Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الاستئذان/ باب ٥٣
(﴿ليضل﴾) أي ليصد الناس (﴿عن سبيل الله﴾) دين الإسلام والقرآن وسقط لأبي ذر قوله
﴿ليضل عن سبيل الله﴾ وقال بدلها: الآية.
٦٣٠١ - هذّئنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي
حُمَّيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ:
بِاللَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قالَ لِصاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ)).
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري
قال: (حدثنا الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري الإمام المشهور (عن
عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي الأموي مولاهم (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني)
بالإِفراد (حميد بن عبد الرحمن) بضم الحاء المهملة وفتح الميم ابن عوف الزهري المدني (أن أبا
هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله (صل﴾):
(من حلف منكم) بغير الله (فقال في حلفه) يمينه (باللات) بالموحدة أوله (والعزى) كما
يحلف المشركون (فليقل لا إله إلا الله) المبرأ من الشرك فإنه قد شابه الكفار حيث حلف بآلهتهم
فكفارته كلمة التوحيد (ومن قال لصاحبه تعال) بفتح اللام (أقامرك) الهمزة والجزم جواب الأمر
(فليتصدق) بما يطلق عليه اسم الصدقة فإنه يكفر عنه إثم دعائه صاحبه إلى القمار المحرم اتفاقًا
وفيه أن القمار من جملة اللهو.
وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة والترجمة بالاستئذان كما قاله في الكواكب أن الداعي إلى
القمار لا ينبغي أن يؤذن له في دخول المنزل، ثم لكونه يتضمن اجتماع الناس، ومناسبة بقية
حديث الباب للترجمة أن الحلف باللات لهو يشغل عن الحق بالخلق فهو باطل.
والحديث سبق في تفسير سورة النجم.
٥٣ - باب ما جاءَ فِي الْبِناءِ
قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ إِذا تَطاوَلَ رِعاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيانِ)).
(باب ما جاء في البناء) من إباحة ومنع.
(وقال أبو هريرة) رضي الله عنه مما سبق موصولاً في كتاب الأيمان (عن النبي وَّ) في
سؤال جبريل إياه متى الساعة قال: (من أشراط الساعة) أي علاماتها السابقة عليها أو مقدماتها (إذا
تطاول رعاء البهم في البنيان) بكسر الراء وبعد الألف همزة ممدودًا والبهم بفتح الموحدة وسكون
الهاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: رعاة بضم الراء وبعد الألف هاء تأنيث أي وقت
تفاخرهم في طول بيوتهم ورفعتها تطاول الرجل إذا تكبر. قال في الفتح: وأشار المؤلف بهذه
القطعة من الحديث إلى ذم التطاول في البنيان وفي الاستدلال بذلك نظر، وقد ورد في ذم تطويل

٣٠٢
كتاب الاستئذان/ باب ٥٣
البناء صريحًا ما أخرج ابن أبي الدنيا بسند ضعيف مع كونه موقوفًا من رواية عمارة بن عامر: إذا
رفع الرجل بناء فوق سبعة أذرع نودي يا فاسق إلى أين تذهب؟ وفي ذمه مطلقًا حديث خباب
يرفعه: ((يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب)) أو قال: ((البناء)) صححه الترمذي، وأخرج له
شاهدًا عن أنس بلفظ: إلا البناء فلا خير فيه، وفي المعجم الأوسط من حديث أبي بشير
الأنصاري إذا أراد الله بعبد سوءًا أنفق ماله في البنيان وهو محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما
لا بدّ منه للتوطن وما يكن من البرد والحرّ.
٦٣٠٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا إِسْحْقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُما قالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُنِي مِنَ الْمُطَرِ، وَيُظِلْنِي مِنَ الشّمْسِ مَا أَعانَنِي
عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا إسحاق هو ابن سعيد) بكسر
العين ابن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي القرشي (عن) أبيه (سعيد عن ابن عمر رضي الله
عنهما) أنه (قال: رأيتني) بضم الفوقية أي رأيت نفسي (مع النبي(وَل98) في زمنه (بنيت بيدي بيتًا
يكنني) بضم التحتية والنون الأولى المشددة بينهما كاف مكسورة من أكن أي يقيني (من المطر
ويظلني من الشمس ما أعانني عليه) أي على بنائه (أحد من خلق الله) عز وجل تأكيد لقوله بنيت
بيدي.
والحديث أخرجه ابن ماجة في الزهد.
٦٣٠٣ - هقلنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، قالَ عَمْرٌو: قالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ ما
وَضَعْتُ لَبِنَّةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلا غَرَسْتُ نَخْلَةٌ مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيِّ نََّ قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِيَعْضِ أَهْلِهِ،
قالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَنى قالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ فَلَعَلَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنْ يَبْنِي.
وبه قال: (حدثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو) بفتح
العين ابن دينار (قال ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله عنهما: (والله ما وضعت لبنة على لبنة) بفتح
اللام وكسر الموحدة فيهما ويجوز الكسر ثم السكون (ولا غرست نخلة منذ قبض النبي وَّر. قال
سفيان) بن عيينة (فذكرت) أي الحديث (لبعض أهله) أي أهل ابن عمر، ولم يقف الحافظ ابن
حجر على تسميته (قال: والله لقد بنى) ابن عمر زاد أبو ذر عن الكشميهني بيتًا. (قال سفيان:
قلت) لبعض أهله (فلعله قال) ما وضعت لبنة على لبنة (قبل أن يبني) البيت الذي بناه بيده وهو
اعتذار حسن من سفيان رحمه الله تعالى.
هذا آخر كتاب الاستئذان ولله الحمد والمنّة فرغ في رابع عشر جمادى الأولى سنة أربع عشرة
وتسعمائة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

بسم الله الرحمن الرحيم
:
٨٠ - كتاب الدعوات
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(كتاب الدعوات) بفتح الدال والعين المهملتين جمع دعوة بفتح أوله مصدر يراد به الدعاء
يقال دعوت الله أي سألته (قوله) بالرفع على الاستئناف ولأبي ذر: وقول الله (تعالى) بالجرّ عطفًا
على السابق ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ لما كان من أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع أمر الله
تعالى به فضلاً وكرمًا وتكفل لهم بالإِجابة، وعن سفيان الثوري فيما رواه ابن أبي حاتم أنه كان
يقول: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله وليس
أحد كذلك غيرك يا رب وفي معناه قال القائل:
الله يغضب إن تركت سؤاله وترى ابن آدم حين يسأل يغضب
وفي حديث أنس بن مالك عند أبي يعلى في مسنده عن النبي ◌َّهر فيما يروي عن ربه عز
وجل وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلّ الإجابة.
وفي حديث النعمان بن بشير عند الإِمام أحمد مرفوعًا: إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ:
﴿ادعوني أستجب لكم) الآية. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: من لم يدع الله غضب الله عليه، رواه أحمد منفردًا به بإسناد
لا بأس به، وقيل المراد بقوله: ((ادعوني أستجب لكم﴾) الأمر بالعبادة بدليل قوله بعد: (﴿إن
الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾﴾ [غافر: ٦٠] صاغرين ذليلين والدعاء بمعنى
العبادة كثير في القرآن كقوله: ﴿إن يدعون من دونه إلاّ إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأجاب الأوّلون

٣٠٤
کتاب الدعوات/ باب ١
بأن هذا ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل وقال العلامة تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء
في الآية على ظاهره، وأما قوله بعد ذلك عن عبادتي فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة فمن
استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء
استكبارًا ومن فعل ذلك كفر اهـ.
وتخلف الدعاء عن الإجابة إنما هو لفقد شرطه، وفي قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾
[غافر: ٦٠] إشارة إلى أن من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله أو جاهه أو أصدقائه أو
اجتهاده فهو في الحقيقة ما دعا الله إلّ باللسان، وأما القلب فإنه يعوّل في تحصيل ذلك المطلوب على
غير الله، وأما إذا دعا الله تعالى في وقت لا يكون القلب فيه متلفتًا إلى غير الله فالظاهر أنه يستجاب له.
واستشكل حديث من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين المقتضي
لأفضلية ترك الدعاء حينئذ مع الآية المقتضية للوعيد الشديد على تركه. وأجيب: بأن العقل إذا
كان مستغرقًا في الثناء كان أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة والاستغراق في معرفة جلال
الله أفضل من الجنة أما إذا لم يحصل الاستغراق كان الاشتغال بالدعاء أولى لأن الدعاء يشتمل على
معرفة عز الربوبية وذل العبودية والصحيح استحباب الدعاء، ورجح بعضهم تركه استسلامًا
للقضاء، وقيل: إن دعا لغيره فحسن وإن خصّ نفسه فلا، وقيل: إن وجد في نفسه باعثًا للدعاء
استحب وإلاّ فلا، وسقط لأبي ذر قوله ﴿إن الذين يستكبرون﴾ الخ، وقال بدله الآية.
١ - باب وَلِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ
(ولكل نبي) ولأبي ذر باب بالتنوين لكل نبي (دعوة مستجابة).
٦٣٠٤ - هذّثنا إسْماعِيلُ، قالَ: حَدْثَنِي مالِكٌ عَنْ أَبِي الزَّنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِها، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِىءَ دَغْوَتِي
شَفَاعَةً لأْمَّتِي فِي الآخِرَةِ). [الحديث ٦٣٠٤ - طرفه في: ٧٤٧٤].
وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإِفراد (مالك) هو ابن أنس بن
مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد اللَّه المدني إمام دار الهجرة (عن أبي الزناد) عبد الله بن
ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله و الخ قال):
(لكل نبي دعوة يدعو) ولأبي ذر: دعوة مستجابة يدعو (بها) أي بهذه الدعوة على أمته
مقطوع فيها بالإِجابة وما عداها على رجاء الإِجابة (وأريد أن أختبىء) بخاء معجمة ساكنة وفوقية
مفتوحة فموحدة مكسورة فهمزة أي أدّخر (دعوتي) المقطوع بإجابتها (شفاعة لأمتي في الآخرة) في
أهم أوقات حاجاتهم وهذا من كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في أحوالهم جزاه
الله عنا أفضل ما جازى نبيًا عن أمته وصلى الله عليه وسلم كثيرًا دائمًا أبدًا.

٣٠٥
کتاب الدعوات/ باب ٢
والحديث من أفراده.
٦٣٠٥ - وقال مُغْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِ، عَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((كُلُّ نَبِيِّ سَأَلَ سُؤْلاً)) أَوْ
قالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعا بِها فَأَسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيامَةِ)).
(وقال معتمر): هو ابن سليمان التيمي ولغير أبي ذر وقال لي خليفة هو ابن خياط قال
معتمر: (سمعت أبي) سليمان (عن أنس) رضي الله عنه (عن النبي بَّي) أنه (قال):
(كل نبي سأل سؤلاً) بضم السين وسكون الهمزة مطلوبًا (أو قال لكل نبي دعوة) في حق
أمته والشك من الراوي (قد دعا بها فاستجيب) له في الدنيا وفي نسخة فاستجيبت بزيادة تاء
التأنيث الساكنة آخره (فجعلت دعوتي) المجابة جزمًا (شفاعة لأمتي يوم القيامة). قال ابن الجوزي
رحمه الله: هذا من حسن تصرفه ◌ّله حيث اختار أن تكون فيما يبقى ومن كثرة كرمه أن آثر أمته
على نفسه، ومن صحة نظره أن جعلها للمذنبين لكونهم أحوج إليها من الطائعين.
والحديث رواه مسلم موصولاً.
٢ - باب أَفْضَلِ الاسْتِغْفَارِ
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِذْكُمْ
بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠].
﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَأَسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
(باب) بيان (أفضل الاستغفار) الاستغفار استفعال من الغفران وأصله من الغفر وهو إلباس
الشيء بما يصونه من الدنس، ومنه قيل اغفر ثوبك في الوعاء فإنه أغفر للوسخ والغفران والمغفرة
من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب، وسقط لفظ باب لأبي ذر فأفضل رفع وإلاّ
فضل الأكثر ثوابًا عند الله فالثواب للمستغفر لا للاستغفار فهو نحو: مكة أفضل من المدينة أي
ثواب العابد فيها أفضل من ثواب العابد في المدينة فالمراد المستغفر بهذا النوع من الاستغفار أكثر
ثوابًا من المستغفر بغيره قاله في الكواكب.
(وقوله تعالى): بالجر عطفًا على المجرور قبله ((استغفروا ربكم﴾) أي سلوه المغفرة لذنوبكم
بإخلاص الإِيمان (﴿إنه كان غفارًا﴾) لم يزل غفار الذنوب من ينيب إليه (﴿يرسل السماء﴾) المطر
قال :
إذا نزل السماء بأرض قوم وعيناه وإن كانوا غضابا
أو فيه إضمار أي يرسل ماء السماء. (﴿عليكم مدرارًا﴾) يحتمل أن يكون حالاً من السماء
إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٢٠

٣٠٦
کتاب الدعوات/ باب ٢
ولم يؤنث لأن مفعالاً يستوي فيه المذكر والمؤنث فتقول: رجل مخدام ومطراب وامرأة مطراب
ومخدام وأن يكون نعتًا لمصدر محذوف أي إرسالاً مدرارًا، وجزم يرسل جوابًا للأمر ومعنى مدرارًا
ذا غيث كثير (﴿ويمددكم بأموال وبنين﴾) يزدكم أموالاً وبنين (﴿ويجعل لكم جنات﴾) بساتين
(﴿ويجعل لكم أنهارًا﴾) [نوح: ١٠ - ١٢] جارية لمزارعكم وبساتينكم قال مقاتل: لما كذبوا نوحًا
عليه السلام زمانًا طويلاً حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فهلكت مواشيهم
وزروعهم فساروا إلى نوح عليه السلام واستغاثوا به فقال: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾
[نوح: ١٠]. وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والمطر. قال الشعبي: خرج
عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت. فقال: لقد
استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾ إلى
آخر ذلك، وشكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر فقال: استغفر
الله وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدًا فقال له استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بساتينه
فقال له: استغفر الله فقلنا له فى ذلك فقال: ما قلت من عندي شيئًا إن الله تعالى يقول في سورة
نوح: ﴿استغفروا ربكم﴾ إلى آخر ذلك. وسياق الآية إلى آخر قوله: ﴿أنهارًا﴾ لغير رواية أبي ذر
وله إلى قوله: ﴿غفارًا﴾ ثم قال: الآية.
(﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾) فعلة متزايدة القبح خارجة عما أذن الله فيه أو الفاحشة الزنا
(﴿أو ظلموا أنفسهم﴾) باكتساب أيّ ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به أو الفاحشة الكبيرة وظلم
النفس هي الصغيرة كالقبلة واللمسة والنظرة، وقيل فعلوا فاحشة فعلاً أو ظلموا أنفسهم قولاً
(﴿ذكروا الله﴾) بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة أو ذكروا وعيد الله أو عقابه فهو من باب
حذف المضاف أو ذكروا العرض الأكبر على الله (﴿فاستغفروا لذنوبهم﴾) فتابوا عنها لقبحها نادمين
على فعلها، وهذا حقيقة التوبة فأما الاستغفار باللسان فلا أثر له في إزالة الذنب، وقوله لذنوبهم
أي لأجل ذنوبهم: (﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾) من مبتدأ ويغفر خبره وفيه ضمير يعود إلى من
وإلا الله بدل من الضمير في يغفر والاستفهام بمعنى النفي، والتقدير ولا أحد يغفر الذنوب إلا
الله وفيه تطييب لنفوس العباد وتنشيط للتوبة وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وبيان لسعة
رحمته وقرب مغفرته من التائب وإشعار بأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم، وفي
إسناده غفران الذنوب إلى نفسه المقدسة سبحانه وإثباته لذاته المقدسة بعد وجود الاستغفار وتنصل
عبيده دلالة على وجوب ذلك قطعًا بحسب الوعد الذي لا خلف له (﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾)
جملة حالية من فاعل استغفروا أي استغفروا غير مصرين أو الجملة منسوقة على فاستغفروا أي:
ترتب على فعلهم الفاحشة ذكر الله تعالى والاستغفار لذنوبهم وعم الإصرار عليها، وتكون الجملة
من قوله: (﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾) على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه
الثاني وبين الحال وذي الحال على الأول والمعنى ولم يقيموا على قبيح فعلهم (﴿وهم يعلمون﴾) [آل
عمران: ١٣٥] حال من فاعل استغفروا أو من فاعل يصروا أي ولم يصروا على ما فعلوا من

٣٠٧
کتاب الدعوات/ باب ٢
الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها محرمة لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم
بالحرمة فلا يعذر ومفعول يعلمون محذوف للعلم به تقديره يعلمون أن الله يتوب على من تاب أو
تركه أولى أو أنها معصية أو أن الإصرار ضار أو أنهم إذا استغفروا غفر لهم، وسقط لأبي ذر من
قوله ﴿ذكروا الله﴾ الخ وقال الآية بدل ذلك.
٦٣٠٦ - حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةً،
عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبِ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ:
(سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ
وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَأَغْفِرْ لِي
فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، قَالَ: وَمَنْ قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقِنًا بِها فَماتَ مِنْ يَوْمِهِ، قَبْلَ أَنْ
يُمْسِي فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَها مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنَّ بِها فَماتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلٍ
الْجَنَّةِ» .
وبه قال: (حدثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التيمي المقعد المنقري بكسر
الميم وسكون النون وفتح القاف قال: (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدثنا الحسين) بضم
الحاء ابن ذكوان المعلم قال: (حدثنا عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة ابن الحصيب الأسلمي أبو
سهل المروزي قاضيها (عن بشير بن كعب) بضم الموحدة وفتح المعجمة (العدوي) ولأبي ذر قال:
حدثني بالإفراد بشير بن كعب العدوي (قال: حدثني) بالإفراد (شداد بن أوس) الأنصاري (رضي
الله عنه عن النبي (َ(#) أنه قال:
(سيد الاستغفار) ترجم البخاري بالأفضلية، والحديث بلفظ السيادة فكأنه كما في الفتح أشار
إلى أن المراد بالسيادة الأفضلية والسيد هنا مستعار من الرئيس المقدم الذي يعتمد عليه في الحوائج
ويرجع إليه في الأمور كهذا الدعاء الذي هو جامع لمعاني التوبة كلها (أن تقول) بصيغة المخاطب في
الفرع. وقال في الفتح: أن يقول العبد وثبت في رواية أحمد والنسائي: إن سيد الاستغفار أن يقول
العبد: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني) كذا في الفرع وأصله أنت مرة واحدة. وقال الحافظ
ابن حجر: أنت أنت بالتكرير مرتين وسقطت الثانية من معظم الروايات (وأنا عبدك) قال في شرح
المشكاة: يجوز أن تكون حالاً مؤكدة وأن تكون مقدرة أي أنا عابد لك كقوله تعالى: ﴿وبشرناه
بإسحق نبيًا من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢] وينصره عطف قوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي
ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك (ما استطعت) من ذلك. وفيه إشارة
إلى الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى. وقد يكون المراد كما قاله ابن بطال
بالعهد العهد الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم
﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية وبالوعد كما قال

٣٠٨
کتاب الدعوات/ باب ٢
على لسان نبيه وَي9: إن من مات لا يشرك بالله شيئًا وأدى ما افترض عليه أن يدخله الجنة. (أعوذ
بك من شر ما صنعت أبوء) بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدودًا أعترف (لك بنعمتك
علي وأبوء بذنبي) أعترف به أو أحمله برغمي فلا أستطيع صرفه عني، ولأبي ذر عن الكشميهني
وأبوء لك بذنبي (اغفر لي) ولأبي ذر فاغفر لي بزيادة فاء (فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت).
قال في شرح المشكاة: اعترف أولاً بأنه أنعم عليه ولم يقيده ليشمل كل النعم، ثم اعترف
بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها وعدّه ذنبًا مبالغة في التقصير وهضم النفس اهـ.
قال في الفتح: ويحتمل أن يكون قوله: وأبوء لك بذنبي اعترافًا بوقوع الذنب مطلقًا ليصح
الاستغفار منه لا أنه عدّ ما قصر فيه من أداء النعم ذنبًا. (قال) وَّر (ومن قالها) أي الكلمات (من
النهار موقّا) مخلصًا (بها) من قلبه مصدقًا بثوابها (فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة)
الداخلين لها ابتداء من غير دخول النار لأن الغالب أن المؤمن بحقيتها المؤمن بمضمونها لا يعصي
الله تعالى أو أن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار قاله في الكواكب. (ومن قالها من الليل وهو
موقن) مخلص (بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) ويحتمل أن يكون هذا فيمن قالها
ومات قبل أن يفعل ما یغفر له به ذنوبه.
وقال في بهجة النفوس: من شروط الاستغفار صحة النية والتوجه والأدب فلو أن أحدًا
حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخلّ بالشروط
هل يتساويان؟ والذي يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة
قال: وقد جمع هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار
ففيه الإقرار الله وحده بالإلهية والعبودية والاعتراف بأنه الخالق والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه
والرجاء بما وعده به والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء إلى موجدها
وإضافة الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو وفي ذلك
الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة وأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون
من الله تعالى اهـ.
وقال في الكواكب: لا شك أن في الحديث ذكر الله تعالى بأكمل الأوصاف وذكر العبد
نفسه بأنقص الحالات وهي أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو، أما الأول
فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع وتوحيده الذي هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات
الجلال والاعتراف بالصفات السبعة الوجودية المسماة بصفات الإكرام وهي القدرة اللازمة من
الخلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر اللازمان
من المغفرة إذ المغفرة للمسموع والمبصر لا يتصور إلا بعد السماع والإِبصار، وأما الثاني فلما فيه
أيضًا من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب في مقابلة النعمة التي تقتضي نقيضها وهو الشكر انتهى.
والحديث أخرجه النسائي في الاستعاذة وفي اليوم والليلة.

٣٠٩
كتاب الدعوات/ باب ٣
٣ - باب اسْتِغْفَارِ النِّيِّ نَّهِ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَةِ
(باب) مقدار (استغفار النبي ◌َّر في اليوم والليلة).
٦٣٠٧ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمنِ قالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((وَاللَّهِ إِنِي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً».
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (قال:
قال أبو هريرة) رضي الله عنه (سمعت رسول الله وَ ل يقول):
(والله إني لأستغفر الله وأتوب) زاد أبو ذر عن الكشميهني إليه (في اليوم أكثر من سبعين
مرة) أي أفعل ذلك الاستغفار إظهارًا للعبودية وافتقارًا لكرم الربوبية أو تعليمًا منه لأمته أو من
ترك الأولى أو قاله تواضعًا أو أنه وَلغير لما كان دائم الترقي في معارج القرب كان كلما ارتقى درجة
ورأى ما قبلها دونها استغفر منها، لكن قال في الفتح: إن هذا مفرع على أن العدد المذكور في
استغفاره كان مفرقًا بحسب تعدد الأحوال وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك، وفي حديث أنس:
إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة والتعبير بالسبعين قيل هو على ظاهره، وقيل المراد التكثير
والعرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة، وقوله في حديث الباب أكثر مبهم يحتمل
أن يفسر بحديث أبي هريرة لأستغفر الله في اليوم مائة مرة، وفي حديث الأغرّ عند مسلم مرفوعًا
((إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة)).
وقد ذكروا في الغين وجوهًا ذكرت منها جملة في كتابي المواهب وأحق من يعبر عن هذا أو
يعرب كما قال في شرح المشكاة مشايخ الصوفية الذين نازل الحق أسرارهم ووضع الذكر أوزارهم
قال: ومن كلمات شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص السهروردي: لا ينبغي أن يعتقد أن الغين نقص
في حاله صلوات الله عليه وسلامه بل كمال أو تتمة كمال، وهذا سر دقيق لا ينكشف إلا بمثال
وهو أن الجفن المسبل على حدقة البصر وإن كانت صورته صورة نقصان من حيث هو إسبال
وتغطية على ما من شأنه أن يكون باديًا مكشوفًا فإن المقصود من خلق العين إدراك المدركات الحسية
وذلك لا يتأتى إلا بانبعاث الأشعة الحسية من داخل العين واتصالها بالمرئيات على مذهب قوم
وبانطباع صور المدركات في الكرة الجليدية على مذهب آخر فكيفما قدر لا يتم المقصود إلا
بانكشاف العين عما يمنع من انبعاث الأشعة عنها، ولكن لما كان الهواء المحيط بالأبدان الحيوانية
قلما يخلو من الأغبرة الثائرة بحركة الرياح فلو كانت الحداقة دائمة الانكشاف لاستضرب بملاقاتها
وتراكمها عليها فأسبلت أغطية الجفون وقاية لها ومصقلة لتنصقل الحدقة بإسبال الأهداب ورفعها
لخفة حركة الجفن فيدوم جلاؤها ويحتدّ نظرها، فالجفن وإن كان نقصًا ظاهرًا فهو كمال حقيقة

٣١٠
كتاب الدعوات/ باب ٤
فهكذا لم تزل بصيرة النبي * معترضة لأن تصدأ بالأغبرة الثائرة من أنفاس الأغيار فلا جرم
دعت الحاجة إلى إسبال جفن من الغين على حدقة بصيرته سترًا لها ووقاية وصقالاً عن تلك
الأغبرة المثارة برؤية الأغيار وأنفاسها، فيصح أن الغين وإن كانت صورته نقصًا فمعناه كمال
وصقال حقيقة، ثم قال أيضًا: إن روح النبي ◌َّه لم تزل في الترقي إلى مقامات القرب مستتبعة
للقلب في رقيها إلى مركزها وهكذا القلب كان يستتبع نفسه الزكية ولا خفاء أن حركة الروح
والقلب أسرع وأتمّ من نهضة النفس وحركتها فكانت خطى النفس تقصر عن مدى الروح والقلب
في العروج والولوج في حرم القرب ولحوقها بهما فاقتضت العواطف الربانية على الضعفاء من
الأمة إبطاء حركة القلب بإلقاء الغين عليه لئلا يسرع القلب ويسرح في معارج الروح ومدارجها
فتنقطع علاقة النفس عنه لقوة الانجذاب فتبقي العباد مهملين محرومين عن الاستنارة بأنوار النبوة
والاستضاءة بمشكاة مصباح الشريعة، وحيث كان يرى وَيهر إبطاء القلب بالغين الملقى عليه وقصور
النفس عن شأو ترقي الروح إلى الرفيق الأعلى كان يفزع إلى الاستغفار إذ لم تف قواها في سرعة
اللحوق بها، وهذا من أعز مقول في هذا المعنى وأحسن مشروح فيه.
٤ - باب التَّوْبَةِ
قال قَتَادَةُ: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾: [التحريم: ٨]: الصَّادِقَة النَّاصِحَة.
(باب التوبة) سقط لفظ باب لأبي ذر فالتوبة رفع وهي في الشرع ترك الذنب لقبحه والندم
على ما فرط منه والعزم على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتداركه من الأعمال بالأعمال
بالإِعادة ورد الظلامات لذويها أو تحصيل البراءة منهم، وزاد عبد الله بن المبارك: وإن يعمد إلى
البدن الذي رباه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن حتى ينشأ له لحم طيب وأن يذيق نفسه ألم الطاعة
كما أذاتها لذة المعصية اهـ.
والتوبة أهم قواعد الإسلام وهي أول مقامات سالكي الآخرة وبها سعادة الأبد.
(قال): ولأبي ذر: وقال (قتادة) فيما وصله عبد بن حميد في تفسير قوله تعالى: (﴿توبوا إلى
الله توبة نصوحًا﴾) [التحريم: ٨] أي (الصادقة الناصحة) وقيل هي التي لا عود بعدها كما لا
يعود اللبن إلى الضرع وقيل الخالصة وقال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر
منه إذا ذكره وقيل نصوحًا من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم خللك ويجوز
أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها واستعماله الجد والعزيمة
في العمل على مقتضاها، وسقط توبوا إلى الله لأبي ذر.
٦٣٠٨ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ،
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ أحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيّ ◌َ﴿ وَالآخَرُ عَنْ
نَفْسِهِ قالَ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ، يَخافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرى

٣١١
كتاب الدعوات/ باب ٤
ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ على أَتْفِهِ)) فَقالَ: بِهِ هكذا قال أَبُو شِهابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ ثُمَّ قالَ: (للَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ
عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ راحِلَتْهُ عَلَيْها طَعامُهُ وَشَرابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ نَوْمَةً
فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ راحِلَتْهُ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ، أَوْ ما شاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلى
مَكَانِي فَرَجَعَ فَنامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذا راحِلَتُهُ عِنْدَهُ». تابَعَهُ أَبُو عَوانَةَ وَجْرِيرٌ عَنِ الأَغْمَشِ،
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمارَةُ قالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ وَقالَ شُعْبَةُ: وَأَبُّو
مُسْلِمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ وَقَالَ أَبُو مُعاوِيَةَ: حَدَّثَنَا
الأَعْمِّشُ، عَنْ عُمارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ إِبْراهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ
عَنْ عَبْدِ اللهِ.
وبه قال: (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي.
الكوفي قال: (حدثنا أبو شهاب) عبد ربه بن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون المشددة وبعد الألف
مهملة الصغير لا الكبير (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عمارة بن عمير) بضم العين فيهما
والثاني مصغر التيمي من بني تيم اللات بن ثعلبة الكوفي (عن الحارث بن سويد) التيمي أيضًا
التابعي الكبير كالسابقين لكن أولهما صغير من صغارهم والذي بعده من أوساطهم: (حدثنا
عبد الله بن مسعود) وسقط لغير أبي ذر ابن مسعود رضي الله عنه (حديثين أحدهما عن النبي (وَلجه
والآخر عن نفسه قال): وهو الحديث الموقوف.
(إن المؤمن یری ذنوبه) مفعول يرى الثاني محذوف أي كالجبال بدليل قوله في الآخر کذباب
مرّ أو هو قوله (كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه) لقوّة إيمانه وشدة خوفه فلا يأمن العقوبة
بسبب ذنوبه والمؤمن دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخاف من صغير عمله (وإن
الفاجر يرى ذنوبه كذباب) بالمعجمة الطير المعروف (مرّ على أنفه) فلا يبالي به لاعتقاده عدم حصول
كبير ضرر بسببه (فقال به) بالذباب (هكذا) أي نحاه بيده أو دفعه وهو من إطلاق القول على
الفعل، فالفاجر لقلة عمله يقل خوفه فيستهين بالمعصية ودل التمثيل الأول على غاية الخوف
والاحتراز من الذنوب والثاني على نهاية قلة المبالاة والاحتفال بها.
(قال أبو شهاب): الحناط المذكور بالسند السابق في تفسير قوله: فقال به أي (بيده فوق
أنفه) والتعبير بالذباب لكونه أخف الطير وأحقره ولأنه يدفع بالأقل وبالأنف للمبالغة في اعتقاده
خفة الذنب عنده لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالبًا العين وباليد تأكيدًا للخفة.
(ثم) قال ابن مسعود (قال) رسول الله وَتلته:
(لله) بلام التأكيد المفتوحة (أفرح) أرضى (بتوبة عبده) وأقبل لها والفرح المتعارف في نعوت
بني آدم غير جائز على الله تعالى لأنه اهتزاز طرب يجده الشخص في نفسه عند ظفره بغرض
يستكمل به نقصانه أو يسدّ به خلته أو يدفع به عن نفسه ضررًا أو نقصًا، وإنما كان غير جائز

٣١٢
كتاب الدعوات/ باب ٤
عليه تعالى لأنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص ولا قصور وإنما معناه الرضا
والسلف فهموا منه ومن أشباهه ما وقع الترغيب فيه من الأعمال والإِخبار عن فضل الله، وأثبتوا
هذه الصفات له تعالى ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين، وأما
من اشتغل بالتأويل فله طريقان: أحدهما أن التشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب
بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع وهي غاية الرضا ونهايته، وإنما أبرز ذلك في صورة
التشبيه تقرير المعنى الرضا في نفس السامع وتصويرًا لمعناه وثانيهما تمثيلي وهو أن يتوهم للمشبه
الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما يناسبه حالة حالة بحيث لم يختل منها شيء، والحاصل
أن إطلاق الفرح في حقه تعالى مجاز عن رضاه وقد يعبر عن الشيء بسببه أو عن ثمرته الحاصلة
عنه فإن من فرح بشيء جاد لفاعله بما سأل وبذل له ما طلب فعبّر عن عطائه تعالى وواسع كرمه
بالفرح، وزاد الإسماعيلي بعد قوله عبد المؤمن وكذا عند مسلم، ولأبي ذر: لله أفرح بتوبة العبد
(من رجل نزل منزلاً) بكسر الزاي في الثاني (وبه) أي بالمنزل، وعند الإسماعيلي بدوية بموحدة
مكسورة فدال مفتوحة فواو مكسورة فتحتية مشددة مفتوحة فهاء تأنيث، وهو كذا عند مسلم
والسنن أي مقفرة (مهلكة) بفتح الميم واللام تهلك سالكها أو من حصل فيها، وفي بعض النسخ
كما في الفتح مهلكة بضم الميم وكسر اللام من مزيد الرباعي أي تهلك هي من حصل بها، وفي
مسلم في أرض دوية مهلكة (ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ)
من نومه (وقد ذهبت راحلته) فخرج في طلبها (حتى اشتدّ) ولأبي ذر: حتى إذا اشتدّ (عليه الحرّ
والعطش أو ما شاء الله) شك من أبي شهاب قاله في الفتح وفي رواية أبي معاوية حتى إذا أدركه
الموت (قال: أرجع إلى مكاني) بقطع الهمزة الذي كنت فيه فأنام (فرجع) إليه (فنام نومة ثم رفع
رأسه) بعد أن استيقظ (فإذا راحلته عنده) عليها زاده طعامه وشرابه كذا في رواية عند مسلم.
(تابعه) أي تابع أبا شهاب الحناط (أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري فيما وصله
الإسماعيلي (و) تابعه أيضًا (جرير) بفتح الجيم فيما وصله البزار (عن الأعمش) سليمان بن
مهران .
(وقال أبو أسامة): حماد بن أسامة فيما وصله مسلم (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران
قال: (حدثنا عمارة) بن عمير (قال: سمعت الحارث بن سويد) يعني عن ابن مسعود بالحديثين،
ومراده كما في الفتح أن هؤلاء الثلاثة وافقوا أبا شهاب في إسناد هذا الحديث إلا أن الأولين
عنعناه .
(وقال شعبة) بن الحجاج: (وأبو مسلم) بضم الميم وسكون المهملة زاد أبو ذر عن المستملي
اسمه عبيد اللّه بضم العين ابن سعيد بن مسلم كوفيّ قائد الأعمش سليمان وقد ضعفه جماعة لكن
لما وافقه شعبة أخرج ه البخاري، وقال في تاريخه: في حديثه نظر (عن الأعمش عن إبراهيم
التيمي عن الحارث بن سويد) أي عن ابن مسعود ففيه أن شعبة وأبا مسلم خالفا أبا شهاب الحناط
ومن وافقه في تسمية شيخ الأعمش فقال الأوّلون: عمارة وقال هذان: إبراهيم التيمي.

٣١٣
کتاب الدعوات/ باب ٤
(وقال أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين (حدثنا الأعمش) سليمان (عن عمارة) بضم
العين وتخفيف الميم ابن عمير (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عبد الله) أي ابن مسعود
وغرض المؤلف الإعلام بأن أبا معاوية خالف الجميع فجعل الحديث عن الأعمش عن عمارة بن
عمير (وعن إبراهيم التيمي) جميعًا لكنه عند عمارة عن الأسود بن يزيد وعند إبراهيم التيمي (عن
الحارث بن سويد عن عبد اللَّه) يعني ابن مسعود وأبو شهاب ومن تبعه جعلوه عند عمارة عن
الحارث بن سويد. قال في الفتح: ورواية أبي معاوية لم أقف عليها في شيء من السنن والمسانيد
على هذين الوجهين ثم قال: وفي الجملة فقد اختلف فيه عمارة في شيخه هل هو الحارث بن
سويد أو الأسود واختلف على الأعمش في شيخه هل هو عمارة أو إبراهيم التيمي، والراجح من
الاختلاف كله ما قاله أبو شهاب ومن تبعه ولذا اقتصر عليه مسلم وصدر به البخاري كلامه
فأخرجه موصولاً وذكر الاختلاف معلقًا كعادته في الإِسناد للإشارة إلى أن مثل هذا الاختلاف غير
قادح والله أعلم.
(تنبيه).
قوله: حدثنا عبد الله حديثين أحدهما عن النبي صل﴿، والآخر عن نفسه أي نفس ابن
مسعود ولم يصرح بالمرفوع. قال النووي: قالوا المرفوع لله أفرح الخ والأوّل قول ابن مسعود وكذا
جزم ابن بطال بأن الأول هو الموقوف، والثاني هو المرفوع قال الحافظ ابن حجر: وهو كذلك.
٦٣٠٩ - هذّثنا إِسْحُقُ، أَخْبَرَنا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ
عَنِ النَّبِيّ وََّحِ. وَحَدَّثَنَا هُذْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضٍ فَلاةٍ)).
وبه قال: (حدثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإِفراد (إسحلق) هو ابن منصور كما قال: الجياني
ولفظه يحتمل أن يكون ابن منصور فإن مسلمًا أخرج عن إسحاق بن منصور عن حبان حديثًا غير
هذا وقّاه الحافظ ابن حجر بما في باب البيعان بالخيار في رواية أبي علي بن شبويه حدثنا
إسحق بن منصور حدثنا حبان فذكر حديثًا غير هذا قال: (أخبرنا حبان) بفتح الحاء المهملة
وتشديد الموحدة ابن هلال الباهلي البصري قال: (حدثنا) ولأبي ذر أخبرنا (همام) بفتح الهاء
وتشديد الميم الأولى ابن يحيى قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة ولأبي ذر عن قتادة قال: (حدثنا
أنس بن مالك) رضي الله عنه وسقط لأبي ذر ابن مالك (عن النبي ◌َّر) قال البخاري (ح):
(وحدثنا) ولأبي ذر: وحدثني بالإِفراد (هدبة) بن خالد قال: (حدثنا همام) قال: (حدثنا
قتادة عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله والخر):
(الله) بهمزة وصل (أفرح) أرضى (بتوبة عبده) وهو من باب التمثيل كما مرّ وهو أن يشبه
الحال الحاصلة بتنجيز الرضا والإقبال على العبد التائب بحال من كان في المفازة على الصورة

٣١٤
کتاب الدعوات/ باب ٥ و٦
المذكورة في الحديث ثم يترك المشبه ويذكر المشبه به، وفي مسلم من رواية أبي هريرة وغيره: لله
أفرح بتوبة عبده المؤمن (من أحدكم سقط على بعيره) أي صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به
(وقد أضله) ذهب منه بغير قصده (في أرض فلاة) بالإِضافة أي مفازة ليس فيها ما يؤكل ولا ما
يشرب. قال في الفتح: إلى هنا انتهت رواية قتادة. وزاد إسحق بن أبي طلحة عن أنس فيه عند
مسلم فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها فنام فبينما هو
كذلك إذا بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال: من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك
أخطأ من شدة الفرح، وفيه كما قال القاضي عياض: إن مثل هذا إذا صدر في حال الدهشة
والذهول لا يؤاخذ به الإنسان وكذا حكايته عنه على وجه العلم أو الفائدة الشرعية لا على سبيل
الهزء والعبث والله تعالى بمنه وكرمه يعافينا من كل مكروه.
٥ - باب الضَّجْعِ عَلَى الشّقّ الأَيْمَنِ
(باب) استحباب (الضجع) بفتح المعجمة وسكون الجيم (على الشق الأيمن) بكسر الشين
المعجمة .
٦٣١٠ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ،
عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَِّيُّ ◌َّهِ يُصَلّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً،
فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلى شِقَّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ.
وبه قال: (حدثنا) ولأبي ذر حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا هشام بن
يوسف) الصنعاني قاضيها قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد عالم
اليمن (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت:
كان النبي ◌َّير يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين) سنة
الفجر (ثم اضطجع على شقه الأيمن) لأنه كان يحب التيمن (حتى يجيء المؤذن فيؤذنه) بسكون
الواو وكسر الذال المعجمة مخففة يعلمه بصلاة الصبح قال في الكواكب فإن قلت: ما وجه تعلق
هذا بكتاب الدعوات؟ وأجاب بأنه يعلم من سائر الأحاديث أنه كان عليه الصلاة والسلام يدعو
عن الاضطجاع، وقال في الفتح: وذكر المصنف هذا الباب والذي بعده توطئة لما يذكره بعدهما من
القول عند النوم اهـ.
والحديث أخرجه في أبواب الوتر.
٦ - باب إِذا باتَ طاهِرًا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه الشخص (إذا بات طاهرًا) ولأبي ذر زيادة وفضله.
٦٣١١ - حدثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ

٣١٥
کتاب الدعوات/ باب ٦
حَدَّثَنِي الْبَراءُ بْنُ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: ((إِذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ
وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ ثُمَّ أَضْطَجِغْ عَلى شِقّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلٍ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ
أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةَ وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ
بِكِتابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ))؟
فَقُلْتُ: أَسَتَذْكِرُهُنَّ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ: ((لا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)).
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا معتمر) هو ابن سليمان (قال:
سمعت منصورًا) هو ابن المعتمر (عن سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول وضمها في الثاني
وآخره تأنيث الكوفي قال: (حدثني) بالإِفراد (البراء بن عازب رضي الله عنهما) أنه (قال: قال
رسول الله) ولأبي ذر والأصيلي قال لي رسول الله (صل﴾):
(إذا أتيت مضجعك) بفتح الجيم إذا أردت أن تأتي موضع نومك (فتوضأ وضوءك)
كوضوئك (للصلاة) والأمر للندب لئلا يأتيه الموت بغتة فيكون على هيئة كاملة قال مجاهد: قال لي
ابن عباس: لا تبيتن إلا على وضوء فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه. رواه عبد الرزاق
بسند رجاله ثقات إلا يحيى القتات وهو صدوق فيه كلام ولتصدق رؤياه وليكون أبعد من تلاعب
الشيطان به (ثم اضطجع على شقك) بكسر الشين المعجمة جانبك (الأيمن) لأنه أسرع للاستيقاظ
لتعلق القلب إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم (وقل اللهم أسلمت نفسي إليك) ولأبي ذر وجهي
بدل نفسي قيل ذاتي أي جعلت نفسي منقادة لك تابعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها ولا على
جلب ما ينفعها إليها ولا على دفع ما يضرها عنها (وفوّضت أمري إليك) أي توكلت عليك في
أمري كله لتكفيني همه وتتولى صلاحه (والجأت ظهري إليك) أي اعتمدت في أموري عليك
لتعينني على ما ينفعني لأن من استند إلى شيء تقوّى به (رهبة) خوفًا من أليم عقابك (ورغبة
إليك) أي طمعًا في رفدك وثوابك وهما متعلقان بالإِلجاء وأسقط من مع ذكر الرهبة وأعمل إلى مع
ذكر الرغبة على طريق الاكتفاء (لا ملجأ) بالهمز أي لا مهرب (ولا منجى) بالقصر لا مخلص (منك
إلا إليك) ويجوز همز منجأ للازدواج وأن يترك الهمز فيهما وأن يهمز المهموز ويترك الآخر. وقال
في الكواكب، في أواخر الوضوء هذان اللفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في منك وإن كانا
ظرفين فلا إذ اسم المكان لا يعمل وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجى إلا إليك
(آمنت بكتابك) القرآن (الذي أنزلت) ، على رسولك وج لر وهو يتضمن الإيمان بجميع كتب الله
المنزلة (وبنبيك) محمد (الذي أرسلت) ـه والإيمان به مستلزم للإيمان بكل الأنبياء (فإن مت) زاد في
الوضوء من ليلتك (مت على الفطرة) أي دين الإِسلام قال الشيخ أكمل الدين الحنفي في شرحه
لمشارق الأنوار.
فإن قلت: إذا مات الإنسان على إسلامه ولم يكن ذكر من هذه الكلمات شيئًا فقد مات على
الفطرة لا محالة فما فائدة ذكر هؤلاء الكلمات؟ أجيب: بتنويع الفطرة ففطرة القائلين فطرة المقربين

٣١٦
کتاب الدعوات/ باب ٧
الصالحين وفطرة الآخرين فطرة عامة المؤمنين ورد بأنه يلزم أن يكون للقائلين فطرتان فطرة المؤمنين
وفطرة المقربين. وأجيب: بأنه لا يلزم ذلك بل إن مات القائلون فهم على فطرة المقربين وغيرهم
لهم فطرة غيرهم اهـ.
وعند أحمد من رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة بني له بيت في الجنة بدل
قوله مات على الفطرة (واجعلهن) أي الكلمات ولأبي ذر فاجعلهن بالفاء بدل الواو (آخر ما تقول)
تلك الليلة قال البراء: (فقلت استذكرهن) أي الكلمات (وبرسولك الذي أرسلت) ـه (قال) وَلجو
(لا) تقل ورسولك بل قل (ونبيك الذي أرسلت) ـ، لأنه ذكر ودعاء فينبغي أن يقتصر فيه على
اللفظ الوارد بحروفه لأن الإجابة ربما تعلقت بتلك الحروف أو لعله أوحي إليه بها فتعين أداؤها
بلفظها .
والحديث سبق في آخر كتاب الوضوء قبل الغسل.
٧ - باب ما يَقُولُ إِذا نامَ
(باب ما يقول) الشخص (إذا نام).
٦٣١٢ - حدثنا قَبِيصَةٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيّ بْنِ حِراشٍ، عَنْ حُذَيْفَةً
قالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذا أَوَى إِلى فِراشِهِ قالَ: (بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَخْيا)) وَإِذا قامَ، قَالَ: ((الْحَمْدُ للَّهِ
الَّذِي أَخيانا بَعْدَ ما أَماتَنَا وَإِلَيْهُ النُّشُورُ)). تُنْشِرُها: تُخْرِجُها.
وبه قال: (حدثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة صاد مهملة ابن
عقبة الكوفي قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن عبد الملك) بن عمير (عن ربعي بن حراش) بكسر
الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد التحتية وحراش بالحاء المهملة المكسورة وبعد
الراء ألف فشين معجمة (عن حذيفة) رضي الله عنه ولأبي ذر زيادة ابن اليمان أنه (قال: كان
النبي ◌َ ﴿ إذا أوى) بقصر الهمزة (إلى فراشه) دخل فيه (قال):
(باسمك) بوصل الهمزة (أموت وأحيا) بفتح الهمزة أي بذكر اسمك أحيا ما حييت وعليه
أموت أو المراد باسمك المميت أموت وباسمك المحيي أحيا إذ معاني الأسماء الحسنى ثابتة له تعالى
فكل ما ظهر في الوجود فهو صادر عن تلك المقتضيات (وإذا قام) من النوم (قال: الحمد لله
الذي أحيانا بعدما أماتنا) قال ابن الأثير: سمي النوم موتًا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً
وتشبيهًا اهـ.
قال الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ أي يسلب ما هي به حية حساسة دراكة
﴿والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢] أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها أي يتوفاها
حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرّفون كما أن الموتى كذلك، وقيل يتوفى

٣١٧
کتاب الدعوات/ باب ٧
الأنفس التي لم تمت في منامها هي أنفس التمييز فالتي تتوفى في المنام هي نفس التمييز لا نفس
الحياة لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس ولكل إنسان نفسان نفس الحياة
التي تفارقه عند الموت، والأخرى نفس التمييز التي تفارقه إذا نام. وعن ابن عباس في ابن آدم
نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس التي بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس
والتحرك فإذا نام الإنسان قبض الله نفسه ولم يقبض روحه (وإليه) تعالى (النشور) الإحياء للبعث
يوم القيامة .
فإن قيل: ما سبب الشكر على الانتباه من النوم؟ أجاب في شرح المشكاة: بأن انتفاع
الإِنسان بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه وتوخي طاعته والاجتناب عن سخطه وعقابه فمن نام
زال عنه هذا الانتفاع ولم يأخذ نصيب حياته وكان كالميت فكان قوله الحمد لله شكرًا لنيل هذه
النعمة وزوال ذلك المانع.
(تنشرها): بالفوقية المضمومة أوّله أي (تخرجها) كذا في الفرع وأصله وهو ثابت في رواية
الحموي والذي في القرآن ننشرها بالنون ورواه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
والحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد، وأبو داود في الأدب، والترمذي، وأخرجه
النسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة في الدعاء.
٦٣١٣ - حدثنا سَعْدُ بْنُ الرَّبِيع، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحُقَ،
سَمِعَ الْبَراءَ بْنَ عازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَمَرَ رَجُلاً وَحَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحِلُقَ
الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ الْبَراءِ بْنِ عازِبٍ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ أَوْصى رَجُلاً فَقالَ: ((إِذا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ:
اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ،
رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجا ولا مَنْجا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِّكَ الَّذِي
أَرْسَلتَ، فَإِنْ مُتَّ، مُثَّ عَلَى الْفِطْرَةِ».
وبه قال: (حدثنا سعد بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وسعد في الفرع بسكون العين
والذي في اليونينية وهو الصواب سعيد بكسرها ثم تحتية البصري (ومحمد بن عرعرة) بفتح فسكون
ففتح مهملات (قالا: حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه
(سمع) ولأبي ذر: سمعت (البراء بن عازب) رضي الله عنه (أن النبي ◌َليقر أمر رجلاً) زاد أحمد:
من الأنصار. قال البخاري:
(وحدثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدثنا أبو إسحاق)
عمرو بن عبد الله (الهمداني) بفتح الهاء وسكون الميم بعدها دال مهملة السبيعي (عن البراء بن
عازب) رضي الله عنه ولأبي ذر عن الحموي عن أبي إسحاق سمعت البراء بن عازب. قال في

٣١٨
کتاب الدعوات/ باب ٨
الفتح: والأول أصوب وإلا لكان موافقًا للرواية الأولى من كل وجه (أن النبي وَليزر أوصى رجلاً)
هو البراء راوي الحديث (فقال):
(إذا أردت مضجعك فقل اللهم أسلمت نفسي إليك) جعلتها منقادة لك (وفوضت أمري
إليك) لتتولى صلاحه (ووجهت وجهي) أي ذاتي (إليك) وهذه ليست في الرواية السابقة في الباب
قبل هذا (وألجأت) أسندت (ظهري إليك) قال في شرح المشكاة: في قوله أسلمت نفسي إليك
إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه وقوله وجهت وجهي إليك إلى أن ذاته
مخلصة له تعالى بريئة من النفاق، وفوضت إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوّضة إليه لا مدبر لها
غيره، وألجأت بعد قوله وفوضت تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره
(رغبة ورهبة إليك) منصوبان على المفعول له على طريقة اللف والنشر أي فوّضت أمري إليك رغبة
وألجأت ظهري من المكاره والشدائد إليك رهبة منك لأنه (لا ملجأ ولا منجا) بالقصر فيهما في
الفرع كأصله للازدواج (منك) إلى أحد (إلا إليك آمنت بكتابك) القرآن المستلزم الإِيمان به الإيمان
بسائر الكتب السماوية (الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت) من ليلتك (مت على الفطرة)
الإِسلامية.
وسبق هذا الحديث قريبًا وفي الوضوء.
٨ - باب وَضْع الْيَدِ الْيُمْنى تَحْتَ الْخَدّ الأَيْمَنِ
(باب) استحباب (وضع اليد اليمنى تحت الخد الأيمن) ولأبي ذر: اليمنى على تأنيث الخد
لغة فيه لكن رأيت في حاشية الفرع كأصله. قال ابن سيده في المحكم، قال الجياني: وهو مذكر
لا غير وسقط لأبي ذر قوله الیمنی من قوله اليد اليمنى.
٦٣١٤ - حدثني مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيّ، عَنْ
حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيِّ وَ إِذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدّهِ ثُمَّ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَخْيا))، وَإِذا اسْتَيْقَظَ قالَ: ((الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحيانَا بَعْدَ ما أَماتَنَا
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي
قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه (عن عبد الملك) بن عمير (عن ربعي) بكسر الراء
وسكون الموحدة ابن حراش (عن حذيفة) بن اليمان (رضي الله عنه) أنه (قال: كان النبي وَل و إذا
أخذ مضجعه) بفتح الجيم (من الليل) صلة لأخذ على طريق الاستعارة لأن لكل أحد حظًا منه
وهو السكون والنوم فكأنه يأخذ منه حظه ونصيبه قال الله تعالى: ﴿جعل لكم الليل لتسكنوا فيه﴾
[يونس: ٦٧] فالمضجع على هذا يكون مصدرًا (وضع يده) زاد أحمد من طريق شريك عن

٣١٩
كتاب الدعوات/ باب ٩
عبد الملك بن عمير اليمنى (تحت خده) وبهذه الزيادة يحصل الغرض من الترجمة وجرى المؤلف على
عادته في الإشارة إلى ما وقع في بعض طرق الحديث (ثم يقول):
(اللهم باسمك) بذكر اسمك (أموت وأحيا) بفتح الهمزة (وإذا استيقظ قال) الحمد لله
الذي أحيانا بعدما أماتنا) أي رد أنفسنا بعد أن قبضها عن التصرف بالنوم والنوم أخو الموت (وإليه
النشور) الإِحياء بعد الإماتة والبعث يوم القيامة.
والحديث سبق قريبًا .
٩ - باب النَّوْم عَلَى الشّقّ الأَيْمَنِ
(باب) استحباب (النوم على الشق الأيمن).
٦٣١٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْواحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، قالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْبَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِذا أَوَى إِلى فِراشِهِ نامَ عَلى شِقْهِ
الأَيْمَنِ ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ،
وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي
أَنْزَلْتَ وَنَبِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ قالَهُنَّ ثُمَّ ماتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ ماتَ عَلَى
الْفِطْرَةِ». ﴿اسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦] مِنَ الرَّهْبَةِ مَلَكُوتْ: مُلْكٌ مثلُ رَهَبُوتْ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوت
تَقُولُ: تَرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ.
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم
البصري قال: (حدثنا العلاء بن المسيب) بفتح التحتية ابن رافع الأسدي (قال: حدثني) بالإِفراد
(أبي) المسيب بن رافع الكاهلي (عن البراء بن عازب) رضي الله عنهما أنه (قال: كان
رسول الله ◌َ﴿ إذا أوى) بقصر الهمزة (إلى فراشه) دخل فيه (نام على شقه الأيمن) بكسر الشين
المعجمة (ثم قال):
(اللهم أسلمت نفسي) ذاتي (إليك ووجهت وجهي) قصدي (إليك وفوضت أمري إليك) إذ لا
قدرة لي على صلاحه (وألجأت ظهري إليك) أي توكلت عليك واعتمدتك في أمري كما يعتمد
الإنسان بظهره إلى ما يسنده (رغبة) طمعًا في ثوابك (ورهبة إليك) خوفًا من عقابك وأخرج النسائي
وأحمد من طريق حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن عبيدة عن البراء بن عازب رهبة منك ورغبة
إليك (لا ملجأ) بالهمز (ولا منجا) بغير همز وفتح الميم فيهما (منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي
أنزلت) اسم جنس شامل لكل كتاب سماوي (ونبيك) ولأبي ذر وبنبيك (الذي أرسلت) وفي رواية
أبي زيد المروزي أرسلته وأنزلته بزيادة الضمير فيما (وقال رسول الله وَالقر: من قالهن ثم مات تحت
ليلته). قال في شرح المشكاة فيه إشارة إلى وقوع ذلك قبل أن ينسلخ النهار من الليل وهو تحته، أو

٣٢٠
كتاب الدعوات/ باب ١٠
المعنى بالتحت أنه مات تحت نازل ينزل عليه في ليلته (مات على الفطرة) أي على الدين القويم ملة
إبراهيم فإنه عليه الصلاة والسلام أسلم واستسلم. وقال جماعة: دين الإِسلام، وقد تكون الفطرة
بمعنى الخلقة كقوله تعالى ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠] قال الكرماني: وهذا
الذكر مشتمل على الإِيمان بكل ما يجب به الإِيمان إجمالاً من الكتب والرسل من الإلهيات والنبوّات
وعلى إسناد الكل إلى الله من الذوات ويدل عليه الوجه، ومن الصفات، ويدل عليه الأمور ومن
الأفعال ويدل عليه إسناد الظهر مع ما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه وهذا بحسب المعاش
وعلى الاعتراف بالثواب والعقاب خيرًا وشرًا وهذا بحسب المعاد.
(استرهبوهم﴾﴾ [الأعراف: ١١٦] في سورة الأعراف هو (من الرهبة) وهي الخوف
(ملكوت) تفسيره (ملك) بضم الميم وسكون اللام (مثل رهبوت) بفتح الميم والمثلثة مصححًا عليه
في اليونينية (خير من رحموت) في الوزن (تقول: ترهب خير من أن ترحم) بفتح الأول والثالث
فيهما كذا في الفرع وأصله بفتح المثناة الفوقية فيهما مصلحًا على كشط وفي غيرهما بضمها أي لأن
ترهب خير من أن ترحم، وسقط قوله استرهبوهم الخ لأبي ذر كذا في الفرع وأصله. وقال
الحافظ: وقع في مستخرج أبي نعيم في هذا الفرع ما نصه استرهبوهم الخ ولم أره لغيره هنا.
وقال العيني: هذا لم يقع في بعض النسخ وليس لذكره مناسبة هنا، وإنما وقع هذا في مستخرج
أبي نعيم.
١٠ - باب الدُّعاءِ إِذَا أَنْتَبَهَ بِاللَّيْلِ
(باب) استحباب (الدعاء إذا انتبه بالليل) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من الليل.
٦٣١٦ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيِّ نَّهِ فَأَتَى حَاجَتَهُ غَسَلَ وَجْهَهُ
وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ
فَصَلَّى فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةً أَنْ يَرى أَنّي كُنْتُ أَزْقُبُهُ فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ يُصَلّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسارِهِ
فَأَخَذَّ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلاتُهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنامَ حَتَّى نَفَخَ،
وَكَانَ إِذا نامَ نَفَخَ فَذَهُ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعائِهِ: ((اللَّهُمَّ أَجْعَلْ
فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسارِي نُورًا،
وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَأَجْعَلْ لِي نُورًا))، قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعٌ فِي
التَّابُوتِ فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ، فَذَكَرَ عَصَبِي وَلَخْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي
وَذَكَّرَ خَصْلَتَيْنِ.