Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب الجنائز/ باب ٣٣
ابن مقاتل (قالا: أخبرنا عبدالله) بن المبارك قال: (أخبرنا عاصم بن سليمان) الأحول (عن أبي
عثمان) عبدالرحمن النهدي (قال: حدّثني) بالإفراد (أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال):
(أرسلت ابنة) ولأبي ذر: بنت (النبي، ◌َ ﴾) زينب، كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال (إليه:
إن ابنًا لي قبض) أي: في حال القبض، ومعالجة الروح فأطلق القبض مجازًا باعتبار أنه في حالة
كحالة النزع.
قيل: الابن المذكور هو علي بن أبي العاص بن الربيع، واستشكل بأنه عاش حتى ناهز الحلم
وأن النبي ◌َّر، أردفه على راحلته يوم الفتح، فلا يقال فيه صبي عرفًا.
أو هو عبدالله بن عثمان بن عفان من رقية بنته ◌ّل، لما رواه البلاذري في الأنساب: أنه لما
توفي، وضعه النبي ◌َّ في حجره، وقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء.
أو: هو، محسن، لما روى البزار في مسنده عن أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة رضي الله
عنها، فبعثت إلى النبي ◌َّ﴿، فذكر نحو حديث الباب، ولا ريب أنه مات صغيرًا.
أو: هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع لما عند أحمد، عن أبي معاوية بسند البخاري.
وصوّبه الحافظ ابن حجر، وأجاب عما استشكل من قوله: قبض، مع كون أمامة عاشت بعد
النبي ◌َّة حتى تزوّجها علي بن أبي طالب، وقتل عنها: بأن الظاهر أن الله أكرم نبيه عليه الصلاة
والسلام، لما سلم لأمر ربه، وصبر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى ابنة
ابنته، فخلصت من تلك الشدة، وعاشت تلك المدّة.
وقال العيني: الصواب قول من قال: ابني، أي: بالتذكير، لا ابنتي: بالتأنيث. كما نص
عليه في حديث الباب.
وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدّد الواقعة في بنت واحدة أو بنتين، أرسلت زينب في
علّ أو أمامة، أو رقية في عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن علي (فأتنا. فأرسل) عليه
الصلاة والسلام (يقرىء) عليها (السلام) بضم الياء من يقرىء (ويقول):
(إن لله ما أخذ، وله ما أعطى) أي: الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ
ما هو له، وقدّم الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لأن المقام يقتضيه.
ولفظ: ما، في الموضعين مصدرية أي: إن لله الأخذ والإعطاء أو موصولة، والعائد محذوف
وكذا الصلة(١) للدلالة على العموم، فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاءه وغيرهما.
(١) قوله: ((وكذا الصلة)) لعله تحريف من النساخ؛ لأنها مذكورة كما لا يخفى.

٣٦٢
کتاب الجنائز/ باب ٣٣
(وكل عنده) أي: وكل من الأخذ والإعطاء عند الله، أي: في علمه (بأجل مسمى) مقدّر
ومؤجل، (فلتصبر ولتحتسب) أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من
عملها الصالح.
(فأرسلت إليه) وَ﴿ حال كونها (تقسم عليه ليأتينها، فقام) ووقع في رواية عبد الرحمن بن عوف
أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة (ومعه) بإثبات واو الحال، وللحموي والمستملي: معه
(سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال) آخرون ذكر منهم في غير
هذه الرواية: عبادة بن الصامت، وأسامة، راوي الحديث، فمشوا إلى أن دخلوا بيتها، (فرفع إلى
رسول الله، وَ﴿، الصبي) أو: الصبية، ورفع بالراء، وفي رواية حماد: دفع، بالدال. وبين شعبة في
روايته أنه وضع في حجره عليه الصلاة والسلام، (ونفسه تتقعقع) بتاءين في أوّله، أي تضطرب
وتتحرك، أي: كلما صار إلى حالة لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى لقربه من الموت، والجملة اسمية
حالية - (قال: حسبته أنه قال: كأنها شنّ -) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، قربة خلقة يابسة،
وجزم به في رواية حماد، ولفظه: ونفسه تتقعقع كأنها في شن (ففاضت) ولأبي ذر: وفاضت
(عيناه) وَير بالبكاء وهذا موضع الترجمة، لأن البكاء العاري عن النوح لا يؤاخذ به الباكي، ولا
الميت.
(فقال سعد) هو: ابن عبادة المذكور: (يا رسول الله! ما هذا؟) وفي رواية عبد الواحد، قال
سعد بن عبادة: تبكي؟ وزاد أبو نعيم في مستخرجه: وتنهى عن البكاء؟ (فقال) عليه الصلاة
والسلام: (هذه) الدمعة التي تراها من حزن القلب بغير تعمد ولا استدعاء لا مؤاخذة عليها (رحمة
جعلها الله) تعالى (في قلوب عباده، وإنما) بالواو، ولأبي ذر، فإنما (يرحم الله من عباده الرحماء)
نصب على أن، ما، في قوله: وإنما، كافة، ورفع على أنها موصولة، أي: إن الذين يرحمهم الله من
عباده الرحماء، جمع رحيم من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة،
وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة. لكن ثبت في حديث عبدالله بن عمرو، وعند أبي داود
وغيره: الراحمون يرحمهم الرحمن، والراحمون: جمع راحم، فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة.
فإن قلت: ما الحكمة في إسناد فعل الرحمة في حديث الباب إلى الله، وإسناده في حديث أبي
داود المذكور إلى الرحمن؟ .
أجاب الخوبيّ، بما حاصله: أن لفظ الجلالة دال على العظمة، وقد عرف بالاستقراء أنه حيث
ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذكرها ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمت، ليكون
الكلام جاريًا على نسق التعظيم بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن
يذكر معه كل ذي رحمة، وإن قلَّت.
ورواة الحديث الثلاثة الأول مروزيون، وعاصم وأبو عثمان بصريان، وفيه: التحديث

٣٦٣
کتاب الجنائز/ باب ٣٣
والإخبار والقول، وأخرجه أيضًا في: الطب، والنذور، والتوحيد، ومسلم في: الجنائز، وكذا أبو
داود، والنسائي، وابن ماجة.
١٢٨٥ - حقّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قَالَ حدَّثَنَا أبو عامرٍ قَالَ حدَّثَنَا فُلَيحُ بنُ سليمانَ عن هِلالِ بنِ عليّ
عن أنَّسٍ بنِ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((شهِدْنا بنتًا لرسولِ اللَّهِ وََّ، قال: ورسولُ اللَّهِ وَ جالسٌ على
القبرِ، قال فرأيتُ عَينَهِ تَدمَعانٍ، قال فقال: هل منكم رجُلٌ لم يُقارفِ الليلةَ؟ فقال أبو طلحةَ: أنا.
قال: فانزِلْ. قال فنزَلَ في قبرِها)). [الحديث ١٢٨٥ - طرفه في: ١٣٤٢].
وبه قال: (حدَّثنا عبدالله بن محمد) المسندي (قال: حدَّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو
العقدي، (قال: حدَّثنا فليح بن سليمان) الخزاعي (عن هلال بن علي) العامري (عن أنس بن مالك
رضي الله عنه، قال):
(شهدنا بنتًا لرسول الله) أي: جنازتها، وكانت سنة تسع، ولأبي ذر: بنتًا للنبي (َ﴾) هي: أم
كلثوم زوج عثمان بن عفان، رضي الله عنه، لا رقية، لأنها توفيت والنبي، وَّرَ، ببدر فلم يشهد
جنازتها (قال: ورسول الله، وَّر) جملة وقعت حالاً (جالس على) جانب (القبر، قال: فرأيت عينيه
تدمعان) بفتح الميم، وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى (قال: فقال) عليه الصلاة والسلام:
(هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟) بقاف ثم فاء، وزاد ابن المبارك عن فليح، أراه يعني:
الذنب. ذكره المصنف تعليقًا في باب: من يدخل قبر المرأة. ووصله الإسماعيلي، وقيل: لم يجامع
تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم. وفي رواية ثابت عن أنس عند المؤلف في التاريخ الأوسط: لا
يدخل القبر أحد قارف الليلة، فتنحى عثمان.
(فقال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري: (أنا) لم أقارف الليلة، قيل: والسر في إيثار أبي
طلحة على عثمان أن عثمان قد جامع بعض جواريه تلك الليلة، فتلطف النبي ◌َّ في منعه من
النزول في قبر زوجته، حيث لم يعجبه أنه اشتغل عنها تلك الليلة بذلك، لكن يحتمل أنه طال
مرضها، واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يكن يظن أنها تموت تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي
أنه واقع بعد موتها، بل ولا حین احتضارها.
(قال) عليه الصلاة والسلام لأبي طلحة (فانزل) بالفاء (قال: فنزل في قبرها).
وفي الحديث: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في: الجنائز.
١٢٨٦ - حدثنا عَبدانُ حدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ أخبرنا ابنُ جُريجٍ قال أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي
مُلَيكةَ قال: ((تُوُفِيَتْ ابنةٌ لعثمانَ رضيَ اللَّهُ عنهُ بمكةً وجئنا لِنَشْهِدَها، وحضَرَها ابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ
رضيَ اللَّهُ عنهم، وإني لجالسٌ بينَهما - أو قال: جَلستُ إلى أحَدِهما، ثمَّ جاءَ الآخَرُ فجلسَ إلى

٣٦٤
کتاب الجنائز/ باب ٣٣
جَنبي- فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما لعَمْرٍوبن عثمانَ: ألا تَنهى عنِ البكاءِ؟ فإنَّ
رسولَ اللَّهِنَ ◌ِّ قال: إن المَيِّتَ لِيُعذّبُ بِبُكاءِ أهلِهِ عليه)).
وبه قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وسكون الموحدة، عبدالله بن عثمان، قال: (حدّثنا
عبدالله) بن المبارك، قال: (أخبرنا ابن جريج) عبدالملك بن عبدالعزيز (قال: أخبرني) بالإفراد
(عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة) بتصغير عبد الثاني، كمليكة، واسمه زهير، (قال):
(توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة) هي: أم أبان، کما صرح به في مسلم (وجئنا
لنشهدها، وحضرها ابن عمر بن الخطاب (وابن عباس رضي الله عنهم، وإني لجالس بينهما) أي:
بين ابن عمر وابن عباس (- أو قال: جلست إلى أحدهما) شك ابن جريج (ثم جاء الآخر فجلس إلى
جنبي -) زاد مسلم من طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة: فإذا صوت من الدار، وعند الحميدي، من
رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة: فبكى النساء.
(فقال عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، لعمرو بن عثمان) أخيها: (ألا تنهى) النساء (عن
البكاء؟ فإن رسول الله وَظله قال):
(إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) فأرسلها مرسلة، ولمسلم عن عمرة بنت عبد الرحمن،
سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه ... الحديث،
أي: سواء كان الباكي من أهل الميت أم لا، فليس الحكم مختصًا بأهله، وقوله: ببكاء أهله، خرج
مخرج الغالب، لأن المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر
هذا، عند ابن أبي شيبة: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة، فيحمل المطلق في
حديث الباب على هذا المقيد.
١٢٨٧ - فقال ابنُ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما: قد كان عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه يقول بعضَ ذُلك، ثمَّ
حدَّثَ قال: صَدَرتُ مَع عمرَ رضيَ اللهُ عنه مِن مكةَ، حتى إذا كنَّا بالبَيْداءِ إذا هوَ بِرَكبٍ تحتَ ظِلٌ
سَمُرةٍ، فقال: اذهَبْ فانظُرْ من هُؤلاءِ الرَّكبُ. قال: فنَظَرْتُ فإذا صُهَيبٌ، فأخبرتُه، فقال: ادْعُهُ
لي. فَرَجَعتُ إلى صُهَيبٍ فقلتُ: ارتَحِلْ فالْحق بأمير المؤمنين. فلما أُصيبَ عمرُ دخلَ صُهَيبٌ
يَبكي يقولُ: واأخاهُ واصاحباهُ. فقال عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ: يا صُهيبُ أتبكي عليَّ وقد قال
رسولُ اللَّهِوَِّ: إن المَيِّتِ يُعذّبُ ببعضٍ بُكاءِ أهلهِ عليه))؟ [الحديث ١٢٨٧ - طرفاه في: ١٢٩٠،
١٢٩٢].
(فقال ابن عباس، رضي الله عنهما: قد كان عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه، يقول، بعض
ذلك، ثم حدّث) أي ابن عباس (فقال):

٣٦٥
كتاب الجنائز/ باب ٣٣
(صدرت مع عمر، رضي الله عنه، من مكة) قافلاً من حجة (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح
الموحدة وسكون المثناة التحتية، مفازة بين مكة والمدينة (إذا هو بركب) أصحاب إبل عشرة، فما
فوقها مسافرين فاجأوه (تحت ظل سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم، شجرة عظيمة من العضاه
(فقال: اذهب فانظر مَن هؤلاء الركب؟ قال: فنظرت فإذا صهيب) بضم الصاد ابن سنان بن قاسط
بالقاف، وكان من السابقين الأوّلين المعذبين في الله (فأخبرته) أي: أخبرت عمر بذلك (فقال: ادعه
لي، فرجعت إلى صهيب، فقلت) له: (ارتحل فالحق) بكسر الحاء المهملة في الأول وفتحها في الثاني،
أمر من: اللحوق (فأمير المؤمنين) كذا لأبي ذر، عن الكشميهني: بالموحدة قبل الهمزة، ولغيره:
فالحق أمير المؤمنين، فلحق به. حتى دخلنا المدينة (فلما أصيب عمر) رضي الله عنه بالجراحة التي
مات بها، وكان ذلك عقب حجه المذكور (دخل صهيب) حال كونه (يبكي) حال كونه (يقول:
وا أخاه، وا صاحباه) بألف الندبة فيهما لتطويل مدّ الصوت، وليست علامة إعراب في الأسماء
الستة، والهاء للسكت لا ضمير، لكن الشرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيقدّر أن الأخوة
والصاحبية كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة، (فقال عمر، رضي الله عنه: یا
صهيب أتبكي علّ) بهمزة الاستفهام الإنكاري (وقد قال رسول الله (وَل﴿):
(إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه؟) قيده ببعض البكاء فحمل على ما فيه نياحة جمعًا بين
الأحاديث .
١٢٨٨ - وقال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما («فلمَّا ماتَ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ ذكرتُ ذلك لعائشةً
رضيَ اللَّهُ عنها فقالت: يَرْحَمُ اللَّهُ عمرَ، واللَّهِ ما حدَّثَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ أَنَّ اللَّهُ ليُعذِّبَ المؤمنَ بِبُكاءِ
أهلهِ عليه، لكنَّ رسولَ اللَّهِوَ لِّ قال: إن اللَّهَ لَيزيدُ الكافرَ عذابًا ببكاءِ أهلِهِ عليه، وقالت: حَسبُكم
القُرآنُ ﴿ولا تَزِرُ وازرةٌ وزرَ أخرى﴾. قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما عندَ ذُلك: واللّهُ ﴿هوَ
أضحك وأبكى﴾. قال ابنُ أبي مُليكةَ: واللهِ ما قال ابنُ عمرَ رضيَ اللَّه عنهما شيئًا)). [الحديث
١٢٨٨ - طرفاه في: ١٢٨٩، ٣٩٧٨].
(وقال ابن عباس، رضي الله عنهما: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، رضي الله عنها،
فقالت: يرحم الله عمر) قال الطيبي: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك
لم أذنت لهم﴾) [التوبة: ٤٣] فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: يرحم الله عمر تمهيدًا
ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ.
والله ما حدّث رسول الله، وَله: (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه) يحتمل أن يكون جزمها
بذلك، لكونها سمعت صريحًا من النبي، وسر اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت ذلك من القرائن
(لكن) بإسقاط الواو، ولأبي ذر: ولكن (رسول الله، ومَّ﴾) بإسكان نون لكن، فرسول الله مرفوع
وبتشديدها فهو منصوب (قال):

٣٦٦
كتاب الجنائز/ باب ٣٣
(إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبكم القرآن) أي: كافيكم أيها
المؤمنون قوله تعالى في القرآن (﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى)) [الأنعام: ١٦٤ والإسراء: ١٥
وفاطر: ١٨ والزمر: ٧] أي: لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها.
(قال ابن عباس رضي الله عنهما، عند ذلك والله ﴿هو أضحك وأبكى)) [النجم: ٤٣] تقرير
لنفي ما ذهب إليه ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء أهله، وذلك أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه
وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها فى ذلك فعند ذلك سكت ابن عمر.
كما (قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر، رضي الله عنهما، شيئًا). بعد ذلك، لكن
قال الزين بن المنير: سكوته لا يدل على الإذعان، فلعله كره المجادلة.
وقال القرطبي ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن
يكون الحديث قابلاً للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة،
ولم تتعين الحاجة حينئذٍ.
وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه، وليس
فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما. لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما.
فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهورًا من
مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم كقول طرفة بن العبد:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، كما مر، وبه قال المزني،
وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية، وغيرهم، فإذا لم يوص به الميت لم يعذب.
قال الرافعي: ولك أن تقول: ذنب الميت الأمر بذلك، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه
وأجيب: بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب، وشاهده حديث: ((من سن سنة
سیئة)) .... وقيل: التعذیب توبيخ الملائكة له بما یندبه أهله به، کما روی أحمد من حديث أبي
موسى مرفوعًا: ((الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكسباه، جبذ
الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها؟)).
وقال الشيخ أبو حامد: الأصح أنه محمول على الكافر. وغيره من أصحاب الذنوب.
١٢٨٩ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن عبدِ اللهِبنِ أبي بكرٍ عن أبيهِ عن عَمرةً
بنتِ عبدِ الرحمن أنها أخبرَتْهُ أنها سمعتْ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوجَ النبيِّ وَُّ تَقُولُ «إنما مرّ
رسولُ اللّهِ وَ ◌ّه على يهوديةٍ يبكي عليها أهلُها فقال: إنهم ليبكونَ عليها وإنها لتُعذّبُ في قبرِها».

٣٦٧
كتاب الجنائز/ باب ٣٤
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبدالله بن أبي
بكر، عن أبيه) أبي بكربن محمدبن عمروبن حزم (عن عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها
أخبرته: أنها سمعت عائشة رضي الله عنها، زوج النبي ◌َ طير، تقول):
أي لما قيل لها: إن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه، فقالت: يغفر
الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، كذا في الموطأ ومسلم (إنما مر
رسول الله ◌َ﴿ على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال):
(إنهم لييكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها) بكفرها، في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء.
١٢٩٠ - حقثنا إسماعيلُ بنُ خليلِ حدَّثَنا عليُّ بنُ مُسْهِرِ حدَّثَنا أبو إسحقَ وهو الشيبانيُّ عن
أبي بُرْدَ عن أبيهِ قال: ((لمَّا أُصيبَ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه جَعَل صُهيبٌ يقولُ: واأخاهُ. فقال عمرُ: أما
عَلمتَ أنَّ النبيَّوَّهِ قال: إنَّ المَيِّتَ لِيُعذّبُ ببكاءِ الحيّ))؟.
وبه قال: (حدَّثنا إسماعيل بن خليل) الخزاز بزاءين معجمتين، الكوفي، قال المؤلف: جاءنا
نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين، قال: (حدّثنا عليّ بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر
الهاء، قال: (حدّثنا أبو إسحاق) سليمان (وهو الشيباني) بفتح الشين المعجمة (عن أبي بردة) الحرث
(عن أبيه) أبي موسى، عبدالله بن قيس الأشعري (قال):
(لما أصيب عمر، رضي الله عنه) بالجراحة التي مات منها (جعل صهيب) رضي الله عنه يبكي
و (يقول: وا أخاه) بألف الندبة، وهاء السكت ساكنة في اليونينية (فقال عمر) منكرًا عليه بكاءه،
لرفعه صوته بقوله: وا أخاه، خوفًا من استصحابه ذلك، أو زيادته عليه بعد موته: (أما علمت أن
النبي، مَّاقتر، قال):
(إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟) أي: المقابل للميت، أو المراد بالحي: القبيلة وتكون اللام فيه
بدلاً من الضمير، والتقدير: يعذب ببكاء حيه، أي: قبيلته، فيوافق قوله في الرواية الأخرى: ببكاء
أهله عليه ... وهو صريح في أن الحكم ليس خاصًا بالكافر، وظاهره أن صهيبًا سمع الحديث من
النبي، ێے، وكأنه نسيه، حتى ذكره به عمر رضي الله عنهما.
ورواته كلهم مدنيون، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في:
الجنائز.
٣٤ - باب ما يُكرَهُ منَ النِّياحةِ على الميتِ
وقال عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه: دَعهنَّ يبكينَ على أبي سُليمانَ، ما لم يَكنْ نَفْعٌ أو آَملَقة والنقعُ:
الترابُ على الرأس، واللقلقة: الصوت.

٣٦٨
كتاب الجنائز/ باب ٣٤
(باب ما يكره) كراهة تحريم (من النياحة على الميت) و: من، لبيان الجنس، والنياحة، رفع
الصوت بالندب قاله في المجموع وقيده غيره بالكلام المسجع.
(وقال عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) لما مات خالدبن الوليد، رضي الله عنه، سنة إحدى
وعشرين بحمص، أو ببعض قراها، أو بالمدينة. واجتمع نسوة المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر رضي
الله عنه: أرسل إليهن فانههن. فقال :
(دعهن يبكين على أبي سليمان) هي: كنية خالد (ما لم يكن نقع) بفتح النون وسكون القاف
آخره عين مهملة (أو لقلقة) بلامين وقافين. وهذا الأثر وصله المؤلف فى تاريخه الأوسط من طريق
الأعمش عن شقيق.
قال المؤلف، كالفراء: (والنقع: التراب) أي: يوضع (على الرأس، واللقلقة الصوت) المرتفع.
وقال الإسماعيلي: النقع هنا الصوت العالي، واللقلقة حكاية ترديد صوت النوّاحة، وحكى سعيدبن
منصور: أن النقع شق الجيوب، وحكي في مصابيح الجامع، عن الأكثرين: أن النقع رفع الصوت
بالبكاء. قال الزركشي: والتحقيق أنه مشترك، يطلق على الصوت وعلى الغبار. ولا يبعد أن يكونا
مرادين. يعني في قوله: ما لم يكن نقع أو لقلقة. لكن حمله على وضع التراب أولى، لأنه قرن به
اللقلقة، وهي الصوت، فحمل اللفظ على معنيين أولى من معنى واحد.
١٢٩١ - حدثنا أبو نُعيم قَالَ حدَّثَنا سعيدُ بنُ عُبيدٍ عن عليّ بنِ رَبيعةَ عنِ المُغيرةِ رضيَ اللَّهُ عنه
قال: سمعتُ النبيِّ وَّه يقول: ((إنَّ كذِبًا عليَّ ليسَ ككذِبٍ على أحد، من كذَبَ عليَّ متعمدًا فليَتبوَّأ
مَقعدَهُ منَ النّارِ)). سمعتُ النبيِّلَ﴿ يقول: ((مَن نِيحَ عليهِ يُعذّبْ بما نِيحَ عليه)).
وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال حدّثنا سعيدبن عبيد) بكسر العين في
الأول وضمها في الثاني مصغرًا غير مضاف، هو: أبو الهذيل الطائي (عن علي بن ربيعة) بفتح الراء،
الوالبي، بالموحدة، الأسدي (عن المغيرة) بن شعبة. (رضي الله عنه قال: سمعت النبي، وَّرِ،
يقول):
(إن كذبًا علي) بفتح الكاف وكسر الذال المعجمة (ليس ككذب على أحد) غيري.
قال ابن حجر: معناه أن الكذب على الغير قد ألف واستسهل خطبه، وليس الكذب عليه بالغًا
مبلغ ذلك في السهولة، وإذا كان دونه في السهولة، فهو أشهد منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع
اعتراض من أورد أن الذي يدخل عليه الكاف أتم، والله أعلم.
فإنه (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ) فليتخذ (مقعده) مسكنه (من النار) فهو أشد في الإثم من
الكذب على غيره، لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة.

