Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
کتاب الأحكام/ باب ١٧
الأزدي الصحابي ابن الصحابي (ابن أخت نمر) بفتح النون وكسر الميم بعدها راء (ابن حويطب)
بضم الحاء المهملة وفتح الواو وبعد التحتية الساكنة طاء مهملة مكسورة فموحدة (ابن عبد العزى)
بضم العين المهملة وفتح الزاي المشددة الصنم المشهور العامري من مسلمة الفتح المتوفى بالمدينة سنة
أربع وخمسين من الهجرة وله من العمر مائة وعشرون سنة (أخبره أن عبد الله) بن عبد شمس أو
اسم أبيه عمرو (بن السعدي) واسمه وقدان وقيل له السعدي لأنه استرضع في بني سعد (أخبره
أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدّث) بضم الهمزة وفتح الحاء والدال المشددة
المهملتين آخره مثلثة (إنك تلي من أعمال الناس أعمالاً) بفتح الهمزة ولايات كإمرة وقضاء (فإذا
أعطيت العمالة) بضم العين أجرة العمل وبفتحها نفس العمل (كرهتها فقلت) له: (بلى) وفي
الجزء الثالث من فوائد أبي بكر النيسابوري من طريق الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال:
قدمت على عمر فأرسل إليّ بألف دينار فرددتها وقلت أنا عنها غني (فقال عمر) لي: (ما) ولأبي ذر
فما (تريد إلى ذلك) أي ما غاية قصدك بهذا الرد؟ (قلت) ولأبي الوقت فقلت (إن لي أفراسًا
وأعبدًا) بالموحدة المضمومة جمع عبد ولأبي ذر عن الكشميهني وأعتدا بالفوقية بدل الموحدة جمع
عتيد مالاً مدّخرًا (وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين) تفسير لقوله فما تريد
(قال) لي (عمر: لا تفعل) ذلك الرد (فإني كنت أردت) بالضم (الذي أردت) بالفتح من الردّ
(وكان) وفي اليونينية فكان (رسول الله وَلقر يعطيني العطاء) من المال الذي يقسمه في المصالح
(فأقول) يا رسول الله (أعطه) بقطع الهمزة المفتوحة (أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالاً فقلت
أعطه أفقر إليه مني) وضبب في اليونينية على قوله حتى أعطاني مرة مالاً الخ (فقال النبي) ولأبي
ذر له النبي (مَر):
(خذه فتموّله وتصدّق به) أمر إرشاد على الصحيح وهو يدل على أن التصدق به إنما يكون
بعد القبض لأنه إذا ملك المال وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من التصدق به قبل قبضه لأنه
الذي يحصل بيده هو أحرص مما لم يدخل في يده (فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف)
بضم الميم وسكون المعجمة بعدها راء مكسورة ففاء غير طامع ولا ناظر إليه (ولا سائل) ولا طالب
له (فخذه) ولا تردّه (وإلا فلا تتبعه نفسك) بضم الفوقية الأولى وسكون الثانية وكسر الموحدة
وسكون العين أي إن لم يجىء إليك فلا تطلبه بل اتركه إلا لضرورة، والأصح تحريم الطلب على
القادر على الكسب، وقيل يباح بشرط أن لا يذل نفسه ولا يلح في الطلب ولا يؤذي المسؤول،
فإن فقد شرط من هذه الثلاثة حرم اتفاقًا .
وهذا الحديث فيه أربعة من الصحابة، وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود في الزكاة.
٧١٦٤ - ومن الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَني سالِمُ بْنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ
عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أعْطِهِ أفْقَرَ إلَيْهِ مِنّي، حَتّى أعْطاني مَرَّةً مالاً

١٢٢
كتاب الأحكام/ باب ١٨
فَقُلْتُ: أعْطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَما جاءَكَ مِنْ هذا
الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سائِلٍ فَخُذْهُ، وَما لا فَلاَ تُتْبِعُهُ نَفْسَكَ)).
(وعن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب بالسند السابق أنه (قال: حدّثني) بالإفراد
(سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر قال: سمعت عمر) رضي الله عنه زاد أبو ذر ابن
الخطاب (يقول: كان النبي ◌َ ﴿ يعطيني العطاء فأقول أعطه) بقطع الهمزة (أفقر إليه مني حتى
أعطاني مرة مالاً فقلت) له يا رسول الله (أعطه من) أي الذي (هو أفقر إليه مني). قال في
الكواكب: فصل بين أفعل وبين كلمة من لأن الفاصل ليس أجنبيًّا بل هو ألصق به من الصلة لأنه
محتاج إليه بحسب جوهر اللفظ والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة (فقال النبي (وَ (9):
(خذه فتموّله وتصدق به) على مستحقه. قال ابن بطال: أشار ◌َ ﴿ على عمر بالأفضل لأنه
وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه على نفسه من هو أفقر إليه فإن أخذه للعطاء ومباشرته الصدقة
بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على عظم فضل الصدقة بعد التموّل لما في النفوس من الشح على
المال (فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف) ناظر إليه (ولا سائل) له (فخذه وما لا فلا تتبعه
نفسك) وزاد سالم في رواية مسلم فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا ولا يرد شيئًا
أُعطيه.
قال في الفتح: وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يرد ما فيه شبهة، وقد ثبت أنه كان يقبل
هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله بن الزبير
وأقام أميرًا عليها مدة في غير طاعة خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من المال على ما يراه، ومع
ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه وكان مستنده أن له حقًّا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية
يصل إليه أو كان يرى أن الشَّبِعَة على الآخذ الأول وأن للمعطي المذكور مالاً أخّر في الجملة وحقًّا
في المال المذكور، فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله ما أتاك من هذا
المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه فرأى أنه لا يستثنى من ذلك إلا ما كان حرامًا محضًا اهـ.
١٨ - باب مَنْ قَضِى وَلاعَنَ فِي الْمَسْجِدِ
وَلا عَنَ عُمَرُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ وَّهَ وَقَضِى شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَيَخْيِى بْنُ يَعْمَرَ فِي الْمَسْجِدِ،
وَقَضِى مَرْوانُ عَلى زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَزُرارَةُ بْنُ أوْفی یَقْضِیانٍ فِي
الرَّحْبَةِ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ.
(باب من قضى) في المسجد (ولاعن) حكم بإيقاع التلاعن بين الزوجين (في المسجد)
والظرف يتعلق بالقضاء والتلاعن فهو من باب تنازع الفعلين أو يتعلق بقضى لدخول لاعن فيه
فإنه من عطف الخاص على العام.

١٢٣
كتاب الأحكام/ باب ١٨
(ولاعن) أي: وقضى بالتلاعن بين الزوجين (عمر) في المسجد (عند منبر النبي وَّةٍ) مبالغة
في التغليظ.
(وقضى شريح) القاضي فيما وصله ابن أبي شيبة (و) كذا قضى (الشعبي) عامر بن شراحيل
فيما وصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في جامع سفيان (ويحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم
فيما وصله ابن أبي شيبة الثلاثة (في المسجد) وکان قضاء الشعبي جلد يهودي.
(وقضى مروان) بن الحكم (على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر) ولأبي ذر عن الكشميهني
على المنبر.
وهذا طرف من أثر سبق في الشهادات.
(وكان الحسن) البصري (وزرارة) بضم الزاي بعدها راءان بينهما ألف (ابن أوفى) بفتح
الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة العامري قاضي البصرة فيما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق
المثنى بن سعيد قال رأيتهما (يقضيان في الرحبة) الساحة والمكان يكون (خارجًا من المسجد) ولفظ
ابن أبي شيبة يقضيان في المسجد، والراجح أن الرحبة حكم المسجد فيصح فيها الاعتكاف وهي
في الفرع بسكون الحاء وفي غيره بفتحها فالتي بسكونها مدينة مشهورة. قال في الفتح: والذي
يظهر من مجموع هذه الآثار أن المراد بالرحبة هنا الرحبة المنسوبة للمسجد.
٧١٦٥ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيانُ قالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ:
شَهِدْتُ الْمُتَلاعِنَيْنِ وَأنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فُرِّقَ بَيْنَهُما.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال الزهري)
محمد بن مسلم: (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين فيهما الساعدي الأنصاري رضي الله
عنه أنه (قال: شهدت) حضرت (المتلاعنين) بفتح النون عويمرًا وخولة بنت قيس (وأنا ابن خمس
عشرة فرق بينهما) بضم الفاء وكسر الراء مشددة ولأبي ذر عن الكشميهني خمس عشرة سنة وفرق
بینھما.
والحديث أخرجه في اللعان مطوّلاً .
٧١٦٦ - حدّثنا يَحْيِىُ، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجِ، أخْبَرَنِي ابْنُ شِهابٍ، عَنْ
سَهْلٍ أخي بَني ساعِدَةً أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ جاءَ إلَى النَّبِيِّ وَ فَقَالَ: أَرَأيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ
آَمْرَأْتِهِ رَجُلاً أيَقْتُلُهُ؟ فَتَلاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شاهِدٌ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن جعفر بن أعين البيكندي أو هو يحيى بن موسى بن عبد ربه
المشهور بخت قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن
عبد العزيز أبو الوليد وأبو خالد القرشي مولاهم المكي الفقيه أحد الأعلام قال: (أخبرني) بالإفراد

١٢٤
كتاب الأحكام/ باب ١٩
(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سهل) أي ابن سعد (أخي بني ساعدة) أي واحد منهم
وساعدة ينسب إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج (أن رجلاً من الأنصار) اسمه عويمر (جاء إلى
النبي ﴿ فقال): يا رسول الله (أرأيت رجلاً) الهمزة للاستفهام ورأيت العلمية بمعنى أخبرني
ولذلك يجوز في الهمزة من رأيت التسهيل قال:
أريت إن جاءت به أملودا مرجلاً ويلبس البرودا
قال في المجيد: ونص سيبويه والأخفش والفراء والفارسي وابن كيسان وغيرهم على أن
أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني وهو تفسير معنوي قالوا: فتقول العرب أرأيت زيدًا ما صنع فيلزم
المفعول الأوّل النصب، ولا يرفع على تعليق أرأيت لأنها بمعنى أخبرني وأخبرني لا تعلق، والجملة
الاستفهامية في موضع المفعول الثاني بخلافها إذا كانت بمعنى علمت فيجوز تعليقها أي: أخبرني
عن رجل (وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد) فيه جواز اللعان في المسجد
وإن كان الأولى صيانة المسجد، وقد استحب القضاء في المسجد طائفة. وقال مالك هو الأمر
القديم لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان
الاحتجاب وكرهت ذلك طائفة. وقال إمامنا الشافعي: أحب إليّ أن يقضى في غير المسجد.
والحديث سبق مطوّلاً.
١٩ - باب مَنْ حَكَمَ فِي الْمَسْجِدِ حَتّی
إذا أتى عَلى حَدِّ أمَرَ أنْ يُخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيُقَامَ
وَقَالَ عُمَرُ: أخْرِ جَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيِّ نَحْوُهُ.
(باب من حكم في المسجد) من غير أن يكره ذلك (حتى إذا أتى على حدّ) من الحدود (أمر
أن يخرج) من استحق الحد (من المسجد) إلى خارجه (فيقام) عليه الحدّ ثَمَّ خوف تأذي مَن بالمسجد
وتعظيمًا للمسجد.
(وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما وصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسند على
شرط الشيخين (أخرجاه) أي الذي وجب عليه الحد (من المسجد) زاد أبو ذر وضربه أي أمر
بضربه .
(ويذكر) بضم أوّله وفتح الكاف بصيغة التمريض (عن علي) هو ابن أبي طالب (نحوه) أي
نحو ما ذكر عن عمر وصله ابن أبي شيبة بسند فيه مقال عن معقل بالعين والقاف بلفظ: إن رجلاً
جاء إلى علي فسارّه فقال: يا قنبر أخرجه من المسجد فأقم عليه الحد.
٧١٦٧ - هذّثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أبي
سَلَمّةَ وَسَعيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ وَّهَ وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ فَناداهُ
٠

١٢٥
كتاب الأحكام/ باب ١٩
فَقالَ: يَا رَسُولَ الله إنّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أَرْبَعًا قالَ: ((أَبِكَ جُنُونٌ))؟ قالَ:
لا. قالَ: ((أَذْهَبُوا بِهِ فَأَرْجُمُوهُ)). قالَ ابْنُ شِهابٍ: فأخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جابِرَ بْن عَبْدِ الله قالَ: كُنْتُ
فيمَنْ رَجَمَهُ بِالْمُصَلّى.
رَوَاهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهُ فِي
الرَّجْمِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف
المصري قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم
العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن
عبد الرحمن بن عوف (وسعيد بن المسيب) بن حزن الإمام أبي محمد المخزومي سيد التابعين (عن
أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال أتى رجل) اسمه ماعز (رسول الله (وَ ﴿ وهو في المسجد) حال
من رسول الله وجملة (فناداه) عطف على أتى وفاعل فنادى ضمير الرجل وضمير المفعول يعود على
النبي ◌َّ﴾ (فقال: يا رسول الله إني زنيت) مقول للقول واسم المزني بها فاطمة وقيل منيرة وقيل
مهيرة (فأعرض عنه) النبي ◌َّر كراهية سماع ذلك وسترًا له إذ لم يحضر مَن يشهد عليه (فلما
شهد) أي أقر (على نفسه أربعًا قال) له:
(أبك جنون)؟ بهمزة الاستفهام وجنون مبتدأ والمجرور متعلق بالخبر والمسوّغ للابتداء بالنكرة
تقدم الخبر في الظرف وهمزة الاستفهام (قال: لا) ليس بي جنون (قال) صلوات الله وسلامه عليه
(اذهبوا به) من المسجد (فارجموه). لأنه كان محصنًا. وفي رواية أخرى في الحدود قال: ((فهل
أحصنت))؟ قال: نعم والباء في به للتعدية أو الحال أي اذهبوا به مصاحبين له، وإنما أمر بإخراجه
من المسجد لأن الرجم فيه يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يناسب المسجد فلا يلزم من
تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود فليتأمل مع الترجمة. وقد ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في
المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وعند ابن ماجة من حديث واثلة: جنّبوا مساجدكم إقامة
حدودكم الحديث. وربما يخرج من المحدود دم فيتلوّث المسجد وقال مالك: لا بأس بالضرب
بالسياط اليسيرة فإذا كثرت الحدود فخارج المسجد.
(قال ابن شهاب) محمد بن مسلم بالسند المذكور (فأخبرني) بالإفراد (من سمع جابر بن
عبد الله) الأنصاري والذي أخبر ابن شهاب أبو سلمة بن عبد الرحمن كما وقع التنبيه عليه في
الحدود أنه (قال: كنت فيمن رجمه بالمصلى) مكان صلاة العيد والجنائز (رواه) أي الحديث
(يونس) بن يزيد (ومعمر) هو ابن راشد فيما وصله عنهما المؤلف في الحدود (وابن جريج)
عبد الملك مما وصله أيضًا فيه الثلاثة (عن الزهري عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن جابر عن
النبي ◌َّ﴿ في الرجم) فخالفوا عقيلاً في الصحابي فإنه جعل أصل الحديث من رواية أبي سلمة عن
أبي هريرة وهؤلاء جعلوه من رواية جابر.

١٢٦
کتاب الأحكام/ باب ٢٠
٢٠ - باب مَوْعِظَةِ الإمام لِلْخُصُومِ
(باب موعظة الإمام للخصوم) عند الدعوى.
٧١٦٩ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبيهِ عَنْ زَيْتَبَ ابْنَةِ أبي
سَلَمَةَ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ الله عَنْها أنَّ رَسُولَ اللهِِّ قالَ: ((إنَّما أَنَا بَشَرٌ، وإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ،
وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضي نَحْوَ ما أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ أخيهِ
شَيْئًا فَلا يأْخُذْهُ فَإِنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ النّار)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب أبو عبد الرحمن الحارثي القعنبي (عن مالك)
الإمام الأعظم (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي سلمة عن
أم سلمة) هند أم المؤمنين (رضي الله عنها أن رسول الله وَخرِ قال):
(إنما أنا) بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم (بشر) لا بالنسبة إلى كل شيء فإن له والده
أوصافًا أُخر والحصر مجازي لأنه حصر خاص أي باعتبار علم البواطن ومعلوم أنه بَّ بشر وإنما
قال ذلك توطئة لقوله (وإنكم تختصمون إلى) بتشديد الياء فلا أعلم بواطن أموركم كما هو مقتضى
أصل الخلقة البشرية (ولعل بعضكم أن يكون ألحن) بالحاء المهملة أبلغ في الإتيان (بحجته من
بعض) وهو كاذب (فأقضي) أي له بسبب كونه ألحن بحجته (نحو ما أسمع) منه، ولأبي ذر عن
الحموي على نحو ما أسمع (فمن قضيت له بحق أخيه) أي المسلم وكذا الذمي ومن في قوله فمن
قضيت شرطية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من حق أخيه (شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له
قطعة من النار). أي فإنما أقضي له بشيء حرام يؤول إلى النار كما قال تعالى: ﴿إنما يأكلون في
بطونهم نارًا﴾ [النساء: ١٠] وفيه أنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم بواطن الأمور إلا أن يطلعه الله
على ذلك وأنه يحكم بالظاهر، ولم يطلعه الله تعالى على حقيقة الأمر في ذلك حتى لا يحتاج إلى بيّنة
ويمين تعليمًا لتقتدي به أمته فإنه لو حكم في القضايا بيقينه الحاصل من الغيب لما أمكن الحكم
لأمته من بعده، ولما كان الحكم بعده مما لا بدّ منه أجرى أحكامه على الظاهر وأمر أمته بالاقتداء
به فإذا حكم بما يخالف الباطن لا يجوز للمقضي له أخذ ما قضي له به وفيه دلالة على صحة
مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الأمصار أن حكم الحاكم إنما ينفذ ظاهرًا لا باطنًا،
وأنه لا يحل حرامًا ولا يحرّم حلالاً بخلاف أبي حنيفة حيث قال: إن حكمه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في
العقود والفسوخ وسيكون لنا عودة إلى مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في باب من قضي له بحق
أخيه فلا يأخذه بعون الله سبحانه.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة فينبغي للحاكم أن يعظ الخصمين ويحذرهما من الظلم وطلب
الباطل اقتداء به ◌َايلغى .
قال في الفتح: وفي الحديث أن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين

١٢٧
كتاب الأحكام/ باب ٢١
الباطل في صورة الحق وعكسه مذموم ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم، وإنما يذم من
ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق فالبلاغة إذًا لا تذم لذاتها وإنما تذم بحسب المتعلق
الذي قد يمدح بسببه وهي في حدّ ذاتها ممدوحة، وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها
الإعجاب وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح فإن البلاغة
إنما تذم من هذه الحيثية بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجية عنها، ولا فرق في ذلك بين
البلاغة وغيرها، بل كل فطنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها وقد تذم أو تمدح بحسب
متعلقها. واختلف في تعريف البلاغة فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، وقيل إيصال
المعنى إلى الغير بأحسن لفظ أو هي الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار، أو هي قليل لا
يبهم وكثير لا يسأم، أو هي إجمال اللفظ واتساع المعنى، وقيل هي النطق في موضعه والسكوت
في موضعه، وهذا كله عن المتقدمين. وعرّف أهل المعاني والبيان البلاغة بأنها مطابقة الكلام
لمقتضى الحال مع الفصاحة وهي خلوّه من التعقيد.
٢١ - باب الشّهادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحاكِم
في وِلايَتِهِ الْقَضاءَ أوْ قَبْلَ ذلِكَ لِلْخَضْمِ
وَقال شُرَيْحٌ الْقاضي: وَسَأَلَهُ إِنْسانُ الشَّهادَةَ فَقالَ: أَثْتِ الأميرَ حَتّى أَشْهَدَ لَكَ وَقالَ
عِكْرِمَةُ: قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ لَوْ رَأيْتَ رَجُلاً عَلى حَدْ زِنًا أوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أميرٌ فَقالَ:
شَهادَتُكَ شَهادَةُ رَجُلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قالَ: صَدَقْتَ قالَ عُمَرُ: لَوْلا أنْ يَقُولَ النّاسُ زادَ عُمَرُ فِي
كِتَابِ الله لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي وَأَقَرَّ ماعِزْ عِنْدَ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ بِالزُّنَا أَرْبَعًا فَأمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّ
النَّبِيَّ نَّهِ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ وَقَالَ حَمَّدٌ: إذا أقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الْحَاكِم رُجِمَ وَقَالَ الْحَكْمُ: أَرْبَعًا.
(باب) حكم (الشهادة) التي (تكون عند الحاكم في) زمان (ولايته القضاء) ولأبي ذر في
ولاية القضاء (أو قبل ذلك) أي قبل ولايته القضاء (للخصم) متعلق بالشهادة أي للخصم الذي هو
أحد الخصمين فهل يقضي له على خصمه لعلمه بذلك أو يشهد له عند قاض آخر.
(وقال شريح القاضي وسأله إنسان الشهادة) على شيء كان أشهده عليه ثم جاء فخاصم إليه
(فقال) له شريح ولأبي ذر قال: (ائت الأمير حتى أشهد لك) عليه عنده ولم يحكم فيها بعلمه.
وهذا وصله سفيان الثوري في جامعه عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي عنه ولم يسم الأمير.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس رضي الله عنهما فيما وصله الثوري أيضًا وابن أبي شيبة
عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة (قال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (لعبد الرحمن بن عوف)
رضي الله عنه وكان عند عمر شهادة في آية الرجم وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً
من الله أنها من القرآن فلم يلحقها في المصحف بشهادته وحده (لو رأيت رجلاً) بفتح التاء (على

١٢٨
کتاب الأحكام/ باب ٢١
حدّ زنًا أو سرقة وأنت أمير) أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا حتى يشهد معي غيري (فقال) عمر
لعبد الرحمن (شهادتك شهادة رجل) واحد (من المسلمين. قال: صدقت. قال عمر) رضي الله
عنه مفصحًا بالعلة لكونه لم يلحق آية الرجم بالمصحف بمجرّد علمه وحده (لولا أن يقول الناس
زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي) في المصحف، فأشار إلى أن ذلك من قطع الذرائع
لئلا يجد حكام السوء سبيلاً إلى أن يدّعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشيء. وقوله قال عمر هو
طرف من حديث أخرجه مالك في موطئه وعكرمة لم يدرك عبد الرحمن بن عوف فضلاً عن عمر
فهو منقطع.
(وأقرّ ماعز عند النبي ◌َلي بالزنا أربعًا) أي أقر أربع مرات (فأمر برجمه) بإقراره (ولم يذكر)
بضم التحتية وفتح الكاف (أن النبي وَلاغير أشهد) على ماعز (من حضره) وقد سبق موصولاً في غير
ما موضع وأشار به إلى الردّ على من قال لا يقضي بإقرار الخصم حتى يدعو شاهدين يحضران
إقراره .
(وقال حماد) هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة (إذا أقر) زان (مرة) واحدة (عند الحاكم رجم)
بغير بيّنة ولا إقرار أربعًا. (وقال الحكم) بفتحتين ابن عتيبة فقيه الكوفة أيضًا لا يرجم حتى يقر
(أربعًا) وصل القولين ابن أبي شيبة من طريق شعبة.
٧١٧٠ - حدّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ مَوْلى
أبِي قَتَادَةً أنَّ أبا قَتَادَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمَ حُنَيْنِ: ((مَنْ لَهُ بَيْنَةٌ عَلى قَتِيلِ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ)»
فَقُمْتُ لِأَلْتَمِسَ بَيْنَةً عَلى قَتِيلِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لي، فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدا لِي فَذَكَرْتُ أمْرَهُ إلى رَسُولٍ
اللهِ وَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسائِهِ: سِلاحُ هذَا الْقَتيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي قَالَ: فَأَرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو
بَكْرٍ: كَلاَ لا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ الله يُقاتِلُ عَنِ الله وَرَسُولِهِ قَالَ: فَأَمَرَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فَأَشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرافًا، فَكَانَ أوَّلَ مالٍ تَأَثَّلْتُهُ قَالَ عَبْدُ الله: عَنِ اللَّيْثِ فَقَامَ
النَّبِيُّ ◌َِّ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ وَقَالَ أهْلُ الْحِجازِ: الْحَاكِمُ لا يَقْضِي بِعِلْمِهِ شَهِدَ بِذلِكَ فِي وِلايَتِهِ أَوْ قَبْلَها،
وَلَوْ أَقَرَّ خَضْمٌ عِنْدَهُ لَآخَرَ بِحَقِّ فِي مَجْلِسِ الْقَضاءِ فَإِنَّهُ لا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتّى يَدْعُوَ
بِشاهِدَيْنِ، فَيُحْضِرَهُما إِقْرَارَهُ وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِراقِ: ما سَمِعَ أوْ رَآهُ في مَجْلِسِ الْقَضاءِ قَضى بِهِ
وَمَا كانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إلاَّ بِشاهِدَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ يَقْضِي بِهِ لأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنَّما يُرادُ
مِنَ الشّهادَةِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنَ الشّهادَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضي بِعِلْمِهِ فِي الأَمْوالِ وَلا
يَقْضِي فِي غَيْرِها وَقَالَ الْقاسِمُ: لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أنْ يُمْضِيَ قَضاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمٍ غَيْرِهِ مَعَ أنَّ
عِلْمَهُ أكْثَرُ مِنْ شَهادَةٍ غَيْرِهِ وَلكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِيقاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ
وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الظَّنَّ فَقالَ: (إنَّما هذِهِ صَفِيَّةُ)).

١٢٩
كتاب الأحكام/ باب ٢١
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) إمام أهل مصر ولأبي ذر الليث بن
سعد (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن عمر) بضم العين (ابن كثير) بالمثلثة مولى أبي أيوب
الأنصاري (عن أبي محمد) نافع (مولى أبي قتادة أن أبا قتادة) الحارث الأنصاري الخزرجي رضي الله
عنه (قال: قال رسول الله وَ﴿ يوم حنين) بضم الحاء المهملة ونونين أولاهما مفتوحة بينهما تحتية
ساکنة :
(من له بينة على قتيل قتله فله سلبه) بفتح السين المهملة واللام بعدها موحدة ما معه من
المال من الثياب والأسلحة وغيرهما قال أبو قتادة (فقمت لألتمس) لأطلب (بينة على قتيل) قتلته
ولأبي ذر على قتيلي بتحتية ساكنة بعد اللام (فلم أر أحدًا يشهد لي) على قتله (فجلست ثم بدا لي
فذكرت أمره إلى رسول الله وَل﴿ فقال رجل من جلسائه): لم يسم أو هو أسود بن خزاعي الأسلمي
كما عند الواقدي (سلاح هذا القتيل الذي يذكر) أبو قتادة (عندي) وفي الخمس من الجهاد فقال
رجل صدق يا رسول الله وسلبه عندي (قال) وَليجوز للرجل (فأرضه منه) بقطع الهمزة وكسر الهاء
ولأبي ذر عن الكشميهني مني (فقال أبو بكر) الصديق رضي الله عنه: (كلا) كلمة ردع (لا يعطه)
بضم التحتية وكسر الطاء المهملة والهاء أبو قتادة (أصيبغ من قريش) بضم الهمزة وفتح الصاد
المهملة وبعد التحتية الساكنة موحدة مكسورة فغين معجمة منصوب مفعول ثان ليعطه نوع من
الطير ونبات ضعيف كالثمام، ولأبي ذر أضيبع بالضاد المعجمة والعين المهملة المنصوبة المنوّنة في
اليونينية تصغير الضبع (ويدع أسدًا من أسد الله) بضم الهمزة وسكون السين المهملة وكأنه لما عظم
أبا قتادة بأنه أسد من أسد الله صغر ذاك القرشي وشبهه بالأضيبع لضعف افتراسه بالنسبة إلى
الأسد (يقاتل عن الله ورسوله) في موضع نصب صفة أسدًا (قال) أبو قتادة (فأمر رسول الله(وَله)
الرجل الذي عنده السلب ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فقام رسول الله وَلهير وللأصيلي وأبي ذر
عن الكشميهني فحكم رسول الله وَليل أي أن السلب لي (فأدّاه إلي) بتشديد الياء فأخذته فبعته من
حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواق (فاشتريت منه خرافًا) بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء مخففة وبعد
الألف فاء بستانًا (فكان) هو (أول مال تأثلته) بمثلثة مشددة اتخذته أصل المال واقتنيته وإنما
حكم وير بذلك مع طلبه أولاً البيئة لأن الخصم اعترف مع أنه المال لرسول الله وَلهل يعطيه من
يشاء .
والحديث سبق في البيوع والخمس.
قال المؤلف: (قال عبد الله) بن صالح كاتب الليث بن سعد وللكشميهني قال لي عبد الله
(عن الليث) بن سعد الإمام (فقام النبي ◌َّي فأداه) أي السلب (إلّ) بتشديد الياء وفيه تنبيه على أن
رواية قتيبة لو كانت فقام لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنى قال بعضهم: وليس في
إقرار ماعز عنده ول# ولا حكمه بالرجم دون أن يشهد من حضره ولا في إعطائه السلب لأبي
قتادة حجة للقضاء بالعلم لأن ماعزّا إنما أقرّ بحضرة الصحابة، إذ من المعلوم أنه وَلّو لا يقعد
إرشاد الساري/ ج ١٥ / م ٩

١٣٠
كتاب الأحكام/ باب ٢١
وحده فلم يحتج ◌ّر أن يشهدهم على إقراره لسماعهم منه ذلك وكذلك قصة أبي قتادة.
(وقال أهل الحجاز): مالك ومن تبعه في ذلك (الحاكم لا يقضي بعلمه شهد بذلك في)
وقت (ولايته أو قبلها) لوجود التهمة ولو فتح هذا الباب لوجد قاضي السوء سبيلاً إلى قتل عدوّه
وتفسيقه والتفريق بينه وبين من يحبه ومن ثم قال الشافعي لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن
يحكم بعلمه (ولو أقرّ خصم عنده) عند الحاكم (لآخر بحق في مجلس القضاء فإنه لا يقضي عليه)
بفتح التحتية وكسر الضاد المعجمة (في قول بعضهم حتى يدعو) الحاكم (بشاهدين فيحضرهما
إقراره) أي إقرار الخصم وهذا قول ابن القاسم وأشهب.
(وقال بعض أهل العراق): أبو حنيفة ومن تبعه (ما سمع) القاضي (أو رآه في مجلس القضاء
قضى به وما كان غيره) غير مجلس القضاء (لم يقض) فيه (إلا بشاهدين) يحضرهما إقراره ووافقهم
مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية. (وقال آخرون منهم) من أهل العراق أبو
يوسف ومن تبعه (بل يقضي به) بدون شاهدين (لأنه مؤتمن) بفتح الميم الثانية (وإنما) ولأبي ذر
عن الكشميهني وأنه (يراد من الشهادة معرفة الحق فعلمه أكثر من الشهادة) أكثر بالمثلثة (وقال
بعضهم) أي بعض أهل العراق (يقضي) القاضي (بعلمه في الأموال ولا يقضي) بعلمه (في غيرها)
فلو رأى رجلاً يزني مثلاً لم يقض بعلمه حتى تكون بيّنة تشهد بذلك عنده وهو منقول عن أبي
حنيفة وأبي يوسف.
(وقال القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم لأنه إذا أطلق يكون المراد، لكن
رأيت في هامش فرع اليونينية وأصلها أنه ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فيما قاله أبو ذر
الحافظ. وقال في الفتح: كنت أظنه ابن محمد بن أبي بكر لأنه إذا أطلق في الفروع الفقهية
انصرف الذهن إليه، لكن رأيت في رواية عن أبي ذر أنه ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
فإن كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة في هذا الحكم وتعقبه العيني
فقال: الكلام في صحة رواية أبي ذر على أن هذه المسألة فقهية وحيثما أطلق فالمراد به ابن
محمد بن أبي بكر، ولئن سلمنا صحة رواية أبي ذر فإطباق الفقهاء على أنه إذا أطلق يراد به ابن
محمد بن أبي بكر أرجح من كلام غيرهم كذا قال فليتأمل. ومقول قول القاسم (لا ينبغي للحاكم
أن يمضي) بضم التحتية وسكون الميم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن يقضي بفتح التحتية
وبالقاف بدل الميم (قضاء بعلمه دون علم غيره مع أن علمه أكثر) بالمثلثة (من شهادة غيره ولكنّ)
بتشديد النون (فيه) أي في القضاء بعلمه دون بيّنة (تعرضًا لتهمة نفسه عند المسلمين وإيقاعًا لهم في
الظنون) الفاسدة به وإيقاعًا نصب عطفًا على تعرضًا، ولأبي الوقت: ولكن بالتخفيف فيه تعرض
بالرفع مبتدأ خبره قوله فيه مقدمًا وإيقاع عطف على تعرض أو نصب على أنه مفعول معه والعامل
فيه متعلق الظرف. (وقد كره النبي ◌َّلتر الظن فقال) في الحديث اللاحق: (إنما هذه صفية).

١٣١
کتاب الأحكام/ باب ٢٢
٧١٧١ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله الأوَيْسِيُّ، حَدَّثَنا إنْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ
شِهابٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ حُسَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ وَ أَتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَلَمّا رَجَعَتِ أَنَّطَلَقَ مَعَها فَمَرَّ بِهِ
رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ فَدَعاهُما فَقالَ: ((إنَّما هِيَ صَفِيَّةُ)) قالا: سُبْحانَ الله قالَ: ((إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْري
مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم)». رَواهُ شُعَيْبٌ وَابْنُ مُسافِرٍ، وَابْنُ أبي عَتيقٍ وَإِسْحُقُ بْنُ يَحْيى عَنٍ
الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلَيِّ يَعْنِ ابْنَ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي) وسقط الأويسي لغير أبي ذر قال:
(حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسقط ابن سعد لغير
أبي ذر (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عليّ بن حسين) بضم الحاء ابن علي بن أبي
طالب الملقب بزين العابدين التابعي (أن النبي وغير أتته صفية بنت حيي) رضي الله عنها وهو
معتكف في المسجد تزوره (فلما رجعت انطلق معها) عليه الصلاة والسلام (فمرّ به رجلان من
الأنصار) لم يسميا (فدعاهما) وَّر (فقال) لهما:
(إنما هي صفية. قالا: سبحان الله) تعجبًا (قال) عليه السلام: (إن الشيطان يجري من ابن
آدم مجرى الدم) يوسوس فخفت أن يوقع في قلوبكما شيئًا من الظن الفاسد فتأثمان فقلته دفعًا
لذلك، وعن الشافعي أنه قال: أشفق عليهما من الكفر لو ظنا به ظن التهمة.
وهذا الحديث مرسل لأن عليًّا تابعي ولذا عقبه المؤلف بقوله (رواه شعيب) بضم الشين ابن
أبي حمزة مما رواه المؤلف في الاعتكاف والأدب (وابن مسافر) هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر
الفهمي مولى الليث بن سعد مما وصله في الصوم وفرض الخمس (وابن أبي عتيق) هو محمد بن
عتيق الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق مما وصله في الاعتكاف (وإسحاق بن
يحيى) الحمصي فيما وصله الذهلي في الزهريات أربعتهم (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن علي
يعني ابن حسين) وسقط لأبي ذر يعني ابن حسين (عن صفية عن النبي ◌َّ). ورواه عن الزهري
أيضًا معمر فاختلف عليه في وصله وإرساله فسبق موصولاً في صفة إبليس ومرسلاً في الخمس.
فإن قلت: ما وجه الاستدلال بحديث صفية على منع الحكم بالعلم؟ أجيب: من كونه وَل
كره أن يقع في قلب الأنصاريين من وسوسة الشيطان شيء فمراعاة نفي التهمة عنه مع عصمته
تقتضي مراعاة نفي التهمة عمن هو دونه.
٢٢ - باب أمْرِ الْوالي إذا
وَجَّهَ أميرَيْنِ إلى مَوْضِعِ أَنْ يَتَطَاوَعا وَلا يَتَعاصَيا
(باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا) بعين وصاد مهملتين
وتحتية. قال في الفتح: ولبعضهم بمعجمتين وموحدة.

١٣٢
کتاب الأحكام/ باب ٢٢
٧١٧٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعيدٍ بْنِ أبِي بُرْدَةً
قالَ: سَمِعْتُ أبي قالَ: بَعَثَ النَّبِيِّ بَّهَ أَبِي وَمُعاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقالَ: ((يَسِّرا وَلا تُعَسِرا،
وَبَشِّرا وَلا تُنَفِّرا، وَتَطاوَعا)) فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسى: إنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا الْبِتْعُ فَقالَ («كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)).
وَقالَ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَوَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةً، عَنْ سَعيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِهِ
عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا
العقدي) بفتح العين والقاف عبد الملك بن عمرو بن قيس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
سعيد بن أبي بردة) بكسر العين في الأول وضم الموحدة وسكون الراء (قال: سمعت أبي) أبا بردة
عامر بن عبد الله أبي موسى الأشعري التابعي (قال: بعث النبي وَلّ أبي) أبا موسى الأشعري
(ومعاذ بن جبل) رضي الله عنهما قاضيين (إلى اليمن) قبل حجة الوداع زاد في بعث أبي موسى
ومعاذ أواخر المغازي وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال: واليمن مخلافان (فقال) وَلّ لهما:
(يسرا) خذا بما فيه اليسر (ولا تعسرأ) والأخذ باليسر عين ترك العسر (وبشرا) بما فيه
تطييب النفوس (ولا تنفرا) وهذا من باب المقابلة المعنوية إذ الحقيقة أن يقال: بشرا ولا تنذرا وآنسا
ولا تنفرا فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والتأنيس والتنفير فهو من باب المقابلة المعنوية قاله في
شرح المشكاة. وسبق في المغازي مزيد لذلك (وتطاوعا) يعني كونا متفقين في الحكم ولا تختلفا
فإن اختلافكما يؤدي إلى اختلاف أتباعكما وحينئذ تقع العداوة والمحاربة بينهم وفيه عدم الحرج
والتضييق في أمور الملة الحنيفية السمحة كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج)
[الحج: ٧٨] (فقال له) أي للنبي وب لير (أبو موسى) رضي الله عنه: يا رسول الله (إنه يصنع
بأرضنا) باليمن (البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقية بعدها عين مهملة نبيذ العسل (فقال) وَل تر:
(كل مسكر حرام).
والحديث مرسل لأن أبا بردة تابعي كما مرّ. والحديث سبق في أواخر المغازي ولكونه
مرسلاً عقبه المؤلف بقوله:
(وقال النضر): بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل المازني (وأبو داود) سليمان بن
داود الطيالسي (ويزيد بن هارون) الواسطي (ووكيع) بكسر الكاف ابن الجراح الأربعة (عن
شعبة) بن الحجاج (عن سعيد) ولأبي ذر زيادة ابن أبي بردة (عن أبيه عن جده) جد أبي سعيد أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه (عن النبي ب98َّ) ورواية الأولين والأخير في أواخر المغازي ورواية
يزيد وصلها أبو عوانة في صحيحه.

١٣٣
کتاب الأحكام/ باب ٢٣ و٢٤
٢٣ - باب إجابَةِ الْحَاكِمِ الدَّغْوَةَ
وَقَدْ أجابَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ عَبْدًا لِلْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةً
(باب إجابة الحاكم الدعوة) بفتح الدال إلى الوليمة وهي الطعام الذي يعمل في العرس.
(وقد أجاب عثمان بن عفان) رضي الله عنه (عبدًا) لم يسم (للمغيرة بن شعبة) دعاه وهو
صائم وقال: أردت أن أجيب الداعي وأدعو بالبركة كذا وصله أبو محمد بن صاعد في زوائد البر
والصلة لابن المبارك بسند صحيح وسقط ابن عفان لغير أبي ذر.
٧١٧٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ أبي
وائِلٍ، عَنْ أبي مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((فُكُوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيّ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن سفيان)
الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن مسلمة (عن
أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (عن النبي (وَلي) أنه (قال):
(فكوا العاني) وهو الأسير في أيدي الكفار (وأجيبوا الداعي) إلى الطعام وظاهره العموم في
العرس وغيره. وفي أبي داود من حديث ابن عمر: إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو
غيره، وبه قال بعض الشافعية وهل الإجابة لوليمة العرس سُنّة أو واجبة؟الصحيح عند الشافعية
أنها سُنّة، وقيل واجبة. فإن قلنا بالوجوب فهل هو عين أو كفاية؟ لكن قال العلماء: لا يجيب
الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما فيه من كسر قلب من لم يجبه إلا إن كان له
عذر في ترك الإجابة كرؤية منكر لا يقدر على إزالته فلو كثرت بحيث يشغله ذلك عن الحكم
الذي تعين عليه ساغ له أن لا يجيب. ونقل ابن بطال عن مالك أنه لا ينبغي للقاضي أن يجيب
الدعوة إلا في الوليمة خاصة وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كلَّ مَن دعاهم.
٢٤ - باب هَدايَا الْعُمَّالِ
(باب) حكم (هدايا العمال) بضم العين وتشديد الميم.
٧١٧٤ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزّهْرِيّ أنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ أخْبَرَنا أَبُو
حُمَيْدِ السَّاعِدِيُّ قالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ وَ رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقالُ لَهُ: ابْنُ الأُتْبِيَّةِ عَلى صَدَقَةٍ:
فَلَمّا قَدِمَ قالَ: هذا لَكُمْ وَهذَا أُهْدِيَ لِي فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َّهَ عَلَى الْمِنْبَرِ قالَ سُفْيانُ أيْضًا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ
فَحَمِدَ اللَّهَ وَأثْنِى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ((ما بالُ الْعامِلِ نَبْعَتُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هذا لَكَ وَهذا لِي، فَهِلاَّ جَلَسَ
فِي بَيْتِ أبيهِ وَأُمْهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أمْ لا. وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إلاّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ

١٣٤
کتاب الأحكام/ باب ٢٤
يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إنْ كانَ بَعيرًا لَهُ رُغاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَها جُوارٌ، أوْ شاةً تَيْعَرُ) ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتّى
رَأيْنا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ((ألا هَلْ بَلَّغْتُ)) ثَلاثًا.
قالَ سُفْيَانُ: قَصَّهُ عَلَيْنا الزُّهْرِيُّ وَزادَ هِشامٌ عَنْ أبيهِ، عَنْ أبِي حُمَيْدٍ قالَ: سَمِعَ أُذُنائيّ
وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِي وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِي، وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ سَمِعَ أُذُنِي. خُوارٌ: صَوْتٌ
وَالْجُوْارُ مِنْ تَجْأْرُونَ كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري)
محمد بن مسلم (أنه سمع عروة) بن الزبير يقول (أخبرنا أبو حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم
عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي) رضي الله عنه أنه (قال: استعمل النبي ◌ِ ◌ّ رجلاً من بني أسد)
وللأصيلي من بني الأسد بالألف واللام وفتح السين فيهما في الفرع والذي في الأصل السكون
فيهما. وقال في الفتح: قوله رجلاً من أسد بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكذا وقع هنا
وهو يوهم أنه بفتح السين نسبة إلى بني أسد بن خزيمة القبيلة المشهورة أو إلى بني أسد بن
عبد العزى بطن من قريش وليس كذلك قال: وإنما قلت إنه يوهمه لأن الأزد ملازمة الألف
واللام في الاستعمال اسمًا وانتسابًا بخلاف بني أسد فبغير ألف ولام في الاسم وللأصيلي هنا
بزيادة الألف واللام، ولا إشكال فيها مع سكون السين. وفي الهبة استعمل رجلاً من الأزد أي
بالزاي، وذكر أن أصحاب الأنساب ذكروا أن في الأزد بطئًا يقال لهم بنو الأسد بالتحريك
ينسبون إلى أسد بن شريك بالمعجمة مصغرًا ابن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم وبنو فهم بطن
شهير من الأزد، فيحتمل أن يكون ابن الأتبية كان منهم فيصح أن يقال فيه الأزدي بسكون الزاي
والأسدي بسكون السين وفتحها من بني أسد بفتح السين ومن بني الأزد والأسد بالسكون فيهما
لا غير اهـ.
والرجل (يقال له ابن الأتبية) بضم الهمزة وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد
التحتية قيل هو اسم أمه واسمه عبد الله فيما ذكره ابن سعد وغيره (على صدقة) أي صدقات بني
سليم كما سبق في الزكاة. وقال العسكري: إنه بعث على صدقات بني ذبيان فلعله كان على
القبيلتين (فلما قدم) أي جاء إلى المدينة من عمله حاسبه النبي وَّر (قال: هذا لكم وهذا أهدي لي)
بضم الهمزة (فقام النبي وَّر على المنبر قال سفيان) بن عيينة (أيضًا فصعد) بكسر العين بدل قوله
الأول فقام (المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال):
(ما بال العامل نبعثه) على العمل (فيأتي يقول) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فيقول (هذا
لك) بلفظ الإفراد (وهذا لي فهلا جلس في بيت أبيه وأمه) وفي الهبة أو بيت أمه (فينظر) برفع
الراء ولأبي ذر بنصبها (أيهدى له) بفتح الهمزة وضم التحتية وفتح الدال (أم لا؟ والذي نفسي بيده
لا يأتي بشيء) من مال الصدقة يجوزه لنفسه وفي الهبة لا يأخذ أحد منه شيئًا (إلا جاء به يوم

١٣٥
کتاب الأحكام/ باب ٢٥
القيامة) حال كونه (يحمله عل رقبته إن كان بعيرًا له رغاء) بضم الراء وفتح الغين المعجمة مهموز
له صوت (أو) كان المأخوذ (بقرة لها جوار) بجيم مضمومة فهمزة وفي رواية بالخاء المعجمة بعدها
واو صوت (أو) كان (شاة تيعر) بمثناة فوقية مفتوحة فتحتية ساكنة فعين مهملة مفتوحة تصوّت
شديدًا (ثم رفع) بَلقر (يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه) بضم العين المهملة وسكون الفاء وفتح الراء
وإبطيه وكسر الموحدة وفتح الطاء المهملة بالتثنية فيهما بياضهما المشبوب بالسمرة يقول: (ألا) بفتح
الهمزة وتخفيف اللام (هل بلغت) بتشديد اللام أي قد بلغت حكم الله إليكم أو هل للاستفهام
التقريري للتأكيد ليبلغ الشاهد الغائب قال: ألا هل بلغت (ثلاثًا. قال سفيان) بن عيينة بالسند
السابق (قصه) أي الحديث (علينا الزهري) محمد بن مسلم (وزاد هشام عن أبيه) عروة بن الزبير
وهو من مقول سفيان أيضًا (عن أبي حميد) الساعد أنه (قال: سمع أذناي) بالتثنية (وأبصرته عيني
بالإفراد) أي أعلمه علمًا يقينًا لا أشك فيه (وسلوا) بفتح المهملة وضم اللام وبسكون المهملة بعدها
همزة (زيد بن ثابت فإنه سمعه) ولأبي ذر سمع (معي) بفتح السين وكسر الميم على الروايتين قال
سفيان أيضًا (ولم يقل الزهري) محمد بن مسلم (وسمع أذني) فقال المؤلف: (خوار) بالخاء المعجمة
المضمومة (صوت والجوار) بضم الجيم وهمزة مفتوحة آخره راء (من تجارون كصوت البقرة) وفي
رواية البقر بحذف التاء. ﴿بالعذاب إذا هم يجأرون﴾ [المؤمنون: ٦٤] أي يرفعون أصواتهم كما
يجأر الثور، والحاصل أنه بالجيم للبقر والناس وبالخاء للبقر وغيرها من الحيوان، وهذا ثابت في
رواية الکشمیهني دون غيره.
وفي الحديث أن ما يهدى للعمال وخدمة السلطان بسبب السلطنة يكون لبيت المال إلا إن
أباح له الإمام قبول الهدية لنفسه كما في قصة معاذ السابق التنبيه عليها في الهبة.
٢٥ - باب اسْتِقْضاءِ الْمَوالِي وَاسْتِعْمالِهِمْ
(باب استقضاء الموالي) أي توليتهم القضاء (واستعمالهم) على البلاد.
٧١٧٥ - حدّثنا عُثْمانُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجِ أنَّ
نافِعًا أخْبَرَهُ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قالَ: كانَ سالِمٌ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ
الأوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ◌ََّ فِي مَسْجِدٍ قُباءٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةً وَزَيدٌ وَعامِرُ بْنُ
رَبیعَةً .
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن صالح) السهمي المصري قال: (حدّثنا عبد الله بن وهب)
المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن جريج) عبد الملك (أن نافعًا) مولى ابن عمر (أخبره أن) مولاه
(ابن عمر) عبد الله (رضي الله عنهما أخبره قال: كان سالم) هو ابن عبيد أو ابن معقل (مولى أبي
حذيفة) بن عتبة بن ربيعة القرشي. قال البخاري في تاريخه يعرف به ومولاته امرأة من الأنصار
(يؤم المهاجرين الأولين) الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة (وأصحاب النبي ◌َّقر في مسجد قباء)

١٣٦
كتاب الأحكام/ باب ٢٦
بالصرف (فيهم أبو بكر) الصديق (وعمر) بن الخطاب (وأبو سلمة) بن عبد الأسد المخزومي زوج
أم سلمة أم المؤمنين قبل النبي وَ ل# (وزيد) أي ابن حارثة قاله في الفتح. وقال في الكواكب: هو
زيد بن الخطاب العدوي من المهاجرين الأولين. وقال في عمدة القارىء: والظاهر أنه الصواب
(وعامر بن ربيعة) العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي مولى عمر رضي الله عنهم، وكان زيد
أكثرهم قرآنًا. وفي البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه:
(خذو القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل)).
ومن طريق ابن المبارك في كتاب الجهاد له عن حنظلة بن أبي سفيان عن ابن سابط أن
عائشة رضي الله عنها احتبست عن النبي وَلّر فقال: ((ما حبسك)) قالت: سمعت قارئًا يقرأ
فذكرت من حسن قراءته فأخذ رداءه وخرج فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: ((الحمد لله الذي
جعل في أمتي مثلك)). وأخرجه أحمد والحاكم في مستدركه فكان سبب تقديمه في إمامة الصلاة
مع كونه من الموالي على من ذكر القراءة ومن كان رضًا في أمر الدين فهو رضًا في أمور الدنيا،
فيجوز أن يولى القضاء والإمرة على الحرب وجباية الخراج لا الإمامة العظمى إذ شرطها كون الإمام
قرشيًّا.
والحديث من أفراده وسبق ما فيه في إمامة الموالي من الصلاة ولم يقل هناك فيهم أبو بكر
الخ. فاستشكل لتصريحه هناك بأن ذلك كان قبل مقدمه وي قر المدينة، وكان أبو بكر رفيقه عليه
السلام فكيف ذكره فيهم. وأجاب البيهقي باحتمال أن يكون سالم استمر على الصلاة بعد أن تحوّل
النبي ◌َّر إلى المدينة، ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها فيحتمل أن يقال كان أبو بكر يصلي
خلفه إذا جاء إلى قباء، قال في الفتح: ولا يخفى ما فيه.
٢٦ - باب الْعُرَفاءِ لِلنّاسِ
(باب العرفاء للناس) بضم العين وفتح الراء بعدها فاء جمع عريف الذي يتولى أمر سياستهم
وحفظ أمورهم وسمي به لأنه يتعرّف أمورهم حتى يعرف بها من قومه عند الحاجة لذلك.
٧١٧٦ - ٧١٧٧ - حدّثنا إسماعيلُ بْنُ أبي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي إسْماعيلُ بْنُ إبراهيمَ، عَنْ عَمِّهِ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهابٍ: حَدَّثَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةً
أَخْبَرَاهُ أنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ حينَ أذِنَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي عِثْقِ سَبْيٍ هَوازِنَ فَقالَ: ((إنّي لا أدري
مَنْ أذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَأَرْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنا عُرَفَاؤُكُمْ أمْرَكُمْ))، فَرَجَعَ النّاسُ فَكَلَّمَهُمْ
عُرَفَاؤُهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهَِّ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النّاسَ قَدْ طَيِّبُوا وَأذِنُوا.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) بضم الهمزة وفتح الواو قال: (حدّثني) بالإفراد
(إسماعيل بن إبراهيم) بن عقبة بن أبي عياش (عن عمه موسى بن عقبة) أنه قال: (قال ابن

١٣٧
کتاب الأحكام/ باب ٢٧
شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدّثني عروة بن الزبير) بن العوّام (أن مروان بن الحكم
والمسور بن مخرمة أخبراه) كلاهما (أن رسول الله وَّر قال حين أذن لهم المسلمون) أي حين أذن
المسلمون له 18 ومن معه أو من أقامه (في عتق سبي هوازن) وكانوا جاؤوه مسلمين وسألوه أن
يردّ إليهم أموالهم وسبيهم فقال لأصحابه: ((إني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن
يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل)). فقال الناس: قد طيبنا ذلك
(فقال) :
(إني لا أدري من أذن منكم) في ذلك ولأبي ذر عن الكشميهني فيكم (ممن لم يأذن فارجعوا
حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم فرجعوا إلى رسول الله وَل98) أي
العرفاء (فأخبروه أن الناس قد طيبوا) ذلك (وأذنوا). له وَل ◌ّر أن يعتق السبي، وطيبوا بتشديد
التحتية أي حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك وفيه كما قاله ابن بطال مشروعية إقامة
العرفاء لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما
يقيمه فيه.
والحديث سبق في المغازي.
٢٧ - باب ما يُكْرَهُ مِنْ ثَناءِ
السُّلْطَانِ وَإذا خَرَجَ قالَ: غَيْرَ ذلِكَ
(باب ما يكره من ثناء) أحد من الناس على (السلطان) بحضرته (وإذا خرج) ذلك المثني من
عنده (قال غير ذلك) من الهجو والمساوىء.
٧١٧٨ - حدثنا أبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا عاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ أبيهِ
قالَ أُناسٌ لابْنِ عُمَرَ: إِنّا نَدْخُلُ عَلى سُلْطانِنا فَتَقُولُ لَهُمْ خِلافَ ما نَتَكَلَّمُ إذا خَرَجْنا مِنْ عِنْدِهِمْ
قالَ: كُنَّا نَعُدُّها نِفاقًا.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عاصم بن محمد بن زيد بن
عبد الله بن عمر عن أبيه) محمد بن زيد أنه قال (قال الناس) منهم عروة بن الزبير كما في جزء
أبي مسعود بن الفرات وأبو إسحاق الشيباني وأبو الشعثاء كما عند الطبراني في الأوسط (لابن
عمر: إنا ندخل على سلطاننا) بالإفراد هو الحجاج بن يوسف كما في الغيلانيات وللطيالسي عن
عاصم على سلاطيننا بالجمع (فنقول لهم) من الثناء عليهم (خلاف ما) ولأبي ذر بخلاف ما
(نتكلم) به فيهم من الذم (إذا خرجنا من عندهم) وعند ابن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء قال:
دخل قوم على ابن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية فقال: أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا: بل
نمدحهم ونثني عليهم، وفي رواية عروة بن الزبير عند الحارث بن أبي أسامة والبيهقي قال: أتيت

١٣٨
کتاب الأحكام/ باب ٢٨
ابن عمر فقلت: إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون بشيء نعلم أن الحق غيره فنصدقهم (قال:
كنا نعدها) بضم العين أي الفعلة ولأبي ذر عن الكشميهني نعد هذا أي الفعل (نفاقًا) على عهد
رسول الله وَ﴿ لأنه إبطان أمر وإظهار آخر ولا يراد به أنه كفر، ولا يعارضه قوله عليه الصلاة
والسلام للذي استأذن عليه: بئس أخو العشيرة ثم تلقاه بوجه طلق وترحيب إذ لم يقل له خلاف
ما قاله عنه بل أبقاه على القول الأول عند السامع قصدًا للإعلام بحاله ثم تفضل عليه بحسن
اللقاء للاستئلاف .
٧١٧٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبيبٍ، عَنْ عِراكِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً
سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَينِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهِ وَهؤُلاءِ بِوَجْهِ)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي
حبيب) بفتح الحاء المهملة المصري من صغار التابعين (عن عراك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء
ابن مالك الغفاري المدني (عن أبي هريرة) رضي الله (أنه سمع رسول الله وَلا يقول):
(إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء) القوم (بوجه وهؤلاء) القوم (بوجه) وفي
الترمذي من طريق أبي معاوية: إن من شر الناس، ولمسلم من رواية ابن شهاب عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة: تجدون من شر الناس ذا الوجهين فرواية إن شر الناس محمولة على التي
فيها من شر الناس ووصفه بكونه شر الناس أو من شر الناس مبالغة في ذلك. قال القرطبي: إنما
كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد
بين الناس، وقال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها
وصنيعه نفاق محض وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال: فأما
من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود اهـ.
وقوله: ذو الوجهين ليس المراد به الحقيقة بل هو مجاز عن الجهتين مثل المدحة والمذمة. قال
تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذ خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن
مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤] أي إذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين أظهروا لهم الإيمان والموالاة
والمصافاة غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا وتقية وإذا انصرفوا إلى شياطينهم سادتهم وكبرائهم
ورؤسائهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين ﴿قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾
ساخرون بالقوم.
والحديث أخرجه مسلم.
٢٨ - باب الْقَضاءِ عَلَى الْغائِبِ
(باب القضاء على الغائب) في حقوق الآدميين دون حقوق الله اتفاقًا .

١٣٩
کتاب الأحکام/ باب ٢٨
٧١٨٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ هِشام، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أنَّ هِنْدَ
قالَتْ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحيحٌ وَأَحْتَاجُ أنْ آَخْذَ مِن مَالِهِ قَالَ وَّهِ: ((خُذي ما يَكْفيكِ
وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا
(سفيان) بن عيينة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها (أن هند) بغير
صرف للتأنيث والعلمية ولأبي ذر بالصرف لسكون الوسط بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
(قالت للنبي (وَ﴿) يا رسول الله (إن أبا سفيان) صخر بن حرب زوجها (رجل شحيح) بخيل مع
حرص وهو أعم من البخل لأن البخل يختص بمنع المال والشح بكل شيء (وأحتاج) بفتح الهمزة
(أن آخذ من ماله) ما يكفيني وولدي (قال وَّ) لها:
(خذي) من ماله (ما يكفيك وولدك بالمعروف) من غير إسراف في الإطعام، وقد استدل
جمع من العلماء من أصحاب الشافعي وغيرهم بهذا الحديث على القضاء على الغائب. قال
النووي: ولا يصح هذا الاستدلال لأن هذه القصة كانت بمكة وأبو سفيان حاضر، وشرط القضاء
على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد أو مستترًا لا يقدر عليه أو متعذرًا، ولم يكن هذا الشرط في
أبي سفيان موجودًا فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء وفي طبقات ابن سعد بسند رجاله
رجال الصحيح من مرسل الشعبي أن هند لما بايعت وجاء قوله ولا يسرقن قالت: قد كنت أصبت
من مال أبي سفيان فقال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك، ففيه أن أبا سفيان كان
حاضرًا معها في المجلس، لكن قال في الفتح: ويمكن تعدد القصة وإن هذا وقع لما بايعت ثم
جاءت مرة أخرى فسألت عن الحكم وتكون فهمت من الأول إحلال أبي سفيان لها ما مضى
فسألت عما يستقبل لكن يعكر عليه ما في المعرفة لابن منده قالت هند لأبي سفيان: إني أريد أن
أبايع الحديث. وفيه فلما فرغت قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل بخيل إلى أن قال أي
النبي وَّر: ((ما تقول يا أبا سفيان))؟ قال: أما يابسًا فلا وأما رطبًا فأحله، قال في الفتح: والظاهر
أن المؤلف لم يرد أن قصة هند كانت قضاء على أبي سفيان وهو غائب بل استدل بها على صحة
القضاء على الغائب ولو لم يكن ذلك قضاء على الغائب بشرطه بل لما كان أبو سفيان غير حاضر
معها في المجلس وأذن لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه قدر كفايتها كان في ذلك نوع قضاء على
الغائب فيحتاج من منعه أن يجيب عن هذا التعبير بقوله: خذي يرجح أنه كان قضاء لا فتيا لكن
تفويض تقدير الاستحقاق إليها في قوله: ما يكفيك يرجح أنه كان فتوى ولو كان قضاء لم يفوّضه
إلى المدعي، وقد أجاز مالك والشافعي وجماعة الحكم على الغائب، وقال أبو حنيفة: لا يقضي
· ·عليه مطلقًا.
والحديث سبق قريبًا.

١٤٠
كتاب الأحكام/ باب ٢٩
٢٩ - باب مَنْ قُضِيَ لَهُ بِحَقُّ أخيهِ فَلا يَأْخُذْهُ
فَإنَّ قَضاءَ الْحاكِم لا يحِلَّ حَرامَا وَلا يُحَرِّمُ حَلالاً
(باب من قضي له) بضم القاف وكسر المعجمة (بحق أخيه) أي خصمه مسلمًا كان أو ذميًّا
أو معاهدًا أو مرتدًا فالأخوة باعتبار البشرية (فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم
حلالاً).
٧١٨١ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنا إبراهيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ، عَنْ ابْنِ
شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْنَبَ آبْنَةَ أبي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وََّ
أخْبَرَتْها عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ خُصومَةً بِبابٍ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ((إنَّما أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ
يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أنَّهُ صادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ بِذلِكَ،
فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْكُها)».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) العامري الأويسي الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن
سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) أي ابن كيسان (عن ابن
شهاب) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب ابنة)
ولأبي ذر بنت (أبي سلمة أخبرته أن أم سلمة) هند (زوج النبي ◌ّ﴿ أخبرتها عن رسول الله وَليل أنه
سمع خصومة بباب حجرته) منزل أم سلمة، وعند أبي داود من طريق عبد الله بن رافع عن أم
سلمة أتى رسول الله وَّيهو رجلان يختصمان في مواريث لهما لم يكن لهما بينة إلا دعواهما. وفي
رواية له قال: يختصمان في مواريث وأشياء قد درست وعند عبد الرزاق في مصنفه أنها كانت
في أرض هلك أهلها وذهب من يعلمها ولم يسم المختصمين (فخرج إليهم) وَّر (فقال):
(إنما أنا بشر) أي إنسان وسمي به لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان أي إنما أنا بشر
مشارك لكم في البشرية بالنسبة لعلم الغيب الذي لم يطلعني الله عليه وقال ذلك توطئة لقوله (وإنه
يأتيني الخصم) فلا أعلم باطن أمره (فلعل) بالفاء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولعل (بعضكم
أن يكون أبلغ) أفصح في كلامه وأقدر على إظهار حجته (من بعض فأحسب) بكسر السين وتفتح
(أنه صادق) وهو في الباطن كاذب (فأقضي) فأحكم (له بذلك) الذي ادعاه لظني صدقه (فمن
قضيت له بحق مسلم) ذكر المسلم ليكون أهول على المحكوم له لأن وعيد غيره معلوم عند كل
أحد فذكر المسلم تنبيهًا على أنه في حقه أشد (فإنما هي) أي الحكومة أو الحالة (قطعة من النار)
تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه فهو من مجاز التشبيه (فليأخذها أو ليتركها) أمر تهديد
لا تخيير فهو كقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩] كذا قرره النووي
وغيره. وتعقب بأنه إن أريد به أن كلاً من الصيغتين للتهديد فممنوع فإن قوله: أو ليتركها