Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الجنائز/ باب ٢٣
(اغسلوه بماء وسدرٍ وكفنوه في ثوبين) بالنون (ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم
القيامة).
(قال أيوب) السختياني في روايته (يلبي) بصيغة المضارع المبني للفاعل.
(وقال عمرو) بن دينار: (ملبيًا) على صيغة اسم الفاعل منصوب على الحال، والفرق بينهما أن
الفعل يدل على التجدد، والاسم يدل على الثبوت.
٢٣ - باب الکفَنِ في القمیصِ الذي یُکَفُّ أو لا یکفُّ
(باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف) زاد المستملي: ومن كفن بغير قميص، بضم
الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء، من: يكف في الموضعين أي: خيطت حاشيته أو لم تخط، لأن
الكف خياطة الحاشية .
وضبطه بعضهم بفتح الياء وضم الكاف وتشديد الفاء، وصوبه ابن رشيد أي: يتبرك بإلباس
قميص الصالح للميت، سواء كان يكف عن الميت العذاب أو لا يكف.
وضبطه آخر بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الفاء، وجزم المهلب: بأنه الصواب، وأن الياء
سقطت من الكاتب.
قال ابن بطال: فالمراد طويلاً كان القميص أو قصيرًا، والأول أولى.
وفي الخلافيات للبيهقي، من طريق ابن عون. قال: كان محمدبن سيرين يستحب أن يكون
قميص الميت كقميص الحي مكففًا مزرّرًا.
١٢٦٩ - حدثنا مسدَّدٌ قال حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ عن عُبيدِ اللَّهِ قال حدَّثني نافعٌ عن ابنِ عمرَ
رضيَ اللَّهُ عنهما ((أنَّ عبدَاللهِ بنِ أَبَيِّ لما تُوُفِّيَ جاءَ ابنهُ إلى النبيِّوَّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ أعطِني
قَمِيصَكَ أُكفّنْهُ فيه، وصلّ عليه واستغفِر له. فأعطاهُ النبيُّ مَِّ قميصَهُ فقال: آذِنِّي أُصلِّي عليه.
فَآذَنَّهُ. فلما أرادَ أنْ يُصلِّيَ عليه جذَبَهُ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه فقال: أليسَ اللَّهُ قد نَهاكَ أن تُصلِّيَ على
المنافقين؟ فقال: أنا بينَ خِيرَتَينِ قال اللَّهُ تَعَالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لهم أو لا تَسْتَغْفِرْ لهم، إن تَسْتَغْفِرْ لهم
سَبعينَ مرَّة فلن يَغفِرَ اللَّهُ لهم﴾ فصلَّى عليه، فَتَزَلَتْ ﴿ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهم ماتَ أبدًا﴾.
[الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦].
وبالسند قال: (حدَّثنا مسدد) أي: ابن مسرهد (قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن
عبيدالله) بضم العين، ابن عمر العمري (قال: حدَّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر) بضم العين
(رضي الله عنهما):

٣٤٢
كتاب الجنائز/ باب ٢٣
(أن عبد الله بن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية، ابن سلول، رأس
المنافقين (لما توفي) في ذي القعدة، سنة تسع، منصرف رسول الله 803* من تبوك، وكانت مدة مرضه
عشرين ليلة، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوال. (جاء ابنه) عبد اللَّه. وكان من فضلاء الصحابة
وخيارهم (إلى النبي، وَّر، فقال: يا رسول الله) وسقط قوله: يا رسول الله عند أبي ذر، (أعطني
قميصك أكفنه فيه) بالجزم جواب الأمر. والضمير لعبد الله بن أبي (وصَلُ عليه واستغفر له).
- ووقع عند الطبري، من طريق الشعبي: لما احتضر عبدالله جاء ابنه إلى النبي، وَلّز، فقال: يا
نبيّ الله إن أبي احتضر، فأحب أن تحضره وتصلي عليه؛ وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام،
فلذلك التمس من النبي، وَّ ر، أن يحضر عنده، لا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من
أبيه، فأخرج عبدالرزاق، عن معمر، والطبري من طريق سعيد، كلاهما، عن قتادة قال: أرسل
عبد الله بن أبي إلى النبي، وَّلإر، فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود؟. قال: يا رسول الله! إنما
أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني. ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه.
قال في الفتح: وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني، من طريق الحكم بن
أبان، عن عكرمة عن ابن عباس: لما مرض عبد الله بن أبي، جاءه النبي، وَّر، فقال: امنن علّ،
فكفني في قميصك وصلٌ عليّ.
قال الحافظ ابن حجر: وكأنه أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة
في صلاة النبي، ێ، عليه.
وقد وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك
بما سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلق بهذه القصة.
(فأعطاه النبي، وَلغيره، قميصه) أي: أعطى النبي، بَل قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأة
لأبيه عبد الله بن أبي، لأنه لما أسر العباس ببدر، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له، وكان رجلاً طويلاً،
فألبسه قميصه، فكافأه، وَلّ، بذلك كي لا يكون لمنافق عليه يد لم يكافئه عليها، أو: لأنه ما سئل
شيئًا قط، فقال: لا، أو: إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات
أبدًا﴾ .
وأما قول المهلب: رجا أن يكون معتقد لبعض ما كان يظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك.
فتعقبه ابن المنير، فقال: هذه هفوة ظاهرة، وذلك أن الإسلام لا يتبعض، والعقيدة شيء
واحد، لأن بعض معلوماتها شرط في البعض، والإخلال ببعضها إخلال بجملتها، وقد أنكر الله
تعالى على من آمن بالبعض وكفر بالبعض، كما أنكر على من كفر بالكل . اهـ.

٣٤٣
كتاب الجنائز/ باب ٢٣
(فقال) عليه الصلاة والسلام: (آذني) بالمد وكسر الذال المعجمة، أي: أعلمني (أصلي عليه)
بعدم الجزم على الاستئناف وبه جوابًا للأمر.
(فآذنه) أعلمه (فلما أراد) عليه الصلاة والسلام (أن يصلي عليه، جذبه عمر) بن الخطاب
(رضي الله عنه) بثوبه (فقال: أليس الله نهاك أن تصلي) أي: عن الصلاة (على المنافقين) وفهم ذلك
عمر رضي الله عنه من قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾
[التوبة: ١١٣] لم يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث، فنزلت:
﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي تفسير سورة براءة، من وجه آخر عن
عبيد الله بن عمر، فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(أنا بين خيرتين) بخاء معجمة مكسورة ومثناة تحتية مفتوحة تثنية خيرة كعنبة أي أنا مخير بين
الأمرين الاستغفار وعدمه (قال الله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾) قال البيضاوي: یرید
التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نص عليه بقوله: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن
يغفر الله لهم﴾) [التوبة: ٨٠] فقال عليه الصلاة والسلام: لأزيدن على السبعين، ففهم من السبعين
العدد المخصوص لأنه الأصل (فصلى) عليه الصلاة والسلام (عليه) أي: على عبد الله بن أبي (فنزلت)
آية: (﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾) [التوبة: ٨٤]. لأن الصلاة دعاء للميت واستغفار
له. وهو ممنوع في حق الكافر، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه لأن
الضنة بالقميص كان مخلاً بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه، كما مر.
وزاد أبو ذر في روايته: ولا تقم على قبره، أي: ولا تقف على قبره للدفن أو الزيارة،
واستشكل تخييره عليه الصلاة والسلام بين الاستغفار لهم وعدمه، مع قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي
والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، فإن هذه الآية نزلت بعد موت أبي
طالب حين قال: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير.
وأجيب: بأن المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجو الإجابة، حتى لا يكون مقصوده تحصيل
المغفرة لهم، كما في أبي طالب، بخلاف استغفاره للمنافقين، فإنه استغفار لسان قصد به تطييب
قلوبهم . اهـ.
وفي الحديث أنه تحرم الصلاة على الكافر، ذمي وغيره، نعم، يجب دفن الذمي وتكفينه، وفاء
بذمته، كما يجب إطعامه وكسوته حيًا. وفي معناه: المعاهد والمؤمن بخلاف الحربي، والمرتد،
والزنديق. فلا يجب تكفينهم ولا دفنهم، بل يجوز إغراء الكلاب عليهم إذ لا حرمة لهم.
وقد ثبت أمره عليه الصلاة والسلام، بإلقاء قتلى بدر في القليب بهيئتهم، ولا يجب غسل
الكافر لأنه ليس من أهل التطهير، ولكنه يجوز، وقريبه الكافر أحق به.