٣٦٩
كتاب الجنائز/ باب ٣٤
(سمعت النبي وَّر يقول: من نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح الحاء، مبنيًا
للمفعول من الماضي. (يعذب) بضم أوله، مبنيًا للمفعول مجزوم. فمن شرطية وفيه استعمال الشرط
بلفظ الماضي، والجزاء بلفظ المضارع، ويروى: يعذب بالرفع، وهو الذي في اليونينية، فمن
موصولة أو شرطية على تقدير: فإنه يعذب، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من يُنح. بضم أوله
وفتح النون وجزم المهملة، وللكشميهني: من يناح، بضم أوله وبعد النون ألف على أن من موصولة
(بما نيح عليه) بإدخال حرف الجر على: ما، فهي مصدرية غير ظرفية، أي: بالنياحة عليه، والنون
مكسورة عند الجميع. قال في الفتح: ولبعضهم: ما نيح، بغير موحدة على أن: ما ظرفية، قال
العيني: ما في هذه الرواية للمدة، أي: يعذب مدة النوح عليه، ولا يقال: ما ظرفية.
وفي تقديم المغيرة قبل تحديثه بتحريم النوح: أن الكذب عليه و لو أشد من الكذب على غيره،
إشارة إلى أن الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل.
ورواته الأربعة: كوفيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول والسماع، وأخرجه مسلم في:
الجنائز، وكذا الترمذي.
١٢٩٢ - حدثنا عبدانُ قال أخبرني أبي عن شعبةَ عن قتادةً عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ عنِ ابنِ
عمرَ عن أبيهِ رضيَ اللَّهُ عنهما عنِ النبيِّرَّهِ قال: ((الميْتُ يُعذّبُ في قبرِهِ بما نِيحَ عليه)). تابعَهُ
عبدُ الأعلى حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَبِعِ قَالَ حدَّثَنا سعيدٌ حدَّثَنا قَتادةُ. وقال آدَمُ عن شعبة ((الميتُ يُعذّبُ
بیکاءِ الحيّ علیه)).
وبه قال: (حدّثنا عبدان، قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة، بالجيم والموحدة
المفتوحتين (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن سعيدبن المسيب، عن ابن عمر) بضم
العين (عن أبيه) عمر (رضي الله عنهما، عن النبي، وَّرِ، قال):
(الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح المهملة وزيادة لفظه في
قبره .
(تابعه) أي تابع عبدان (عبد الأعلى) بن حماد، مما وصله أبو يعلى في مسنده، قال (حدثنا يزيد بن
زريع) الأوّل من الزيادة والثاني تصغير زرع (قال حدّثنا سعيد) هو: ابن أبي عروبة قال: (حدّثنا
قتادة) يعني: عن سعيدبن المسيب.
(وقال آدم) بن أبي إياس (عن شعبة) بإسناد حديث الباب، لكن بغير لفظ متنه، وهو قوله:
((الميت يعذب ببكاء الحي عليه)) وقد تفرد آدم بهذا اللفظ.
إرشاد الساري/ ج ٣/م ٢٤

٣٧٠
كتاب الجنائز/ باب ٣٥ و٣٦
٣٥ - باب
هذا (باب) بالتنوين، وهو ثابت في رواية الأصيلي، وهو بمنزلة الفصل من الباب السابق،
وسقط لكريمة والهروي.
١٢٩٣ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ حدَّثَنَا سُفيانُ حدَّثَنا ابنُ المنكَدرِ قال سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ
رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((جيء بأبي يومَ أُحُدٍ قَد مُثْلَ به حتى وُضِعَ بِينَ يَدَيْ رَسولِ اللَّهِ وَ لِ وقد
سُجِّيَ ثوبًا فذهبتُ أريدُ أن أكشفَ عنهُ فنهاني قَومي، ثمَّ ذهبتُ أكثِفُ عنهُ فنهانِي قَومي، فأمَرَ
رسولُ اللَّهِوَ ◌ّ فِرُفِعَ، فَسَمِعَ صوتَ صائحةٍ فقال: مَن هُذهِ؟ فقالوا: ابنةُ عمرٍو - أو أُختُ عمرو.
قال: فلم تَبكي؟ أو لا تبكي، فما زالتِ الملائكةُ تُظِلُّهُ بأجنِحتِها حتى رُفِعَ)).
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة، قال: (حدّثنا
ابن المنكدر) محمد (قال: سمعت جابربن عبدالله) الأنصاري (رضي الله عنهما، قال):
(جيء بأبي) عبد الله (يوم) وقعة (أحد) حال كونه (قد مثل به) بضم الميم وتشديد المثلثة
المكسورة، أي: جدع أنفه وأذنه، أو مذاكيره، أو شيء من أطرافه (حتى وضع بين يدي
رسول الله، وَّر، وقد سجي ثوبًا) بضم السين المهملة وتشديد الجيم، وثوبًا نصب بنزع الخافض،
أي: غطي بثوب (فذهبت) حال كوني (أريد أن أكشف عنه) الثوب، وأن: مصدرية. أي: أريد
كشفه (فنهاني قومي، ثم ذهبت أكشف عنه) الثوب (فنهاني قومي، فأمر رسول الله) وللكشميهني :
فأمر به رسول الله (مَّر، فرفع) بضم الراء (فسمع صوت) امرأة (صائحة فقال):
(من هذه) المرأة الصائحة؟ (فقالوا: ابنة عمرو) فاطمة (- أو أخت عمرو -) شك من سفيان،
فإن كانت بنت عمرو، وتكون أخت المقتول عمة جابر، وإن كانت أخت عمرو، تكون عمة
المقتول، وهو عبد اللَّه (قال) عليه الصلاة والسلام:
(فلم تبكي؟) بكسر اللام وفتح الميم استفهام عن غائبة (أو لا تبكي) شك من الراوي. هل
استفهم أو نهى (فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) وللحموي والمستملي: تظل بأجنحتها (حتى رفع)
فلا ينبغي أن يبكى عليه مع حصول هذه المنزلة، بل يفرح له بما صار إليه.
ومطابقة هذا الحديث للترجمة السابقة في قوله، عليه الصلاة والسلام، لما سمع صوت المرأة
الصائحة: من هذه؟ لأنه إنكار في نفس الأمر وإن لم يصرح به.
٣٦ - باب ليسَ مِنَّا مَن شقَّ الجُيوبَ
هذا (باب) بالتنوين (ليس منا من شق الجيوب).

