّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له اهـ.
وتعقبه أيضًا الحافظ زين الدين العراقي بأن في حديث أم سلمة عند الترمذي قالت: ما رأيت
رسول الله ◌َو يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد
بشعبان أكثره إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه
وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول أن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه وفيه
خلاف لأهل الأصول. قال في عمدة القارىء: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأن
من قال ذلك قاله في اللفظ الواحد وهنا لفظان شعبان ورمضان اهـ.
فلينظر هذا مع قول ابن المبارك أنه جائز في كلام العرب. قال في المصابيح. وأما الثاني فلأن
قولها كان يصوم شعبان كله يقتضي تكرار الفعل وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل هذه
العبارة اهـ.

٥٣٧
کتاب الصوم/ باب ٥٢/ حديث ١٩٧٠
واختلف في دلالة كان على التكرار وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال: وهذا استفدناه من
قولهم كان حاتم يقري الضيف، وصحح الإمام فخر الدين في المحصول أنها لا تقتضيه لا لغة ولا
عرفًا. وقال النووي في شرح مسلم: إنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين،
وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفًا اهـ.
قال في المصابيح: وأما الثالث فلأن أسماء الشهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ شهر كان
العمل عامًا لجميعها لا تقول سرت المحرم وقد سرت بعضًا منه ولا تقول صمت رمضان وإنما
صمت بعضه، فإن أضفت الشهر إليه لم يلزم التعميم هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحد. قال
الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجاج، ويمكن أن يقال إن قولها وما رأيته أكثر صيامًا منه في
شعبان لا ينفي صيامه لجميعه، فإن المراد أكثرية صيامه فيه على صيامه في غيره من الشهور التي لم
يفرض فيها الصوم وذلك صادق بصومه لكله لأنه إذا صامه جميعه صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه
أكثر من الصوم الذي أوقعه في غيره ضرورة أنه لم يصم غيره مما عدا رمضان كاملاً.
وأما قولها: لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان فيحمل على الحذف أي إلا رمضان وشعبان
بدليل قولها في الطريق الأخرى فإنه كان يصوم شعبان كله وحذف المعطوف والعاطف جميعًا ليس
بعزيز كلامهم ففي التنزيل ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] أي
ومن أنفق من بعده وفيه سرابيل تقيكم الحر أي والبرد. قال: ويمكن الجمع بطريق أخرى وهي أن
يكون قولها وكان يصوم شعبان كله محمولاً على حذف أداة الاستثناء والمستثنى أي إلا قليلاً منه،
ويدل عليه حديث عبد الرزاق بلفظ: ما رأيت رسول الله وَ﴿ أكثر صيامًا منه في شعبان فإنه كان
يصومه کله إلا قليلاً.
فإن قلت: قد ورد في حديث مسلم أن أفضل الصيام بعد رمضان المحرم فكيف أكثر عليه
الصلاة والسلام منه في شعبان دون المحرم؟ أجيب: باحتمال أنه و 98 لم يعلم فضل المحرم إلا في
آخر حياته قبل التمكن من صومه أو لعله كان يعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه .
(وكان) عليه الصلاة والسلام (يقول) (خذوا من العمل ما تطيقون) المداومة عليه بلا ضرر
(فإن الله) عز وجل (لا يمل) بفتح الياء التحتية والميم. قال النووي: الملل السآمة وهو بالمعنى
المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحققون: أي لا يعاملكم معاملة الملل
فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حتى تملوا). بفتح الأول والثاني أي تقطعوا أعمالكم وقال
الكرماني هو إطلاق مجازي عن ترك الجزاء وقال بعضهم: معناه لا تتكلفوا حتى تملوا فإن الله جل
جلاله منزه عن الملالة ولكنكم تملون قبول فيض الرحمة. (وأحب الصلاة إلى النبي ◌َّ) ولابن
عساكر: وأحب الصلاة إلى الله (ما دووم عليه) بضم الدال وسكون الواو الأولى وكسر الثانية مبنيًا
للمفعول من المداومة من باب المفاعلة، وفي نسخة ما ديم مبنيًا للمفعول أيضًا من دام والأول من

٥٣٨
كتاب الصوم/ باب ٥٣/ حديث ١٩٧١ و ١٩٧٢
داوم، (وإن قلت وكان إذا صلى صلاة داوم عليها) وفي الإدامة والمواظبة فوائد منها تخلق النفس
واعتيادها ولله در القائل :
هي النفس ما عودتها تتعوّد
والمواظب يتعرض لنفحات الرحمة قال عليه الصلاة والسلام: إن لربكم في أيام دهركم نفحات
ألا فتعرّضوا لها.
٥٣ - باب ما يُذكَرُ مِن صَوم النبيِّ ◌َِّ وإفطارهِ
(باب ما يذكر من صوم النبي بَيه) التطوّع (وإفطاره) في خلال صومه.
١٩٧١ - حدثنا موسى بن إسماعيلَ حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن أبي بِشْر عن سعيدِ بنِ جُبِيرِ عنِ ابنِ
عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((ما صامَ النبيُّ ◌َ شَهرًا كامِلاً قطُّ غيرَ رَمضانَ، ويَصومُ حتَّى يَقولَ
القائلُ: لا واللّهِ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتَّى يقولَ القائلُ: لا واللهِ لا يَصومُ» .
وبالسند قال: (حدثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد (موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال:
(حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس
اليشكري (عن سعيد) ولأبي الوقت: سعيد بن جبير (عن ابن عباس رضي الله عنهما) ولمسلم من
طريق عثمان بن حكيم سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب فقال: سمعت ابن عباس (قال) ((ما
صام النبي ( 18 شهرًا كاملاً قط غير رمضان) هو كقول عائشة لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان
ويعارضه ظاهر قولها كان يصوم شعبان كله فإما أن يحمل على الأكثرية أو على أنه لم يره يستكمل إلا
رمضان فأخبر على حسب اعتقاده (ويصوم) ولمسلم: وكان يصوم (حتى يقول القائل: لا والله لا
يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم). ومطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه مسلم
والنسائي وابن ماجه في الصوم.
١٩٧٢ - حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثني محمدُ بنُ جعفرٍ عن حُمَيدٍ أنهُ سمعَ
أنسًا رضيَ اللهُ عنهُ يقول: ((كانَ رسولُ اللّهِ وَهِ يُفطِرُ منَ الشهرِ حتّى نظنَّ أنْ لا يصومَ منهُ،
ويَصومُ حتّى نظنَّ أنْ لا يُفطِرَ منه شيئًا: وكان لا تَشاءُ تَراهُ منَ الليلِ مُصَلْيَا إِلا رأيته، ولا نائمًا إِلا
رأيتَه)). وقال سُليمانُ عن حُمَيد أنهُ سألَ أنسًا في الصومِ ح.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد العزيز بن عبد اللَّه) بن يحيى القرشي العامري الأويسي
(قال: حدثني) بالإفراد (محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (عن حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا
رضي الله عنه يقول): (كان رسول الله ﴿ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه) بفتح همزة
أن ونصب يصوم ورفعه لأن أن إما ناصبة ولا نافية وإما مفسرة، ولا ناهية ونظن بنون الجمع كما

٥٣٩
کتاب الصوم/ باب ٥٣/ حديث ١٩٧٣
في اليونينية وزاد في فتح الباري يظن بالمثناة التحتية المضمومة وفتح المعجمة مبنيًا للمفعول وتظن
بالمثناة الفوقية على المخاطبة قال: ويؤيده قوله بعد ذلك إلا رأيته فإنه روى بالضم والفتح معًا
(ويصوم) من الشهر (حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا: وكان لا تشاء تراه من الليل مصليًا إلا رأيته)
أي مصليا (ولا) تشاء تراه من الليل (نائمًا، إلا رأيته) أي نائمًا يعني أنه كان تارة يقوم من أول الليل
وتارة من وسطه وتارة من آخره كما كان يصوم تارة من أول الشهر وتارة من وسطه وتارة من آخره
فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا أو في وقت من أوقات الشهر صائمًا فراقبه
المرة بعد المرة فلا بد أن يصادفه قائمًا على وفق ما أراد أن يراه وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا
أنه كان يستوعب الليل قائمًا. وأما قول عائشة وكان إذا صلى صلاة داوم عليها فالمراد به ما اتخذه
راتبًا لا مطلق النافلة فلا تعارض قاله في فتح الباري:
(وقال): وسقطت الواو في رواية أبي الوقت (سليمان) بن حيان الأحمر مما وصله المؤلف في
الباب (عن حميد) الطويل (أنه سأل أنسًا في الصوم).
١٩٧٣ - حدثني محمدٌ أخبرنا أبو خالدِ الأحمرُ أخبرَنا حُمَيدٌ قال: سألتُ أنسًا رضيَ اللهُ عنهُ
عن صِيامِ النبيِّ وَّر فقال: ((ما كنتُ أحِبُّ أنْ أراهُ منَ الشهر صائمًا إِلا رأيتُه، ولا مُفطِرًا إِلا رأيتُه،
ولا مِنَ الليلِ قائمًا إِلاّ رأيتُه، ولا نائمًا إِلا رأيتُه، ولا مَسِسْتُ خَزَّةً ولا حَرِيرةٌ أَلْيَنَ مِن كَفِّ
رسولِ اللّهِ وَ﴿، ولا شَمِمتُ مِسْكةً ولا عَبِيرةٌ أطْيبَ رائحةً مِن رائحةِ رسولِ اللّهِ وَلَ) .