٣٤٤
كتاب الجنائز/ باب ٢٤
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في: اللباس والتفسير، ومسلم في: اللباس، وفي:
التوبة، والترمذي في: التفسير، وكذا النسائي فيه، وفي: الجنائز، وابن ماجة فيه.
١٢٧٠ - حدّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا ابنُ عُيَينةَ عن عمرٍو سَمِعَ جابرًا رضيَ اللَّهُ عنه
قال: ((أتى النبيُّ ◌َّهِ عبدَ اللَّهِ بنَ أَبيّ بعدَ ما دُفِنَ، فأخرَجَهُ فتَفثَ فيه من رِيقهِ، وألبَسهُ قميصَهُ)).
[الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥].
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد النهدي الكوفي، قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان
(عن عمرو) بفتح العين هو: ابن دينار (سمع جابرًا) هو: ابن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه قَالَ):
(أتى النبي ◌َّز، عبد الله بن أبي) جملة من فعل وفاعل ومفعول (بعدما دفن) دلي في حفرته،
وكان أهله خشوا على النبي، ﴿﴿ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصوله عليه الصلاة
والسلام، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمرهم بإخراجه (فأخرجه) منها (فنفث فيه) أي:
في جلده (من ريقه، وألبسه قميصه) إنجازًا لوعده في تكفينه في قميصه، كما في حديث ابن عمر.
لكن أستشكل هذا مع قول ابنه في حديث ابن عمر، يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه
فیه، فأعطاه قميصه .
وأجيب بأن معنى قوله: فأعطاه أي: أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا
لتحقق وقوعها، وقيل: أعطاه عليه الصلاة والسلام أحد قميصيه، أولاً، ثم لما حضر أعطاه الثاني،
بسؤال ولده. وفي الإكليل للحاكم ما يؤيد ذلك.
٢٤ - باب الكفَنِ بغيرِ قميص
(باب الكفن بغير قميص) هذه الترجمة ثابتة للأكثرين، وسقطت للمستملي، لكنه زادها في
التي قبلها عقب قوله: أو لا يكف. فقال: ومن كفن بغير قميص، كما بينته.
١٢٧١ - حدثنا أبو نُعيم حدَّثَنا سفيانُ عن هِشامٍ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت
(كُفْنَ النبيُّ وََّ في ثلاثة أثوابٍ سَحول كُرْسُفٍ ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ)).
وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين، قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن هشام
عن) أبيه (عروة) بن الزبيربن العوام (عن عائشة رضي الله عنه قالت):

٣٤٥
كتاب الجنائز/ باب ٢٥
(كفن النبي، وَّ﴾، في ثلاثة أثواب سحول) كذا مضافًا، والذي في اليونينية: أثواب، بالخفض
من غير تنوين، سحول، بفتح اللام. ولأبي ذر: أثواب سحول، وهو بضم السين فيهما، جمع:
سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، أو: بالفتح نسبة إلى سحول قرية باليمن.
وقوله: (كرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء ساكنة، عطف بيان لسحول، أي: ثلاثة
أثواب بيض نقية من قطن (ليس فيها قميص ولا عمامة) يحتمل نفي وجودهما بالكلية، ويحتمل أن
يكون المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن: القميص والعمامة. والأول أظهر، وبه قال
الشافعي وبالثاني قال المالكية.
نعم، يجوز التقميص عند الشافعي من غير استحباب، لأن ابن عمر كفن ابنًا له في خمسة
أثواب: قميص، وعمامة، وثلاثة لفائف. رواه البيهقي.
قال في المهذب وشرحه: والأفضل أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة، فإن كان لم
يكره، لكنه خلاف الأولى لخبر عائشة السابق اهـ.
١٢٧٢ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثَنا يحيى عن هِشام حدَّثني أبي عن عائشة رضيَ اللَّهُ عنها ((أنَّ
رسولَ اللَّهِو ◌ََّ كُفْنَ في ثلاثةِ أثوابٍ ليسَ فيها قميصٌ ولَا عِمامةٌ».
وبه قال: (حدَّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدَّثنا يحيى، عن هشام، حدَّثني) بالإفراد
(أبي) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله، وَّر، كفن في ثلاثة أثواب
ليس فيها قميص ولا عمامة).
٢٥ - باب الكفنٍ ولا عِمامة
(باب الكفن ولا عمامة) وللحموي والكشميهني: بلا عمامة، بالموحدة بدل الواو، ولأبي ذر،
عن المستملي: الكفن في الثياب البيض، والرواية الأولى أولى، وإن كان الحديث شاملاً لهذه، لئلا
تتكرر الترجمة من غير فائدة.
١٢٧٣ - حدثنا إسماعيلُ قال حدَّثَني مالكٌ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ
عنها ((أنَّ رسولَ اللَّهِ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحوليةٍ ليسَ فيها قميصٌ ولا عِمامة)).
وبالسند قال: (حدَّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، عبد الله الأصبحي (قال: حدَّثني) بالإفراد
(مالك) الإمام (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله، وَلاغير، كفن
في ثلاثة أثواب بيض سحولية) في طبقات ابن سعد، عن الشعبي إزار ورداء ولفافة. (ليس فيها
قميص ولا عمامة).