٣٧١
كتاب الجنائز/ باب ٣٦
١٢٩٤ - حدثنا أبو نُعيم حدَّثَنا سفيان حدّثنا زُبَيدٌ الياميُّ عن إبراهيمَ عن مسروقٍ عن عبدِ اللهِ
رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال النبيُّ ◌َِّ: ((ليسَ مِنَّا من لَطَمَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، وَدَعا بدَغْوَى
الجاهلية)). [الحديث ١٢٩٤ - أطرافه في: ١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين، قال: (حدّثنا سفيان) النووي، قال: (حدّثنا
زبيد) بزاي مضمومة وموحدة مفتوحة، ابن الحرث بن عبدالكريم، (اليامي) بمثناة تحتية وبميم
مخففة، من بني يام، وللحموي والمستملي، وعزاها في الفتح، والعمدة للكشميهني: الأيامي، بزيادة
همزة في أوله (عن إبراهيم) النخعي (عن مسروق) هو: ابن الأجدع (عن عبدالله) بن مسعود (رضي
الله عنه، قال: قال النبي وَله):
(ليس منا) أي: من أهل سنتنا، ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد خروجه عن الدين، لأن
المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة. نعم، يكفر بأعتقاد حلها، وعن سفيان: أنه كره الخوض في
تأويله، وقال: ينبغي أن يمسك عنه ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (من لطم الخدود)
كبقية الوجوه، والخدود: جمع خدّ.
قال في العمدة: وإنما جمع وإن كان ليس للإنسان إلا خدّان. فقط بأعتبار إرادة الجمع،
فيكون من مقابلة الجمع بالجمع، وإما على حد قوله تعالى: ﴿وأطراف النهار﴾ [طه: ١٣] وقول
العرب: شابت مفارقه، ولیس إلا مفرق واحد.
(وشق الجيوب) بضم الجيم جمع جيب من جابه أي قطعه. قال تعالى: ﴿وثمود الذين جابوا
الصخر بالواد﴾ [الفجر: ٩] وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس للبسه، وفي رواية: من
الكم، بالكاف كما في اليونينية (ودعا بدعوى) أهل (الجاهلية). وهي زمان الفترة قبل الإسلام، بأن
قال في بكائه ما يقولون، مما لا يجوز شرعًا كـ: واجبلاه، واعضداه.
وخص الجيب بالذكر في الترجمة، دون أخويه، تنبيهًا على أن النفي الذي حاصله التبري يقع
بكل واحد من الثلاثة، ولا يشترط فيه وقوعها معًا، ويؤيده رواية لمسلم بلفظ: أو شق الجيوب، أو
دعا ... الخ. ولأن شق الجيب أشدّها قبحًا مع ما فيه من خسارة المال في غير وجه.
ويستفاد من قوله، في حديث أبي موسى الآتي، إن شاء الله تعالى، بعد باب: أنا بريء ممن
برىء منه رسول الله ◌َ ، تفسير النهي هنا به. وأصل البراءة الانفصال من الشيء، فكأنه توعده بأنه
لا يدخله في شفاعته، مثلاً. وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره، وكأن السبب في
ذلك ما تضمنه من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم التسخط مثلاً
بما وقع، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين، قاله في الفتح.
ورواة هذا الحديث كوفيون، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، والتحديث والعنعنة

٣٧٢
کتاب الجنائز/ باب ٣٧
والقول، وأخرجه أيضًا في: مناقب قريش، والجنائز ومسلم في: الإيمان، والترمذي في الجنائز،
وكذا النسائي وابن ماجة.
٣٧ - باب رَتَى النبيُّ نَّهِ سَعدَ بنَ خَولةَ
هذا (باب) بالتنوين (رثى النبي ◌َ (8) بفتح الراء مع القصر بلفظ الماضي، ورفع النبي على
الفاعلية، ولأبي ذر، والأصيلي: باب رثاء النبي وَ لقر، بإضافة باب لتاليه، وكسر راء رثاء، وتخفيف
المثلثة، والمد وخفض تاليه بالإضافة (سعدبن خولة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، نصب على
المفعولية .
والمراد هنا: توجعه عليه الصلاة والسلام وتحزنه على سعد، لكونه مات بمكة بعد الهجرة منها،
لا مدح الميت وذكر محاسنه، الباعث على تهييج الحزن، وتجديد اللوعة، إذ الأول مباح، بخلاف
الثاني فإنه منهي عنه. وقد أطلق الجوهري الرثاء على عد محاسن الميت مع البكاء، وعلى نظم الشعر
فيه. والأوجه حمل النهي على ما فيه تهييج الحزن، كما مر، أو على ما يظهر فيه تبرم، أو على فعله
مع الاجتماع له، أو على الإكثار منه دون ما عدا ذلك، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من
العلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة بنت النبي وقال :
ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا
١٢٩٥ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي
وقاص عن أبيهِ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((كانَ رسولُ اللّهِ وَ لَّهَ يَعودُني عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِن وَجَعٍ اشتدَّ
بي، فقلتُ: إني قد بلغَ بي منَ الوَجَعِ، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرثُني إلاَّ بِنْتْ، أفأْتَصدَّقُ بُلَثَيْ مالي؟
قال: لا. فقلت: بالشّطرِ؟ فقال: لا. ثم قال: الثُّلتُ والثلثُ كبير - أو كثير- إنكَ أنْ تذَرَ ورثَتَكَ
أغنياءَ خَيرٌ مِن أن تَذَرَهم عالةً يتكفَّفونَ الناسَ، وإنكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وَجَهَ اللَّهِ إلاّ أُجِرتَ
بها، حتَّى ما تَجْعلُ في فِي امرأتِكَ. فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟ قال: إنكَ لن
تُخلَّفَ فتَعمِلَ عَملاً صالحًا إلاّ ازدَدْتَ به درجةً ورِفعة، ثمَّ لعلَّكَ أن تُخلَّفَ حتَّى يَنتَفِعَ بِكَ أقوامٌ
ويُضَرَّ بكَ آخرونَ، اللَّهم أمضٍ لأصحابي هجرتَهمْ، ولا ترُدَّهم على أعقابهم، لُكِنِ البائسُ
سَعِدُ بنُ خَوْلَةَ. يَرئي لهُ رسولُ اللَّهِوَِّ أَنْ ماتَ بمكةَ)» .
وبالسند قال: (حدَّثنا عبدالله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن
شهاب) الزهري (عن عامربن سعدبن أبي وقاص، عن أبيه) سعد (رضي الله عنه، قال):

٣٧٣
كتاب الجنائز/ باب ٣٧
(كان رسول الله وَلقر، يعودني) بالدال المهملة (عام حجة الوداع) سنة عشر من الهجرة (من
وجع) اسم لكل مرض (اشتدّ بي) أي: قوي علي (فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع) الغاية (وأنا ذو
مال ولا يرثني) من الولد (إلا بنت) كذا كتب في اليونينية بالتاء المثناة الفوقية المجرورة لا بالهاء.
قيل: هي عائشة، وقيل: إنها أم الحكم الكبرى. قيل: ما كانت له عصبة، وقيل، معناه: لا يرثني
من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النساء. وهذا قاله قبل أن يولد له الذكور، (أفأتصدق
بثلثي مالي؟) بهمزة الاستفهام على الاستخبار. (قال) عليه الصلاة والسلام:
(لا) تتصدق بالثلثين (فقلت): أتصدق (بالشطر) أي: بالنصف وللحموي والمستملي: فالشطر،
بالفاء والرفع بالابتداء والخبر محذوف، تقديره: فالشطر أتصدق به، وقيده الزمخشري في الفائق،
بالنصب بفعل مضمر أي: أوجب الشطر، وقال السهيلي في أماليه: الخفض فيه أظهر من النصب،
لأن النصب بإضمار أفعل، والخفض معطوف على قوله: بثلثي مالي: (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(لا) تتصدق بالشطر، (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (الثلث) بالرفع، فاعل فعل محذوف،
أي: يكفيك الثلث، أو خبر مبتدأ محذوف أي: المشروع الثلث، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الثلث
كاف. والنصب على الإغراء، أو بفعل مضمر أي: أعط الثلث (والثلث كبير) بالموحدة مبتدأ وخبر
- (أو) قال: (كثير) - بالمثلثة (إنك أن تذر) بالذال المعجمة وفتح الهمزة في اليونينية: تترك (ورثتك
أغنياء، خير من أن تذرهم عالة) فقراء (يتكففون الناس) يطلبون الصدقة من أكف الناس، أو
يسألونهم بأكفهم. و: أن تذر، بفتح الهمزة على أنها مصدرية، فهي وصلتها في محل رفع على
الابتداء، والخبر: خير، وبالكسر على أنها شرطية.
والأصل كما قاله ابن مالك: إن تركت ورثتك أغنياء فخير، أي: فهو خير لك، فحذف
الجواب كقوله تعالى: ﴿إن ترك خيرًا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: فالوصية على ما خرجه
الأخفش، ثم عطف على قوله: إنك أن تذر ... ما هو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث.
فقال: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله) أي: ذاته (إلا أجرت) بضم الهمزة مبنيًا
للمفعول (بها) أي: بتلك النفقة (حتى ما تجعل) أي: الذي تجعله (في في امرأتك) وقول الزركشي،
كابن بطال: تجعل، برفع اللام و: ما كافة كفت حتى عن عملها .
تعقبه صاحب مصابيح الجامع فقال: ليس كذلك، إذ لا معنى للتركيب حينئذ إن تأملت، بل
اسم موصول، وحتى: عاطفة أي: إلا أجرت بتلك النفقة التي تبتغي بها وجه الله، حتى بالشيء
الذي تجعله في فم امرأتك.
ثم أورد على نفسه سؤالاً، فقال: فإن قلت: يشترط في حتى العاطفة على المجرور أن يعاد
الخافض؟

٣٧٤
كتاب الجنائز/ باب ٣٧
وأجاب: بأن ابن مالك قيده بأن لا تتعين: حتى، للعطف نحو: عجبت من القوم حتى
بنيهم. قال ابن هشام: يريد أن الموضع الذي يصح أن تحل: إلى، فيه محل: حتى، العاطفة فهي
محتملة للجارة، فيحتاج حينئذ إلى إعادة الجار عند قصد العطف، نحو: اعتكفت في الشهر حتى في
آخره بخلاف المثال، وما في الحديث.
ثم أورد سؤالاً آخر، فقال: فإن قلت: لا يعطف على الضمير المخفوض، إلا بإعادة
الخافض؟
وأجاب: بأن المختار عند ابن مالك، وغيره خلافه، وهو المذهب الكوفي لكثرة شواهده نظمًا
ونثرًا، على أنه لو جعل العطف على المنصوب المتقدم، أي: لن تنفق نفقة حتى الشيء الذي تجعله
في في أمرأتك إلا أجرت. لاستقام. ولم يرد شيء مما تقدم.
وفيه: أن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة، ويثاب عليه، وقد نبه عليه بأخس الحظوظ
الدنيوية التي تكون في العادة عند الملاعبة، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة، فإذا قصد بأبعد
الأشياء عن الطاعة وجه الله، ويحصل به الأجر فغيره بالطريق الأولى.
قال سعد (فقلت): ولأبي ذر، وابن عساكر: قلت: (يا رسول الله أخلف) بضم الهمزة وفتح
اللام المشددة مبنيًا للمفعول، يعني بمكة، بعد أصحابي المنصرفين معك، وللكشميهني: أأخلف
بهمزة الاستفهام (بعد أصحابي؟ قال) عليه الصلاة والسلام:
(إنك لن) وللكشميهني: أن (تخلف) بعد أصحابك (فتعمل عملاً صالحاً إلا ازددت به) أي:
بالعمل الصالح (درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف) أي: بأن يطول عمرك، أي: إنك لن تموت
بمكة، وهذا من إخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات، فإنه عاش حتى فتح العراق. ولعل:
للترجي إلا إذا وردت عن الله ورسوله، فإن معناها التحقيق. قال البدر الدماميني: وفيه دخول
أن، على خبر لعل، وهو قليل، فيحتاج إلى التأويل (حتى ينتفع بك أقوام) من المسلمين بما يفتحه
الله على يديك من بلاد الشرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم ((ويضر بك آخرون)) من المشركين
الهالكين على يديك وجندك (اللهم أمض) بهمزة قطع، من الإمضاء وهو الإنفاذ، أي أتتم (لأصحابي
هجرتهم) أي: التي هاجروها من مكة إلى المدينة (ولا تردّهم على أعقابهم) بترك هجرتهم ورجوعهم
عن مستقيم حالهم، فيخيب قصدهم. قال الزهري، فيما رواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن
سعد عنه (لكن البائس) بالموحدة والهمزة آخره سين مهملة، الذي عليه أثر البؤس أي: شدة الفقر
والحاجة (سعدبن خولة يرثي له رسول الله وَيه) بفتح المثناة التحتية وسكون الراء وبالمثلثة من يرثي (أن
مات بمكة) بفتح الهمزة أي: لأجل موته بالأرض التي هاجر منها، ولا يجوز الكسر على إرادة
الشرط، لأنه كان انقضى وتم؛ وهذا موضع الترجمة .
لكن نازع الإسماعيلي المؤلف بأن هذا ليس من مراثي الموتى، وإنما هو من إشفاق

٣٧٥
كتاب الجنائز/ باب ٣٨
النبي، وَ ل، من موته بمكة بعد هجرته منها، وكان يهوى أن يموت بغيرها، وكراهة ما حدث عليه
من ذلك، كقولك: أن أرثي لك مما جرى عليك، كأنه يتحزن عليه. قال الزركشي: ثم هو بتقدير
تسليمه، ليس بمرفوع، وإنما هو مدرج من قول الزهري.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في: المغازي، والدعوات، والهجرة، والطب،
والفرائض، والوصايا، والنفقات، ومسلم في: الوصايا، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجة .
٣٨ - باب ما يُنهى عنِ الحَلقِ عندَ المصيبة
(باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة).
١٢٩٦ - وقال الحَكمُ بنُ موسى حدَّثَنا يحيى بنُ حمزةَ عن عبد الرحمن بنِ جابرٍ أنَّ
القاسمَ بنِ مُخَيمِرةَ حدَّثه قال: حدَّثني أبو بُردةَ بنُ أبي موسى رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((وَجعَ أبو موسى
وَجَعًا فغُشِيَ عليهِ، ورأسُهُ في حَجْرِ امرأةٍ من أهلهِ فلم يَستطِعْ أن يَرُدّ عليها شيئًا، فلمَّا أفاقَ قال:
أنا بريء ممَّن بَرِىء منهُ رسولُ اللَّهِوَلِّ، إنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَهَ بَرِىءَ منَ الصالِقةِ والحالقةِ والشاقّة)).
(وقال الحكم بن موسى) القنطري بفتح القاف وسكون النون، البغدادي، مما وصله مسلم في
صحيحه، وكذا ابن حبان. ومثل هذا يكون على سبيل المذاكرة لا بقصد التحمل، ولأبوي: ذر،
والوقت، كما في الفرع: حدثنا الحكم. لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه وهم، لأن الذين جمعوا
رجال البخاري في صحيحه أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدل على أن الصواب رواية الجماعة
بصيغة التعليق، قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) قاضي دمشق (عن عبد الرحمن بن جابر) الأزدي، ونسبه
إلى جده، واسم أبيه يزيد (أن القاسم بن مخيمرة) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وبعد
الميم المكسورة راء مهملة مصغرًا، وهو كوفي سكن البصرة (حدثه قال: حدثني) بالإفراد (أبو بردة)
بضم الموحدة، عامر أو الحرث (بن أبي موسى) الأشعري (رضي الله عنه قال):
(وجع) بكسر الجيم، أي: مرض أبي (أبو موسى وجعًا) بفتح الجيم زاد ابن عساكر: شديدًا
(فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله) بتثليث حاء حجر كما في القاموس، أي: حضنها.
زاد مسلم: فصاحت؛ وله من وجه آخر: أغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته، أم عبد الله، تصيح
برنة. وفي النسائي، هي: أم عبد الله بنت أبي دومة، وفي تاريخ البصرة، لعمربن شبة: أن اسمها
صفية بنت دمون. وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب،
رضي الله عنه؛ والواو في قوله: ورأسه، للحال (فلم يستطع) أبو موسى (أن يردّ عليها شيئًا، فلما أفاق
قال: أنا) وللحموي والمستملي: إني (بريء ممن برىء منه رسول الله) ولأبي ذر: محمد (وَلَّل، إن

٣٧٦
كتاب الجنائز/ باب ٣٩ و٤٠
رسول الله ◌َلو بريء من الصالقة) بالصاد المهملة والقاف، الرافعة صوتها في المصيبة (والحالقة) التي تحلق
شعرها (والشاقة) التي تشق ثوبها .
وموضع الترجمة قوله: والحالقة، وخصها بالذكر دون غيرها لكونها أبشع في حق النساء،
وقوله برىء بكسر الراء، يبرأ بالفتح قال القاضي: برىء من فعلهن، أو مما يستوجبن من العقوبة،
أو من عهدة ما لزمني من بيانه. وأصل البراءة الانفصال، وليس المراد التبري من الدين والخروج
منه، قال النووي: ويحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور.
٣٩ - باب ليسَ منَّا من ضرَبَ الخُدودَ
هذا (باب) بالتنوين (ليس منا من ضرب الخدود).
١٢٩٧ - حقثنا محمدُ بنُ بَشَارِ حدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ حدَّثَنا سُفيانُ عنِ الأعمشِ عن عبدِ اللهِ بنِ
مُرَّةَ عن مسروقٍ عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبِّوَ لَه قال: «ليسَ مِنَّا مَن ضرَبَ الخُدودَ، وشَقَّ
الجُيوبَ، ودَعا بدَعوى الجاهليَّة)).
وبالسند قال: (حدّثنا محمدبن بشار) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة، قال: (حدّثنا
عبدالرحمن) بن مهدي، قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن
عبدالله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء (عن مسروق) هو: ابن الأجدع (عن عبدالله) بن مسعود
(رضي الله عنه، عن النبي وَّر)، أنه (قال):
(ليس منا من ضرب الخدود) كبقية الوجوه (وشق الجيوب، ودعا بدعوى) أهل (الجاهلية).
من نوح وندبة وغيرهما مما لا يجوز شرعًا. والواو فيهما بمعنى: أو، فالحكم في كل واحد لا
المجموع، لأن كلاً منهما دال على عدم الرضا والتسليم للقضاء. والنفي في قوله: ليس منا،
للتغليظ، لأن المعصية لا تقتضي الخروج عن الدين إلا أن تكون كفرًا أو المعنى: ليس مقتديًا بنا،
ولا مستنا بسنتنا.
٤٠ - باب ما يُنهى مِنَ الوَيلِ ودَعوىَ الجاهليَّةِ عندَ المُصيبة
(باب: ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة) ما مصدرية، والويل، أن يقول عند
المصيبة: واويلاه، وذكر دعوى الجاهلية بعد ذكر الويل من العام بعد الخاص، وسقط الباب والترجمة
والحديث عند الكشميهني.
١٢٩٨ - حدثنا عُمرُ بنُ حَفصٍ حدَّثَنَا أبي حدَّثَنا الأعمشُ عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ عن مَسروقٍ عن
عبدِ اللَّه رضيَ اللهُ عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ وَله ((ليسَ منَّا مَن ضَرَبَ الخُدود، وشَقَّ الجُيوبَ،
ودَعا بدعوى الجاهلية».

٣٧٧
كتاب الجنائز/ باب ٤١
وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص، قال: (حدثنا الأعمش)
سليمان بن مهران (عن عبدالله بن مرة، عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبدالله) بن مسعود (رضي
الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله، وَله):
(ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) المستلزم للويل، وقوله:
ليس منا، للنهي، وفي بعض طرق الحديث، عند ابن ماجة، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة: أن
رسول الله، وَلقوله لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور.
٤١ - باب مَن جَلَس عندَ المُصيبةِ يُعرَفُ فيه الحُزنُ
(باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن) بضم التحتية وفتح الراء، من يعرف مبنيًا
للمفعول ومن موصولة.
١٢٩٩ - حدثنا محمدُ بنُ المُثنَى حدَّثَنا عبدُ الوَهَّاب قال سَمعتُ يحيى قال: أخبرَتْني عَمْرة
قالت: سمعتُ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((لمَّا جاءَ النبيَّ ◌ََّ قَتْلُ ابنِ حارثةَ وجعفر وابنِ رَواحةً
جَلَس يُعرَفُ فيه الحزنُ وأنا أنظُرُ مِن صائرِ البابِ شَقّ البابِ، فأتاهُ رجُلٌ فقال: إنَّ نساءَ جَعفرٍ - وذكرٌ
بُكاءَهُنَّ - فأمرَهُ أنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثمَّ أتاهُ الثانيةَ لم يُطِعْنَهُ، فقال: انْهِضْ فَانْهَهُنَّ، فأتاهُ الثالثةَ قال:
واللَّهِ غَلَبْنَنا يا رسولَ اللَّهِ. فزعمتْ أنه قال: فاحثُ في أفواهِهنَّ الترابَ. فقلتُ: أرغمَ اللَّهُ أنفكَ، لم
تَفْعَلْ ما أمرَكَ رسولُ اللَّهِ وَ، ولم تَترُكُ رسولَ اللَّهِ وَ من العَناء)). [الحديث ١٢٩٩ - طرفاه في:
١٣٠٥، ٤٢٦٣].
وبالسند قال: (حذّثنا محمدبن المثنى) العنزي البصري الزمن، قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن
عبدالمجيد الثقفي (قال سمعت يحيى) بن سعيد الأنصاري (قال: أخبرتني) بالإفراد (عمرة) بفتح
العين وسكون الميم بنت عبد الرحمن بن سعدبن زرارة الأنصارية المدنية (قالت: سمعت عائشة رضي
الله عنها قالت):
(لما جاء النبي) بالنصب على المفعولية (وَ﴿، قتل ابن حارثة) برفع لام قتل على الفاعلية، وهو
زيد. وأبوه بالمهملة والمثلثة. وضبب في اليونينية على: ابن من: ابن حارثة، فلينظر (و) قتل (جعفر)
هو: ابن أبي طالب (و) قتل (ابن رواحة) عبد الله في غزوة مؤتة، وجواب: لما قوله: (جلس) عليه
الصلاة والسلام، أي: في المسجد، كما في رواية أبي داود (يعرف فيه الحزن).
قال في شرح المشكاة: حال، أي: جلس حزينًا، وعدل إلى قوله: يعرف، ليدل على
أنه، وَ﴾، كظم الحزن كظمًا. وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جبلة البشرية. وهذا موضع

٣٧٨
كتاب الجنائز/ باب ٤١
الترجمة، وهو يدل على الإباحة، لأن إظهاره يدل عليها. نعم، إذا كان معه شيء من اللسان، أو
الید، حرم.
قالت عائشة رضي الله عنها: (وأنا أنظر) جملة حالية (من صائر الباب) بالصاد المهملة المفتوحة
والهمزة بعد الألف، كـ: لابن وتامر، كذا في الرواية. قال المازري: والصواب صير الباب، بكسر
الصاد وسكون التحتية، وهو المحفوظ، كما في المجمل والصحاح والقاموس، وفسرته عائشة، أو
من بعدها، بقوله (شق الباب) بفتح الشين المعجمة والخفض، على البدلية أي: الموضع الذي ينظر
منه. وفي تجويز الكرماني كسر الشين نظر، لأنه يصير معناه الناحية، وليست بمرادة هنا، كما نبه
عليه ابن التين (فأتاه) عليه الصلاة والسلام (رجل) لم يقف الحافظ على اسمه (فقال: إن نساء جعفر)
امرأته، أسماء بنت عميس الخثعمية، ومن حضر عندها من النساء، من أقارب جعفر وأقاربها، ومن
في معناهن، وليس لجعفر امرأة غير أسماء كما ذكره العلماء بالأخبار - (وذكر بكاءهن) - حال من
المستتر في: فقال، وحذف خبر إن من القول المحكي لدلالة الحال عليه، أي: يبكين عليه برفع
الصوت والنياحة، أو: ينحن. ولو كان مجرّد بكاء لم ينه عنه لأنه رحمة (فأمره) عليه الصلاة والسلام
(أن ينهاهنّ) عن فعلهن (فذهب) فنهاهن فلم يطعنه لكونه لم يسند النهي للرسول، وَ لّر، (ثم أتاه)
أي: أتى الرجل النبي وَّ المرة (الثانية) فقال: إنهن (لم يطعنه) حكاية قول الرجل أي: نهيتهن فلم
يطعنني (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(انهض فانههن)، وفي نسخة، وهي التي في اليونينية ليس إلا: انههن، بدل انهض، فذهب
فنهاهن، فلم يطعنه، لحملهن ذلك على أنه من قبل نفس الرجل (فأتاه) أي: أتى الرجل النبي وَل
المرة (الثالثة قال: والله غلبننا يا رسول الله) بلفظ جمع المؤنثة الغائبة، وللكشميهني كما في الفرع
وأصله: والله لقد، بزيادة لقد. وقال ابن حجر، وللكشميهني: غلبتنا بلفظ المفردة المؤنثة الغائبة .
قالت عمرة (فزعمت) عائشة (أنه) عليه الصلاة والسلام (قال) للرجل، لما لم ينتهين:
(فأحث) بضم المثلثة، أمر من: حثا يحثو، وبكسرها أيضًا من: حتى يحثي (في أفواههن
التراب) ليسد محل النوح، فلا يتمكن منه. أو المراد به المبالغة في الزجر، قالت عائشة (فقلت)
للرجل (أرغم الله أنفك) بالراء والغين المعجمة، أي: ألصقه بالرغام، وهو التراب، إهانة وذلاً.
ودعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي ◌َّ بكثرة
تردده إليه في ذلك (لم تفعل ما أمرك) به (رسول الله(وَلّ) أي: من نهيهن، وإن كان نهاهن لأنه لم
يترتب على فعله الامتثال، فكأنه لم يفعله، أو لم يفعل الحثو بالتراب (ولم تترك رسول الله وَل من
العناء) بفتح العين المهملة والنون والمد أي: المشقة والتعب.
قال النووي: معناه أنك قاصر عما أمرت به، ولم تخبره عليه الصلاة والسلام بأنك قاصر حتى
يرسل غيرك، ويستريح من العناء. وقول ابن حجر لفظة لم يعبر بها عن الماضي وقولها له ذلك، وقع

