Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب التوحيد/ باب ٤٤
ففي هذا الحديث أن القرآن يطلق ويراد به القراءة، فإن المراد بقوله قرآنه القراءة لا نفس
القرآن وإن تحريك اللسان والشفتين بقراءة القرآن عمل للقارىء يؤجر عليه وقوله فإذا قرأناه فاتبع
قرآنه فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى والفاعل له من يأمره بفعله فإن القارىء لكلامه تعالى على
النبي ◌َّ هو جبريل، ففيه بيان لكل ما أشكل من فعل ينسب إلى الله تعالى مما لا يليق به فعله من
المجيء والنزول ونحو ذلك قاله ابن بطال.
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن مراد البخاري بهذين الحديثين الموصول والمعلق الرد
على من زعم أنّ قراءة القارىء قديمة فأبان أنّ حركة لسان القارىء بالقرآن من فعل القارىء
بخلاف المقروء فإنه كلام الله القديم، كما أنّ حركة لسان ذاكرًا لله حادثة من فعله والمذكور هو الله
تعالى.
وهذا الحديث سبق في بدء الخلق.
٤٤ - باب قَوْلِ الله تَعالى
﴿وَأْسِرَّوا قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣] يَتَخافَتُونَ: يَتَسارُّونَ.
(باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾) ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار
والإجهار ومعناه ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما (﴿إنه عليم بذات الصدور﴾
[الملك: ١٣]) أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها فكيف لا يعلم ما تكلم به (﴿ألا يعلم
من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]) أي العالم بدقائق الأشياء والخبير العالم بحقائق
الأشياء وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلاً على خلق أفعال العباد (يتخافتون): أي (يتسارون).
بتشديد الراء فيما بينهما بكلام خفي.
٧٥٢٥ - حدثني عَمْرُو بْنُ زُرارَةَ، عَنْ هُشَيْمِ، أخْبَرَنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ
ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِهَا﴾
[الإسراء: ١١٠] قالَ: نَزَّلَتْ وَرَسُولُ اللهِ وَِّ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ فَكَانَ إذا صَلّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ
بِالْقُرْآنِ، فَإِذا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جاءَ بِهِ، فَقالَ الله لِنَبِّهِ وَلّ: ﴿وَلا
تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أيْ بِقِراءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ﴿وَلا تُخافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أصْحابِكَ
فَلا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن زرارة) بفتح العين وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراء
الكلابي النيسابوري (عن هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير قال: (أخبرنا أبو بشر)
بموحدة فمعجمة ساكنة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس

٥٠٢
كتاب التوحيد/ باب ٤٤
رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾) بقراءة صلاتك (﴿ولا تخافت﴾) لا
تخفض صوتك (﴿بها﴾ [الإسراء: ١١٠]) زاد في الإسراء عن أصحابك فلا تسمعهم (قال) ابن
عباس (نزلت ورسول الله ( * مختف بمكة) عن الكفار (فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته
بالقرآن). واستشكل بأنه إذا كان مختفيًا عن الكفار فكيف يرفع صوته وهو ينافي الاختفاء؟ وأجاب
في الكواكب: بأنه لعله أراد الإتيان بشبه الجهر أو أنه ما كان يبقى له عند الصلاة ومناجاة الرب
اختيار الاستغراقه في ذلك. (فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله) جبريل (ومن جاء
به) وَّر (فقال الله) عز وجل (النبيه وَليقول: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ أي بقراءتك) فيه حذف كما مرّ
(فيسمع المشركون) بنصب فيسمع في الفرع وأصله ويجوز الرفع (فيسبوا القرآن ﴿ولا تخافت بها﴾
عن أصحابك فلا تسمعهم) بالرفع (﴿وابتغ بين ذلك﴾) الجهر والمخافتة (﴿سبيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠])
وسطًا. قال الكرماني: فأجاد هذه الملة الإسلامية الحنيفية البيضاء أصولها وفروعها كلها واقعة في
حاق الوسط لا إفراط ولا تفريط كما في الإلهيات لا تشبيه ولا تعطيل وفي أفعال العباد ولا جبر
ولا قدر، بل أمر بين أمرين وفي أمر المعاد لا يكون وعيديًّا ولا مرجيًا بل بين الخوف والرجاء،
وفي الإمامة لا رفض ولا خروج، وفي الإنفاق لا إسراف ولا تقتير، وفي الجراحات لا قصاص
واجبًا كما في التوراة ولا عفوًا واجبًا كما في الإنجيل، بل شرع القصاص والعفو كلاهما وهلم
جرًا.
وسبق الحديث قريبًا وكذا في سورة الإسراء من التفسير.
٧٥٢٦ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيّ
الله عَنْها قالَتْ: نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي
الدُّعاءِ.
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا وكان اسمه عبد الله القرشي
الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة
رضي الله عنها) أنها (قالت: نزلت هذه الآية: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾
[الإسراء: ١١٠] في الدعاء). هذا وجه آخر في سبب نزول هذه الآية أو هو من باب إطلاق
الكل على الجزء إذ الدعاء بعض أجزاء الصلاة. وسبق في الإسراء.
٧٥٢٧ - حدثنا إسْحُقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عاصِمٍ، أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أخْبَرَنا ابْنُ شِهابٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لُّمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ - وَزادَ غَيْرُهُ -
يَجْهَرُ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن منصور وقال الحاكم ابن نصر ورجح الأول أبو علي
الجياني قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل شيخ المؤلف روي عنه كثيرًا بلا واسطة قال:

٥٠٣
كتاب التوحيد/ باب ٤٥
(أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أخبرنا ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن
أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول
:(醬动
(ليس منا) أي ليس من أهل سُنّتنا (من لم يتغن بالقرآن) أي يحسن صوته به كما قاله
الشافعي وأكثر العلماء. وقال سفيان بن عيينة يستغني به عن الناس (وزاد غيره) غير أبي هريرة
وفي فضل القرآن وقال صاحب له معنى يتغنى بالقرآن (يجهر به). فهي جملة مبينة لقوله يتغن
بالقرآن، فلن يكون المبين على خلاف البيان، فكيف يحمل على غير تحسين الصوت. والصاحب
المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب كما سبق في فضل القرآن.
وقال في الفتح: وسيأتي قريبًا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بلفظ ما أذن
الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به فيستفاد منه أن الغير المبهم في حديث الباب
وهو الصاحب المبهم في رواية عقيل هو محمد بن إبراهيم التيمي والحديث واحد إلا أن بعضهم
رواه بلفظ: ما أذن، وبعضهم بلفظ: ليس منا.
قال ابن بطال: مراد البخاري بهذا الباب إثبات العلم لله تعالى صفة ذاتية لاستواء علمه
بالجهر من القول والسر وتعقبه ابن المنير فقال ما أظن أنه قصد بالترجمة إثبات العلم وليس كما ظن
وإلا لتقاطعت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة لا سيما بين العلم وبين حديث ليس منا من لم
يتغن بالقرآن، وإنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ فأشار
بالترجمة إلى أن تلاوات الخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أن تكون مخلوقة وأنها تسمى تغنيًا
وهذا هو الحق اعتقادًا لا إطلاقًا حذرًا من الإيهام وفرارًا من الابتداع لمخالفة السلف في الإطلاق
وقد ثبت عن البخاري أنه قال من نقل عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب، وإنما قلت
إن أفعال العبادة مخلوقة.
٤٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّ:
((رَجُلٌ آتاهُ الله الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ
هذا فَعَلْتُ كَما يَفْعَلُ فَبَيِّنَ الله أنَّ قَيامَهُ بِالْكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ)). وَقالَ: ((﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمُواتِ
وَالأرْضِ وَأَخْتِلافُ الْسِنَتِكُمْ وَالْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَأَفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧])).
(باب قول النبي ( 18) في حديث الباب (رجل آتاه الله) عز وجل (القرآن فهو يقوم به آناء
الليل والنهار) ولأبي ذر عن الكشميهني آناء الليل وآناء النهار (ورجل يقول لو أُوتيت مثل ما أُوتي
هذا فعلت كما يفعل) وقال البخاري (فبين الله أن قيامه) أي قيام الرجل (بالكتاب هو فعله) حيث

٥٠٤
کتاب التوحید/ باب ٤٥
أسند القيام إليه وسقط لأبي ذر والأصيلي لفظ الجلالة ولأبي ذر عن الكشميهني فبين النبي ◌َّ أن
قراءته الكتاب.
(وقال) تعالى: ((ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم﴾) أي اللغات أو
أجناس النطق وأشكاله وهو يشمل الكلام فتدخل القراءة (﴿وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢]) كالسواد
والبياض وغيرهما ولاختلاف ذلك وقع التعارف وإلا فلو تشاكلت الألسن والألوان واتفقت لوقع
التجاهل والالتباس ولتعطلت المصالح وفي ذلك آية بيّنة حيث ولدوا من أب واحد وهم على
الكثرة التي لا يعلمها إلا الله متفاوتون (وقال جل ذكره: ﴿وافعلوا الخير﴾) عام يتناول سائر
الخيرات كقراءة القرآن والذكر والدعاء أو أريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق (﴿لعلكم
تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]) أي كي تفوزوا وافعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين ولا
تتكلوا على أعمالكم.
٧٥٢٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبي صالِحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً قَالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لا تحاسُدَ إلاّ في اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتاهُ الله الْقُرْآنَ فَهُوَّ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ
النَّهارِ، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أُوتيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كَما يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ
فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِي عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَعْمَلُ)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش)
سليمان بن مهران (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال
رسول الله صَلخد) :
(لا تحاسد) بفوقية مفتوحة قبل الحاء وضم السين المهملتين جائز في شيء (إلا في اثنتين)
بالتأنيث إحدى الاثنتين (رجل) بالرفع أي خصلة رجل (آتاه الله) عز وجل (القرآن فهو يتلوه آناء
الليل وآناء النهار) أي ساعات الليل وساعات النهار ولأبوي الوقت وذر من آناء الليل وآناء النهار
(فهو) أي الحاسد (يقول لو أوتيت) لو أعطيت (مثل ما أوتي) أعطي (هذا) من القرآن (لفعلت كما
يفعل) لقرأت كما يقرأ (ورجل) وخصلة رجل (آتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه) من الصدقة
الواجبة ووجوه الخير المشروعة لا في التبذير ووجوه المكاره (فيقول) الحاسد (لو أوتيت مثل ما
أوتي) هذا من المال (عملت فيه مثل ما يعمل) من الإنفاق في حقه.
قال في شرح المشكاة أثبت الحسد في هذا الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين
الخطيرتين اللتين لو اجتمعتا في امرىء بلغ من العلياء كل مكان.
٧٥٢٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، قالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((لا حَسَدَ إلاَّ فِي أَتْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهارِ،

٥٠٥
كتاب التوحيد/ باب ٤٦
وَرَجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَهْوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناءَ النَّهارِ)). سَمِعْتُ سُفْيانَ مِرارًا لَمْ أسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ
وَهُوَ مِنْ صَحيحٍ حدِيثِهِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال الزهري)
محمد بن مسلم (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (عن النبي (وَي) أنه (قال):
(لا حسد إلا في اثنتين) إحداهما (رجل آتاه الله) عز وجل بمدّ همزة آتاه أي أعطاه الله
(القرآن فهو يتلوه) ولأبي ذر والأصيلي يقوم به (آناء الليل وآناء النهار) ساعاتهما وواحد الآناء.
قال الأخفش: إني مثل معي وقيل أنو يقال مضى أنيان من الليل وأنوان (و) ثانيهما (رجل آتاه
الله) عز وجل (مالاً فهو ينفقه) في حقه (آناء الليل وآناء النهار).
قال البغوي: المراد من الحسد هنا الغبطة وهي أن يتمنى الرجل مثل ما لأخيه من غير أن
يتمنى زواله عنه والمذموم أن يتمنى زواله وهو الحسد ومعنى الحديث الترغيب في التصدّق بالمال
وتعليم العلم اهـ.
قال علي بن عبد الله المديني (سمعت سفيان) ولأبوي الوقت وذر: سمعت من سفيان (مرارًا
لم أسمعه يذكر الخبر) أي لم أسمعه بلفظ أخبرنا أو حدّثنا الزهري بل بلفظ قال (وهو) مع ذلك
(من صحيح حديثه) فلا قدح فيه إذ هو معلوم من الطرق الصحيحة فعند الإسماعيلي عن أبي يعلى
عن أبي خيثمة قال: حدّثنا سفيان هو ابن عيينة قال: حدّثنا الزهري عن سالم به، وكذا هو في
مسلم عن أبي خيثمة زهير بن حرب. وقال في الكواكب: أورد البخاري الترجمة مخرومة إذ ذكر
من صاحب القرآن حال المحسود فقط ومن صاحب المال حال الحاسد فقط ولا لبس في ذلك لأنه
اقتصر على ذكر حامل القرآن حاسدًا ومحسودًا وترك حال ذي المال.
وسبق الحديث في العلم وفضائل القرآن والتمني.
٤٦ - باب قَوْلِ الله تَعالى:
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلْغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالاتِهِ﴾
[المائدة: ٦٧] وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ الرِّسالَةُ وَعَلى رَسُولِ اللهِوَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنا
التَّسْلِيمُ، وَقالَ: ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وَقالَ تَعالى: ﴿أَبْلِغُكُمْ رِسالاتٍ رَبّ﴾
[الأعراف: ٦٢]، وَقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكِ حِينَ تَخَلْفَ عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ ﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إذا أعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ أَمْرِىءٍ فَقُلِ: ((أَعْمَلُوا فَسَيَرَى الله
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ))، وَلا يَسْتَخِفَّنَكَ أحَدٌ وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ هذَا الْقُرْآنُ
﴿ُهُدّى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] بَيَانٌ وَدَلالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُلِكُمْ حُكْمُ الله﴾ [الممتحنة: ١٠] هذا

٥٠٦
كتاب التوحيد/ باب ٤٦
حُكْمُ الله لا رَيْبَ لا شَكَّ تِلْكَ آيَاتُ الله يَعْنِي هذِهِ أعْلامُ الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] يَعْنِي بِكُمْ، وَقَالَ أَنَسْ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَ خَالَهُ حَرامًا إلى قَوْمِهِ وَقالَ:
أَتُؤْمِنُونِي أُبَلْغُ رِسالَةَ رَسُولِ اللهِ وَِّ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ.
(باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك﴾) ناداه بأشرف الصفات
البشرية وقوله بلغ وهو قد بلغ فأجاب الكشاف بأن المعنى جميع ما أنزل إليك أي أيّ شيء أنزل
غير مراقب في تبليغه أحدًا ولا خائف أن ينالك مكروه وقوله ما يحتمل أن تكون بمعنى الذي ولا
يجوز أن تكون نكرة موصوفة لأنه مأمور بتبليغ الجميع كما مرَّ والنكرة لا تفي بذلك فإن تقديرها
بلغ شيئًا أنزل إليك وفي أنزل ضمير مرفوع يعود على ما قام مقام الفاعل (﴿وإن لم تفعل فما
بلغت رسالاته﴾ [المائدة: ٦٧]) بلفظ الجمع وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر أي إن لم تفعل
التبليغ فحذف المفعول، ثم إن الجواب لا بدّ وأن يكون مغايرًا للشرط لتحصل الفائدة ومتى اتحدا
اختل الكلام فلو قلت إن أتى زيد فقد جاء لم يجز وظاهر قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت﴾
اتحاد الشرط والجزاء فإن المعنى يؤول ظاهرًا وإن لم تفعل لم تفعل. وأجاب الناس عن ذلك
بأجوبة، فقيل: هو أمر تبليغ الرسالة في المستقبل أي بلغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل وإن
لم تفعل أي وإن لم تبلّغ الرسالة في المستقبل فكأنك لم تبلّغ الرسالة أصلاً أو بلغ ما أنزل إليك من
ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعدة فإن لم تبلغ كنت كمن لم يبلغ أصلاً أو بلغ غير خائف
أحدًا فإن لم تبلغ على هذا الوصف فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً ثم قال مشجعًا له في التبليغ:
﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] وقال البدر الدمامينى في مصابيحه وجه التغاير بين
الشرط والجزاء أن الجزاء مما أقيم فيه السبب مقام المسبب إذ عدم التبليغ سبب لتوجيه العتب وهذا
السبب في الحقيقة هو الجزاء، فالتغاير حاصل لكن نكتة العدول إلى ذكر السبب إجلال النبي ◌َلتر
وترفيع محله عن أن يواجه بعتب أو بشيء مما يتأثر منه ولو على سبيل الفرص فتأمله اهـ.
(وقال الزهري) محمد بن مسلم (من الله عز وجل الرسالة وعلى رسول الله) وللأصيلي وعلى
رسوله (8# البلاغ وعلينا التسليم) فلا بدّ في الرسالة من ثلاثة أمور: المرسل والرسول والمرسل
إليه ولكلٌّ منهم شأن، فللمرسل الإرسال وللرسول التبليغ وللمرسل إليه القبول والتسليم وهذا
وقع في قصة أخرجها الحميدي في النوادر ومن طريقه الخطيب (وقال: ﴿ليعلم﴾) ولأبي ذر وقال
الله تعالى ليعلم أي الله تعالى ((أن قد أبلغوا﴾) أي الرسل (﴿رسالات ربهم﴾) كاملة بلا زيادة ولا
نقصان إلى المرسل إليهم أي ليعلم الله ذلك موجودًا حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده
أنه يوجده وقيل ليعلم محمد # أن الرسل قبله قد بلغوا الرسالة. وقال القرطبي: فيه حذف
يتعلق به الكلام أي اخترنا لحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق
والصدق وقيل ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه واستراق
أصحابه (وقال تعالى: ﴿أبلغكم رسالات ربي﴾ [الأعراف: ٦٢]) أي ما أوحي إليّ في الأوقات

٥٠٧
كتاب التوحيد/ باب ٤٦
المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والبشائر والنذائر والتبليغ فعل فإذا بلغ فقد
فعل ما أمر به.
(وقال كعب بن مالك) الأنصاري (حين تخلف عن النبي وجَّهه) في غزوة تبوك مما سبق بطوله
في سورة التوبة (﴿وسيرى الله﴾) وللأبوين: فسيرى الله (﴿عملكم ورسوله﴾ [التوبة: ٩٤]) ولأبي
ذر والأصيلي: والمؤمنون يشير إلى قوله في القصة. قال الله تعالى: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم
إليهم قل لا تعتذورا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله
والمؤمنون) الآية. ومراد البخاري تسمية ذلك كله عملاً.
(وقالت عائشة) رضي الله عنها (إذا أعجبك حسن عمل امرىء فقل: اعملوا فسيرى الله
عملكم ورسوله والمؤمنون ولا يستخفنك أحد) بالخاء المعجمة وتشديد الفاء والنون أي لا
يستخفنك بعمله فتسارع إلى مدحه وظن الخير به لكن ثبت حتى تراه عاملاً بما يرضاه الله ورسوله
والمؤمنون وصله البخاري في خلق أفعال العباد مطوّلاً وفي ما كان شأن عثمان حين نجم القراء
الذين طعنوا فيه وقالوا قولاً لا يحسن مثله وقرؤوا قراءة لا يحسن مثلها وصلّوا صلاة لا يصلى
مثلها الحديث بطوله والمراد أنها سمت ذلك كله عملاً.
(وقال معمر): بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة هو أبو عبيدة بن المثنى اللغوي في
كتاب مجاز القرآن له (﴿ذلك الكتاب﴾) أي (هذا القرآن) قال: وقد تخاطب العرب الشاهد
بمخاطبة الغائب. وقال في المصابيح: قوله ذلك الكتاب هذا القرآن يعني أن الإشارة إلى الكتاب
المراد به القرآن وليس ببعيد فكان مقتضى الظاهر أن يشار إليه بهذا لكن أتى بذلك الذي يشار به
إلى البعيد لأن القصد فيه إلى تعظيم المشار إليه وبعدد درجته قال وفي كلام الزركشي في التنقيح
هنا خبط وقال تعالى: (﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢]) أي (بيان ودلالة كقوله تعالى: ﴿ذلكم حكم
الله﴾ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم الله) يعني أن ذلك بمعنى هذا (لا ريب) زاد أبو ذر والوقت فيه
أي (لا شك تلك آيات الله يعني هذه أعلام القرآن) فاستعمل تلك التي للبعيد في موضع هذه التي
للقريب (ومثله) في الاستعمال قوله تعالى: (﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾
[يونس: ٢٢] يعني بكم) فلما شاع استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب
للحاضر.
(وقال أنس) رضي الله عنه (بعث النبي ◌َّفي خاله) وفي نسخة خالي (حرامًا) أي ابن ملحان
أخا أم سليم إلى بني عامر (إلى قومه) بني عامر ولأبي ذر إلى قوم (وقال) لهم حرام: (أتؤمنون)
بسكون الهمزة وكسر الميم أي أتجعلوني آمنًا (أبلغ رسالة رسول الله وَل) فأمنوه (فجعل يحدّثهم)
عن النبي ◌َّه إذ أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه فقال فزت ورب الكعبة.
وهذا وصله في الجهاد والمغازي.

٥٠٨
كتاب التوحيد/ باب ٤٦
٧٥٣٠ - حدّثنا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ الرَّقْيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ
سُلَيْمانَ، حَدَّثَنَا سَعيدُ بْنُ عَبْدِ الله الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ وَزِيادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ
حَيَّةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ الْمُغيرَةُ: أَخْبَرَنا نَبِيُّنَا بَّهِ عَنْ رِسالَةٍ رَبِّنا، أنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صارَ إلَى
الْجَنَّةِ .
وبه قال: (حدّثنا الفضل بن يعقوب) الرخامي البغدادي قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر
الرقي) بفتح الراء وكسر القاف المشددة قال: (حدّثنا المعتمر بن سليمان) التيمي وقيل إن صوابه
المعمر بتشديد الميم وفتحها وضم الميم الأولى لأن عبد الله بن جعفر لا يروي عن المعتمر بن
سليمان قاله في المصابيح. وقال الكرماني: وفي بعضها معمر من التعمير وصوابه معتمر من
الاعتمار قال: (حدّثنا سعيد بن عبد الله الثقفي) بالمثلثة ثم القاف ثم الفاء بفتح العين مكبرًا كذا في
الفرع مكتوبًا على كشط. قال الجياني: وكذا كان في نسخة الأصيلي إلا أنه أصلحه عبيد الله
بالتصغير وقال هو سعيد بن عبد الله بن جبير بن حية قال: (حدّثنا بكر بن عبد الله المزني) بالزاي
(وزياد بن جبير بن حية) بالحاء المهملة والتحتية المشددة (عن) أبيه (جبير بن حية قال المغيرة) بن
شعبة رضي الله عنه لترجمان عامل كسرى بندار لما بعث عمر الناس في أفناء الأمصار وخرج
عليهم في أربعين ألفًا (أخبرنا نبينا وَّر عن رسالة ربنا) تبارك وتعالى:
(إنه من قتل منا) في الجهاد (صار إلى الجنة) زاد في الجزية في نعيم لم ير مثلها قط ومن
بقي منا ملك رقابكم الحديث بطوله.
٥٧٣١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إسْماعيلَ، عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدًا وَّهِ كَتَمَّ شَيْئًا؟ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو
عامِرِ الْعَقْدِيُّ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ، عَنِ الشّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ
قالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ النَّبِيِّ وَ﴿ كَتَمَّ شَيْئًا مِنَ الْوَخِي فَلا تُصَدَّقْهُ إنَّ الله تعالى يَقُولُ: ﴿يا أيُّها
الرَّسُولُ بَلْغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) بن
أبي خالد (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن مسروق) بالسين المهملة الساكنة ابن الأجدع (عن
عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت من حدّثك أن محمدًا وَله كتم شيئًا؟ وقال محمد) يحتمل أن يكون
هو محمد بن يوسف الفريابي فيكون الحديث موصولاً أو غيره فيكون معلقًا (حدّثنا أبو عامر)
عبد الملك (العقدي) بفتح العين والقاف قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن إسماعيل بن أبي
خالد) واسمه سعد على خلاف فيه (عن الشعبي) عامر (عن مسروق عن عائشة) رضي الله عنها
أنها (قالت: من حدّثك أن النبي ◌َله كتم شيئًا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: (﴿يا
أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾) [المائدة: ٦٧] ووجه

٥٠٩
كتاب التوحيد/ باب ٤٦
الاستدلال بالآية أن ما أنزل عام والأمر للوجوب فيجب عليه تبليغ كل ما أنزل عليه. وقال في
الفتح: كل ما أنزل على الرسول فله بالنسبة إليه طرفان طرف الأخذ من جبريل عليه السلام، وقد
مضى في الباب السابق وطرف الأداء للأمة وهو المسمى بالتبليغ وهو المراد هنا والله أعلم.
٧٥٣٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبي وائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُرَخْبِيلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله قالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْد الله تَعالى؟ قالَ: ((أنْ
تَدْعُوَ لله نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ)). قالَ: ثُمَّ أيّ؟ قالَ: ((ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)). قالَ: ثُمَّ
أيّ؟ قالَ: ((أنْ تُزانِيَ حَليلَةَ جارِكَ)). فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَها ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهَا آخَرَ وَلا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ آتَامًا يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾
[الفرقان: ٦٩] الآيَةً.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن
الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) أبي ميسرة الهمداني أنه
(قال: قال عبد الله) بن مسعود (قال رجل: يا رسول الله) وفي باب قول الله: ﴿فلا تجعلوا لله
أندادًا﴾ عن عبد الله أي ابن مسعود سألت رسول الله وَلجر (أي الذنب أكبر عند الله تعالى؟ قال)
عليه الصلاة والسلام:
(أن تدعو الله ندًا) شريكًا (وهو خلقك. قال: ثم أي)؟ أي أيّ شيء من الذنوب أكبر من
ذلك (قال: ثم أن تقتل ولدك أن) ولأبي ذر مخافة أن (يطعم معك. قال: ثم أي؟ قال: أن)
ولأبوي الوقت وذر ثم أن (تزاني حليلة جارك) أي زوجته (فأنزل الله) تبارك وتعالى (تصديقها:
﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾) أي لا يشركون (﴿ولا يقتلون النفس التي حرّم الله﴾) قتلها
(﴿إلا بالحق﴾) بقود أو رجم أو ردّة أو شِرك أو سعي في الأرض بالفساد (﴿ولا يزنون ومن
يفعل ذلك﴾) المذكور (﴿يلق أثامًا﴾) جزاء الإثم (﴿يضاعف له العذاب﴾ [الفرقان: ٦٩] الآية).
أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذابًا على عذاب.
قال في الكواكب: كيف وجد التصديق يعني في قوله فأنزل الله تصديقها؟ قلت: من جهة
إعظام هذه الثلاثة حيث ضاعف لها العذاب وأثبت لها الخلود، وقال في فتح الباري: ومناسبة
قوله فأنزل الله تصديقها الخ ... للترجمة أن التبليغ على نوعين: أحدهما: هو الأصل أن يبلغه
بعينه وهو خاص بالقرآن. الثاني: أن يبلغ ما يستنبط من أصول ما تقدم إنزاله فينزل عليه موافقته
فيما استنبطه إما بنصه وإما بما يدل على موافقته بطريق الأولى كهذه الآية فإنها اشتملت على الوعيد
الشديد في حق من أشرك وهي مطابقة بالنص، وفي حق من قتل النفس بغير حق وهي مطابقة
للحديث بطريق الأولى لأن القتل بغير حق وإن كان عظيمًا لكن قتل الولد أقبح من قتل من ليس
بولد وكذا القول في الزنا فإن الزنا بحليلة الجار أعظم قبحًا من مطلق الزنا، ويحتمل أن يكون

٥١٠
كتاب التوحيد/ باب ٤٧
إنزال هذه الآية سابقًا على إخباره وَ ﴿ بما أخبر به لكن لم يسمعه الصحابي إلا بعد ذلك، ويحتمل
أن يكون كلٌّ من الأمور الثلاثة نزل تعظيم الإثم فيه سابقًا، ولكن اختصت هذه الآية بمجموع
الثلاثة في سياق واحد مع الاقتصار عليها فيكون المراد بالتصديق الموافقة في الاقتصار عليها فعلى
هذا فمطابقة الحديث للترجمة ظاهرة جدًّا والله أعلم.
٤٧ - باب قَوْلِ الله تَعالى:
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالنَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] وَقَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((أُعْطِيَ أهْلُ التَّوراةِ
التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِها وَأُعْطِيَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ». وَقالَ
أَبُو رَزينٍ ﴿يَتْلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٢١]: يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، يُقالُ يُثْلى: يُقْرَأُ حَسَنُ
الثِّلاوَةِ حَسَنُ الْقِراءَةِ لِلْقُرْآنِ. ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩]: لا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إلاّ مَنْ آمَنَ
بِالْقُرْآنِ وَلا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلاَّ الْمُوقِنُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمْلُوا الثَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا بِشْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ الله وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[الجمعة: ٥] وَسَمَّى النَّبِيُّوَ الإِسْلامَ وَالإِيمانَ عَمَلاً، قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيِّ وَّوْ لِبِلالِ:
((أُخْبِرْني بِأرجى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلامِ))؟ قالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلاً أرجى عِنْدِي أَنّي لَمْ أَتَطَهَّر إلاّ
صَلَيْتُ وَسُئِلَ أيُّ الْعَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: ((إيمانٌ بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ الْجِهَادُ ثُمَّ حَجُّ مَبْرُورٌ)).
(باب قول الله تعالى: ﴿قُل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ [آل عمران: ٩٣]) فاقرؤوها فالتلاوة
مفسرة بالعمل والعمل من فعل العامل (و) باب (قول النبي يلتز: أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا
بها وأعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به وأعطيتم القرآن فعملتم به) وصله في آخر هذا الباب
لكن بلفظ أوتي في الموضعين وأوتيتم.
(وقال أبو رزين) براء ثم زاي بوزن عظيم مسعود بن مالك الأسدي الكوفي التابعي الكبير
في قوله تعالى: (﴿يتلونه﴾ [البقرة: ١٢١]) أي حق تلاوته كما في رواية أبي ذر (يتبعونه ويعملون
به حق عمله) وصله سفيان الثوري في تفسيره (يقال: يتلى) أي (يقرأ) قاله أبو عبيدة في المجاز
في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ [العنكبوت: ٥١] (حسن التلاوة) أي
(حسن القراءة للقرآن) وكذا يقال رديء التلاوة أي القراءة ولا يقال حسن القرآن ولا رديء القرآن
وإنما يسند إلى العباد القراءة لا القرآن لأن القرآن كلام الله والقراءة فعل العبد.
(﴿لا يمسه﴾) من قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] أي (لا يجد طعمه
ونفعه إلا من آمن بالقرآن) أي المطهرون من الكفر (ولا يحمله بحقه إلا الموقن) ولأبي ذر وابن
عساكر إلا المؤمن بدل الموقن بالقاف أي بكونه من عند الله المتطهر من الجهل والشك (لقوله
تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين

٥١١
کتاب التوحید/ باب ٤٧
كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [الجمعة: ٥] وسمى النبي وَلقر الإسلام والإيمان)
وزاد أبو ذر والصلاة (عملاً) في حديث سؤال جبريل السابق مرارًا. وفي الحديث المعلق في
الباب.
(قال أبو هريرة: قال النبي ◌َل﴿ لبلال: أخبرني بأرجى عمل) بفتح الميم (عملته) بكسرها (في
الإسلام. (قال) يا رسول الله (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر) طهورًا في ساعة من ليل
أو نهار (إلا صليت) أي بذلك الطهور ركعتين كما في بعض الروايات ودخول هذا الحديث هنا
من جهة أن الصلاة لا بدّ فيها من القراءة. والحديث سبق في غير مرة.
(وسئل) النبي وَار (أي العمل أفضل)؟ أيّ أكثر ثوابًا عند الله (قال: إيمان بالله ورسوله ثم
الجهاد) في سبيل الله (ثم حج مبرور) مقبول لا يخالطه إثم.
والحديث سبق موصولاً في الإيمان في باب من قال: إن الإيمان هو العمل فجعل واَية
الإيمان والجهاد والحج عملاً.
٧٥٣٣ - حدّثَنَا عَبْدَانُ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أخْبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيّ أخْبَرَني سالِمٌ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿َ قالَ: ((إنَّما بَقاؤُكُمْ فيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأمَمِ كَما بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ إلى
غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أهْلُ التَّوْراةِ الثَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِها حَتَّى أَنْتَصَفَّ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا
قيراطًا قيراطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أهْلُ الإنْجيلِ الإنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتّى صُلْيَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا
قِيراًا قِيراطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأُعْطِيْتُمْ قيراطَيْنِ قيراطَيْنٍ فَقالَ
أهْلُ الْكِتابِ: هَؤُلاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلاً وَأَكْثَرُ أجْرًا قالَ اللهِ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقْكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا.
قالَ: فَهُوَ فَضْلي أُوتِيهِ مَنْ أشاءُ)».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن
المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه
قال: (أخبرني) بالإفراد (سالم) هو ابن عمر (عن ابن عمر) أبيه رضي الله عنهما (أن رسول
الله ◌َظر قال) :
(إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين) أجزاء وقت (صلاة العصر) المنتهية (إلى غروب
الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا) عن استيفاء عمل النهار
كله بأن ماتوا قبل النسخ (فأعطوا قيراطًا قيراطًا) بالتكرار مرتين وفيه كلام سبق في الصلاة في
باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب (ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به) من نصف
النهار (حتى صليت العصر ثم عجزوا) عن العمل أي انقطعوا (فأعطوا قيراطًا قيراطًا ثم أوتيتم
القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس) ولأبي ذر عن الكشميهني حتى غروب الشمس (فأعطيتم

٥١٢
كتاب التوحيد/ باب ٤٨ و٤٩
قيراطين قيراطين) بالتثنية فيهما (فقال أهل الكتاب) اليهود والنصارى (هؤلاء أقل منا عملاً وأكثر
أجْرًا قال الله) عز وجل (هل ظلمتكم) نقصتكم (من حقكم) الذي شرطته لكم (شيئًا؟ قالوا: لا.
قال: فهو) أي كل ما أعطيته من الثواب (فضلي أوتيه من أشاء).
والحديث سبق في الصلاة. ومطابقته للترجمة هنا في قوله: أوتي أهل التوراة.
٤٨ - باب وَسَمَّى النَّبِيُّ وَّرِ الصَّلاةَ عَمَلاً
وَقَالَ: ((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الْكِتَابِ))
(باب) بالتنوين بغير ترجمة فهو كالفصل السابق ولذا عطف عليه قوله (وسمى النبي ◌َّ
الصلاة عملاً) في حديث الباب (وقال) وَلجر: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) كما سبق
موصولاً من حديث عبادة بن الصامت في الصلاة في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم.
٧٥٣٤ - حدثني سُلَيْمانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْوَليدِ وَحَدَّثَنِي عَبّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الأسَدِيُّ
أُخْبَرَنا عَبّادُ بْنُ الْعَوّامِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزارِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ، عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبِيِّ وَِّ أَيُّ الأعمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها، وَبِرُّ الْوالِدَيْنِ ثُمَّ الْجِهَادُ
في سَبيلِ الله)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (سليمان) بن حرب الواشحي قال: (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن الوليد) بن العيزار قال البخاري (وحدّثني) بالواو والإفراد (عباد بن
يعقوب) بفتح العين والموحدة المشددة (الأسدي) قال: (أخبرنا عباد بن العوام) بتشديد الواو (عن
الشيباني) سليمان بن فيروز أبي إسحق الكوفي (عن الوليد بن العيزار) بفتح العين المهملة وبعد
الياء التحتية الساكنة زاي فألف فراء (عن أبي عمرو) بفتح العين سعد بن إياس (الشيباني عن ابن
مسعود) عبد الله رضي الله عنه (أن رجلاً) هو ابن مسعود (سأل النبي وَلفي أي الأعمال أفضل؟
قال):
(الصلاة لوقتها) أي على وقتها أو في وقتها وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعض عند
الكوفيين (وبرّ الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله).
والحديث سبق بأطول من هذا في الصلاة وفي الأدب.
٤٩ - باب قَوْلِ الله تعالی:
﴿إِنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ضَجُورًا ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾
[المعارج: ١٩].

٥١٣
كتاب التوحيد/ باب ٤٩
(باب قول الله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا﴾ ضجورًا) كذا ثبت في هامش اليونينية
بالحمرة من غير رقم مع إثباته بعد قوله هلوعًا وعن ابن عباس يفسره ما بعده (﴿إذا مسّه الشر
جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا﴾ [المعارج ١٩] هلوعًا). قال أبو عبيدة (ضجورًا) وقال غيره الهلع
سرعة الجزع عند مسّ المكروه وسرعة المنع عند مسّ الخير وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر
ثعلبًا عن الهلع فقال: قد فسّره الله ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر
أظهر شدة الجزع وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه
وموافقة شرعه.
٧٥٣٥ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ
قالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ مالٌ فَأَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَبَلَغَّهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا فَقالَ: ((إنّي أُعْطِي الرَّجُلَ
وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذي أدَعُ أحَبُّ إليَّ مِنَ الَّذي أُعْطي، أُعْطي أقْوامًا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ
وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أقْوامًا إلى ما جَعَلَ الله في قُلُوبِهِمُ مِنَ الْغِنِى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ)). فَقالَ
عَمْرُوَ: ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِكْلِمَةِ رَسُولِ اللهِوَّرَ حُمْرَ النَّعَمِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن تغلب بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر
اللام العبدي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) الأزدي (عن الحسن) البصري أنه قال (حدّثنا عمرو بن
تغلب) بفتح العين وسكون الميم وتغلب بفتح الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام بعدها موحدة
النمري بفتح النون والميم مخففًا (قال: أتى النبي وَ ﴿ مال فأعطى قومًا ومنع آخرين فبلغه أنهم
عتبوا) عليه (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(إني أعطي الرجل وأدع الرجل) أي أترك إعطاءه (والذي أدع) أترك (أحبّ إلي) بتشديد الياء
(من الذي أعطي. أعطي قومًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع) وهذا موضع الترجمة (وأكل أقوامًا
إلى ما جعل الله) عز وجل (في قلوبهم من الغنى والخير) بكسر الغين والقصر من غير همز ضد
الفقر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من الغناء بفتح الغين والهمزة والمد من الكفاية (منهم
عمرو بن تغلب فقال عمرو: وما أحب أن لي بكلمة رسول الله وَي) التي قالها (حمر النعم) بفتح
النون.
قال ابن بطال: مراد البخاري في هذا الباب إثبات خلق الله للإنسان بأخلاقه من الهلع
والصبر والمنع والإعطاء، وفيه أن المنع قد لا يكون مذمومًا ويكون أفضل للممنوع لقوله: وأكِل
أقوامًا وهذه المنزلة التي شهد لهم بها ور أفضل من العطاء الذي هو عرض الدنيا، ولذا اغتبط به
عمرو رضي الله عنه.
والحديث سبق في الخمس في باب ما كان النبي وَّاهير يعطي المؤلفة قلوبهم.
إرشاد الساري/ ج ١٥/ م٣٣

٥١٤
كتاب التوحيد/ باب ٥٠
٥٠ - باب ذِكْرِ النَّبِيِّ نَّهِ وَرِوايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ
(باب ذكر النبي وَ لقر وروايته عن ربه) عز وجل بدون واسطة جبريل عليه السلام. وقال في
الفتح: يحتمل أن تكون الجملة الأولى محذوفة المفعول والتقدير ذكر النبي و لا 9 ربه ويحتمل أن يكون
ضمن الذكر معنى التحديث فعداه بعن فيكون قوله عن ربه يتعلق بالذكر والرواية معًا.
٧٥٣٦ - حدثني مُحَمِّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحيم، حَدَّثَنا أَبُو زَيْدٍ سَعيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنا
شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النّبِيِّ ◌َهِ يَرْويِهِ عَنْ رَبِّهِ قالَ: ((إذا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ
شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِراعًا، وَإِذا تَقَرَّبَ مِنّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعًا، وَإِذا أتاني مَشْيَا آتَيْتُهُ هَرْوَلَّةً)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن عبد الرحيم) الملقب بصاعقة قال:
(حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة (الهروي) قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج
(عن قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه عن النبي وَليز يرويه) أي الحديث (عن ربه) تبارك
وتعالى أنه (قال) جل وعلا:
(إذا تقرّب العبد إلي) بتشديد الياء (شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإذا تقرب مني) ولأبي الوقت إليّ
(ذراعًا تقربت منه باعًا وإذا أتاني مشيًا) وفي نسخة يمشي (أتيته هرولة) أي مسرعًا أي من تقرب
بطاعة قليلة جازيته بثواب كثير ولفظ التقرب والهرولة إنما هو على طريق المشاكلة أو الاستعارة أو
المراد لازمهما.
٧٥٣٧ - حدّثنا مُسَدِّدٌ، عَنْ يَحْيِى عَنْ التَّيْمِيِّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً قَالَ:
رُبَّما ذَكَرَ النَّبِيِّ نَ قالَ: ((إذا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِراعًا، وَإذا تَقَرَّبَ مِنّي ذِراعًا،
تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعًا أَوْ بُوعًا».
وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي سَمِعْتُ أَنَسَا عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ يَزْوِهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن التيمي)
سليمان بن طرخان وهذا هو الصواب ووقع في اليونينية التميمي ولعله سبق قلم (عن أنس بن
مالك عن أبي هريرة) رضي الله عنهما أنه (قال: ربما ذكر) أبو هريرة (النبي ◌َّقِ قال):
(إذا تقرب العبد مني شبرًا) كذا للجميع ليس فيه الرواية عن الله. نعم عند الإسماعيلي من
رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى بلفظ عن أبي هريرة ذكر النبي وَلقر قال: قال الله عز
وجل: (إذا تقرب العبد مني شبرًا تقربت منه ذراعًا وإذا تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا) بالألف
(أو بوعًا) بالواو بالشك وهما بمعنى، وقال الخطابي: الباع معروف وهو قدر مدّ اليدين، وقال
الباجي: الباع طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره وذلك قدر أربعة أذرع وهذا تمثيل
ومجاز إذ حمله على الحقيقة محال على الله تعالى فوصف العبد بالتقرّب إليه شبرًا وذراعًا وإتيانه ومشيه

٥١٥
كتاب التوحيد/ باب ٥٠
معناه التقرّب إلى ربه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله وتقربه تعالى من عبده وإتيانه ومشيه عبارة عن
إثباته على طاعته وتقريبه من رحمته.
(وقال معتمر) هو ابن سليمان التيمي فيما وصله مسلم (سمعت أبي) سليمان قال: (سمعت
أنسًا) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ يرويه) أي الحديث السابق (عن ربه عز وجل) فصرّح فيه
بالرواية عن الله تعالى والحديث الأول كالثاني لكن الثاني فيه أن أنسًا يروي عن أبي هريرة وفي
الأول أنس يروي عن النبي وَ لّر وفي المعلق يروي المعتمر عن أبيه عن أنس عن النبي وَلقول.
٧٥٣٨ - حقثنا آدَمُ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةً عَنِ
النَّبِيِّ وَّه يَزْوِهِ عَنْ رَبْكُمْ قَالَ: ((لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لي، وَأَنَا أجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفَ فَمِ
الصّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ ريحِ الْمِسْكِ)).
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محمد بن
زياد) القرشي الجمحي مولاهم أنه (قال: سمعت أبا هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ ر يرويه
عن ربكم) تبارك وتعالى أنه (قال):
(لكل عمل) من المعاصي (كفّارة) توجب ستره وغفرانه (والصوم لي) لا يتعبد به لغيري
(وأنا أجزي به) الصائم وغير الصوم قد يفوّض جزاؤه للملائكة (ولخلوف فم الصائم) بضم الخاء
المعجمة تغيّر رائحة فمه بسبب خلاء معدته (أطيب عند الله من ريح المسك). والله تعالى منزّه عن
الأطيبة فهو على سبيل الفرض يعني لو فرض لكان أطيب منه.
واستشكل بأن دم الشهيد كريح المسك والخلوف أطيب، فيلزم منه أن يكون الصائم أفضل
من الشهيد. وأجيب: بأن منشأ الأطيبة ربما يكون الطهارة لأن الخلوف طاهر والدم نجس.
والحديث سبق في الصوم.
٧٥٣٩ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ح وَقَالَ لي خَليفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْعٍ، عَنْ سَعيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ نَّرَ فيما
يَرْوِهِ عَنْ رَبِّهِ قالَ: ((لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتّى)). وَنَسَبَهُ إلى أبيهِ.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الأزدي أبو عمر الحوضي قال:
(حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (ح) للتحويل. قال المؤلف:
(وقال لي خليفة) بن خياط (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا (عن سعيد) هو ابن
أبي عروبة واللفظ لسعيد (عن قتادة عن أبي العالية) رفيع بضم الراء وفتح الفاء وبعد التحتية
الساكنة مهملة الرياحي (عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ◌َّيجر فيما يرويه عن ربه) تبارك
وتعالى أنه (قال):

٥١٦
كتاب التوحيد/ باب ٥٠
(لا ينبغي لعبد أن يقول إنه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن يقول أنا (خير من
يونس بن متى) بفتح الميم والفوقية المشددة مقصورًا (ونسبه إلى أبيه) جملة حالية أي ليس لأحد أن
يفضل نفسه على يونس أو ليس لأحد أن يفضلني عليه تفضيلاً يؤدي إلى تنقيصه لا سيما إن توهم
ذلك من قصة الحوت، فإنها ليست حاطّة من مرتبته العلية صلوات الله وسلامه على جميعهم
وزادهم شرفًا أو قاله تواضعًا أو قاله قبل علمه بسيادته على الجميع والدلائل متظاهرة على تفضيله
علیهم.
والحديث سبق في سورة النساء والأنعام وليس فيه عن ربه ولا عن ربه وكذا في أحاديث
الأنبياء عن حفص بن عمر بالسند المذكور. قال في الفتح: وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية
عبد الرحمن بن مهدي ولم أر في شيء من الطرق عن شعبة فيه عن ربه ولا عن الله، وقال
السفاقسي: ليس في أكثر الروايات يرويه عن ربه فإن كان محفوظًا فهو من سوى النبي ◌َّر.
٧٥٤٠ - هقائنا أخْمَدُ بْنُ أبي سُرَيْج، أخْبَرَنا شَبابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةً،
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفِّلِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ
أوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ قَالَ: فَرَجَّعَ فيها قالَ: ثُمَّ قَرَأْ مُعاوِيَةُ يَحْكِي قِراءَةً ابْنِ مُغَفِّلٍ وَقَالَ: لَولا أنْ
يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةً: كَيْفَ كانَ
تَرْجيعُهُ؟ قَالَ ءَاءَاءَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن أبي سريج) بالسين المهملة المضمومة آخره جيم هو أحمد بن
الصباح أبو جعفر بن أبي سريج النهشلي الرازي قال: (أخبرنا شبابة) بالشين المعجمة وتخفيف
الموحدة الأولى ابن سوار بفتح المهملة وتشديد الواو أبو عمرو الفزاري مولاهم قال: (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن معاوية بن قرة) بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة المزني (عن عبد الله بن
مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة، ولأبي ذر المغفل (المزني) رضي الله عنه أنه
(قال: رأيت رسول الله صل﴿ يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح) بالشك من
الراوي (قال: فرجع فيها) بتشديد الجيم أي ردّد صوته بالقراءة (قال) شعبة (ثم قرأ معاوية يحكي
قراءة ابن مغفل، وقال) معاوية (لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل يحكي
النبي (وَ) قال ابن بطال فيه إن القراءة بالترجيع والإلحان تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء إليه
وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمنة قال شعبة
(فقلت لمعاوية: فكيف كان ترجيعه؟ قال: «Ill ثلاث مرات) بهمزة مفتوحة بعدها ألف وهو
محمول على الإشباع في محله وسبقت مباحثه في فضائل القرآن، وفيه جواز القراءة بالترجيع
والإلحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت، ووجه دخول هذا الحديث في هذا الباب أنه وَ#19 كان
أيضًا يروي القرآن عن ربه. وقال الكرماني: الراوية عن الرب أعمّ من أن تكون قرآنًا أو غيره
بالواسطة أو بدونها لكن المتبادر إلى الذهن المتداول على الألسنة كان بغير الواسطة.

٥١٧
كتاب التوحيد/ باب ٥١
٥١ - باب ما يَجُوزُ مِنْ تَفْسيرِ
التَّوْراةِ وَغَيْرِها مِنْ كُتُبِ الله بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِها
لِقَوْلِ الله تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَأَتَلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
(باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله) عز وجل كالإنجيل (بـ) اللغة (العربية
وغيرها) من اللغات (لقول الله تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾
[آل عمران: ٩٣]) ووجه الدلالة منها أن التوراة بالعبرانية وقد أمر الله أن تتلى على العرب وهم لا
يعرفون العبرانية ففيه الإذن في التعبير عنها بالعربية.
٧٥٤١ - وقال ابْنُ عَباسٍ: أخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ دَعا تَرْجُمانَهُ، ثُمَّ دَعا
بِكِتابِ النَّبِيِّ بَّرَ فَقَرَأْهُ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إلى هِرَقْلَ وَ﴿يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْتَنَا وَبَيْنَكُم﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيَةَ.
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما: (أخبرني) بالإفراد (أبو سفيان) صخر (بن حرب أن
هرقل) ملك الروم قيصر (دعا ترجمانه) ولم يسم (ثم دعا بكتاب النبي ◌َّر فقرأه) فإذا فيه (بسم الله
الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل: و﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية) وجه الدلالة منه أنه وَ لل كتب إلى هرقل باللسان العربي ولسان
هرقل رومي ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث
إليه ليفهمه والمترجم المذكور هو الترجمان.
والحديث سبق مطولاً في أول الصحيح.
٧٥٤٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبارَكِ، عَنْ
يَخْيَى بْنِ أبي كثيرٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً قالَ: كانَ أهْلُ الْكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ
بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَها بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا
تُكَذِّبُوهُمْ ﴿وَقُولُوا آمَنًا بِالله وَمَا أُنْزِلَ﴾)) [البقرة: ١٣٦] الآيَةً.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة ابن عثمان أبو بكر العبدي
مولاهم المعروف ببندار قال: (حدّثنا عثمان بن عمر) بضم العين ابن فارس البصري قال: (أخبرنا
علي بن المبارك) الهنائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم (عن أبي سلمة) بن
عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: كان أهل الكتاب يقرؤون
التوراة بالعبرانية) بكسر العين وسكون الموحدة (ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول
:(醬油

٥١٨
كتاب التوحيد/ باب ٥١
(لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم) قال البيهقي: فيه دليل على أن أهل الكتاب إن
صدقوا ما فسروا من كتابهم بالعربية كان ذلك مما أنزل إليهم على طريق التعبير عما أنزل وكلام الله
واحد لا يختلف باختلاف اللغات فبأي لسان قرىء فهو كلام الله ثم أسند عن مجاهد في قوله
تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩] يعني ومن أسلم من العجم وغيرهم. قال
البيهقي: وقد لا يكون يعرف العربية فإذا بلغه معناه بلسانه فهو له نذير (﴿وقولوا آمنا بالله وما
أنزل﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية) والمراد القرآن.
٧٥٤٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إسماعيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما
قالَ: أَتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِرَجُلٍ وَأَمْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنّيَا فَقالَ لِلْيَهُودِ: ((ما تَصْنَعُونَ بِهِما))؟ قالُوا:
نُسَخّمُ وُجُوهَهُما وَنُخْزِيهِما قالَ: (فَأْتُوا بِالثَّوْراةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)). فَجَاؤُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ.
مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أغْوَرُ اقْرَأْ فَقَرَأْ حَتَّى أَنْتَهى إلى مَوْضِعِ مِنْها فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ قَالَ: أَزْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ
يَدَهُ فَإِذا فيهِ آيَةُ الرَّجْمَ تَلُوحُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ عَلَيْهِما الرَّجْمَ وَلكِنَّا نُكاتِمُهُ بَيْنَنَا فَأَمَرَ بِهِما فَرُجِما
فَرَأيْتُهُ يُجانِىءُ عَلَيْهَا الْحِجارَةَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن علية (عن أيوب)
السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: أُتي) بضم الهمزة
وكسر الفوقية (النبي وَ له برجل) لم يسم ولأبي ذر أن النبي ◌َّر أتي برجل (وامرأة) قال ابن العربي:
اسمها بسرة كلاهما (من اليهود قد زنيا فقال) وَلتر (لليهود):
(ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم) بضم النون وفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة
المشددة نسوّد (وجوههما ونخزيهما) بضم النون وسكون الخاء المعجمة وكسر الزاي أي نركبهما
على حمار معكوسين وندور بهما في الأسواق (قال) وَ لافر لهم: (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم
صادقین. فجاؤوا) بها (فقالوا لرجل ممن يرضون) هو عبد الله بن صوریا الأعور اليهودي (با
أعور) منادى ولأبي ذر عن الكشميهني أعور مجرور بالفتحة صفة لرجل والذي في اليونينية بالرفع
على أصل المنادى مع حذف الأداة (اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها) من التوراة (فوضع يده
عليه) على الموضع ولأبي ذر عن الكشميهني عليها على آية الرجم (قال) له ابن سلام (ارفع يدك)
عنها (فرفع يده فإذا فيه) في الموضع الذي وضع يده عليه (آية الرجم تلوح) بالحاء المهملة (فقال:
يا محمد إن عليهما) ولأبوي الوقت وذر إن بينهما (الرجم ولكنّا نكاتمه بيننا) بضم النون بعدها
كاف وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي نتكاتمه بفتح النون والفوقية والتذكير أي بالرجم
أيضًا ولأبي ذر أيضًا عن الكشميهني نتكاتمها بالتأنيث أي آية الرجم (فأمر بهما) وَّر (فرجما) قال
ابن عمر رضي الله عنهما (فرأيته) يعني اليهودي المرجوم (يجانیء) بضم التحتية وفتح الجيم وبعد
الألف نون مكسورة فهمزة مضمومة يكب (عليها) على اليهودية يقيها (الحجارة).

٥١٩
کتاب التوحید/ باب ٥٢
والحديث سبق في آخر علامات النبوة وفي باب الرجم بالبلاط من كتاب المحاربين.
٥٢ - باب قَوْلِ النَِّيِّ ◌َّ:
((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ الْكِرامِ الْبَرَرَةِ، وَزَيِّتُوا الْقُرْآنَ بِأَصْواتِكُمْ))
(باب قول النبي ◌َّاج: الماهر بالقرآن) الجيد التلاوة مع الحفظ (مع الكرام) وللأصيلي وأبي ذر
عن الكشميهني مع السفرة الكرام وله عن الحموي والمستملي مع سفرة الكرام (البررة) بإضافة سفر
للكرام من باب إضافة الموصوف للصفة والسفرة الكتبة جمع سافر مثل كاتب وزنًا ومعنى وهم
الكتبة الذين يكتبون من اللوح المحفوظ والكرام المكرمون عند الله تعالى، والبررة المطيعون المطهرون
من الذنوب، وأصل هذا حديث تقدم موصولاً في التفسير، لكن بلفظ مثل الذي يقرأ القرآن وهو
حافظ له مع السفرة الكرام البررة. قال الهروي: والمراد بالمهارة بالقرآن جودة الحفظ وجودة
التلاوة من غير تردّد فيه لكونه يسره الله تعالى عليه كما يسره على الملائكة فكان مثلها في الحفظ
والدرجة (و) قوله عليه الصلاة والسلام (زينوا القرآن بأصواتكم) بتحسينها، ومراد المؤلف إثبات
كون التلاوة فعل العبد فإنها يدخلها الترتيل والتحسين والتطريب وهذا التعليق وهو زينوا الخ،
وصله أبو داود وغيره.
٧٥٤٤ - حدثني إبراهيمُ بْنُ حَمْزَةً، حَدَّثَنِي ابْنُ أبي حازِمٍ، عَنْ يَزيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إبراهيمَ، عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ سَمِعَ النَّبِيَّ وَهَ يَقُولُ: ((ما أذِنَ الله لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَّبِيِّ
حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي أبو
إسحلق الزبيري الأسدي قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن
دينار (عن يزيد) من الزيادة بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي (عن محمد بن إبراهيم) التيمي
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (سمع النبي ◌َّر
يقول):
(ما أذن الله لشيء) أي ما استمع الله لشيء (ما أذن) ما استمع (النبي حسن الصوت بالقرآن)
حال كونه (يجهر به) ولا بدّ من تقدير مضاف عند قوله لنبي أي لصوت نبي والنبي جنس شائع
في كل نبي، فالمراد بالقرآن القراءة ولا يجوز أن يحمل الاستماع على الإصغاء إذ هو مستحيل على
الله تعالى بل هو كناية عن تقريبه وإجزال ثوابه لأن سماع الله لا يختلف.
٧٥٤٥ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ أَخْبَرَني
عُزْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله عَنْ حَديثٍ عَائِشَةً
حينَ قالَ لَها أهلُ الإِفْكِ ما قالُوا، وَكلِّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَديثِ قالَتْ: فَأَضْطَجَعْتُ عَلى

٥٢٠
کتاب التوحید/ باب ٥٢
فِراشي وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أنّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ الله يُبَرَّتُنِي وَلكِنْ وَالله ما كُنْتُ أَظُنُّ أنَّ الله يُنْزِلُ في شَأْنِي
وَحْيًا يُتْلِى وَلَشَأْنِي فِي نَفْسي كانَ أحْقَرَ مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ الله فيَّ بِأمْرٍ يُتْلِى، وَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ
الَّذِينَ جاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١٠] الْعَشْرَ الآياتِ كُلَّها.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة مصغرًا قال:
(حدَّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم
الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) بن حزن سيد
التابعين (وعلقمة بن وقاص) الليثي (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود
أربعتهم (عن حديث عائشة) رضي الله عنها (حين قال لها أهل الإفك) الكذب الشديد (ما قالوا
وكل) من الأربعة (حدّثني) بالإفراد (طائفة من الحديث) أي بعضه فجميعه عن مجموعهم لا أن
مجموعه عن كل واحد منهم فذكرت الحديث بطوله إلى أن قالت: فلئن قلت لكم إني بريئة والله
يعلم أني منه بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني
بذلك والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما
تصفون﴾ [يوسف: ١٨] (قالت: فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله يبرثني
ولكن) ولأبوي الوقت وذر عن الكشميهني ولكني (والله ما كنت أظن أن الله) عز وجل (ينزل)
ولأبي ذر منزل (في شأني وحيًا يُتلى) يقرأ (ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله) عز وجل
(فيّ) بتشديد الياء (بأمر يتلى) بالأصوات في المحاريب والمحافل وغير ذلك (وأنزل الله عز وجل:
﴿إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم﴾ [النور: ١٠] العشر الآيات كلها). قال ابن حجر: آخر
العشر ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [آل عمران: ٦٦] اهـ.
قلت: قد سبق في تفسير سورة النور أنها إلى رؤوف رحيم فليراجع وثبت قوله: عصبة
منكم لأبي ذر وسقط لغيره، وقد أورد الحديث من طرق أخرى المؤلف في خلق أفعال العباد ثم
قال: فبينت عائشة رضي الله عنها أن الإنزال من الله وأن الناس يتلونه.
٧٥٤٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حَدَّثَنا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ أُراهُ عَنِ الْبَراءِ قالَ: سَمِعْتُ
النَّبِيِّ وَهِ يَقْرَأُ فِي الْعِشاءِ ﴿وَالتّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] فَما سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً
مِنْهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين
وفتح العين المهملتين ابن كدام الكوفي (عن عدي بن ثابت) الأنصاري (أراه) بضم الهمزة أظنه
(عن البراء) ولأبي ذر والأصيلي قال: سمعت البراء أي ابن عازب رضي الله عنه (قال): ولأبي ذر
والأصيلي وأبي الوقت يقول: (سمعت النبي ◌َّ يقرأ في) صلاة (العشاء ﴿والتين﴾) ولأبي ذر عن
الكشميهني بالتين (﴿والزيتون﴾ [التين: ١] فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه) وغرض