٣٤٦
كتاب الجنائز/ باب ٢٦
٢٦ - باب الكفنُ من جميعِ المالِ
وبه قال عطاءٌ والزهري وعمرُوبنُ دِينارٍ وقتادة
وقال عمرُوبنُ دِينارِ: الَنوطُ من جميع المال. وقال إبراهيمُ:
يُبدَأُ بالكفَنِ، ثمَّ بالدَّينِ، ثمَّ بالوصية، وقال سُفيانُ: أجرُ القبرِ والغَسلِ هوَ مِنَ الكَفَنِ
هذا (باب) بالتنوين (الكفن من جميع المال) أي من رأسه، لا من الثلث. وهو قول خلاس،
وقال طاوس: من الثلث إن قل المال، وهو مقدم وجوبًا على الديون اللازمة للميت، لحديث
مصعب بن عمير، لما قتل يوم أحد، ولم يوجد ما يكفن فيه إلاّ برده، فأمر عليه الصلاة والسلام
بتکفینه فیه، ولم يسأل. ولا يبعد من حال من ليس له إلا بردة أن یکون علیه دین.
نعم، يقدم حق تعلق بعين المال: كالزكاة، والمرهون، والعبد الجاني المتعلق برقبته مال، أو
قود، وعفى على مال، والمبيع إذا مات المشتري مفلسًا.
(وبه) أي: بأن الكفن من جميع المال (قال عطاء) هو: ابن أبي رباح، مما وصله الدارمي من
طريق ابن المبارك، عن ابن جريج عنه (والزهري) محمدبن مسلم بن شهاب (وعمروبن دينار،
وقتادة) بن دعامة .
(وقال: عمرو بن دينار) مما هو جميعه عند عبد الرزاق: (الحنوط من جميع المال) أي: لا من
الثلث .
(وقال إبراهيم) النخعي، مما وصله الدارمي: (يبدأ بالكفن) أي: ومؤونة التجهيز (ثم بالدين)
اللازم له: لله، أو الآدمي لأنه أحوط للميت، (ثم بالوصية) ثم ما بقي للورثة.
وأما تقديم الوصية عليه ذكرًا في قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾
[النساء: ١٢]. فلكونها قربة، والدين مذموم غالبًا، ولكونها مشابهة للإرث من جهة أخذها بلا
عوض وشاقة على الورثة. والذين نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فقدمت عليه بعثًا على وجوب
إخراجها، والمسارعة إليه. ولهذا عطف بأو للتسوية بينهما في الوجوب عليهم، وليفيد تأخر الإرث
عن أحدهما، كما يفيد تأخره عنهما بمفهوم الأولى.
(وقال سفيان) الثوري مما وصله الدارمي: (أجر) حفر (القبر و) أجر (الغسل هو من الكفن)
أي: من حكم الكفن في كونه من رأس المال لا من الثلث.
١٢٧٤ - حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ المكيُّ حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ عن سعدٍ عن أبيهِ قال: «أُتِيَ
عبد الرحمنِ بنُ عَوفٍ رضيَ اللهُ عنهُ يومًا بطعامهِ، فقال: قُتِلَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ - وكان خَيرًا مِنِّي- فلم
يُوجَدْ لهُ ما يُكفنُ فيهِ إلا بُزْدَهُ. وقُتِلَ حَمزةُ - أو رجُلٌ آخرُ- خيرٌ منّي فلم يوجَدْ لهُ ما يُكفِّنُ فيهِ إلاّ

٣٤٧
كتاب الجنائز/ باب ٢٧
بُرِدَةٌ. لقد خشيتُ أن يكونَ قد عُجِّلَتْ لنا طَيِّباتُنَا في حَياتِنا الدُّنيا. ثمَّ جَعل يبكي)). [الحديث
١٢٧٤ - طرفاه في: ١٢٧٥، ٤٠٤٥].
وبالسند قال: (حدَّثنا أحمدبن محمد المكي) الأزرقي على الصحيح، ويقال: الزرقي صاحب
تاريخ مكة، قال: (حدَّثنا إبراهيم بن سعد عن) أبيه (سعد) هو: ابن إبراهيم (عن أبيه) إبراهيم بن
عبد الرحمن (قال: أتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (عبد الرحمن) بالرفع نائب عن الفاعل (ابن
عوف، رضي الله عنه، يومًا بطعامه) بالضمير الراجع إليه، وكان صائمًا (فقال: قتل) بضم القاف
مبنيًّا للمفعول (مصعب بن عمير) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، مرفوع نائب عن
الفاعل، وعمير بضم العين مصغرًا القرشي العبدري، قال عبد الرحمن بن عوف (- وكان -) مصعب
(خيرًا مني) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه (فلم يوجد له ما يكفن فيه إلاّ برده) بالضمير العائد على
مصعب. قال الحافظ ابن حجر: وهو رواية الأكثر قال: ولأبي ذر عن الكشميهني: إلاّ بردة، بلفظ
واحد البرود . اهـ.
والذي في الفرع، عن الكشميهني بالضمير، والبرد نمرة كالمئزر.
وهذا موضع الترجمة، لأن ظاهره أنه لم يوجد ما يملكه إلا البردة المذكورة.
(وقتل حمزة) بن عبد المطلب في غزوة أحد (- أو رجل آخر -) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف
على اسمه (خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلاّ بردة). وللكشميهني كما في الفرع وأصله: إلّ
برده، بالضمير الراجع إليه.
قال عبد الرحمن بن عوف: (لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا)
يعني: أصبنا ما كتب لنا من الطيبات في دنيانا، فلم يبق لنا بعد استيفاء حظنا شيء منها. والمراد
بالحظ الاستمتاع والتنعم الذي يشغل الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، حتى يعكف همته على استيفاء
اللذات. أما من تمتع بنعم الله، ورزقه الذي خلقه تعالى لعباده، ليتقوى بذلك على دراية العلم
والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر فهو عن ذلك بمعزل.
(ثم جعل) عبد الرحمن (بيكي) خوفًا من تخلفه عن اللحاق بالدرجات العلى.
وشيخ المؤلف من أفراده، والثلاثة البقية مدنيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه
أيضًا المؤلف في: الجنائز، والمغازي.
٢٧ - باب إذا لم يوجَدْ إلاَّ ثَوبٌ واحد
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يوجد) للميت (إلاّ ثوب واحد) اقتصر عليه.
١٢٧٥ - حدثنا ابْنُ مُقاتلٍ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا شُعبةُ عن سعدِ بنِ إبراهيمَ عن أبيهِ

٣٤٨
كتاب الجنائز/ باب ٢٨
إبراهيمَ ((أنَّ عبد الرحمنِ بنَ عَوفٍ رضيَ اللَّهُ عنه أُتِيَ بطعام - وكان صائمًا فقال: قُتِلَ مُصعَبُ بنُ
عُمَيرٍ - وهو خيرٌ منّي- كُفْنَ في بُردَةٍ إن غُطَّيَ رأسُهُ بَدَتْ رِجَلَاهُ، وإن غُطّيَ رِجلاهُ بَدا رأسُهُ. وأُرَاهُ
قال: وقُتِلَ حمزةُ -وهو خيرٌ مني- ثمَّ بُسِطَ لنا من الدنيا ما بُسِطَ - أو قال: أُعطِينا منَ الدنيا ما
أعطينا- وقد خَشِينا أن تكونَ حَسناتُنا عُجْلَتْ لنا. ثمَّ جعلَ يبكي حتَّى تَرَكَ الطعامَ.
وبالسند قال: (حدَّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي، المجاور بمكة. ولأبي ذر: محمد بن مقاتل،
قال: (أخبرنا عبدالله) بن المبارك المروزي، قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سعدبن إبراهيم)
بسكون العين (عن أبيه إبراهيم).
(أن) أباه (عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، أتي بطعام) بإسقاط هاء الضمير (- وكان)
عبد الرحمن يومئذ (صائمًا - فقال: قتل مصعب بن عمير - وهو خير مني - كفن في بردة) ولأبي ذر،
عن الحموي والمستملي: في برده بالضمير الراجع إلى مصعب (إن غُطي) بضم الغين مبنيًا للمفعول
(رأسه) بالرفع نائب عن الفاعل، (بدت) ظهرت (رجلاه وإن غطي رجلاه بدا) ظهر (رأسه). قال
المهلب وابن بطال: وإنما استحب أن يكفن في هذه البردة لكونه قتل فيها.
قال ابن حجر: وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يوجد له غيرها كما هو مقتضى
الترجمة .
(وأراه) بضم الهمزة، أي: أظنه (قال: وقتل حمزة) عم النبي ◌َّرَ (- وهو خير مني -) وروى
الحاكم في مستدركه، من حديث أنس: أن حمزة كفن أيضًا كذلك. (ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -
أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا -) شك من الراوي (وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا)
يعني: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل في حقه ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن
نريد﴾ [الإسراء: ١٨]. يعني: من كانت العاجلة همه، ولم يرد غيرها، تفضلنا عليه من منافعها بما
نشاء لمن نريد.
وقيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع
ما يهواه.
(ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) في وقت الإفطار.
٢٨ - باب إذا لم يَجدْ كَفَنَا إلاّ ما يُوارِي رأسَهُ أو قَدَمَيهِ غطَّى بِهِ رأسَهُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يجد) من يتولى أمر الميت (كفنًا إلاّ ما يواري) يستر (رأسه) مع بقية
جسده (أو) يستر (قدميه) مع بقية جسده (غطى) ولأبي ذر: غطي، بضم المعجمة (به) أي: بذلك
الکفن (رأسه).

٣٤٩
كتاب الجنائز/ باب ٢٨
١٢٧٦ - حقثنا عمرُ بنُ حفصٍ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ حدَّثَنا شقيقٌ حدَّثَنَا خَبَّابٌ
رضيَ اللهُ عنه قال «هاجَرْنا معَ النبيِّوَه ◌َلْتَمِسُ وَجْه اللَّهِ، فوقعَ أجرُنا على اللَّهِ: فمنَّ من مات لم
يأكُلْ مِن أجرِهِ شيئًا، منهم مُصعَبُ بنُ عُمير، ومنّا مَن أَيْتَعَتْ له ثمرَتُهُ فهوَ يَهدِبُها. قُتِلَ يومَ أُحدٍ
فلم نَجِدْ لَهُ ما نُكفّئُه إلاّ بُردَةً إذا غَطّينَا بها رأسَهُ خَرَجَتْ رِجلاهُ، وإذا غطَّنا رِجِلَيهِ خَرَجَ رأسُهُ. فأمرَنا
النبيُّوَ﴿ِ أن نُغَطّيَ رأسَهُ، وأن نَجعَلَ على رِجليهِ منَ الإذخرِ)). [الحديث ١٢٧٦ - أطرافه في:
٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٣٩١٤، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨].
وبالسند قال: (حدَّثنا عمربن حفص) بضم عين عمر، قال: (حدَّثنا أبي) حفص بن غياث بن
طلق قال: (حدَّثنا الأعمش) سليمان بن مهران، قال: (حدَّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة، قال:
(حدَّثنا خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، بينهما ألف، ابن الأرت، بفتح الهمزة
والراء وتشديد المثناة الفوقية (رضي الله عنه قال):
(هاجرنا مع النبي، وَّ﴾)، حال كوننا (نلتمس وجه الله) أي ذاته، لا الدنيا. والمراد بالمعية
الاشتراك في حكم الهجرة إذ لم يكن معه عليه الصلاة والسلام إلاّ أبو بكر وعامر بن فهيرة (فوقع
أجرنا على الله) وفي رواية: وجب أجرنا على الله. أي: وجوبًا شرعيًا أي: بما وجب بوعده
الصدق، لا عقليًا إذ لا يجب على الله شيء (فمنا من مات لم يأكل من أجره) من الغنائم التي تناولها
من أدرك زمن الفتوح (شيئًا) بل قصر نفسه عن شهواتها لينالها متوفرة في الآخرة (منهم: مصعب بن
عمير) بضم العين وفتح الميم: ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، يجتمع مع النبي ◌َّ في
قصي (ومنا من أينعت) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح النون أي: أدركت ونضجت (له
ثمرته) ولأبي ذر: ثمرة (فهو يهدِبها) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وتثليث الدال، أي: يجنيها.
وعبر بالمضارع ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية استحضارًا له في مشاهدة السامع.
(قتل) أي: مصعب (يوم أُحد) قتله عبد الله بن قميئة، والجملة استئنافية (فلم نجد له ما
نكفنه) زاد أبو ذر: به (إلاّ بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا) بها (رجليه خرج
رأسه) لقصرها، (فأمر النبي، *، أن نغطي رأسه) بطرف البردة (وأن نجعل على رجليه من
الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة والراء، نبت حجازي طيب
الرائحة .
وفي الحديث من الفوائد: أن الواجب من الكفن ما يستر العورة، قال في المجموع، واحتمال
أنه لم يكن له غير النمرة مدفوع بأنه بعيد ممن خرج للقتال، وبأنه لو سلم ذلك لوجب تتميمه من
بيت المال، ثم من المسلمين . اهـ.
وقد يقال: أمرهم بتتميمه بالإذخر. وهوَ ساتر، ويجاب: بأن التكفين به لا يكفي إلاّ عند

٣٥٠
كتاب الجنائز/ باب ٢٩
تعذر التكفين بالثوب، كما صرح به الجرجاني، لما فيه من الإزراء بالميت، على أنه ورد في أكثر طرق
الحديث أنه قتل يوم أُحد، ولم يخلف إلّ نمرة.
وبالجملة، فالأصح أن أقل الكفن ساتر العورة. لكن استشكل الأسنوي الاقتصار على ساتر
العورة، بما في النفقات، من أنه لا يحل الاقتصار في كسوة العبد على سائر العورة، وإن لم يتأذ بحر
أو برد، لأنه تحقير وإذلال، فامتناعه في الميت الحر أولى.
وأجيب عنه: بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي. إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد،
والحر المفلس يبقى له ما يجمله لاحتياجه إلى التجمل للصلاة، وبين الناس، ولأن الميت يستر بالتراب
عاجلاً بخلاف العبد.
والأولى أن يجاب: بأنه لا فرق بين المسألتين إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًّا لله تعالى
في الستر، بل لكونه حقًّا للعبد. حتى إذا أسقطه جاز.
وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنه ممن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيء.
٢٩ - باب مَنِ استعدَّ الكفَنَ في زمَنِ النبيِّ وَّرِ فلم يُنكَرْ عليهِ
(باب من استعد الكفن) أي: أعده، وليست السين للطلب (في زمن النبي ◌َّر، فلم ينكر
عليه) بفتح الكاف مبنيًا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخة: فلم ينكر بكسرها على أن
فاعل الإنكار النبي قليل .
١٢٧٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ قَالَ حدَّثَنَا ابنُ أبي حازِمٍ عن أبيهِ عن سَهلٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ ((أن
امرأةً جاءتِ النبيَّلَّهِ بِبُردَةٍ مَنسوجةٍ فيها حاشِيَتُها. أتدرُونَ ما البُردةُ؟ قالوا: الشَّملةُ. قال: نعم. قالت:
نسجتُها بِيدي، فجئتُ لأكسُوَكَها، فأخذَها النبيُّنَّهِ محتاجًا إليها، فخرَج إلينا وإنها إزارُه، فحسَّنها
فُلانٌ فقال: اكسُنِيها ما أحسنَها. قال القوم: ما أحسنتَ، لَبِسَها النبيُّ ◌َِّ مُحتاجًا إليها ثمَّ سألتَهُ
وعلمتَ أنّهُ لا يَرُدُّ قال: إني واللهِ ما سألتُهُ لألبَسَها، إنما سألتُه لتكونَ كَفني. قال سَهلٌ: فكانَت
كفنَه)). [الحديث ١٢٧٧ - أطرافه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦].
وبالسند قال: (حدَّثنا عبدالله بن مسلمة) القعنبي (قال: حدَّثنا ابن أبي حازم) عبد العزيز (عن
أبيه) أبي حازم، سلمة بن دينار الأعرج القاص، من عباد أهل المدينة وزهادهم (عن سهل) هو: ابن
سعد الساعدي (رضي الله عنه):
(أن امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (جاءت النبي، وَّهِ، ببردة منسوجة فيها
حاشيتها) رفع بقوله منسوجة، واسم المفعول يعمل عمل فعله، كاسم الفاعل أي: أنها لم تقطع من
ثوب فتكون بلا حاشية، أو أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد.

