Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ کتاب القدر/ باب ٨ (يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم) بهمزة وصل وفتح الموحدة وضم العين المهملة ارفقوا بأنفسكم واخفضوا أصواتكم (فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا). قال الكرماني وتبعه العيني: أصمًا ولعله باعتبار التناسب وأطلق على التنكير دعاء لأنه بمعنى النداء إذ الذاكر يريد إسماع من ذكره والشهادة له (إنما تدعون سميعًا بصيرًا ثم قال) وَلّر لأبي موسى: (يا عبد الله بن قيس ألا) بالتخفيف (أعلمك كلمة) من باب إطلاق الكلمة على الكلام (هي من كنوز الجنة) أي من ذخائر الجنة وقال النووي أي إن قولها يحصل ثوابًا نفيسًا يدخر لصاحبه في الجنة (لا حول ولا قوّة إلا بالله) أي لا تحوّل للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوّة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله فهي كما قال النووي كلمة استسلام وتفويض يشير إلى أن العبد لا يملك لنفسه شيئًا وأنه لا قدرة له على دفع ضرر ولا قوّة له على جلب خير إلا بقدر الله تعالى وإرادته. والحديث أخرجه في آخر كتاب الدعوات. ٨ - باب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله عاصِمٌ: مانِعٌ. قَالَ مُجاهِدٌ: سُدًا عَنِ الْحَقِ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلالَةِ. دَسَّاها: أَغْواها. هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله وَلقر (المعصوم من عصم الله) بإسقاط ضمير المفعول (عاصم) في قوله تعالى ﴿لا عاصم اليوم﴾ [هود: ٤٣] أي (مانع) كذا فسره عكرمة فيما أخرجه الطبري من طريق الحكم بن أبان عنه. (قال مجاهد): هو ابن جبر (سدًا) بألف بعد الدال المنوّنة أي من غير تشديد في الفرع كأصله وقال في الفتح بالتشديد والألف أي (عن الحق يترددون في الضلالة) وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحق، ووصله عبد بن حميد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًا﴾ قال: عن الحق وقد يترددون، ورأيته في بعض النسخ سدي بتحتية بعد الدال مخففًا وعليها شرح الكرماني قال في الفتح: فزعم الكرماني أنه وقع هنا أيحسب الإنسان أن يترك سدى أي مهملاً مترددًا في الضلالة ولم أر في شيء من نسخ البخاري إلا اللفظ الذي أوردته ولم أر في شيء من التفاسير التي تساق بالأسانيد لمجاهد في قوله ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦] كلامًا ولم أر في قوله في الضلالة في شيء من المنقول بالسند عن مجاهد اهـ. وتعقبه العيني فقال: هذا الكلام ينقض آخره أوله لأنه قال أولاً: ورأيته في بعض نسخ البخاري سدى بتخفيف الدال ثم قال: ولم أر في شيء من نسخ البخاري إلا الذي أوردته، ومع هذا فإنه لم يطلع على جميع النسخ إذ لم يطلع إلا على النسخ التي في مدينته، وأما النسخ ٢٢ كتاب القدر/ باب ٨ التي في كرمان ويلخ وخراسان فلا وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن الذي نفى رؤيته قول الكرماني قوله وقال: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦] أي مهملاً مترددًا في الضلالة، وأما الذي ذكر أنه رآه في بعض النسخ فهو مجرد لفظ سدي بالتخفيف وبالتحتية آخره فأين التناقض. ﴿دساها﴾ من قوله تعالى: ﴿وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ١٠] قال مجاهد فيما رواه الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه (أغواها) قال: وأنت الذي دسست عمرًا فأصبحت حلائله منه أرامل ضيعا وأصلها دسسها من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة والتدسية الإخفاء يعني أخفى الفجور، وقال ابن الأعرابي ﴿وقد خاب من دساها﴾ أي دس نفسه في جملة الصالحين ولیس منهم. ٦٦١١ - حدثنا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيّ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ عَنِ النَّبِيّ وَّرِ قَالَ: ((ما أَسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلاَّ لَهُ بِطانَتانِ، بِطانَةً تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُهُ عَلَيْهِ، وَبِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرّ وَتَحْضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله)). [الحديث ٦٦١١ - طرفه في: ٧١٩٨]. وبه قال: (حدثنا عبدان) هو لقب عبد اللَّه بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (ما استخلف) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام (خليفة إلا له بطانتان بطانة) بكسر بطانة فيهما اسم جنس يشمل الواحد والجماعة وبطانة الرجل خاصته الذين يباطنهم في الأمور ولا يظهر غيرهم عليها مشتقة من البطن والباطن دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشعار والدثار في ذلك ويقال بطن فلان بفلان بطونا وبطانة وقال: أولئك خلصاني نعم وبطانتي وهم عيبتي من دون كل قريب فبطانة (تأمرها بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه) بضم الحاء المهملة والضاد المعجمة (والمعصوم من عصم الله) بإسقاط ضمير المفعول أي من عصمه الله بأن حماه من الوقوع في الهلاك أو ما يجر إليه. والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الأحكام والنسائي في البيعة والسير. ٢٣ كتاب القدر/ باب ٩ ٩ - باب ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] ﴿إِنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]. ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ الثَّعْمانِ: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحِزْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ. هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى (﴿وحرام﴾) ولأبوي الوقت وذر وابن عساكر وحرم بكسر الحاء وسكون الراء وهي قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي وهما لغتان كالحل والحلال وزنًا وضده معنى أي وممتنع (﴿على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)) قال في الكشاف: استعير الحرام الممتنع وجوده، ومنه قوله تعالى ﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾ [الأعراف: ٥٠] أي منعهما منهم وأبى أن يكونا لهم، ومعنى أهلكناها عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها، ومعنى الرجوع الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة، ومجاز الآية أن قومًا عزم الله على إهلاكهم غير متصوّر أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة فحينئذٍ يرجعون اهـ. والظاهر كما قال بعضهم: إن المعنى وحرام على قرية أهلكناها عدم رجوعهم إلينا في القيامة، فتكون الآية واردة في تقرير أمر البعث والتفخيم لشأنه وهذا يتعين المصير إليه لأوجه: أحدها: أنه ليس فيه مخالفة للأصول بخلاف غيره مما يدعى فيه زيادة لا وكونه في طائفة مخصوصة وكون حرام معنى ممتنع أو بمعنى واجب كما قيل في قوله: وإن حرامًا لا أرى الدهر باكيًا على شجره إلا بكيت على عمرو الثاني: أن سياق الآية قبلها وبعدها وارد في أمر البعث وهو قوله ﴿كل إلينا راجعون) [الأنبياء: ٩٣] وقوله: حتى إذا فتحت. الثالث: أن حملها على الرجوع إلى الدنيا لا كبير فائدة فإنه معلوم عند المخاطبين من الموافقين والمخالفين وحملها على الرجوع إلى القيامة أكثر فائدة فإن الكفار ينكرونه فأكد وفخم تهديدًا لهم وزجرًا وقوله تعالى في سورة هود: (﴿إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾) [هود: ٣٦] إقناط من إيمانهم وأنه غير متوقع، وقوله تعالى: (﴿ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا﴾﴾ [نوح: ٢٧] إلا من بلغ فجر وكفر وإنما قال ذلك لأن الله أخبره إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ودخول ذلك في أبواب القدر ظاهر فإنه يقتضي سبق علم بما يقع من العبد. (وقال منصور بن النعمان) اليشكري بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الكاف البصري، وفي حاشية الفرع كأصله صوابه منصور بن المعتمر قال: وفي حاشية أصل أبي ذر صوابه منصور بن النعمان وكذا في أصل الأصيلي وابن عساكر وقال الحافظ ابن حجر: وقد زعم ٢٤ كتاب القدر/ باب ٩ بعض المتأخرين أن الصواب منصور بن المعتمر والعلم عند الله (عن عكرمة عن ابن عباس) رضي الله عنهما (وحرم) بكسر الحاء وسكون الراء (بالحبشية) أي (وجب) أخرجه عبد بن حميد من طريق عطاء عن عكرمة عنه. ٦٦١٢ - حدثني مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: ما رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيّ ◌َِِّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزّنا أَدْرَكَ ذلِكَ لاَ مَحالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرِ، وَزِنَا اللّسانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدّقُ ذلِكَ وَيُكَذِّبُهُ)). وَقال شَبابَةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ طاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبوي ذر والوقت بالجمع (محمود بن غيلان) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية أبو حامد المروزي الحافظ قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم) بفتح اللام والميم الأولى وأصل ما قل وصغر ومنه اللمم وهو المس من الجنون وألم بالمكان قلّ لبثه فيه، وألم بالطعام قلّ أكله منه، وقال أبو العباس: أصل اللمم أن يلم بالشيء من غير أن يرتكبه يقال ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه وقال جرير: بنفسي من تجنبه عزيز عليّ ومن زيارته لمام وقال آخر: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبًا جزلاً ونارًا تأججا واللمم: صغار الذنوب أي ما رأيت شيئًا أشبه بصغار الذنوب (مما قال أبو هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (إن الله) عز وجل (كتب على ابن آدم حظه) نصيبه (من الزنا) بالقصر ومن بيانية (أدرك) أصاب (ذلك) المكتوب عليه (لا محالة) بفتح الميم والحاء المهملة لا بدّ له منه لأن ما كتبه الله لا بد أن يقع وكتب يحتمل أن يراد به أثبت أي أثبت فيه الشهوة والميل إلى النساء وخلق فيه العينين والأذن والقلب وهي التي تجد لذة الزنا، ويحتمل أن يراد به قدّر أي قدّر في الأزل أن يجري على ابن آدم الزنا فإذا قدّر في الأزل أدرك ذلك لا محالة (فزنا العين النظر) إلى ما لا يحل للناظر (وزنا اللسان المنطق) بميم مفتوحة فنون ساكنة فطاء مهملة مكسورة ولأبي ذر عن الكشميهني النطق بلا ميم وضم النون وسكون الطاء. وقال ابن مسعود: العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان وزناهما التقبيل، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي (والنفس تمنى) فعل مضارع أصله تتمنى حذفت منه إحدى التاءين (وتشتهي والفرج يصدق ذلك) النظر والتمني بأن ٢٥ كتاب القدر/ باب ١٠ يقع في الزنا بالوطء (ويكذبه) بأن يمتنع من ذلك خوفًا من ربه تعالى، ولأبي ذر: أو يكذبه وسمى ما ذكر من نظر العين وغيره زنا لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه ونسب التصديق والتكذيب للفرج لأنه منشؤه ومكانه. وقال في شرح المشكاة: شبه صورة حالة الإنسان من إرسال الطرف الذي هو رائد القلب إلى النظر إلى المحارم وإصغائه بالأذن إلى السماع ثم انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتمني ثم استدعائه منه، فصار ما يشتهي ويتمنى باستعمال الرجلين في المشي واليدين في البطش والفرج في تحقيق مشتهاه، فإذا مضى الإنسان على ما استدعاه القلب حقق متمناه فإذا امتنع من ذلك خيبه فيه بحال رجل يخبره صاحبه بما يزينه له ويغويه عليه فهو إما يصدقه ويمضي على ما أراده منه أو يكذبه، ثم استعمل في حال المشبه ما كان مستعملاً في جانب المشبه به من التصديق والتكذيب ليكون قرينة للتمثيل أو الإسناد في قوله: والفرج يصدق ذلك ويكذبه مجازي لأن الحقيقي هو أن يسند للإنسان فأسند إلى الفرج لأنه مصدر الفعل والسبب القوي. (وقال شبابة): بفتح الشين المعجمة والموحدتين بينهما ألف مع التخفيف ابن سوّار بفتح المهملة والواو المشددة (حدثنا ورقاء) بفتح الواو والقاف بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود ابن عمر أبو بشر الحافظ (عن ابن طاوس) عبد اللَّه (عن أبيه) طاوس (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) قال في الفتح: كأن طاوسًا سمع من ابن عباس عن أبي هريرة، أو سمعه من أبي هريرة بعد أن سمعه من ابن عباس. قال: ولم أقف على رواية شبابة هذه موصولة. ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الزنا ودواعيه مكتوبة مقدرة على العبد غير خارجة عن سابق القدر. ١٠ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَنِناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (باب) قوله تعالى: (﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك﴾) ليلة المعراج (﴿إلا فتنة للناس﴾) [الإسراء: ٦٠] أي اختبارًا وامتحانًا، ولذا ارتد من استعظم ذلك وبه تعلق من قال: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية، وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا: لعلها رؤيا رأيتها استبعادًا منهم لها ويمكن أن يكون ههنا من باب المشاكلة أو هي أنه سيدخل مكة والفتنة الصد بالحديبية أو أراه مصارع القوم بوقعة بدر في منامه فكان يقول حين ورد ماء بدر والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومىء إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان. ٦٦١٣ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةً، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِبَها رَسُولُ اللهِلَّهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَّ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُومِ. ٢٦ كتاب القدر/ باب ١١ وبه قال: (حدثنا الحميدي) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عبد الله بن الزبير قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه قال في تفسير قوله تعالى: (﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾) [الإسراء: ٦٠] (قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله وَّر) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (ليلة أسري به) أي في طريقه (إلى بيت المقدس) هذا من البخاري كما في اليونينية وغيرها كما عند سعيد بن منصور (قال) ابن عباس (والشجرة الملعونة في القرآن قال: هي شجرة الزقوم). فإن قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم. أجيب: بأن المعنى والشجرة الملعون آكلوها وهم الكفرة لأنه قال: ﴿فإنهم لآكلون منها فمالؤون منها البطون﴾ [الصافات: ٦٦] فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. ومطابقة الحديث لما ترجم له خفية، لكن قال السفاقسي: وجه دخول هذا الحديث في كتاب القدر الإشارة إلى أن الله قدر على المشركين التكذيب لرؤيا نبيه الصادق فكان ذلك زيادة في طغيانهم حيث قالوا: كيف يسير إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ثم يرجع فيها، وكذلك جعل الشجرة الملعونة زيادة في طغيانهم حيث قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ والجواب عن شبهتهم أن الله خلق الشجرة المذكورة من جوهر لا تأكله النار كخزنتها وحياتها وعقاربها وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا. والحديث مرّ في تفسير سورة الإسراء وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير. ١١ - باب تَحاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ الله عَزَّ وَجَلَّ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (تحاج) بفتح الفوقية والمهملة وتشديد الجيم وأصله تحاجج بجيمين أدغمت أولاهما في الأخرى (آدم وموسى) عليهما الصلاة والسلام (عند الله عز وجل) والعندية للاختصاص والتشريف لا عندية مكان كما لا يخفى. ٦٦١٤ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا سُفْيانُ قالَ: حَفِظْناهُ مِنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاؤُسٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ بََّ قالَ: ((اخْتَجَّ آدَمُ وَمُوسى فَقالَ لَهُ مُوسى: يا آدَمُ أَنْتَ أَبُونا خَيِّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يا مُوسى أَضْطَفاكَ الله بِكَلامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتْلُومُنِي عَلى أَمْرٍ قَدَّرَ الله عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةٌ؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسى ثَلاثًا)). قالَ سُفْيانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزّنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَِّيّ ◌َّهِ مِثْلَهُ. وبه قال: (حدثنا علّ بن عبد اللَّه) المديني قال (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي الحديث (من عمرو) بفتح العين ابن دينار وعند الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا عمرو بن ٢٧ كتاب القدر/ باب ١١ دينار (عن طاوس) هو ابن كيسان الإمام أبو عبد الرَّحمن أنه قال: (سمعت أبا هريرة) رضي الله عنه (عن النبي بَّي) أنه (قال): (احتج آدم وموسى) صلى الله عليهما وسلم أي تحاجا وتناظرا وفي رواية همام عند مسلم تحاج كما في الترجمة وهي أوضح (فقال له): أي لآدم (موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا) أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان (وأخرجتنا) أي كنت سببًا لإخراجنا (من الجنة) دار النعيم والخلود إلى دار البؤس والفناء والجملة مبنية للسابقة ومفسرة لما أجمل (قال له) لموسى (آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه) أي جعلك خالصًا صافيًا عن شائبة ما لا يليق بك وقوله بكلامه فيه تلميح إلى قوله: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله: ﴿تلك الرسل فضلنا﴾ [البقرة: ٢٥٣] الآية (وخط لك) ألواح التوراة (بيده) بقدرته (أتلومني على أمر قدّر الله علّيّ) بتشديد الياء وحذف ضمير المفعول ولأبي ذر عن الكشميهني قدّره الله عليّ (قبل أن يخلقني بأربعين سنة) أي ما بين قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخ الروح فيه أو هي مدة لبثه طينًا إلى أن نفخت فيه الروح، ففيه مسلم أن بين تصويره طينًا ونفخ الروح فيه كان أربعين سنة أو المراد إظهاره للملائكة، وفي رواية أبي صالح السمان عند الترمذي وابن خزيمة من طريق الأعمش فتلومني على شيء كتبه الله علّ قبل خلقي، وفي حديث أبي سعيد عند البزار: أتلومني على أمر قدّره الله تعالى علّ قبل أن يخلق السموات والأرض وجمع بحمل المقيد بالأربعين على ما يتعلق بالكتابة والآخر على ما يتعلق بالعلم (فحج آدم) بالرفع على الفاعلية (موسى) نصب مفعولاً (فحج آدم موسى) قالها (ثلاثًا) والملفوظ به هنا ثنتان أي غلبه بالحجة بأن ألزمه أن ما صدر عنه لم يكن هو مستقلاً به متمكنًا من تركه، بل كان قدرًا من الله تعالى لا بدّ من إمضائه، والجملة مقررة لما سبق وتأكيد له وتثبيت للأنفس على توطين هذا الاعتقاد أي أن الله أثبته في أمّ الكتاب قبل كوني، وحكم بأنه كائن لا محالة فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سرّ الله تعالى من وراء الأستار، وهذه المحاجة لم تكن في عالم الأسباب الذي لا يجوز فيه قطع النظر عن الوسائط والاكتساب، وإنما كانت في العالم العلوي عند ملتقى الأرواح واللوم وإنما يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف أما بعدها فأمره إلى الله تعالى لا سيما وقد وقع ذلك بعد أن تاب الله عليه، فلذا عدل إلى الاحتجاج بالقدر السابق فالتائب لا يلام على ما تيب عليه منه ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف. واختلف في وقت هذه المحاجة فقيل يحتمل أنه في زمان موسى فأحيا الله له آدم معجزة له فكلمه، أو كشف له عن قبره فتحدثا، أو أراه الله روحه كما أري النبي وَّر ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله له في المنام ورؤيا الأنبياء وحي، أو كان ذلك بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء. وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي أو أن ذلك لم يقع بعد وإنما يقع في الآخرة والتعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. ٢٨ كتاب القدر/ باب ١٢ والحديث أخرجه مسلم في القدر أيضًا وأبو داود في السنة والنسائي في التفسير وابن ماجة في السنة أيضًا. (قال سفيان) بن عيينة ولأبي الوقت، وقال سفيان بواو العطف على قوله حفظناه من عمرو فهو موصول (حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَي مثله) أي مثل الحديث السابق. ١٢ - باب لا مانِعَ لِما أَعْطى الله هذا (باب) بالتنوين (لا مانع لما أعطى الله). ٦٦١٥ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبابَةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَ: كَتَبَ مُعاوِيَةُ إِلى الْمُغِيرَةِ أَكْتُبْ إِلَيَّ ما سَمِعْتَ النَّبِيِّ وَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاةِ، فَأَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َّهِ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاةِ: ((لا إِلهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، آللَّهُمَّ لا مانِعَ لِما أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذا الْجَدّ مِنْكَ الْجَدُّ». وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهِذا، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلى مُعاوِيَةً فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذلِكَ الْقَوْلِ. وبه قال: (حدثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون العوقي قال: (حدثنا فليح) بضم الفاء عبد الملك بن سليمان قال: (حدثنا عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (ابن أبي لبابة) بضم اللام وتخفيف الموحدة الأسدي الكوفي سكن دمشق (عن وراد) بفتح الواو والراء المشددة (مولى المغيرة بن شعبة) وكاتبه أنه (قال: كتب معاوية) بن أبي سفيان (إلى المغيرة) بن شعبة (اكتب إلي) بتشديد الياء (ما) ولأبي ذر بما (سمعت النبي وَلهم يقول: خلف الصلاة) المكتوبة (فأملى عليّ المغيرة) بفتح الهمزة واللام بينهما ميم ساكنة وعلي بتشديد الياء (قال: سمعت النبي ◌َ﴿﴿ يقول: خلف الصلاة) المكتوبة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ذكره بعد استفادة الحصر من الذي قبله وهو لا إله إلا الله تأكيد مع ما فيه من تكثير حسنات الذاكر (اللهم لا مانع لما أعطيت) أي لما أردت إعطاءه وإلا فبعد الإعطاء من كل أحد لا مانع له إذ الواقع لا يرتفع (ولا معطي لما منعت) ما موصول وجملة أعطيت صلتها والعائد محذوف أي لما أعطيته. وقال في العدة: ولا مانع اسم نكرة مبني مع لا وخبر لا الاستقرار المتعلق به المجرور أو الخبر محذوف وجوبًا على لغة بني تميم ووافقهم كثير من الحجازيين فيتعلق حرف الجر بمانع، قيل فيجب نصبه وتنوينه لأنه مطوّل والرواية على بنائه من غير تنوين فيحتمل له بأن يعلق بخبر لمانع محذوف أي لا مانع لنا لما أعطيت فيتعلق بالكون المقدر لا بمانع كما قيل في قوله تعالى ﴿لا غالب لكم اليوم﴾ [الأنفال: ٤٨]. ويحتمل أن يكون أصله ٢٩ كتاب القدر/ باب ١٣ لا مانعًا بالتنوين ثم حذف التنوين بعد أن أبدل منه ألف ثم حذفت الألف فصار على صورة المبني، ويجوز أن يكون لما أعطيت في محل صفة لمانع والخبر محذوف، ويحتمل أن يقدر لا مانع لما أعطيت يمنع فيتعلق بيمنع ويكون يمنع خبر لا على إحدى اللغتين، واختار الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ [يوسف: ٩٢] إن اليوم معمول بتثريب، ورد عليه أبو حيان لأجل الفصل بين المصدر ومعموله بعليكم وهو إما خبر أو صفة وأيًا ما كان فلا يجوز وكان يلزم تنوين تثريب (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم فيهما على المشهور ومنك يتعلق بينفع أي لا ينفع صاحب الحظ من نزول عذابك حظه وإنما ينفعه عمله الصالح. وقال في الكواكب: ومن هي البدلية أي المحظوظ لا ينفعه بذلك أي بدل طاعتك. والحديث سبق في الصلاة والدعوات. (وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله الإمام أحمد ومسلم (أخبرني) بالإفراد (عبدة) بن أبي لبابة (أن ورادًا) مولى المغيرة (أخبره بهذا) الحديث قال عبدة (ثم وفدت) بالفاء من الوفود (بعد إلى معاوية) لما كان بالشام (فسمعته يأمر الناس بذلك القول) وهو لا إله إلا الله إلى آخره، ومراد المؤلف من سياق هذا التعليق التصريح بأن ورادًا أخبر به عبدة لأنه رواه في الرواية السابقة بالعنعنة. ١٣ - باب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضاءِ. وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ مِنْ شَرّ ما خَلَقَ﴾ (باب من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء)، وقوله تعالى (﴿قل أعوذ برب الفلق﴾) أي الصبح أو الخلق أو هو واد في جهنم أوجب فيها (﴿من شر ما خلق﴾) [الفلق: ١] الشيطان خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقًا أشر منه، وقيل جهنم وما خلق فيها، وقيل عام أي من شر كل ذي شر خلقه الله وما موصولة والعائد محذوف أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق، وقرأ بعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشر من شر بالتنوين ما خلق على النفي وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، وهذه السورة دالة على أن الله تعالى خالق كل شيء ففيها الرد على من زعم أن العبد يخلق فعل نفسه لأنه لو كان السوء المأمور بالاستعاذة منه مخلوقًا لفاعله لما كان للاستعاذة بالله منه معنى لأنه لا يصح التعوذ إلا بمن قدر على إزالة ما استعيذ به منه. ٦٦١٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ سُمَّيَ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ نَ ◌َّ قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضاءِ وَشَماتَةِ الأَعْداءِ». وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن سمي) بضم ! ٣٠ كتاب القدر/ باب ١٤ السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مولى أبي بكر المخزومي (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَّر) أنه (قال): (تعوذوا بالله من جهد البلاء) بفتح الجيم وسكون الهاء الحالة التي يختار عليها الموت أو قلة المال وكثرة العيال (ودرك الشقاء) بفتح الدال المهملة والراء اللحاق، والشقاء بفتح الشين المعجمة والقاف ممدودًا الشدة والعسر (وسوء القضاء) أي المقضي (وشماتة الأعداء) وهو فرح العدوّ ببلية تنزل بمن يعاديه. والحديث سبق في باب التعوّذ من جهد البلاء من كتاب الدعوات. ١٤ - باب يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يحول بين المرء وقلبه)) [الأنفال: ٢٤] قال الواحدي: حكاية عن ابن عباس والضحاك يحول بين المرء الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته، فالسعيد من أسعده الله، والشقي من أضله الله والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه. ٦٦١٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلِ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه، أخْبَرَنا مُوسى بْنُ عُقْبَةً، عَنْ سالِم عَنْ عَبْدِ اللَّه قالَ: كَثِيرًا ما كانَ النَّبِيُّ بَّهِ يَخْلِفُ: ((لا وَمُقَلّبِ الْقُلُوبِ)). [الحديث ٦٦١٧ - طرفاه في: ٦٦٢٨، ٧٣٩١]. وبه قال: (حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن سالم عن) أبيه (عبد الله) بن عمر رضي الله عنهما أنه (قال: كثيرًا) نصب صفة لمصدر محذوف أي يحلف حلفًا كثيرًا (ما كان النبي (وَل ◌ّ يحلف) أي يريد أن يحلف من ألفاظ الحلف (لا) أفعل أو لا أترك (و) حتى (مقلب القلوب) وهو الله عز وجل. قال في الفتح: وكان البخاري أشار إلى تفسير الحيلولة التي في الآية بالتقلب الذي في الحديث أشار إلى ذلك الراغب، وقال: المراد أنه يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك وحقيقة القلوب لا تتقلب، فالمراد تقلب أعراضها وأحوالها من الإرادة وغيرها. وقال ابن بطال: الآية نص في أن الله تعالى خلق الكفر والإيمان وأنه يحول بين قلب الكافر وبين الإيمان الذي أمره به فلا يكسبه إن لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر، وكذا في المؤمن بعكسه فتضمنت الآية أنه خالق جميع أفعال العبد خيرها وشرها وهو معنى قوله: مقلب القلوب لأن معناه تقليب قلب العبد عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر وعكسه، وكل فعل الله عدل فيمن أضله وخذله لأنه لم يمنعهم حقًا وجب لهم عليه اهـ. ٣١ كتاب القدر/ باب ١٤ والحديث أخرجه أيضًا في التوحيد والأيمان والنذور والترمذي في الأيمان والنسائي في (١) وابن ماجة في الكفارات. ٦٦١٨ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ حَقْصٍ، وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالا: أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: قالَ النَّبِيُّ ونَ﴿ لايْنِ صَيَّادٍ: ((خَبَأْتُ لَكَ خَبِيثًا)) قالَ: الدُّخْ قالَ: ((اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)) قالَ عُمَرُ: أَتْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قالَ: ((دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». وبه قال: (حدثنا علي بن حفص) المروزي (وبشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة السختياني المروزي (قالا: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم) هو ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي وَلتر لابن صياد) صاف (خبأت لك خبيئًا) بفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذر خبأ بسكون الموحدة من غير تحتية (قال) ابن صياد هو (الدخ) بضم الدال المهملة والخاء المعجمة المشددة أراد أن يقول: الدخان فلم يستطع أن يقول ذلك تامًا على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن (قال) النبي وَّ له خطاب زجر وإهانة (اخسأ) بالخاء المعجمة والهمزة الساكنة بينهما سين مهملة مفتوحة أي اسكت صاغرًا مطرودًا (فلن تعدو قدرك) بالعين المهملة (قال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه يا رسول الله (ائذن لي فأضرب عنقه قال) وَ لجر (دعه) اتركه (إن يكن هو) الدجال (فلا تطيقه) لأنه إن كان سبق في علم الله تعالى أنه يخرج ويفعل ما يفعل فإنه الله تعالى لا يقدرك على قتل من سبق في علمه أنه سيحيا إلى أن يفعل ما يفعل، إذ لو أقدرك على ذلك لكان فيه انقلاب علمه والله تعالى منزه عن ذلك قاله ابن بطال. وفي الجنائز فلن تسلط عليه بالجزم على لغة من يجزم بلن (وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله) ويكن هو بالضمير المنفصل في الموضعين، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يكنه بالضمير المتصل واختار الأول ابن مالك في التسهيل، والثاني في الخلاصة. فعلى الأولى لفظ هو تأكيد للضمير المستتر وكان تامة وقول الزركشي في التنقيح أن يكنه استدل به ابن مالك على اتصال الضمير إذا وقع خبرًا لكان لكن في رواية إن يكن هو فلا دليل فيه تعقبه في المصابيح فقال: هذا من أعجب ما يسمع كيف تكون الرواية الثانية مقتضية لعدم الدليل في الرواية الأولى، والفرض أن الضمير المنفصل المرفوع في الثانية تأكيد للضمير المستكن في يكن وهو اسم كان وخبرها محذوف أي إن يكن هو الدجال والضمير المتصل في الرواية الأخرى خبر كان فبهذا وقع الاستدلال في محل النزاع وهو هل الأولى في خبر كان إذا وقع ضميرًا أن يكون متصلاً أو (١) بيّض المؤلف بعد قوله والنسائي في والذي في الأطراف أي في الإيمان اهـ. ٣٢ كتاب القدر/ باب ١٥ منفصلاً. فهذا الحديث شاهد لاختيار الاتصال، وأما إن يكن هو فليست من محل النزاع في شيء إذ ليس الضمير فيها خبر كان قطعًا. والحديث سبق في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه من كتاب الجنائز. ١٥ - باب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنا﴾ [التوبة: ٥١]: قَضى. قالَ مُجاهِدٌ: بِفاتِنِينَ بِمُضِلّينَ إِلاَّ مَنْ كَتَبَ الله أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيم ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعادَةَ وَهَدَى الأَنْعامَ لِمَراتِعِها هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى (﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾) [التوبة: ٥١] أي (قضى) لنا من خير أو شر كما قدر في الأزل وكتب في اللوح المحفوظ، ولنا مفيدة معنى الاختصاص كأنه قيل لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله بإثباته وإيجابه. وقال الراغب: عبّر بقوله لنا ولم يعبر بقوله علينا تنبيهًا على أن الذي يصيبنا نعده نعمة لا نقمة. (قال مجاهد) في تفسير قوله تعالى: ﴿ما أنتم عليه﴾ (﴿بقانتين)) [الصافات: ١٦٢] أي ما أنتم (بمضلين إلا من كتب الله ) عليه في السابقة (أنه يصلى الجحيم) أي يدخل النار وهذا وصله عبد بن حميد بمعناه. وقال مجاهد أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿والذي﴾ (﴿قدر فهدى﴾) [الأعلى: ٣] أي (قدر الشقاء والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها) وهذا وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وقيل قدر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعائهم إن كانوا أناسًا ولمراعيهم إن كانوا وحشًا، وعن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله ﴿فهدى﴾ قال: عرف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى كما قال في طه ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] أي الذكر للأنثى: وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له، وقيل: قدر فهدى قدر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به، يقال: إن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت وقد ألهمها الله تعالى أن مسح العينين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم في بعض البساتين على الرازيانج لا تخطئها فتحك به عينها فترجع باصرة بإذن الله تعالى وهدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته وأدويته وأمور دنياه ودينه والهامات البهائم والطيور وهوام الأرض أمر ثابت واسع فسبحان ربي الأعلى وبحمده . ٦٦١٩ - حدثني إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنا النَّضْرُ قالَ: حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ أَبِي الْقُراتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها أَخْبَرَتْهُ أَنَّها سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِوَ ﴿ عَنِ الطَّاعُونِ فَقالَ: ((كانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشاءُ فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةٌ ٣٣ كتاب القدر/ باب ١٦ لِلْمُؤْمِنِينَ، ما مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لا يَخْرُجُ مِنَ الْبَلْدَةِ صابِرًا مُخْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَهُ إِلاَّ كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرٍ شَهِيدٍ)). وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (الحنظلي) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة نسبة إلى حنظلة بن مالك قال: (أخبرنا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل بضم الشين المعجمة قال: (حدثنا داود بن أبي الفرات) بضم الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف فوقية المروزي ثم البصري واسم أبي الفرات عمرو (عن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء الأسلمي قاضي مرو (عن يحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم والعين المهملة ساكنة قاضي مرو أيضًا (أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أنها سألت رسول الله ◌َ﴿ عن الطاعون) وهو بثر مؤلمة جدًا تخرج من الآباط والمراق غالبًا مع اسوداد حواليه وخفقان في القلب (فقال) ◌َّ: (كان) أي الطاعون (عذابًا يبعثه الله) عز وجل (على من يشاء) من عباده (فجعله الله رحمة للمؤمنين) أي سبب الرحمة لهم لتضمنه مثل أجر الشهداء (ما من عبد يكون في بلد) بفتح اللام وفي نسخة باليونينية بلدة بسكونها وهاء تأنيث آخره (يكون فيه) في البلد أو فيها (ويمكث فيه) أو فيها (لا) ولأبي ذر عن الكشميهني فلا (يخرج من البلدة) أو البلد حال كونه (صابرًا) على ما يصيبه (محتسبًا) أجره عند الله (يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له) وقدره في الأزل (إلا كان له مثل أجر شهيد) وإن لم يصبه طعن، وهذا هو المراد من الحديث هنا وقد سبق في كتاب الطب. ١٦ - باب ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِ لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾) [الأعراف: ٤٣] اللام في لنهتدي لتوكيد النفي وأن وما في حيزها في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف وجواب لولا مدلول عليه بقوله وما كنا تقديره لولا هدايته لنا موجودة لشقينا أو ما كنا مهتدين، وقد دلت على أن المهتدي من هداه الله وأن من لم يهده الله لم يهتد ومذهب المعتزلة أن كل ما فعل الله في حق الأنبياء والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق، وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر والمحق والمبطل بسعي نفسه واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنة وخلصها من دركات النيران فلما لم يحمد نفسه البتة إنما حمد الله تعالى فقط علمنا أن الهادي ليس إلا الله تعالى، وقوله تعالى: (﴿لو أن الله هداني﴾) أعطاني الهداية (﴿لكنت من المتقين)) [الزمر: ٥٧] من الذين يتقون الشرك. إرشاد الساري/ ج ١٤ / م ٣ ٣٤ كتاب القدر/ باب ١٦ قال الشيخ أبو منصور رحمه الله تعالى: وهذا الكافر أعرف بالهداية من المعتزلة وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم: لو هدانا الله لهديناكم يقولون لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا، والحاصل أن عند الله لطفًا من أعطى ذلك اهتدى وهو التوفيق والعصمة ومن لم يعطه ضل وغوى، وكان استيجابه العذاب وتضييعه الحق بعدما تمكن من تحصيله لذلك. والحاصل من مذهب أهل السنة أن الله تعالى أقدر العباد على اكتساب ما أراد منهم من إيمان وكفر وأن ذلك ليس بخلق للعباد كما زعمت القدرية. ٦٦٢٠ - حدثنا أَبُو النُّعْمانِ، أَخْبَرَنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ الْبَراءِ بْنِ عازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التَّرابَ وَهُوَ يَقُولُ: وَالله لَوْلا الله مَا أَهْتَدَيْنا وَلا صُمْنَا وَلا صَلَّيْنا فَأَنْزِلْنَ سَكِيئَةٌ عَلَيْنا وَثَبّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنا وَالْمُشْرِكُونَ قَدْبَغَوْا عَلَيْنا إِذا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنا وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (أخبرنا جرير) بفتح الجيم (هو ابن حازم) بالحاء المهملة والزاي (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء بن عازب) رضي الله عنهما أنه (قال: رأيت النبي ◌َّله يوم الخندق ينقل معنا التراب) من حفر الخندق (وهو يقول) رجزًا من كلام عبد الله بن رواحة. (والله لولا الله ما اهتدينا). وهذا موضع الترجمة. (ولا صمنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا). (وثبت الأقدام إن لاقينا) العدوّ (والمشركون قد بغوا علينا) أي ظلموا (إذا أرادوا فتنة أبينا) بالموحدة أي الفرار. والحديث أخرجه في الجهاد. : بسم الله الرحمن الرحيم ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور (كتاب الأيمان) بفتح الهمزة جميع يمين واليمين خلاف اليسار وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل يمين صاحبه، وقيل لحفظها المحلوف عليه كحفظ اليمين وتسمى ألية وحلفًا، وفي الشرع تحقيق الأمر المحتمل أو توكيده بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته. هذا إن قصد اليمين الموجبة للكفارة وإلاّ فيزاد أو ما أقيم مقامه ليدخل نحو الحلف بالطلاق أو العتق وهو ما فيه حث أو منع أو تصديق، وخرج بالتحقيق لغو اليمين بأن سبق لسانه إلى ما لم يقصده بها أو إلى لفظها كقوله في حال غضبه أو صلة كلام لا والله تارة وبلى والله أخرى، وبالمحتمل غيره كقوله: والله لأموتن أو لا أصعد إلى السماء فليس بيمين لامتناع الحنث فيه بذاته بخلاف والله لأصعدن السماء فإنه يمين تلزم به الكفارة حالاً (و) كتاب (النذور) جمع نذر وهو مصدر نذر بفتح الذال المعجمة ينذر بضمها وكسرها والنذر في اللغة الوعد بخير أو شر وشرعًا التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع، وزاد بعضهم مقصودة، وقيل إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، ومنهم من قال: إن يلزم نفسه بشيء تبرعًا من عبادة أو صدقة أو نحوهما. وأما قوله والر: من نذر أن يعصي الله فلا يعصه فإنما سماه نذرًا باعتبار الصورة كما قال في الخمر وبائعها مع بطلان البيع، ولذا قال في الحديث الآخر: لا نذر في معصية. ١ - باب قَوْلُ الله تَعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامِ ذلِكَ كَفَّارَةٌ أَيْمَانِكُمْ إِذا حَلَقْتُمْ وَأَحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٣٦ كتاب الأيمان والنذور / باب ١ (قول الله تعالى) بالرفع وفي نسخة باب قول الله تعالى: (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾) مصدر لغا يلغو لغوًا والباء فيه متعلقة بيؤاخذكم ومعناها السببية، واللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان. قال: إمامنا الشافعي وغيره: هو قول الرجل في عرض حديثه لا والله وبلى والله من غير قصد لها، وقيل هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم يظهر أنه خلاف ذلك، وبه قال أبو حنيفة: والمعنى لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم (﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾) أي بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنئتم فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلومًا عندهم أو بنكث ما عقدتم فحذف المضاف (﴿فكفارته﴾) أي فكفارة الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يجر له ذكر، أو فكفارة نكثه فتكون ما موصولة اسمية وهو على حذف مضاف كما قدره الزمخشري والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تستر الخطيئة (﴿إطعام عشرة مساكين﴾) إطعام مصدر مضاف لمفعوله، وهو أن يملك كل واحد منهم مدًا من حب من غالب قوت بلده (﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾) عطف على إطعام، والمراد ما يسمى كسوة مما يعتاد لبسه كعرقية ومنديل ولو ملبوسًا لم تذهب قوّته ولو لم يصلح للمدفوع إليه كقميص صغير وعمامته وإزاره وسراويله الكبير وكحرير لرجل لا نحو خف مما لا يسمى كسوة كدرع من حديد ونحوه ((أو تحرير رقبة﴾) عطف على إطعام وهو مصدر مضاف لمفعوله أي أو إعتاق رقبة مؤمنة بلا عيب يخل بالعمل والكسب وأو للتخيير (﴿فمن لم يجد﴾) إحدى الثلاث أو كان غير رشيد (﴿فصيام ثلاثة أيام﴾) ولو مفرّقة (﴿ذلك﴾) المذكور (﴿كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾) وحنثتم (﴿واحفظوا أيمانكم﴾) فبرّوا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيرًا أو فلا تحلفوا أصلاً (﴿كذلك﴾) مثل ذلك البيان (﴿يبين الله لكم آياته﴾) أعلام شريعته وأحكامه (﴿لعلكم تشكرون﴾) [المائدة: ٨٩] نعمته فيها يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه، وسقط لأبي ذر قوله ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ الخ وقال: الآية إلى قوله ﴿لعلكم تشكرون﴾. ٦٦٢١ - هذلنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلِ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه، أَخْبَرَنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ عَنْ عائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَحْئَثُ فِي يَمِينٍ قَطْ حَتَّى أَنْزَلَ الله كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَقَالَ: لا أَخْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتُ غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي. وبه قال: (حدثنا محمد بن مقاتل) بكسر الفوقية (أبو الحسن) المروزي المجاور قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة) رضي الله عنها (أن أبا بكر) الصديق رضي الله عنه (لم يكن يحنث) أي لم يكن من شأنه أن يحنث (في يمين قط) سبق في تفسير المائدة حديث ابن حبان كان رسول الله وَالو إذا حلف على يمين لم يحنث فرفعه إلى النبي ◌َّ، وذكره الترمذي في العلل المفرد وقال: سألت محمدًا يعني البخاري عنه فقال: هذا خطأ، والصحيح كان أبو بكر وكذلك رواه سفيان ووكيع عن ٣٧ كتاب الأيمان والنذور/ باب ١ هشام بن عروة (حتى أنزل الله) عز وجل في كتابه العزيز (كفارة اليمين) أي آيتها وهي قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: ٨٩] إلى آخرها (وقال: لا أحلف على يمين) أي محلوف يمين فسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلا هو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة، وفي مسلم لا أحلف على أمر (فرأيت غيرها خيرًا منها) الرؤية هنا علمية وغيرها مفعولها الأوّل وخيرًا الثاني، ومنها متعلق بخيرًا وأعاد الضمير مؤنفّثا مع كون المحلوف مذكرًا باعتبار المذكور لفظًا وهو اليمين، والمعنى لا أحلف على أمر فيظهر لي بالعلم أو بغلبة الظن أن غير المحلوف عليه خير منه (إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) عن حكمها وما يترتب عليها من الإثم. قيل هذا قاله الصديق رضي الله عنه لما حلف لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، وأنزل الله براءتها وطابت نفوس المؤمنين وتاب الله على من كان خاض في حديث الإفك وأنزل الله تعالى ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾ [النور: ٢٢] الآية أي لا يحلف أولو الفضل منكم أن لا يصلوا قراباتهم المساكين المهاجرين فرجع الصديق إلى مسطح ما كان يصله به من النفقة. والحديث من أفراده. ٦٦٢٢ - حدّثنا أَبُو الثُّغْمانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ سَمُرَةً قَالَ: قَالَ النَِّيُّ مَ: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ سَمُرَةَ لا تَسْأَلِ الإِمارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَها عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنْها فَكَفّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأَنْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)). [الحديث ٦٦٢٢ - أطرافه في: ٦٦٧٧، ٧١٤٦، ٧١٤٧]. وبه قال: (حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل) عارم السدوسي قال: (حدثنا جرير بن حازم) الأزدي قال: (حدثنا الحسن) البصري قال: (حدثنا عبد الرَّحمن بن سمرة) بفتح السين المهملة والراء بينهما ميم مضمومة ابن حبيب، وقيل كان اسمه عبد كلال فغيره النبي بَّ. قال البخاري له: صحبة وكان إسلامه يوم الفتح وشهد غزوة تبوك وافتتح سجستان وغيرها في خلافة عثمان ثم نزل البصرة وليس له في البخاري إلا هذا الحديث رضي الله عنه أنه (قال: قال) لي (النبي مار): (يا عبد الرَّحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة) بكسر الهمزة مصدر أمر ولا ناهية، وتسأل مجزوم بالنهي والإمارة مفعول به والفاعل مستتر يعود على عبد الرَّحمن وكسرت اللام لالتقاء الساكنين أي لا تسأل الولاية (فإنك إن أوتيتها) الفاء للعطف (عن مسألة) وجواب الشرط قوله (وكلت إليها) بضم الواو وكسر الكاف وسكون اللام يقال وكله إلى نفسه وكلاً ووكولاً وهذا الأمر موكول إلى ومنه قول النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب ٣٨ كتاب الأيمان والنذور/ باب ١ أي أن الإمارة أمر شاق لا يخرج عن عهدتها إلا أفراد من الرجال فلا تسألها عن تشوّف نفس فإنك إن سألتها تركت معها فلا يعينك الله عليها وحينئذٍ فلا يكون فيه كفاية لها ومن كان هذا شأنه لا يولى (وإن أوتيتها من) ولأبي ذر عن الكشميهني وإنك إن أوتيتها عن (غير مسألة أعنت عليها) وعن يحتمل أن تكون بمعنى الباء أي بمسألة أي بسبب مسألة قال امرؤ القيس: تصدّ وتبدي عن أسيل وتتقي بناظرة من وحش وجرة مطفل أي بأسيل (وإذا حلفت على) محلوف (يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفّر عن يمنيك وائت الذي هو خير) ظاهره تقديم التكفير على إتيان المحلوف عليه والرواية السابقة تأخيره، ومذهب إمامنا الشافعي ومالك والجمهور جواز التقديم على الحنث لكن يستحب كونه بعده، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم لأنه عبادة بدنية فلا تقدم قبل وقتها كصوم رمضان، واستثنى بعض أصحابه حنث المعصية كأن حلف لا يزني لما في التقديم من الإعانة على المعصية والجمهور على الإجزاء لأن اليمين لا يحرم ولا يحلل، ومنع أبو حنيفة وأصحابه وأشهب من المالكية التقديم. لنا قوله فکفر عن يمينك وائت الذي هو خير. فإن قيل: الواو لا تدل على الترتيب. أجيب: برواية أبي داود والنسائي فكفر عن يمينك ثم انت الذي هو خير. فإن قلت: ما مناسبة هذه الجملة السابقة؟ أجيب: بأن الممتنع من الإمارة قد يؤدي به الحال إلى الحلف على عدم القبول مع كون المصلحة في ولايته. والحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأحكام وفي الكفارات، ومسلم في الأيمان، وأبو داود في الخراج، والترمذي في الأيمان، وأخرج النسائي قصة الإمارة في القضاء والسير وقصة اليمين في الأيمان. ٦٦٢٣ - حدّثنا أَبُو الثَّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِهِ قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ وَّهِ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيّينَ أَسْتَحْمِلُهُ فَقالَ: ((وَالله لا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ)) قَالَ: ثُمَّ لَبَثْنا ما شاءَ اللهِ أَنْ نَلْبَثَ ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرَ الذُّرِى فَحَمَلْنَا عَلَيْها، فَلَمَّا أَنَّطَلَقْنَا قُلْنا: أَوْ قالَ بَعْضُنا، وَالله لا يُبارَكُ لَنا أَتَيْنَا النَِّيَّ ◌َِّ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لا يَحْمِلَنا ثُمَّ حَمَلَنَا، فَأَرْجِعُوا بِنْا إِلى النَّبِيّ ◌َِّ فَتْذَكْرَهُ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ: ((ما أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللهِ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللهِ إِنْ شاءَ الله لا أَخْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها إِلَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني)) . وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد عارم بن الفضل قال: (حدثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الأزدي الأزرق أحد الأعلام (عن غيلان بن جرير) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية وفتح جيم جرير الأزدي البصري من صغار التابعين (عن أبي بردة) بضم الموحدة اسمه الحارث أو ٣٩ کتاب الأيمان والنذور/ باب ١ عامر (عن أبيه) أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري أنه (قال: أتيت النبي ◌َّر في رهط) رجال دون العشرة (من الأشعريين) جمع أشعري نسبة إلى الأشعر بن ادد بن يشجب، وقيل له الأشعر لأن أمه ولدته أشعر (أستحمله) أي أطلب منه ما يحملنا من الإبل ويحمل أثقالنا لأجل غزوة تبوك (فقال) ◌َّدٍ : (والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه قال) أبو موسى: (ثم لبثنا ما شاء الله أن نلبث ثم أتي) بضم الهمزة أي النبي وَلجر (بثلاث ذود) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة ما بين الثلاث إلى العشر. وقال أبو عبيد: هي من الإناث فلذا قال: بثلاث ذود ولم يقل بثلاثة ذود (غر الذرى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر وهو الأبيض الحسن والذرى بضم الذال المعجمة وفتح الراء جمع ذروة بالكسر والضم وذروة كل شيء أعلاه والمراد هنا الأسنمة (فحملنا) بفتح الفاء والحاء والميم واللام (عليها فلما انطلقنا قلنا أو قال بعضنا والله لا يبارك لنا) فيها (أتينا النبي ◌َّفي نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا) بفتح اللام (فارجعوا بنا إلى النبي وَّل فنذكره) بضم النون وكسر الكاف مشددة بيمينه (فأتيناه) فذكرنا له (فقال: ما أنا حملتكم بل الله) عز وجل (حملكم) أي إنما أعطيتكم من مال الله أو بأمر الله لأنه كان يعطي بالوحي (وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) منها (أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) أي لا أحلف على موجب يمين لأن اليمين توجبه والموجب هو الذي انعقد عليه الحلف وخبر إن جملة لا أحلف وجواب القسم محذوف سد مسد خبر إن، ويحتمل أن يكون لا أحلف جواب القسم، وخبر إن القسم، وجوابه وإن شاء الله جملة معترضة لا محل لها وقدم استثناء المشيئة وكان موضعه عقب جواب القسم، وذلك أن جواب القسم جاء بلا وعقبه الاستثناء بإلاّ فلو تأخر استثناء المشيئة حتى يجيء الكلام والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير إن شاء الله لاحتمل أن يرجع إلى قوله أتيت أو إلى قوله هو خير، فلما قدّمه انتفى هذا التخيل، وأيضًا ففي تقديمه اهتمام به لأنه استثناء مأمور به شرعًا، وينبغي أن يبادر بالمأمور به والتعليق بالمشيئة هنا الظاهر أنه للتبرك، وإلا فحقيقته ترفع القسم المقصود هنا لتأكيد الحكم وتقرير وهل يحكم على اليمين المقيدة بتعليق المشيئة إذا قصد بها التعليق أنها منعقدة أو لم تنعقد أصلاً فيه خلاف لأصحابنا. وقوله: أو أتيت إما شك من الراوي في تقديم أتيت على كفرت والعكس، وإما تنويع من الشارع وَّر إشارة إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها. والحديث أخرجه البخاري أيضًا في كفارات الأيمان، وسبق مطوّلاً في كتاب الخمس، وأخرجه مسلم في الأيمان وكذا أبو داود والنسائي وأخرجه ابن ماجة في الكفارات. ٦٦٢٤ - حدثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرْ، عَنْ هِمَّامٍ بْنِ مُنَبَهِ قالَ: هَذا ما حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ». ٤٠ کتاب الأيمان والنذور/ باب ١ وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم في مستخرجه أو هو ابن نصر قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع أحد الأعلام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين ابن راشد (عن همام بن منبه) الصنعاني أنه (قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة) رضي الله عنه ولأبي ذر به أبو هريرة (عن النبي وَّ) أنه (قال): (نحن الآخرون) المتأخرون وجودًا في الدنيا (السابقون) الأمم (يوم القيامة) حسابًا ودخولاً للجنة . ٦٦٢٥ - فقال رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَالله لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ أَنْ يُعْطِي كَفَّارَتَهُ الَّتِي اُفْتَرَضَ الله عَلَيْهِ)). (فقال) بالفاء، ولأبي ذر عن الكشميهني: وقال (رسول الله بَير: والله لأن) بفتح اللام وهي لتأكيد القسم (يلج) بفتح التحتية واللام والجيم المشددة من اللجاج وهو الإصرار على الشيء مطلقًا أي لأن يتمادى (أحدكم بيمينه) الذي حلفه (في) أمر بسبب (أهله) وهم يتضررون بعدم حنثه ولم يكن معصية (آثم له) بفتح الهمزة الممدودة والمثلثة أشد إثمًا للحالف المتمادي (عند الله من أن) يحنث و (يعطي كفارته التي افترض) بها (الله) عز وجل (عليه) فينبغي له أن يحنث ويفعل ذلك ويكفر فإن تورع عن ارتكاب الحنث خشية الإثم أخطأ بإدامة الضرر على أهله لأن الإثم في الدجاج أكثر منه في الحنث على زعمه أو توهمه. وقال ابن المنير: وهذا من جوامع الكلم وبدائعه، ووجهه أنه إنما تحرجوا من الحنث والحلف بعد الوعد المؤكد باليمين، وكان القياس يقتضي أن يقال لجاج أحدكم آثم له من الحنث، ولكن النبي ◌َل ﴿ عدل عن ذلك إلى ما هو لازم الحنث وهو الكفارة لأن المقابلة بينها وبين اللجاج أفحم للخصم وأدل على سوء نظر المتنطع الذي اعتقد أنه تحرج من الإثم، وإنما تحرج من الطاعة والصدقة والإحسان وكلها تجتمع في الكفارة ولهذا عظم شأنها بقوله التي افترض الله عليه، وإذا صح أن الكفارة خير له ومن لوازمها الحنث صح أن الحنث خير له، ولأن يلج أحدكم بيمينه في أهله أي لأن يصمم أحدكم في قطيعة أهله ورحمة بسبب يمينه التي حلفها على ترك برهم آثم له عند الله من کذا انتهى. وفي هذا الحديث أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي إذا كان في الحنث مصلحة ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على ارتكاب معصية كترك واجب عيني وفعل حرام عصى بحلفه ولزمه حنث وكفارة إذا لم يكن له طريق سواه، وإلاّ فلا كما لو حلف لا ينفق على زوجته فإن له طريقًا بأن يعطيها من صداقها أو يقرضها ثم يبرئها لأن الغرض حاصل مع بقاء التعظيم وإن حلف على ترك مباح أو فعله كدخول دار وأكل طعام ولبس ثوب سن ترك حنثه لما فيه من تعظيم اسم الله نعم إن تعلق بتركه أو عله غرض ديني كأن حلف أن لا يمس طيبًا ولا