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد) ولأبي ذر: هو ابن سلام قال: (أخبرنا أبو خالد)
سليمان بن حيان (الأحمر) قال: (أخبرنا حميد) الطويل (قال: سألت أنسًا رضي الله عنه عن صيام
النبي وَ﴿ فقال): (ما كنت أحب أن أراه) أي ما كنت أحب رؤيته (من الشهر) حال كونه (صائمًا
إلا رأيته) صائمًا (ولا) كنت أحب أن أراه من الشهر حال كونه (مفطرًا إلا رأيته) مفطرًا (ولا) كنت
أحب أن أراه (من الليل) حال كونه (قائمًا إلا رأيته) قائمًا (ولا) كنت أحب أن أراه من الليل حال
كونه (نائمًا إلا رأيته) نائمًا (ولا مسست) بفتح الميم وكسر السين الأولى على الأفصح وسكون الثانية
· (خزة) بفتح الخاء والزاي المشددة المعجمتين هو في الأصل اسم دابة ثم سمي الثوب المتخذ من وبره
خزا (ولا حريرة) وفي نسخة ولا حريرً (ألين من كف رسول الله وَلير، ولا شممت) بكسر الميم
الأولى. وقول ابن درستويه والعامة يخطئون في فتحها. تعقبه في المصابيح بأنها لغة حكاها الفراء
قال: ومضارع المكسور أشم بفتح الشين والآخر أشم بضمها (مِسْكة ولا عبيرة) بالموحدة المكسورة
والتحتية الساكنة والعبير طيب معمول من أخلاط ولابن عساكر ولا عنبرة بنون ساكنة فموحدة
مفتوحة القطعة من العنبر المعروف (أطيب رائحة من رائحة) وللكشميهني كما في الفتح من ريح
(رسول الله وَ*) فقد كان عليه الصلاة والسلام على أكمل الصفات خلقًا وخلقًا فهو كل الكمال
وجملة الجمال.

٥٤٠
كتاب الصوم/ باب ٥٤ و ٥٥/ حديث ١٩٧٤ و ١٩٧٥
وفي حديثي الباب أنه عليه الصلاة والسلام لم يصم الدهر ولا قام كل الليل ولعله إنما ترك
ذلك لئلا يقتدى به فيشق على أمته وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه لكنه
سلك من العبادة الطريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون رَله كثيرًا.
٥٤ - باب حقّ الضَّيفِ في الصَّوم
(باب حق الضيف في الصوم) أي في صوم المضيف.
١٩٧٤ - حدثنا إِسحقُ أخبرَنا هارونُ بن إسماعيلَ حدَّثَنَا عليٍّ يحيى قال: حدَّثَني أبو
سَلَمَةَ قال: حدَّثَني عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((دَخلَ عليّ
رسولُ اللّهِ ونَ﴾) فذكّر الحديثَ، يعني ((إِنَّ لزَورِكَ عليكَ حَقًّا، وإِنَّ لزَوجِكَ عليكَ حَقًّا. فقلتُ:
وما صومُ داودَ؟ قال: نِصفُ الدَّهر)».
وبه قال (حدثنا إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا هارون بن إسماعيل) الخزاز قال:
(حدثنا علي) وفي نسخة: علي بن المبارك أي الهنائي قال: (حدثنا يحيى) بن أبي كثير (قال: حدثني)
بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي
رضي الله عنهما قال: دخل علي رسول الله وَ لاغير فذكر الحديث) هكذا أورده مختصرًا ثم ذكر ما يشهد
لما ترجم له فقال (يعني):
(إن لزورك) بفتح الزاي وسكون الواو. قال في التنقيح کالنهاية: وهو في الأصل مصدر
وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم وقد يكون اسم جمع له واحد من اللفظ وهو
زائر كراكب وركب أي أن لضيفك (عليك حقًا) أي فتفطر لأجله إيناسًا له وبسطًا (وإن لزوجك
عليك حقًا) وحقها هنا الوطء فإذا سر الزوج الصوم ووالى قيام الليل ضعف عن حقها قال
عبد الله بن عمرو بن العاصي، (فقلت): بالفاء، ولابن عساكر: قلت: (وما صوم داود)؟ في
الباب التالي قال: فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله
داود؟ (قال): (نصف الدهر) وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا النسائي.
٥٥ - باب حقِّ الْجِسم في الصَّوم
(باب حق الجسم في الصوم) على المتطوّع بأن يرفق به لئلا يضعف فيعجز عن أداء الفرائض.
١٩٧٥ - حدثنا ابنُ مُقاتلِ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا الأوزاعيُّ قال: حدَّثَني يحيى بنُ أبي كثير
قال: حدَّثني أبو سَلمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ قال: حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ
رضيَ اللّه عنهما ((قال لي رسولُ اللّهِ وَلَّهِ: يا عبدَ اللَّهِ، ألم أُخْبَرْ أَنَّكَ تصومُ النهارَ وتقومُ الليلَ؟