٣٥١
کتاب الجنائز/ باب ٢٩
قال سهل: (أتدرون) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذر، والوقت: تدرون بإسقاطها (ما البردة؟
قالوا: الشملة. قال) سهل: (نعم) هي، وفي تفسيره بها تجوّز لأن البردة كساء، والشملة ما يشتمل
به، فهي أعم. لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها.
(قالت) أي: المرأة للنبي وَلاير: (نسجتها) أي: البردة (بيدي) حقيقة أو مجازًا (فجئت لأكسوكها
فأخذها النبي ◌َّه) حال كونه (محتاجًا إليها) وعرف ذلك بقرينة حال، أو تقدم قول صريح (فخرج)
عليه الصلاة والسلام (إلينا وإنها إزاره) وفي رواية هشام بن عمار، عن عبد العزيز عند ابن ماجة:
فخرج إلينا فيها. وعند الطبراني من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم: فاتزر بها ثم خرج (فحسنها)
آي نسبها إلى الحسن، وللمصنف في اللباس، من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم،
فجسها بالجيم من غير نون (فلان) هو عبد الرحمن بن عوف كما في الطبراني، فيما ذكره المحب
الطبري في الأحكام له، لكن قال صاحب الفتح إنه لم يره في المعجم الكبير، ولا في مسند سهل،
ولا عبدالرحمن، أو: هو سعدبن أبي وقاص، أو: هو أعرابي كما في الطبراني من طريق زمعة بن
صالح عن أبي حازم، لكن زمعة ضعيف. (فقال: اكسنيها ما أحسنها) بالنصب على التعجب.
(وقال القوم: ما أحسنت) نفي للإحسان (لبسها النبي ◌َّ) حال كونه (محتاجًا إليها) وفي
نسخة عند أبي ذر: محتاج، بالرفع بتقدير: هو (ثم سألته) إياها (وعلمت أنه لا يرد) سائلاً بل
يعطيه، ما يطلبه (قال: إني والله ما سألته) عليه الصلاة والسلام (لألبسها) أي: لأجل أن ألبسها،
وفي نسخة لألبسه، وهو الذي في الفرع وأصله (إنما سألته) إياها (لتكون كفني، قال سهل: فكانت
كفنه).
وعند الطبراني من طريق هشام بن سعد، قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته
إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها، فأفاد أن المعاتب له من
الصحابة سهل بن سعد، وفي رواية أبي غسان، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي، وَّر، وفيه
التبرك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه.
لكن، قال أصحابنا: لا يندب أن يعدّ لنفسه كفئًا لئلا يحاسب على اتخاذه أي: لا على اكتسابه،
لأن ذلك مختصًا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأن تكفينه من ماله واجب، وهو يحاسب عليه
بكل حال، إلاّ أن يكون من جهة حل، وأثر ذي صلاح، فحسن إعداده كما هنا، لكن لا يجب
تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب وغيره، بل للوارث إبداله لأنه ينتقل للوارث، فلا
يجب عليه ذلك. ولو أعدّ له قبرًا يدفن فيه فينبغي أنه لا يكره، لأنه للاعتبار بخلاف الكفن، قاله
الزركشي .
ورواة الحديث الأربعة مدنيون إلاّ عبدالله بن مسلمة، سكن البصرة. وفيه: التحديث والعنعنة
والقول، وأخرجه ابن ماجة في: اللباس.

٣٥٢
كتاب الجنائز/ باب ٣٠ و ٣١
٣٠ - باب اتّباع النساءِ الجنائزَ
(باب) حكم (اتباع النساء الجنائز) بالجمع، ولأبي ذر: الجنازة.
١٢٧٨ - حدثنا قبيصةُ بنُ عُقبةَ حدَّثَنا سفيانُ عن خالدٍ عن أمِّ الهُذَيل عن أمّ عطيةَ رضي اللَّهُ
عنها قالت: ((نُهينا عن اتباعِ الجَنائزِ، ولم يُعزَّمْ علينا)).
وبالسند قال: (حدَّثنا قبيصة بن عقبة) بفتح القاف في الأول وضم العين وإسكان القاف في
الثاني، السوائي العامري الكوفي قال: (حدَّثنا سفيان) الثوري (عن خالد) ولأبي ذر: عن خالد
الحذاء (عن أم الهذيل) بضم الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عن أم عطية) نسيبة (رضي
الله عنها قالت) ولأبي ذر: أنها قالت:
(نهينا) بضم النون وكسر الهاء، وعند الإسماعيلي من رواية يزيد بن أبي حكيم، عن الثوري
بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسند صحيح: نهانا رسول الله وَ ﴾ (عن اتباع الجنائز) فهي تنزيه لا
تحريم، بدليل قولها: (ولم يُعزم علينا) بضم الياء وفتح الزاي مبنيًا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتم،
فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وهذا قول الجمهور، ورخص فيه مالك، وكرهه
للشابة .. وقال أبو حنيفة: لا ينبغي.
واستدل للجواز بما رواه ابن أبي شيبة، من طريق محمدبن عمروبن عطاء، عن أبي هريرة،
رضي الله عنه: أن رسول الله ﴿ كان في جنازة، فرأى عمر رضي الله عنه امرأة، فصاح بها، فقال:
دعها يا عمر ... الحديث، وأخرجه ابن ماجة من هذا الوجه، ومن طريق أخرى برجال ثقات.
وأما ما رواه ابن ماجة أيضًا، وغيره، مما يدل على التحريم فضعيف، ولو صح حمل على ما
يتضمن حرامًا.
فائدة :
روى الطبري من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية، قالت: لما دخل
رسول الله وَ لي جمع النساء في بيت، ثم بعث إلينا عمر، فقال: إني رسول الله و ﴿ إليكن؛ بعثني
لأبايعكن على أن: لا تسرقن وفي آخره وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق، ونهانا أن نخرج في
جنازة .
قال في الفتح: وهذا يدل على أن رواية أم عطية الأولى من مرسل الصحابة.
٣١ - باب حد المرأةِ على غيرِ زَوجِها
(باب حد المرأة) من مصدر الثلاثي، ولأبي ذر: إحداد المرأة. (على) ميت (غير زوجها) ثلاثة

٣٥٣
كتاب الجنائز/ باب ٣١
أيام، لما يغلب عليها من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد من غير وجوب سواء كان الميت قريبًا أو
أجنبيًا، وهو لغة المنع، واصطلاحًا ترك التزين بالمصبوغ من اللباس والخضاب والتطيب، والمشهور
أنه بالحاء المهملة، ويروى الإجداد بالجيم من جددت الشيء قطعته لأنها انقطعت عن الزينة وما
كانت عليه.
١٢٧٩ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنَا بِشرُبنُ المفضَّلِ حدَّثَنَا سَلمةُ بن عَلقمةً عن محمدِ بنِ سِیرینَ
قال: ((تُؤُفِّيَ ابنٌ لأمّ عَطيةَ رضيَ اللَّهُ عنها، فلمَّا كانَ اليومُ الثالثُ دَعَت بصُفرَة فتَمسَّحَتْ بهِ
وقالت: نُهينا أن نُحِدَّ أكثرَ من ثلاثٍ إلاّ بزَوج)).
وبالسند قال: (حدَّثنا مسدد) قال (حدَّثنا بشربن المفضل) بكسر الموحدة وسكون الشين
المعجمة، ابن لاحق، قال: (حدَّثنا سلمة بن علقمة) التيمى (عن محمدبن سيرين قال):
(توفي ابن لأم عطية) نسيبة (رضي الله عنها، فلما كان اليوم الثالث) ولأبي ذر، عن الحموي
والكشميهني: يوم الثالث، بإضافة الصفة إلى الموصوف (دعت بصفرة) بطيب فيه صفرة (فتمسحت
به، وقالت: نهينا) ورواه أيوب، مما أخرجه عبد الرزاق، والطبراني، عن ابن سيرين، عن أم عطية،
بلفظ: قالت: سمعت رسول الله وَ ل يقول، ... فذكر معناه (أن نحد) على ميت (أكثر من ثلاث)
بلياليها، ونحد: بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي، وأن، مصدرية. وحكي فتح أوله وكسر ثانيه
وضمه من الثلاثي، ولم يعرف الأصمعي إلا الأول (إلا بزوج) أي: بسببه وللكشميهني: إلا لزوج،
باللام بدل الموحدة، وفي العدد من طريقه: إلا على زوج، وكلها بمعنى السببية.
ورواته بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول.
١٢٨٠ - هقثنا الحُميديُّ حدَّثَنَا سُفيانٌ قَالَ حدَّثَنا أيوبُ بنُ موسى قال أخبرني حُميدُ بن نافعٍ عن
زينبَ ابنةِ أبي سَلمةَ قالت: ((لمَّا جاء نعيُ أبي سفيانَ منَ الشامِ دَعَتْ أمّ حَبيبةَ رضيَ اللَّهُ عنها
بصُفرَةٍ في اليومِ الثالثِ فمسَحتْ عارِضَيها وذِراعيها وقالت: إني كنتُ عن هذا لَغَنِيَّةً لولا أنّي
سَمعتُ النبيَّلَه يقول: لا يَحِلُ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلاَّ
على زوجٍ فإنَّها تُحِدُ عليهِ أربعةَ أشهُرٍ وعَشرًا)). [الحديث ١٢٨٠ - أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤،
٥٣٣٩، ٥٣٤٥].
وبه قال: (حدَّثنا الحميدي) بضم الحاء وفتح الميم، عبدالله بن الزبير القرشي، قال: (حدّثنا
سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا أيوب بن موسى) بن عمروبن سعيد بن العاصي الأموي (قال: أخبرني)
بالإفراد (حميدبن نافع) بضم الحاء، أبو أفلح، بالفاء والحاء المهملة (عن زينب ابنة) ولأبي ذر: بنت
(أبي سلمة) عبدالله بن عبدالأسد المخزومية، ربيبة النبي، وَّر، أمها أم المؤمنين: أم سلمة (قالت):
إرشاد الساري/ ج ٣/م ٢٣

٣٥٤
كتاب الجنائز/ باب ٣١
(لما جاء نعي) بسكون العين وتخفيف المثناة، ولأبي ذر: نعي: بكسر العين وتشديد المثناة، أي
خبر موت (أبي سفيان) صخر بن حرب (من الشام).
قال في الفتح: فيه نظر، لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا اختلاف بين العلماء، بالاخبار،
والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث، قال: ولم أر في شيء من طرق هذا
الحديث تقييده بذلك إلا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهما. وعند ابن أبي شيبة، عن
حميدبن نافع؛ جاء نعي لأخي أم حبيبة، أو حميم لها ... الحديث، فلا مانع من التعدد.
(دعت) بنت أبي سفيان (أم حبيبة) رملة: أم المؤمنين (رضي الله عنها بصفرة) نوع من الطيب
فيه صفرة (في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها) هما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما تحت الأذن
(وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية) فيه إدخال لام الابتداء على خبر كان الواقعة خبرًا لإن
(لولا أني سمعت النبي، وَّر، يقول):
(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) نفي بمعنى النهي على سبيل التأكيد (أن تحد) بضم
أوّله وكسر ثانيه (على ميت فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال، كما جاء مصرحًا به في رواية. والوصف
بالإيمان فيه إشعار بالتعليل، فإن من آمن بالله ولقائه لا يجترىء على مثله من العظائم (إلا على زوج،
فإنها تحد عليه) وجوبًا للإجماع على إرادته (أربعة أشهر وعشرًا) من الأيام بلياليها، سواء في ذلك
الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وذات الإقراء وغيرهما، وكذا الذمية.
وتقييد المرأة في الحديث بالإيمان بالله واليوم الآخر جرى على الغالب، فإن الذمية كذلك،
ومثلها فيما يظهر: المعاهدة والمستأمنة. وهذا مذهب الشافعية، والجمهور.
وقال أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة
الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله: تؤمن ... الخ، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته هنا في إنكاره
المفاهيم، وكذا التقييد بأربعة أشهر وعشر، خرج على غالب المعتدات وإلا فالحامل بالوضع وعليها
الإحداد سواء قصرت المدة أو طالت.
ورواته الثلاثة الأول مكيون، والرابع مدني، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول.
١٢٨١ - حدثنا إسماعيلُ حدَّثَني مالكٌ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمروبنِ حَزْمٍ عن
حُميدِ بنِ نافعٍ عن زينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أخبرَتُهُ قالت: ((دخلتُ على أمّ حبيبةَ زوج النبيِّ وَّ فقالت:
سمعتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: لاَ يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللّهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلاَّ
على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا)).
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن
عبدالله بن أبي بكربن محمدبن عمروبن حزم) بفتح الحاء وسكون الزاي وعمرو، بفتح العين (عن

٣٥٥
كتاب الجنائز/ باب ٣١
حميدبن نافع) هو: أبو أفلح (عن زينب بنت أبي سلمة) أنها (أخبرته، قالت):
(دخلت على أم حبيبة، زوج النبي، وَ﴾) أي: لما بلغها موت أبيها أبي سفيان، كما مر.
(فقالت: سمعت النبي، ◌َالقر يقول):
(لا يحل لامرأة) كبيرة أو صغيرة (تؤمن بالله واليوم الآخر) هو من خطاب التهييج، لأن المؤمن
هو الذي ينتفع بخطاب الشارع وينقاد له، فهذا الوصف لتأكيد التحريم لما يقتضيه سياقه، ومفهومه
أن خلافه مناف للإيمان، كما قال تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣] فإنه
يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه بالإيمان، وقوله (تحد) بحذف أن الناصبة ورفع الفعل، مثل: تسمع
بالمعيدي خير من أن تراه. (على ميت فوق ثلاث) من الليالي (إلا على زوج) أي: فإنها تحد عليه
(بأربعة أشهر وعشرًا).
فالظرف متعلق بمحذوف في المستثنى دل عليه الفعل المذكور في المستثنى منه، والاستثناء
متصل، إن جعل بيانًا لقوله: فوق ثلاث، فيكون المعنى: لا يحل لامرأة أن تحد أربعة أشهر وعشرًا
على ميت إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا.
وإن جعل معمولاً لتحد مضمرًا، فيكون منقطعًا أي: لكن تحد على ميت زوج أربعة أشهر
وعشرًا .
١٢٨٢ - «ثمَّ دخلتُ على زينبَ بنت جحشٍ حينَ تُوُفِّيَ أخوها، فَدَعَتْ بطيبٍ فمسَّتْ،
ثمَّ قالت: ما لي بالطيبٍ من حاجةٍ، غيرَ أني سمعتُ رسولَ اللَّهِنَّ على المِنبَر: لا يحلُّ
لامرأةٍ تُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ تُحِدُّ على ميّتٍ فوق ثلاث، إلاّ على زوجٍ أربعةَ أشهُرٍ وعَشرًا)).
[الحديث ١٢٨٢ - طرفه في ٥٣٣٥].
قالت زينب بنت أبي سلمة: (ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها) يحتمل،
على بعد: أن يكون هو عبيدالله، بالتصغير، الذي مات كافرًا بالحبشة بعد أن أسلم، ولا مانع، أن
يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره. أو هو: أخ لها من أمها، أو: من
الرضاع، وليس هو أخوها عبدالله بفتح العين، لأنه استشهد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة
جدًا، ولا أخوها: أبو أحمد عبد، بغير إضافة، لأنه مات بعد أخته زينب بسنة، كما جزم به ابن
إسحاق وغيره.
وقد استشكل التعبير: بثم، المقتضية للعطف على التراخي والتشريك في الحكم والترتيب، في
قولها: ثم دخلت على زينب. إذ مقتضاه أن تكون قصة زينب هذه بعد قصة أم حبيبة، وهو غير
صحيح، لأن زينب ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح.
وأجيب: بأن في دلالة: ثم، على الترتيب خلافًا، ولئن سلمنا ضعف الخلاف، فإن ثم هنا

٣٥٦
كتاب الجنائز/ باب ٣٢
لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم، وذلك كما تقول: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس
أعجب، أي: ثم أخبرك بأن الذي صنعته أمس أعجب.
(فدعت) أي: زينب بنت جحش (بطيب فمست) زاد أبو ذر: به، أي: شيئًا من جسدها (ثم
قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ◌َلاغير، على المنبر) زاد أبو ذر: يقول:
(لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد) بحذف أن والرفع (على ميت فوق ثلاث إلا
على زوج أربعة أشهر وعشرًا) وهذا الحديث هو العمدة في وجوب الإحداد على الزوج الميت، ولا
خلاف فيه في الجملة، وإن اختلف في بعض فروعه.
واستشكل بأن مفهومه: إلا على زوج فإنه يحل لها الإحداد، فأين الوجوب؟
وأجيب: بأن الإجماع على الوجوب، فاكتفي به، وأيضًا فإن في حديث أم عطية النهي الصريح
عن الكحل، وعن لبس ثوب مصبوغ، وعن الطيب. فلعله سند الإجماع.
وفي حديث أم سلمة عند النسائي، وأبي داود، قالت: قال النبي، وَّر: لا تلبس المتوفى عنها
زوجها المعصفر من الثياب ... الحديث. وظاهره أنه مجزوم على النهي.
وفي رواية لأبي داود: لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرًا
فهذا أمر بلفظ الخبر إذ ليس المراد معنى الخبر، فهو على حد قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن
بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به الأمر اتفاقًا والله أعلم.
٣٢ - باب زيارة القُبور
(باب) مشروعية (زيارة القبور) وسقط الباب والترجمة لابن عساكر.
١٢٨٣ - حدثنا آدَمُ حدَّثَنَا شُعبةُ حدَّثَنا ثابتٌ عن أنس بن مالك رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((مَرَّ
النبيُّ ◌َّهِ بامرأةٍ تبكي عندَ قبرٍ فقال: اتَّقي اللَّهَ واصبرِي. قالت: إليكَ عنّي، فإنكَ لم تُصَبْ
بمُصيبتي ولم تعرِفه. فقيل لها: إنه النبيُّ وَِّ، فأتتِ النبيِّوَّرِ فلم تجِدْ عندَهُ بَوّابينَ، فقالت: لم
أعرِفْكَ. فقال: إنَّما الصبرُ عندَ الصَّدْمةِ الأولى)).
وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي اياس، قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت)
البناني (عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال):
(مر النبي، وَّر، بامرأة تبكي عند قبر) زاد في رواية يحيى بن أبي كثير، عند عبد الرزاق:
فسمع منها ما يكره، أي: من نوح أو غيره، ولم تعرف المرأة ولا صاحب القبر، لكن في رواية

٣٥٧
كتاب الجنائز/ باب ٣٢
لمسلم ما يشعر بأنه ولدها، ولفظه تبكي على صبي لها، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير
المذكور، ولفظه قد أصيبت بولدها. (فقال) لها يا أمة الله.
(اتقي الله واصبري) قال الطيبي: أي: خافي غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي، ليحصل
لك الثواب.
(قالت: إليك عني) أي: تنح وابعد، فهو من أسماء الأفعال: (فإنك لم تصب بمصيبتي) بضم
المثناة الفوقية، وفتح الصاد في تصب مبنيًّا للمفعول، وعند المصنف في الأحكام، من وجه آخر عن
شعبة: فإنك خلو من مصيبتي، بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام، خاطبته بذلك (و) الحال أنها (لم
تعرفه) إذ لو عرفته لم تخاطبه بهذا الخطاب. (فقيل لها:) وللحموي، وللمستملي: لم تصب بمصيبتي
فقيل لها (إنه النبي ◌َّر) وعند المؤلف في الأحكام: فمر بها رجل، فقال لها: إنه رسول الله وَخيال،
وفي رواية أبي يعلى، من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه، قالت له: لا.
والطبراني في الأوسط، من طريق عطية، عن أنس: إن الذي سألها هو الفضل بن العباس،
وزاد مسلم في رواية له: فأخذها مثل الموت، أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه
رسول الله له وإنما اشتبه عليها وَّر لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك
والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.
(فأتت) باب (النبي ◌ِّز، فلم تجد عنده بوابين) يمنعون الناس من الدخول عليه، وفي رواية
الأحكام بوابًا بالإفراد.
فإن قلت: ما فائدة هذه الجملة؟ أجاب شارح المسماة. بأنه لما قيل لها إنه النبي، وَل
استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب أو بوّاب يمنع الناس من
الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته.
(فقالت) معتذرة عما سبق منها، حيث قالت: إليك عني: (لم أعرفك) فاعذرني من تلك الردة
وخشونتها (فقال) لها عليه الصلاة والسلام:
(إنما الصبر) الكامل (عند الصدمة الأولى) الواردة على القلب، أي: دعي الاعتذار فإن من
شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وانظري، إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثواب بالجزع، وعدم
الصبر أوّل فجأة المصيبة، فاغتفر لها عليه الصلاة والسلام تلك الجفوة لصدورها منها في حال
مصيبتها، وعدم معرفتها به، وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب
عليه الثواب بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على طول الأيام يسلو. كما يقع لكثير من أهل المصائب،
بخلاف أوّل وقوع المصيبة، فإنه يصدم القلب بغتة

٣٥٨
كتاب الجنائز/ باب ٣٣
وقد قيل: إن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن نيته،
وجميل صبره. ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى، في موضعه.
فإن قلت: من أين تؤخذ مطابقة الحديث للترجمة؟ أجيب: من حيث أنهلمّلر، لم ينه المرأة
المذكورة عن زيارة قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى، لما رأى من جزعها، فدل على الجواز،
واستدل به على زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا
لعدم الاستفصال في ذلك.
قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي، أي: الماوردي: لا تجوز زيارة
قبر الكافر وهو غلط. اهـ. وحجة الماوردي قوله تعالى: ﴿ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤] وفي
الاستدلال بذلك نظر لا يخفى.
وبالجملة: فتستحب زيارة قبور المسلمين للرجال، لحديث مسلم: ((كنت نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة)).
وسئل مالك عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم
يقل إلا خيرًا لم أر بذلك بأسًا.
وعن طاوس: كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام، لأنهم يفتنون ويحاسبون في
قبورهم، سبعة أيام.
وتكره للنساء لجزعهن، وأما حديث أبي هريرة المروي عند الترمذي، وقال حسن صحيح:
(لعن الله زوّارات القبور))، فمحمول على ما إذا كانت زيارتهن للتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به
عادتهن، قال القرطبي: وحمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من تكثر الزيارة لأن زوارات
للمبالغة . اهـ.
ولو قيل بالحرمة في حقهن، في هذا الزمان، لا سيما نساء مصر، لما بعد لما في خروجهن
من الفساد، ولا يكره لهن زيارة قبر النبي وَ ﴿ ﴿، بل تندب وينبغي كما قال ابن الرفعة، والقمولي، أن
تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك.
وفي الحديث: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه في: الجنائز، والأحكام ومسلم في:
الجنائز، وكذا أبو داود، والترمذي والنسائي.
٣٣ - باب قول النبيِّ وَّهِ ((يُعذّبُ الميْتُ
ببعضٍ بكاءِ أهلهِ عليه إذا كان النَّوحُ من سُنَّتِه))
لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكم وأهليكم نارًا﴾ وقال النبيُّ: ((كلكم راعٍ ومسؤولٌ عن رَعيَّتِهِ))

٣٥٩
كتاب الجنائز/ باب ٣٣
فإذا لم يكنْ من سُنَّتهِ فهو كما قالت عائشةُ رضيَ اللَّه عنها ﴿ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أخرىٌ﴾.
وهو كقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثقلَةُ ذُنوبًا- إلى حملِها لا يُحمَلْ منهُ شيءٌ﴾ وما يُرخّصُ منَ البكاءِ
من غير نَوحِ وقال النبيِّ وَّهِ: ((لا تُقْتَلُ نفسٌ ظُلمًا إلاَّ كان على ابنِ آدَمَ الأوَّلِ كفلٌ من دمها)» وذُلكَ
لأنه أولُ من سنَّ القتلَ.
(باب قول النبي، وَ ي) فيما وصله المؤلف في الباب عن ابن عباس عن عمر.
(بعذب الميت ببعض بكاء أهله) المتضمن للنوح المنهي عنه (عليه) وليس المراد مع العين
لجوازه، وإنما المراد البكاء الذي يتبعه الندب والنوح، فإن ذلك إذا اجتمع سمي بكاء.
قال الخليل: من قصر البكا ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت،
وقيده بالبعضية تنبيهًا على أن حديث ابن عمر المطلق محمول على حديث ابن عباس عن عمر الآتي
كل منهما إن شاء الله تعالى في هذا الباب.
(إذا كان) الميت في حال حياته راضيًا بذلك، بأن يكون (النوح من سنته) بضم السين وتشديد
النون، أي من طريقته وعادته.
وأما قول الزركشي هذا منه أي: من المؤلف، حمل للنهي عن ذلك، أي: أنه يوصي بذلك،
فيعذب بفعل نفسه، فتعقبه صاحب مصابيح الجامع: بأن الظاهر أن البخاري لا يعني الوصية، وإنما
يعني العادة. وعليه يدل قوله: من سنته، إذ السنة الطريقة والسيرة يعني: إذا كان الميت قد عود
أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته وينوحوا عليه بما لا يجوز. وأقرّهم على ذلك، فهو داخل
في الوعيد، وإن لم یوص. فإن أوصی فهو أشد انتهى.
وليس قوله: إذا كان النوح من سنته من المرفوع، بل هو من كلام المؤلف، قاله تفقهًا (لقول
الله تعالى): ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ (﴿قوا أنفسكم)) بترك المعاصي الشاملة للنوح وغيره (﴿وأهليكم نارًا﴾)
[التحريم: ٦] بالنصح والتأديب لهم، فمن علم أن لأهله عادة بفعل منكر من نوح أو غيره، وأهمل
نهیهم عنه، فما وقی أهله ولا نفسه من النار.
(وقال النبي، وَّر) مما تقدّم موصولاً في حديث ابن عمر في الجمعة: (كلكم راع ومسؤول عن
رعيته). فمن ناح ما رعى نفسه ولا رعيته الذين هم أهله لأنهم يقتدون به في سنته.
(فإذا لم یکن من سنته) النوح، کمن لا شعور عنده، بأنهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو أدّى ما
عليه بأن نهاهم (فهو كما قالت عائشة، رضي الله عنها) مستدلة لما أنكرت على عمر، رضي الله عنه،
حديثه المرفوع الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا: ((إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه)) بقوله تعالى:
(﴿ولا تزر﴾) سقطت الواو، من: ولا تزر لغير أبي ذر، لا تحمل (﴿وازرة﴾) نفس آئمة (﴿وزر﴾)

٣٦٠
كتاب الجنائز/ باب ٣٣
نفس (﴿أخرى﴾﴾ [الأنعام: ١٦٤ والإسراء: ١٥ وفاطر: ١٨ والزمر: ٧] والجملة جواب إذا المتضمنة
معنى الشرط، والحاصل أنه: إذا لم يكن من سنته، فلا شيء عليه، كقول عائشة. فالكاف للتشبيه،
وما مصدرية، أي: كقول عائشة.
(وهو) أي: ما استدلت به عائشة من قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (كقوله:
﴿وإن تدع مثقلة - ذنوبًا - إلى حملها﴾) وليست: ذنوبًا، من التلاوة، وإنما هو في تفسير مجاهد، فنقله
المصنف عنه؛ والمعنى: وإن تدع نفس أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يحمل بعض ما عليها
(﴿ولا يحمل منه﴾) أي: من وزره (﴿شيء﴾) [فاطر: ١٨] وأما قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم
وأثقالاً مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال
ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم، وهذه الجملة من قوله، وهو
كقوله: ﴿وإن تدع مثقلة﴾ وقعت في رواية أبي ذر وحده، كما أفاده في الفتح.
ثم عطف المؤلف على أول الترجمة قوله: (وما يرخص من البكاء) في المصيبة (من غير نوح).
وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني، وصححه الحاكم. لكن ليس على شرط المؤلف، ولذا
اكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه.
(وقال النبي، وَ ﴿) مما وصله المؤلف في: الديات وغيرها، من جملة حديث لابن مسعود:
(لا تقتل نفس ظلمًا) أي: من حيث الظلم (إلا كان على ابن آدم الأول) قابيل الذي قتل هابيل
ظلمًا وحسدًا (كفل) أي: نصيب (من دمها).
(وذلك) أي: كون الكفل على ابن آدم الأول (لأنه أول من سن القتل) ظلمًا، أي فكذلك من
كانت طريقته النوح على الميت، لأنه سنّ النياحة في أهله، وفيه الرد على القائل بتخصيص التعذيب
بمن يباشر الذنب بقوله أو فعله، لا بمن كان سببًا فيه، ولا يخفى سقوطه.
١٢٨٤ - حقثنا عَبدان ومحمدٌ قالا: أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا عاصمُ بنُ سليمانَ عن أبي عثمانَ
قال حدَّثَنِي أُسامةُ بنُ زيدٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((أرسلَتِ ابنةُ النبيِّلَّه إليه: إنَّ ابنًا لي قُبِضَ،
فأتِنا. فأرسلَ يُقْرِىءُ السلامَ ويقول: إنَّ لله ما أخذَ وله ما أعطى، وكلِّ عندَه بأجَلٍ مُسمَّى، فَلْتَصْبِرْ
ولْتَحْتَسِبْ. فأرسلَتْ إليهِ تُقسمُ عليهِ لَيَأْتِنَّها. فقامَ ومَعَهُ سَعدُبنُ عُبادة ومُعاذُبنُ جَبَلٍ وأُبِيُّ بن كعبٍ
وزَيدُ بنُ ثابتٍ ورِجالٌ. فرُفِعَ إلى رسولِ اللَّهِوَلِ الصبيُّ ونفْسُهُ تَتَقعْقَعُ -قال: حَسِبتُه أنَّهُ قال: كأنَّها
شَنَّ- ففاضَتْ عيناهُ، فقال سَعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ ما هذا؟ فقال: هذِهِ رحمةٌ جَعَلها اللَّهُ في قُلوبٍ
عِبادهٍ، وإنَّما يَرحَمُ اللَّهُ مِن عبادِه الرُّحماءَ)). [الحديث ١٢٨٤ - أطرافه في: ٥٦٥٥، ٦٦٠٢،
٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨].
وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وإسكان الموحدة، عبدالله بن عثمان (ومحمد) هو: