Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
کتاب الرقاق/ باب ٣٨
حديث عياض بن حماد رفعه: إن الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد
أخرجه مسلم وأبو داود.
٦٥٠١ - حدثنا مالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ
قالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّنَِّ نَاقَةٌ. قالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنا الْفَزَارِيُّ وَأَبُو خالِدِ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ
الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: كانَتْ ناقَةٌ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، وَكانَتْ لا تُسْبَقُ، فَجَاءَ
أَغْرَابِيٍّ عَلى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَها، فَأَشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقالُوا: سُبِقَتِ الْعَضْباءُ، فَقالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا إِلاَّ وَضَعَهُ)).
وبه قال: (حدثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد النهدي الكوفي قال: (حدثنا زهير) بضم
الزاي وفتح الهاء ابن معاوية قال: (حدثنا حميد) الطويل (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: كان
للنبي ◌َ﴾ ناقة قال) البخاري: (وحدثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام كما جزم به الكلاباذي
قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء والزاي المخففة وبعد الألف راء مكسورة مروان بن معاوية (وأبو
خالد الأحمر) سليمان بن حيان بالمهملة والتحتية المشددة الأزدي كلاهما (عن حميد الطويل عن
أنس) رضي الله عنه أنه (قال: كانت ناقة لرسول الله وَل ر تسمى العضباء) بفتح المهملة وسكون
المعجمة بعدها موحدة ممدودة وصف للمشقوقة الأذن لكن ناقته وَ لو لم تكن مشقوقة الأذن لكنه
صار لقبًا لها (وكانت لا تسبق) بضم الفوقية وفتح الموحدة (فجاء أعرابي على قعود له) بفتح القاف
بكر له من الإبل أمكن ظهره من الركوب (فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سبقت
العضباء) بضم السين والعضباء رفع (فقال رسول الله (وَل﴾):
(إن حقًّا على الله) بتشديد النون (أن لا يرفع شيئًا) ولأبي ذر أن لا يرفع مبنيًّا للمفعول شيء
(من الدنيا إلاّ وضعه) وفي بعض طرق الحديث عند النسائي حق على الله أن لا يرفع شيء نفسه في
الدنيا إلاّ وضعه، وبه تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة إذ فيه الحض على التواضع وذم الترفع.
وحديث الباب سبق في باب ناقة النبي ◌َّر من كتاب الجهاد.
٦٥٠٢ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ كَرَامَةَ، حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنا سُلَيْمَانُ بْنُ
بِلالٍ، حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنَّ الله قالَ: مَنْ عادى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ
أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا أَفْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ
سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، وَإِنْ
سَأَلَنِي لِأُعْطِيَنَّهُ، وَلَيْنِ اسْتَعَاذَنِي لِأُعِيذَنَّهُ، وَما تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تردُّدي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ
يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَساءَتَهُ» .

٥٠٢
کتاب الرقاق/ باب ٣٨
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (محمد بن عثمان بن كرامة) بفتح الكاف
وتخفيف الراء العجلي بكسر العين المهملة وسكون الجيم الكوفي وثبت ابن كرامة لأبي ذر قال:
(حدثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة القطواني الكوفي قال: (حدثنا سليمان بن
بلال) أبو أيوب التميمي قال: (حدثني) بالإفراد (شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون
وكسر الميم القرشي (عن عطاء) هو ابن يسار (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال
رسول الله (سامي) :
(إن الله) عز وجل (قال: من عادى لي وليًا) فعيلاً بمعنى مفعول وهو من يتولى الله سبحانه
وتعالى أمره قال الله تعالى: ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] ولا يكله إلى نفسه لحظة بل
يتولى الحق رعايته أو هو فعيل مبالغة من الفاعل وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته فعباداته تجري
على التوالي من غير أن يتخللها عصيان، وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي وليًا بحسب قيامه
بحقوق الله على الاستقصاء والاستبقاء ودوام حفظ الله إياه في السراء والضراء، ومن شرط الولي
أن يكون محفوظًا كما أن من شرط النبي أن يكون معصومًا فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو
مغرور مخادع.
قال القشيري: والمراد بكون الولي محفوظًا أن يحفظه الله تعالى من تماديه في الزلل والخطأ إن
وقع فيهما بأن يلهمه التوبة فيتوب منهما وإلاّ فهما لا يقدحان في ولايته وقوله لي هو في الأصل
صفة لقوله وليّا لكنه لما تقدم صار حالاً، وفي رواية أحمد: من آذى لي وليًا (فقد آذنته) بمدّ الهمزة
وفتح المعجمة وسكون النون أي أعلمته (بالحرب) أي أعمل به ما يعمله العدوّ المحارب من الإيذاء
ونحوه، فالمراد لازمه وفيه تهديد شديد لأن من حاربه أهلكه. قال الفاكهاني: وهو من المجاز
البليغ لأن من كره من أحب الله خالف الله، ومن خالف الله عانده ومن عانده أهلكه، وإذا ثبت
هذا في جانب المعاداة ثبت ضده في جانب الموالاة فمن والى أولياء الله أكرمه الله، ولأبي ذر عن
الكشميهني بحرب بإسقاط الألف واللام (وما تقرّب إلي عبدي) ولأبي ذر عن الكشميهني عبد
بحذف التحتية (بشيء أحب إلي) بفتح أحب صفة لقوله بشيء فهو مفتوح في موضع جر وبالرفع
بتقدير هو أحب إليّ (مما افترضت عليه) سواء كان عينًا أو كفاية وظاهر قوله افترضته الاختصاص
بما ابتدأ الله فرضيته وهل يدخل ما أوجبه المكلف على نفسه (وما يزال) بلفظ المضارع، ولأبي ذر
عن الحموي والمستملي وما زال (عبدي يتقرب إلي بالنوافل) مع الفرائض كالصلاة والصيام (حتى
أحبه فإذا أحببته كنت) ولأبي ذر حتى حببته فكنت (سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به
ويده التي يبطش بها) بضم الطاء في اليونينية وبكسرها في غيرها (ورجله التي يمشي بها) وزاد
عبد الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة عند أحمد والبيهقي في الزهد وفؤاده الذي يعقل به
ولسانه الذي يتكلم به.
وفي حديث أنس: ومن أحببته كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا وهو مجاز وكناية عن

٥٠٣
كتاب الرقاق/ باب ٣٨
نصرة العبد وتأييده وإعانته حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها،
ولذا وقع في رواية: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، قاله العوفي، أو أن سمعه
بمعنى مسموعه لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل: فلان أملي بمعنى مأمولي، والمعنى أنه لا
يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر إلا في عجائب
ملكوتي، ولا يمدّ يده إلا فيما فيه رضاي ورِجله كذلك قاله الفاكهاني. وقال الاتحادية: إنه على
حقيقته وإن الحق عين العبد محتجين بمجيء جبريل في صورة دحية وللشيخ قطب الدين القسطلاني
كتاب بديع في الردّ على أصحاب هذه المقالة أثابه الله، وعن أبي عثمان الحيري أحد أئمة الصوفية
مما أسنده عنه البيهقي في الزهد قال: معنى الحديث كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في
الاستماع، وعينه في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي (وإن سألني) زاد عبد الواحد
عبدي (لأعطينه) ما سأل (ولئن استعاذني) بالنون بعد الذال المعجمة في الفرع كأصله وبالموحدة في
غيرهما (لأعيذنه) أي مما يخاف.
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني والبيهقي في الزهد وإذا استنصرني نصرته.
وفي حديث حذيفة عند الطبراني: ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين
والصديقين والشهداء في الجنة (وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن) أي ما
ردّدت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن كما في قصة موسى عليه السلام
وما كان من لطمه عين ملك الموت وتردّده إليه مرة بعد أخرى، وأضاف تعالى ذلك لنفسه لأن
ترددهم عن أمره (يكره الموت) لما فيه من الألم العظيم (وأنا أكره مساءته) بفتح الميم والمهملة بعدها
همزة ففوقية. وقال الجنيد: الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته، وليس المعنى أني أكره
له الموت لأن الموت يورده إلى رحمة الله تعالى ومغفرته، وقال غيره: لما كانت مفارقة الروح الجسد
لا تحصل إلا بألم عظيم جدًا والله تعالى يكره أذى المؤمن أطلق على ذلك الكراهة، ويحتمل أن
تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة لأنها تؤدي إلى أرذل العمر وتنكيس الخلق والردّ إلى أسفل
سافلين، وفي ذلك دلالة على شرف الأولياء ورفعة منزلتهم حتى لو تأتى أنه تعالى لا يذيقهم
الموت الذي حتمه على عباده لفعل، ولهذا المعنى ورد لفظ التردّد كما أن العبد إذا كان له أمر
لا بدّ له أن يفعله بحبيبه لكنه يؤلمه، فإن نظر إلى ألمه انكف عن الفعل، وإن نظر إلى أنه لا بدّ له
منه أن يفعله لمنفعته أقدم عليه فيعبر عن هذه الحالة في قلبه بالتردّد فخاطب الله الخلق بذلك على
حسب ما يعرفون ودلهم به على شرف الولي عنده ورفعة درجته.
وهذا الحديث في سنده خالد بن مخلد القطواني، قال الذهبي في الميزان، قال أبو داود:
صدوق، وقال أحمد: له مناكير، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن سعد:
منكر الحديث مفرط التشيع، وذكره ابن عدي ثم ساق له عشرة أحاديث استنكرها، ومما انفرد به
ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن كرامة عنه، وذكر حديث الباب: من عادى لي وليا الخ ثم

٥٠٤
کتاب الرقاق/ باب ٣٩
قال: فهذا حديث غريب جدًا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدّوه في منكرات خالد وذلك لغرابة
لفظه ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ، ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خرّجه ما
عدا البخاري ولا أظنه في مسند أحمد اهـ.
وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: إنه ليس في مسند أحمد جزمًا وإطلاق أنه لم يرو إلا بهذا
الإسناد مردود وبأن شريكًا شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضًا، لكن للحديث طرق يدل مجموعها على
أن له أصلاً منها عن عائشة أخرجه أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية والبيهقي
في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة عنها، وذكر ابن حبان وابن عدي أنه تفرد
به وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد عن
عروة وقال: لم يروه عن عروة إلا يعقوب وعبد الواحد، ومنها عن أبي أمامة أخرجه الطبراني
والبيهقي في الزهد بسند ضعيف، ومنها عن علي عند الإسماعيلي في مسند علي، وعن ابن عباس
أخرجه الطبراني وسنده ضعيف، وعن أنس أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني وفي سنده ضعف،
وعن حذيفة أخرجه الطبراني مختصرًا وسنده حسن غريب، وعن معاذ بن جبل أخرجه ابن ماجة
وأبو نعيم في الحلية مختصرًا وسنده ضعيف أيضًا، وعن وهب بن منبه مقطوعًا أخرجه أحمد في
الزهد وأبو نعيم في الحلية اهـ.
ومناسبة الحديث للترجمة تستفاد من لازم قوله: من عادى لي وليًا لأنه يقتضي الزجر عن
معاداة الأولياء المستلزم لموالاتهم وموالاة جميع الأولياء لا تتأتى إلا بغاية التواضع إذ منهم الأشعث
الأغبر الذي لا يؤبه له أو أن التقرب بالنوافل لا يكون إلا بغاية التواضع لله والتذلل له تعالى.
٣٩ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهاتَيْنِ))
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[النحل: ٧٧]
(باب قول النبي وَقير: بُعثت أنا والساعة) بالنصب (كهاتين) أي كما بين هاتين الأصبعين
السبابة والوسطى، وقوله تعالى: (﴿وما أمر الساعة﴾) أي وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته
(﴿إلا كلمح البصر﴾) إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها (﴿أو هو أقرب﴾) أو أمرها
أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذي تبتدىء فيه فإنه تعالى يحيي
الخلائق دفعة وما يوجد دفعة كان في آن وأو للتخيير بمعنى بل قاله البيضاوي كالزمخشري، وتعقبه
أبو حيان بأن الاضراب على قسمين وكلاهما لا يصح هنا؛ أما أحدهما بأن يكون إبطالاً للإسناد
السابق وأنه ليس هو المراد فهذا يستحيل هنا لأنه يؤول إلى إسناد غير مطابق، والثاني أن يكون
انتقالاً من شيء إلى شيء من غير إبطال لذلك الشيء السابق وهذا مستحيل هنا أيضًا للتنافي الذي
بين الإخبار بكونه مثل لمح البصر في السرعة والإخبار بالأقربية فلا يمكن صدقهما معًا اهـ.

٥٠٥
کتاب الرقاق/ باب ٣٩
وقيل: المعنى أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي يقولون فيه هو كلمح
البصر أو هو أقرب مبالغة في استقرابه (﴿إن الله على كل شيء قدير﴾) [النحل: ٧٧] وسقط لأبي
ذر قوله ﴿أو هو أقرب﴾ الخ. وقال بعد قوله: ﴿إلا كلمح البصر﴾ الآية.
٦٥٠٣ - حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ)) هَكَذَا وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّ بِهِما.
وبه قال: (حدثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم قال:
(حدثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والمهملة محمد بن مطرف قال: (حدثنا أبو حازم) بالحاء
والزاي سلمة بن دينار (عن سهل) هو ابن سعد الساعدي الأنصاري أنه (قال: قال
رسول الله ◌َالخر):
(بُعثت) بضم الموحدة (أنا والساعة) بالرفع في الفرع كأصله. قال القاضي عياض: عطف
على الضمير المجهول في بعثت، وقال أبو البقاء العكبري: في إعراب المسند بالنصب والواو معنى
مع قال: ولو قرىء بالرفع لفسد المعنى لأنه لا يقال بعثت الساعة ولا هو في موضع المرفوع لأنها
لم توجد بعد، وأجيب: بأنها نزلت منزلة الموجودة مبالغة في تحقق مجيئها، وأجاز غيره الوجهين بل
جزم القاضي عياض بأن الرفع أحسن لما مر والمعنى بعثت ويوم القيامة (هكذا) ولأبي ذر عن
الكشميهني كهاتين (ويشير) وَل قر (بإصبعيه) السبابة والوسطى (فيمدّ بهما) ليميزهما عن سائر
الأصابع، ولأبي ذر فيمدهما بإسقاط الموحدة، وفي رواية سفيان عن أبي حازم في اللعان وقرن بين
إصبعيه السبابة والوسطى، وفي رواية أبي ضمرة عن أبي حازم عند ابن جرير وضم بين إصبعيه
الوسطى والتي تلي الإبهام، وقال: ((ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان)) وعند أحمد والطبراني
بسند حسن في حديث بريدة: ((بعثت أنا والساعة إن كادت لتسبقني)).
٦٥٠٤ - حدثني عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةً وَأَبِي
التَّاحِ عَنْ أَنَسِ عَنِ النَِّيّ نَّهِ قَالَ: ((بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي وزاد غير أبي ذر هو الجعفي بضم
الجيم وسكون العين المهملة قال: (حدثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم ابن حازم الأزدي الحافظ
قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (وأبي التياح) بفتح الفوقية والتحتية المشددتين
وبعد الألف حاء مهملة يزيد من الزيادة الضبعي بالضاد المعجمة المفتوحة وضم الموحدة بعدها
مهملة مكسورة كلاهما (عن أنس) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّير) أنه (قال):
(بعثت والساعة) أي معها ولأبي ذر: أنا والساعة (كهاتين) وفي مسلم من طريق خالد بن
الحارث عن شعبة هكذا، وقرن شعبة المسبحة والوسطى، ولمسلم أيضًا من طريق غندر عن شعبة
عن قتادة قال شعبة: وسمعت قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى فلا أدري

٥٠٦
کتاب الرقاق/ باب ٣٩
أذكره عن أنس أو قاله قتادة أي من قِبل نفسه، قال القاضي البيضاوي: معنى الحديث أن نسبة
تقدم بعثه ◌َيه على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الإصبعين على الأخرى. وقال التوربشتي:
ويحتمل وجهًا آخر وهو أن يكون المراد منه ارتباط دعوته بالساعة لا تفترق إحداهما عن الأخرى،
كما أن السبابة لا تفترق عن الوسطى، وقال الطيبي: قوله كفضل إحداهما بدل من قوله كهاتين
وموضح له وهو يؤيد الوجه الأول والرفع على العطف، والمعنى بعثت أنا والساعة بعثًا متفاضلاً
مثل فضل إحداهما على الأخرى ومعنى النصب لا يستقيم على هذا انتهى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفتن.
٦٥٠٥ - حدّثني يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صالِحٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهاتَيْنِ)، يَعْنِي إِصْبَعَيْنٍ. تابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ
أَبِي حَصينٍ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (يحيى بن يوسف) أبو زكريا الزمي قال:
(أخبرنا) ولأبي ذر حدثنا (أبو بكر) هو ابن عياش بالتحتية المشددة آخره شين معجمة (عن أبي
حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن
أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي (وَّ) أنه (قال):
(بعثت أنا والساعة) بالرفع في اليونينية (كهاتين يعني إصبعين) وعند الطبراني عن هناد بن
السري عن أبي بكر بن عياش وأشار بالسبابة والوسطى بدل قوله يعني إصبعين (تابعه) أي تابع أبا
بكر (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحق السبيعي (عن أبي حصين) يعني سندًا ومتنًا وقد وصلها
الإسماعيلي. قال الكرماني: قيل هو إشارة إلى قرب المجاورة، وقيل إلى تقارب ما بينهما طولاً
وفضل الوسطى على السبابة لأنها أطول منها بشيء يسير، فالوجه الأول بالنظر إلى العرض،
والثاني بالنظر إلى الطول، وقيل أي ليس بينه وبين الساعة نبي غيره مع التقريب لحينها اهـ.
والذي يتجه القول بأنه إشارة إلى قرب ما بينهما ولو كان المراد قرب المجاورة لقامت الساعة
الاتصال إحدى الإصبعين بالأخرى. قال السفاقسي: قيل قوله كما بين السبابة والوسطى أي في
الطول وقال في المفهم على رواية نصب والساعة يكون التشبيه وقع بالانضمام وعلى الرفع
بالتفاوت، وفي تذكرة القرطبي المعنى تقريب أمر الساعة قال: ولا منافاة بينه وبين قوله في
الحديث الآخر ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) فإن المراد بحديث الباب أنه ليس بينه وبينها
نبي كما ليس بين السبابة والوسطى إصبع أخرى ولا يلزم منه علم وقتها بعينه. نعم سياقه يفيد
قربها وأن أشراطها متتابعة. وقال الضحاك: أول أشراطها بعثة محمد نَّه9، وقد قيل إن نسبة ما
بين الأصبعين كنسبة ما بقي من الدنيا إلى ما مضى وأن جملتها سبعة آلاف سنة كما قال ابن جرير
في مقدمة تاريخه عن ابن عباس من طريق يحيى بن يعقوب عن حماد بن أبي سليمان عن سعيد بن

٥٠٧
کتاب الرقاق/ باب ٣٩
جبير عنه: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة بالموحدة بعدها عين مهملة وقد مضى ستة
آلاف ومائة سنة ويحيى هو القاضي الأنصاري. قال البخاري: منكر الحديث وشيخه هو فقيه
الكوفة وفيه مقال، وفي حديث أبي داود: والله لا يعجز هذه الأمة من نصف يوم ورواته ثقات
لكن رجح البخاري وقفه، وعند أبي داود أيضًا مرفوعًا لأرجو أن لا يعجز أمتي عند ربها أن
يؤخرهم نصف يوم، وفسره بخمسمائة سنة، فيؤخذ من ذلك أن الذي بقي نصف سبع وهو قريب
ما بين السبابة والوسطى في الطول، لكن الحديث وإن كان رواته موثقين إلا أن فيه انقطاعًا وقد
ظهر عدم صحة ذلك على ما لا يخفى لوقوغ خلافه ومجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتًا لم يقع
خلافه. وقال ابن العربي: قيل الوسطى تزيد على السبابة نصف سبعها وكذلك الباقي من الدنيا من
البعثة إلى قيام الساعة وهذا بعيد ولا يعلم مقدار الدنيا فكيف يتحصل لنا سبع أمد مجهول. وفي
الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى
مغرب الشمس، وعند أحمد بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عمر كنا عند النبي ◌َّر والشمس
على قعيقان مرتفعة بعد العصر فقال: ((ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من هذا النهار
فیما مضى منه)).
قال في الفتح: وحديث ابن عمر صحيح متفق عليه فالصواب الاعتماد عليه وله محملان.
أحدهما: أن المراد بالتشبيه التقريب ولا يراد حقيقة المقدار فيه، والثاني أن يحمل على ظاهره فيكون
فيه دلالة على أن مدة هذه الأمة قدر خمس النهار تقريبًا .
وقال صاحب الكشف: إن الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا
تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة، وذلك أنه ورد من طرق أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وأن
النبي ◌ّ﴿ل بعث في آخر الألف السادسة، وورد أن الدجال يخرج على رأس مائة وينزل عيسى عليه
السلام فيقتله ثم يمكث في الأرض أربعين سنة وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها
مائة وعشرين سنة وأن بين النفختين أربعين سنة فهذه المائتا سنة لا بدّ منها والباقي الآن من الألف
سنة وسنتان، وإلى الآن لم تطلع الشمس من مغربها ولا خرج الدجال الذي خروجه قبل طلوع
الشمس بعدّة سنين، ولا ظهر المهدي الذي ظهوره قبل الدجال بسبع سنين ولا وقعت الأشراط
التي قبل ظهور المهدي، ولا بقي يمكن خروج الدجال عن قرب لأنه إنما يخرج عند رأس مائة
وقبله مقدمات تكون في سنين كثيرة فأقل ما يكون أنه يجوز خروجه على رأس الألف إن لم يتأخر
إلى مائة بعدها، وإن اتفق خروجه على رأس الألف مكثت الدنيا بعده أكثر من نحو مائتي سنة
المائتين المشار إليهما والباقي ما بين خروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها، ولا ندري کم هو،
وإن تأخر الدجال عن رأس الألف إلى مائة أخرى كانت المدة أكثر، ولا يمكن أن تكون المدة ألفًا
وخمسمائة أصلاً، واستدل بأحاديث ضعيفة على عادته قال: إنه اعتمد عليها في أن مدة الدنيا سبعة
آلاف سنة، وأن النبي وَ﴿ بعث في آخر الألف السادسة منها: حديث الضحاك بن زمل الجهني
قال: رأيت رؤيا فقصصتها على رسول الله وَلجر الحديث وفيه: فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر

٥٠٨
کتاب الرقاق/ باب ٤٠
فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة فقال رسول الله ومسليه: أما المنبر الذي رأيت فيه سبع
درجات وأنا في أعلاها درجة فالدنيا سبعة آلاف وأنا في آخرها ألفًا رواه البيهقي في دلائله،
فقوله وأنا في آخرها ألفًا أي معظم المدة في الألف السابعة ليطابق أن بعثته وَّ في أواخر الألف
السادسة ولو كان بعث أول الألف السابعة كانت الأشراط الكبرى كالدجال وجدت قبل اليوم بأكثر
من مائة سنة لتقوم الساعة عند تمام الألف ولم يوجد شيء من ذلك فدلّ على أن الباقي من الألف
السابعة أكثر من ثلاثمائة سنة اهـ.
قلت: قال الحافظ ابن حجر: إن سند هذا الحديث ضعيف جدًا، وأخرجه ابن السكن في
الصحابة وقال: إسناده مجهول وليس ابن زمل بمعروف في الصحابة وابن قتيبة في غريب
الحديث، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن الأثير: ألفاظه مصنوعة، وقد أخبر معمر
في الجامع عن ابن نجيح عن مجاهد قال معمر: وبلغني عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿في يوم كان
مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: ٤] قال: الدنيا من أولها إلى آخرها يوم كان مقداره خمسين
ألف سنة لا يدري كم مضى ولا كم بقي إلا الله تعالى.
(تنبيه):
وأما ما اشتهر على الألسنة من أن النبي ◌َ لقر لا يمكث في قبره ألف سنة فباطل لا أصل له
كما صرح به الشيخ عبد العزيز الديريني في الدرر الملتقطة في المسائل المختلطة لكنه قال: إنه مما
نقل عن علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار اهـ.
ولا يصح ذلك بل كل ما ورد فيه تحديد إما أن يكون لا أصل له أو لا يثبت. وقال الحافظ
عماد الدين بن كثير في البداية بعد أن ذكر حديث: ألا أن مثل آجالكم في آجال الأمم قبلكم
كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس هذا يدل على أن ما بقي بالنسبة إلى ما مضى كالشيء
اليسير لكن لا يعلم مقدار ما مضى إلا الله عز وجل ولم يجىء فيه تحديد يصح سنده عن المعصوم
حتى يصار إليه ويعلم نسبة ما بقي بالنسبة إليه، ولكنه قليل جدًا بالنسبة إلى الماضي، وتعيين وقت
الساعة لم يأت به حديث صحيح بل الآيات والأحاديث دالة على أن علم ذلك مما استأثر الله به
دون أحد من خلقه، وقد قال تعالى: ﴿قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾
[الأعراف: ١٨٧] وقال ◌َ له: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) فالخوض في ذلك لا يجدي
نفعًا ولا يأتي بطائل والله الموفق.
٤٠ - باب
هذا (باب) بالتنوين بلا ترجمة فهو كالفصل من الباب السابق، ولأبي ذر عن الكشميهني
باب طلوع الشمس من مغربها.
٦٥٠٦ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزّنادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي

٥٠٩
كتاب الرقاق/ باب ٤٠
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها،
فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيْمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ،
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِنْمانِھا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَيْهِما بَيْنَهُمَا فَلا يَتَبَايَعانه وَلا
يَطْوِيانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنٍ لِفْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يَلِيطُ
حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها)).
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن عبد الرَّحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله وَ ال﴾ قال):
(لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها) قال في الكواكب: فإن قلت: أهل الهيئة
بينوا أن الفلكيات بسيطة لا تختلف مقتضياتها ولا يتطرق إليها خلاف ما هي عليه. قلت:
قواعدهم منقوضة ومقدماتهم ممنوعة، ولئن سلمنا صحتها فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على
معدل النهار بحيث يصير المشرق مغربًا والمغرب مشرقًا اهـ.
(فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون فذلك) باللام ولأبي ذر عن الكشميهني فذاك (حين لا
ينفع نفسًا إيمانها) كالمختصر إذا صار الأمر عيانًا والإيمان برهانا (لم تكن آمنت من قبل) صفة نفسًا
(أو كسبت في إيمانها خيرًا) عطف على آمنت والمعنى لا ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة
إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا، وسقط لأبي ذر قوله لم تكن آمنت الخ. وقال
بعد قوله إيمانها الآية. وفي صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعًا: ((ثلاث إذا
خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال والدابة)).
قال في الفتح: والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام
المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى عليه السلام وأن طلوع
الشمس من مغربها هو أوّل الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام
الساعة. وفي مسلم من طريق أبي زرعة عند عبد الله بن عمرو بن العاصي رفعه: ((أوّل الآيات
طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى
منها قریب)).
قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة
في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه. قال الحافظ ابن حجر: والحكمة في ذلك أن عند طلوع
الشمس من مغربها يغلق باب التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلاً للمقصود من
إغلاق باب التوبة، وأوّل الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار تحشر الناس كما سبق حديث أنس في
بدء الخلق في مسائل عبد الله بن سلام، وفي حديث عائشة المروي عند عبد بن حميد والطبراني

٥١٠
كتاب الرقاق/ باب ٤١
بسند صحيح من طريق عامر الشعبي عنها: إذا خرجت أوّل الآيات طرحت الأقلام وطويت
الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجسام على الأعمال، وهذا وإن كان موقوفًا فحكمهُ
الرفع.
(ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبيهما بينهما) بياء تحتية بعد الموحدة في الفرع
وبإسقاطها في اليونينية وهو الظاهر والواو في وقد للحال (فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن
الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته) بكسر اللام وسكون القاف بعدها حاء مهملة ذات الدر
من النوق (فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو بليط حوضه) بفتح المثناة التحتية في الفرع كأصله
مصححًا عليه، وفي الفتح بضمها يقال: لاط حوضه إذا مدره أي جمع حجارة فصيّرها كالحوض
ثم سدّ ما بينها من الفرج بالمدر ونحوه لينحبس الماء (فلا يسقى فيه ولتقومن الساعة وقد رفع
أكلته) ولأبي ذر وقد رفع أحدكم أكلته بضم الهمزة لقمته (إلى فيه فلا يطعمها) بفتح أوّله وثالثه
والمراد أن قيام الساعة يكون بغتة.
وهذا الحديث مختصر من حديث يأتي إن شاء الله تعالى أواخر كتاب الفتن بعون الله وقوته.
٤١ - باب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله بَالجر (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه).
٦٥٠٧ - هذثنا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ
النَّبِيّ ◌َّهِ قالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله، أَحَبَّ الله لَقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ»، قالَتْ
عائِشَةُ: أَوْ بَعْضُ أَزْواجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: ((لَيْسَ ذاكِ، وَلكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ
بُشّرَ بِرِضْوانِ الله وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ الله وَأَحَبَّ الله لِقاءَهُ،
وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذا حُضِرَ بُشْرَ بِعَذَابِ الله وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ الله وَكَرِهَ
الله لِقَاءَهُ». اخْتَصَرَهُ أَبُو داوُدَ وَعَمْرٌو، عَنْ شُعْبَةَ، وَقالَ سَعِيدٌ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرارَةَ، عَنْ سَعْدٍ،
عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَِّّ وَّر.
وبه قال: (حدثنا حجاج) بفتح الحاء المهملة والجيم المشددة وبعد الألف جيم أخرى ابن
المنهال قال: (حدثنا همام) بفتح الهاء والميم المشددة ابن يحيى قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة (عن
أنس) هو ابن مالك الصحابي رضي الله عنه (عن عبادة بن الصامت) رضي الله عنه (عن
النبي مَّد) أنه (قال):
(من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) قال الخطابي: محبة اللقاء
إيثار العبد الآخرة على الدنيا ولا يحب طول القيام فيها لكن يستعد للارتحال عنها واللقاء على
وجوه منها: الرؤية، ومنها البعث كقوله تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ [الأنعام: ٣١]

٥١١
كتاب الرقاق/ باب ٤١
أي بالبعث ومنها الموت كقوله: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾
[العنكبوت: ٥] اهـ.
وقال ابن الأثير: المراد باللقاء المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض به
الموت لأن كلاً يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله
ومحبة الله لقاء عبده إرادة الخير له وإنعامه عليه. وقال في الكواكب: فإن قلت: الشرط ليس سببًا
للجزاء بل الأمر بالعكس، قلت: مثله يؤوّل بالإخبار أي من أحب لقاء الله أخبره الله بأن الله
أحب لقاءه وكذلك الكراهة. وقال في الفتح: وفي قوله أحب الله لقاءه العدول عن الضمير إلى
الظاهر تفخيمًا وتعظيمًا ودفعًا لتوهم عود الضمير على الموصول لئلا يتحد في الصورة المبتدأ والخبر
ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى، وأيضًا فعود الضمير على المضاف إليه قليل، وقال ابن الصائغ
في شرح المشارق: يحتمل أن يكون لقاء الله مضافًا للمفعول فأقامه مقام الفاعل ولقاءه إما مضاف
للمفعول والفاعل الضمير أو للموصوف لأن الجواب إذا كان شرطًا فالأولى أن يكون فيه ضمير
نعم هو موجود هنا ولكن تقدیرًا.
(قالت عائشة أو بعض أزواجه:) وَلِّ ورضي الله عنهنّ بأو للشك وجزم سعد بن هشام في
روايته عن عائشة بأنها هي التي قالت ذلك ولم يتردّد (إنا لنكره الموت) ظاهره أن المراد بلقاء الله
في الحديث الموت وليس كذلك لأن لقاء الله غير الموت يدل عليه قوله في الرواية الأخرى والموت
دون لقاء الله، لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله لأنه لا يصل إليه إلا
بالموت. قال حسان بن الأسود: الموت جسر يوصل الحبيب إلى حبيبه (قال) عليه الصلاة
والسلام: (ليس ذاك) بغير لام مع كسر الكاف ولأبي ذر ذلك (ولكن المؤمن) بتشديد نون لكن
ولأبي ذر ولكن المؤمن بالتخفيف ورفع المؤمن (إذا حضره الموت بشّر برضوان الله) عز وجل
(وكرامته) بضم الموحدة وكسر الشين المعجمة المشددة (فليس شيء أحب إليه مما أمامه) بفتح
الهمزة أي مما يستقبله بعد الموت (فأحب لقاء الله) عز وجل (وأحب الله لقاءه).
وفي حديث حميد عن أنس المروي عند أحمد والنسائي والبزار: ولكن المؤمن إذا حضر جاءه
البشير من الله وليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه. وفي رواية
عبد الرَّحمن بن أبي ليلى حدثني فلان ابن فلان أنه سمع رسول الله وَّر الحديث. وفيه: ((ولكنه إذا
حضر فإما أن يكون من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه
أحب)) رواه أحمد بسند قوي وإبهام الصحابي لا يضر.
(وإن الكافر إذا حضر بشر) بضم أولهما وكسر ثانيهما (بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره
إليه مما أمامه) مما يستقبل (كره) بكسر الراء ولأبي ذر فكره (لقاء الله) عز وجل (وكره الله) عز
وجل (لقاءه). وفي حديث عائشة عند عبد بن حميد مرفوعًا: ((إذا أراد الله بعبد خيرًا قيّض الله
قبل موته بعام ملكًا يسدده ويوفقه حتى يقال مات بخير ما كان فإذا حضر ورأى ثوابه اشتاقت

٥١٢
كتاب الرقاق/ باب ٤١
نفسه فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبد شرًا قيّض الله له قبل موته
بعام شيطانًا فأضلّه وفتنه حتى يقال مات بشرّ ما كان عليه فإذا حضر ورأى ما أعدّ الله له من
العذاب جزعت نفسه فذلك حين كره لقاء الله وكره الله لقاءه)).
وحديث الباب أخرجه مسلم في الدعوات والترمذي في الزهد والجنائز والنسائي فيها.
(اختصره) أي الحديث (أبو داود) سليمان الطيالسي مما أخرجه الترمذي موصولاً عن
محمود بن غيلان عنه (وعمرو) بفتح العين ابن مرزوق مما أخرجه الطبراني في الكبير موصولاً عن
أبي مسلم الكجي ويوسف بن يعقوب القاضي كلاهما عن عمرو (عن شعبة) بن الحجاج حيث
اقتصر على أصل الحديث ولم يقل فقالت عائشة الخ ...
(وقال سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة مما وصله مسلم (عن قتادة) بن دعامة (عن زرارة)
بضم الزاي وتكرير الراء بينهما ألف آخره هاء تأنيث ابن أبي أوفى العامري (عن سعد) بسكون
العين ابن هشام الأنصاري ابن عمر أنس بن مالك (عن عائشة) رضي الله عنها (عن النبي ◌َّ).
٦٥٠٨ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً، عَنْ أَبِي
مُوسى عَنِ النّبِّ وَّرِ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الحافظ قال: (حدثنا أبو
أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله بن أبي بردة (عن) جده
(أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء الحارث أو عامر (عن) جده (أبي موسى) عبد الله بن قيس
الأشعري رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(من أحبّ لقاء الله) عز وجل (أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فيه أن محبة
لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت لأنها ممكنة مع عدم تمنيه لأن النهي محمول على حال
الحياة المستمرة أما عند الاختصار والمعاينة فلا تدخل تحت النهي بل هي مستحبة.
٦٥٠٩ - هقلني يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَتْ: كانَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيِّ قَطُ حَتَّى يَرِى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ))
فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ ساعَةً ثُمَّ أَفاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلى السَّقْفِ، ثُمَّ قالَ:
(اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلى)) قُلْتُ: إذًا لا يَخْتَارَنا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كانَ يُحَدّثُنَا بِهِ قَالَتْ:
فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َِّ قَوْلُهُ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (يحيى بن بكير) الحافظ أبو زكريا المخزومي
مولاهم المصري نسبه لجده لشهرته به واسم أبيه عبد الله قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام

٥١٣
کتاب الرقاق/ باب ٤٢
(عن عقيل) بضم العين بن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني)
بالإفراد (سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير) بن العوّام (في) جملة (رجال من أهل العلم) أُخر
رووا ذلك (أن عائشة زوج النبي ◌ّة) رضي الله عنها وسقط قوله زوج النبي الخ لأبي ذر أنها
(قالت: كان رسول الله وَالله يقول):
(وهو صحيح إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير) بضم أوله مبنيًا
للمفعول كيقبض أي يخير بين الحياة والموت (فلما نزل به) الموت (ورأسه على فخذي) بكسر الخاء
والذال المعجمتين وجواب لما قوله (غشي) بضم الغين المعجمة (عليه ساعة ثم أفاق فأشخص) بفتح
الهمزة والخاء المعجمة أي رفع (بصره إلى السقف ثم قال: اللهم) أختار أو أريد (الرفيق الأعلى)
أي مرافقة الملائكة أو الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. قالت عائشة (قلت: إذًا) يعني
حينئذ (لا يختارنا) بالنص أي حين اختار مرافقة أهل السماء لا يبتغي أن يختار مرافقتنا من أهل
الأرض وبالرفع (وعرفت أنه) أي الأمر الذي حصل له هو (الحديث الذي كان يحدثنا به) وهو
صحيح أنه لم يقبض نبي قط حتى يخير (قالت) عائشة: (فكانت تلك) الكلمة التي هي قوله:
اللهم الرفيق الأعلى (آخر كلمة تكلم بها النبي ◌َّر قوله) بالرفع في اليونينية وبالنصب في غيرها
على الاختصاص أي أعني قوله (اللهم الرفيق الأعلى).
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة اختيار النبي وَلهو للقاء الله بعد أن خيّر بين الموت والحياة
فاختار الموت فينبغي الاستنان به في ذلك، والحديث سبق في الدعوات.
٤٢ - باب سَكَراتِ الْمَوْتِ
(باب سكرات الموت) جمع سكرة وهي شدته الذاهبة بالعقل.
٦٥١٠ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ
قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوانَ مَوْلى عائِشَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها كانَتْ
تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أَوْ عُلْبَةٌ - فِيها ماءٌ، يَشُكْ عُمَرُ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ
فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِما وَجْهَهُ وَيَقُولُ: ((لا إِلهَ إِلاَّ الله إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَراتٍ))، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ
يَقُولُ: ((فِي الرَّفِيقِ الأَغْلى)) حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (محمد بن عبيد بن ميمون) التبان المدني قال:
(حدثني عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق أحد الأعلام (عن عمر بن سعيد) بضم العين في الأولى
وكسرها في الثانية ابن أبي حسين المكي أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) هو
عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مليكة واسمه زهير (أن أبا عمرو) فتح العين (ذكوان) بفتح الذال
المعجمة (مولى عائشة أخبره أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: إن رسول الله ولو كان بين
إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٣٣

٥١٤
کتاب الرقاق/ باب ٤٢
يديه) في مرض موته (ركوة) بفتح الراء إناء صغير من جلد متخذ للشرب (أو علبة) بضم العين
المهملة وسكون اللام بعدها موحدة قدح من خشب ضخم يحلب فيه قاله ابن فارس في المجمل
(فيها ماء يشك) بلفظ المضارع، ولأبي ذر شك بلفظ الماضي (عمر) بن سعيد المذكور هل قال:
ركوة أو علبة (فجعل) وَلهر (يدخل يديه في الماء فيمسح بهما) بالتثنية فيهما وللحموي والمستملي
یدہ فیمسح بها (وجهه يقول):
(لا إله إلا الله إن للموت سكرات) نصب بالكسرة أي شدائد وكان ذلك تكميلاً لفضائله
ورفعة لدرجاته (ثم نصب) عليه الصلاة والسلام (يده) بالإفراد (فجعل يقول: في الرفيق) أي
أدخلني في جملة الرفيق (الأعلى) أي اخترت الموت (حتى قبض ومالت يده) وقد وصف الله تعالى
شدة الموت في أربع آيات ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق: ١٩] ﴿ولو ترى إذ الظالمون في
غمرات الموت﴾ [الأنعام: ٩٣]. و﴿إذا بلغت الحلقوم﴾ [الواقعة: ٨٣] و﴿كلا إذا بلغت
التراقي﴾ [القيامة: ٢٦]. وفي حديث جابر بن عبد اللَّه عند ابن أبي شيبة في سننه مرفوعًا: إن
طائفة من بني إسرائيل أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا: لو صلينا ركعتين وسألنا الله تعالى يخرج لنا
بعض الأموات يخبرنا عن الموت قال: ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع لهم رجل رأسه من قبره
أسود اللون خلا شيء بين عينيه من أثر السجود فقال: يا هؤلاء ما أردتم إليّ لقد مت منذ مائة
سنة فما سكنت عني مرارة الموت إلى الآن. وفي الحلية عن مكحول عن واثلة مرفوعًا: ((والذي
نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف)) الحديث. فالموت هو الخطب الأفظع،
والأمر الأشنع، والكأس التي طعمها أكره وأبشع.
وحديث الباب مختصر من حديث مرّ في المغازي وزاد أبو ذر والوقت عن المستملي قال أبو
عبد اللَّه أي البخاري: العلبة متخذة من الخشب والركوة من الأدم، وقال اللغوي أبو هلال
الحسن بن عبد الله بن سهل في كتابه التلخيص مما وجدته في التذكرة: والعلبة قدح الأعراب
مثل العس يتخذ من جنب جلد البعير والجمع علاب، وقيل أسفله جلد وأعلاه خشب مدوّر.
٦٥١١ - هدلني صَدَقَةُ أَخْبَرَنا عَبْدَةُ، عَنْ هِشام، عَنْ أَبِهِ عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رِجالٌ مِنَ
الأَغْرابِ جُفَاةً يَأْتُونَ النَّبِيِّ وَّرَ فَيَسْأَلُونَهُ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: ((إِنْ يَعِشْ
هذا لا يُدْرِكُهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)). قالَ هِشامٌ، يَغْنِي مَوْتَهُمْ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا
عبدة) بفتح المهملة وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة)
رضي الله عنها أنها (قالت: كان رجال من الأعراب) لم أعرف أسماءهم (جفاة) بالجيم والنصب
في اليونينية خبر كان ولأبي ذر: حفاة بالحاء المهملة والرفع لعدم اعتنائهم بالملابس، وقال في
الفتح؛ بالجيم للأكثر لأن سكان البوادي يغلب عليهم خشونة العيش فتجفو أخلاقهم غالبًا (يأتون
النبي ﴿ فيسألونه متى الساعة) تقوم (فكان) عليه الصلاة والسلام (ينظر إلى أصغرهم) أحدثهم

٥١٥
کتاب الرقاق/ باب ٤٢
سنًا كما في مسلم بمعناه، وفي مسلم أيضًا من حديث أنس وعنده غلام من الأنصار يقال له
محمد وفي أخرى له وعنده غلام من أزد شنوءة وفي أخرى له غلام للمغيرة بن شعبة وكان من
أقراني. قال في الفتح: ولا تغاير في ذلك وطريق الجمع أنه كان من أزد شنوءة وكان حليفًا
للأنصار وكان يخدم المغيرة، وقوله: وكان من أقراني في رواية له من أترابي يريد في السن، وكان
سن أنس حينئذ نحو سبع عشرة سنة (فيقول) عليه الصلاة والسلام:
(إن يعش هذا) الأحدث سنًا (لا يدركه الهرم) بجزم يدركه جواب الشرط (حتى تقوم
عليكم ساعتكم قال هشام): هو ابن عروة راوي الحديث بالسند السابق إليه (يعني) بقوله ساعتكم
(موتهم) لأن ساعة كل إنسان موته فهي الساعة الصغرى لا الكبرى التي هي بعث الناس
للمحاسبة، ولا الوسطى التي هي موت أهل القرن الواحد. وقال الداودي مما نقله في الفتح: هذا
الجواب من معاريض الكلام لأنه لو قال لهم لا أدري ابتداء مع ما هم فيه من الجفاء وقبل تمكّن
الإيمان في قلوبهم لارتابوا فعدل إلى إعلامهم بالوقت الذي ينقرضون فيه، ولو كان الإيمان تمكّن
في قلوبهم لأفصح لهم بالمراد، وقال في الكواكب: هذا الجواب من باب أسلوب الحكيم أي دعوا
السؤال عن وقت القيامة الكبرى فإنه لا يعلمها إلا الله، واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراض
عصركم فهو أولى لكم لأن معرفتكم به تبعثكم على ملازمة العمل الصالح قبل فوته لأن أحدكم لا
يدري من الذي يسبق الآخر.
والحديث من أفراده ومطابقته للترجمة غير ظاهرة. نعم قيل يحتمل أن تكون من قوله موتهم
لأن كل موت فيه سكرة.
٦٥١٢ - حدثنا إِسْماعِيلُ، حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ
كَعْبِ بْنِ مالِكِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رَبْعِيّ الأَنْصَارِيّ أَنَّهُ كانَ يُحَدّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّوْ مُرَّ عَلَيْهِ
بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: ((مُسْتَرِيحْ وَمُسْتَراحٌ مِنْهُ))، قالُوا: يَا رَسُولَ الله مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ:
((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيا وَأَذاها إِلى رَحْمَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ
الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوابُ)). [الحديث ٦٥١٢ - طرفه في: ٦٥١٣].
وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) إمام الأئمة (عن
محمد بن عمرو بن حلحلة) بفتح العين، وحلحلة بحاءين مهملتين مفتوحتين ولامين أولاهما ساكنة
(عن معبد بن كعب بن مالك) بفتح ميم معبد وسكون عينه بعدها موحدة الأنصاري (عن أبي
قتادة) الحارث (بن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها عين مهملة مكسورة (الأنصاري أنه
كان يحدث أن رسول الله وَّهُ مُرّ عليه بجنازة) بضم ميم مر وتشديد رائها (فقال):
(مستريح ومستراح منه) قال في النهاية: يقال أراح الرجل واستراح إذا رجعت إليه نفسه
بعد الإعياء . اهـ. والواو في قوله ومستراح بمعنى أو فهي تنويعية أي لا يخلو ابن آدم عن هذين
٠

٥١٦
كتاب الرقاق/ باب ٤٢
المعنيين فلا يختص بصاحب الجنازة (قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه)؟ وفي رواية
الدار قطني إعادة ما (قال) وَالقر: (العبد المؤمن) التقي خاصة أو كل مؤمن (يستريح من نصب
الدنيا) تعبها ومشقتها (وأذاها) ذاهبًا (إلى رحمة الله) عز وجل. قال مسروق: ما غبطت شيئًا لشيء
كمؤمن في لحده أمن من عذاب الله، واستراح من الدنيا وعطف الأذى من عطف العام على
الخاص (والعبد الفاجر) الكافر أو العاصي (يستريح منه العباد) لما يأتي به من المنكر لأنهم إن
أنكروا عليه آذاهم وإن تركوه أثموا أو لما يقع لهم من ظلمه (والبلاد) بما يأتي به من المعاصي فإنه
يحصل به الجدب فيقتضي هلاك الحرث والنسل أو لما يقع له من غصبها ومنعها من حقها
(والشجر) لقلعه إياها غصبًا أو غصب ثمرها، وفي شرح المشكاة: وأما استراحة البلاد والأشجار
فإن الله تعالى بفقده يرسل السماء عليكم مدرارًا ويحيي به الأرض والشجر والدواب بعدما حبس
بشؤم ذنوبه الأمطار، لكن إسناد الراحة إليها مجاز إذ الراحة إنما هي لمالكها (والدواب) لاستعماله
لها فوق طاقتها وتقصيره في علفها وسقيها.
والحديث أخرجه مسلم والنسائي في الجنائز.
٦٥١٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ رَبّهِ بْنِ مَعْبدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ
حَلْحَلَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَ: ((مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ الْمُؤْمِنُ
يَسْتَرِيحُ)).
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبد
ربه بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن عمرو بن حلحلة) أنه قال: (حدثني) بالإفراد (ابن كعب)
هو معبد بن كعب بن مالك (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي (عن النبي ◌ٍَّ) أنه (قال) لما مُرّ
عليه بجنازة:
(مستريح ومستراح منه المؤمن يستريح) أي من نصب الدنيا كما مرّ، وقد أورده مختصرًا لم
يذكر السؤال والجواب. فإن قلت: ما وجه مناسبة هذا الحديث وسابقه للترجمة؟ أجيب: بأن الميت
لا يعدو أحد القسمين إما مستريح أو مستراح منه وكل منهما يجوز أن يشدد عليه عند الموت وأن
يخفف، والأول هو الذي يحصل له سكرات الموت ولا يتعلق ذلك بتقواه ولا فجوره، بل إن كان
متقيّا ازداد ثوابًا وإلاّ فيكفر عنه بقدر ذلك ثم يستريح من أذى الدنيا الذي هو خاتمته.
(تنبيه):
وقع هنا في رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة الحموي والمستملي والكشميهني يحيى وهو ابن
سعيد عن عبد ربه بن سعيد، وفي مسلم عن يحيى بن عبد الله بن سعيد بن أبي هند قال
الغساني: عبد ربه بن سعيد وهم، والصواب المحفوظ عبد الله، وكذا رواه ابن السكن عن
الفربري فقال في روايته: عبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند، والحديث محفوظ له لا لعبد ربه قال

٥١٧
کتاب الرقاق/ باب ٤٢
في الفتح، وقال: إن التصريح بابن أبي هند لم يقع في شيء من نسخ البخاري والله الموفق.
٦٥١٤ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ
سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((يَتْبَعُ الْمَيْتَ ثَلاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ، وَيَبْقَى مَعَةً
واحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ)).
وبه قال: (حدثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا
عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم) بفتح عين عمرو وحاء حزم المهملتين وسكون الزاي أنه
(سمع أنس بن مالك) رضي الله عنه (يقول: قال رسول الله وَل﴾):
(يتبع الميت) بسكون الفوقية وفتح الموحدة ولأبي ذر يتبع بتشديد الفوقية وكسر الموحدة وله
عن الكشميهني المؤمن وعن المستملي المرء بدل قوله الميت وهذه هي المشهورة (ثلاثة فيرجع اثنان)
منها (ويبقى معه واحد يتبعه أهله) حقيقة (وماله) كرقيقه (وعمله) غالبًا فرب ميت لا يتبعه أهل
ولا مال (فيرجع أهله وماله) إذا انقضى أمر الحزن عليه سواء أقاموا بعد الدفن أم لا (ويبقى
عمله) فيدخل معه القبر، وفي حديث البراء بن عازب عند أحمد ويأتيه رجل حسن الوجه حسن
الثياب حسن الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك. فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح،
وقال في حق الكافر: ويأتيه رجل قبيح الوجه فيقول: أنا عملك الخبيث الحديث.
قيل ومطابقة الحديث للترجمة في قوله يتبع الميت لأن كل ميت يقاسي سكرة الموت كما
سبق.
والحديث أخرجه مسلم والترمذي في الزهد والنسائي في الرقائق والجنائز.
٦٥١٥ - حدّثنا أَبُو النُّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذا ماتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ غُذْوَةً وَعَشِيًّا،
إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ، فَيُقالُ: هذا مَفْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ)).
وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي يقال له عارم قال: (حدثنا
حماد بن زيد عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه
(قال: قال رسول الله صَل﴿):
(إذا مات أحدكم عرض عليه) بضم العين وكسر الراء (مقعده) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي على مقعده من باب القلب نحو عرض الناقة على الحوض، والأولى هي الأصل وهذا
العرض يقع على الروح حقيقة على ما يتصل به من البدن الاتصال الذي يمكن به إدراك التنعيم أو
التعذيب (غدوة) بضم الغين المعجمة أول النهار (وعشيا) آخره بالنسبة إلى أهل الدنيا ولأبي ذر
وعشية (إما النار وإما الجنة) بكسر الهمزة فيهما (فيقال) له (هذا مقعدك حتى تبعث) زاد

٥١٨
كتاب الرقاق/ باب ٤٣
الكشميهني إليه وحينئذٍ فيزداد المؤمن غبطة وسرورًا والكافر حسرة وثبورًا أسأل الله العفو والعافية.
والحديث من أفراده.
٦٥١٦ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ
قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضُوا إِلى مَا قَدَّمُوا)).
وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني (علي بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين
المهملة الجوهري البغدادي قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران
الكوفي (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: قال النبي ◌َّ- لا تسبوا
الأموات فإنهم قد أفضوا) أي وصلوا (إلى) جزاء (ما قدّموا) من أعمالهم من الخير والشر.
ومناسبة الحديث هنا لكونه في أمر الأموات الذين ذاقوا سكرات الموت، ومضى في آخر
الجنائز في باب ما ينهى عن سب الأموات.
٤٣ - باب نَفْخِ الصُّورِ
قالَ مُجاهِدٌ: الصُّورُ كَهَيْئَةِ الْبُوقِ. زَجْرَةٌ: صَيْحَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ النَّاقُورُ: الصُّورُ،
الرَّاجِفَةُ: النّفْخَةُ الأُولى، وَالرَّادِفَةُ: النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ.
(باب نفخ الصور) بضم الصاد المهملة وسكون الواو وليس هو جمع صورة كما زعم بعضهم
أي ينفخ في الصور الموتى والتنزيل يدل عليه قال تعالى: ﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾ [الزمر: ٦٩] ولم
يقل فيها فعلم أنه ليس جمع صورة.
(قال مجاهد) هو ابن جبر المفسر فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه (الصور)
من قوله تعالى ﴿ونفخ في الصور﴾ [الزمر: ٦٨] هو (كهيئة البوق) الذي يزمر به وقال مجاهد
أيضًا (زجرة) أي من قوله ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ أي (صيحة) وهي عبارة عن نفخ الصور
النفخة الثانية كما عبر عنها عن النفخة الأولى في قوله تعالى: ﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة
تأخذهم﴾ [يس: ٤٩] الآية.
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق علّ بن
أبي طلحة (الناقور) من قوله تعالى ﴿فإذا نقر في الناقور﴾ [المدثر: ٨] (الصور) أي نفخ فيه
والناقور فاعول من النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت. وقال ابن عباس
أيضًا مما وصله ابن أبي حاتم والطبري في قوله تعالى في سورة النازعات ﴿يوم ترجف﴾
[النازعات: ٦] ﴿الراجفة﴾ [النازعات: ٦] هي (النفخة الأولى) لموت الخلق ﴿والرادفة)
[النازعات: ٧] هي (النفخة الثانية) للصعق والبعث. وقال في شرح المشكاة، الراجفة الواقعة التي

٥١٩
كتاب الرقاق/ باب ٤٣
ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها والرادفة الواقعة التي
تردف الأولى وهي النفخة الثانية واختار ابن العربي أنها ثلاث.
نفخة الفزع لقوله تعالى ﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض﴾
[النمل: ٨٧] الآية. ونفخة الصعق والبعث لقوله تعالى ﴿ونفخ في الصور فصعق من في
السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾
[الزمر: ٦٨] واستدل لابن العربي بما في حديث الصور الطويل من قوله ثم ينفخ في الصور
ثلاث نفخات نفخة الفزع فيفزع أهل السماء والأرض بحيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت،
ثم نفخة الصعق، ثم نفخة القيام لرب العالمين. أخرجه الطبري لكن سنده ضعيف ومضطرب،
وصحح القرطبي أنهما نفختان فقط فالأوليان عائدتان إلى واحدة فزعوا إلى أن صعقوا، وفي
مسلم عن عبد الله بن عمرو ثم ينفخ في الصور فلا يسمع أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، ثم
يرسل الله مطرًا كأنه الطل فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم ينظرون ففيه
التصريح بأنهما نفختان فقط.
٦٥١٧ - حدّلني عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَعْرَجِ أَنَّهُما حَدَّثاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: أَسْتَبَّ
رَجُلانٍ: رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقالَّ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي أَصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى
الْعالَمِينَ، فَقالَ الْتَهُودِيُّ: وَالَّذِي أَصْطَفى مُوسَى عَلَى الْعالَمِينَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذلِكَ
فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تُخَيّرُونِي عَلى مُوسى، فَإِنَّ النَّاسَ يَضْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنَ
يُفيقُ، فَإِذا مُوسَى باطِشْ بِجانِبِ الْعَرْشِ فَلا أَذْرِي أَكانَ مُوسَى فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كانَ
مِمَّنِ اسْتَثْنَی الله)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (عبد العزيز بن عبد اللَّه) العامري الأويسي
الفقيه قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين الزهري العوفي أبو إسحق المدني
(عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف
(وعبد الرَّحمن) بن هرمز (الأعرج أنهما حدثاه أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: استبّ رجلان
رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين) الملائكة
والإنس والجن (فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين قال) أبو هريرة: (فغضب
المسلم عند ذلك) القول المستلزم لتفضيل موسى على نبينا صلى الله عليهما وسلم (فلطم وجه
اليهودي فذهب اليهودي إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (وَإ فأخبره بما كان من أمره وأمر
المسلم فقال رسول الله وَال*) :

٥٢٠
كتاب الرقاق/ باب ٤٤
(لا تخيروني) أي لا تفضلوني (على موسى) قاله تواضعًا وإرداعًا لمن يخير بين الأنبياء من قبل
نفسه، فإن ذلك يؤدّي إلى العصبية المفضية إلى الإفراط والتفريط فيطرون الفاضل فوق حقه
ويبخسون المفضول حقه فيقعون في مهواة الغي، والمعنى لا تخيروني بحيث يؤدّي إلى الخصومة أو
لا تفضلوني عليه في العمل فلعلهُ أكثر عملاً مني والثواب بفضل الله لا بالعمل (فإن الناس
يصعقون) بفتح العين يغشى عليهم (يوم القيامة) من نفخة البعث (فأكون أوّل) وللكشميهني في
أوّل (من يفيق) من الصعق (فإذا موسى) عليه الصلاة والسلام (باطش) بكسر الطاء (بجانب
العرش فلا أدري أكان موسى فيمن صعق) بكسر العين (فأفاق قبلي) بالتحتية بعد اللام ولأبي ذر
عن الحموي والمستملي قبل لعله قال: ذلك قبل أن يعلم أنه أوّل من تنشق عنه الأرض (أو كان
ممن استثنى الله) عز وجل الأنبياء أو موسى أو الشهداء أو الموتى كلهم لأنهم لا إحساس لهم فلا
يصعقون أو جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت أو الأربعة وحملة العرش أو الملائكة كلهم.
قال ابن حزم في الملل: لأنهم أرواح لا أرواح فيها فلا يموتون أصلاً، أو الولدان الذين في الجنة
والحور العين أو خزان الجنة والنار وما فيها من الحياة والعقارب. وقال البيهقي: استضعف أهل
النظر أكثر هذه الأقوال لأن الاستثناء وقع من سكان السموات والأرض وهؤلاء ليسوا من
سكانهما لأن العرش فوق السموات فحملته ليسوا من سكانها وجبريل وميكائيل من الصافين حول
العرش ولأن الجنة فوق السموات، والجنة والنار عالمان بانفرادهما خلقتا للبقاء.
والحديث سبق في باب ما يذكر في الأشخاص.
٦٥١٨ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزّنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
قالَ: قَالَ النَِّي ◌َّهُ: ((يَصْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَضْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ قَامَ، فَإِذا مُوسى آَخِذٌ بِالْعَرْشِ،
فَمَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ)) رَواهُ أَبو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِّ وََّ.
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي
الله عنه أنه (قال: قال النبي ◌َّهِ):
(يصعق الناس حين يصعقون فأكون أول من قام فإذا موسى آخذ العرش فما أدري أكان
فيمن صعق)؟ وتمامه أم لا كما أورده الإسماعيلي ولا يلزم من فضل موسى من هذه الجهة أفضليته
مطلقًا. (رواه) أي أصل الحديث المذكور (أبو سعيد) الخدري (عن النبي (وَّر) كما سبق موصولاً
في كتاب الأشخاص.
٤٤ - باب يَقْبِضُ الله الأَرْضَ
رَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ.