Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب التقصير/ باب ١٩ ١٩ - باب إذا لم يُطِقْ قاعدًا صلَّى على جنبٍ وقال عطاءً: إن لم يَقدِرْ أن يَتحوَّلَ إلى القِبلةِ صلَّى حيثُ كانَ وَجههُ. هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يطق) أي: المصلي أن يصلي (قاعدًا صلى على جنب). (وقال عطاء) هو: ابن أبي رباح؛ مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه بمعناه (إن)، وللمستملي، والحموي إذا (لم يقدر) لمانع شرعي من مرض أو غيره (أن يتحول إلى القبلة، صلى حیث کان وجهه). مطابقته للترجمة من حيث العجز، لكن الأول من حيث العجز عن القعود، وهذا عن التحول إلى القبلة . ١١١٧ - حدثنا عَبْدانُ عن عبدِ اللَّهِ عن إبراهيمَ بنِ طَهمانَ قال: حدَّثني الحسينُ المُكْتِبُ عنِ ابنِ بُرَيدَةً عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((كانتْ بي بواسيرُ، فسألتُ النبيَّ وَِّ عنِ الصلاةِ فقال: صلِّ قائمًا، فإن لم تَستَطِعْ فقاعدًا، فإن لم تَستَطِعْ فعلى جنبٍ)). وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) هو: عبد الله (عن عبد الله) بن المبارك (عن إبراهيم بن طهمان، قال: حدّثني) بالإفراد (الحسين المكتب) بضم الميم وإسكان الكاف وكسر المثناة الفوقية مخففة، وقيل بتشديدها مع فتح الكاف، وهي رواية أبي ذر كما في الفرع وأصله، وهو: ابن ذكوان المعلم الذي يعلم الصبيان الكتابة، (عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال): (كانت بي بواسير، فسألت النبي ◌َ ﴿ عن الصلاة) أي: صلاة المريض، كما رواه الترمذي، ودل عليه قوله في أوله: وكانت بي بواسير (فقال) عليه الصلاة والسلام: (صل) حال كونك (قائمًا، فإن لم تستطع) بأن وجدت مشقة شديدة بالقيام، أو خوف زيادة مرض، أو هلاك، أو غرق، ودوران رأس لراكب سفينة، (فقاعدًا) أي: فصل حال كونك قاعدًا کیف شئت. نعم قعوده مفترشًا أفضل لأنه قعود لا يعقبه سلام كالقعود للتشهد الأول، والإقعاء، وهو: أن يجلس على وركيه وينصب فخذيه، وزاد أبو عبيدة: ويضع يديه على الأرض مكروه للنهي عنه في الصلاة، كما رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط البخاري. (فإن لم تستطع) أي: القعود للمشقة المذكورة (فعلى) أي: فصل على (جنب) وجوبًا مستقبل القبلة بوجهك. رواه الدارقطني من حديث علي. واضطجاعه على الأيمن أفضل، ويكره على الأيسر بلا عذر، كما جزم به في المجموع. إرشاد الساري/ ج ٣/ م ١١ ١٦٢ كتاب التقصير/ باب ٢٠ وزاد النسائي: فإن لم تستطع فمستلقيًا، أي: وأخمصاه للقبلة، ورأسه أرفع بأن ترفع وسادته ليتوجه بوجهه للقبلة، لكن هذا كما قاله فى المهمات فى غير الكعبة، أما فيها فالمتجه جواز الاستلقاء على ظهره وعلى وجهه لأنه، كيفما توجه متوجه لجزء منها، ويركع ويسجد بقدر إمكانه، فإن قدر المصلي على الركوع فقط كرره للسجود، ومن قدر على زيادة على أكمل الركوع، تعينت تلك الزيادة للسجود، لأن الفرق بينهما واجب على المتمكن، ولو عجز عن السجود إلا أن يسجد بمقدم رأسه أو صدغه وكان بذلك أقرب إلى أرض وجب، لأن المبسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن ذلك أيضًا أومأ برأسه، والسجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن إيمائه فببصره، فإن عجز عن الإيماء ببصره إلى أفعال الصلاة أجراها على قلبه بسننها، ولا إعادة عليه. ولا تسقط عنه الصلاة وعقله ثابت لوجود مناط التكليف. وهذا الترتيب قال به معظم الشافعية، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). هكذا استدل به الغزالي، وتعقبه الرافعي: بأن الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور، والقعود لا يشتمل على القيام، وكذا ما بعده إلى آخر ما ذكره. وأجاب عنه ابن الصلاح بأنا لا نقول: إن الآتي بالقعود آت بما استطاعه من القيام مثلاً، ولكنا نقول: يكون آتيًا بما استطاعه من الصلاة، لأن المذكورات أنواع لجنس الصلاة بعضها أدنى من بعض، فإذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى كان آتيًا بما استطاع من الصلاة. وتعقب: بأن كون هذه المذكورات من الصلاة فرع لشرعية الصلاة بها، وهو محل النزاع. انتھی . واستدل بقوله في حديث النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقيًا ... )) أنه لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى، كالإشارة إلى آخر ما مر، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية . ٢٠ - باب إذا صلَّى . قاعدًا ثمَّ صَحَّ، أو وَجدَ خِفَّةَ، ثُمَ ما بقي وقال الحسن: إن شاءَ المريضُ صلَّى رَكعتَينِ قائمًا، ورَكعتينِ قاعدًا . هذا (باب) بالتنوين (إذا صلى) المريض العاجز عن القيام فرضًا أو نفلاً (قاعدًا، ثم صح) في أثناء صلاته بأن عوفي (أو وجد خفة) في مرضه بحيث وجد قدرة على القيام (تمم ما بقي) من صلاته . ولا يستأنفها خلافًا لمحمدبن الحسن، وللكشميهني: يتم، بضم المثناة التحتية وكسر الفوقية، وللأصيلي: يتمم، بفتح الفوقية وكسر الميم الأولى. ١٦٣ كتاب التقصير/ باب ٢٠ (وقال الحسن) البصري، مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (إن شاء المريض صلى) الفرض (ركعتين) حال كونه (قائمًا وركعتين) حال كونه (قاعدًا) عند عجزه عن القيام. ولفظ ابن أبي شيبة: يصلي المريض على الحالة التي هو عليها. انتهى. ونازع العيني في كونه بمعنى ما ذكره المؤلف، ولأبي ذر: صلى ركعتين قاعدًا وركعتين قائمًا، بالتقديم والتأخير. ١١١٨ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن هشام بنِ عُروةً عن أبيهِ عن عائشةً رضيَ اللَّهُ عنها أُمّ المؤمنينَ أنَّها أخبرَتْهُ «أنَّها لم ترَ رسولَ اللَّهِوَهِ يُصلِّي صلاةَ الليلِ قاعدًا قطُّ حتى أسنَّ، فكان يقرأُ قاعدًا حتى إذا أرادَ أن يركعَ قام فقرأ نحوًا مِن ثلاثينَ آيَةً أو أربعينَ آيَةً ثمَّ رَكعَ». [الحديث ١١١٨ - أطرافه في: ١١١٩، ١١٤٨، ١١٦١، ١١٦٨، ٤٨٣٧]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها، أم المؤمنين