٣٧٩
كتاب الجنائز/ باب ٤٢
قبل أن يتوجه، فمن أين علمت أنه لم يفعل، فالظاهر أنها قامت عندها قرينة بأنه لم يفعل، فعبرت
عنه بلفظ الماضي مبالغة في نفي ذلك عنه، وفي الرواية الآتية، بعد أربعة أبواب: فوالله ما أنت
بفاعل، وكذا لمسلم وغيره، فظهر أنه من تصرف الرواة. تعقبه العيني، فقال: لا يقال لفظة: لم،
يعبر بها عن الماضي، وإنما يقال: لم، حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيًا. وهذا هو الذي قاله
أهل العربية وقوله: فعبرت عنه بلفظ الماضي، ليس كذلك، لأنه غير ماض، بل هو مضارع. ولكن
صار معناه معنى الماضي بدخول لم عليه .
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجنائز، والمغازي، ومسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود،
والنسائي.
١٣٠٠ - حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ حدَّثَنا محمدُ بنُ الفُضَيلِ حدَّثَنا عاصم الأحولُ عن أنسٍ رضيَ
اللَّهُ عنهُ قال: ((قَنَتَ رسولُ اللَّهِ لَّهِ شهرًا حينَ قتِلَ القُرّاءُ؛ فما رأيتُ رسولَ اللَّهِوَ لَّهَ حَزِنَ حُزْنَا قَطُ
أشدّ منه)) .
وبه قال (حدَّثنا عمروبن علي) بفتح العين فيهما، الفلاس الصيرفي، قال: (حدّثنا محمدبن
الفضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة مصغرًا، ابن غزوان، بفتح المعجمة وسكون الزاي، الضبي
مولاهم الكوفي، قال: (حدّثنا عاصم الأحول، عن أنس) هو: ابن مالك (رضي الله عنه قال):
(قنت رسول الله، وَّيه، شهرًا حين قتل القراء) وكانوا ينزلون الصفة يتعلمون القرآن، وهم
عمار المسجد، وليوث الملاحم، بعثهم رسول الله يَله إلى أهل نجد ليقرؤوا عليهم القرآن، ويدعوهم
إلى الإسلام، فلما نزلوا ببئر معونة قصدهم عامربن الطفيل في أحياء من سليم: رعل وذكوان
وعصية، فقاتلهم فقتلوا أكثرهم، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة (فما رأيت رسول الله ێول حزن
حزنًا قط، أشد منه).
٤٢ - باب مَن لم يُظهِرْ حُزنَهُ عندَ المصيبة
وقال محمدُ بنُ كعبِ القرَظي: الَجَزَعُ القولُ السَّيِّىءُ والظنُّ السَّيِّئُ
وقال يعقوب عليه السلامُ ﴿إنَّما أشكو بَثِّي وحُزني إلى الله﴾
(باب من لم يظهر حزنه عند) حلول (المصيبة) فترك ما أبيح له من إظهاره قهرًا للنفس بالصبر
الذي هو خير، قال الله تعالى: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ ويظهر: بضم أوله، من
الرباعي، وحزنه: نصب على المفعولية.
(وقال محمد بن كعب القرظي) حليف الأوس: (الجزع: القول السيىء) الذي يبعث الحزن

٣٨٠
كتاب الجنائز/ باب ٤٢
غالبًا (والظن السيىء) هو: اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت،
أو: الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر.
ومناسبة هذا لما ترجم له من حيث المقابلة، وهي ذكر الشيء وما يضادّه معه، وذلك أن ترك
إظهار الحزن من القول الحسن، والظن الحسن وإظهاره مع الجزع الذي يؤديه إلى ما حظره الشارع،
قول سییء وظن سییء.
(وقال يعقوب عليه السلام ﴿إنما أشكو بثي﴾) هو أصعب هم لا يصبر صاحبه على كتمانه،
فيبثه وينشره للناس (﴿وحزني إلى الله﴾) [يوسف: ٨٦] لا إلى غيره.
ومناسبته للترجمة من جهة أنه لما ابتلي صبر، ولم يشك إلى أحد ولا بث حزنه إلاّ إلى الله تعالى.
١٣٠١ - حدثنا بِشرُبنُ الحَكم حدَّثَنا سفيانُ بنُ عُيينةَ أخبرَنا إسحقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ
أنه سمعَ أنسَ بنَ مالكِ رضيَ اللهُ عنه يقولُ: ((اشتكى ابنٌّ لأبي طلحةَ، قال فماتَ وأبو طلحةً
خارجٌ. فلما رأتِ امرأتهُ أنهُ قد مات هيَّأَتْ شيئًا ونَخَّتْهُ في جانبِ البيتِ. فلما جاءَ أبو طلحةً قال:
كيفَ الغُلام؟ قالت: قد هَدأتْ نفْسُه، وأرجو أن يكونَ قدِ استراحَ. وظنَّ أبو طلحةً أنَّها صادقةً.
قال فباتَ. فلمَّا أصبحَ اغتسَلَ، فلما أرادَ أن يَخرُجَ أعلمَتْهُ أنهُ قد مات، فصلَّى مع النبيِّوَِّ، ثمَّ
أخبرَ النبيَّ ◌َّه بما كان منهما، فقال رسولُ اللَّهِوَّ: لعلَّ اللَّهَ أن يُبارِكَ لكما في لَيلَتِكما)». قال
سفيانُ: فقال رجُلٌ منَ الأنصارِ: فرأيتُ لها تسعةَ أولادٍ كلُّهم قد قرأ القُرآنَ. [الحديث ١٣٠١ -
طرفه في: ٥٤٧٠].
وبه قال: (حدّثنا بشربن الحكم) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة والحكم بفتحتين
النيسابوري، قال: (حدّثنا سفيان بن عيينة) قال: (أخبرنا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة) الأنصاري
ابن أخي أنس (أنه سمع أنس بن مالك، رضي الله عنه، يقول):
(اشتكى) أي: مرض (ابن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، وأبنه هو: أبو عمير،
صاحب النغير، كما قاله ابن حبان في روايته، وغيره، وكان غلامًا صبيحًا، وكان أبو طلحة يحبه
حبًا شديدًا، فلما مرض حزن عليه حزنًا شديدًا حتى تضعضع (قال: فمات، وأبو طلحة خارج،
فلما رأت امرأته) أم سليم، وهي أم أنس بن مالك (أنه قد مات هيأت شيئًا) أعدت طعامًا،
وأصلحته أو هيأت شيئًا من حالها، وتزينت لزوجها تعريضًا للجماع، أو هيأت أمر الصبي بأن
غسلته وكفنته وحنطته، وسجت عليه ثوبًا، كما في بعض طرق الحديث، فهو أولى (ونحته) بفتح
النون والحاء المهملة المشددة، أي: جعلته (في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال) لها: (كيف
الغلام؟ قالت: قد هدأت) أي: سكنت (نفسه) بسكون الفاء واحدة الأنفس.
تعني: أن نفسه كانت قلقة منزعجة لعارض المرض، فسكنت بالموت. وظن أبو طلحة أن.