Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ کتاب التوحید/ باب ٣٧ (فيقول) له (أعملت كذا وكذا فيقول) العبد (نعم) يا رب (ويقول) له (عملت) وللأصيلي أعملت (كذا وكذا فيقول نعم) يا رب (فيقرره) بذنوبه ليعرّفه منّته عليه في ستره في الدنيا وعفوه في الآخرة (ثم يقول) تعالى (إني سترت) ذنوبك (عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم). ومطابقته للترجمة في قوله فيقول في الموضعين وأخرجه في باب قول الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] من كتاب المظالم. (وقال آدم) بن أبي إياس (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا صفوان) بن محرز (عن ابن عمر) أنه قال: (سمعت النبي وَ$) ذكره لتصريح قتادة بقوله حدّثنا صفوان، وليس في أحاديث هذا الباب كلام الرب مع الأنبياء إلا في حديث أنس وإذا ثبت كلامه مع غير الأنبياء فوقوعه معهم أولى والله الموفّق. ٣٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (باب قوله) عز وجل: (﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤]) الجمهور على رفع الجلالة الشريفة وتكليمًا مصدر رافع للمجاز قال الفراء العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأيّ طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا تحقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، وقال القرطبي: تكليمًا مصدر معناه التأكيد، وهذا يدل على بطلان قول من يقول خلق الله لنفسه كلامًا في شجرة يسمعه موسى بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا قال النخّاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصادر لم يكن مجازًا وأنه لا يجوز في قول الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني أن يقول وقال قولاً، وكذا لما قال تكليمًا وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة. قال في المصابيح بعد أن ذكر نحو ما ذكرته، واعترض هذا بقوله تعالى: ﴿ومكروا مكرًا ومكرنا مكرّا﴾ [النمل: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿وأكيد كيدًا﴾ [الطارق: ١٦] وقول الشاعر: بكى الخز من روح وأنكر جلده وعجبت عجيجًا من جذام المطارف فإن ذلك كله مجاز مع وجود التأكيد بالمصدر، ولهذا قال بعضهم: والتأكيد بالمصدر يرفع المجاز في الأمر العام يريد الغالب قال: وكان الشيخ بهاء الدين بن عقيل يقول الجواب عن هذا البيت يؤيد تحقيقًا سمعناه من شيخنا علاء الدين القونوي فيقول لا تخلو الجملة التي أكد الفعل فيها بالمصدر من أن تكون صالحة لأن تستعمل لكلِّ من المعنيين يريد الحقيقة والمجاز أو لا يصلح استعمالها إلا في المعنى المجازي فقط فإن كان الأول كان التأكيد بالمصدر يرفع المجاز وإن كان الثاني لم يكن التأكيد رافعًا له فمثال الأول قولك ضربت زيدًا ضربًا ومثال الثاني البيت المذكور لأن عجيج المطارف لا يقع إلا مجازًا اهـ. إرشاد الساري/ ج ١٥/ ٢ ٣١ ٤٨٢ کتاب التوحید/ باب ٣٧ واختلف في سماع كلام الله تعالى فقال الأشعري: كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تالٍ وقراءة كل قارىء. وقال الباقلاني: إنما تسمع التلاوة دون المتلوّ والقراءة دون المقروء ولم يذكر في هذه الآية المتكلم به نعم في سورة الأعراف ﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف: ١٤] أي وبتكليمي إياك ووقع في رواية أبي ذر باب ما جاء في وكلم الله موسى. وقال في فتح الباري في رواية أبي زيد المروزي باب ما جاء في قوله عز وجل: ﴿وكلم الله﴾ [النساء: ١٦٤]. ٧٥١٥ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ حَدَّثَنا حُمَّيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َهِ قالَ: ((أَحْتَجِّ آدَمُ وَمُوسَى فَقالَ مُوسى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنَّةِ قالَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَصْطَفاكَ الله تَعالى بِرِسالاتِهِ وَبِكَلامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدْرَ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُخْلَقَ فَحَجَّ آدَمُ مُوسى)). وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثنا) وللأصيلي أخبرني بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن النبي) ولأبي ذر والأصيلي أن رسول الله (وَّفير قال): (احتج آدم وموسى) أي تحاجًا (فقال موسى أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة قال أنت) ولغير أبي ذر والأصيلي قال آدم أنت (موسى الذي اصطفاك الله تعالى برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قدّر) بضم القاف وكسر الدال مشددة (علي) بتشديد الياء (قبل أن أخلق) بضم الهمزة (فحج آدم موسى) أي غلب عليه بالحجة في قوله أنت آدم الخ بأن ألزمه أن ما صدر عنه لم يكن هو مستقلاً به متمكّنًا من تركه بل كان أمرًا مقضيًّا وليس معنى قوله: تلومني على أمر قد قدّر علي أنه لم يكن له فيه كسب واختيار، بل المعنى أن الله أثبته في أم الكتاب قبل كوني وحكم بأن ذلك كائن لا محالة بعلمه السابق فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم الله؟ فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله من المصطفين الذين يشاهدون سرّ الله من وراء الأستار قاله التوريشتي. ومطابقته للترجمة في قوله اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وسبق في القدر. ٧٥١٦ - حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنا هِشامٌ، حَدَّثَنا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلىَ رَبِّنا فَيُرِيُحُنا مِنْ مَكَانِنا هذا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ الْلائِكَةَ وَعَلَّمَكَ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَشْفَعْ لَنا إلَى رَبِّنا حَتَّى يُرِيَنا فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُناكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتي أصاب». ٤٨٣ کتاب التوحید/ باب ٣٧ وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبوي الوقت وذر والأصيلي قال النبي (وَ﴾): (يجمع المؤمنون) بضم الياء من يجمع والمؤمنون نائب الفاعل (يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا هذا) لما ينالهم من الكرب (فيأتون آدم) عليه السلام (فيقولون له أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده) أي بقدرته وخصّه بالذكر إكرامًا وتشريفًا له أو أنه خلق إبداع من غير واسطة رحم (وأسجد لك الملائكة) بأن أمرهم أن يخضغوا لك والجمهور على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض وكان تحية له، إذ لو كان الله لما امتنع عنه إبليس وكان سجود التحية جائزًا فيما مضى ثم نسخ بقوله: ﴿ لسلمان حين أراد أن يسجد له: ((لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا الله)) (وعلمك أسماء كل شيء) أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلومًا مدلولاً عله بذكر الأسماء إذ الاسم يدل على المسمى (فاشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا) مما نحن فيه من الكرب (فيقول لهم لست هناكم) بضم الهاء أي لست في المنزلة التي تحسبونني وهي مقام الشفاعة (ويذكر لهم خطيئته التي أصاب) أي التي أصابها وهي أكله من الشجرة التي نهى عنها قاله تواضعًا وإعلامًا بأنها لم تكن له. وهذا الحديث ذكره هنا مختصرًا ولم يذكر فيه ما ترجم له على عادته في الإشارة. وقد سبق في تفسير سورة البقرة عن مسلم بن إبراهيم شيخه هنا بتمامه وفيه: ائتوا موسى عبدًا كلّمه الله تعالى وأعطاه التوراة الحديث. وساقه أيضًا في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيديّ﴾ [ص: ٧٥] وفيه ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا. ٧٥١٧ - حدّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ الله أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مالِكٍ يَقُولُ: لَيْلَةَ أُسْرِيَّ بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ ((إنَّهُ جَاءَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحِى إِلَيْهِ وَهْوَ نائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَقالَ أوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ فَكانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرِى فِيما يَرِى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْتُهُ وَلا يَنامُ قَلْبُهُ، وَكَذلِكَ الأنْبِياءُ تَنامُ أعْيُنُهُمْ وَلا تَنامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى أَخْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِثْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلاَهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ ما بَيْنَ نَخْرِهِ إِلى لَبِّتِهِ حَتّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ فَغَسَلَهُ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقِى جَوْفَهُ ثُمَّ أَتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تور مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إيمانًا وَحِكْمَةٌ فَحَشا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغاديدَهُ . - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أْبَقَّهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّماءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بابًا مِنْ أبْوابِها فَناداهُ أهْلُ السَّماءِ مَنْ هذا؟ فَقالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ. قالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلاً فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أهْلُ السَّماءِ لا يَعْلَمُ أهْلُ السَّماءِ بِما يِرِيدُ اللّه بِهِ فِي الأرْضِ حَتّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّماءِ الدُّنْيا ٤٨٤ كتاب التوحيد/ باب ٣٧ آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هذا أَبُوكَ فَسَلَّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدّ عَلَيْهِ آدَمُ فَقالَ: مَرْحَبًا وَأهْلاً يا بُنَيَّ نِعْمَ الابْنُ أَنْتَ، فَإِذا هُوَ فِي السَّماءِ الدُّنْيا بِنَهَرَيْنِ يَطْرِدانِ فَقالَ: ما هذانِ النَّهَرانِ يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هذانِ التّيلُ وَالْغُرَاتُ عُنْصُرُهُما، ثُمَّ مَضى بِهِ فِي السَّماءِ فَإِذا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُوٍ وَزَبَرْجَدٍ فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذا هُوَ مِسْكٌ، قالَ: ما هذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هذا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّا لَكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّماءِ الثّانِيَةِ فَقالَتِ الْمَلائِكَةُ لَهُ مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ الأولى مَنْ هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ وَه قالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلاً، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّماءِ الثَّالِثَةِ وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ما قَالَتِ الأولى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرّابِعَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذلِكَ ثُمَّ، عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّماءِ الْخَامِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّادِسَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذلِكَ، ثُمّ عَرَجَ بِهِ إلَى السَّماءِ السَّابِعَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذلِكَ، كُلِّ سَماءٍ فِيها أنْبِياءُ قَدْ سَمّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ إدريسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخامِسَةِ لَمْ أحْفَظِ اسْمَهُ وَإبراهيمَ فِي السّادِسَةِ، وَمُوسى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلامِ الله فَقَالَ مُوسى: رَبِّ لَمْ أظُنَّ أنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أحَدٌ، ثُمَّ عَلا بِهِ فَوْقَ ذلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلاَّ الله حَتَّى جاءَ سِذْرَةَ الْمُنْتَهى، وَدَنَا الْجَبّارُ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنٍ أوْ أذْنَى، فَأُوْحَى الله فيما أوْحِى خَمسينَ صَلاةٌ عَلى أمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسى فَأَحْتَبَسَهُ مُوسى فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ماذا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ: إِنَّ أُمْتَكَ لا تَسْتَطيعُ ذلِكَ، فَأَرْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ◌َهِ إلى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذلِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ فَقالَ وَهُوَ مَكانَهُ: يا رَبِ خَفْفْ عَنّا، فَإِنَّ أُمَّتي لا تَسْتَطِيعُ هذا، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إلى مُوسى فَأَحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدْدُهُ مُوسى إلى رَبِّهِ حَتّى صارَتْ إلى خَمْسٍ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ أَخْتَبَسَهُ مُوسى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ وَالله لَقَدْ راوَدْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ قَوْمي عَلى أذْنَى مِنْ هذا، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ فَأُمَّتُك أضْعَفُ أجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْماعًا، فَأَرْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبَّكَ كُلِّ ذلِكَ يَلْتَفْتُ النَِّيُّ وَهَ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ وَلا يَكْرَهُ ذلِكَ جِبْرِيلُ فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقال: يا رَبِّ إِنَّ أُمَّتي ضُعَفاءُ أجْسادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْماعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفْفْ عَنّا؟ فَقَالَ الْجَبّارُ: يا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ قالَ: إِنَّهُ لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ كَمَا فَرْضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمُ الْكِتَابِ قالَ: فَكُلُّ حَسَنةٍ بِعَشْرِ أمْثالِها فَهْيَ خَمْسُونَ فِي أُمّ الْكِتَابِ، وَهْيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إلى مُوسى فَقالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنّا أعْطانا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها. قالَ مُوسى: قَدْ وَالله راوَذْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَلى أدنى مِنْ ذلِكَ، فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أيْضًا قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: يا مُوسى قَدْ وَالله أَسْتَحْبَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَفْتُ إلَيْهِ قالَ: فَأَهْبِطْ بِسْمِ الله، قالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ فِي مَسْجِدِ الْحَرامِ». - ٤٨٥ کتاب التوحید/ باب ٣٧ وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى الأويسي قال: (حدّثني) بالإفراد (سليمان) بن بلال (عن شريك بن عبد الله) بن أبي نمر بفتح النون وكسر الميم بعدها راء المدني التابعي (أنه قال: سمعت ابن مالك) ولأبي ذر والأصيلي سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه (يقول: ليلة أسري) بضم الهمزة (برسول الله ولي من مسجد الكعبة أنه جاءه) بكسر الهمزة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أنه بفتح الهمزة جاء بإسقاط الضمير (ثلاثة نفر) كذا في الفرع كأصله. وقال في الفتح في رواية الكشميهني: إذ جاءه بدل أنه قال والأول أولى والنفر الثلاثة لم أقف على أسمائهم صريًّا لكنهم من الملائكة لكن في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبري فأتاه جبريل وميكائيل (قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أوّلهم: أنهم هو)؟ محمد، وقد روي أنه كان نائمًا معه حينئذٍ عمه حمزة بن عبد المطلب وابن عمه جعفر بن أبي طالب (فقال: أوسطهم هو خيرهم: فقال آخرهم): ولأبي ذر عن الكشميهني فقال أحدهم أي أحد النفر الثلاثة (خذوا خيرهم) للعروج به إلى السماء (فكانت تلك الليلة) أي فكانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا فالضمير المستتر في كانت لمحذوف وكذا خبر كان (فلم يرهم) وَلقر بعد ذلك (حتى أتوه ليلة أخرى) لم يعين المدة بين المجيئين فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين، وبهذا يحصل الجواب عما استشكله الخطابي وابن حزم وعبد الحق وعياض والنووي من قوله قبل أن يوحى إليه، ونسبتهم رواية شريك إلى الغلط لأن المجمع عليه أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل أن يوحى إليه وإن شريكًا تفرّد بذلك فارتفع الإشكال. كذا قرره الحافظ ابن حجر رحمه الله. وقيل: المراد قبل أن يوحى إليه في بيان الصلاة ومنهم مَن أجراه على ظاهره ملتزمًا أن الإسراء كان مرتين قبل النبوّة وبعدها كما حكاه في المصابيح، ونقلته عنه في كتابي المواهب اللدنية. وأما دعواهم تفرّد شريك فقال الحافظ أيضًا: إنه قد وافقه كثير بن خنيس بالخاء المعجمة ونون مصغرًا عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي من طريقه وكان مجيء الملائكة له وَلقر (فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكانت الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) الثابت في الروايات أنه كان في اليقظة فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلاّ فيحمل هذا مع قوله آخر الحديث. واستيقظ وهو في المسجد الحرام على أنه كان في طرفي القصة نائمًا وليس في ذلك ما يدل على كونه نائمًا فيها كلها (فلم يكلموه) وَلاير (حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل) عليه السلام (فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته) بفتح اللام والموحدة المشددة موضع القلادة من الصدر ومن هنا تنحر الإبل (حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده) بيد جبريل (حتى أنقى جوفه) ليتهياً للترقي إلى الملأ الأعلى ويثبت في المقام الأسنى ويتقوّى لاستجلاء الأسماء الحسنى وكذا وقع شق صدره الشريف في صغره عند حليمة وعند النبوّة ولكلُ حكمة، بل ذكر الشق مرة أخرى نبهت عليها مع غيرها في المواهب تبعًا للحافظ ابن حجر. ٤٨٦ کتاب التوحید/ باب ٣٧ (ثم أتى) عليه الصلاة والسلام (بطست من ذهب) وكان إذ ذاك لم يحرم استعماله (فيه نور من ذهب) بالمثناة الفوقية من تور وهو إناء يشرب فيه وهو يقتضي أن يكون غير الطست وأنه كان داخل الطست (محشوًا إيمانًا وحكمة). قال في الفتح قوله محشوًا حال من الضمير في الجار والمجرور والتقدير بطست كائن من ذهب فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور وأما إيمانًا فعلى التمييز وتعقبه العيني فقال فيه نظر، والذي يقال إن محشوًا حال من التور الموصوف بقوله من ذهب، وأما إيمانًا فمفعول قوله محشوًا لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله وحكمة عطف عليه ويحتمل أن يكون أحد الإناءين أعني الطست والتور فيه ماء زمزم والآخر المحشوّ بالإيمان وأن يكون التور ظرف الماء وغيره والطست لما يصب فيه عند الغسل صيانة له عن التبدّد في الأرض والمراد أن الطست كان فيه شيء يحصل به كمال الإيمان فالمراد سببهما مجازًا (فحشا به) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة (صدره ولغاديده) بالغين المعجمة والمهملتين بينهما تحتية ساكنة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فحشي بضم الحاء وكسر الشين به صدره ولغاديده برفعهما وفسر اللغاديد قوله (يعني عروق حلقه ثم أطبقه) ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس (ثم عرج به إلى السماء الدنيا) بفتح العين والجيم (فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء مَن هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد) وَلفر (قال) قائلهم (وقد بعث إليه)؟ للإسراء وصعود السماوات وليس المراد الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة ولأن أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت الأعلى وهذا هو الصحيح (قال) جبريل: (نعم. قالوا: فمرحبًا به وأهلاً فيستبشر به أهل السماء) وسقطت الفاء من فيستبشر للأصيلي وزاد أي الأصيلي الدنيا (لا يعلم أهل السماء بما) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني ما (يريد الله) عز وجل (به في الأرض حتى يعلمهم) أي على لسان من شاء كجبريل عليه السلام (فوجد في السماء الدنيا آدم) عليه السلام (فقال له جبريل: هذا أبوك فسلّم) وللأصيلي أبوك آدم فسلم (عليه فسلم عليه ورد عليه آدم) السلام (فقال مرحبًا وأهلاً يا بني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين) بفتح الهاء (يطردان) بتشديد الطاء المهملة يجريان (فقال) وَلّ لجبريل: (ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات عنصرهما) بضم العين والصاد المهملتين أي أصلهما (ثم مضى به في السماء) أي الدنيا (فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده) أي في النهر وللأصيلي بيده (فإذا هو مسك) ولأبي ذر والأصيلي مسك أذفر بالذال المعجمة جيد الرائحة (قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك) خبأ بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين مهمز أي ادّخر لك (ربك) ولأبي ذر عن الكشميهني: حباك بفتح الحاء المهملة والموحدة وبعد الألف كاف به ربك. هذا مما استشكل من رواية شريك فإن الكوثر في الجنة والجنة في السماء السابعة، ويحتمل أن يكون هنا حذف تقديره ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر (ثم عرج إلى السماء) ولأبي ذر والأصيلي ثم عرج به إلى السماء (الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: ٤٨٧ كتاب التوحيد/ باب ٣٧ محمد زَرٍ. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلاً. ثم عرج به) جبريل (إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به) جبريل (إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به) جبريل (إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به) جبريل (إلى السادسة) ولأبي ذر إلى السماء السادسة (فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به) جبريل (إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت) بفتح الهمزة والعين ولأبي ذر عن الكشميهني فوعيت (منهم إدريس) وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي قد سماهم منهم إدريس (في الثانية، وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله) عز وجل أي بسبب أن له فضل كلام الله إياه. وهذا موضع الترجمة من الحديث. (فقال موسى رب لم أظن أن يرفع) بضم التحتية وفتح الفاء (علّ) بتشديد الياء (أحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم أظن أن ترفع عليّ أحدًا (ثم علا به) جبريل (فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله) عز وجل (حتى جاء سدرة المنتهى) إليها ينتهي علم الملائكة ولم يجاوزها أحد إلا نبيّنا واله (ودنا الجبار ربّ العزة) دنوّ قرب ومكانة لا دنو مكان ولا قرب زمان إظهارًا لعظيم منزلته وحظوته عند ربه تعالى ولأبي ذر ودنا للجبار (فتدلى) طلب زيادة القرب، وحكى مكي والماوردي عن ابن عباس هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه أي أمره وحکمه (حتى كان منه قاب قوسين) قدر قوسين ما بين مقبض القوس والسية بكسر السين المهملة والتحتية الخفيفة وهي ما عطف من طرفيها ولكل قوس قابان وقاب قوسين بالنسبة له * عبارة عن نهاية القرب ولطف المحل وإيضاح المعرفة وبالنسبة إلى الله إجابة ورفع درجة (أو أدنى) أي أقرب (فأوحى الله) زاد أبو الوقت وأبو ذر عن الكشميهني إليه (فيما أوحى) ولغير أبي ذر إليه ولأبي ذر والأصيلي وأبي الوقت فيما يوحي بكسر الحاء (خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط) صلوات الله وسلامه عليه (حتى بلغ موسى) عليه السلام (فاحتبسه موسى فقال) له (يا محمد ماذا عهد إليك ربك) أي ماذا أمرك أو أوصاك (قال: عهد إلي) أن أصلي (خمسين صلاة كل يوم وليلة) وآمر بها أمتي (قال) له موسى: (إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع) إلى ربك (فليخفف عنك ربك وعنهم) وعن أمتك (فالتفت النبي وَ﴿ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك) الذي قاله موسى من الرجوع للتخفيف (فأشار إليه جبريل أن نعم) بفتح الهمزة وتخفيف النون مفسرة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أي نعم بالتحتية بدل النون وهما بمعنى (إن شئت فعلا به) جبريل (إلى الجبار) تعالى (فقال) عليه الصلاة والسلام (وهو مكانه) أي في مقامه الأوّل الذي قام فيه قبل هبوطه (يا رب خفّف عنّا فإن أمتي لا تستطيع هذا) المأمور به من الخمسين صلاة (فوضع) تعالى (عنه عشر صلوات) من الخمسين (ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردّده موسى إلى ربه) تعالى (حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسی عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت) أي راجعت (بني إسرائيل قومي على أدنى) أي أقل (من هذا) القدر (فضعفوا فتركوه) ولأبي ذر عن الكشميهني من هذه الصلوات ٤٨٨ كتاب التوحيد/ باب ٣٧ الخمس فضعفوا، وفي تفسير ابن مردويه من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما (فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا) والأجسام بالميم والأجساد بالدال سواء والجسم والجسد جميع الشخص والأجسام أعم من الأبدان لأن البدن من الجسد ما سوى الرأس والأطراف وقيل البدن أعالي الجسد دون أسافله (فارجع) إلى ربك (فليخفف عنك ربك. كل ذلك) أي في كل ذلك (يلتفت) بتحتية فلام ساكنة، وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي يتلفت بفوقية بعد التحتية وتشديد الفاء (النبي ولفت إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند) المرة (الخامسة فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم (فخفف عنا. فقال الجبار: يا محمد. قال: لبيك) رب (وسعديك. قال: إنه لا يبدل القول لديّ كما فرضت) ولأبي ذر فرضته (عليك) أي وعلى أمتك (في أم الكتاب) وهو اللوح المحفوظ (قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك) أي وعلى أمتك (فرجع) وَّر (إلى موسى فقال) له (كيف فعلت؟ فقال: خفف) ربنا (عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. قال موسى: قد والله راودت) راجعت (بني إسرائيل على أدنى) أقل (من ذلك فتركوه) وقوله راودت متعلق بقد القسم بينهما مقحم لإرادة التأكيد (ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا. قال رسول الله وَ *9: يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه) بهمزة وصل وفتح اللام وسكون الفاء بعدها فوقية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي مما اختلف بهمزة قطع وكسر اللام وحذف الفوقية (قال) له جبريل: (فاهبط بسم الله) وليس القائل اهبط موسى وإن كان هو ظاهر السياق (قال: واستيقظ) وَليزر (وهو في مسجد الحرام). بغير ألف ولام في الأول أي استيقظ من نومة نامها بعد الإسراء أو أنه أفاق مما كان فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى فلم يرجع إلی حال بشریته إلا وهو نائم. تنبيه : قال الخطابي: هذه القصة كلها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي ﴿ ولا نقلها عنه ولا أضافها إلى قوله، فحاصل النقل أنها من جهة الراوي إما من أنس وإما من شريك فإنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة انتهى. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن ما نفاه من أن أنسّا لم يسند هذه القصة إلى النبي و# لا تأثير له، فأدنى أمره أن يكون مرسل صحابي، وإما أن يكون تلقاها عن النبي صل﴿ أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه هذه القصة لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلاً، وهو خلاف عمل المحدّثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود. وقال أبو الفضل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرّد شريك ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء ٤٨٩ کتاب التوحید/ باب ٣٨ لم يسبق إليه فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه ورووا عنه وأدخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به قال: وحديثه هذا رواه عنه سليمان بن بلال وهو ثقة وعلى تقدير تفرّده بقوله قبل أن يوحى إليه لا يقتضي طرح حديثه فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين. وقال الحافظ ابن حجر: ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك وهي أمكنة الأنبياء في السموات وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم، وقد وافقه الزهري في بعض ما ذكر كما في أول الصلاة، وكون المعراج قبل البعثة وسبق الجواب عنه وكونه منامًا وسبق ما فيه ومحل سدرة المنتهى وأنها فوق السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة، ومخالفته في النهرين النيل والفرات وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور أنهما في السابعة، وشق الصدر عند الإسراء، وذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور أنه في الجنة ونسبة الدنوّ والتدلي إلى الله تعالى، والمشهور في الحديث أنه جبريل وتصريحه بأن امتناعه وَ ل﴿ من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة فخالف ثابتًا عن أنس وأنه وضع عنه في كل مرة خمسًا وأن المراجعة كانت تسع مرات، وقوله فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه وقد سبق ما فيه ورجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى عليه السلام أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع وزيادته ذكر التور في الطست وسبق ما فيه أهـ. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بتفضيل كلام الله كما نبهت عليه. ٣٨ - باب كَلامِ الرَّبِّ مَعَ أهْلِ الْجَنَّةِ ثم (باب كلام الرب) تعالى (مع أهل الجنة) فيها. ٧٥١٨ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمانَ، حَدِّثَنِ ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ الله يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يا أهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبِّيْكَ رَبِّنا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنا لا نَرْضى يا رَبِ وَقَدْ أَعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ، فَيَقُولُ: أُحِلْ عَلَيْكُمْ رِضْواني فَلا أسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا)). وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) ٤٩٠ كتاب التوحيد/ باب ٣٨ العدوي مولى عمر (عن عطاء بن يسار) الهلالي مولى ميمونة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي وَ(9): (إن الله) تعالى (يقول لأهل الجنة) وهم فيها (يا أهل الجنة فيقولون لبيك) يا (ربنا وسعديك والخير في يديك) خصّه رعاية للأدب (فيقول) تعالى لهم (هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول) جل جلاله (ألا) بالتخفيف (أعطيكم) بضم الهمزة (أفضل من ذلك) الذي أعطيتكم من نعيم الجنة (فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول) جل وعز (أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا). ومفهومه أن الله أن يسخط على أهل الجنة لأنه متفضل عليهم بالإنعامات كلها سواء كانت دنيوية أو أخروية، وكيف لا والعمل المتناهي لا يقتضي الأجزاء متناهيّا، وفي الجملة لا يجب على الله شيء أصلاً قاله الكرماني، وهو مأخوذ من كلام ابن بطال، وظاهر الحديث أيضًا أن الرضا أفضل من اللقاء. وأجيب: بأنه لم يقل أفضل من كل شيء بل أفضل من الإعطاء واللقاء يستلزم الرضا فهو من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم كذا نقله في الكواكب. قال في الفتح: ويحتمل أن يقال المراد حصول أنواع الرضوان ومن جملتها اللقاء وحينئذٍ فلا إشكال. والمطابقة ظاهرة وأخرجه في الرقاق في باب صفة الجنة والنار. ٧٥١٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلالٌ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْبَادِيَةِ: ((أنَّ رَجُلاً مِنْ أهْلِ الْجَنَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قالَ: بَلى، وَلكِنِّي أُحِبُّ أنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَّبَاتُهُ وَأَسْتِواؤُهُ وَاسْتِخْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثالَ الْجِبالِ فَيَقُولُ الله تَعالى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيءٌ». فَقالَ الأغرابِيُّ: يا رَسُولَ الله لا تَجِدُ هذا إلاّ قُرَشِيًّا أوْ أنْصارِيًّا فَإِنَّهُمْ أصْحابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنا بِأَصْحابٍ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِلِ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون الأولى العوقي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء مصغرًا ابن سليمان قال: (حدّثنا هلال) هو ابن علي (عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن النبي وَله) ولأبي ذر أن رسول الله (لاإله كان يومًا يحدّث) أصحابه (وعنده رجل من أهل البادية) لم يسم. (أن رجلاً من أهل الجنة استأذن) بصيغة الماضي ولأبي ذر عن الحموي يستأذن (ربه في الزرع فقال: أولست) وللكشميهني فقال له أولست (فيما شئت) من المشتهيات (قال: بلى) يا رب (ولكني) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولكن (أحب أن أزرع) فأذن له (فأسرع وبذر) بالذال المعجمة (فتبادر) ولأبي ذر عن الكشميهني فبادر (الطرف) بفتح الطاء منصوب مفعول لقوله (نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره) جمعه في البيدر (أمثال الجبال) يعني نبت واستوى إلى آخره قبل ٤٩١ کتاب التوحید/ باب ٣٩ طرفة العين (فيقول الله تعالى دونك) خذه (يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء) أي لما طبع عليه لأنه لا يزال يطلب الازدياد إلا من شاء الله، وقوله: لا يشبعك بضم التحتية وسكون الشين المعجمة بعدها موحدة مكسورة. واستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨] وأجيب: بأن نفي الشبع أعم من الجوع لثبوت الواسطة وهي الكفاية وأكل أهل الجنة لا عن جوع فيها أصلاً لنفي الله له عنهم، واختلف في الشبع والمختار أن لا شبع لأنه لو كان فيها لمنع طول الأكل المستلذ وإنما أراد الله تعالى بقوله: لا يشبعك شيء ذم ترك تلك القناعة بما كان وطلب الزيادة عليه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لا يسعك بفتح التحتية والسين المهملة من الوسع (فقال الأعرابي: يا رسول الله لا تجد هذا) الذي زرع في الجنة (إلا قرشيًّا أو أنصاريًّا فإنهم أصحاب زرع فأما نحن) أهل البادية (فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول الله(وجل﴿) . ومطابقة الحديث ظاهرة. وسبق في كتاب المزارعة في باب مجرد عقب باب كراء الأرض بالذهب. ٣٩ - باب ذِكْرِ الله بِالأمرِ وَذِكْرِ الْعِبادِ بِالدُّعاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسالَةِ وَالإبلاغِ لَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأَذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿وَآتّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأْ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمٍ إِنْ كانَ كَبْرَ عَلَيْكُمْ مَقامي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرِ إِنْ أجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١، ٧٢] غُمَّةٌ: هَمَّ وَضِيقٌ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] ﴿ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ يُقالُ أفْرُقٍ: أَقْضٍ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ الله﴾ [التوبة: ٦] إنسانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْتَمِعُ ما يَقُولُ: وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ آَمِنْ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ مِنْهُ كَلامَ الله وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جاءَ ﴿النَّبَأُ الْعَظِيمُ﴾ [النبأ: ٢] الْقُرْآنُ صَوابًا حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمِلَ بِهِ. (باب ذكر الله) تعالى لعباده يكون (بالأمر) لهم والإنعام عليهم إذ أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه (وذكر العباد) له تعالى (بالدعاء والتضرع والرسالة والإبلاغ) ولأبي ذر عن الكشميهني: والبلاغ لغيرهم من الخلق ما وصل إليهم من العلوم (لقوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ . [البقرة: ١٥٢]) الذكر يكون بالقلب والجوارح فذكر اللسان الحمد والتسبيح والتمجيد وقراءة القرآن وذكر القلب التفكر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته والتفكر في الجواب عن الشبه العارضة في تلك الدلائل والتفكر في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ٤٩٢ كتاب التوحيد/ باب ٣٩ ووعيده، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم والتفكّر في أسرار مخلوقاته تعالى، وأما الذكر بالجوارح فهو عبارة عن كون الجوارح مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها فقوله تعالى: ﴿فاذكروني﴾ تضمن جميع الطاعات ولهذا قال سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه. وقال ابن عباس فيما ذكره السفاقسي: ما من عبد يذكر الله تعالى إلا ذكره الله تعالى لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذابه، وقيل المراد ذكره باللسان وذكره بالقلب عندما يهم العبد بالسيئة فيذكر مقام ربه. وقال قوم: إن هذا الذكر أفضل وليس كذلك بل ذكره بلسانه، وقوله لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه أعظم من ذكره بالقلب دون اللسان. وذكر البدر الدماميني أنه سمع شيخه ولي الدين بن خلدون يذكر أنه كان بمجلس شيخه ابن عبد السلام شارح ابن الحاجب الفرعي وهو يتكلم على آية وقع فيها الأمر بذكر الله ورجح أن يكون المراد بالذكر اللساني لا القلبي، فقال له الشريف التلمساني: قد علم أن الذكر ضد النسيان وتقرر في محله أن الضد إذا تعلق بمحل وجب تعلق ذلك الضد الآخر بعين ذلك المحل ولا نزاع في أن النسيان محله القلب فليكن الذكر كذلك عملاً بهذه القاعدة، فقال له ابن عبد السلام على الفور: يمكن أن يعارض هذا بمثله فيقال قد علم أن الذكر ضد الصمت ومحل الصمت اللسان، فليكن الذكر كذلك عملاً بهذه القاعدة انتهى. وقوله تعالى: ((واتل عليهم نبأ نوح﴾) خبره مع قومه (﴿إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر﴾) عظم (﴿عليكم مقامي﴾) مكاني يعني نفسه أو قيامي مكاني بين أظهركم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو من باب الإسناد المجازي كقولهم ثقل عليّ ظله (﴿وتذكيري بآيات الله﴾) لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بيًّا وكلامهم مسموعًا (﴿فعلى الله توكلت﴾) جواب الشرط وتاليه عطف عليه وهو قوله (﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾) أي مع شركائكم (﴿ثم لا يكن أمركم عليكم غمة﴾) فسر بالسترة من غمه إذا ستره، والمعنى حينئذٍ ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم وليكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به (﴿ثم اقضوا إلى﴾) ذلك الأمر الذي تريدون بي (﴿ولا تنظرون﴾) ولا تمهلون (﴿فإن توليتم﴾) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي (﴿فما سألتكم من أجر﴾) فأوجب التولي (﴿إن أجري إلا على الله﴾) وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي ما نصحتكم إلا لله لا لغرض من أغراض الدنيا (﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ [يونس: ٧١، ٧٢]) أي من المستسلمين لأوامره ونواهيه، وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿وتذكيري بآيات الله﴾ الخ وقال إلى قوله: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين) وقوله: ﴿غمة﴾ فسره بقوله: ﴿همّ وضيق﴾ وقال في اللباب: يقال غم وغمة نحو كرب وكربة. قال أبو الهيثم: غمّ علينا الهلال فهو مغموم إذا التمس فلم ير، قال طرفة بن العبد: لعمرك ما أمري عليّ بغمة نهاري ولا ليلي عليّ بسرمدي ٤٩٣ كتاب التوحيد/ باب ٤٠ وقال الليث: هو في غمة من أمره إذا لم يتبين له. (قال مجاهد) المفسر فيما وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (﴿اقضوا إلي﴾ [يونس: ٧١]) أي (﴿ما في أنفسكم)) وقال غير مجاهد (يقال افرق) أي (اقض. وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي أيضًا بالسند السابق (﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] (إنسان) من المشركين (يأتيه) وَلفر (فيستمع ما يقول) من كلام الله (وما أنزل) بضم الهمزة وكسر الزاي ولأبي ذر ما ينزل (عليه) بتحتية بدل الهمزة مضمومة مع فتح الزاي أو مفتوحة مع كسرها (فهو آمن حتى يأتيه) عليه الصلاة والسلام (فيسمع منه كلام الله) ولأبي ذر عن الكشميهني حين يأتيه فيسمع كلام الله (وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء) يعني إن أراد مشرك سماع كلام الله فأعرض عليه القرآن وبلغه إليه وأمنه عند السماع، فإن أسلم فذاك وإلا فردّه إلى مأمنه من حيث أتاك. وقال مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي أيضا (﴿النبأ العظيم﴾ [النبأ: ٢]) هو (القرآن) وقوله (صوابًا) أي قال (حقًّا في الدنيا وعمل به) فإنه يؤذن له يوم القيامة بالتكلم وللأصيلي وعملاً بدل قوله وعمل، واستطرد المصنف بذكره هنا على عادته في المناسبة والمقصود من ذكر هذه الآية في هذا الباب أنه وَ # مذكور بأنه أمر بالتلاوة على الأمة والتبليغ إليهم وأن نوحًا كان يذكّرهم بآيات الله وأحكامه كما أن المقصود بالباب في هذا الكتاب بيان كونه تعالى ذاكرًا ومذكورًا بمعنى الأمر والدعاء، ولم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعله كان بيض له فأدمجه النساخ كغيره مما بيضه. ٤٠ - باب قَوْلِ الله تعالی ﴿فَلا تَجْعَلُوا اللهَ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إلهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَخْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ الله فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥، ٦٦]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، وَلَيْنْ سَألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمُواتِ وَالأرْضَ؟ لَيَقُولُنَّ: الله. فَذلِكَ إِيمانُهُمْ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَما ذُكِرَ فِي خَلْقِ أفْعالِ الْعِبادِ وَأَكْتِسابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْديرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ما تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ إلاَّ بِالْحَقْ بِالرَّسالَةِ وَالْعَذَابِ ﴿لِيَسْألَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] الْمُبَلْغِينَ الْمُؤَدِينَ مِنَ الرُّسُلِ، وَإِنّا لَهُ حافِظُونَ عِنْدَنا وَالَّذي جاءَ بِالصّدْقِ الْقُرْآنُ وَصَدْقَ بِهِ الْمُؤْمِنِ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيامَةِ: هذَا الَّذي أعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِما فِهِ. (باب قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ [البقرة: ٢٢]) أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له ٤٩٤ كتاب التوحيد/ باب ٤٠ أندادًا لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد وأن لا يجعل الله ندّ ولا شريك والندّ المثل ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوىء (وقوله جلّ ذكره: ﴿وتجعلون له أندادًا﴾) شركاء وأشباهًا (﴿ذلك﴾) الذي خلق ما سبق (﴿رب العالمين﴾ [فصلت: ٩]) خالق جميع الموجودات لتكون منافع (وقوله) تعالى: (﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي لا يشركون (﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك﴾) من الأنبياء عليهم السلام (﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾) وحد أشركت والموحى إليهم جماعة لأن المعنى أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب، وهذا الجواب سادّ مسدّ الجوابين أعني جوابي القسم والشرط، وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون لأن الخطاب للنبي وَّ ر والمراد به غيره أو لأنه على سبيل الفرض والمحالات يصح فرضها والغرض تشديد الوعيد على من أشرك وأن للإنسان عملاً يُثاب عليه إذا سلم من الشك ويبطل ثوابه إذا أشرك (﴿بل الله فاعبد﴾) رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم (﴿وكن من الشاكرين﴾ [الزمر: ٦٥، ٦٦]) على ما أنعم به عليك، وسقط قوله: ﴿ولتكونن﴾ إلى آخره لأبي ذر وقال إلى قوله: ﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾. (وقال عكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله الطبري (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ولئن سألتهم﴾) وللأصيلي لئن تسألهم ولأبي ذر قال: لئن سألتهم (﴿من خلقهم ومن خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾) بتشديد النون ولأبي ذر والأصيلي فيقولون بالتخفيف وزيادة واو وفاء بدل اللام (فذلك) القول (إيمانهم وهم يعبدون غيره) تعالى من الأصنام ونحوها. (و) باب (ما ذكر في خلق أفعال العباد) ولأبي ذر عن الكشميهني أعمال العباد (واكتسابهم لقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء﴾) أي أحدث كل شيء وحده (﴿فقدره تقديرًا﴾ [الفرقان: ٢]) فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه وهو يدل على أنه تعالى خلق الأعمال من وجهين أحدهما أن قوله كل شيء يتناول جميع الأشياء ومن جملتها أفعال العباد، وثانيها أنه تعالى نفى الشريك فكأن قائلاً قال: هنا أقوام معترفون بنفي الشركاء، والأنداد ومع ذلك يقولون بخلق أفعال أنفسهم فذكر الله هذه الآية ردًّا عليهم ولا شبهة فيها لمن لا يقول الله شيء ولا لمن يقول بخلق القرآن لأن الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعوله. (وقال مجاهد) المفسر فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿ما تنزل الملائكة إلا بالحق﴾ [الحجر: ٨]) أي (بالرسالة والعذاب). وقال في الكواكب: ما ننزل الملائكة بالنون ونصب الملائكة استشهاد لكون نزول الملائكة بخلق الله وبالتاء المفتوحة والرفع لكون نزولهم يكسبهم (﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ [الأحزاب: ٨]) أي (المبلغين المؤدين) بكسر اللام والدال المشدّدتين فيهما (من الرسل) أي الأنبياء المبلغين المؤدين الرسالة عن تبليغهم والتفسير بهم إنما هو بقرينة السابق عليهم وهو قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ٤٩٥ كتاب التوحيد/ باب ٤٠ وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وهو لبيان الكسب حيث أسند الصدق إليهم والميثاق ونحوه (﴿وإنا له حافظون﴾) ولأبوي الوقت وذر: لحافظون (﴿عندنا﴾) هو أيضًا من قول مجاهد أخرجه الفريابي، وقال مجاهد أيضًا مما وصله الطبري: (﴿والذي جاء بالصدق﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (القرآن وصدق به) هو (المؤمن يقول يوم القيامة هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه) وهو أيضًا للكسب إذا أضيف التصديق إلى المؤمن لا سيما وأضاف العمل أيضًا إلى نفسه حيث قال: عملت له جهتان فأثبتهما بالآيات وقد اجتمعتا في كثير من الآيات نحو ويمدهم في طغيانهم يعمهون قاله في الكواكب. قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب نسبة الأفعال كلها لله تعالى سواء كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا فهي لله خلق وللعباد كسب ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى فيكون شريكًا وندًا ومساويًا له في نسبة الفعل إليه، وقد نبّه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرّحة بنفي الأنداد والآلهة المدعوّة معه، فتضمنت الرد على من يزعم أنه يخلق أفعاله، وفيه الرد على الجهمية حيث قالوا لا قدرة للعبد أصلاً، وعلى المعتزلة حيث قالوا لا دخل لقدرة الله فيها إذ المذهب الحق لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين أمرين أي بخلق الله وكسب العبد وهو قول الأشعرية وللعبد قدرة فلا جبر، وبها يفرق بين النازل من المنارة والساقط منها، ولكن لا تأثير لها بل الفعل واقع بقدرة الله وتأثير قدرته فيه بعد تأثير قدرة العبد عليه وهذا هو المسمى بالکسب. ٧٥٢٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنُصُورٍ، عَنْ أَبِي وائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخبيلِ، عَنْ عَبْدِ الله قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عَنْدَ الله؟ قالَ: ((أنْ تَجْعَلَ الله نِدَّا وَهُوَ خَلَقَكَ)). قُلْتُ: إِنَّ ذلِكَ لَعَظِيمْ قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قالَ: (ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)). قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قالَ: ((ثُمَّ أنْ تُزانِي بِحَلِيلَةِ جارِكَ)). وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) بفتح العين وشرحبيل بضم المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة لام منصرفًا وغير منصرف الهمداني أبي ميسرة (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه أنه (قال: سألت رسول الله وَل﴿ أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال) وَلّه: (أن تجعل الله ندًا) بكسر النون وتشديد المهملة مثلاً وشريكًا ولأبي ذر والحموي أن تجعل له ندًا (وهو خلقك. قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أيّ) أي أيّ شيء من الذنوب أعظم بعد الكفر (قال) عليه الصلاة والسلام (ثم أن تقتل ولدك) بفتح الهمزة (تخاف) بالفوقية والمعجمة المفتوحتين (أن يطعم معك) بفتح التحتية والعين (قلت: ثم أيّ) بسكون أيّ مشددة في اليونينية ٤٩٦ كتاب التوحيد/ باب ٤١ (قال: ثم أن تزاني بحليلة جارك) بالحاء المهملة أي بزوجته قال بير: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) فالزنا بزوجة الجار زنًا وإبطال حق الجار مع الخيانة فهو أقبح. والغرض من الحديث هنا الإشارة إلى أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل الله ندًّا، وقد ورد فيه الوعيد الشديد فيكون اعتقاده حرامًا قاله في فتح الباري. وأخرج الحديث في باب إثم الزناة من الحدود. ٤١ - باب قَوْلِ الله تَعَالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ الله لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصّلت: ٢٢]. (باب قول الله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾) أي أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل كنتم جاحدين البعث والجزاء أصلاً (﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾ [فصّلت: ٢٢]) ولكنكم إنما استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون وهو الخفيات من أعمالكم وسقط لأبي ذر قوله: ﴿ولا أبصاركم﴾ إلى آخر الآية وقال بعد قوله سمعكم الآية. ٧٥٢١ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: أَجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ - أوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٍّ - كَثيرَةٌ شَخْمُ بُطُونِهِمْ قَليلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ فَقالَ أحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ ما نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنا وَلا يَسْمَعُ إنْ أَخْفَيْنا وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إذا أُخْفَيْنَا فَأَنْزَّلَ الله تَعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُم﴾ [فصّلت: ٢٢] الآية. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر المكي (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة الأزدي (عن عبد الله) بن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: اجتمع عند البيت) الحرام (ثقفيان) بالمثلثة ثم القاف ثم الفاء (وقرشيّ أو قرشيان) هما صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف (وثقفي) هو عبد يا ليل بن عمرو بن عمير وقيل حبيب بن عمرو، وقيل الأخنس بن شريق والشك من الراوي وعند ابن بشكوال القرشي الأسود بن عبد يغوث الزهري والثقفيان الأخنس بن شريق والآخر لم يسم (كثيرة) بالتنوين (شحم بطونهم) بإضافة شحم لتاليه وللأصيلي شحوم بلفظ الجمع (قليلة) بالتنوين (فقه قلوبهم) بالإضافة أيضًا، وقوله: كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم قال ٤٩٧ كتاب التوحيد/ باب ٤٢ الكرماني وغيره: بطونهم مبتدأ كثيرة شحم خبره إن كان البطون مرفوعًا والكثيرة مضافة إلى الشحم وإن كان بطونهم مجرورًا بالإضافة فيكون الذي هو مضاف مرفوعًا بالابتداء وكثيرة خبره مقدمًا، وهذا الثاني هو الذي في الفرع قالوا: وأنث الشحم والفقه لإضافتهما إلى بطون والقلوب، والتأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف قال في المصابيح وهذا غلط لأن المسألة مشروطة بصلاحية المضاف للاستغناء عنه فلا يجوز غلام هند ذهبت، ومن ثم ردّ ابن مالك في التوضيح قول أبي الفتح في توجيه قراءة أبي العالية: يوم لا تنفع نفسًا إيمانها بتأنيث الفعل إنه من باب قطعت بعض أصابعه لأن المضاف هنا لو سقط لقيل نفسًا لا تنفع بتقديم المفعول ليرجع إليه الضمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعلية ويلزم من ذلك تعدّي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره نحو قولك: زيد أظلم تريد أنه ظلم نفسه وذلك لا يجوز، وإنما الوجه في الحديث أن يكون أفرد الشحم والفقه والمراد الشحوم والفهوم لأمن اللّبس ضرورة أنّ البطون لا تشترك في شحم واحد بل لكل بطن منها شحم يخصه وكذلك الفقه بالنسبة إلى القلوب اهـ. (فقال أحدهم) للآخرين: (أترون) بفتح الفوقية وتضم (إن الله يسمع ما نقول. قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر) وهو أفطن أصحابه (إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا) ووجه الملازمة في قوله إن كان يسمع أن جميع المسموعات نسبتها إلى الله تعالى على السواء (فأنزل الله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ [فصلت: ٢٢] الآية). قال ابن بطال فيما نقلوه عنه: غرض البخاري في هذا الباب إثبات السمع الله وإثبات القياس الصحيح وإبطال القياس الفاسد لأن الذي قال يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا قاس قياسًا فاسدًا لأنه شبّه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السر، والذي قال إن كان يسمع إن جهرنا فإنه يسمع إن أخفينا أصاب في قياسه حيث لم يشبه الله تعالى بخلقه ونزّهه عن مماثلتهم وإنما وصف الجميع بقلة الفقه لأن هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال بل شك بقوله إن كان والحديث سبق في سورة فصلت. ٤٢ - باب قَوْلِ الله تعالى ﴿كُلِّ يَوْمَ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُخْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّ الله يُحدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وَأَنَّ حَدَثَهُ لا يُشْبِهُ حَدَثَ الْمَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُحدِثُ مِنْ أمْرِهِ ما يَشاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أنْ لا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاةِ. إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ٣٢ ٤٩٨ كتاب التوحيد/ باب ٤٢ (باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]) أي كل وقت وحين يحدث أمورًا ويجدد أحوالاً كما روي مما سبق معلقًا عن أبي الدرداء قال: كل يوم هو في شأن يغفر ذنبًا ويكشف كربًا ويرفع قومًا ويضع آخرين، وعن ابن عيينة الدهر عند الله يومان أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الحساب والجزاء واستشكل بأنه قد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وأجيب: بأنها شؤون یبدیها لا شؤون یبتدیها. (﴿و﴾) قوله تعالى: (﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء: ٢]) ذكر الله تعالى ذلك بيانًا لكونهم معرضين في قوله وهم في غفلة معرضون وذلك أن الله تعالى يجدد لهم الذكر كل وقت ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم الموعظة لعلهم يتعظون فما يزيدهم ذلك إلا استخسارًا فمعنى محدث هو أن يحدث الله الأمر بعد الأمر أو محدث في التنزيل فالإحداث بالنسبة للإنزال وأما المنزل فقديم وتعلق القدرة حادث ونفس القدرة قديمة فالمذكور وهو القرآن قديم والذكر حادث لانتظامه من الحروف الحادثة فلا تمسك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا هو وعظ الرسول وَّر وتحذيره إياهم عن معاصي الله فسمي وعظه ذكرًا وأضافه إليه تعالى لأنه فاعله في الحقيقة ومقدر رسوله على اكتسابه . (وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]) لعل مراده أن المحدث غير المخلوق كما هو رأي البلخي وأتباعه وقد تقرر أن صفات الله تعالى إما سلبية وتسمى بالتنزيهات وإما وجودية حقيقة كالعلم والإرادة والقدرة وأنها قديمة لا محالة وإما إضافية كالخلق والرزق وهي حادثة ولا يلزم من حدوثها تغير في ذات الله وصفاته التي هي بالحقيقة صفات له كما أن تعلق العلم وتعلق القدرة بالمعلومات والمقدورات حادثان وكذا كل صفة فعلية له. (وقال ابن مسعود) عبد الله رضي الله عنه (عن النبي وَ له: إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة). أخرجه أبو داود موصولاً مطوّلاً ومراد المؤلف من سياقه هنا الإعلام بجواز الإطلاق على الله تعالى بأنه محدث بكسر الدال لكن إحداثه لا يشبه إحداث المخلوقين تعالى الله. ٧٥٢٢ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حاتِمُ بْنُ وَزدانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الْكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ وَعِنْدَكُمْ كِتابُ اللهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِالله تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا حاتم بن وردان) بالحاء المهملة ٤٩٩ كتاب التوحيد/ باب ٤٣ وفتح واو وردان وسكون رائه المصري قال: (حذّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدًا بالله) عز وجل أي أقربها نزولاً إليكم وإخبارًا عن الله تعالى، وفي اللفظ الآخر أحدث الكتب وهو أليق بالمراد هنا من أقرب ولكنه على عادة المؤلف في تشحيذ الأذهان (تقرؤونه محضًا لم يشب). بضم التحتية وفتح المعجمة لم يخلط بغيره كما خلط اليهود التوراة وحرّفوها. ٧٥٢٣ - حدّثنا أبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ قَالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتابُكُمْ الَّذي أَنْزَلَ الله عَلى نَبِيْكُمْ وَّه أَحْدَثُ الأخْبَارِ بِالله مَحْضًا لَمْ يُشَبْ؟ وَقَدْ حَدَّثَكُمُ الله أنَّ أهْلَ الْكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ الله وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ قالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِذلِكَ ثَمَّنَا قَليلاً أوَ لا يَنْهَاكُمْ ما جاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ، عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ فَلا وَالله ما رَأيْنا رَجُلاً مِنْهُمْ يَسْألُكُمْ عَنِ الَّذي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما (قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم وَي أحدث الأخبار بالله) عز وجل لفظًا أو نزولاً أو إخبارًا من الله تعالى (محضًا لم يشب) لم يخالطه غيره (وقد حدّثكم الله) عز وجل في كتابه (أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم) زاد أبو ذر الكتب يشير إلى قوله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ إلى ﴿يكسبون﴾ [البقرة: ٧٩] (وقالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلاً) عوضًا يسيرًا (أو لا) بفتح الواو (ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم) وإسناد المجيء إلى العلم مجاز كإسناد النهي إليه (فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم) وللمستملي إليكم فلم تسألون أنتم منهم مع علمكم أن كتابهم محرّف والحديث وسابقه موقوفان. ٤٣ - باب قَوْلِ الله تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ وَفِعْلِ النَّبِيِّ نَّهِ حَيْثُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ الله تَعالى: ((أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُ ما ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ)). (باب قول الله تعالى: ﴿لا تحرك به﴾) بالقرآن (﴿لسانك﴾ و) باب (فعل النبي وَي) بكسر ٥٠٠ كتاب التوحيد/ باب ٤٣ ألفاء وسكون العين المهملة (حيث) بفتح الحاء وبالمثلثة ولأبي ذر حين (ينزل) بضم أوّله وفتح الزاي (عليه الوحي) مما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في حديث الباب. (وقال أبو هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَ ي) أنه قال: (قال الله تعالى: أنا مع عبدي حيث) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إذا (ما ذكرني) ولأبي ذر عن الكشميهني مع عبدي ما ذكرني (وتحركت به شفتاه) هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والمؤلف في خلق أفعال العباد وكذا أخرجه غيرهما أي أنا معه بالحفظ والكلاءة وقوله تحركت بي شفتاه أي باسمي لا أن شفته ولسانه يتحركان بذاته تعالى. ٧٥٢٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أبي عائِشَةَ، عَنْ سَعيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيِّ ◌َِّ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقالَ لي ابْنُ عَبّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَما كانَ رَسُولُ اللهَِ يُحَرِّكُهُما فَقالَ سَعيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُما كَما كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ الله تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُوهُ ﴿فَإِذا قَرَ أْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قالَ: فَأَسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ أنْ تَقْرَأْهُ قالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَيَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَمَعَ فَإِذا أَنْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأْهُ النَّبِيِّ ◌َ كَمَا أَقْرَأْهُ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن موسى بن أبي عائشة) بالهمز الهمداني الكوفي (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم (عن ابن عباس رضي الله عنهما (في قوله تعالى: ﴿لا تحرك به﴾) بالقرآن (﴿لسانك﴾ قال: كان النبي ◌َّ- يعالج من التنزيل) القرآني لثقله عليه (شدة، وكان) عليه الصلاة والسلام (يحرك شفتيه). قال سعيد بن جبير (فقال لي ابن عباس: أحركهما) ولأبي ذر فأنا أحركهما (لك كما كان رسول الله ◌َ* يحرّكهما فقال سعيد) أي ابن جبير (أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: (﴿لا تحرك به﴾) أي بالقرآن (﴿لسانك﴾) قبل أن يتم وحيه (﴿لتعجل به﴾) لتأخذه على عجلة خوف أن يتفلت منك (﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾) أي قراءته فهو مصدر مضاف للمفعول. (قال) ابن عباس مفسّرًا لقوله: ﴿جمعه﴾ أي (جمعه في صدرك) بفتح الجيم وسكون الميم (ثم تقرؤوه ﴿فإذا قرأناه﴾) بلسان جبريل عليك (﴿فاتبع قرآنه﴾ قال) ابن عباس أي (فاستمع له وأنصت) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الصاد أي لتكن حال قراءته ساكتًا (﴿ثم إن علينا﴾ أن تقرأه) وفي بدء الوحي ثم إن علينا بيانه ثم إن علينا أن تقرأه. (قال) ابن عباس (فكان رسول الله وَلفيه إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع) قراءته (فإذا انطلق جبريل قرأه النبي يتلقى كما أقرأه) ولأبي ذر كما أقرأه جبريل.