أنها أخبرته أنها (لم تر رسول الله ◌َّه يصلي صلاة الليل) حال كونه (قاعدًا قط حتى أسنّ) أي: دخل في السن. وسيأتي في أثناء صلاة الليل من هذا الوجه: حتى إذا كبر. وعند مسلم من رواية عثمان بن أبي سلمة، عن عائشة: لم يمت حتى كان أكثر صلاته جالسًا. وعنده أيضًا من حديث حفصة: ما رأيت رسول الله وَ لقوله صلى في سبحته قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدًا. (فكان يقرأ) حال كونه (قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام، فقرأ نحوًا من ثلاثين آية، أو أربعين آية) قائمًا (ثم ركع) ولأبي ذر: يركع بصيغة المضارع، وسقط عند أبوي: ذر، والوقت، والأصيلي: لفظ آية، الأولى، وقوله: أو أربعين آية، شك من الراوي أن عائشة قالت: أحدهما، أو هما معًا، بحسب وقوع ذلك منه مرة كذا ومرة كذا، أو بحسب طول الآيات وقصرها. ١١١٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ وأبي النَّضرِ مَولى عمرَ بن عُبيدِ اللَّهِ عن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ عن عائشةَ أمّ المؤمنينَ رضيَ اللَّهُ عنها ((أن رسولَ اللَّهِوَ ◌ِّ كان يُصلي جالسًا فيقرأُ وهوَ جالسٌ، فإذا بقيَ من قراءتهِ نحوٌ من ثلاثين أو أربعينَ آيَةٌ قام فقرأها وهو قائمٌ، ثمَّ يركعُ، فإذا قضى صلاتَهُ نظرَ فإن كنتُ يَقظى تحدَّثَ معي، وإن كنتُ نائمةً اضطجعَ». وبه قال: (حدّثنا عبدالله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن عبد الله بن يزيد) من الزيادة، المخزومي الأعور المدني (وأبي النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالم بن ١٦٤ كتاب التقصير/ باب ٢٠ أبي أمية القرشي المدني (مولى عمربن عبيدالله) بضم العين فيهما، ابن معمر التيمي (عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، أن رسول الله وَ يرٍ كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحو) بالرفع. وهو واضح مع التنوين. وفي اليونينية بغير تنوين، وروي نحوًا بالنصب: مفعول به على أن من زائدة في قول الأخفش، مفعول به بالمصدر المضاف إلى الفاعل، وهو قراءته. و: من زائدة على قول الأخفش، أو على أن من قراءته صفة لفاعل بقي قامت مقامه لفظًا، ونوى ثبوته. وانتصب نحوًا على الحال أي: فإذا بقي باق من قراءته نحوًا (من ثلاثين) زاد أبو ذر، والأصيلي: آية (أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم، ثم يركع) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: ثم ركع بصيغة الماضي (فإذا قضى صلاته) وفرغ من ركعتي الفجر (نظر، فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع) للراحة من تعب القيام. والشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول، ولا منافاة بين قول عائشة: كان يصلي جالسًا، وبين نفي حفصة المروي في الترمذي: ما رأيته صلى في سبحته قاعدًا حتى قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدًا لأن قول عائشة: كان يصلي جالسًا لا يلزم منه أن يكون صلى جالسًا قبل وفاته بأكثر من عام، لأن كان لا تقتضي الدوام، بل ولا التكرار على أحد القولين عند أهل الأصول. ولئن سلمنا أنه صلى قبل وفاته بأكثر من عام جالسًا فلا تنافي، لأنها إنما نفت رؤيتها، لأن وقوع ذلك في الجملة. قال في الفتح: ودل حديث عائشة على جواز القعود في أثناء صلاة النافلة لمن افتتحها قائمًا، كما يباح له أن يفتتحها قاعدًا ثم يقوم، إذ لا فرق بين الحالتين، ولا سيما مع وقوع ذلك منه، وَّ في الركعة الثانية، خلافًا لمن أبى ذلك. واستدل به على أن من افتتح صلاته مضطجعًا ثم استطاع الجلوس أو القيام أتمها على ما أدت إليه حاله. بسم الله الرحمن الرحيم ١٩ - كتاب التهجد (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذر. ١ - باب التَّهجُّد بالليل، وقولهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنَ الليلِ فتهجَّدْ به نافلةً لك﴾ (باب التهجد) أي: الصلاة (بالليل) وأصله ترك الهجود، وهو النوم. قال ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلاً. وللكشميهني: من الليل، وهو أوفق للفظ القرآن، (وقوله عز وجل) بالجر، عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة، وبالرفع على الاستئناف: (﴿ومن الليل﴾) أي: بعضه (﴿فتهجد به﴾) أي: اترك الهجود للصلاة: کالتأثم والتحرج، والضمير للقرآن (﴿نافلة لك﴾) [الإسراء: ٧٩]. فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، خصصت بها من بين أمتك. روى الطبراني بإسناد ضعيف، عن ابن عباس: أن النافلة للنبي و ل ﴿ خاصة لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته. لكن صحّح النووي أنه نسخ عنه التهجد، كما نسخ عن أمته قال: ونقله الشيخ أبو حامد عن النص، وهو الأصح، والصحيح. ففي مسلم عن عائشة ما يدل عليه. أو فضيلة لك، فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحينئذ فلم يكن فعل ذلك يكفر شيئًا. وترجع التكاليف كلها في حقه عليه الصلاة والسلام قرة عين وإلهام طبع، وتكون صلاته في الدنيا مثل تسبيح أهل الجنة في الجنة، ليس على وجه الكلفة، ولا التكليف وهذا كله مفرع على طريقة إمام الحرمين. وأما طريقة القاضي حيث يقول: لو أوجب الله شيئًا لوجب، وإن لم يكن وعيد، فلا يمتنع ١٦٦ كتاب التهجد/ باب ١ حينئذ بقاء التكاليف في حقه، عليه الصلاة والسلام، على ما كانت عليه، مع طمأنينته، عليه الصلاة والسلام. من ناحية الوعيد، وعلى كلا التقديرين فهو معصوم، ولا عتب ولا ذنب. لا يقال: إنه لم يأمره أن يستغفر في قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ [النصر: ٣]. ونحوه إلا مما يغفره له، لأنا نقول استغفاره تعبد على الفرض، والتقدير، أي: أستغفرك مما عساه أن يقع لولا عصمتك إياي. وزاد أبو ذر في رواية تفسير قوله تعالى: ﴿فتهجد به﴾ أي: اسهر به. ١١٢٠ - حدثنا عليٌّ بنُ عبدِ اللهِ قال حدَّثَنَا سُفيانُ قال حدَّثَنَا سُليمان بنُ أبي مسلم عن طاوُسٍ سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((كان النبيُّ ◌َ إذا قام من الليلِ يتهجَّدُ قالَ: اللَّهمَّ لكَ الحمدُ أنتَ قَيِّمُ السَّماواتِ والأرض ومن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ لكَ مُلكُ السماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ نورُ السماواتِ والأرضِ، ولكَ الحمدُ أنتَ ملكُ السماواتِ والأرضِ، ولك الحمدُ أنتَ الحقُّ، ووَعدُكَ الحقُّ، ولِقاؤكَ حقٍّ، وقولُكَ حقٍّ، والجَنَّةُ حقٌّ والنَّارُ حقٌّ، والنبيُّونَ حقٍّ، ومحمدٌ نَِّ حقِّ، والساعةُ حقٍّ، اللَّهِمَّ لكَ أسلمتُ، وبكَ آمنتُ، وعليكَ تَوكلتُ، وإليك أنبتُ، وبكَ خاصمتُ وإليكَ حاكمتُ، فاغفِرْ لي ما قَدَّمتُ وما أخّرتُ، وما أسرَرتُ وما أعلنتُ، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخّرُ لا إلهَ إلاَّ أنت أو لا إلهَ غيرُك)). قال سفيانُ: وزادَ عبدُ الكريم أبو أُميَّةَ ((ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلا باللّهِ)). قال سفيانُ قال سليمان بنُ أبي مسلمٍ سمعهُ من طاوُسٍ عنِ ابن عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّ وَ رِ. [الحديث: ١١٢٠ - أطرافه في: ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩]. وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبدالله) المديني (قال: حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا سليمان بن أبي مسلم) المكي الأحول (عن طاوس) هو ابن كيسان أنه (سمع ابن عباس، رضي الله عنهما، قال): (كان النبي ◌ّ﴿، إذا قام من الليل) حال كونه (يتهجد) أي: من جوف الليل، كما في رواية مالك، عن أبي الزبير، عن عائشة (قال) في موضع نصب خبر كان أي: كان عليه الصلاة والسلام، عند قيامه من الليل متهجدًا يقول. وقال الطيبي: الظاهر أن قال، جواب إذا، والجملة الشرطية خبر کان. (اللهم لك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن) وفي رواية أبي الزبير المذكورة، قيام بالألف، ومعناه: والسابق والقيوم، معنى واحد. وقيل: القيم: معناه القائم بأمور الخلق، ومدبرهم، ومدبر العالم في جميع أحواله، ومنه قيم ١٦٧ كتاب التهجد/ باب ١ الطفل. والقيوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به. قال التوربشتي: والمعنى: أنت الذي تقوم بحفظها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، تؤتي كلامًا به قوامه، وتقوم على كل شيء من خلقك بما تراه من تدبيرك، وعبّر بقوله: من، في قوله: ومن فيهن، دون: ما، تغليبًا للعقلاء على غيرهم. (ولك الحمد، لك ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، نور السموات والأرض) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: ((ولك الحمد أنت نور السموات والأرض)) بزيادة: أنت، المقدرة في الرواية الأولى، فيكون قوله فيها: نور: خبر مبتدأ محذوف، وإضافة النور إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشوّ إضاءته وعلى هذا فسر قوله تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ أي منوّرهما يعني: أن كل شيء استنار منهما واستضاء. فبقدرتك وجودك، والأجرام النيرة بدائع فطرتك، والعقل والحواس خلقك وعطيتك. قيل: وسمي بالنور لما اختص به من إشراق الجلال، وسبحات العظمة التي تضمحل الأنوار دونها، ولما هيأ للعالم من النور ليهتدوا به في عالم الخلق. فهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه، بل هو المستحق له المدعوّ به ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وزاد في رواية أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: ومن فيهن. (﴿ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض﴾) كذا للحموي، والمستملي، وفي رواية الكشميهني: لك ملك السموات والأرض، والأوّل أشبه بالسياق، (ولك الحمد، أنت الحق) المتحقق وجوده. وكل شيء ثبت وجوده وتحقق فهو حق، وهذا الوصف للرب جل جلاله بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره، إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، ومن عداه ممن يقال فيه ذلك فهو بخلافه. (ووعدك الحق) الثابت المتحقق، فلا يدخله خلف ولا شك في وقوعه، وتحققه، (ولقاؤك حق) أي: رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع، أو لقاء جزائك لأهل السعادة والشقاوة. وهو داخل فيما قبله. فهو من عطف الخاص على العام، وقيل: ولقاؤك حق، أي: الموت، وأبطله النووي. - (وقولك حق) أي: مدلوله ثابت (والجنة حق، والنار حق) أي كل منهما موجود (والنبيون حق، ومحمد ◌َّهِ حق، والساعة حق،) أي: يوم القيامة. وأصل الساعة الجزء القليل من اليوم أو الليلة، ثم استعير للوقت الذي تقام فيه القيامة، يريد فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة، يحدث فيها أمر عظيم. ١٦٨ كتاب التهجد/ باب ١ وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه، وليناط به كل مرة معنى آخر، وفي تقديم الجار والمجرور إفادة التخصيص، وكأنه عليه الصلاة والسلام، لما خص الحمد بالله، قيل: لم خصصتني بالحمد؟ قال: لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات إلى غير ذلك. فإن قلت: لم عرّف الحق في قوله: أنت الحق، ووعدك الحق، ونكر في البواقي؟ قال الطيبي عرفها للحصر، لأن الله هو الحق الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال، قال لبيد: ألاَ كل شيء ما خلا الله باطل وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره. وقال السهيلي: التعريف للدلالة على أنه المستحق لههذا الاسم بالحقيقة، إذ هو مقتضى هذه الأداة . وكذا: في وعدك الحق، لأن وعده كلامه، وتركت في البواقي لأنها أمور محدثة، والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاء ما يدوم منه علم بالخبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه. وتعقبه في المصابيح بأنه يرد عليه قوله في هذا الحديث: وقولك حق، مع أن قوله كلامه القدیم فینظر وجهه . اهـ. قال الطيبي: وههنا سر دقيق، وهو: أنه ◌ّل* لما نظر إلى المقام الإلهي، ومقربي حضرة الربوبية، عظم شأنه، وفخم منزلته، حيث ذكر النبيين. وعرفها باللام الاستغراقي، ثم خص محمدًا وَّ، من بينهم، وعطفه عليهم، إيذانًا بالتغاير، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به، فإن تغير الوصف بمنزلة التغير في الذات. ثم حكم عليه استقلالاً بأنه حق، وجرده عن ذاته كأنه غيره، وأوجب عليه تصديقه. ولما رجع إلى مقام العبودية ونظر إلى افتقار نفسه، نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار: (اللهم لك أسلمت) أي انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) أي: صدقت بك وبما أنزلت (وعليك توكلت) أي: فوّضت أمري إليك (وإليك أنبت): رجعت إليك مقبلاً بقلبي عليك (وبك) أي: بما آتيتني من البراهين والحجج (خاصمت) من خاصمني من الكفار، أو بتأييدك ونصرتك قاتلت (وإليك حاكمت) كل من أبى قبول ما أرسلتني به. وقدم جميع صلاة هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادة للحصر. ١٦٩ كتاب التهجد/ باب ٢ (فاغفر لي ما قدمت) قبل هذا الوقت (وما أخرت) عنه (وما أسررت) أخفيت (وما أعلنت). أظهرت، أي: ما حدثت به نفسي، وما تحرك به لساني. قاله تواضعًا وإجلالاً لله تعالى، أو تعليمًا لأمته وتعقب في الفتح الأخير بأنه: لو كان للتعليم فقط لكفى في أمرهم بأن يقولوا، فالأولى أنه للمجموع. (أنت المقدم) لي في البعث في الآخرة (وأنت المؤخر) لي في البعث في الدنيا. وزاد ابن جريج في الدعوات: أنت إلهي (لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك). (قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق، كما بينه أبو نعيم، أو هو من تعاليقه. ولذا علم عليه المزي علامة التعليق، لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه ليس بجيد. (وزاد عبدالكريم أبو أمية) بن أبي المخارق البصري: (ولا حول ولا قوة إلا بالله). (قال سفيان) بن عيينة، بالإسناد السابق أيضًا (قال سليمان بن أبي مسلم) الأحول خال أبي نجيح: (سمعه) وللأصيلي سمعته (من طاوس، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي، وَلقر ). صرّح سفيان بسماع سليمان له من طاوس، لأنه أورده قبل بالعنعنة، ولم يقل سليمان في روايته: ولا حول ولا قوّة إلا بالله. ولأبي ذر وحده؛ قال علي بن خشرم بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وفتح الراء آخره ميم، قال سفيان: وليس ابن خشرم من شيوخ المؤلف؛ نعم، هو من شيوخ الفربري، فالظاهر أنه من روايته عنه. ٢ - باب فضلٍ قيامِ الليلِ (باب فضل قيام الليل) في مسلم من حديث أبي هريرة، أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، وهو يدل على أنه أفضل من ركعتي الفجر، وقوّاه النووي في الروضة. لكن الحديث اختلف في وصله وإرساله، وفي رفعه ووقفه، ومن ثم لم يخرجه المؤلف. والمعتمد تفضيل الوتر على الرواتب وغيرها: كالضحى إذا قيل بوجوبه، ثم: ركعتي الفجر، لحديث عائشة المروي في الصحيحين: (لم يكن النبي ◌ِّر على شيء من النوافل أشدّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر)). وحديث مسلم: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، وهما أفضل من ركعتين في جوف اللیل)). ١٧٠ کتاب التهجد/ باب ٢ وجملوا حديث أبي هريرة السابق على أن النفل المطلق المفعول في الليل، أفضل من المطلق المفعول في النهار. وقد مدح الله المتهجدين في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ [السجدة: ١٧]. ﴿والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦] ويكفي: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وهي الغاية. فمن عرف فضيلة قيام الليل بسماع الآيات، والأخبار، والآثار الواردة فيه، واستحكم رجاؤه وشوقه إلى ثوابه، ولذة مناجاته به، هاجه الشوق وباعث التوق، وطردا عنه النوم. قال بعض الكبراء من القدماء: أوحى الله تعالى إلى بعض الصدّيقين: إن لي عبادًا يحبوني وأحبهم، ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم. فإن حذوت طريقهم أحببتك. قال: يا رب! وما علاماتهم؟ قال: يجنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، فإذا جَنَّهم الليل نصبوا إلي أقدامهم، وافترشوا إلّ وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقوا بإنعامي، فبين صارخ وباك، ومتأوهٍ وشاكٍ بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حبي، أوّل ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عني كما أخبر عنهم. ١١٢١ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قال: حدَّثَنَا هِشامٌ قال: أخبرَنا مَعْمَرْ. ح. وحذَّثني محمودٌ قال حدَّثَنا عبدُ الرزّاق قال أخبرَنا مَعْمرٌ: عن الزّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((كانَ الرجُل في حياةِ النّبِيِّنَ ◌ّهَ إذا رأىْ رُؤيا قصَّها على رسولِ اللّهِوَّهِ، فَتَمنَّيْتُ أن أرىُ رُؤيا فأقُصَّها على رسولِ اللهِوَّهِ، وكنتُ غُلامًا شابًّا، وكنتُ أنامُ في المسجدِ على عهدٍ رسولِ اللَّهِوََّ، فرأيتُ في النوم كأنَّ ملَكينِ أخذانِي فَذَهَبا بي إلى النار، فإذا هيَ مَطْويَّةٌ كَطيِّ البئرِ، وإذا لَها قَرنانٍ، وإذا فيها أُناسٌ قد عرفتُهم، فجعلتُ أقولُ: أعوذُ باللّهِ منَ النار. قال: فلِقِينَا مَلكٌ آخَرُ فقالَ لي: لم تُرَعْ». وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبدالله بن محمد) المسنديّ (قال: حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (قال: أخبرنا معمر) هو: ابن راشد. (ح) لتحويل السند، وليست في اليونينية. (وحدّثني) بالإفراد (محمود) هو: ابن غيلان المروزي (قال: حدّثنا عبدالرزاق) بن همام (قال أخبرنا معمر) المذكور (عن) ابن شهاب (الزهري، عن سالم، عن أبيه) عبدالله بن عمر رضي الله عنهما (قال): (كان الرجل في حياة النبي، وَّير، إذا رأى رؤيا) كفعلى، بالضم من غير تنوين، أي: في النوم ١٧١ كتاب التهجد/ باب ٢ (قصها على رسول الله، وَ﴿، فتمنيت أن أرى) وللكشميهني: أني أرى (رؤيا) زاد في التعبير، من وجه آخر: فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء (فأقصها) بالنصب، وفاء قبل الهمزة، أي: أخبره بها، ولأبي الوقت في نسخة، والأصيلي، وابن عساكر: أقصها (على رسول الله، وَ*، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله) ولأبي ذر: النبي (*، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية) أي: مبنية الجوانب (كطي البئر، وإذا لها قرنان) بفتح القاف، أي: جانبان (وإذا فيها أناس) بضم الهمزة (قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال فلقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع) بضم المثناة الفوقية وفتح الراء وجزم المهملة، أي: لم تخف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، وللكشميهني في التعبير: لن تراع، بإثبات الألف، وللقابسي: لن ترع، بحذف الألف. واستشكل من جهة أن لن، حرف نصب، ولم تنصب هنا. وأجيب: بأنه مجزوم بلن، على اللغة القليلة المحكية عن الكسائي، أو سكنت العين للوقف، ثم شبه بسكون المجزوم، فحذف الألف قبله، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، قاله ابن مالك. وتعقبه في المصابيح، فقال: لا نسلم أن فيه إجراء الوصل مجرى الوقف، إذ لم يصله الملك بشيء بعده . ثم قال: فإن قلت: إنما وجه ابن مالك بهذا في الرواية التي فيها: لم ترع، وهذا يتحقق فيه ما قاله من إجراء الوصل مجرى الوقف. وأجاب عنه، فقال: لا نسلم، إذ يحتمل أن الملك نطق بكل جملة منها منفردة عن الأخرى، ووقف على آخرها فحکاہ کما وقع . اهـ. ١١٢٢ - «فَقَصَضْتُها على حَفْصةَ، فقصَّتْها حفصةُ على رسولِ اللَّهِوَ لَ فقال: نعمَ الرجلُ عبدُاللَّهِ لو كانَ يُصلِّي منَ الليلِ. فكان بعدُ لا يَنامُ مِنَ الليلِ إلاَّ قَليلاً)). [الحديث: ١١٢٢- أطرافه في: ١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٢٩، ٧٠٣١]. (فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله، وَله، فقال): (نعم الرجل عبد الله) وفي التعبير من رواية نافع عن ابن عمر: إن عبد الله رجل صالح (لو كان يصلي من الليل) لو للتمني لا للشرط، ولذا لم يذكر الجواب. قال سالم: (فكان) بالفاء، أي: عبد الله، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: وكان (بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً). فإن قلت: من أين أخذ عليه الصلاة والسلام التفسير بقيام الليل من هذه الرؤيا؟. ١٧٢ كتاب التهجد/ باب ٣ أجاب المهلب: بأنه إنما فسر عليه الصلاة والسلام هذه الرؤيا بقيام الليل، لأنه لم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض، فيذكر بالنار. وعلم مبيته بالمسجد، فعبر عن ذلك بأنه منبه على قيام الليل فيه. وفي الحديث: (إن قيام الليل ينجي من النار). وفيه، كراهة كثرة النوم بالليل. وقد روى سنيد، عن يوسف بن محمدبن المنكدر، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: قالت أم سليمان لسليمان: يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة. وكان بعض الكبراء يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا كثيرًا فترقدوا كثيرًا فتتحسروا عند الموت كثيرًا. وهذا هو الأصل الكبير، وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام. وفي هذا الحديث: التحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في: باب نوم الرجل في المسجد، كما سبق وفي: باب فضل من تعارّ من الليل، ومناقب ابن عمر، ومسلم في: فضائل ابن عمر . ٣ - باب طولِ السجودِ في قيامِ الليلِ (باب طول السجود في قيام الليل) للدعاء والتضرع إلى الله تعالى، إذ هو أبلغ أحوال التواضع والتذلل، ومن ثم كان: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. ١١٢٣ - حدثنا أبو اليمان قال أخبرَنا شُعيبٌ عن الزُّهريِّ قال أخبرني عُروةُ أنَّ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها أخبرَتْهُ أنّ رسولَ اللَّهِ وَِّ كان يُصلِّي إحدى عشرةَ ركعةً، كانت تلك صلاتَهُ، يَسجُدُ السجدةَ من ذُلكَ قَدْرَ ما يقرَأ أحدُكم خَمسينَ آیةً قبلَ أن يَرفعَ رأسَهُ، ويَركَعُ رَكعتَينِ قبل صلاةٍ الفجرِ. ثمَّ يَضطجعُ على شِقْهِ الأيمنِ حتى يأتِيَهُ المنادِي للصلاة)). وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا) وللأصيلي: حدّثنا (شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) ولأبي ذر، والأصيلي؛ حدّثني، بالإفراد فيهما (عروة) بن الزبير (أن عائشة، رضي الله عنها، أخبرته): (أن رسول الله، وَّلقول، كان يصلي) من الليل (إحدى عشرة ركعة، كانت تلك) أي: الإحدى عشرة ركعة (صلاته) بالليل. قال البيضاوي: بنى الشافعي عليه مذهبه في الوتر، وقال: إن أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى. ١٧٣ كتاب التهجد/ باب ٤ (يسجد السجدة من ذلك) الألف واللام لتعريف الجنس، فيشمل سجود الإحدى عشرة، والتاء فيه لا تنافي ذلك، والتقدير: يسجد سجدات تلك الركعات طويلة (قدر) أي: بقدر، ويصح جعله وصفًا لمصدر محذوف، أي: سجودًا قدر، أو يمكث مكثًا قدر (ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) من السجدة. وكان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي. رواه المؤلف فيما سبق في صفة الصلاة من حديث عائشة. وعنها: كان 98َّ يقول في صلاة الليل في سجوده: ((سبحانك لا إله إلا أنت)). رواه أحمد في مسنده بإسناد رجاله ثقات. وكان السلف يطوّلون السجود أسوة حسنة به عليه الصلاة والسلام، وقد كان ابن الزبير يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره كأنه حائط . (ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن) للاستراحة من مكابدة الليل، ومجاهدة التهجد (حتى يأتيه المنادي للصلاة) أي صلاة الصبح. وموضع الترجمة منه قوله: يسجد السجدة. الخ ... لأن ذلك يستدعي طول زمان السجود. ٤ - باب تركِ القيام للمريضٍ (باب ترك القيام) أي: قيام الليل (للمريض). ١١٢٤ - حدثنا أبو نُعَيم قال حدَّثَنا سُفيانُ عنِ الأسْودِ قال سمعتُ جُنْدَبًا