Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الأيمان والنذور/ باب ١
يلبس ناعمًا فقيل: يمين مكروهة، وقيل: يمين طاعة اتباعًا للسلف في خشونة العيش، وقيل:
يختلف باختلاف أحوال الناس وقصودهم وفراغهم. قال الرافعي والنووي: وهو الأصوب وإذا
حلف على ترك مندوب كسنة ظهر أو فعل مكروه كالالتفات في الصلاة سنّ حنثه وعليه الكفارة
أو على فعل مندوب أو ترك مكروه كره حنثه وعليه بالحنث كفارة.
ومناسبة الحديث لما ترجم له في قوله: لأن يلج الخ، وقوله: نحن الآخرون السابقون يوم
القيامة طرف من حديث سبق من غير هذا الوجه عن أبي هريرة في أول كتاب الجمعة، وقد كرر
البخاري هذا القدر في بعض الأحاديث التي أخرجها من صحيفة همام من رواية معمر عنه وهو
أول حديث في النسخة، وكان همام يعطف عليه بقية الأحاديث بقوله وقال رسول الله وَله:
٦٦٢٦ - حدثنا إِسْحاقُ يَعْنِي ابْنِ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعاوِيَةُ، عَنْ
يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ، فَهُوَ
أَعْظَمُ إِثْمًا لِيَبَرَّ) يَعْنِي الْكَفَّارَةَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (إسحاق يعني ابن إبراهيم) وسقط لأبي ذر
يعني ابن إبراهيم: وقال في الفتح: جزم أبو علي الغساني بأنه ابن منصور وصنيع أبي نعيم في
مستخرجه يقتضي أنه إسحاق بن إبراهيم المذكور قبله. وقال العيني: وأما النسخة التي فيها يعني
ابن إبراهيم فما أزالت الإبهام لأن في مشايخ البخاري إسحاق بن إبراهيم بن نصر وإسحاق بن
إبراهيم بن عبد الرَّحمن وإسحاق بن إبراهيم الصوّاف وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه
فالصواب أنه ابن منصور قال: (حدثنا يحيى بن صالح) الوحاظي بتخفيف الحاء المهملة وبعد
الألف ظاء مشالة معجمة، وقد حدث عنه البخاري بلا واسطة في كتاب الصلاة وبواسطة في
كتاب الحج وغيره قال: (حدثنا معاوية) بن سلام بتشديد اللام الحبشي الأسود (عن يحيى) بن أبي
كثير بالمثلثة (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال
رسول الله ◌َّد):
(من استلج) بسين مهملة ساكنة ففوقية ثم لام مفتوحتين ثم جيم مشددة استفعل من اللجاج
أي من استدام (في أهله بيمين) حلفه في أمر يتعلق بهم يضرهم به (فهو) أي استدامته على اليمين
مع تضرر أهله (أعظم إثمًا) من حنثه (ليبر) بكسر اللام وفتح التحتية بعدها موحدة فراء مشددة
واللام للأمر بلفظ أمر الغائب من البرّ أي ليترك اللجاج ويفعل المحلوف عليه ويبر (يعني) بالبر
(الكفارة) عن اليمين الذي حلفه ويفعل المحلوف عليه إذ الإضرار بالأهل أعظم إثمًا من حنث
اليمين، وذكر الأهل في الحديثين خرج مخرج الغالب وإلا فالحكم يتناول غير الأهل إذا وجدت
العلة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ليس بفتح اللام وسكون التحتية بعدها سين مهملة تغني
الكفارة بضم الفوقية وسكون الغين المعجمة بعدها نون مكسورة، والكفارة رفع أي أن الكفارة لا
تغني عن ذلك وهو خلاف المراد، فالأولى أوضح. وقيل في توجيه هذه الأخيرة أن المفضل عليه

٤٢
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٢
محذوف، والمعنى أن الاستلجاج أعظم إثمًا من الحنث، والجملة استئنافية، المراد أن ذلك الإثم لا
تغني عنه كفارة. وقال ابن حزم: لا جائز أن يحمل على اليمين الغموس لأن الحالف بها لا يسمى
مستلجًا في أهله بل صورته أن يحلف أن يحسن إلى أهله ولا يضرهم، ثم يريد أن يحنث ويلج في
ذلك فيضرهم ولا يحسن إليهم ويكفر عن يمينه فهذا مستلج بيمينه في أهله آثم، ومعنى قوله لا
تغني الكفارة أن الكفارة لا تحبط عنه إثم إساءته إلى أهله ولو كانت واجبة عليه، وإنما هي متعلقة
باليمين التي حلفها. قال ابن الجوزي: قوله ليس تغني الكفارة كأنه أشار به إلى أن إثمه في قصده
أن لا يبر ولا يفعل الخير فلو كفر لم ترفع الكفارة سبق ذلك القصد.
٢ - باب قَوْلِ النَّبِيّ وَِّ: ((وَأَيْمُ الله))
(باب قول النبي وَّر) في يمينه (وايم الله) من ألفاظ القسم كقوله لعمر الله وعهد الله وهو
مرفوع بالابتداء وخبره محذوف أي قسمي أو يميني أو لازم لي وفيها لغات كثيرة وتفتح همزتها
وتكسر وهمزتها همزة وصل وقد تقطع ونحاة الكوفة يقولون إنها جمع يمين وغيرهم يقولون هي
اسم موضوع للقسم. وقال المالكية والحنفية: إنها يمين، وقال الشافعية: إن نوى اليمين انعقد وإن
نوى غير اليمين لم ينقعد يمينًا وإن أطلق فوجهان أصحهما لا ينقعد، وعن أحمد روايتان أصحهما
الانعقاد، وحكى الغزالي في معناها وجهين: أحدهما أنه كقوله بالله، والثاني وهو الراجح أنه
كقوله: أحلف بالله .
٦٦٢٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ دِينارٍ، عَنْ ابْنِ
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِِّ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطَعَنَ بَعْضُ
النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقالَ: ((إِنْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي
إِمْرَةٍ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَآَيْمُ الله إِنْ كانَ لَخَلِيقًا لِلإِمارَةِ، وَإِنْ كانَ لَمِنْ أَحَبّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هذا
لَمِنْ أَحَبّ النَّاسِ إِليَّ بَعْدَهُ».
وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي (عن إسماعيل بن جعفر) وفي نسخة
باليونينية: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني (عن عبد اللَّه بن دينار) المدني (عن ابن عمر رضي الله
عنهما) أنه (قال: بعث رسول الله وَّ ر بعثًا) وهو البعث الذي أمر بتجهيزه عند موته واله وأنفذه
أبو بكر رضي الله عنه بعده (وأمّر عليهم) بتشديد الميم جعل عليهم أميرًا (أسامة بن زيد فطعن
بعض الناس في إمرته) بكسر الهمزة وسكون الميم، ولأبي ذر عن الكشميهني في إمارته وكان
أشدهم في ذلك كلامًا عياش بن أبي ربيعة المخزومي فقال: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين
وكان فيهم أبو بكر وعمر فسمع عمر ذلك فأخبر النبي روب ير بذلك (فقام رسول الله وَله فقال):
(إن كنتم تطعنون في إمرته) بضم العين وفتحها في الفرع كأصله قيل وهما لغتان (فقد كنتم
تطعنون في إمرة أبيه) زيد بن حارثة (من قبل) في غزوة مؤتة (وايم الله) أي أحلف بالله (إن كان)

٤٣
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
زيد (لخليقًا) بفتح اللام والخاء المعجمة وبالقاف لجديرًا (للإمارة) بكسر الهمزة (وإن كان لمن أحب
الناس إلي) بتشديد الياء (وإن هذا) أسامة ابنه (لمن أحب الناس إلي بعده).
والحديث سبق في مناقب زید.
٣ - باب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيّ وَّهِ؟
وَقَالَ سَعْدٌ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)). وَقَالَ أَبُو قَتَادَةً: قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ
النَّبِّ وَّهِ: لا ها الله إِذَا يُقالُ وَالله وَبِاللَّهِ وَتَاللَّهِ.
هذا (باب) بالتنوين (كيف كانت يمين النبي وَّه) التي كان يواظب على القسم بها أو يكثر.
(وقال سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص مما وصله المؤلف في مناقب عمر رضي الله عنه
(قال النبي بَلٍ﴾﴾ أيها يا ابن الخطاب (والذي نفسي بيده) أي قدرته وتصريفه: (ما لقيك الشيطان
سالكًا فجّا قط إلا سلك فجّا غير نجك).
(وقال أبو قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري مما سبق موصولاً في باب من لم يخمس
الأسلاب من كتاب الخمس (قال أبو بكر) رضي الله عنه (عند النبي وٌَّ) عام حنين (لاها الله)
بالوصل أي لا والله (إذًا) بالتنوين جواب وجزاء أي لا والله إذا صدق لا يكون كذا، وتمامه لا
يعمد يعني النبي وله إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ،ول# فيعطيك سلبه فقال
النبي ◌َّر: صدق فاعطه الحديث، وسبق في الباب المذكور قال البخاري: (يقال والله) بالواو
(وبالله) بالموحدة (وتالله) بالفوقية يريد أنها حروف قسم فالأولان يدخلان على كل ما يقسم به
والثالث لا يدخل إلا على الجلالة الشريفة. نعم سمع شاذًا ترب الكعبة وتالرحمن. ونقل الماوردي
أن أصل حروف القسم الواو ثم الموحدة ثم المثناة، ونقل ابن الصباغ عن أهل اللغة أن الموحدة
هي الأصل وأن الواو بدل منها وأن المثناة بدل من الواو، وقوّاه ابن الرفعة بأن الباء تعمل في
الضمير بخلاف الواو، ولو قال الله مثلاً بتثليث آخره أو تسكينه لأفعلن كذا فكناية إن نوی بها
اليمين فيمين وإلا فلا واللحن لا يمنع الانعقاد، ولو قال: أقسمت أو قسم أو حلفت أو أحلف
بالله لأفعلن كذا فيمين لأنه عرف الشرع. قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم)
[الأنعام: ١٠٩] إلا إن نوى خبرًا ماضيًا في صيغة الماضي أو مستقبلاً في المضارع فلا يكون يمينًا
لاحتمال ما نواه.
٦٦٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قالَ: كانَتْ يَمِينُ النَّبِيّ ◌ََّ: ((لا وَمُقَلّبِ الْقُلُوبِ)).
وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي (عن سفيان) الثوري (عن موسى بن
عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن سالم عن ابن عمر) رضي الله عنهما أنه (قال: كانت يمين

٤٤
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
النبي ◌َّة) التي يحلف بها (لا ومقلب القلوب) بالإعراض والأحوال. قال الراغب: تقليب الله
القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي والتقليب الصرف وسمي قلب الإنسان لكثرة تقلبه
ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة. وقال القاضي أبو بكر بن
العربي: القلب جزء من البدن خلقه الله وجعله للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات
الباطنة وجعل ظاهر البدن محل التصرفات الفعلية والقولية ووكل به ملكًا يأمره بالخير وشيطانًا
يأمره بالشر فالعقل بنوره يهديه والهوى بظلمته يغويه والقضاء والقدر مسيطر على الكل والقلب
يتقلب بين الخواطر الحسنة والسيئة والمحفوظ من حفظه الله تعالى، وقد تمسك بهذا الحديث من
أوجب الكفارة على من حلف بصفة من صفات الله تعالى فحنث ولا نزاع في أصل ذلك، وإنما
اختلف في أي صفة تنعقد بها اليمين، والتحقيق أنها مختصة بالصفة التي لا يشاركه فيها غيره
كمقلب القلوب.
والحديث سبق في باب: يحول بين المرء وقلبه.
٦٦٢٩ - حدثنا مُوسى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ
النَّبِيّ وَّرِ قَالَ: ((إِذا هَلَكَ قَبْصَرُ فَلَا قَبْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذا هَلَكَ كِسْرى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ الله)).
وبه قال: (حدثنا موسى) بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح
اليشكري (عن عبد الملك) بن عمير الكوفي (عن جابر بن سمرة) بفتح المهملة وضم الميم رضي
الله عنه (عن النبي بَّ) أنه (قال):
(إذا هلك) أي مات (قيصر) وهو هرقل ملك الروم (فلا قيصر بعده) يملك مثل ما ملك
(وإذا هلك) أي مات (كسرى) أنوشروان بن هرمز ملك الفرس (فلا كسرى بعده والذي نفسي
بيده) أي بقدرته يصرفها كيف يشاء أو الذي أعبده وهذا موضع الترجمة (لتنفقن كنوزهما في سبيل
الله) عز وجل وفيه علم من أعلام النبوة إذا وقع كما أخبر واَلتر.
والحديث سبق في الجهاد.
٦٦٣٠ - حدّلنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبا
هُرَيْرَة قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذا هَلَكَ كِسْرى فَلا كِسْرى بَعْدَهُ، وَإِذا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ
بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ الله)).
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) رضي الله عنه
(قال: قال رسول الله (صَلخير):

٤٥
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
(إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده) في العراق (وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده) في الشام
وهذا قاله وَله تطييبًا لقلوب أصحابه من قريش وتبشيرًا لهم بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين
المذكورين لأنهم كانوا يأتونهما للتجارة، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليها فأما كسرى فقد
مزق الله ملكه بدعائه وَلير لما مزق كتابه ولم يبق له بقية وزال ملكه من جميع الأرض، وأما قيصر
فإنه لما ورد عليه كتاب النبي وَ ليّ أكرمه ووضعه في المسك فدعا له وَلقر أن يثبت الله ملكه فثبت
ملكه في الروم وانقطع عن الشام (والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) عز وجل
بفتح قاف تنفقن أي مالهما المدفون أو الذي جمع وادخر، وقد وقع ذلك كما أخبر الصادق وَله.
وقال أهل التاريخ: كان في القصر الأبيض لكسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرّات
غير أن رستم لما مرّ منهزمًا حمل معه نصف ما كان في بيوت الأموال وترك النصف فنقله المسلمون
فأصاب الفارس اثني عشر ألفًا.
والحديث سبق في علامات النبوّة.
٦٦٣١ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشام بْنِ عُزْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله
عَنْها عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((يا أُمََّ مُحَمَّدٍ وَالله لَوْ تَغَلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَبُكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ
قَلیلاً».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا عبدة) بفتح
المهملة وسكون الموحدة وبعد المهملة هاء تأنيث ابن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه)
عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها عن النبي وَلقر أنه قال):
(يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم) من أمور الآخرة وشدّة أهوالها وما أعدّ في النار لمن
دخلها وما في الجنة من الثواب (لبكيتم) لذلك بكاء (كثيرًا ولضحكتم) ضحكًا (قليلاً) جواب
القسم الساد مسدّ جواب لو لبكيتم الخ وفيه كما في الفتح دلالة على اختصاصه وَلقر بمعارف
بصري وقلبية قد يطلع الله تعالى غيره عليها من المخلصين من أمته، لكن بطريق الإجمال وأما
تفاصيلها فمما اختص به ◌َّهر فجمع الله له بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية
استحضار العظمة الإلهية على وجه لم يكن لغيره زاده الله تعالى شرفًا.
فإن قلت: الخطاب إما أن يكون للمؤمنين خاصة أو عامًا فإن كان الأول فليس ثمة ما
يوجب تقليل الضحك وتكثير البكاء لأن المؤمن وإن دخل النار فعاقبته الجنة لا محالة مخلدًا فيها
فمدة ما يوجب البكاء بالنسبة إلى ما يوجب الضحك والسرور نسبة شيء يسير إلى شيء لا
يتناهى، وذلك يوجب العكس، وإن كان الثاني فليس للكافر ما يوجب الضحك أصلاً. أجيب:
بأن الخطاب للمؤمنين وخرج في مقام ترجيح الخوف على الرجاء إخافة على الخاتمة.
والحديث سبق في الرقاق.

٤٦
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
٦٦٣٢ - هذّلنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ
زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّه بْنَ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيّ بَ ◌ّهِ وَهُوَ آَخِذٌ بِيَدِ عُمَّرَ بْنِ
الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ الله لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلّ شَيْءٍ، إِلاَّ مِنْ نَفْسِي فَقالَ النَّبِيِّ وَلـ
لَهُ: ((لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ))، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَالله
لِأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقالَ النَّبِيِّ وَّرَ: ((الآنَ يا عُمَرُ)).
وبه قال: (حدثنا يحيى بن سليمان) الجعفي قال: (حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله
قال: (أخبرني) بالإفراد (حيوة) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة آخره هاء تأنيث ابن
شريح قال: (حدثني) بالإفراد (أبو عقيل) بفتح العين وكسر القاف (زهرة بن معبد) بضم الزاي
وسكون الهاء بعدها راء مفتوحة ومعبد بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة (أنه سمع
جده عبد الله بن هشام) رضي الله عنه القرشي التيمي له ولأبيه صحبة. قال البغوي: سكن المدينة
(قال: كنا مع النبي ◌َّ ر وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (فقال له عمر: يا
رسول الله) والله (لأنت أحب إلي) بتشديد الياء واللام لتأكيد القسم المقدر (من كل شيء إلا من
نفسي) ذكر حبه لنفسه بحسب الطبع (فقال النبي ◌َّر له: لا) يكمل إيمانك (والذي نفسي بيده
حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له) وَليّر (عمر) رضي الله عنه لما علم أن النبي ◌َّر هو
السبب في نجاة نفسه من الهلكات (فإنه الآن والله) يا رسول الله (لأنت أحب إليّ من نفسي)
فأخبر بما اقتضاه الاختيار بسبب توسط الأسباب (فقال النبي ◌ٍَّ) له: (الآن) عرفت فنطقت بما
يجب عليك (يا عمر).
وهذا الحديث ذكره في مناقب عمر بعين هذا السند لكنه اقتصر منه على قوله: وهو آخذ بيد
عمر بن الخطاب فقط، وهو مما انفرد البخاري بإخراجه.
٦٦٣٣ - ٦٦٣٤ - هذّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خالِدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنْ رَجُلَيْنِ
اخْتَصَما إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرَ فَقَالَ أَحَدُهُما: أَقْضِ بَيْنَنا بِكِتَابِ الله وَقالَ الآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُهُما: أَجَلْ
يا رَسُولَ الله فَأَقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ الله وَأَتَذِنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قالَ: ((تَكَلَّمْ)) قالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا
عَلى هذا، قالَ مالِكٌ: وَالْعَسيفُ: الأَجِيرُ، زَنى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى أَبْنِي الرَّجْمَ فَأَقْتَدَيْتُ
مِنْهُ بِمِائَةٍ شاةٍ وَجارِيَةٍ، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى أَبْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عامِ،
وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى آمْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى: (أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتَابِ الله،
أَمَّا غَنَمُكَ وَجارِيَتُكَ فَرَدِّ عَلَيْكَ)) وَجَلَدَ أَبْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عامًا وَأُمِرَ أُنَيْسٌّ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يَأْتِيَ آمْرَأَةً
الآخَرِ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها فَأَعْتَرَفَتْ فَرَجَمَها.

٤٧
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) هو الإمام الأعظم
(عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد اللَّه بن عتبة) بضم
العين وسكون الفوقية وفتح الموحدة (ابن مسعود عن أبي هريرة) رضي الله عنه (وزيد بن خالد)
الجهني المدني من مشاهير الصحابة رضي الله عنه (أنهما أخبراه أن رجلين) لم يسميا (اختصما إلى
رسول الله ﴿ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله) تعالى (وقال الآخر وهو أفقههما) جملة معترضة
لا محل لها من الإعراب وإنما كان أفقه لحسن أدبه باستئذانه أوّلاً أو أفقه في هذه القصة لوصفها
على وجهها أو كان أكثر فقهًا في ذاته (أجل) بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام مخففة أي نعم (يا
رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله) عز وجل (وائذن لي أن أتكلم قال) له وَله :
(تكلم) بما في نفسك (قال: إن ابني كان عسيفًا) بالعين المفتوحة والسين المكسورة
المهملتين وبعد التحتية الساكنة فاء فعيل بمعنى مفعول (على هذا) وعلى بمعنى اللام أي أجيرًا
لهذا أو بمعنى عند أي أجيرًا عند هذا أو أجيرًا على خدمة هذا فحذف المضاف (قال مالك)
الإمام رحمه الله (والعسيف الأجير، زنى بامرأته فأخبروني) أي العلماء (أن على ابني الرجم
فافتديت منه بمائة شاة وجارية) فمن للبدلية زاد أبو ذر عن الكشميهني لي (ثم إني سألت أهل
العلم) كان يفتي في الزمن النبوي الخلفاء الأربعة وأبي ومعاذ وزيد بن ثابت الأنصاريون فيما
ذكره العذري بلاغًا (فأخبروني أن ما على ابني) ما موصول بمعنى الذي والصلة على ابني أي
الذي استقرّ على ابني (جلد مائة وتغريب عام) أي ولاء لمسافة القصر لأن المقصود إيحاشه بالبعد
عن الأهل والوطن (وإنما الرجم على امرأته. فقال رسول الله وَلاغير) (أما) بتخفيف الميم وهي
ساقطة للكشميهني (والذي) أي وحق الذي (نفسي بيده) فالذي مع صلته وعائده مقسم به
وجواب القسم (لأقضين بينهما بكتاب الله) أي بما تضمنه كتاب الله أو بحكم الله وهو أولى لأن
الحكم فيه التغريب والتغريب ليس مذكورًا في القرآن (أما غنمك وجاريتك فرة عليك) أي
فمردودة فأطلق المصدر على المفعول نحو ثوب نسج اليمين أن منسوج اليمن (وجلد ابنه)
بالنصب على المفعولية وفي نسخة وجلد بضم الجيم مبنيًّا للمفعول ابنه رفع نائب عن الفاعل
(مائة وغربه عامًا وأمر) بضم الهمزة (أنيس) بضم الهمزة وفتح النون والرفع نائب عن الفاعل
ابن الضحاك (الأسلمي) صفة لأبي ذر أمر بفتح الهمزة أنيسًا نصب على المفعولية الأسلمي (أن
يأتي امرأة الآخر) فيعلمها بأن هذا الرجل قذفها بابنه فلها عليه حدّ القذف فتطالبه به أو تعفو
(فإن اعترفت) بالزنا (رجمعها) لأنها محصنة وللكشميهني فارجمها فذهب إليها أنيس فسألها
(فاعترفت) به فأخبر النبي ◌ّ بذلك (فرجمها) أي فأمر برجمها فرجمت.
وفيه أن مطلق الاعتراف يوجب الحدّ وهو مذهب مالك والشافعي لقوله ◌َلر لأنيس: ((فإن
اعترفت فارجمها)» فعلق الرجم على مجرد الاعتراف وإنما كرّره على ماعز كما في حديثه لأنه شك
في عقله، ولهذا قال له: أبك جنون، وقال الحنفية: لا يجب إلا بالاعتراف في أربعة مجالس،
وقال أحمد: أربع في مجلس أو مجالس والغرض من حديث الباب قوله وَّر ((أما والذي نفسي بيده

٤٨
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
لأقضين)) ويأتي إن شاء الله تعالى في الحدود، وقد ذكره المؤلف في مواضع كثيرة مختصرًا في
الصلح والأحكام والوكالة والشروط والشهادات وغيرها.
٦٦٣٥ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ أَبِي
يَعْقُوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةً، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيّ وَّهِ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ
وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ تَمِيمٍ وَعامِرِ بْنِ صَعْصَعَةً وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ خَابُوا وَخَسِرُوا)) قالُوا:
نَعَمْ. فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: بالجمع (عبد الله بن محمد) الجعفي المسندي قال:
(حدثنا وهب) بفتح الواو وسكون الهاء ابن جرير بن حازم الأزدي الحافظ قال: (حدثنا شعبة) بن
الحجاج الحافظ أبو بسطام العتكي أمير المؤمنين في الحديث (عن محمد بن أبي يعقوب) هو
محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي ونسبه لجده (عن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة) بفتح الموحدة
وسكون الكاف وبعد الراء تاء تأنيث الثقفي (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث بضم النون وفتح
الفاء وسكون التحتية بعدها عين مهملة ابن كلدة بفتحتين أسلم بالطائف ثم نزل البصرة رضي الله
عنه (عن النبي ◌َله) أنه (قال):
(أرأيتم) أي أخبروني (إن كان أسلم) بن أفصى (وغفار) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء
(ومزينة) بضم الميم وفتح الزاي (وجهينة) بضم الجيم وفتح الهاء وبعد التحتية الساكنة نون الأربعة
قبائل مشهورة (خيرً من تميم وعامر بن صعصعة) وفي أوائل المبعث من بني تميم وبني عامر
(وغطفان) بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء (وأسد) وخبر إن قوله (خابوا) بالخاء المعجمة
والموحدة من الخيبة (وخسروا) والضمير كما قال في الكواكب راجع إلى الأربعة الأقرب وهم تميم
الخ (قالوا: نعم) خابوا وخسروا وفي أوائل المبعث أن القائل هو الأقرع بن حابس (فقال:
والذي نفسي بيده إنهم) أي أسلم وغفار ومزينة وجهينة (خير منهم) أي من تميم ومن بعدهم
والمراد خيرية المجموع على المجموع وإن جاز أن يكون من المفضولين فرد أفضل من فرد
الأفضلین.
والحديث سبق في المبعث.
٦٦٣٦ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ
السَّاعِدِيّ ◌َنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ اسْتَعْمَلَ عامِلاً فَجاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقالَ: يا
رَسُولَ الله هذا لَكُمْ، وَهَذا أُهْدِيَ لِي فَقَالَ لَهُ: ((أَفَلا فَعَدْتَ فِي بَيْتٍ أَبِكَ وَأُمَكَ فَتَظَرْتَ أَيُهْدى
لَكَ أَمْ لا)»؟ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى الله بِما هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ
قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ فَما بالُ الْعامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينا فَيَقُولُ: هذا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهذا أُهْدِيَ لِي، أَفَلا فَعَدَ

٤٩
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
فِي بَيْتِ أَبِهِ وَأُمَّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدِى لَهُ أَمْ لا؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلاَّ
جاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كانَ بَعِيرًا جاءَ بِهِ لَهُ رُغاءٌ، وَإِنْ كانَتْ بَقَرَةً جاءَ بِها لَها
خُوارٌ، وَإِنْ كانَتْ شاةً جاءَ بِها تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ)) فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِوَ يَدَهُ
حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ قالَ أَبُو حُمَيْدٍ: وَقَدْ سَمِعَ ذلِكَ مَعِي زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ مِنَ النَّبِيّ ◌َُِّ
فَسَلُوهُ.
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن أبي حميد) بضم الحاء
المهملة قيل اسمه عبد الرَّحمن وقيل المنذر (الساعدي) رضي الله عنه (أنه أخبره أن رسول الله واليوم
استعمل عاملاً) هو عبد الله بن اللتبية بضم اللام وسكون الفوقية وكسر الموحدة وتشديد التحتية
على الصدقة (فجاءه) ◌َ﴾ (العامل) ابن اللتبية (حين فرغ من عمله) فحاسبه وَلهر (فقال: يا
رسول الله هذا لكم وهذا أهدي لي فقال) وَلَّر (له):
(أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى) بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الدال
المهملة (لك أم لا. ثم قام رسول الله ◌َّ ر عشية بعد الصلاة فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله
ثم قال أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول هذا من عملكم وهذا أهدي لي أفلا قعد في
بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى له أم لا فوالذي نفس محمد بيده) وهذا موضع الترجمة (لا يغل)
بضم الغين المعجمة وتشديد اللام لا يخون (أحدكم منها) من الصدقة (شيئًا إلا جاء به يوم القيامة)
حال كونه (يحمله على عنقه إن كان) الذي غله (بعيرًا جاء به) حال كونه (له رغاء) بضم الراء
وفتح الغين المعجمة ممدودًا صفة لبعير أي صوت (وإن كانت) المغلولة (بقرة جاء بها) يوم القيامة
يحملها على عنقه (لها خوار) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو صوت (وإن كانت شاة جاء بها)
يوم القيامة يحملها على عنقه (تيعر) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء
تصوّت (فقد بلغت) ما أمرت به (فقال أبو حميد) الساعدي رضي الله عنه (ثم رفع رسول الله والله
يده) بالإفراد (حتى إنا لننظر إلى عفرة إبطيه) بضم العين المهملة وسكون الفاء وبالراء بياضهما
المشوب بالسمرة.
(قال أبو حميد) الساعدي رضي الله عنه بالسند المذكور (وقد سمع ذلك) الحديث (معي
زيد بن ثابت) أبو سعيد الأنصاري كاتب الوحي (من النبي ◌َّ فسلوه) بفتح السين من غير همز.
والحديث سبق في باب من لم يقبل الهدية لعلة من كتاب الهبة.
٦٦٣٧ - حدّثنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا هِشامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ وَِّ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ
كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً)).
إرشاد الساري/ ج ١٤/ م ٤

٥٠
كتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
وبه قال: (حدثني) بالإِفراد ولأبي ذر: حدثنا (إبراهيم بن موسى) الفراء أبو إسحاق الرازي
المعروف بالصغير قال: (أخبرنا هشام هو ابن يوسف) الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن
حمام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال أبو القاسم وَلَ﴾):
(والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم) من أهوال يوم القيامة (لبكيتم) بفتح الكاف
(كثيرًا ولضحكتم قليلاً) وكل من كان لله أعرف كان أخوف.
وسبق متن الحديث عن عائشة رضي الله عنها في هذا الباب.
٦٦٣٨ - هقلنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرّ
قالَ: أَنْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ فِي ظِلّ الْكَعْبَةِ: ((هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبّ الْكَعْبَةِ، هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبّ
الْكَعْبَةَ»، قُلْتُ: ما شَأْنِي أَيْرى فِيَّ شَيْءٌ ما شَأْنِ؟ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ
أَسْكُتَ وَتَغَشَّانِي ما شاءَ الله فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمَي يا رَسُولَ الله قالَ: ((الأَكْثَرُونَ أَمْوالاً
إِلاَّ مَنْ قالَ: هكذا وهكذا وهكذا)».
وبه قال: (حدثنا عمر بن حفص) قال: (حدثنا أبي) حفص بن غياث النخعي الكوفي قال:
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن المعرور) بفتح الميم وسكون العين المهملة وراءين
مهملتين بينهما واو ساكنة ابن سويد الأسدي (عن أبي ذر) جندب بن جنادة الأنصاري رضي الله
عنه أنه (قال: انتهيت إليه) وَّر (وهو يقول في ظل الكعبة): كذا في اليونينية وفي نسخة: وهو
في ظل الكعبة يقول :
(هم الأخسرون ورب الكعبة هم الأخسرون ورب الكعبة) مرتين، وهذا موضع الترجمة. قال
أبو ذر: (قلت ما شأني)؟ ما حالي (أيرى) بضم التحتية (فيّ) بتشديد الياء (شيء) أيظن في نفسي
شيء يوجب الأخسرية وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي أيرى بالتحتية المفتوحة يعني
النبي * فيّ بتشديد الياء شيئًا (ما شأني) ما حالي (فجلست إليه) وَلتر (وهو يقول فما استطعت أن
أسكت وتغشاني) بفتح الغين والشين المشددة المعجمتين (ما شاء الله فقلت: من هم بأبي أنت وأمي)
مفدّي (يا رسول الله؟ قال) وَلجر: (الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) ثلاث مرات
أي إلاّ من أنفق ماله أمامًا ويمينًا وشمالاً على المستحقين فعبّر عن الفعل بالقول.
والحديث أخرجه البخاري مقطعًا في الزكاة بلفظ انتهيت إلى النبي ◌َّ فقال: والذي نفسي
بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها
إلا أتي بها يوم القيامة الحديث، وأخرجه مسلم في الزكاة والترمذي وقال: حسن صحيح.
٦٦٣٩ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزّنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قالَ سُلَيْمَانُ لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى تِسْعِينَ آمْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفارِسٍ

٥١
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
يُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: إِنْ شاءَ الله، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شاءَ الله، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا
فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّ امْرَأَةٌ واحِدَةٌ، جاءَتْ بِشِقْ رَجُلٍ، وَأَيْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شاءَ
الله: لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسانًا أَجْمَعُونَ)) .
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي
الله عنه أنه (قال: قال رسول الله وَالله):
(قال سليمان) بن داود عليهما السلام (لأطوفن) والله لأطوفن (الليلة على تسعين امرأة) أي
لأجامعهن، وتسعين بفوقية قبل السين، وفي رواية في كتاب الأنبياء سبعين بموحدة بعد السين،
وفي مسلم ستون ويروى مائة ولا منافاة لأنه مفهوم عدد (كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله)
عز وجل. وفي رواية أخرى. فتحمل كل واحدة وتلد غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله، وحينئذٍ
فيكون في هذه الرواية حذف أو لا حذف فيها ويكون قوله فتأتي مسببًا عن الطوفان لأنه مسبب
عن الحمل والحمل عن الوطء، وسبب السبب سبب وإن كان بواسطة. وجزم بذلك لغلبة رجائه
لقصد الأجر (فقال له صاحبه) قرينه أو الملك (إن شاء الله) ولأبي ذر قل إن شاء الله (فلم يقل إن
شاء الله) نسيانًا (فطاف عليهن) جامعهن (جميعًا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل)
بكسر الشين بنصف ولد وعبر بالرجل بالنظر إلى ما يؤول إليه قيل إنه الجسد الذي ذكره الله أنه
ألقي على كرسيه (وايم الذي نفس محمد بيده) فيه جواز إضافة ايم إلى غير لفظ الجلالة ولكنه نادر
(لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) عز وجل حال كونهم (فرسانًا أجمعون) تأكيد لضمير
الجمع في قوله: لجاهدوا، وقد أنسى الله تعالى سليمان عليه السلام الاستثناء ليمضي قدره
السابق .
والحديث سبق في الجهاد في باب من طلب الولد للجهاد، وباب قول الله ﴿ووهبنا لداود
سليمان﴾ [ص: ٣٠] في كتاب الأنبياء.
٦٦٤٠ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَراءِ بْنِ عازِبٍ قَالَ:
أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ نَّهُ سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَها بَيْنَهُمْ وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِها وَلِينِها
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْها))؟ قالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله قالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنادِيلُ
سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْها». لَمْ يَقُلْ شُعْبَةُ وَإِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيِّدِهِ.
وبه قال: (حدثنا محمد) قال الغساني هو ابن سلام قال: (حدثنا أبو الأحوص) بالحاء
الساكنة والصاد المهملتين بينهما واو مفتوحة سلام بالتشديد ابن سليم (عن أبي إسحاق) عمرو بن
عبد الله السبيعي (عن البراء بن عازب) رضي الله عنه أنه (قال: أهدي) بضم الهمزة (إلى
النبي مَ ل سرقة) بفتح السين المهملة والراء والقاف وبالرفع مفعول ناب عن فاعله قطعة (من

٥٢
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
حرير) أبيض جيد وفي المناقب من طريق شعبة عن أبي إسحاق أهديت للنبي وَِّ حلة حرير وفي
حديث أنس في الهبة أهداها له أكيدر دومة (فجعل الناس يتداولونها بينهم ويعجبون من حسنها
ولينها فقال رسول الله (وَلي) لهم (أتعجبون منها)؟ قالوا: (نعم يا رسول الله قال: والذي نفسي
بيده لمناديل سعد) بسكون العين ابن معاذ بن النعمان الأشهلي سيد الأوس رضي الله عنه (في الجنة
خير منها) من سرقة الحرير، وللكشميهني من هذا، ولعله وَّ ر قال ذلك استمالة لقلب سعد أو أن
المتعجبين من الأنصار فقال لهم: منديل سيدكم خير منه وفيه منقبة له لا تخفى وقد سبق الحديث
في الهبة والمناقب واللباس (لم يقل شعبة) بن الحجاج فيما رواه في المناقب (و) كذا (إسرائيل) فيما
رواه في اللباس كلاهما (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي (والذي نفسي بيده) فانفرد أبو الأحوص
في روايته عن أبي إسحاق السبيعي بها.
٦٦٤١ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، حَدَّثَنِي
عُزوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُثْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ
ما كانَ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلَ أَخْبَاءٍ - أَوْ خِباءٍ - أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَذِلُوا مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ - أَوْ
خِبائِكَ - شَكَّ يَحيى، ثُمَّ ما أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَهْلُ أَخْباءِ - أَوْ خِباءِ - أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُوا مِنْ أَهْلِ
أَخْبَائِكَ - أَوْ خِبائِكَ - قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسْيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ، قَالَ: ((لا إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ)).
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف اسم جده واسم أبيه عبد الله
المخزومي مولاهم المصري قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن
ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عروة بن الزبير أن عائشة رضي
الله عنها قالت: إن هند بنت عتبة بن ربيعة) بضم عين عتبة وسكون الفوقية القرشية أم معاوية بن
أبي سفيان أسلمت يوم الفتح رضي الله عنها (قالت: يا رسول الله ما كان مما على ظهر الأرض
أهل أخباء) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وتخفيف الموحدة ممدودًا (أو خباء) بكسر الخاء
بالشك هل هو بصيغة الجمع أو الإفراد، والخباء أحد بيوت العرب من وبر أو صوف لا من شعر
ويكون على عمودين أو ثلاثة (أحب) نصب خبر كان (إلي) بتشديد الياء (من أن يذلوا) بفتح
التحتية وكسر الذال المعجمة وسقط لفظ من في نسخة وعليها ضرب في اليونينية (من أهل
أخبائك) بفتح الهمزة (أو خبائك) بإسقاطها (شك يحيى) بن بكير شيخ البخاري (ثم ما أصبح
اليوم أهل أخباء أو خباء أحب إلي أن) ولأبي ذر عن الكشميهني من أن (يعزوا) بفتح التحتية
وكسر العين (من أهل أخبائك) بالخاء المعجمة والموحدة كالسابق وفي اليونينية هذه أحيائك بالمهملة
والتحتية (أو خبائك) بالشك كذلك وأن في الموضعين مصدرية أي من ذلهم ومن عزهم (قال
رسول الله (*):

٥٣
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
(وأيضًا) ستزيدين من ذلك (والذي نفس محمد بيده) لأن الإيمان إذا تمكن في القلب زاد
الحب لرسول الله وَ له وأصحابه، أو وأنا أيضًا بالنسبة إليك مثل ذلك والأول أوجه (قالت: با
رسول الله إن أبا سفيان) بن حرب تعني زوجها (رجل مسّيك) بكسر الميم والسين المهملة المشددة
وبفتح الميم وتخفيف السين وهو أصح عند أهل العربية، والأول أشهر عند المحدثين أي بخيل
يمسك ما في يده لا يخرجه لأحد. قال القرطبي: وبخله إنما هو بالنسبة إلى امرأته وولده لا
مطلقًا لأن الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته لأنه يرى غيرهم أحوج وأولى، وإلا فأبو سفيان لم
يكن معروفًا بالبخل فلا دلالة في هذا الحديث على بخله مطلقًا (فهل علي) بتشديد الياء (حرج)
إثم (أن أطعم) بضم الهمزة وكسر العين (من الذي له؟ قال) بيليجر: (لا) حرج عليك (إلا)
بالتشديد أن تطعمي من ماله (بالمعروف) أي القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية ويفسر المعروف في
كل موضع بحسبه، ولأبي ذر لا بالمعروف فتكون الباء متعلقة بالإنفاق لا بالنفي.
والحديث مرّ في باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها من كتاب النفقات.
٦٦٤٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ
أَبِي إِسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ:
بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِوََّ مُضِيفْ ظَهْرَهُ إِلى قُبَّةٍ مِنْ أَدَم يَمانٍ إِذْ قَالَ لأَصْحابِهِ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا
رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»؟ قالُوا: بَلَى. قَالَ: ((أَفَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ)؟ قالُوا: بَلى. قالَ:
((فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (أحمد بن عثمان) الأودي الكوفي قال:
(حدثنا شريح بن مسلمة) بضم الشين المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية ساكنة فمهملة ومسلمة بفتح
الميمين الكوفي قال: (حدثنا إبراهيم عن أبيه) يوسف بن إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق)
عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت عمرو بن ميمون) بفتح العين الأودي المخضرم
(قال: حدثني) بالإفراد (عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما) بالميم (رسول الله وَل
مضيف) بضم الميم وكسر الضاد المعجمة بعدها تحتية ساكنة ففاء أي مسند (ظهره إلى قبة من ادم)
جلد (يمان) أصله يمني فقدم إحدى الياءين على النون وقلب ألفًا فصار مثل قاض، ولأبي ذر
يماني على الأصل (إذ قال لأصحابه):
(أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى) فيه أن بلى يجاب بها في الاستفهام كما
في مسلم أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب بلى، ولكن هذا عندهم قليل فلا يقاس عليه
(قال: أفلم ترضوا) ولأبي ذر: أفلا ترضون (أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: بلى قال) عليه
الصلاة والسلام: (فوالذي نفس محمد بيده) ولأبي ذر عن الكشميهني في يده في تصريفه (إني
لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) ذكر ذلك بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم.

٥٤
کتاب الأيمان والنذور/ باب ٣
والحديث سبق في باب كيف الحشر من الرقاق.
٦٦٤٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنٍ
عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ أَنْ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: ١] يُرَدِّدُها فَلَمَّا أَصْبَحَ جاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُها
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن عبد الرحمن
عن أبيه) عبد الله بن أبي صعصعة (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله عنه (أن رجلاً) هو أبو
سعيد نفسه (سمع رجلاً) هو قتادة بن النعمان (يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ يرددها فلما أصبح) أبو
سعيد (جاء إلى رسول الله وَ﴿ فذكر ذلك) الذي سمعه من قتادة (له وكان الرجل) بالهمز وتشديد
النون (يتقالها) بتشديد اللام يعتقد أنها قليلة في العمل (فقال رسول الله (وَلاي):
(والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) لأنه قصص وأخبار وصفات لله تعالى، وسورة
الإخلاص متمحضة الله تعالى وصفاته فهي ثلثه فقارئها له ثواب قراءة ثلث القرآن وقراءة الثلث لها
عشرة أمثالها والثواب بقدر النصب والفضل لله، وظاهر الأحاديث أن من قرأها حصل له ثواب
مثل من قرأ ثلث القرآن، وفي باب فضل ﴿قل هو الله أحد﴾ بعد التفسير الإشارة لذلك.
٦٦٤٤ - حدثنا إِسْحاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مالِكِ
رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ وَّهِ يَقُولُ: ((أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسَّجُودَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ
مِنْ بَعْدٍ ظَهْرِي إِذا ما رَكَعْتُمْ وَإِذا ما سَجَدْتُمْ)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا حبان)
بفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة ابن هلال الباهلي قال: (حدثنا همام) هو ابن يحيى العوذي
قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع النبي ◌َّ
يقول):
(أتموا الركوع والسجود فو) الله (الذي نفسي بيده إني لأراكم) بفتح الهمزة (من بعد) أي من
وراء (ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم) أي إذا ركعتم وإذا سجدتم فما زائدة فيهما والرؤية
هنا رؤية إدراك وهي لا تتوقف على وجود آلتها التي هي العين ولا شعاع ولا مقابلة وهذا بالنسبة
إلى القديم العالي أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية في حقه على الحاسة والمقابلة والشعاع، ومن ثم
كان خرق عادة في حقه وَّر وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.
وفي المواهب اللدنية مما جمعته ما يكفي ويشفي، والحديث سبق في الصلاة.

٥٥
كتاب الأيمان والنذور/ باب ٤
٦٦٤٥ - حدثنا إِسْحاقُ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جُرَيْرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مالِكِ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ أَتَتِ النَّبِيَّ وَّهِ مَعَها أَوْلادٌ لَها فَقالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لِأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ)) قالَها ثَلاثَ مِرارٍ .
وبه قال: (حدثنا إسحاق) بن راهويه قال: (حدثنا وهب بن جرير) الأزدي الحافظ قال:
(حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد عن) جده (أنس بن مالك) رضي الله عنه (أن امرأة
من الأنصار) قال في الفتح: لم أقف على اسمها (أنت النبي ◌َّ) حال كونها (معها أولاد لها) لم
يعرف ابن حجر أسماءهم، ولأبي ذر عن الكشميهني أولادها (فقال النبي ◌َّ):
(والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلى) بتشديد الياء (قالها ثلاث مرار) قال في الكواكب
الخطاب في قوله إنكم لجنس المرأة وأولادها يعني الأنصار وهو عام مخصص بدلائل أخر فلا يلزم
منه أن يكون الأنصار أفضل من المهاجرين عمومًا ومن المعمرين خصوصًا.
والحديث سبق في فضل الأنصار.
٤ - باب لا تَخْلِفُوا بِآبَائِكُمْ
هذا (باب) بالتنوين قوله ◌َلير (لا تحلفوا بآبائكم).
٦٦٤٦ - حدّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ رَضِيَ
الله عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَخْلِفُ بِأَبِيِهِ فَقالَ: ((أَلَا
إِنَّ الله يَتْهَاكُمْ أَنْ تَخْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام ابن أنس الأصبحي (عن
نافع) أبي عبد اللَّه الفقيه (عن) مولاه (عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَلو أدرك
عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (وهو يسير في ركب) راكبي الإِبل عشرة فصاعدًا حال كونه
(يحلف بأبيه) الخطاب (فقال) تليفون:
(ألا) بالتخفيف (إن الله) عز وجل (ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) وفي مصنف ابن أبي شيبة من
طريق عكرمة قال: قال عمر رضي الله عنه: حدث قومًا حديثًا فقلت لا وأبي فقال رجل من
خلفي: لا تحلفوا بآبائكم فالتفت فإذا رسول الله وَ له يقول: ((لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك
والمسيح خير من آبائكم)) قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل يتقوى بشواهد، وأما قوله وَلّ أفلح
وأبيه إن صدق، فقال ابن عبد البر إن هذه اللفظة منكرة غير محفوظة تردّها الآثار الصحاح، وقيل
إنها مصحفة من قوله والله وهو محتمل، ولكن مثل هذا لا يثبت بالاحتمال لا سيما وقد ثبت مثل
ذلك من لفظ أبي بكر الصديق في قصة السارق الذي سرق حلي ابنته فقال: وأبيك ما ليلك بليل
سارق أخرجه في الموطأ وغيره، وفي مسلم مرفوعًا أن رجلاً سأله أي الصدقة أفضل؟ فقال:

٥٦
كتاب الأيمان والنذور/ باب ٤
وأبيك لأنبثنك أو لأحدّثنك وأحسن الأجوبة ما قاله البيهقي وارتضاه النووي وغيره أن هذا اللفظ
كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة
الحلف أو أن في الكلام حذفًا أي أفلح ورب أبيه قاله البيهقي أيضًا (من كان حالفا فليحلف بالله
أو ليصمت) بضم الميم ومن شرطية في موضع رفع بالابتداء وكان واسمها وخبرها في محل الخبر،
والمعنى من كان مريدًا للحلف فليحلف بالله لا بغيره من الآباء وغيرهم، وحكمته أن الحلف
بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله تعالى وحده وظاهره تخصيص الحلف بالله
خاصة لكن اتفقوا على أنه ينعقد بما اختص الله تعالى به ولو مشتقًا ولو من غير أسمائه الحسنى
كوالله ورب العالمين والحي الذي لا يموت ومن نفسي بيده إلا أن يريد به غير اليمين فيقبل منه
كما في الروضة كأصلها أو بما هو فيه تعالى عند الإطلاق أغلب كالرحيم والخالق والرزاق والرب
ما لم يرد بها غيره تعالى لأنها تستعمل في غيره مقيدة كرحيم القلب وخالق الإفك ورازق الجيش
ورب الإِبل أو بما هو فيه تعالى، وفي غيره سواء كالموجود والعالم والحي إن أراده تعالى بها
بخلاف ما إذا أراد بها غيره أو أطلق لأنها لما أطلقت عليهما سواء أشبهت الكنايات وبصفته الذاتية
كعظمته وعزته وكبريائه وكلامه ومشيئته وعلمه وقدرته وحقه إلا أن يريد بالحق العبادات أو بعلمه
وقدرته المعلوم والمقدور وظاهر قوله فليحلف بالله الإذن في الحلف، ولكن قال الشافعية: يكره
لقوله تعالى ﴿لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] إلا في طاعة من فعل واجب أو
مندوب وترك حرام أو مكروه فطاعة، وفي دعوى عند حاكم، وفي حاجة كتوكيد كلام
كقوله وَلـ: ((فوالله لا يمل الله حتى تملوا)) أو تعظيم أمر كقوله: ((والله لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلاً ولیکیتم کثیرًا» فلا یکره فيهما.
٦٦٤٧ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: قالَ
سالِمٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَخْلِفُوا
بِآبَائِكُمْ)) قالَ عُمَرُ: فَوَالله ما حَلَفْتُ بِها مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَِّ ذَاكِرًا وَلا آثِرًا. قَالَ مُجاهِدٌ: ﴿أَوْ
أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ يَأْتُرُ عِلْمًا. تابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَإِسْحاقُ الْكَلْبِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ،
وَمَعْمَرْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعَ النَّبِيِّ نَّهِ عُمرَ.
وبه قال: (حدثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء
مولى الأنصار المصري قال: (حدثنا ابن وهب) عبد اللَّه المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن
ابن شهاب) الزهري أنه (قال: قال سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (قال ابن عمر: سمعت عمر)
رضي الله عنه (يقول: قال لي رسول الله(وَل﴿):
(إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) جملة ينهاكم في محل رفع خبر إن وأن مصدرية في محل
نصب أو جرّ بتقدير حرف الجر أي ينهاكم عن أن تحلفوا الأوّل للخليل والكسائي والثاني لسيبويه
وحكم غير الآباء من سائر الخلق كحكم الآباء في النهي، وفي حديث ابن عمر عند الترمذي

٥٧
كتاب الأيمان والنذور/ باب ٤
وقال حسن وصححه الحاكم أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة. فقال: لا تحلف بغير الله فإني
سمعت رسول الله وَلو يقول: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) والتعبير بذلك للمبالغة في
الزجر والتغليظ وهل النهي للتحريم أو التنزيه المشهور عند المالكية الكراهة وعند الحنابلة التحريم
وجمهور الشافعية أنه للتنزيه. وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة. وقال غيره بالتفصيل
فإن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكفر بذلك الاعتقاد أما إذا حلف بغير
الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه.
(قال عمر) رضي الله عنه: (فوالله ما حلفت بها) أي بأبي (منذ سمعت النبي ◌َّ) ومنذ
ظرف مضاف إلى الجملة بتقدير زمان أي ما حلفت بها منذ زمن سماعي للنهي عنها حال كوني
(ذاكرًا) أي عامدًا (ولا آثرًا) بهمزة ممدودة فمثلثة مكسورة أي حاكيًا عن غيري أي ما حلفت بها
ولا حكيت ذلك عن غيري واستشكل هذا التفسير لتصدير الكلام بحلفت والحاكي عن غيره لا
يسمى حالفًا. وأجيب: باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفًا أي ولا ذكرتها آثرًا عن غيري أن
يكون ضمن حلفت معنى تكلمت أو معناه يرجع إلى معنى التفاخر بالآباء والإكرام لهم فكأنه
قال: ما حلفت بآبائي ذاكرًا لمآثرهم.
(قال مجاهد) فيما وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح في تفسير قوله
تعالى (﴿أو أثارة من علم﴾) [الأحقاف: ٤] وفي نسخة أو أثرة بإسقاط الألف بعد المثلثة وفي
هامش الفرع كأصله قرىء بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أي (يأثر علمًا) بضم المثلثة
واختلف في معنى هذه اللفظة ومحصل ما ذكر في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها البقية والأصل أثرت
الشيء آثره أثارة كأنها بقية تستخرج فتثار الثاني من الأثر وهو الرواية الثالث من الأثر وهي العلامة
(تابعه) أي تابع يونس (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد مما رواه أبو نعيم في مستخرجه
على مسلم (والزبيدي) محمد بن الوليد مما وصله النسائي (وإسحاق) بن يحيى (الكلبي) الحمصي مما
هو في مشيخته المروية من طريق أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان الثلاثة (عن الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب (وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله الحميدي في مسنده (ومعمر) هو ابن
راشد مما وصله أبو داود كلاهما (عن الزهري عن سالم عن ابن عمر) أنه (سمع النبي ◌َّرِ عمر).
وفي هذا الحديث الزجر عن الحلف بغير الله، وإنما خص في حديث ابن عمر بالآباء
لوروده على سببه المذكور أو خص لكونه كان غالبًا عليهم لقوله في الرواية الأخرى: وكانت
قريش تحلف بآبائها، ويدل على التعميم قوله: من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله فلو حلف بغيره
تعالى سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم كالأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء والملوك والآباء
والكعبة أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد أو يستحق التحقير والإذلال كالشياطين والأصنام لم
تنعقد يمينه. قال الطبري: من حلف بالكعبة أو آدم أو جبريل ونحو ذلك لم تنعقد يمينه ولزمه
الاستغفار لإقدامه على ما نهي عنه ولا كفارة في ذلك نعم استثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف

٥٨
كتاب الأيمان والنذور/ باب ٤
بنبينا محمد ◌َ﴿ فقال: تنعقد به اليمين وتجب الكفارة بالحنث به لأنه يهو أحد ركني الشهادة الذي
لا تتم إلا به، والله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه كالليل والنهار ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم
قدرته لعظم شأنها عندهم ولدلالتها على خالقها، وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق قال:
ويقبح من سواك الشيء عندي وتفعله فيحسن منك ذاك
٦٦٤٨ - هقلنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ
دِينارٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَّرَ رَضِيَ الله عَنْهُما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لا تَحْلِفُوا
پآبائِكُمْ».
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدثنا عبد العزيز بن
مسلم) القسملي قال: (قال: حدثنا عبد اللَّه بن دينار) أنه (قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما يقول): ولأبي ذر قال (قال رسول الله (وَل ﴿):
(لا تحلفوا بآبائكم) قال المهلب: كانت العرب في الجاهلية تحلف بآبائهم وآلهتهم فأراد الله
تعالى أن ينسخ من قلوبهم وألسنتهم ذكر كل شيء سواه ويبقي ذكره تعالى لأنه الحق المعبود.
٦٦٤٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ،
عَنْ زَهْدَمِ قالَ: كانَّ بَيْنَ هذا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدِّ وَإِخَاءٌ فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسى
الأَشْعَرِيّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعامٌ فِيهِ لَخْمُ دَجاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنَ الْموالِي
فَدَعَاهُ إِلَى الطّعامِ فَقالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ: قُمْ فَلأُحَدْثَنَّكَ
عَنْ ذاكَ، إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: ((وَالله لا أَحْمِلُكُمْ وَما
عِنْدِي ما أَحْمِلُكُمْ))، فَأَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِتَهْب ◌ِلِ فَسَأَلَ عَنَّا فَقالَ: ((أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ))؟ فَأَمَرَ
لَنا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا أَنْطَلَقْنَا قُلْنا: ما صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللهِوَّةِ لا يَحْمِلُنا وَمَا عِنْدَهُ
ما يَحْمِلُنا، ثُمَّ حَمَلَنَا تَغَفّلْنَا رَسُولَ اللهِوَّهَ يَمِينَهُ، وَالله لا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا أَتَيْنَاكَ
لِتَحْمِلَنَا فَحَلَفْتَ أَنْ لا تَحْمِلَنا وَمَا عِنْدَكَ ما تَحْمِلُنا، فَقَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ الله
حَمَلَكُمْ، وَالله لا أَخْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُها)).
وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن
أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف وفتح الموحدة عبد الله بن زيد الجرمي
(والقاسم) بن عاصم (التيمي) البصري کلاهما (عن زهدم) بفتح الزاي وسکون الهاء بعدها دال
مهملة مفتوحة ثم ميم بوزن جعفر بن مضرب الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء أبي مسلم البصري
أنه (قال: كان بين هذا الحي من جرم) بفتح الجيم وسكون الراء قبيلة من قضاعة (وبين الأشعريين
وذ) بضم الواو وتشديد المهملة محبة (وإخاء) بكسر الهمزة وتخفيف المعجمة والمدّ (فكنا عند أبي

٥٩
كتاب الأيمان والنذور/ باب ٤
موسى الأشعري) رضي الله عنه (فقرب إليه طعام فيه لحم دجاج) ليأكل منه (وعنده رجل من بني
تيم الله أحمر) اللون (كأنه من الموالي) وتيم بفتح الفوقية وسكون التحتية حي من بني بكر وثبت
لفظ بني لأبي ذر عن الحموي والمستملي (فدعاه) أبو موسى (إلى الطعام فقال: إني رأيته) يعني
جنس الدجاج (يأكل شيئًا) قذرًا (قذرته) بكسر الذال المعجمة أي كرهت أكله (فحلفت أن لا
آكله) وفي الترمذي عن قتادة عن زهدم قال: ((دخلت على أبي موسى وهو يأكل دجاجًا فقال:
ادن فكل فإني رأيت رسول الله (وَل﴿ يأكله))، ففيه أن الرجل المبهم هو زهدم نفسه (فقال) له أبو
موسى (قم فلأحدثنك) بنون التوكيد أي فوالله لأحدثنك (عن ذاك) ولأبي ذر عن ذلك باللام (إني
أتيت رسول الله) ولأبي ذر النبي (* في نفر) جماعة من الرجال ما بين الثلاثة إلى العشرة (من
الأشعرين نستحمله) نطلب منه إبلاً تحملنا وأثقالنا (فقال) وَل:
(والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم) زاد أبو ذر عليه (فأتي رسول الله(وَل﴾) بضم الهمزة فأتي
(بنهب إيل) إضافة نهب لتاليه أي من غنيمة (فسأل) وَلجر (عنا فقال أين النفر الأشعريون) فحضرنا
(فأمر لنا بخمس ذود) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة مجرور بالإضافة من الإبل ما بين
الثلاث إلى العشر (غر الذرى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء والغر بالغين المعجمة المضمومة وتشديد
الراء بيض الأسنمة (فلما انطلقنا) من عنده بها (قلنا ما صنعنا حلف رسول الله وَلاو لا يحملنا)
وللكشميهني أن لا يحملنا (وما عنده ما يحملنا ثم حملنا) بفتحات (تغفلنا) بسكون اللام
(رسول الله * يمينه) أي طلبنا غفلته في يمينه الذي حلف لا يحملنا (والله لا نفلح أبدًا فرجعنا
إليه) وَيقول (فقلنا له) يا رسول الله وسقط لأبي ذر لفظ له (إنا أتيناك لتحملنا فحلفت أن لا تحملنا وما
عندك ما تحملنا فقال: إني لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم والله لا أحلف على يمين) على محلوف
يمين (فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير) من الذي حلفت عليه (وتحللتها) بالكفارة.
قال في المصابيح: الظاهر أنه وَلّه لم يحلف على عدم حملانهم مطلقًا لأن مكارم أخلاقه
ورأفته ورحمته بالمؤمنين تأبى ذلك، والذي يظهر لي أن قوله: وما عندي ما أحملكم جملة حالية من
فاعل الفعل المنفي بلا أو مفعوله أي لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيء أحملكم عليه أي: أنه
لا يتكلف حملهم بقرض أو غيره لما رآه من المصلحة المقتضية لذلك فحمله لهم على ما جاءه من
مال الله لا يكون مقتضيًا لحنث فيكون قوله: إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها إلى آخره
تأسيس قاعدة في الأيمان لا أنه ذكر ذلك لبيان أنه حنث في يمينه وأنه يكفرها اهـ. وفيه بحث
يأتي إن شاء الله تعالى في باب اليمين فيما لا يملك.
ومطابقة الحديث للترجمة قال الكرماني: من حيث إنه ◌ّلهو حلف في هذه القصة مرتين أوّلاً
عند الغضب ومرة عند الرضا ولم يحلف إلا بالله، فدلّ على أن الحلف إنما هو بالله على الحالتين
وستكون لنا عودة إن شاء الله تعالى بعون الله إلى بقية مباحث هذا الحديث في كفارات الأيمان
وغيرها .

٦٠
كتاب الأيمان والنذور/ باب ٥
٥ - باب لا يُخْلَفُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، وَلا بِالطَّوافِيتِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يحلف) بضم أوّله وفتح ثالثه (باللات) بتشديد اللام
(والعزى) بضم العين المهملة وتشديد الزاي المفتوحة (ولا يحلف بالطواغيت) بالمثناة الفوقية جمع
طاغوت صنم، وقيل شيطان وأصله طغيوت قدمت الياء على الغين فصار طيغوت ثم قلبت الياء
ألفًا لتحركها وانتاح ما قبلها، والألف واللام في اللات زائدة لازمة فأما قوله إلى لاتها فحذفت
للإضافة، وهي هي والعزى علمان بالوضع أو صفتان غالبتان خلاف ويترتب على ذلك جواز
حذف أل وعدمه. فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما أل، وإن قلنا إنهما
صفتان وأن أل للمح الصفة جاز، وبالتقديرين فأل زائدة. واختلف في تاء اللات فقيل أصل
وأصله من لات يليت فألفها عن ياء، وقيل زائدة وهي من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم
إليها أو يلتوون أي يعتكفون عليها، وأصلها لوية فحذفت لامها فألفها على هذا من واو وهو اسم
صنم كان لثقيف بالطائف، وقيل بعكاظ والعزى فعلى من العز وهي تأنيث الأعز كالفضلى
والأفضل وهو اسم صنم، وقيل شجرة كانت تعبد فبعث ◌ّلهول إليها خالد بن الوليد فقطعها فجعل
يضربها بالفأس ويقول:
ياعز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
٦٦٥٠ - حدثني عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((مَنْ
حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ الله، وَمَنْ قالَ لِصاحِبِهِ: تَعالَ أُقَامِرْكَ
فَلْيَتَصَدَّقْ)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا
هشام بن يوسف) أبو عبد الرَّحمن قاضي صنعاء قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن
الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ)
أنه (قال):
(من حلف) بغير الله (فقال في حلفه) بكسر اللام (باللات والعزى) بموحدة في الأولى وواو
في الثانية، ولأبي ذر: بواو بدل الموحدة أي في الأولى كيمين المشركين (فليقل لا إله إلا الله) قال
في شرح المشارق: لأن الحلف إنما هو بالله فإذا حلف باللات والعزى فقد ساوى الكفار في ذلك
فأمر أن يتدارك ذلك بكلمة التوحيد كذا في بعض الشروح، ومقتضاه أنه يكفر بذلك وهو كذلك
إن كان حلفه به لكونه معبودًا ويكون الأمر للوجوب وإن كان لغير ذلك كما يقول الرجل
وحياتك لأفعلن كذا، فأمره وَلّو إنما يكون لشبهه بمن يعبدهما وهل يكفر بذلك فيباح دمه وتبين
امرأته ویبطل حجه فيه كلام اهـ.