Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب أخبار الآحاد/ باب ٤ ٤ - باب ما كانَ يَبْعَثُ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنَ الأَمَراءِ وَالرُّسُلِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعَثَ النَّبِيِّ بَهَ دِخْيَةَ الْكَلْبِيِّ بِكِتابِهِ إلى عَظيمٍ بُصْرى أن يَدْفَعَهُ إلى قَيْصَرَ . (باب ما كان يبعث النبي ◌َّر من الأمراء) كعتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف (والرسل) إلى الملوك كحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية وشجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء (واحدًا بعد واحد). (وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله مطولاً في بدء الوحي: (بعث النبي وَليل دحية) بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرىء القيس (الكلبي) من كلب وبرة الخزرج بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وآخره جيم (بكتابه إلى عظيم) أهل (بصرى) بضم الموحدة وفتح الراء بينهما صاد مهملة ساكنة الحارث بن أبي شمر (أن يدفعه إلى قيصر). ملك الروم وهذا التعليق ثابت في رواية الكشميهني دون غيره. ٧٢٦٤ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ أَنَّهُ قالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُثْبَةَ أنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَباسٍ أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إلى كِسْرى، فأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظيمِ الْبَخْرَيْنِ، يَدْفَعُهُ عَظيمُ الْبَخْرَيْنِ إلى كِسْرِى فَلَمّا قَرَأْهُ كِسْرى مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قالَ: فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّق. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أنه قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله وَلقر بعث كتابه إلى كسرى) أبرويز بن هرمز مع عبد الله بن حذافة السهمي (فأمره) أي أمر عليه الصلاة والسلام عبد الله بن حذافة (أن يدفعه) أي الكتاب (إلى عظيم البحرين) المنذر بن ساوى (يدفعه عظيم البحرين إلى كسرى) ملك الفرس فدفعه إليه (فلما قرأه كسرى مزقه) قال ابن شهاب الزهري: (فحسبت أن ابن المسيب) سعيدًا (قال فدعا عليهم) على كسرى وجنوده (رسول الله وَليفي أن يمزقوا كل ممزق) أي يتفرقوا وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام فقد انقرضوا بالكلية في خلافة عمر رضي الله عنه، وقد قرأت في تنقيح الزركشي ما نصه عن ابن عباس أن رسول الله وَلقر بعث بكتابه إلى كسرى ثم قال كذا وقع الحديث في الأمهات ولم يذكر فيه دحية بعد قوله بعث والصواب إثباته، وقد ذكره البخاري فيما رواه الكشميهني معلقًا. وقال ابن عباس: بعث النبي ◌َّ ر دحية بكتابه إلى عظيم بصرى أن يدفعه إلى قيصر وهو الصواب اهـ. ٢٢٢ کتاب أخبار الآحاد/ باب ٥ ونقله عنه صاحب المصابيح ساكتًا عليه. قال في الفتح بعد أن ذكره: فيه خبط وكأنه توهم أن القصتين واحدة وحمله على ذلك كونهما من رواية ابن عباس، والحق أن المبعوث لعظيم بصرى هو دحية والمبعوث لعظيم البحرين عبد الله بن حذافة وإن لم يسم في هذه الرواية فقد سمي في غيرها ولو لم يكن في الدليل على المغايرة بينهما إلا بعد ما بين بصرى والبحرين فإن بينهما نحو شهر وبصرى كانت في مملكة هرقل ملك الروم، والبحرين كانت في مملكة كسرى ملك الفرس قال: وإنما نبهت على ذلك خشية أن يغترّ به من ليس له اطّلاع على ذلك والله الموفق. ٧٢٦٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أسْلَمَ: ((أذْنْ فِي قَوْمِكَ - أوْ فِي النّاسِ - يَوْمَ عاشُورَاءَ أنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَةً يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أُكَلَ فَلْيَصُمْ)). وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم العين مولى سلمة بن الأكوع قال: (حدّثنا سلمة بن الأكوع) رضي الله عنه (أن رسول الله ◌َ ي قال لرجل من أسلم) اسمه هند بن أسماء بن حارثة: (أذّن في قومك أو) قال: (في الناس يوم عاشوراء) بالهمز والمد (أن من أكل) في أول اليوم (فليتم) أي فليمسك عن المفطر (بقية يومه) حرمة لليوم (ومن لم يكن أكل فليصم) زاد في كتاب الصوم فإن اليوم يوم عاشوراء. والحديث سبق في الصوم ثلاثيًا وهو هنا رباعي، ومطابقته لما ترجم له في قوله قال لرجل من أسلم أذن في قومك فإنه من جملة الرسل الذين أرسلهم، وقد سرد محمد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته أمراء السرايا مستوعبًا لهم فلا أطيل بذكرهم. ٥ - باب وَصاةِ الشَِّيِّ بَّهِ وُفُودَ الْعَرَبِ أَنْ يُبَلِّغُوا مَنْ وَراءَهُمْ قالَهُ مالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ. (باب وصاة النبي وَ له) بفتح الواو وقد تكسر من غير همز أي وصية النبي وَلقر (وفود العرب أن يبلغوا) بفتح الموحدة وكسر اللام المشددة أي بأن يبلغوا ما سمعوه من العلم (من وراءهم) في موضع نصب على المفعولية (قاله مالك بن الحويرث) بضم الحاء المهملة مصغرًا فيما سبق قريبًا أوائل باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. ٧٢٦٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثَني إسْحُقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ أبي جَمْرَةَ قالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْعِدُني عَلى سَريرِهِ فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمّا أَتَوْا ١٠٠٠ ٢٢٣ كتاب أخبار الآحاد/ باب ٥ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((مَنِ الْوَفْدُ))؟ قالُوا: رَبِيعَةُ قالَ: ((مَرْحَبًا بالْوَفْدِ أوِ الْقَوْمِ غَيْرَ خَزايا وَلا نَدامى)). قالُوا يا رَسُولَ الله: إنَّ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ كُفَّارَ مُضَرَ، فَمُرْنا بِأمْرٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَنُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا، فَسَأَلُوا عَنِ الأشْرِبَةِ فَنَهاهُمْ عَنْ أرْبَعِ وَأمَرَهُمْ بِأَرْبَعِ أمَرَهُمْ بِالإِيمانِ بالله، قالَ: ((هَلْ تَذْرُونَ مَا الإيمانُ بالله))؟ قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: ((شَهادَةُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله وَإِقامُ الصَّلاةِ وَإيتاءُ الزّكاةِ. وَأَظُنُ فيهِ - صِيامُ رَمَضانَ وَتُؤْتُوا مِنَ الْمَغانِمِ الْخُمُسَ وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَاءِ وَالْحَنْتَمِ والْمُزَفَّتِ وَالنَّقيرِ)). وَرُبَّما قالَ: الْمُقَيِّرِ. قَالَ: ((أَحْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَراءَكُمْ)). وبه قال: (حدّثنا علي بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دال مهملتين الجوهري البغدادي قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (ح) للتحويل. قال البخاري: (وحدّثني) بالإفراد (إسحق) بن راهويه قال في الفتح كما في رواية أبي ذر قال: (أخبرنا النضر) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة ابن شميل أبو الحسن المازني البصري النحوي شيخ مرو ومحدّثها قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي أنه (قال: كان ابن عباس) رضي الله عنهما (يقعدني) بضم أوّله وكسر ثالثه (على سريره) وفي مسند إسحاق بن راهويه أنبأنا النضر بن شميل وعبد الله بن إدريس قالا: حدّثنا شعبة فذكره وفيه فيجلسني معه على السرير فأترجم بينه وبين الناس (فقال: إن) ولأبي ذر والأصيلي في نسخة فقال لي إن (وفد عبد القيس) بن أفصى (لما أتوا رسول الله مَّر) عام الفتح (قال) لهم: (من الوفد)؟ وفي كتاب الإيمان بكسر الهمزة من القوم أو من الوفد بالشك (قالوا) نحن (ربيعة) بن نزار بن معدّ بن عدنان (قال: مرحبًا بالوفد والقوم) مرحبًا مأخوذ من رحب رحبًا بالضم إذا وسع منصوب بعامل مضمر لازم إضماره والمعنى أصبتم رحبًا وسعة ولأبي ذر أو القوم بزيادة همزة قبل الواو بالشك من الراوي (غير خزايا ولا ندامى) جمع نادم على لغة ذكرها القزاز وغير حال من الوفد أو القوم والعامل فيه الفعل المقدّر (قالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك كفار مضر) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة مخفوض للإضافة بالفتحة للعلمية والتأنيث وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق (فمرنا بأمر) زاد في الإيمان فصل بالصاد المهملة والتنوين في الكلمتين على الوصفية (ندخل به الجنة) إذا قبل منا برحمة الله (ونخبر به من وراءنا) من قومنا الذين خلفناهم في بلادنا (فسألوا) النبي وَلّر (عن الأشربة) أي عن ظروفها (فنهاهم عن أربع وأمرهم بأربع أمرهم بالإيمان بالله) أي وحده (قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال) عليه الصلاة والسلام: هو (شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وأظن فيه) في الحديث (صيام رمضان وتؤتوا) وفي ٢٢٤ کتاب أخبار الآحاد/ باب ٥ الإيمان وأن تعطوا وهو معطوف على قوله بأربع أي أمرهم بالإيمان وبأن يعطوا (من المغانم) بلفظ الجمع (الخمس). قال في شرح المشكاة: قوله بأمر فصل يحتمل أن يكون الأمر واحد الأوامر وأن يكون بمعنى الشأن، وفصل يحتمل أن يكون بمعنى الفاصل وهو الذي يفصل بين الصحيح والفاسد والحق والباطل وأن يكون بمعنى المفصل أي مبين مكشوف ظاهر ينفصل به المراد عن الاشتباه، فإذا كان بمعنى الشأن والفاصل وهو الظاهر يكون التنكير للتعظيم بشهادة قوله ندخل به الجنة كما قال ◌َله: ((سألتني عن عظيم)) في جواب معاذ أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فالمناسب حينئذٍ أن يكون الفصل بمعنى المفصل لتفصيله صلوات الله وسلامه عليه الإيمان بأركانه الخمسة كما فصله في حديث معاذ وإن كان بمعنى واحد الأوامر فيكون التنكير للتقليل، فإذا المراد به اللفظ والباء للاستعانة والمأمور به محذوف أي مُزنا بعمل بواسطة افعل وتصريحه في هذا المقام أن يقال لهم آمنوا أو قولوا آمنًا هذا هو المعنى بقول الراوي أمرهم بالإيمان بالله وعلى أن يراد بالأمر الشأن يكون المراد معنى اللفظ ومؤدّاه وعلى هذا الفصل بمعنى الفاصل أي مرنا بأمر فاصل جامع قاطع كما في قوله وَّر (قل آمنت بالله ثم استقم) فالمأمور همهنا أمر واحد وهو الإيمان والأركان الخمسة كالتفسير للإيمان بدلالة قوله لو أتدرون ما الإيمان بالله وحده ثم بينه بما قال فإن قيل: على هذا في قول الراوي إشكالان. أحدهما أن المأمور واحد وقد قال أربع، وثانيهما أن الأركان خمسة وقد ذكر أربعًا. والجواب عن الأول أنه جعل الإيمان أربعًا باعتبار أجزائه المفصلة، وعن الثاني أن من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا بالغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطروح ومنه قوله تعالى: ﴿فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤] أي فعززناهما ترك المنصوب وأتى بالجار والمجرور لأن الكلام لم يكن مسوقًا له، فهلهنا لما لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مؤمنين مقرّين بكلمتي الشهادة بدليل قولهم الله ورسوله أعلم. وترحب النبي ◌َّهله بهم ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما وإنهما كافيتان لهم، وكان الأمر في صدر الإسلام كذلك لم يجعله الراوي من الأوامر وقصد به أنه يَّ نبههم على موجب توهمهم بقوله: أتدرون ما الإيمان؟ ولذلك خصص ذكر أن تعطوا من المغانم الخمس حيث أتى بالفعل المضارع على الخطاب لأن القوم كانوا أصحاب حروب بدليل قولهم وبيننا وبينك كفار مضر لأنه هو الغرض من إيراد الكلام فصار أمرًا من الأوامر اهـ. (ونهاهم) بَّر (عن) الانتباذ في (الدباء) بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة والمد القرع (و) الانتباذ في (الحنتم) بالحاء المهملة المفتوحة الجرة الخضراء (و) الانتباذ في (المزفت) ما طلي بالزفت (و) الانتباذ في (النقير) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة أصل خشبة تنقر فينتبذ فيه (وربما قال) ابن عباس (المقير) بضم الميم وفتح القاف والتحتية المشددة ما يطلى بالقار نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن كما تطلى بالزفت وهذا منسوخ بحديث مسلم كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في ٢٢٥ كتاب أخبار الآحاد/ باب ٦ الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا، وقدره الشيخ عز الدين بن عبد السلام في مجاز القرآن. وأنهاكم عن شرب نبيذ الدباء والحنتم والمزفت والنقير فليتأمل. (قال: احفظوهن) بهمزة وصل (وأبلغوهنّ) بهمزة مفتوحة وكسر اللام (من وراءكم) من قومكم وفيه دليل على أن إبلاغ الخبر وتعليم العلم واجب إذ الأمر للوجوب وهو يتناول كل فرد فرد فلولا أن الحجة تقوم بتبليغ الواحد ما حضهم عليه. والحديث سبق أوائل الكتاب في الإيمان. ٦ - باب خَبَرِ الْمَزْأَةِ الْوَاحِدَةِ (باب خبر المرأة الواحدة) هل يعمل به أم لا . ٧٢٦٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةً الْعَنْبَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيّ: أَرَأيْتَ حَديثَ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ نَ ◌ّهَ وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنٍ أوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أسْمَعْهُ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ غَيْرَ هذا قَالَ: كانَ ناسٌ مِنْ أصْحابٍ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فِيهِمْ سَعْدٌ فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضٍ أزواجِ النَّبِيِّ وَّهِ إِنَّهُ لَحْمُ ضَبِّ فَأَمْسَكُوا فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((كُلُوا وَأَطْعَمُوا فَإِنَّهُ حَلالٌ)) أوْ قالَ: (لَا بَأْسَ بِهِ) شَكَّ فيهِ ((وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعامي)). وبه قال: (حدّثنا محمد بن الوليد) بن عبد الحميد البسري القرشي البصري من ولد بسر بن أرطأة قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن توبة) بفتح الفوقية والموحدة بينهما واو ساكنة ابن كيسان (العنبري) بالنون والموحدة والراء نسبة إلى بني العنبر بطن مشهور من بني تميم أنه (قال: قال لي الشعبي) عامر بن شراحيل: (أرأيت) أي أأبصرت (حديث الحسن) البصري (عن النبي وَ﴿، وقاعدت ابن عمر) رضي الله عنهما أي جالسته (قريبًا من سنتين أو سنة ونصف فلم أسمعه يحدّث) ولأبوي الوقت وذر روى (عن النبي ◌ِ ﴿ غير هذا). قال في الفتح: والاستفهام في قوله أرأيت للإنكار، وكان الشعبي ينكر على من يرسل الأحاديث عن النبي * إشارة إلى أن الحامل لفاعل ذلك طلب الإكثار من التحديث عنه وإلا لكان يكتفي بما سمعه موصولاً. وقال في الكواكب: غرضه أن الحسن مع أنه تابعي يكثر الحديث عن النبي وَّه يعني جريء على الإقدام عليه، وابن عمر مع أنه صحابي مقلّل فيه محتاط محترز مهما أمكن له، وكان عمر رضي الله عنه يحض على قلة التحديث عن النبي والر خشية أن يحدّث عنه بما لم يقل لأنهم لم يكونوا يكتبون، فإذا طال العهد لم يؤمن النسيان: وقول الحافظ ابن حجر وقوله وقاعدت ابن عمر الجملة حالية تعقبه العيني بأنه ليس كذلك بل هو ابتداء كلام لبيان تقليل ابن عمر في الحديث، والإشارة في قوله غير هذا إلى قوله (قال كان ناس من أصحاب النبي والأر فيهم سعد) إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ١٥ ٢٢٦ كتاب أخبار الآحاد/ باب ٦ بسكون العين ابن أبي وقاص رضي الله عنه (فذهبوا يأكلون من لحم) وعند الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة فأتوا بلحم ضب، وسبق في الأطعمة عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله وَ ل بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله وَليل بيده (فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبي (98) وهي ميمونة كما عند الطبراني (أنه لحم ضب فأمسكوا) أي الصحابة عن الأكل (فقال رسول الله (وَ﴿﴿): (كلوا) منه (أو اطعموا) بهمزة وصل (فإنه حلال، أو قال) عليه الصلاة والسلام (لا بأس به) قال شعبة (شك فيه) توبة العنبري (ولكنه) قال ◌َّ و لكن الضب (ليس من طعامي) المألوف فلذا أترك أكله لا لكونه حرامًا وفيه إظهار الكراهة لما يجده الإنسان في نفسه لقوله في الحديث الآخر فأجدني أعافه. وهذا آخر كتاب الأحكام وما بعده من التمني، وإجازة خبر الواحد. وفرغت منه بعون الله وتوفيقه في يوم الأربعاء خامس عشر شهر الله المحرم الحرام سنة ست عشرة وتسعمائة والله أسأل الإعانة على التكميل فهو حسبي ونعم الوكيل. بسم الله الرحمن الرحيم ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنّة (كتاب الاعتصام) هو افتعال من العصمة وهي المنعة والعاصم المانع والاعتصام الاستمساك بالشيء فالمعنى هنا الاستمساك (بالكتاب) أي بالقرآن (والسُّنّة) وهي ما جاء عن النبي ◌َّر من أقواله وأفعاله وتقريره وما همّ بفعله والمراد امتثال قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] والحبل في الأصل هو السبب وكل ما وصلك إلى شيء فهو حبل وأصله في الإجرام واستعماله في المعاني من باب المجاز، ويجوز أن يكون حينئذٍ من باب الاستعارة، ويجوز أن يكون من باب التمثيل ومن كلام الأنصار رضي الله عنهم بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها يعنون العهود والحلف. قال الأعشى: وإذا تجوّزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالها يعني: العهود. قال في اللباب: وهذا المعنى غير طائل بل سمي العهد حبلاً للتوصل به إلى الغرض قال : ما زلت معتصمًا بحبل منكم والمراد بالحبل هنا القرآن لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الطويل هو حبل الله المتين. ٧٢٦٨ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ قَيْسٍ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طارِقٍ بْنِ شِهابٍ قالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لِعُمَرَ يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أنَّ عَلَيْنا نَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دينًا﴾ [المائدة: ٣] لاَتَّخَذْنا ذلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا فَقالَ عُمَرُ: إنّي لأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمِ نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةً فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ. سَمِعَ سُفْيَانُ مِنْ مِسْعَرٍ، وَمِسْعَرْ قَيْسًا وَقَيْسُ طارِقًا. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) ولأبوي الوقت وذر: حدّثنا عبد الله بن الزبير الحميدي قال: ٢٢٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن مسعر) بكسر الميم وسكون المهملة ابن كدام بكسر الكاف وفتح المهملة المخففة (وغيره) يحتمل كما قال في الفتح أن يكون سفيان الثوري فإن الإمام أحمد أخرجه من روايته (عن قيس بن مسلم) الجدلي بالجيم المفتوحة والدال المهملة الكوفي (عن طارق بن شهاب) الأحمسي رأى النبي وَّر لكنه لم يثبت له منه سماع أنه (قال: قال رجل من اليهود) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم كما عند الطبراني في الأوسط (لعمر) بن الخطاب رضي الله عنه: (يا أمير المؤمنين لو أن علينا) معشر اليهود (نزلت هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾) يعني الفرائض والسُّنن والحدود والجهاد والحرام والحلال فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض وهذا ظاهر السياق وفيه نظر وقد ذهب جماعة إلى أن المراد بالإكمال ما يتعلق بأصول الأركان لا ما يتفرع عنها (﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾) بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم (﴿ورضيت لكم الإسلام﴾) اخترته لكم (﴿دينًا﴾ [المائدة: ٤]) من بين الأديان ورضي يتعدى لواحد وهو الإسلام ودينًا على هذا حال أو يتضمن معنى جعل وصير فيتعدى لاثنين الإسلام دينًا، وعلى في قوله: ﴿وأتممت عليكم﴾ يتعلق بأتممت ولا يجوز تعلقه بنعمتي وإن كان فعلها يتعدى بعلى نحو أنعم الله عليه وأنعمت عليه لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله إلا أن ينوب منابه (لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا) نعظمه في كل سنة لعظم ما وقع فيه من كمال الدين (فقال عمر) لكعب: (إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية) فيه (نزلت يوم عرفة في يوم جمعة) قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس ولم تجتمع أعياد أهل الِلّل في يوم قبله ولا بعده. قال البخاري رحمه الله تعالى: (سمع سفيان) بن عيينة حديث طارق هذا (من مسعر) ولأبي ذر سمع سفيان مسعرًا (ومسعرًا) سمع (قيسًا وقيس) سمع (طارقًا) فصرح بالسماع فيما عنعنه أوّلاً اطّلاعًا منه على سماع كلِّ من شيخه. ووجه سياق الحديث هنا من حيث إن الآية تدل على أن هذه الأمة المحمدية معتصمة بالكتاب والسُّنّة لأن الله تعالى منّ عليهم بإكمال الدين وإتمام النعمة ورضي لهم بدين الإسلام. والحديث سبق في كتاب الإيمان. ٧٢٦٩ - حدّثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أُخْبَرَني أَنَسُ بْنُ مالِكِ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ الْغَدَ حينَ بايَعَ الْمُسْلِمُونَ أبا بَكْرٍ، وَاسْتَوى عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ وَله تَشَهَّدَ قَبْلَ أبي بَكْرٍ فَقالَ: أمّا بَعْدُ فَأَخْتَارَ الله لِرَسُولِهِ ﴿ِالَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ، وَهذَا الْكِتَابُ الَّذِي هَدَى الله بِهِ رَسُولَكُمْ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا وَإِنَّمَا هَدَى الله بِهِ رَسُولَهُ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد المصري الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك أنه سمع عمر) رضي الله عنه (الغد) من يوم توفي النبي وَّل ٢٢٩ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة (حين بايع المسلمون أبا بكر الصديق رضي الله عنه (واستوى) عمر (على منبر رسول الله الخوي تشهد قبل أبي بكر) بسكون الموحدة بعد القاف. وفي الأحكام في باب الاستخلاف وأبو بكر صامت لا يتكلم (فقال: أما بعد فاختار الله لرسوله وَلاير الذي عنده) من معالي درجات الجنات وحضور حظائر الكرامات (على الذي عندكم) في الدنيا (وهذا الكتاب) أي القرآن (الذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا وإنما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لما وله عن الكشميهني بما بالموحدة بدل اللام (هدى الله به) بالقرآن (رسوله) وَله. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم كما لا يخفى على ذي لب. والحديث سبق في باب الاستخلاف من كتاب الأحكام. ٧٢٧٠ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ قالَ: ضَمَّنِي إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَّهَ وَقَالَ: ((آللَّهُمَّ عَلْمْهُ الْكِتابَ)). وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا وهب) بضم الواو ابن خالد البصري (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال: ضمني إليه النبي بَّرِ وقال): (اللهم علمه) فهمه (الكتاب) أي القرآن ليعتصم به. وسبق في كتاب العلم. ٧٢٧١ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ صَباحٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ عَوْفًا أنَّ أبَا الْمِنْهالِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أبا بَرْزَةً قَالَ: إنَّ الله يُغْنِيكُمْ أَوْ نَعَشَكُمْ بِالإسْلامِ وَبِمُحَمَّدٍ وَّهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وَقَعَ هُنَا يُغْنِكُمْ وَإِنَّمَا هُوَ نَعَشَكُمْ يُنْظَرُ في أَصْلِ كِتابِ الاعْتِصامِ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن صباح) بفتح الصاد المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف حاء مهملة العطار البصري قال: (حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية ابن سليمان بن طرخان البصري (قال: سمعت عوفًا) بالفاء الأعرابي (أن أبا المنهال) بكسر الميم وسكون النون سيار بن سلامة (حدّثه أنه سمع أبا برزة) بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة نضلة بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة الأسلمي (قال: إن الله) عز وجل (يغنيكم) بالغين المعجمة من الإغناء (أو نعشكم) بنون فعين مهملة فشين معجمة مفتوحات أي رفعكم أو جبركم من الكسر أو أقامكم من العثرة (بالإسلام وبمحمد وَ#) وسقط قوله أو نعشكم لأبي ذر (قال أبو عبد الله) المصنف (وقع هنا يغنيكم) بالغين المعجمة الساكنة بعدها نون (وإنما هو نعشكم) بالنون فالعين المهملة فالشين المعجمة المفتوحات (ينظر) ذلك (في أصل كتاب الاعتصام). قال في الفتح: فيه أنه صنف كتاب الاعتصام مفردًا وكتب منه هنا ما يليق بشرطه في هذا ٢٣٠ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة/ باب ١ الكتاب كما صنع في كتاب الأدب المفرد فلم رأى هذه اللفظة مغايرة لما عنده أنه الصواب أحال على مراجعة ذلك الأصل وكأنه كان في هذه الحالة غائبًا عنه فأمر بمراجعته وأن يصلح منه، وقد وقع له نحو هذا في تفسير ﴿أنقض ظهرك﴾ [الشرح: ٣] كما سبق في تفسير سورة ﴿ألم نشرح) [الشرح: ١] وقوله قال أبو عبد الله الخ ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي ساقط لغيره وسقط لابن عساكر في نسخة قوله ينظر الخ. والحديث سبق في الفتن في باب إذا قال عند قوم شيئًا. ٧٢٧٢ - حدثنا إسماعيلُ، حَدَّثَنِ مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دينارٍ أنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ كَتَبَ إلى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوانَ يُبابِعُهُ وَأُقِرْ بِذلِكَ بِالسَّمْعِ وَالطّاعَةِ عَلى سُنَّةِ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فيما اسْتَطَعْتُ . وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن عبد الله بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأصبحي (عن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (كتب إلى عبد الملك بن مروان) بعد قتل عبد الله بن الزبير (يبايعه) على الخلافة (وأقر بذلك بالسمع) ولأبي ذر وأقر لك بالسمع (والطاعة على سُنّة الله وسُنّة رسوله فيما استطعت). ومن كان على سُنّة الله ورسوله فقد اعتصم بهما. والحديث سبق بأتم من هذا في باب كيف يبايع الإمام من أواخر كتاب الأحكام. ١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الْكَلِمِ)) (باب قول النبي (*) في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى: (بعثت بجوامع الكلم). وروى العسكري في الأمثال من طريق سليمان بن عبد الله النوفلي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي وَلقر قال: ((أوتيت جوامع الكلم)) واختصر لي الكلام اختصارًا وهو مرسل وفي سنده من لم أعرفه، وللديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعًا مثله، لكن بلفظ: أعطيت الحديث بدل الكلم، وعند البيهقي في الشعب نحوه فكل كلمة يسيرة جمعت معاني كثيرة فهي من جوامع الكلم والاختصار هو الاقتصار على ما يدل على الغرض مع حذف أو إضمار والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا صلة إليه، لأن حذف ما لا دلالة عليه مُنافٍ لغرض وضع الكلام من الإفادة والإفهام وفائدة الحذف تقليل الكلام، وتقريب معانيه إلى الأفهام، والحذف أنواع. أحدها: حذف المضافات وله أمثلة كثيرة منها نسبة التحليل والتحريم والكراهة والإيجاب والاستحباب إلى الأعيان فهذا من مجاز الحذف إذ لا يتصور تعلق الطلب بالإجرام وإنما تطلب أفعال تتعلق بها فتحريم الميتة تحريم لأكلها وتحريم الخمر تحريم لشربها، وأدلة الحذف أنواع منها ما يدل العقل على حذفه والمقصود الأعظم يرشد إلى تعيينه وله مثالان: ٢٣١ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ١ أحدهما قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]. الثاني: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] فإن العقل يدل على الحذف إذ لا يصح تحريم الإجرام، والمقصود الأظهر يرشد إلى أن التقدير حرّم عليكم أكل الميتة حرم عليكم نكاح أمهاتكم. ومباحث هذا طويلة جدًّا لا نطيل بإيرادها. وللشيخ عز الدين بن عبد السلام مجاز القرآن لخصت منه ما تراه سقى الله بالرحمة ثراه. ٧٢٧٣ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنا إبراهيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: ((بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّغْبِ، وَبَيْنا أَنَا نَائِمٌ رَأيْتُني أُتيتُ بِمفاتيحٍ خَزائِنِ الأرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي). قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِهِ وَأَنْتُمْ تَلْغَثُونَها، أوَ تَرْغَثُونَها أوْ كَلِمَةً تُشْبِهُها. وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) العامري الأويسي الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله و لفر قال): (بعثت بجوامع الكلم) سبق في باب المفاتيح في اليد من كتاب التعبير قال محمد: وبلغني أن جوامع الكلم أن الله تعالى يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك، وأن في رواية أبي ذر قال أبو عبد الله بدل قوله محمد فقيل المراد البخاري وصوب ورجح الحافظ ابن حجر أنه محمد بن مسلم الزهري وأن غير الزهري جزم بأن المراد بجوامع الكلم القرآن بقرينة قوله بعثت والقرآن هو الغاية القصوى في إيجاز اللفظ واتساع المعاني قد بهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته على كل مقول أعجز بإعجازه فرسان البلاغة البارعة، وفرق بجوامع كلمه ذوي الألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة. وكانوا قدحًا ولوا الإتيان ببعض شيء منه فما أطاقوه وراموا ذلك فما استطاعوه إذ رأوه نظمًا عجيبًا خارجًا عن أساليب كلامهم ووصفًا بديعًا مباينًا لقوانين بلاغتهم ونظامهم، فأيقنوا بالقصور عن معارضته، واستشعروا العجز عن مقابلته، ولما سمع المغيرة بن الوليد من النبي وَ لتر أن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية قال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، وسمع أعرابي رجلاً يقرأ ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٧٩] وقوله: ﴿ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب﴾ [سبأ: ٥١] وقوله: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصّلت: ٣٤] وقوله: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾ [هود: ٤٤] الآية. ٢٣٢ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة/ باب ١ قال القاضي عياض: إذا تأملت هذه الآيات وأشباهها حققت إيجاز ألفاظها وكثرة معانيها وديباجة عبارتها وحسن تأليف حروفها وتلاؤم كلمها وأن تحت كل لفظة منها جملاً كثيرة وفصولاً جمة وعلومًا زواخر ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها وكثرت المقالات في المستنبطات عنها، وقد حكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك. فقالت: أو تعدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين ومن أمثلة جوامع كلمه # الواردة في الأحاديث حديث «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ»، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وليس الخبر كالمعاينة والبلاء موكل بالمنطق وأي داء أدوا من البخل وحبك الشيء يعمي ويصمّ إلى غير ذلك مما يعسر استقصاؤه ويدلك على أنه وَّالفر قد حاز من الفصاحة وجوامع الكلم درجة لا يرقاها غيره، وحاز مرتبة لا يقدر فيها قدره. وفي كتابي المواهب من ذلك ما يشفي ويكفي. قال ابن المنير: ولم يتحد من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا * لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز وهل فصاحته عليه الصلاة والسلام في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السُّنّة تحدّى بها أم لا وظاهر قوله أوتيت جوامع الكلم أنه من التحدّث بنعمة الله وخصائصه كقوله: (ونصرت بالرعب) بضم الراء أي الخوف يقذف في قلوب أعدائي زاد في التيمم مسيرة شهر وجعل الغاية مسيرة الشهر لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه (وبينا) بغير ميم (أنا نائم رأيتني) رأيت نفسي (أتيت) بغير واو بعد الهمزة وفي باب رؤيا الليل من التعبير بإثباتها (بمفاتيح خزائن الأرض) كخزائن كسرى أو معادن الذهب والفضة (فوضعت في يدي) بالإفراد حقيقة أو مجازًا فيكون كناية عن وعد الله بما ذكر أنه يعطيه أمته. (قال أبو هريرة) بالسند السابق إليه (فقد ذهب) أي فتوفي (رسول الله وي ليه وأنتم تلغثونها) بفوقية مفتوحة فلام ساكنة فغين معجمة مفتوحة فمثلثة مضمومة وبعد الواو الساكنة نون فهاء فألف من اللغيث بوزن عظيم طعام مخلوط بشعير كذا في المحكم عن ثعلب أي تأكلونها كيفما اتفق (أو) قال (ترغثونها) بالراء بدل اللام من الرغث كناية عن سعة العيش وأصله من رغث الجدي أمه إذا ارتضع منها وأرغثته هي أرضعته قاله القزاز والشك من الراوي أي وأنتم ترضعونها (أو) قال (كلمة تشبهها) أي تشبه إحدى الكلمتين المذكورتين نحو ما سبق في التعبير تنتثلونها بالمثلثة وتاء الافتعال أي تستخرجونها. والحديث من أفراده. ٧٢٧٤ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعيدٍ، عَنْ أبيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قالَ: ((ما مِنَ الأَنْبِياءِ نَبِيُّ أُعْطِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ أُومِنَ أوْ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيَا أَوْحاهُ الله إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيامَةِ». ٢٣٣ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٢ وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام الفهمي المصري (عن سعيد) بكسر العين (عن أبيه) أبي سعيد كيسان المقبري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما) أي الذي (مثله أومن) بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة فميم مكسورة فنون مفتوحة من الأمن (أو) قال: (آمن) بفتح الهمزة والميم من الإيمان (عليه) أي لأجله (البشر وإنما كان) معظم المعجز (الذي أوتيت) بحذف الضمير المنصوب ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني أوتيته أي من المعجزات (وحيًا أوحاه الله إلي) وهو القرآن العظيم لكونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه فقال تعالى: ﴿إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] وسائر معجزات غيره من الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العظيم الباهرة آياته الظاهرة معجزاته على ما كان عليه من وقت نزوله إلى هذا الزمن مدة تسعمائة سنة وست عشرة سنة حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة باهرة ولذا رتب عليه قوله (فأرجو أني أكثرهم) أكثر الأنبياء (تابعًا يوم القيامة) لأن بدوام المعجزة يتجدد الإيمان ويتظاهر البرهان وتابعًا نصب على التمييز. والحديث مرّ في فضائل القرآن. ٢ - باب الاقْتِداءِ بِسُتَنِ رَسُولِ اللهِ وَهـ وَقَوْلِ الله تَعالَى: ﴿وَأَجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] قالَ: أَئِمَّةً نَقْتَدي بِمَنْ قَبْلَنا وَيَقْتَدِي بِنا مَنْ بَعْدَنا، وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: ثَلاثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسي وَلإخواني هذِهِ السُّنَّةُ أنْ يَتَعَلَّمُوها وَيَسْألُوا عَنْهَا، وَالْقُرْآنُ أنْ يَتَفَهَّمُوهُ وَيَسْألُوا عَنْهُ وَيَدَعُوا النّاس إلاّ مِنْ خَيْرٍ. (باب الاقتداء بسنن رسول الله (1) الشاملة لأقواله وأفعاله وتقريره (وقول الله تعالى: ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾) أفرده للجنس وحسنه كونه رأس فاصلة أو اجعل كل واحد منا كما قال تعالى: ﴿نخرجكم طفلاً﴾ [الفرقان: ٧٤] أو لاتحادهم واتفاق كلمتهم أو لأنه مصدر في الأصل كصيام وقيام (قال: أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا) قاله مجاهد فيما أخرجه الفريابي والطبري بسند صحيح أي: اجعلنا أئمة لهم في الحلال والحرام يقتدون بنا فيه قيل: وفي الآية ما يدل على أن الرئاسة في الدين تطلب ويرغب فيها. (وقال ابن عون) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة نون عبد الله البصري التابعي الصغير فيما وصله محمد بن نصر المروزي في كتاب السُّنّة: (ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني) المؤمنين (هذه السُّنّة) الطريقة النبوية المحمدية والإشارة في قوله هذه نوعية لا شخصية (أن يتعلموها ويسألوا عنها) علماءها (والقرآن أن يتفهموه) أي يتدبروه. قال في الكواكب: قال في القرآن: يتفهموه. وفي السُّنّة يتعلموها لأن الغالب على حال المسلم أن يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى ٢٣٤ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٢ الوصية بتعلمه، فلذا وصى بفهم معناه وإدراك منطوقه وفحواه. وقال في الفتح: ويحتمل أن يكون السبب أن القرآن قد جمع بين دفتي المصحف ولم تكن السُّنّة يومئذٍ جمعت فأراد بتعلمها جمعها ليتمكن من تفهمها بخلاف القرآن فإنه مجموع. (ويسألوا الناس عنه ويدعوا الناس) بفتح الدال يتركوهم (إلا من خير) ولأبي ذر عن الكشميهني: ويدعوا الناس. قال في الفتح: بسكون الدال إلى خير. ٧٢٧٥ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ واصِلٍ، عَنْ أبي وائِلِ قالَ: جَلَسْتُ إلى شَيْبَةَ في هذَا الْمَسْجِدِ قالَ: جَلَسَ إلَيَّ عُمَرُ في مَجْلِسِكَ هذا فَقالَ: هَمَّمْتُ أنْ لا أَدَعَ فيها صَفْراءَ وَلا بَيْضاءَ، إلاّ قَسَمْتُها بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ: ما أنْتَ بِفاعِلٍ. قالَ: لِمَ قُلْتُ لَمْ يَفْعَلْهُ صاحِباكَ؟ قالَ: هُمَا الْمَرْآنِ يُقْتَدِى بِهِما. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عباس) بفتح العين وسكون الميم وعباس بالموحدة الباهلي البصري قال: (حدّثنا عبد الرحمن) بن مهدي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن واصل) هو ابن حيان بتشديد التحتية (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه (قال: جلست إلى شيبة) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة ابن عثمان الحجبي (في هذا المسجد) عند باب الكعبة الحرام أو في الكعبة نفسها (قال: جلس إلي) بتشديد التحتية (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (في مجلسك هذا. فقال: هممت) أي قصدت ولأبي ذر عن الكشميهني لقد هممت (أن لا أدع) أي لا أترك (فيها) أي في الكعبة (صفراء ولا بيضاء) ذهبا ولا فضة (إلا قسمتها بين المسلمين) لمصالحهم قال شيبة: (قلت) لعمر رضي الله عنه: (ما أنت بفاعل) ذلك. (قال) عمر: (لم قلت لم يفعله صاحباك) النبي وَل﴿ ولا أبو بكر رضي الله عنه (قال) عمر: (هما المرآن يقتدى بهما) بضم التحتية وفتح الدال المهملة، ولأبي ذر نقتدي بنون مفتوحة بدل التحتية وكسر الدال. وعند ابن ماجة بسند صحيح عن شقيق قال: بعث معي رجل بدراهم هدية إلى البيت وشيبة جالس إلى كرسي فناولته إياها فقال: ألك هذه؟ قلت: لا ولو كانت لي لم آتك بها. قال: أما لئن قلت ذاك لقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لأفعلن، قال: ولم؟ قلت: لأن النبي وَلو قد رأى مكانه وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه فقام كما هو فخرج، ففيه أن عمر رضي الله عنه لما أراد أن يصرف ذلك في مصالح المسلمين، وذكره شيبة بأن النبي وَلّ وأبا بكر لم يتعرضا له لم يسعه خلافهما، ونزل تقرير النبي ول # منزلة حكمه باستمرار ما ترك تغييره فوجب عليه الاقتداء به لعموم قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وعلم من هذا أنه لا يجوز صرف ذلك في فقراء المسلمين بل يصرفه القيّم في الجهة المنذورة وربما تهدّم البيت أو خلق بعض آلاته فيصرف ذلك فيه ولو صرف في مصالح المسلمين لكان كأنه قد أخرج عن وجهه الذي سبل فيه، ٢٣٥ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب ٢ وللشيخ تقي الدين السبكي كتاب نزول السكينة على قناديل المدينة ذكر فيه فوائد جمة أفاض الله تعالى عليه فواضل الرحمة. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله هما المرآن يقتدى بهما. ٧٢٧٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ قالَ: سَألْتُ الأعْمَشَ فَقالَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ سَمِعْتُ حُذَيْفَةً يَقُولُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ فِي جَذْرٍ قُلُوبٍ الرِّجالِ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ فَقَرَؤُوا الْقُرْآن وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّة)). وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: سألت الأعمش) سليمان بن مهران (فقال: عن زيد بن وهب) الهمداني الجهني أنه قال: (سمعت حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه (يقول: حدّثنا رسول الله (وَلي): (أنّ الأمانة) وهي ضد الخيانة أو الإيمان وشرائعه (نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال) بفتح الجيم وكسرها وإسكان الذال المعجمة أصل قلوب المؤمنين حتى صارت طبيعة فطروا عليها (ونزل القرآن فقرؤوا القرآن وعلموا من السُّنّة) الأمانة وما يتعلق بها فاجتمع لهم الطبع والشرع في حفظها وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى. والحديث سبق مطوّلاً في الرقاق والفتن. ٧٢٧٧ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أبي إياسٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الله إنَّ أحْسَنَ الْحَديثِ كِتابُ الله، وَأَحْسَنَ الْهَذِي هَذْيُ مُحَمَّدٍ وََّه وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُهَا وَإِنَّ ما تُوعَدُونَ لآتِ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) العسقلاني قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا عمرو بن مرة) بفتح العين في الأول وضم الميم وتشديد الراء في الآخر الجملي بفتح الجيم والميم المخففة قال: (سمعت مرّة) بن شراحيل ويقال له مرة الطيب (الهمداني) بسكون الميم وفتح الدال المهملة وليس هو والد عمرو الراوي عنه (يقول: قال عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد نَّه) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة فيهما السمت والطريقة والسيرة يقال هدى هدي وزيد إذا سار سيرته، ولأبي ذر عن الكشميهني وأحسن الهدى هدى محمد بضم الهاء وفتح الدال والقصر الإرشاد واللام في الهدي للاستغراق لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى متعدد وهو داخل فيه، ولأنه لو لم يكن للاستغراق لم يفد المعنى المقصود وهو تفضيل دينه وسُنّته على سائر الأديان والسُّنن (وشر الأمور محدثاتها) بضم الميم وسكون الحاء وفتح الدال المخففة المهملتين جمع محدثة، والمراد بها البدع والضلالات من الأفعال والأقوال والبدعة كل شيء عمل على غير مثال سابق، وفي الشرع أحداث ما لم يكن في عهد رسول الله وَليو فإن ٢٣٦ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٢ كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة. قال إمامنا الشافعي رحمه الله البدعة بدعتان محمودة ومذمومة فما وافق السُّنّة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم وأخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي وعند البيهقي في مناقب الشافعي: أنه قال المحدثات ضربان ما أحدث مخالفًا كتابًا أو سُنّة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة (وإن ما توعدون) من البعث وأحواله (لآتٍ) لكائن لا محالة (وما أنتم بمعجزين) بفائتين ردّ لقولهم: مَن مات فات. وهذا من قول ابن مسعود ختم موعظته بشيء من القرآن يناسب الحال، وظاهر سياق هذا الحديث أنه موقوف. قال الحافظ ابن حجر: لكن القدر الذي له حكم الرفع منه قوله وأحسن الهدي هدي محمد رَّ فإن فيه إخبارًا عن صفة من صفاته وّ وهو أحد أقسام المرفوع. وقد جاء الحديث عن ابن مسعود مصرحًا فيه بالرفع من وجه آخر أخرجه أصحاب السُّنن لكنه ليس على شرط البخاري، وأخرجه مسلم من حديث جابر مرفوعًا أيضًا بزيادة فيه وليس هو على شرط البخاري أيضًا، وقد سبق حديث الباب في كتاب الأدب. ٧٢٧٨ - ٧٢٧٩ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ أبي هُرَيْرَةً وَزَيْدِ بْنِ خالِدٍ قَالَ: كُنَا عِنْدَ النَّبِيِّ رَ فَقَالَ: ((لأقْضِيَنَّ بَيْنكُما بِكِتابِ الله)). وبه قال (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (عن أبي هريرة وزيد بن خالد) رضي الله عنهما (قال): كذا في الفرع كأصله بالإفراد أي قال كلٍّ منهما وفي غيره قالا (كنا عند النبي ◌َّه) فقام رجل فقال أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله الحديث في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الذي استأجره (فقال) وَلخير لهما: (لأقضين بينكما بكتاب الله) القصة إلى آخرها السابق ذلك في المحاربين وغيره واقتصر منها هنا على قوله كنا عند النبي ◌َّه فقال لأقضين بينكما بكتاب الله القدر المذكور إشارة إلى أن السُّنّة يطلق عليها كتاب الله لأنها بوحيه وتقديره قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣]. ٧٢٨٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قالَ: ((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إلاّ مَنْ أبى)). قالُوا: يا رَسُولَ الله وَمَنْ يَأْبِى؟ قالَ: ((مَنْ أطاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصاني فَقَدْ أبى)) .. وبه قال: (حذّثنا محمد بن سنان) العوقي بفتح العين المهملة والواو بعدها قاف أبو بكر الباهلي البصري قال: (حذّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة ابن سليمان المدني قال: (حدّثنا هلال بن علي) بن أسامة يقال له ابن أبي ميمون وقد ينسب إلى جده ٢٣٧ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٢ (عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ له قال): (كل أمتي) أي أمة الإجابة (يدخلون الجنة إلا مَن أبى) بفتح الهمزة والموحدة من عصى منهم فاستثناهم تغليظًا عليهم وزجرًا عن المعاصي أو المراد أمة الدعوة وإلا من أبى أي كفر بامتناعه عن قبول الدعوة (قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). قل في شرح المشكاة: ومن يأبى معطوف على محذوف أي عرفنا الذين يدخلون الجنة والذي أبى لا نعرفه وكان من حق الجواب أن يقال من عصاني فعدل إلى ما ذكره تنبيهًا به على أنهم ما عرفوا ذاك ولا هذا، إذ التقدير من أطاعني وتمسك بالكتاب والسُّنّة دخل الجنة ومن اتّبع هواه وزلّ عن الصواب وضل عن الطريق المستقيم دخل النار فوضع أبى موضعه وضعًا للسبب موضع المسبب قال: ويعضد هذا التأويل إيراد محيي السُّنّة هذا الحديث في باب الاعتصام بالكتاب والسُّنّة والتصريح بذكر الطاعة فإن المطيع هو الذي يعتصم بالكتاب والسُّنّة ويجتنب الأهواء والبدع. والحديث من أفراده. ٧٢٨١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبادَةَ، أخْبَرَنا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَليمُ بْنُ حَيّانَ وَأثْنِى عَلَيْهِ، حَدَّثَنَا سَعيدُ بْنُ ميناءٍ، حَدَّثَنا أوْ سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جاءَتْ مَلائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ وَهْوَ نَائِمٌ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظانُ فَقالُوا: إنَّ لِصاحِبِكُمْ هذا مَثَلاً، فَأَضْرِبُوا لَهُ مَثَلاً، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظانُ فَقالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلٍ رَجُلٍ بَنِى دارًا، وَجَعَلَ فيها مَأْدُبَةٌ وَبَعَثَ دَاعِيًّا فَمَنْ أجابَ الدّاعِيَ دَخَلَ الدّارَ. وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَّةِ، فَقالُوا: أوَّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْها فَقالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظانُ، فَقالُوا: فَالدّارُ الْجَنَّةُ، وَالدّاعِي مُحَمَّدٌ وَّهِ، فَمَنْ أطاعَ مُحَمَّدًا وَّرِ فَقَدْ أطاعَ الله، وَمَنْ عَصى مُحَمَّدًا وَّهِ فَقَدْ عَصَّى الله، وَمُحَمَّدٌ فَرَّقَ بَيْنَ النّاسِ. تابَعَهُ قُتَيْبَةُ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ خالِدٍ عَنْ سَعيدٍ بْنِ أبِي هِلالٍ، عَنْ جَابِرٍ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ◌َِّ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبادة) بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة الواسطي واسم جده البختري بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح الفوقية وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر سبق في الأدب ومن عداه في الصحيحين فبضم العين قال: (أخبرنا يزيد) بن هارون قال: (حدّثنا سليم بن حيان) بفتح السين المهملة وكسر اللام بوزن عظيم وفي الفرع مكتوب على كشط سليمان، وكذا في اليونينية بزيادة ألف ونون وضم النون وكذا هو في عدة نسخ وهو سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر الكوفي والذي في فتح الباري وعمدة القارىء والكواكب سليم وحيان بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية الهذلي البصري قال محمد بن عبادة: (وأثنى عليه) يزيد بن هارون ٢٣٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٢ خيرًا قال: (حدّثنا سعيد بن ميناء) بكسر الميم وسكون التحتية بعدها نون فهمزة ممدودًا أبو الوليد قال: (حدّثنا أو) قال (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنهما القائل حدّثنا أو سمعت سعيد بن ميناء والشاك سليم بن حيان شك في أيّ الصيغتين قالها شيخه سعيد ويجوز في جابر الرفع على تقدير حدّثنا والنصب على تقدير سمعت جابرًا (يقول: جاءت ملائكة إلى النبي ◌َ ﴿ وهو نائم) ذكر منهم الترمذي في جامعه اثنين جبريل وميكائيل، فيحتمل أن يكون مع كل واحد منهما غيره أو اقتصر فيه على من باشر الكلام ابتداءً وجوابًا. وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي وحسنه وصححه ابن خزيمة أنه وتر توسد فخذه فرقد وكان إذا نام نفخ قال فبينا أنا قاعد إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض الله أعلم بما بهم من الجمال فجلست طائفة منهم عند رأس رسول الله وَلقر وطائفة منهم عن رجليه (فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان) قال الرامهرمزي: هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره، وقال البيضاوي فيما حكاه في شرح المشكاة قول بعضهم إنه نائم الخ مناظرة جرت بينهم بيانًا وتحقيقًا لما أن النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس واستراحة الأبدان (فقالوا: إن لصاحبكم هذا) يعنون النبي وَلتر (مثلاً فاضربوا له مثلاً فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا مثله) عليه الصلاة والسلام (كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة) بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الدال وفتحها بعدها موحدة مفتوحة فهاء تأنيث وقيل بالضم الوليمة وبالفتح أدب الله الذي أدّب به عباده وحينئذٍ فيتعين الضم هنا (وبعث داعيًا) يدعو الناس إليها (فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة). وفي حديث ابن مسعود عند أحمد بنى بنيانًا حصينًا ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه ومن لم يجبه عاقبه (فقالوا: أولوها) بكسر الواو المشددة أي فسروا الحكاية أو التمثيل (له) وَّر (يفقهها) مَن أوّل تأويلاً إذا فسر الشيء بما يؤول إليه والتأويل في اصطلاح العلماء تفسير اللفظ بما يحتمله احتمالاً غير بيّن (فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان) كرر فقال بعضهم إنه نائم الخ ثلاث مرات (فقالوا فالدار) الممثل بها (الجنة والداعي محمد نَّد) وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإسلام، وأما الطعام فهو الجنة ومحمد الداعي فمن اتبعه كان في الجنة (فمن أطاع محمدًا وَلقر فقد أطاع الله) لأنه رسول الله صاحب المأدبة فمن أجابه ودخل في دعوته أكل من المأدبة (ومن عصى محمدًا وَّ﴿ فقد عصى الله). فإن قلت: التشبيه يقتضي أن يكون مثل الباني هو مثل النبي ◌ِّر حيث قال مثله كمثل رجل بنى دارًا لا مثل الداعي. وأجاب في شرح المشكاة فقال قوله: مثله كمثل رجل مطّلع للتشبيه وهو ينبىء عن أن هذا ليس من التشبيهات المفرقة كقول امرىء القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي ٢٣٩ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٢ شبه القلوب الرطبة بالعناب واليابسة بالحشف على التفريق بل هو من التمثيل الذي ينتزع فيه الوجه من أمور متعددة متوهمة منضم بعضها مع بعض إذ لو أريد التفريق لقيل مثله كمثل داع بعثه رجل، ومن ثم قدمت في التأويل الدار على الداعي وعلى المضيف روعي في التأويل أدب حسن حيث لم يصرح المشبه بالرجل لكنه لمح في قوله من أطاع الله إلى ما يدل على أن المشبه من هو قال الطيبي، وتحريره، أن الملائكة مثلوا سبق رحمة الله تعالى على العالمين بإرساله الرحمة المهداة إلى الخلق كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ثم إعداده الجنة للخلق ودعوته ويلقول إياهم إلى الجنة ونعيمها وبهجتها ثم إرشاده الخلق بسلوك الطريق إليها واتباعهم إياه بالاعتصام بالكتاب والسُّنّة المدليين إلى العالم السفلي فكأن الناس واقعون في مهواة طبيعتهم ومشتغلون بشهواتها وإن الله يريد بلطفه رفعهم فأدلى حبلي القرآن والسُّنّة إليهم ليخلصهم من تلك الورطة فمن تمسك بهما نجا وحصل في الفردوس الأعلى والجناب الأقدس عند مليك مقتدر ومن أخلد إلى الأرض هلك وأضاع نفسه من رحمة الله تعالى بحال مضيف كريم بنى دارًا وجعل فيها من أنواع الأطعمة المستلذة والأشربة المستعذبة ما لا يحصى ولا يوصف ثم بعث داعيًا إلى الناس يدعوهم إلى الضيافة إكرامًا لهم فمن اتبع الداعي نال من تلك الكرامة ومن لم يتبع حرم منها ثم إنهم وضعوا مكان حلول سخط الله بهم ونزول العقاب السرمدي عليهم، قولهم: لم ندخل الدار ولم نأكل من المأدبة لأن فاتحة الكلام سيقت لبيان سبق الرحمة على الغضب فلم يطابق أن لو ختم بما يصرح بالعقاب والغضب فجاؤوا بما يدل على المراد على سبيل الكناية. (ومحمد) وَّ (فرّق) بتشديد الراء فارق ولغير أبي ذر فرق بسكونها على المصدر وصف به للمبالغة أي الفارق (بين الناس) المؤمن الكافر والصالح والطالح إذ به تميزت الأعمال والعمال وهذا كالتذليل للكلام السابق لأنه مشتمل على معناه ومؤكد له وفيه إيقاظ للسامعين من رقدة الغفلة وحث على الاعتصام بالكتاب والسُّنّة والإعراض عما يخالفهما. (تابعه) أي تابع محمد بن عبادة (قتيبة) بن سعيد (عن ليث) هو ابن سعد (عن خالد) أبي عبد الرحيم بن يزيد المصري (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي المدني (عن جابر) الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: (خرج علينا النبي ◌َّه) وصله الترمذي بلفظ خرج علينا النبي وَّهِ يومًا فقال: (إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلاً فقال اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا ثم بنى فيها بناء، ثم جعل فيها مائدة ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة. وأنت يا محمد رسول الله من أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل مما فيها)). قال الترمذي: وهو حديث مرسل لأن سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابرًا. قال في الفتح: يريد أنه منقطع بين سعيد وجابر، وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني بنحو سياقه وسنده جيد، وأورده المؤلف لرفع توهم من ظن أن طريق سعيد بن ميناء موقوف. ٢٤٠ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٢ ٧٢٨٢ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبراهيمَ، عَنْ هَمّامٍ عَنْ حُذَيْفَةً قالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَعيدًا، فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمينًا وَشِمالاً لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلالاً بعيدًا. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن همام) هو ابن الحارث (عن حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه أنه (قال: يا معشر القراء) بضم القاف وتشديد الراء مهموزًا جمع قارىء، والمراد العلماء بالقرآن والسُّنّة العباد (استقيموا) اسلكوا طريق الاستقامة بأن تتمسكوا بأمر الله فعلاً وتركًا (فقد سبقتم) بضم السين وكسر الموحدة مصححًا عليه في الفرع كأصله مبنيًّا للمفعول أي لازموا الكتاب والسُّنّة فإنكم مسبوقون (سبقًا بعيدًا) أي ظاهرًا ووصفه بالبعد لأنه غاية شأو المتسابقين، ولأبي ذر: سبقتم بفتح السين والموحدة. قال في الفتح: وبه جزم ابن التين وهو المعتمد، وزاد محمد بن يحيى الذهلي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه، فإن استقمتم فقد سبقتم أخرجه أبو نعيم في مستخرجه وخاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام، فإذا تمسك بالكتاب والسُّنّة سبق إلى كل لأن من جاء بعده إن عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام وإلا فهو أبعد منه حسًّا وحكمًا (فإن) خالفتم الأمر (أخذتم يمينًا وشمالاً) عن طريق الاستقامة (لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: استقيموا لأن الاستقامة هي الاقتداء بسنن رسول الله وَلّ، وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة. وقال القرطبي أبو محمد: الصراط الطريق الذي هو دين الإسلام وقوله مستقيمًا نصب على الحال والمعنى مستويًا قويمًا لا اعوجاج فيه وقد بيّنه على لسان نبيه وَلَير وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. وعن ابن مسعود قال: خطّ رسول الله وَ﴾ خطًا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا وخطّ عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا﴾ الآية رواه الإمام أحمد. ٧٢٨٣ - حدثنا أبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبي مُوسى عَنٍ النّبِيِّ وَّهِ قالَ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ ما بَعَثَّنِي الله بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمًا فَقالَ: يَا قَوْمِ إِنّي رَأيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُزْيانُ، فَالنَّجاءَ، فَأطاعَهُ طائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا فَأَنْطَلَّقُوا عَلى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَأَجْتَاحَهُمْ فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ أطاعَنِي، فَتْبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصاني وَكَذِّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقّ)).