يقول: ((اشتكى النبيُّ وَ ﴿، فلم يَقُمْ لَيلةً أو لَيَلْتَينِ)). [الحديث: ١١٢٤ - أطرافه في: ١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأسود) بن قيس (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها آخره موحدة، ابن عبد الله البجلي (يقول): (اشتكى النبي ( *) أي: مرض، (فلم يقم) لصلاة الليل (ليلة أو ليلتين) نصب على الظرفية. وزاد في فضائل القرآن: فأتته امرأة فقالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى ﴿والضحى والليل) إلى قوله: ﴿وما قلى﴾ ورواته الأربعة كوفيون، وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه في قيام الليل أيضًا، وفضائل القرآن، والتفسير. ومسلم في المغازي، والترمذي، والنسائي في التعبير. ١٧٤ كتاب التهجد/ باب ٤ ١١٢٥ - حدثنا محمدُ بنُ كثيرِ قال أخبرنا سُفيانُ عن الأسودِبن قَيس عن جُندبٍ بن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللّه عنهُ قال: ((اخْتَبسَ جبريلُ نََّعلى النبيِّوَّهِ، فقالتِ امرأةٌ من قُرَيشِ أبطأ عليهِ شَيطانهُ))، فنزلتْ ﴿والضحى والليلِ إذا سَجى ما وَذَّعَكَ رِبُّكَ وما قَلَى﴾ . وبه قال: (حدّثنا محمدبن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأسودبن قيس، عن جندب بن عبدالله) البجلي (رضي الله عنه، قال احتبس جبريل وَلي، على) ولأبي ذر، والأصيلي: عن (النبي، وَّر، فقالت امرأة من قريش) هي: أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، امرأة أبي لهب ﴿حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤] كما رواه الحاكم: (أبطأ عليه شيطانه) برفع النون فاعل، أبطأ (فنزلت) سورة (﴿والضحى﴾) صدر النهار، أو: النهار كله (﴿والليل إذا سجى﴾) أقبل بظلامه (﴿ما ودعك﴾) جواب القسم، أي ما قطعك (﴿ربك وما قلى﴾) [الضحى: ١-٢] أي: ما قلاك، أي: ما أبغضك. وهذا الحديث قد رواه شعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في التفسير، قال: قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك، قال في الفتح: وهذه المرأة فيما يظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان، لأن هذه عبرت بقولها: صاحبك، وتلك، عبرت بقولها: شيطانك. وهذه عبرت بقولها: يا رسول الله وتلك عبرت بقولها: يا محمد، وسياق هذه يشعر بأنها قالته توجعًا وتأسفًا، وتلك قالته شماتة وتهكمًا. وفي تفسير بقيّ بن مخلد، قال: قالت خديجة للنبي، وَ ﴿، حين أبطأ عليه الوحي: إن ربك قد قلاك، فنزلت: ﴿والضحى». وأخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه، والطبري في تفسيره، وأبو داود في أعلام النبوة بإسناد قويّ وتعقب بالإنكار، لأن خديجة قوية الإيمان لا يليق نسبة هذا القول إليها. وأجيب: بأنه ليس فيه ما ينكر، لأن المستنكر قول المرأة: شيطانك، وليست عند أحد منهم. وفي رواية إسماعيل القاضي، وغيره: ما أرى صاحبك، بدل: ربك، والظاهر أنها عنت بذلك: جبريل عليه السلام. فإن قلت: ما موضع الترجمة من الحديث؟ أجيب: بأنه من حيث كونه تتمة الحديث السابق، وذلك أنه أراد أن ينبه على أن الحديث واحد الاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا. وعند ابن أبي حاتم عن جندب: رمى رسول الله وَلقوله بحجر في أصبعه، فقال: هل أنت إلا أصيع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتٍ, ١٧٥ کتاب التهجد/ باب ٥ قال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لم يقم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودّعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ١-٢]. ٥ - باب تَحريض النبيِّ بَطّز على صلاةِ الليلِ والنَّوافِلِ من غير إيجابٍ وطرَقَ النبيُّ وََّ فاطمةَ وعَليًا عليهما السلامُ ليلةً للصلاةِ (باب تحريض النبي، وَلـ) أمته، أو: المؤمنين (على صلاة الليل) وفي رواية أبي ذر، وابن عساكر: على قيام الليل (والنوافل من غير إيجاب). يحتمل أن يكون قوله: على قيام الليل، أعم: من الصلاة والقراءة والذكر والشكر. وغير ذلك، وحينئذٍ يكون قوله: والنوافل من عطف الخاص على العام. (وطرق النبي ◌ِّ) من الطروق، أي: أتى بالليل (فاطمة وعليًا عليهما السلام ليلة للصلاة) أي للتحريض على القيام للصلاة. ١١٢٦ - حدثنا ابنُ مُقاتل قَال حدَّثنا عبدُ اللَّهِ قَال أخبرَنا مَعْمَرٌ عن الزُّهريِّ عن هندٍ بنتِ الحارثِ عن أمِّ سَلمةَ رضيَ اللَّهُ عنها ((أن النبيَّوَّرِ اسْتيقظَ ليلةً فقال: سُبحانَ اللَّهِ، ماذا أُنزِلَ الليلةَ مِنَ الفتنةِ، ماذا أُنزِلَ منَ الخزائنِ، من يوقِظُ صَواحبَ الحجُراتِ؟ يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عارية في الآخرة)). وبه قال: (حدّثنا ابن مقاتل) ولأبي ذر: محمد بن مقاتل (قال: حدّثنا) ولغير الأصيلي: أخبرنا (عبدالله) بن المبارك (قال: أخبرنا معمر) هو: ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري، عن هند بنت الحرث) لم ينوّن في اليونينية: هند (عن أم سلمة، رضي الله عنها أن النبي ◌َلقوله استيقظ ليلة فقال:) متعجبًا: (سبحان الله) نصب على المصدر (ماذا أنزل الليلة) كالتقرير والبيان لسابقه، لأن: ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم، والليلة، ظرف للإنزال. أي: ماذا أنزل في الليلة (من الفتنة) بالإفراد، وللحموي والكشميهني: من الفتن. قال في المصابيح: أي الجزئية القريبة المأخذ أو المراد: ماذا أنزل من مقدّمات الفتن. وإنما التجأنا إلى هذا التأويل لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت جاء أصحابي ما يوعدون)) فزمانه عليه الصلاة والسلام جدير بأن يكون حمى من الفتن. وأيضًا، فقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣] وإتمام النعمة أمان من الفتن. ١٧٦ کتاب التهجد/ باب ٥ وأيضًا فقول حذيفة لعمران: بينك وبينها بابًا مغلقًا، يعني بينه وبين الفتن التي تموج كموج البحر، وتلك إنما استحقت بقتل عمر رضي الله عنه. وأما الفتن الجزئية فهي كقوله: ((فتنة الرجل في أهله وماله يكفرها الصلاة والصيام والصدقة)). (ماذا أنزل) بالهمزة المضمومة، وللأصيلي: (من الخزائن) أي: خزائن الأعطية، أو الأقضية مطلقًا . وقال في شرح المشكاة: عبر عن الرحمة بالخزائن كثرتها وعزتها، قال تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي﴾ [الإسراء: ١٠٠] وعن العذاب بالفتن. لأنها أسباب مؤدّية إليه وجمعهما لکثرتهما وسعتهما . (من يوقظ) ينبه (صواحب الحجرات). زاد في رواية شعيب عن الزهري عند المصنف في الأدب وغيره: في هذا الحديث يريد أزواجه حتى يصلين، وبذلك تظهر المطابقة بين الحديث والترجمة، فإن فيه التحريض على صلاة الليل، وعدم الإيجاب يؤخذ من ترك إلزامهن بذلك، وفيه جرى على قاعدته في الحوالة على ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده (يا) قوم (رب) نفس (كاسية) من ألوان الثياب عرفتها (في الدنيا عارية) من أنواع الثياب (في الآخرة) وقيل: عارية من شكر المنعم، وقيل: نهى عن لبس ما يشف من الثياب، وقيل: نهى عن التبرج. وقال في شرح المشكاة: هو كالبيان لموجب استنشاط الأزواج للصلاة، أي: لا ينبغي لهن أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أهالي رسول الله وَله، وقوله: عارية، بالجرّ صفة لكاسية، أو: بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي: هي عارية، و: رب، للتكثير، وإن كان أصلها التقليل متعلقة وجوبًا بفعل ماض متأخر، أي: عرفتها ونحوه كما مر. وهذا الحديث، وإن خص بأزواجه، وَالر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالتقدير: رب نفس، كما مر، أو: نسمة. ١١٢٧ - حدثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شعيبٌ عن الزُّهريِّ قال أخبرني عليٌّ بنُ حسينٍ أن حسينَ بن عليَّ أخبرَهُ أنَّ عليّ بن أبي طالب أخبرَهُ ((أنَّ رسولَ اللَّهِوَ ◌ِّ طِرَقَهُ وفاطمةَ بنتَ النبيِّوَّهِ ليلةً فقال: ألا تُصلِيانٍ؟ فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أَنفُسنا بيدِ اللَّهِ، فإذا شاءَ أن يَبْعَثنا بَعثنَا. فانصرَف حينَ قُلنا ذلك ولم يَرجِعْ إليَّ شيئًا، ثمَّ سمعتُهُ وهوّ مُوَلْ يضرِبُ فخذَهُ وهوَ يقول: ﴿وكان الإنسانُ أكثرَ شيء جَدَلاً﴾)). [الحديث: ١١٢٧ - أطرافه في: ٤٧٢٤، ٧٣٤٧، ٧٤٦٥]. وبه قال (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (علي بن حسين) بضم الحاء، المشهور: بزين العابدين (أن) أباه (حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره): ١٧٧ كتاب التهجد/ باب ٥ (أن رسول الله ﴿ طرقه وفاطمة بنت النبي، وَّة) وفي اليونينية: عليه السلام، بدل التصلية، وفاطمة؛ نصب عطفًا على الضمير المنصوب في سابقه (ليلة) من الليالي، ذكرها تأكيدًا وإلا فالطروق هو الإتيان ليلاً (فقال) عليه الصلاة والسلام لهما، حثًا وتحريضًا : . (ألا تصليان)؟ (فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله) هو من المتشابه، وفيه طريقان: التأويل والتفويض. وفي رواية حكيم بن حكيم عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عند النسائي، قال علي: فجلست وأنا أحرك عيني، وأنا أقول: والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله (فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا) بفتح المثناة فيهما، أي: إذا شاء الله أن يوقظنا. (فانصرف) عليه الصلاة والسلام عنا معرضًا مدبرًا (حين قلنا) وللأربعة: حين قلت له (ذلك. ولم يرجع إليّ شيئًا) بفتح أول يرجع أي: لم يجبني بشيء (ثم سمعته، وهو) أي: والحال أنه (مول) معرض مدبر حال كونه (يضرب فخذه) متعجبًا من سرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بما اعتذر به، قاله النووي: (وهو يقول: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾) [الكهف: ٥٤]. قيل: قاله تسليمًا لعذره، وإنه لا عتب عليه، قال ابن بطال: ليس للإمام أن يشدد في النوافل، فإنه ◌َ لر؛ قنع بقوله: أنفسنا بيد الله، فهو عذر في النافلة لا في الفريضة. ورواة هذا الحديث الستة ما بين حمصي ومدني وإسناد زين العابدين من أصح الأسانيد وأشرفها الواردة فيمن روى عن أبيه عن جده، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في: الاعتصام والتوحيد، ومسلم في: الصلاة، وكذا النسائي. ١١٢٨ - حقثنا عبدُاللَّهِ بنُ يوسُفَ قال أخبرنا مالكٌ عن ابن شِهابٍ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((إنْ كانَ رسولُ اللَّهِ وَهِ لَيَدَعُ العملَ وهوَ يُحبُّ أنْ يَعمَلِ بهِ خشيةَ أنْ يَعملَ به الناسُ فيُفرَضَ عليهم، وما سبّحَ رسولُ اللَّهِوَهِ سُبحةَ الضُّحى قطُ، وإني لاسبحها)). [الحديث ١١٢٨ - طرفه في: ١١٧٧]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير (عن عائشة، رضي الله عنها قالت): (إن كان رسول الله ◌َله) بكسر همزة إن مخففة من الثقيلة، وأصله: إنه كان فحذف ضمير الشأن وخفف النون، (ليدع العمل) بفتح لام: ليدع، التي للتأكيد، أي: ليترك العمل (وهو يحب أن يعمل به خشية) أي: لأجل خشية (أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم) بنصب فيفرض عطفًا على أن يعمل. إرشاد الساري/ ج ٣/م ١٢ ١٧٨ کتاب التهجد/ باب ٥ وليس مراد عائشة أنه كان يترك العمل أصلاً، وقد فرضه الله عليه أو ندبه، بل المراد ترك أمرهم أن يعملوه معه، بدليل ما في الحديث الآتي: أنهم لما اجتمعوا إليه في الليلة الثالثة، أو الرابعة، ليصلوا معه التهجد لم يخرج إليهم، ولا ريب أنه صلى حزبه تلك الليلة .. (وما سبح) وما تنفل (رسول الله ◌َ ليل سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها) أي: لأصليها. وللكشميهني والأصيلي: وإني لأستحبها من الاستحباب. وذكر هذه الرواية العيني، ولم يعزها، والبرماوي والدماميني عن الموطأ، وهذا من عائشة إخبار بما رأت. وقد ثبت: أنهِوَ لّ صلاها يوم الفتح، وأوصى بها أبوي ذر، وهريرة، بل عدها العلماء من الواجبات الخاصة به. ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من قول عائشة: ((إن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به)). لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه لولا ما عارضه من خشية الافتراض. ١١٢٩ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ قال أخبرنا مالكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائشةَ أمّ المؤمنينَ رضيَ اللَّهُ عنها ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّهِ صلَّى ذاتَ ليلةٍ في المسجدِ فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ، ثمَّ صلَّى منَ القابلةِ فكثُرَ الناسُ، ثمَّ اجتمعوا منَ الليلةِ الثالثةِ أو الرابعةِ فلم يَخرُجْ إليهم رسولُ اللَّهِوَِّ، فلمَّا أصبحَ قال: قد رأيتُ الذي صنَعْتم، ولم يمنَعْني منَ الخروجِ إليكم إلاّ أني خشيتُ أن تُفرَضَ عليكم، وذلك في رمضان)) . وبه قال: (حدثنا عبدالله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوام (عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها): (أن رسول الله ◌َّه، صلى) صلاة الليل (ذات ليلة) أي: في ليلة من ليالي رمضان (في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من) الليلة (القابلة) أي: الثانية. وللمستملي: ثم صلى من القابل، أي: من الوقت القابل (فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول .(醬ぶ زاد أحمد في رواية ابن جريج: حتى سمعت ناسًا منهم يقولون الصلاة. والشك ثابت في رواية مالك. ولمسلم من رواية يونس، عن ابن شهاب، فخرج رسول الله مَله، في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله. ١٧٩ كتاب التهجد/ باب ٦ ولأحمد من رواية سفيان بن حسين عنه: فلما كانت الليلة الرابعة غص المسجد بأهله، (فلما أصبح) عليه الصلاة والسلام (قال): (قد رأيت الذي صنعتم) أي: من حرصكم على صلاة التراويح. وفي رواية عقيل: فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهد ثم قال: ((أما بعد؛ فإنه لم يخف علی مکانکم)). (ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشيت أن تفرض عليكم). زاد في رواية يونس: صلاة الليل فتعجزوا عنها، أي: يشق عليكم فتتركوها مع القدرة. وليس المراد العجز الكلي، فإنه يسقط التكليف من أصله. قالت عائشة: (وذلك) أي: ما ذكر كان (في رمضان). واستشكل قوله: إني خشيت أن تفرض عليكم، مع قوله في حديث الإسراء هن خمس، وهن خمسون لا يبدل القول لديّ. فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة. وأجاب في فتح الباري باحتمال: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومىء إليه قوله في حديث زيدبن ثابت: ((حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم)). فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم، أو يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان. فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس. أو يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، كما سبق: أن ذلك كان في رمضان. وعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس . اهـ. ٦ - باب قيام النبيِّ نَّهِ حَتَّى تَرِمِ قَدَماه وقالت عائشةُ رضيَ اللَّهُ عنها: حتى تَفطَّرَ قدماه. والفُطورُ: الشقوقُ. انفطَرَت: انشقَّت. (باب قيام النبي، وَّ ر) زاد الحموي في نسخة، والمستملي، والكشميهني، والأصيلي: الليل. وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر (حتى ترم قدماه) بفتح المثناة الفوقية، وكسر الراء من الورم. وسقط ذلك أي: حتى ترم قدماه من رواية أبوي ذر، والوقت، والأصيلي. ١٨٠ كتاب التهجد/ باب ٦ وللكشميهني في نسخة، والحموي والمستملي: باب قيام الليل للنبي وَّ. (وقالت عائشة رضي الله عنها) مما وصله في سورة الفتح من التفسير (حتى) وللكشميهني كان يقوم، ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: قام حتى (تفطر قدماه) بحذف إحدى التاءين وتشديد الطاء وفتح الراء، بصيغة المضارع. وللأصيلي: قام رسول الله له حتى تتفطر قدماه، بمثناتين فوقيتين على الأصل وفتح الراء. (والفطور: الشقوق) كما فسره به أبو عبيدة في المجاز: (انفطرت: انشقت). كذا فسره الضحاك، فيما رواه ابن أبي حاتم عنه موصولاً . ١١٣٠ - حدثنا أبو نُعَيم قال حدَّثَنا مِسْعَرٌ عن زِيادٍ قال: سمعتُ المغيرَةَ رضيَ اللَّهُ عنه يقولُ: ((إنْ كان النبيُّ ◌َّهِ لَيَقومُ - لَيُصلّي- حتىْ تَرمَ قدماه - أو ساقاه. فيقالُ له، فيقول: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا))؟ [الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين المهملة، ابن كدام العامري الهلالي (عن زياد) بكسر الزاي وتخفيف الياء ابن علاقة الثعلبي (قال: سمعت المغيرة) بن شعبة (رضي الله عنه، يقول): (إن كان النبي ◌َّليل ليقوم ليصلي) بكسر همزة إن وتخفيف النون، وحذف ضمير الشأن تقديره: إنه كان، وبفتح لام ليقوم للتأكيد، وكسر لام ليصلي. ولكريمة: ليقوم يصلي، بحذف لام، يصلي، وللأربعة: أو ليصلي، مع فتح اللام على الشك . . (حتى ترم قدماه) بكسر الراء وتخفيف الميم منصوبة بلفظ المضارع، ويجوز رفعها (-أو ساقاه.) شك من الراوي، وفي رواية خلادبن يحيى: حتى ترم، أو تنتفخ قدماه (فيقال له:) ﴿غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. وفي حديث عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟ (فيقول): (أفلا) الفاء مسبب عن محذوف، أي: أأترك قيامي وتهجدي لما غفر لي فلا (أكون عبدًا شكورًا) يعني: غفران الله لي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له. فكيف أتركه؟ كأن المعنى: ألا أشكره، وقد أنعم عليّ وخصني بخير الدارين . فإن الشكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمة خطيرة، وتخصيص العبد بالذكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء، ولأن العبودية تقتضي صحة النسبة، وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر، وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشدة فى العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه .