Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الرقاق/ باب ١١
عنهن، وفي كلامهم المرء مفتون بولده وقدمت على الأموال لأنها أحب إلى المرء من ماله، وأما
تقديم المال على الولد في بعض المواضع فإنما ذلك في سياق امتنان وإنعام أو نصرة ومعاونة لأن
الرجال تستمال بالأموال، ثم ذكر تمام اللذة وهو المركوب البهيّ من بين سائر الحيوانات ثم أتى
بما يحصل به جمال ﴿حين يريحون وحين يسرحون﴾ [النحل: ٦] كما تشهد به الآية الأخرى ثم
ذكر ما به قوامهم وحياة بنيتهم وهو الزرع والثمار ومنها الإتيان بلفظ يشعر بشدة حب هذه
الأشياء بقوله زين والزينة محبوبة في الطباع ومنها التجنيس في القناطير المقنطرة، ومنها الجمع بين
ما يشبه المطابقة في قوله الذهب والفضة لأنهما صارا متقابلين في غالب العرف وغير ذلك وسقط
لأبي ذر قوله والقناطير الخ.
(قال) ولأبي ذر وقال (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه في الآية المذكورة (اللهم إنا لا
نستطيع إلا أن نفرح بما زينته) بإثبات الضمير ولأبي ذر بما زينت (لنا) في آية زين للناس حب
الشهوات ثم لما رأى أن فتنة المال مسلطة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له دعا الله تعالى
بقوله (اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه) لأن من أخذ المال من حقه ووضعه في حقه فقد سلم
من فتنته .
وهذا الأثر وصله الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن أبي أويس عم مالك
عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري أن عمر بن الخطاب أتي بمال من الشرق يقال له نفل كسرى
فأمر به فصب وغطي، ثم دعا الناس فاجتمعوا ثم أمر به فكشف عنه فإذا حلي وجوهر ومتاع
فبكى عمر رضي الله عنه وحمد الله عز وجل فقالوا له، ما يبكيك يا أمير المؤمنين هذه غنائم غنمها
الله لنا ونزعها من أهلها؟ فقال: ما فتح الله من هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم واستحلوا
حرمهم. قال: فحدثني زيد بن أسلم أنه بقي من ذلك المال مناطق وخواتم فرفع فقال له
عبد الله بن أرقم حتى متى تحبسه لا تقسمه قال: بلى إذا رأيتني فارغًا فآذني به فلما رآه فارغًا
بسط شيئًا في حش نخلة ثم جاءه به في مكتل فصبه فكأنه استكثره ثم قال: اللهم أنت قلت
﴿زين للناس حب الشهوات﴾ فتلا الآية حتى فرغ منها ثم قال: لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت
لنا فقني شره وارزقني أن أنفقه في حقه فما قام حتى ما بقي منه شيء.
٦٤٤١ - هذّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا سُفْيانُ قالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي
عُزْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وَّرَ فَأَعْطانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ،
فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هذا الْمَالَ)) وَرُبَّما قالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي ((يا حَكِيمُ إِنَّ
هذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبٍ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرافِ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ
لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلِى)).
وبه قال: (حدثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت

٤٤٢
کتاب الرقاق/ باب ١٢
الزهري) محمد بن مسلم (يقول: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (وسعيد بن المسيب) كلاهما
(عن حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي الأسدي أنه (قال: سألت النبي ◌َّ فأعطاني
ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني) بتكرير لفظ الإعطاء ثلاثًا (ثم قال) بَلّ:
(إن هذا المال) قال ابن المديني (وربما قال سفيان) بن عيينة (قال) حكيم قال: (لي)
رسول الله وَلو (يا حكيم) بالرفع من غير تنوين منادى مفرد. قال في الفتح: وظاهر السياق أن
حكيمًا قال لسفيان: وليس كذلك لأنه لم يدركه فإن بين وفاة حكيم ومولد سفيان نحو الخمسين
سنة، وإنما المراد أن سفيان رواه مرة بلفظ ثم قال: أي النبي و ﴿ إن هذا المال ومرة بلفظ ثم قال
لي: يا حكيم (إن هذا المال) في الرغبة والميل إليه كالفاكهة (خضرة) في المنظر (حلوة) في الذوق
(فمن أخذه بطيب نفس) من غير حرص عليه أو بسخاوة نفس المعطي (بورك له فيه ومن أخذه
بإشراف نفس) بالشين المعجمة بأن تعرض له بنحو بسط اليد (لم يبارك له فيه وكان كالذي) به
الجوع الكاذب (يأكل ولا يشبع) كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا (واليد العليا) بضم العين مقصورًا
المنفقة أو المتعففة (خير من اليد السفلى) الآخذة.
والحديث سبق في الوصايا والخمس.
١٢ - باب ما قَدَّمَ مِنْ مالِهِ فَهْوَ لَهُ
(باب ما قدم) الإنسان المكلف في حال صحته وحرصه (من ماله) في وجوه الخيرات وأنواع
القربات (فهو) خير (له) عند الله من تركه بعد موته.
٦٤٤٢ - حدثني عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قالَ: حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ
التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: عَبْدُ اللَّه قالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَيُّكُمْ مَالُ وارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ
مالِه))، قالُوا: يَا رَسُولَ الله ما مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قالَ: ((فَإِنَّ مالَهُ ما قَدَّمَ وَمالُ وارِثِهِ ما
أَخَّرَ).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (عمر بن حفص) قال: (حدثني) بالإفراد
ولأبي ذر بالجمع (أبي) حفص بن غياث قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني)
بالإفراد (إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي) تيم الرباب يكنى أبا أسماء الكوفي العابد الثقة إلا
أنه يرسل ويدلس (عن الحارث بن سويد) التيمي الكوفي أنه قال: (قال عبد اللَّه) بن مسعود
رضي الله عنه: (قال النبي ◌َّلت: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله). قال في الفتح: يعني أن
الذي يخلفه الإنسان من المال وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه فإنه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون
منسوبًا للوارث فنسبته للمالك في حياته حقيقة ونسبته للوارث في حياة المورث مجازية ومن بعد
موته حقيقة (قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه) من مال وارثه (قال) عليه الصلاة

٤٤٣
کتاب الرقاق/ باب ١٣
والسلام: (فإن ماله) الذي يضاف إليه في الحياة (ما قدم) بأن أنفقه في وجوه الخيرات (ومال)
بالرفع في اليونينية وغيرها (وارثه ما أخر) بعد موته ولم ينفقه في وجوهه وفيه الحث على تقديم ما
يمكن تقديمه من المال في وجوه المبرات وأنواع القربات لينتفع به في الآخرة.
١٣ - باب الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَها نُوَفَ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
أَولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَبَاطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[هود: ١٥ - ١٦].
هذا (باب) بالتنوين (المكثرون) من المال (هم المقلون) في الثواب، ولأبي ذر عن
الكشميهني: هم الأقلون.
(وقوله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا
يبخسون﴾) نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها
من الصحة والرزق وهم الكفار أو المنافقون (﴿أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط
ما صنعوا فيها﴾) وحبط في الآخرة ما صنعوا أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يريدوا به
الآخرة وإنما أرادوا به الدنيا وقد وفى لهم ما أرادوا (﴿وباطل ما كانوا يعملون﴾) [هود:
١٥- ١٦] أي كان عملهم في نفسه باطلاً لأنه لم يعمل لغرض صحيح والعمل الباطل لا ثواب
له وسقط لأبي ذر قوله نوف إليهم الخ وقال: قبلها الآيتين.
٦٤٤٣ - حدّالنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ
عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّياِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِوَهَ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ
مَعَهُ إِنْسانٌ قالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ
فَرَآنِي فَقالَ: ((مَنْ هذا))؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرّ، جَعَلَنِي الله فِداءَكَ قالَ: (يا أَبا ذَرْ تَعالَهْ)) قالَ: فَمَشَيْتُ
مَعَهُ ساعَةً فَقالَ: ((إِنَّ الْمُكثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِلَّ مَنْ أَعطاهُ الله خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ
وَشِمالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَراءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا)) قالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ ساعَةً فَقالَ لِي: ((آجْلِسْ هُهُنا) قالَ:
فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعِ حَوْلَهُ حِجارَةٌ فَقالَ لِي: ((أَجْلِسْ ههُنا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ)) قالَ: فَأَنْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ
حَتَّى لا أَرَاهُ فَلَبِّثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللَّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: ((وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ
زَنى)) قالَ: فَلَمَّا جاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله ◌َّهِ جَعَلَنِي الله فِداءَكَ مَنْ تُكَلّمُ فِي جانِبٍ
الْحَرَّةِ؟ ما سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قالَ: ((ذلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَضَ لِي فِي جانِبٍ
الْحَرَّةِ، قالَ: بَشَرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ

٤٤٤
كتاب الرقاق/ باب ١٣
وَإِنْ زَنى؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنى؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنى؟
قالَ: نَعَمْ. وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ)). قالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثابِتٍ،
وَالأَعْمَشُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهِذا. قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: حَدِيثُ أَبِي
صالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ إِنَّمَا أَرَدْنا لِلْمَعْرِفَةِ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرّ قيلَ لأَّبِي
عَبْدِ اللَّه حَدِيثُ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أَبِي الدَّزداءِ قالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لا يَصِحُ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ
أَبِي ذَرّ وَقَالَ: أَضْرِبُوا عَلى حَدِيثٍ أَبِي الدَّزداءِ هذا إِذا ماتَ قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ الله عِنْدَ الْمَوْتِ.
وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي وسقط ابن سعید لأبي ذر قال: (حدثنا
جرير) هو ابن عبد الحميد (عن عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة
فعين مهملة الأسدي المكي ثم الكوفي من صغار التابعين (عن زيد بن وهب) أبي سليمان الهمداني
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري (رضي الله عنه) أنه (قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا
رسول الله ( * يمشي وحده وليس) سقط لأبي ذر الواو من وليس (معه إنسان) هو توكيد لقوله
وحده (قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال) أبو ذر: (فجعلت أمشي في ظل القمر) أي
في المكان الذي ليس للقمر فيه ضوء ليختفي شخصه وإنما مشى خلفه لاحتمال أن يطرأ له وَالخلود
حاجة فيكون قريبًا منه (فالتفت) وَظهر (فرآني فقال):
(من هذا)؟ كأنه رأى شخصه ولم يتميز له (قلت) ولأبي ذر فقلت: أنا (أبو ذر جعلني الله
فداءك) بكسر الفاء ممدودًا (قال: يا أبا ذر تعاله) بهاء السكت ولأبي ذر عن الحموي والمستملي تعال
بإسقاطها (قال: فمشيت معه) وَّر (ساعة فقال: إن المكثرين) من المال (هم المقلّون) من الأجر
(يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا) مالاً (فنفح) بالفاء المخففة بعدها حاء مهملة (فيه) أي أعطى
(يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه) في المال (خيرًا قال): أبو ذر (فمشيت معه) وَلّ
(ساعة فقال لي: اجلس ههنا قال) أبو ذر: (فأجلسني) وَ لقر (في قاع) أرض سهلة مطمئنة انفرجت
عنها الجبال (حوله حجارة فقال لي: اجلس ههنا حتى أرجع إليك قال) أبو ذر: (فانطلق) عليه
الصلاة والسلام (في الحرّة) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة أرض ذات حجارة سود (حتى
لا أراه) بفتح الهمزة (فلبث) بكسر الموحدة (عني فأطال اللبث) بفتح اللام وضمها (ثم إني
سمعته) عليه الصلاة والسلام (وهو مقبل) بكسر الموحدة والواو للحال كهي في قوله: (وهو
يقول: وإن سرق وإن زنى قال) أبو ذر: (فلما جاء) وَلّر (لم أصبر حتى قلت يا نبي الله جعلني الله
فداءك) بالهمز (من تكلم)؟ بضم الفوقية وكسر اللام أنت أو بفتحهما وكذا الميم، أي من تكلم
معك (في جانب الحرة ما سمعت أحدًا يرجع) ولأبي ذر عن الكشميهني يردّ (إليك شيئًا؟
قال) وَلجر: (ذلك) باللام ولأبي ذر ذاك بإسقاطها أي الذي سمعته (جبريل عليه السلام عرض) أي
ظهر (لي: في جانب الحرّة قال) لي (بشّر أمتك أنه من مات) منهم (لا يشرك بالله) عز وجل (شيئًا
دخل الجنة) جواب الشرط (قلت): ولأبي ذر فقلت: (يا جبريل وإن سرق وإن زنى)؟ دخل الجنة (قال)

٤٤٥
كتاب الرقاق/ باب ١٣
جبريل (نعم) أي كان مصيره إلى الجنة وإن ناله عقوبة (قال) عليه الصلاة والسلام: (قلت) يا
جبريل وسقط لأبي ذر قال قلت (وإن سرق وإن زنى؟ قال) جبريل (نعم قلت) يا جبريل (وإن
سرق أو زنى؟ قال: نعم) كذا لأبي ذر بتكرير وإن سرق وإن زنى مرتين وللمستملي ثلاثًا، وزاد
بعد الثالثة وإن شرب الخمر.
والحديث سبق بزيادة ونقصان في الاستقراض والاستئذان، وأخرجه مسلم في الزكاة
والترمذي في الإيمان والنسائي في اليوم والليلة.
(قال النضر) بن شميل (أخبرنا شعبة) بن الحجاج قال: (وحدثنا) وسقطت لأبي ذر الواو
(حبيب بن أبي ثابت والأعمش) سليمان (وعبد العزيز بن رفيع) قالوا: (حدثنا زيد بن وهب بهذا)
الحديث فصرح الثلاثة بالتحديث عن زيد بن وهب فأمن تدليس الأولين على أنه لو روي من
رواية شعبة بغير تصريح لأمن فيه من التدليس لأنه كان لا يحدث عن شيوخه إلا بما لا تدليس
فيه، ولأبي ذر عن زيد بن وهب وقوله بهذا أي الحديث المذكور، واعترضه الإسماعيلي بأنه ليس
في حديث شعبة قصة المكثرين والمقلين، وإنما فيه قصة من مات لا يشرك بالله شيئًا.
وأجيب: بأنه واضح على طريقة أهل الحديث لأن مراده أصل الحديث فإن الحديث المذكور
في الأصل مشتمل على ثلاثة أشياء ما يسرني أن لي أُحدًا ذهبًا، وحديث المكثرين والمقلين، ومن
مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، فيجوز إطلاق الحديث على كل واحد من الثلاثة إذا أفرد،
فقول البخاري بهذا أي بأصل الحديث لا خصوص اللفظ المسوق وتعقبه العيني بأن الإطلاق في
موضع التقييد غير جائز، وقوله بهذا أي بأصل الحديث غير سديد لأن الإشارة بلفظ هذا تكون
للحاضر والحاضر هو اللفظ المسوق.
(قال أبو عبد الله) البخاري رحمه الله تعالى: (حديث أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي
الدرداء) عويمر بن مالك (مرسل لا يصح إنما أردنا) ذكره (للمعرفة) بحاله (والصحيح حديث أبي
ذر) قال صاحب التلويح: فيه نظر فإن النسائي أخرجه بسند صحيح على شرط مسلم (قيل لأبي
عبد اللَّه) البخاري (حديث عطاء بن يسار) أي المروي عند النسائي من رواية محمد بن أبي حرملة
عن عطاء بن يسار (عن أبي الدرداء) بلفظ أنه سمع النبي ◌َّه وهو يقص على المنبر يقول: ﴿ولمن
خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: ((وإن
زنى وإن سرق)) فأعدت فأعاد فقال في الثالثة قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء.
(قال) أبو عبد اللَّه البخاري هو (مرسل أيضًا لا يصح والصحيح حديث أبي ذر) لأنه من
المسانيد (وقال): أي البخاري (اضربوا على حديث أبي الدرداء) لأنه من المراسيل. قال الحافظ ابن
حجر: قد وقع التصريح بسماع عطاء بن يسار له من أبي الدرداء في رواية ابن أبي حاتم في
تفسيره والطبراني في معجمه والبيهقي في شعبه، قال البيهقي: حديث أبي الدرداء هذا غير حديث
أبي ذر وإن كان فيه بعض معناه (هذا) الحديث المروي عن أبي الدرداء (إذا مات قال: لا إله إلا

٤٤٦
کتاب الرقاق/ باب ١٤
الله عند الموت) مات الميت من باب المجاز باعتبار ما يؤول فإن الميت لا يموت بل الحي هو الذي
يموت، وقد سقط قوله قال أبو عبد الله حديث أبي صالح إلى آخر قوله: إذا مات قال: لا إله
إلا الله عند الموت لأبي ذر كأكثر الأصول، وذكره الحافظ ابن حجر عقب الحديث الأول من الباب
اللاحق قال: وثبت ذلك في نسخة الصغاني.
١٤ - باب قَوْلِ النَّبِيّ بَّهِ: ((ما أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا))
(باب قول النبي وال# ما أحب أن لي مثل أُحد) ولأبي ذر: أن لي أُحدًا (ذهبًا) وفي فتح
الباري باب قول النبي ◌ّله: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا وقال: لم أر لفظ هذا في
رواية الأكثر لكنه ثابت في لفظ الخبر الأول.
٦٤٤٤ - حدثنا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ
قالَ: قَالَ أَبُو ذَرّ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيّ ◌َّهِ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَأَسْتَقْبَلَنا أُحُدُ فَقالَ: ((يا أَبا ذَرْ))
قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله قالَ: ((ما يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدِ هذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثالِثَةٌ وَعِنْدِي
مِنْهُ دِينارٌ إِلَّ شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبادِ اللهِ هِكَذا وَهَكَذَا وَهَكَذا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ
شِمالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) ثُمَّ مَشى فَقالَ: (إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِلاَّ مَنْ قالَ: هكَذا
وهكَذا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ)) ثُمَّ قالَ لِي: ((مَكانَكَ لا تَبْرَحُ
حَتَّى آتِيكَ))، ثُمَّ أَنْطَلَقَ فِي سَوادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوارى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ
قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ وَِّ فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي: ((لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ)) فَلَمْ أَبْرَحُ حَتَّى أَتَانِي
قُلْتُ: يا رَسُولَ الله لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ: ((وَهَلْ سَمِعْتَهُ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: ((ذاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقالَ: مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ
زَنِى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنِى وَإِنْ سَرَقَ)).
وبه قال: (حدثنا الحسن بن ربيع) البوراني بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء بعد
الألف نون البجلي أبو علي الكوفي قال: (حدثنا أبو الأحوص) سلام بتشديد اللام ابن سليم (عن
الأعمش) سليمان (عن زيد بن وهب) الجهني أنه (قال: قال أبو ذر) أبو جندب بن جنادة
الغفاري رضي الله عنه (كنت أمشي مع النبي ◌َّر في حرة المدينة فاستقبلنا) بفتح اللام (أُحد)
الجبل المعروف (فقال) وَلاّ:
(يا أبا ذر قلت) ولأبي ذر فقلت (لبيك يا رسول الله قال: ما يسرني أن عندي مثل أُحد
هذا ذهبًا تمضي علي) بالتشديد ليلة (ثالثة وعندي منه دينار) الواو للحال (إلا شيئًا) استثناء من
دينار ولأبي ذر شيء بالرفع (أرصده) بفتح الهمزة وضم الصاد أو بضم الهمزة وكسر الصاد أعده
أو أحفظه (الدين) بفتح الدال المهملة صاحبه غير حاضر فيأخذه إذا حضر أو لوفاء دين مؤجل حلّ

٤٤٧
كتاب الرقاق/ باب ١٤
وفيته وللحموي والمستملي لديني (إلا أن أقول به) استثناء بعد استثناء فيفيد الإثبات فيؤخذ منه أن
نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق فما دام الإنفاق مستمرًا لا يكره
وجود المال وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال ولا يلزم كراهية حصول شيء آخر ولو
كان قدر أحد أو أكثر مع استمرار الإنفاق قاله في الفتح وقوله أقول به أي أصرفه وأنفقه (في
عباد الله) عز وجل (هكذا وهكذا وهكذا) بالتكرار ثلاثًا صفة لمصدر محذوف أي أشار إشارة مثل
هذه الإشارة (عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) اقتصر على هذه الثلاثة، وحمل على المبالغة لأن
العطية لمن بين يديه هي الأصل وفي الجزء الثالث من البشرانيات من رواية أحمد بن ملاعب عن
عمر بن حفص بن غياث عن أبيه إلا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وأرانا بيده فكرر
لفظ هكذا أربعًا فعمّ الجهات الأربع (ثم مشى فقال) ولأبي ذر ثم قال (إن الأكثرين) مالاً (هم
الأقلون) ثوابًا (يوم القيامة إلاّ من قال) صرف المال في مصرفه (هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه
وعن شماله ومن خلفه) وقيل المراد بالأخير الوصية وقيل ليس قيدًا فيه بل قد يقصد الصحيح
الإخفاء فيدفع لمن وراءه مالاً يعطي به من هو أمامه (وقليل ما هم) ما زائدة مؤكدة للقلة أو
موصوفة ولفظ قليل هو الخبر وهم مبتدأ أو قدم الخبر للمبالغة في الاختصاص (ثم قال) وَل (لي)
الزم (مكانك لا تبرح) تأكيد (حتى آتيك) غاية للزوم المكان المذكور (ثم انطلق في سواد الليل حتى
توارى) غاب شخصه الشريف عني (فسمعت صوتًا قد ارتفع فتخوفت أن يكون قد عرض) ولأبي
ذر أن يكون أحد عرض (للنبي (وَلايه) بسوء (فأردت أن آتيه فذكرت قوله لي لا تبرح حتى آتيك
فلم أبرح) من مكاني (حتى أتاني قلت: يا رسول الله لقد سمعت صوتًا تخوفت) عليك (فذكرت
له) ذلك (فقال) وَ﴿ (وهل سمعته؟ قلت: نعم) يا رسول الله (قال: ذاك) الذي سمعته
يخاطبني هو (جبريل أتاني فقال) لي (من مات من أمتك لا يشرك بالله) عز وجل (شيئًا دخل الجنة)
هو جواب الشرط (قلت) يا جبريل (وإن زنى وإن سرق) يدخل الجنة (قال: وإن زنى وإن سرق)
يدخلها أي إذا تاب عند الموت كما حمله المؤلف فيما مضى في اللباس، وحمله غيره على أن المراد
بدخول الجنة أعمّ من أن يكون ابتداء أو بعد المجازاة على المعصية للجمع بين الأدلة، وفيه ردّ على
من زعم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة يخلّد في النار ولم يتكرر
هنا قوله: وإن زنى وإن سرق كما تكرر في الرواية السابقة في الباب قبل هذا، واقتصر على
هاتين الكبيرتين لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحق الله وحق العباد وأشار في الرواية السابقة في
الباب الذي قبل هذا بقوله: وإن شرب الخمر إلى فحشه لأنه يؤدي إلى خلل في العقل الذي شرف
به الإنسان على البهائم.
٦٤٤٥ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُثْبَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللهِوَه:
(لَوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٍ إِلاَّ شَيْئًا أَزْصُدُهُ
لِدَیْنِ».

٤٤٨
كتاب الرقاق/ باب ١٥
وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني (أحمد بن شبيب) بفتح الشين المعجمة وكسر
الموحدة بعدها تحتية ساكنة فموحدة ثانية الحبطي بفتح الحاء المهملة والموحدة وكسر الطاء المهملة
نسبة إلى الحبطات من تميم البصري الثقة الصدوق قال: (حدثنا أبي) شبيب بن سعيد (عن
يونس) بن يزيد الأيلي (وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي في الزهريات (حدثني)
بالإفراد (يونس) المذكور ومراد المؤلف بسياق هذا التعليق أن يقوي رواية أحمد بن شبيب فقد
ضعفه ابن عبد البر تبعًا لأبي الفتح الأزدي، لكن الأزدي غير مرضي فلا يتبع في ذلك شبيب
وثقه ابن المديني (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن
عبد الله بن عتبة) بن مسعود أنه قال (قال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله(وَ ل﴿):
(لو كان لي مثل أُحد) الجبل (ذهبًا) وجواب لو قوله (لسرني) باللام قبل السين (أن لا تمر
علي) ولأبي ذر: أن لا تمر بي (ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا) بالنصب، ولأبي ذر إلا شيء
بالرفع فالنصب لأن المستثنى منه مطلق عام والمستثنى مقيد خاص والرفع لأن المستثنى منه في
سياق النفي ووقع تفسير الشيء في رواية بالدينار (أرصده) بفتح الهمزة وضم الصاد المهملة أو
بضم ثم كسر أي أعدّه (الدين) بفتح الدال وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الخيرات، وأنه وَلِّ
كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث إنه لا يحب أن يبقى في يده شيء من الدنيا إلا
لإنفاقه فيمن يستحقه وإما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقييده في رواية
همام عن أبي هريرة الآتية إن شاء الله تعالى في كتاب التمني بقوله: أجد من يقبله.
والحديث مضى في الاستقراض.
١٥ - باب الْغِنى غِنِى النَّفْسِ
وَقَوْلُ الله تَعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّ ما نُمِدُهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] إِلى قَوْلِهِ
تَعالى: ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَعْمَلُوها لا بُدَّمِنْ أَنْ يَعْمَلُوها.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الغنى غنى النفس) بكسر الغين المعجمة مقصورًا سواء كان
المتصف به قليل المال أو كثيره.
(وقول الله تعالى) ولأبي ذر وقال الله تعالى (﴿أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين﴾)
[المؤمنون: ٥٥] ما بمعنى الذي وخبر أن نسارع لهم في الخيرات والعائد من خبر أن إلى اسمها
محذوف تقديره نسارع لهم به، والمعنى أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجًا لهم في المعاصي وهم
يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ومعالجة بالثواب جزاء على حسن صنيعهم، وهذه الآية حجة
على المعتزلة في مسألة الأصلح لأنهم يقولون: إن الله تعالى لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو
أصلح له في الدين وقد أخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح، وقوله: بل لا
يشعرون استدراك لقوله: أيحسبون أي بل هم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتأملوا في ذلك

٤٤٩
کتاب الرقاق/ باب ١٥
أنه استدراج (إلى قوله تعالى: ﴿من دون ذلك هم لها عاملون﴾) [المؤمنون: ٦٣] وهذا رأس
الآية التاسعة من ابتداء الآية المبتدأ بها هنا، والآيات التي بين الأولى والثانية وبين الأخيرة والتي
قبلها معترضة في وصف المؤمنين، وقوله: ﴿مشفقون﴾ [المؤمنون: ٥٧] أي خائفون وقوله:
﴿والذين هم بآيات ربهم﴾ [المؤمنون: ٥٨] أي بكتبه كلها يؤمنون ولا يفرقون، وقوله:
﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات وقلوبهم
وجلة خائفة أن لا يقبل منهم لتقصيرهم وخبر إن الذين أولئك يسارعون في الخيرات أي
يرغبون في الطاعات فيبادرونها والكتاب اللوح المحفوظ أو صحيفة الأعمال وقوله: ولهم أعمال
من دون ذلك هم لها عاملون أي ما يستقبلون من الأعمال كما (قال ابن عيينة) سفيان في
تفسيره: (لم يعملوها لا بدّ من أن يعملوها) قبل موتهم لا محالة لتحق عليهم كلمة العذاب،
وفي حديث ابن مسعود: فوالذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون
بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
٦٤٤٦ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيّ ◌َ ◌ّهِ قَالَ: ((لَيْسَ الْغِنِى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلكِنَّ الْغِنِى غِنِى النَّفْسِ)).
وبه قال: (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد اللَّه بن يونس اليربوعي قال: (حدثنا
أبو بكر) هو ابن عياش بالتحتية المشددة آخره شين معجمة راوي قراءة عاصم أحد القراء السبعة
قال: (حدثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (عن أبي
صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَليز) أنه (قال):
(ليس الغنى عن) سبب (كثرة العرض) بفتح العين والراء وبالضاد المعجمة ما ينتفع به من
متع الدنيا سوى النقدين. وقال أبو عبيد: الأمتعة وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخله
كيل ولا وزن، وقال في المشارق مما نقله عنه في التنقيح: قال ابن فارس في المقاييس: وذكر هذا
الحديث إنما سمعناه بسكون الراء وهو كل ما كان من المال غير نقد وجمعه عروض وأما العرض
بفتح الراء فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾
[الأنفال: ٦٧] ﴿وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾ [الأعراف: ١٦٩] اهـ.
أي: ليس الغنى الحقيقي المعتبر كثرة المال لأن كثيرًا ممن وسع عليه في المال لا يقنع بما أوتي
فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه فكأنه فقير من شدة حرصه. (ولكن) بتشديد النون
ولأبي ذر بتخفيفها (الغنى) الحقيقي المعتبر الممدوح (غنى النفس) بما أوتيت وقنعها به ورضاها
وعدم حرصها على الازدياد والإلحاح في الطلب لأنها إذا استغنت كفت عن المطامع فعزت
وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير
النفس بحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله ويكثر ذامه من
الناس ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل، وهو مع ذلك كأنه
إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٢٩

٤٥٠
كتاب الرقاق/ باب ١٦
فقير من المال لكونه لم يستغن بما أعطي فكأنه ليس بغني ولو لم يكن في ذلك إلا عدم رضاه بما
قضاه الله لكفاه.
فإن قلت: ما وجه مناسبة الآيات للحديث؟ قال في الفتح: لأن خيرية المال ليست بذاته بل
بحسب ما يتعلق به وإن كان يسمى خيرًا في الجملة وكذلك صاحب المال الكثير ليس غنيًا لذاته
بل بحسب تصرفه فيه، فإن كان في نفسه غنيًا لم يتوقف في صرفه في الواجبات والمستحبات من
وجوه البر والقربات وإن كان في نفسه فقيرًا أمسكه وامتنع من بذله فيما أمر به خشية من نفاده
فهو في الحقيقة فقير صورة، ومعنى وإن كان المال تحت يده لكونه لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في
الآخرة بل ربما كان وبالاً عليه.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد.
١٦ - باب فَضْلِ الْفَقْرِ
(باب فضل الفقر) سقط لفظ باب لأبي ذر ففضل مرفوع على ما لا يخفى.
٦٤٤٧ - حدثنا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حازِمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
السَّاعِدِيّ أَنَّهُ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله فَقالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: ما رَأْيُكَ فِي هذَا؟ فَقَالَ
رَجُلٌ مِنْ أَشْرافِ النَّاسِ: هذَا، وَالله حَرِيٍّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفِّعَ، قَالَ: فَسَكْثَ
رَسُولُ اللهَِ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: مَا رَأْيُكَ فِي هذَا؟ فَقالَ: يا رَسُولَ الله هَذا
رَجُلٌ مِنْ فُقَراءِ الْمُسْلِمِينَ، هذا حَرِيٍّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قالَ:
أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهَ: ((هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هذا».
وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (عبد العزيز بن أبي حازم
عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين (الساعدي) رضي الله
عنه (أنه قال: مرّ رجل) لم يسم (على رسول الله بَّيقر فقال) عليه الصلاة والسلام (الرجل عنده
جالس) هو أبو ذر الغفاري كما رواه ابن حبان في صحيحه من طريقه وفي باب الاكفاء في الدين
من كتاب النكاح: ما تقولون في هذا؟ وهو خطاب لجماعة فيجمع بأن الخطاب وقع لجماعة منهم
أبو ذر ووجه إليه:
(ما رأيك في هذا) الرجل المارّ (فقال) المسؤول هذا (رجل من أشراف الناس هذا والله
حري) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية جدير أو حقيق وزنًا ومعنى (إن خطب) امرأة
(أن ينكح) بضم أوله وفتح الكاف أي تجاب خطبته (وإن شفع) في أحد (أن يشفع) بضم أوله
وتشديد الفاء المفتوحة تقبل شفاعته (قال) سهل: (فسكت رسول الله) ولأبي ذر النبي (وَ﴾) وزاد
إبراهيم بن حمزة في روايته في النكاح وإن قال أن يسمع (ثمّ مرّ رجل) قيل هو جعيل بن سراقة

٤٥١
كتاب الرقاق/ باب ١٦
كما في مسند الفريابي ولأبي ذر عن الكشميهني رجل آخر (فقال له) أي للرجل المسؤول أولاً
(رسول الله ◌َله: ما رأيك في هذا)؟ الرجل المارّ (فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء
المسلمين هذا حري) جدير (إن خطب) امرأة (أن لا ينكح وإن شفع) في أحد (أن لا يشفع) فيه
(وإن قال أن لا يسمع لقوله) لفقره (فقال رسول الله وَلجر: هذا) الرجل الفقير (خير من ملء
الأرض من مثل هذا) الرجل الغني. زاد أحمد وابن حبان عند الله يوم القيامة، وقوله ملء بكسر
الميم وسكون اللام بعدها همزة ومثل بكسر ثم سكون وثبت من في قوله من مثل هذا في رواية
أبي ذر عن الكشميهني.
والحديث سبق في النكاح.
٦٤٤٨ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قالَ: سَمِعْتُ أَبا وائِلٍ، قالَ:
عُذْنا خَبَّابَا فَقالَ: هَاجَرْنا مَعَ النَّبِيّ ◌َِّ نُرِيدُ وَجْهَ الله فَوَقَعَ أَجْرُنا عَلَى الله تَعالى فَمِنَّا مَنْ مَضى
لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ
رِجْلاهُ، وَإِذا غَطَّيْنا رِجْلهُ بَدا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ وَّرَ أَنْ نُغَطّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلى رِجْلَيْهِ مِنَ
الإِذْخَرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْتَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُبُها.
وبه قال: (حدثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير ونسب إلى أحد أجداده حميد قال: (حدثنا
سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا الأعمش) سليمان (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (قال:
عدنا خبابًا) بفتح المعجمة والموحدة المشددة وبعد الألف موحدة أخرى ابن الأرت من مرض
(فقال: هاجرنا مع النبي وَل18) إلى المدينة بأمره أو بإذنه، والمراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة
إذ لم يكن معه وَله إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة (نريد وجه الله) أي ما عنده تعالى من الثواب لا
الدنيا (فوقع أجرنا) أي إثابتنا وجزاؤنا (على الله تعالى) فضلاً منه سبحانه (فمنا) من الذين
هاجروا (من مضى) مات (لم يأخذ من أجره) من الغنائم لكونه مات قبل الفتوح (شيئًا منهم:
مصعب بن عمير قُتل يوم أحد) شهيدًا قتله عبد الله بن قميئة (وترك نمرة) فلم نجد ما نكفنه
به سواها (فإذا غطينا) بها (رأسه بدت) ظهرت (رِجلاه وإذا غطينا) بها (رِجله) بالإفراد والذي
في اليونينية رجله بالتثنية (بدا رأسه) لقصرها (فأمرنا النبي وَلقر أن نغطي رأسه) بطرفها (ونجعل
على رجليه) بالتثنية وزاد أبو ذر شيئًا (من الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء
المعجمتين النبت الحجازي المعروف، ومن أهل الهجرة من عاش إلى أن فتح عليهم الفتوح وهم
أقسام منهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج أولاً فأولاً وهم قليل، ومنهم أبو ذر، ومنهم
من تبسط في بعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري والخدم والملابس ونحو ذلك ولم
يستكثر وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق
الواجبة والمندوبة وهم كثير أيضًا منهم عبد الرَّحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين الأخيرين
أشار خباب بقوله (ومنا) أي من المهاجرين (من أينعت) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح النون

٤٥٢
كتاب الرقاق/ باب ١٦
والعين المهملة انتهت وأدركت (له ثمرته فهو يهدبها) بفتح التحتية وسكون الهاء وكسر الدال
المهملة وتضم يقطفها.
وفي الحديث فضيلة مصعب بن عمير وأنه لم ينقص له من ثوابه في الآخرة شيء وقد كان
مصعب بمكة في ثروة ونعمة فلما هاجر صار في قلّة.
وهذا الحديث سبق في الجنائز.
٦٤٤٩ - حدّثنا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، حَدَّثَنا أَبُو رَجاءٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ
◌ُصَيْنٍ، عَنِ النّبِيّ ◌َّهِ قَالَ: ((أَطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَراءَ، وَأَطَّلَعْتُ فِي النَّارِ
فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أهْلِها النّساءَ)). تابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ وَقالَ صَخْرٌ وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ عَنْ أَبِي رَجاءٍ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ.
وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدثنا سلم بن زرير)
بفتح السين وسكون اللام وزرير بفتح الزاي وكسر الراء الأولى بعدها تحتية ساكنة فراء ثانية بوزن
عظيم العطاردي البصري قال: (حدثنا أبو رجاء) بفتح الراء والجيم المخففة وبالهمزة عمران بن
تميم العطاردي (عن عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين رضي الله عنه (عن
النبي وَّة) أنه (قال):
(اطلعت في الجنة) بتشديد الطاء أي أشرفت ليلة الإسراء (فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطّلعت
في النار) أشرفت عليها (فرأيت أكثر أهلها النساء) لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل
زينة الدنيا والإعراض عن الآخرة لنقص عقلهن، والحديث فيه التحريض على ترك التوسع من
الدنيا كما أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين لئلا يدخلن النار.
والحديث قد سبق في باب كفران العشير في أول الكتاب وفي بدء الخلق ويأتي إن شاء الله
تعالى في باب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق بعون الله وتوفيقه.
(تابعه) أي تابع أبا رجاء (أيوب) السختياني فيما وصله النسائي (وعوف) بالفاء الأعرابي فيما
وصله البخاري في النكاح (وقال صخر): هو ابن جويرة فيما وصله النسائي (وحماد بن نجيح)
بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة الإسكاف البصري فيما وصله النسائي
أيضًا (عن أبي رجاء) عمران بن تميم (عن ابن عباس) رضي الله عنهما.
٦٤٥٠ - حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَِّيُّ وَّهِ عَلى خِوانٍ حَتَّى ماتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَفَّقًا حَتَّى
مات.

٤٥٣
كتاب الرقاق/ باب ١٦
وبه قال: (حدثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء هو عبد الله بن
محمد بن عمرو بن الحجاج قال: (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدثنا سعيد بن أبي
عروبة) بفتح العين المهملة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: لم يأكل
النبي ◌ّير على خوان حتى مات) بكسر الخاء المعجمة هو ما يؤكل عليه الطعام وهو من دأب
المترفين وصنع الجبابرة المنعمين لئلا يفتقروا إلى التطأطؤ عند الأكل (وما أكل خبزًا مرفقًا) ملينًا
محسنًا كخبز الحواري (حتى مات) زهدًا في الدنيا وتركًا للتنعيم.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد والنسائي في الوليمة وابن ماجة في الأطعمة.
٦٤٥١ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي شَيْئَةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً، حَدَّثَنَا هِشاٌ، عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ الله عَنْها قَالَتْ: لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَّهُ وَمَا فِي رَفّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّ شَطْرُ شَعِيرٍ
فِي رَفّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن أبي شيبة) هو ابن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم قال:
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي
الله عنها) أنها (قالت: لقد توفي النبي ◌َّقر وما في رفي) بفتح الراء وتشديد الفاء مكسورة خشب
يرفع عن الأرض في البيت يوضع فيه ما يراد حفظه قاله عياض، وقال في الصحاح: شبه الطاق
في الحائط (من شيء يأكله ذو كبد) شامل لكل حيوان (إلا شطر شعير) بعض شعير أو نصف
وسق منه (في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ) بتشديد التحتية (فكلته) بكسر الكاف (ففني).
قال الكرماني، فإن قلت: سبق في البيع كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه، وتعقيب لفظ فني
بعد كلته هنا مشعر بأن الكيل سبب عدم البركة. وأجاب: بأن البركة عند البيع وعدمها عند
النفقة أو المراد أن يكيله بشرط أن يبقي الباقي مجهولاً، وقال غيره: لأن الكيل عند المبايعة مطلوب
من أجل تعلق المتبايعين فلهذا القصد يندب وأما الكيل عند الإنفاق فقد يبعث عليه الشح فلذلك
كره، وقال القرطبي: سبب رفع النماء والله أعلم الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله
ومواهب كراماته وكثرة بركاته والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب
المعتادة عند مشاهدة خرق العادة، وفي الحديث فضل الفقر من المال واختلف في التفضيل بين
الغني والفقير وكثر النزاع في ذلك. وقال الداودي: السؤال أيهما أفضل لا يستقيم لاحتمال أن
يكون لأحدهما من العمل الصالح ما ليس للآخر فيكون أفضل وإنما يقع السؤال عنهما إذا استويا
بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الآخر قال: فعلم أيهما أفضل عند الله، وكذا
قال ابن تيمية، لكن قال: إذا استويا في التقوى فهما في الفضل سواء. وقال ابن دقيق العيد: إن
حديث أهل الدثور يدل على تفضيل الغني على الفقير لما تضمنه من زيادة الثواب بالقرب المالية إلا
أن فسر الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير
للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف فيترجح الفقر، ولهذا المعنى ذهب جمهور

٤٥٤
كتاب الرقاق/ باب ١٧
الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر
أكثر منه في الغنى. وقال بعضهم: اختلف هل التقلل من المال أفضل ليتفرغ قلبه من الشواغل
وينال لذة المناجاة ولا ينهمك في الاكتساب ليستريح من طول الحساب أو التشاغل باكتساب المال
أفضل ليستكثر به من التقرب بالبر والصلة والصدقة لما في ذلك من النفع المتعدي. قال: وإذا كان
الأمر كذلك فالأفضل ما اختاره النبي وَلير وجمهور أصحابه من التقلل في الدنيا والبعد عن
زهرتها. وقال أحمد بن نصر الداودي: الفقر والغنى محنتان من الله يختبر بهما عباده في الشكر
والصبر كما قال تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾
[الكهف: ٧].
١٧ - باب كَيْفَ كانَ عَيْشُ الشَِّيّ ◌َّهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَخَلّيهِمْ مِنَ الدُّنْيا
(باب) بالتنوين (كيف كان عيش النبي وَلجر وأصحابه) في حياته (وتخليهم من) التبسط في
(الدنیا) وشهواتها وملاذها.
٦٤٥٢ - حدثني أَبُو نُعَيْم مِنْ نِصْفِ هذا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرَ، حَدَّثَنَا مُجاهِدٌ أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ: الله الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَغْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ وَإِنْ
كُنْتُ لِأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ فَعَدْتُ يَوْمًا عَلى طَرِيقِهِمِ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ،
فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، ما سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ
فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله ما سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمَِهُ
فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ ما فِي نَفْسِي وَما فِي وَجْهِي ثُمَّ قالَ: ((أَبَا هِرّ)) قُلْتُ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ الله
قالَ: ((الْحَقْ)) وَمَضِى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنَا فِي قَدَحِ فَقالَ: ((مِنْ أَيْنَ
هذَا اللَّبَنُ))؟ قالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ أَو فُلانَةُ قالَ: ((أَبَا هِرَ)) قُلْتُ: لَبِّيْكَ يَا رَسُولَّ الله قالَ: (الْحَقْ
إِلى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي)) قالَ: وَأَهْلُ الصَّفَّةِ أَضْيافُ الإِسْلامِ لا يَأْوُونَ إِلى أَهْلِ وَلا مالٍ، وَلا
عَلى أَحَدِ إِذا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِها إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا وَإِذا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَّ إِلَيْهِمْ وَأَصابَ
مِنْها وَأَشْرَكَهُمْ فِيها، فَساءَنِي ذلِكَ فَقُلْتُ: وَما هذا اللَّبنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقَّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ
مِنْ هذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِها فَإِذا جاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هذَا
اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ الله وَطاعَةِ رَسُولِهِ نَّهِ بُدَّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ
لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ قالَ: ((يا أَبا هِرَ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله قالَ: ((خُذْ
فَأَعْطِهِمْ)) قالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَزْوى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ
فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ،
حَتَّى أَنْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيّ وَّهَ وَقَدْ رَوِي الْقَوْمُ كُلّهُمْ فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ

٤٥٥
کتاب الرقاق/ باب ١٧
فَقالَ: ((أَبا هِرّ))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله قالَ: ((بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ)) قُلْتُ: صَدَقْتَ يا رَسُولَ الله
قالَ: ((أَفْعُدْ فَأَشْرَبْ)) فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ فَقالَ: ((أَشْرَبْ)) فَشَرِبتُ فَما زالَ يَقُولُ: ((أَشْرَبْ)) حَتَّى
قُلْتُ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ ما أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا قالَ: فَأَرِنِي فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ الله وَسَمَّى
وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (أبو نعيم) الفضل بن دكين (بنحو) بالتنوين
(من نصف هذا الحديث) قال في التنقيح: هذا الموضع من عقد الكتاب فإنه لم يذكر من حدثه
بالنصف الآخر ويمكن أن يقال اعتمد على السند الآخر الذي تقدم له في كتاب الاستئذان اهـ.
ويأتي ما في ذلك آخر الكلام على الحديث قال: (حدثنا عمر بن ذر) بفتح الذال المعجمة وتشديد
الراء ابن زرارة الهمداني بسكون الميم المرهبي الكوفي قال: (حدثنا مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم
وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير والعلم (أن أبا هريرة)
رضي الله عنه (كان يقول: الله) بحذف حرف الجرّ ومد الهمزة وجر الهاء في الفرع كأصله
مصححًا عليها. قال في الفتح: كذا للأكثر بالحذف وفي روايتنا بالخفض وعن أبي ذر مما رأيته
بهامش الفرع كأصله الهمزة بمنزلة واو القسم اهـ.
وجوّز بعضهم النصب بل قال السفاقسي: إنه رواه به، وقال ابن جني: إذا حذف حرف
القسم نصب الاسم بعده بتقدير الفعل ومن العرب من يجر اسم الله وحده مع حذف حرف الجر
فيقول الله لأقومن وذلك لكثرة ما يستعملونه، وفي بعض الأصول الله بإسقاط الأداة والرفع، وفي
رواية روح بن عباد عن عمر بن ذر عند أحمد والله (الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي
على الأرض) أي لألصق بطني بالأرض (من الجوع) أو هو كناية عن سقوطه على الأرض مغشيًا
كما صرح به في الأطعمة فلقيت عمر فاستقرأته آية فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من
الجهد والجوع (وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) لتقليل حرارة الجوع ببرد الحجر أو
المساعدة على الاعتدال والانتصاب لأن البطن إذا خوى لم يمكن معه الانتصاب فكان أهل الحجاز
يأخذون صفائح رقاقًا في طول الكف أو أكبر من الحجارة فيربطها الواحد على بطنهٍ وتشد بعصابة
فتعدل القامة بعض الاعتدال (ولقد قعدت يومًا على طريقهم) أي النبي بَّر وبعض أصحابه (الذي
يخرجون منه) من منازلهم إلى المسجد (فمرّ أبو بكر) رضي الله عنه (فسألته عن آية من كتاب الله)
عز وجل (ما سألته) عنها (إلا ليشبعني) بالشين المعجمة والموحدة من الإشباع، ولأبي ذر عن
الكشميهني إلا ليستتبعني بسين مهملة ساكنة ففوقية مفتوحة فأخرى ساكنة فموحدة مكسورة فعين
مهملة مفتوحة فنون مكسورة أي يطلب مني أن أتبعه ليطعمني (فمر) بي (ولم يفعل) أي الإشباع
أو الاستتباع، (ثم مرّ بي عمر) رضي الله عنه (فسألته عن آية من كتاب الله) عز وجل (ما سألته)
عنها (إلا ليشبعني) من الإشباع أو ليستتبعني من الاستتباع كما مر عن الكشميهني (فمر فلم)
بالفاء ولأبي ذر ولم (يفعل، ثم مرّ بي أبو القاسم ◌َّر فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي) من

٤٥٦
کتاب الرقاق/ باب ١٧
الجوع والاحتياج إلى ما يسد الرمق (وما في وجهي) من التغير وكأنه عرف من تغير وجهه ما في
نفسه، واستدل أبو هريرة بتبسمه ويقر على أنه عرف ما به لأن التبسم يكون للتعجب ولإيناس من
يتبسم إليه وحال أبي هريرة لم تكن معجبة فيترجح الحمل على الإيناس قاله في الفتح (ثم
:醬(JU
(أبا هر) بإسقاط أداة النداء وكسر الهاء وتشديد الراء رد المؤنث إلى المذكر والمصغر إلى المكبر
ولأبي ذر يا أبا هر (قلت لبيك يا رسول الله قال: الحق) بفتح الحاء أي اتبع (ومضى عليه الصلاة
والسلام فتبعته) ولأبي ذر فاتبعته (فدخل) زاد علي بن مسهر عند الإسماعيلي وابن حبان في
صحيحه إلى أهله (فاستأذن) بهمزة وصل وفتح النون بلفظ الماضي في الفرع وغيره، وقال في
الفتح: فأستأذن بهمزة بعد الفاء والنون مضمومة فعل المتكلم وعبر عنه بذلك مبالغة في التحقق،
وقال العيني على صيغة المتكلم من المضارع ولابن مسهر فاستأذنت (فأذن لي فدخل) كذا الرواية
بتكرار دخل قال في الكواكب: الثاني تكرار للأول أو دخل الأول بمعنى أراد الدخول فالاستئذان
يكون لنفسه وي طهر، وقال في الفتح: إما تكرار لوجود الفصل أو التفات ولعلي بن مسهر فدخلت
قال في الفتح وهي واضحة: (فوجد) وَّر في منزله (لبنًا في قدح فقال: من أين هذا اللبن
قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة) بالشك ولم يقف ابن حجر على اسم من أهداه ولأبي ذر عن
الكشميهني أهدته بالتأنيث ثم (قال) عليه الصلاة والسلام: (أبا هر) بإسقاط أداة النداء (قلت لبيك
يا رسول الله) ولأبي ذر رسول الله بإسقاط يا (قال: الحق) أي انطلق (إلى أهل الصفة فادعهم لي
قال) أي أبو هريرة (وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
على (أهل ولا مال ولا على أحد) تعميم بعد تخصيص شامل للأقارب وغيرهم وعند ابن سعد من
مرسل يزيد بن عبد الله بن قسط كان أهل الصفة ناسًا فقراء لا منازل لهم فكانوا ينامون في
المسجد لا مأوى لهم غيره (إذا أتته) وَّر (صدقة بعث بها إليهم) يخصهم بها (ولم يتناول منها شيئًا
وإذا أتته هدية أرسل إليهم) ليحضروا عنده (وأصاب منها وأشركهم فيها) لأنه يَّ كان يقبل
الهدية ولا يقبل الصدقة قال أبو هريرة: (فساءني ذلك) أي قوله ادعهم لي (فقلت) في نفسي هذا
قليل (وما هذا اللبن) أي وما قدر هذا اللبن (في أهل الصفة) والواو عاطفة على محذوف تقديره
هذا قليل أو نحوه ولعلي بن مسهر وأين يقع هذا اللبن من أهل الصفة وأنا ورسول الله (كنت
أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها) زاد روح يومي وليلتي وسقط لأبي ذر لفظ أنا
(فإذا جاء) من أمرني بطلبه ولأبي ذر عن الكشميهني جاؤوا (أمرني) عليه الصلاة والسلام (فكنت
أنا أعطيهم) فكنت عطف على جزاء فإذا جاؤوا فهو بمعنى الاستقبال داخل تحت القول والتقدير
عند نفسه قاله في الكواكب وإنما كان أبو هريرة يفعل ذلك لأنه كان يخدم النبي وَّر (وما عسى
أن يبلغني من هذا اللبن) أي يصل إليّ بعد أن يكتفوا منه وقال: في الكواكب وما عسى أي قائلاً
في نفسي وما عسى والظاهر أن كلمة عسى مقحمة (ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله وَلا بدّ
فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا) في الدخول (فأذن لهم) وَّر (وأخذوا مجالسهم من البيت) أي

٤٥٧
کتاب الرقاق/ باب ١٧
وجلس كل واحد منهم في المجلس الذي يليق به قال في الفتح ولم أقف على عددهم إذ ذاك
(قال) عليه الصلاة والسلام: (يا أبا هر) بكسر الهاء وتشديد الراء (قلت لبيك يا رسول الله قال:
خذ) أي هذا القدح (فأعطهم) بهمزة قطع القدح الذي فيه اللبن (فأخذت القدح فجعلت أعطيه
الرجل) بضم همزة أعطيه (فيشرب حتى يروى) بفتح الواو (ثم يردّ عليّ القدح فأعطيه الرجل)
الذي يليه ولأبي ذر عن الكشميهني ثم أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يردّ عليّ القدح
فيشرب حتى يروى ثم يردّ عليّ القدح بتكرار فيشرب ثلاثًا وسقط قوله حتى يروى ثم يرد علّ
القدح هذه في رواية أبي ذر، وقال في الكواكب فإن قلت: الرجل الثاني معرفة معادة فتكون هي
الأول بعينه على القاعدة النحوية لكن المراد غيره. وأجاب؛ أن ذلك حيث لا قرينة ولفظ (حتى
انتهيت إلى النبي ◌َّ* وقد روي القوم كلهم) قرينة المغايرة لأنه يدل على أنه أعطاهم واحدًا بعد
واحد إلى أن كان آخرهم النبي وَلقر (فأخذ القدح) وقد بقيت فيه فضلة (فوضعه على يده) الكريمة
(فنظر إلي) بتشديد التحتية (فتبسم) إشارة إلى أنه لم يفته شيء مما كان يظن فواته من اللبن (فقال أبا
هر) بحذف أداة النداء ولأبي ذر عن الحموي يا أبا هر (قلت لبيك يا رسول الله قال: بقيت أنا
وأنت قلت صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال: اشرب فشربت
فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا قال: فأرني فأعطيته
القدح فحمد الله) عز وجل على البركة وظهور المعجزة في اللبن المذكور حيث روي القوم كلهم
وأفضلوا (وسمى) الله (وشرب الفضلة) وفي رواية روح فشرب من الفضلة، وفيها كما قال في
الفتح إشعار بأنه بقي بعد شربه شيء فإن كانت محفوظة فلعله أعدها لمن بقي بالبيت من
أهله وَالغير.
وفي الحديث فوائد كثيرة لا تخفى على المتأمل والله الموفق.
(تنبيه).
قوله في السند: حدثنا أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث استشكل من حيث إنه يستلزم
أن يكون النصف بلا إسناد غير موصول إذ النصف المذكور مبهم لا يدرى أهو الأول أو الثاني
واحتمال كون القدر المسموع له منه هو المذكور في كتاب الاستئذان في باب إذا دعي الرجل فجاء
فهل يستأذن بلفظ: حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر وحدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله،
أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخلت مع رسول الله وَله
فوجد لبنًا في قدح فقال: ((أبا هريرة الحق أهل الصفة فادعهم إليّ)) قال: فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا
فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا. عورض بأنه ليس ثلث الحديث ولأربعة فضلاً عن نصفه. وقول
الحافظ زين الدين العراقي في نكته على ابن الصلاح أن القدر المذكور في الاستئذان بعض الحديث
المذكور في الرقاق هو القول المعتبر المحرر قال: ويكون البخاري حدث به عن أبي نعيم بطريق
الوجادة أو الإجازة أو حمله عن شيخ آخر غير أبي نعيم اهـ.

٤٥٨
کتاب الرقاق/ باب ١٧
وقال الحافظ ابن حجر أو سمع بقية الحديث من شيخ سمعه من أبي نعيم اهـ.
٦٤٥٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا
يَقُولُ: إِنّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنا نَغْزُو وَمَا لَنا طَعامٌ، إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ،
وَهذَا السَّمُرُ وَإِنَّ أَحَدَنا لَيَضَعُ كَما تَضَعُ الشّاءُ ما لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزّرُنِي عَلَى
الإِسْلامِ، حِبْتُ إِذَا وَضَلَّ سَغْيِي.
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
إسماعيل) بن أبي خالد أنه قال: (حدثنا قيس) هو ابن أبي حازم (قال: سمعت سعدًا) بسكون
العين ابن أبي وقاص رضي الله عنه (يقول: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله) عز وجل
واللام في الأول للتأكيد (ورأيتنا) بضم التاء الفوقية أي ورأيت أنفسنا (نغزو) في سبيل الله عز
وجل (وما لنا طعام إلا ورق الحبلة) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة مصححًا عليها في الفرع
وتضم أيضًا ثمر السلم أو ثمر عامة العضاة وهو بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة آخره
هاء شجر الشوك كالطلح والعوسج (وهذا السمر) بفتح السين المهملة وضم الميم شجره وفي مسلم
من حديث عتبة بن غزوان لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله وَ طّر ما لنا طعام إلا ورق الشجر
حتى قرحت أشداقنا (وإن أحدنا ليضع) الذي يخرج منه عند التغوط مثل البعر (كما تضع الشاة)
زاد الترمذي من طريق بيان عن قيس والبعير (ما له خلط) بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام
بعدها طاء مهملة لا يختلط بعضه ببعض لجفافه ويبسه بسبب قشف العيش (ثم أصبحت بنو أسد
تعزرني) بضم الفوقية وفتح العين المهملة وكسر الزاي المشددة بعدها راء فنون فتحتية تقومني
بالتعليم (على) أحكام (الإسلام خبت) من الخيبة وهي الخسران (إذًا) بالتنوين (وضلّ) أي ضاع
(سعيي) فيما مضى حيث تعلمني بنو أسد أحكام الدين مع سابقتي في الإسلام وقدم صحبتي
وبنو أسد أي ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان بنو أسد ممن ارتد بعد النبي ◌َّقل
وتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي لما ادّعى النبوّة، ثم قاتلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر
وكسرهم ورجع بقيتهم إلى الإسلام وتاب طليحة وحسن إسلامه وسكن معظمهم الكوفة ثم كانوا
ممن شكا سعد بن أبي وقاص وهو أمير الكوفة إلى عمر حتى عزله.
والحديث سبق في فضل سعد وفي الأطعمة، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب.
٦٤٥٤ - حدثني عُثْمانُ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ
قالَتْ: ما شَبِعَ آلْ تُحمَّدٍ وَهِ مُنْذُ قَدِمَ الَّذِينَةَ مِنْ طَعامِ بُرّ ثَلاثَ لَيالٍ تِباعًا حَتّى قُبِضَ.
وبه قال: (حدثني) ولأبي ذر بالجمع (عثمان) بن أبي شيبة قال: (حدثنا جرير) هو ابن
عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي

٤٥٩
کتاب الرقاق/ باب ١٧
(عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: ما شبع آل محمد) وفي رواية الأعمش عن منصور ما
شبع رسول الله (َ﴾) بكسر الموحدة من شبع (منذ قدم المدينة من طعام بر) من الإضافة البيانية
(ثلاث ليال) بأيامهن (تباعًا) بكسر الفوقية بعدها موحدة متتابعة متوالية (حتى قبض) بضم القاف
أي توفي ◌َّر، ولمسلم من رواية عبد الرَّحمن بن عابس عن أبيه عن عائشة ما شبع آل محمد وَل
من خبز بر مأدوم، وله من رواية عبد الرَّحمن بن يزيد عن الأسود عنها ما شبع آل محمد بَّر من
خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض وإنما كان يفعل ذلك ويعلو للإيثار أو الكراهة الشبع وكان
يفعل ذلك مع إمكان حصول التوسع له فقد عرض عليه ربه عز وجل أن يجعل له بطحاء مكة
ذهبًا فاختار الجوع يومًا والشبع يومًا للتضرع والشكر.
والحديث سبق في الأطعمة.
٦٤٥٥ - حدثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، حَدَّثَنَا إِسْحُقُ هُوَ الأَزْرَقُ، عَنْ
مِسْعَرِ بْنِ كِدامٍ، عَنْ هِلالٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: ما أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ وَّرُ
أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلاَّ إِخِداهُما تَمْرٌ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إسحق بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن) البغوي يقال له لؤلؤ قال:
(حدثنا إسحاق) بن يوسف بن يعقوب (هو الأزرق) بتقديم الزاي على الراء (عن مسعر بن كدام)
بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين بعدها راء وكدام بكسر الكاف بعدها دال مهملة
مخففة العامري (عن هلال) هو ابن حميد ولأبي ذر زيادة الوزان الكوفي (عن عروة) بن الزبير (عن
عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: ما أكل آل محمد) وعند أحمد بن منيع عن إسحلق الأزرق
بالسند المذكور ما شبع محمد (3 # أكلتين) بفتح الهمزة (في يوم إلا إحداهما تمر) ولأبي ذر تمرًا
بالنصب. قال في المصابيح: أما على تقدير إلا كانت إحداهما تمرًا أو إلا جعل إحداهما تمرًا.
والحديث أخرجه مسلم.
٦٤٥٦ - حدثني أَحْمَدُ بْنُ رَجاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ:
كانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ وَلَّ مِنْ أَدَمِ وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (أحمد بن رجاء) بفتح الراء والجيم والمد هو
أحمد بن عبد الله بن أيوب بن رجاء الهروي ولأبي ذر أحمد بن أبي رجاء قال: (حدثنا النضر) هو
ابن شميل بالشين المعجمة المضمومة مصغرًا (عن هشام) قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن
الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: كان فراش رسول الله وَلقر من أدم) بفتح الهمزة
والدال المهملة جلد مدبوغ (وحشوه من ليف) بالواو وسقط لأبي ذر لفظ من فالتالي رفع.
٦٤٥٧ - حدثنا هُذْبَةُ بنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنا قَتادَةُ قالَ: كُنَّا نَأْتِي
:

٤٦٠
کتاب الرقاق/ باب ١٧
أَنَسَ بْنَ مالِكِ وَخَبَّارُهُ قَائِمٌ، وَقَالَ: كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ نََّ رَأَى رَغِيفًا مُرْقَّقًا حَتَى لَحِقَ بِاللَّهِ
وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُ .
وبه قال: (حدثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة بعدها موحدة القيسي
البصري الحافظ المسند قال: (حدثنا همام بن يحيى) العوذي الحافظ قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة
(قال: كنا نأتي أنس بن مالك) رضي الله عنه (وخبازه) لم يعرف اسمه (قائم) عنده (وقال) أنس:
(كلوا فما أعلم النبي ◌َّ رأى رغيفًا مرققًا) قال في النهاية مرفقًا هو الأرغفة الواسعة الرقيقة
(حتى لحق بالله) عز وجل (ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط) بإفراد بعينه والسميط ما نزع صوفه ثم
شوي لأنه من مآكل المترفين.
والحديث سبق في الأطعمة.
٦٤٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنا يَخْيَى، حَدَّثَنا هِشامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: كانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ ما نُوقِدُ فِيهِ نارًا، إِنَّمَا هُوَ الثَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلاَّ أَنْ نُؤْتِى
باللّخَيْمِ.
وبه قال: (حدثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد بن مثنى) بن عبيد أبو موسى العنزي الزمن
البصري قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدثنا هشام) قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي)
عروة (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا إنما) ولأبي
ذر وإنما (هو) أي طعامنا (التمر والماء إلا أن نؤتى) بضم نون الجماعة مبنيًا للمفعول (باللحيم)
بضم اللام مصغرًا إشارة إلى قتله وللكشميهني باللحم مكبرًا والحديث من إفراده.
٦٤٥٩ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ
يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها قالَتْ لِعُزْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلالِ ثَلاثَةً
أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَما أُوقِدَتْ فِي أَبْياتِ رَسُولِ اللهِوَّهِ نارٌ، فَقُلْتُ: ما كانَ يُعِيشُكُمْ قالَتْ:
الأَسْوَدَانِ الثَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِوَّهِ جِيرانٌ مِنَ الأَنْصارِ، كانَ لَهُمْ منائِحُ وَكانُوا
يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ مِنْ أَبْاتِهِمْ فَيَسْقِينَاهُ.
وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي) قال: (حدثني) بالإفراد (ابن أبي حازم)
عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن يزيد بن رومان) بضم الراء الأسدي مولى آل
الزبير بن العوام (عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة) رضي الله عنها (أنها قالت
لعروة) بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة: يا (ابن أختي) بحذف أداة النداء أي يا
ابن أختي كما سبق (إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين) والمراد بالهلال الثالث هلال
الشهر الثالث وهو يرى عند انقضاء الشهرين وبرؤيته يدخل أول الشهر الثالث وعند ابن سعد في