Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
کتاب الأدب/ باب ٥٥ و٥٦
(قال وهيب): بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد البصري بالسند السابق (عن خالد: ويلك)
بدل ويحك في الرواية السابقة، وويلك كلمة حزن وهلاك، ولأبي ذر فقال: ويلك.
والحديث ذكر في الشهادات فيما سبق والله الموفق وبه المستعان.
٥٥ - باب مَنْ أَثْنِ عَلى أَخِيهِ بِما يَعْلَمُ وَقالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َه
يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلاَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلام
(باب من أثنى على أخيه) المسلم (بما يعلم) من الخير من غير إطراء ولا مبالغة مع الأمن
من إعجاب الممدوح وعدم فتنته بذلك.
(وقال سعد): هو ابن أبي وقاص مما سبق موصولاً في مناقب عبد الله بن سلام (ما
سمعت النبي ◌َّه يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام)
بالتخفيف. واستشكل الحصر بما ثبت من أنه وَ ل# بشر العشرة بذلك كما هو معروف وأجيب:
بأن سعدًا لم يسمع ذلك منه وَلّ.
٦٠٦٢ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ
أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزارِ ما ذَكَرَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِزارِي يَسْقُطُ
مِنْ أَحَدِ شِقَيْهِ قَالَ: (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ)).
وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا
موسى بن عقبة) صاحب المغازي (عن سالم عن أبيه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضي الله
عنهما (أن رسول الله وَّفي حين ذكر في الإزار ما ذكر) حيث قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله
إليه (قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (يا رسول الله إزاري يسقط) أي يسترخي (من أحد
شقيه) بكسر الشين المعجمة وفتح القاف مشددة (قال) وَال:
(إنك لست منهم) أي لست ممن يصنعه خيلاء فمدحه وَّر بما فيه، والصديق بلا ريب
يؤمن منه الإعجاب والكبر، ولا يدخل ذلك في المنع كما لا يخفى فيجوز الثناء على الإنسان بما
فيه من الفضل على وجه الإعلام لیقتدى به فيه.
والحديث مرّ في اللباس.
٥٦ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَذْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبِى وَيَنْهِى عَنِ الْفَخْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
[يونس: ٢٣] ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلى مُسْلِمٍ أَوْ كافِرٍ.
إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٦

٨٢
كتاب الأدب/ باب ٥٦
(باب قول الله تعالى ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾) بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم
وإيصال كل ذي حق إلى حقه ﴿والإحسان﴾ إلى من أساء إليكم أو الفرض والندب لأن الفرض
لا بدّ من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب ﴿وإيتاء ذي القربى) وإعطاء ذي القرابة وهو صلة
الرحم ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ عن الذنوب المفرطة في القبح ﴿والمنكر﴾ ما تنكر العقول ﴿والبغي﴾
طلب التطوّل بالظلم والكبر ﴿يعظكم﴾ حال أو مستأنف ﴿لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠] أي
تتعظون بمواعظ الله، وسقط لأبي ذر ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ إلى آخره وقال بعد ﴿والإحسان﴾
الآية.
(وقوله) تعالى: (﴿إنما بغيكم على أنفسكم)) [يونس: ٢٣] أي ظلمكم يرجع عليكم كقوله
تعالى من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وقوله عز وجل: (﴿ثم بغي عليه لينصرنه الله﴾)
[الحج: ٦٠] عطف على سابقه أي من جازى بمثل ما فعل به من الظلم ثم ظلم بعد ذلك فحق
على الله أن ينصره، ولأبي ذر: ومن بغي بالواو بدل ثم والأولى هي الموافقة للتنزيل فيحتمل أن
تكون الواو سبق قلم من المصنف أو ممن بعده، وزاد أبو ذر لفظ: الآية. (وترك إثارة الشر) أي
وباب تهييج الشر (على مسلم أو كافر).
٦٠٦٣ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَكْثَ النَّبِيِّ نََّ كَذا وَكَذا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلا يَأْتِي قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَقالَ لِي ذاتَ يَوْمِ: ((يا عائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ تَعالى أَقْتانِي فِي أَمْرِ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلانٍ فَجَلَسَ
أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ، وَالآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بالُ الرَّجُلِ؟
قالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُورًا، قال: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي
جُفْ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشاطَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِثْرِ ذَرْوَانَ))، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َّرِ فَقالَ: ((هذِهِ الْبِثِرُ
الَّتِي أُرِيتُها كَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِها رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ ماءَها نُقاعَةُ الْحِنَّاءِ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيِّ نَمول
فَأُخْرِجَ قالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلاَ تَعْنِي تَنَشَّرْتَ؟ فَقالَ النَّبِيُّ وَّرِ: ((أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ
شَفَانِي، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أَثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا)) قالَتْ: وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ
حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
وبه قال: (حدثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال:
(حدثنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة رضي الله عنها) أنها
(قالت: مكث النبي (و18َ) بفتح الكاف وضمها (كذا وكذا) وقال العيني: أيامًا. وقال في
المصابيح: فسر هذا في النسائي بشهرين وللإسماعيلي مما سبق في الطب أربعين ليلة وعند أحمد
ستة أشهر، وفي موطأ مالك بإسناد صحيح سنة وهو المعتمد وهذا في حديث السحر الذي صنعه
لبيد بن الأعصم (يخيل إليه أنه يأتي) أي يباشر (أهله ولا يأتي) ولا يباشر (قالت عائشة) رضي الله

٨٣
كتاب الأدب/ باب ٥٦
عنها (فقال) وَّر: (لي ذات يوم) من إضافة المسمى إلى اسمه:
(يا عائشة إن الله) عز وجل (أفتاني في أمر) أي في أمر التخييل (استفتيته فيه أتاني رجلان)
هما جبريل وميكائيل كما عند ابن سعد في رواية منقطعة (فجلس أحدهما عند رجلي) بتشديد
التحتية على التثنية (والآخر) وهو جبريل (عند رأسي فقال الذي عند رجلي) بالتثنية وهو ميكائيل
(للذي عند رأسي: ما بال الرجل) يريد النبي ◌َّه وفي الطب: ما وجع الرجل (قال: مطبوب)
قال الراوي مما أدرجه (يعني مسحورًا قال): ميكائيل لجبريل (ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم)
وكان ساحرًا منافقًا وفي مسلم أنه كان كافرًا (قال) أي ميكائيل (وفيم)؟ سحره (قال): أي جبريل
(في جف طلعة) بضم الجيم وتشديد الفاء مضافًا لطلعة وتنوينها (ذكر) صفة لجف وهو وعاء
الطلع (في مشط ومشاطة تحت رعوفة) براء مفتوحة فعين مهملة مضمومة وبعد الواو الساكنة فاء
وهو حجر يكون في قعر البئر يقعد عليه المائح بالتحتية ليملأ دلو الماتح كذا نقل عن الحافظ أبي
ذر وقيل غير ذلك كما مر (في بئر ذروان) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء (فجاء النبي وَيُر) في
جماعة من أصحابه (فقال: هذه البئر التي أريتها) بهمزة مضمومة فراء مكسورة (كأن رؤوس
نخلها) أي نخل البستان التي هي فيه (رؤوس الشياطين) في قبح منظرها (وكان ماءها نقاعة
الحناء) في حمرة لونه ونقاعة بضم النون بعدها قاف والحناء ممدود أي أنه تغير لرداءته أو لما خالطه
مما ألقي فيه (فأمر به النبي ◌َّه) أي بصورة ما في الجف من المشط والمشاطة وما ربط فيه (فأخرج)
من البئر (قالت عائشة) رضي الله عنها: (فقلت يا رسول الله فهلا تعني) عائشة (تنشرت) بتشديد
الشين المعجمة والنشرة الرقية التي بها حل عقد الرجل عن مباشرة امرأته، ولغير أبي ذر يعني
بالتحتية بدل الفوقية (فقال النبي وَلقر: أما الله) بتشديد الميم (فقد شفاني) منه (وأما أنا فأكره أن
أثير) بضم الهمزة بعدها مثلثة (على الناس شرّا) باستخراجه من الجف لئلا يروه فيتعلموه إن أرادوا
السحر (قالت) عائشة رضي الله عنها (لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف) بفتح الحاء
المهملة وكسر اللام معاهد (اليهود) ولأبي ذر عن الكشميهني: لليهود بزيادة لام.
ومطابقة الآيات المذكورة وترجمة الباب مع الحديث كما هو ملخص من قول الخطابي إن الله
تعالى لما نهى عن البغي واعلم أن ضرر البغي إنما هو راجع إلى الباغي وضمن النصر لمن بغي عليه
كان حق من بغي عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه بأن يعفو عمن بغي عليه وقد امتثل النبي وَل
ذلك فلم يعاقب الذي كاده بالسحر مع قدرته على ذلك، وقال في الفتح: ويحتمل أن تكون
المطابقة من جهة أنه * ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس منه شر فسلك مسلك
العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر شيء من أثر الضرر الناشىء عن السحر وسلك مسلك
الإحسان في ترك عقوبة الجاني.
والحديث سبق في باب السحر من الطب والله الموفق والمعين.

٨٤
كتاب الأدب/ باب ٥٧
٥٧ - باب ما يُتْهِى عَنِ التَّحاسُدِ وَالتَّدابُرِ وَقَوْلِهِ تَعالى:
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]
(باب ما ينهى عن التحاسد) ولأبي ذر عن الكشميهني من التحاسد المذموم وهو تمني زوال
النعمة عن المحسود وتكون للحاسد دونه (و) عن (التدابر) بضم الموحدة بأن يدبر كل واحد عن
صاحبه بأن يعطيه دبره وقفاه فيعرض عنه ويهجره.
(وقوله تعالى): ولأبي ذر وقول الله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق: ٥] أي إذا
أظهر حسده وعمل بمقتضاه لأنه إذا لم يظهر فلا ضرر يعود منه على من حسده بل هو الضار
لنفسه لاغتمامه بسرور غيره وهو الأسف على الخير عند الغير والاستعاذة من هذه مع سابقها بعد
الاستعاذة من شر ما خلق إشعار بأن شر هؤلاء أشد، وختم بالحسد ليعلم أنه شرها وهو أول
ذنب عصي الله به في السماء من إبليس وفي الأرض من قابيل، وأقوى أسباب الحسد العداوة،
ومنها خوفه من تكبر غيره عليه بنعمة فيتمنى زوالها عنه ليقع التساوي بينه وبينه، ومنها حب
الرياسة فمتى تفرد بفن وأحب الرياسة وصارت حالته إذا سمع في أقصى العالم بنظيره أحب موته
أو زوال تلك النعمة عنه وآفاته كثيرة، وربما حسد عالمًا فأحب خطأه في دين الله وانكشافه أو
بطلان علمه بخرس أو مرض فليتأمل ما فيه من مشاركة أعداء الله بسخط قضائه وكراهة ما قسمه
لعباده ومحبة زوالها عن أخيه المؤمن ونزول البلاء به.
قال بعضهم: الحاسد جاحد لأنه لا يرضى بقضاء الواحد فالعجب من عاقل يسخط ربه
بحسد يضره في دينه ودنياه بلا فائدة بل ربما يريد الحاسد زوال نعمة المحسود فتزول عن الحاسد
فيزداد المسود نعمة إلى نعمته والحاسد شقاوة على شقاوته. نسأل الله العفو والعافية.
٦٠٦٤ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إِيَّكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَحَسَّسُوا وَلا
تَجَسَّسُوا وَلا تَحاسَدُوا، وَلا تَدابَرُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إِخْوانًا)).
وبه قال: (حدثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة أبو محمد السختياني المروزي
قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدثنا (عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين المهملة ابن
راشد (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة وتشديد ميم همام بعد فتح (عن أبي هريرة) رضي
الله عنه (عن النبي وَّر) أنه (قال):
(إياكم والظن) أي اجتنبوه فلا تتهموا أحدًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها (فإن
الظن أكذب الحديث) فلا تحكموا بما يقع منه كما يحكم بنفس العلم لأن أوائل الظنون خواطر لا
يملك دفعها والمرء إنما يكلف بما يقدر عليه دون ما لا يملكه. واستشكل تسمية الظن كذبًا فإن

٨٥
کتاب الأدب/ باب ٥٧
الكذب من صفات الأقوال. وأجيب: بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولاً أو فعلاً أو
المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازًا (ولا تحسسوا) بالحاء المهملة (ولا تجسسوا) بالجيم
وفي بعض النسخ وهو رواية أبي ذر بتقديم الجيم على الحاء وأصلهما بالتاءين الفوقيتين فحذف من
كل منهما إحداهما تخفيفًا. قال الحربي فيما نقله عن السفاقسي: معناهما واحد وهو تطلب الإخبار
فالثاني للتأكيد كما قاله ابن الأنباري، وقال الحافظ أبو ذر: بالحاء الطالب لنفسه وبالجيم لغيره،
وقيل بالجيم البحث عن عورات الناس وبالحاء استماع حديثهم، وقيل بالجيم البحث عن بواطن
الأمور وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين أو الأذن، وقيل بالجيم الذي يعرف الخبر بتلطف
ومنه الجاسوس وبالحاء الذي يطلب الشيء بحاسته كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية. نعم لو
تعين التجسس طريقًا إلى إنقاذ نفس من الهلاك أو منع من زنا ونحوهما شرع كما لا يخفى (ولا
تحاسدوا) بإسقاط إحدى التاءين والتحاسد هو أعم من أن يسعى في إزالة تلك النعمة عن
مستحقها أم لا فإن سعى كان باغيًا وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولا تسبب فيه فإن كان المانع
عجزه بحيث لو تمكن فعل فآثم، وإن كان المانع التقوى فقد يعذر لأنه لا يملك دفع الخواطر
النفسانية فيكفيه في مجاهدة نفسه عدم العمل والعزم عليه، وفي حديث إسماعيل بن أمية عند
عبد الرزاق مرفوعًا: ((ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد)) قيل: فما المخرج منهن يا
رسول الله؟ قال: ((إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ)) (ولا تدابروا)
بحذف إحدى التاءين للتخفيف أي لا تهاجروا فيولي كل واحد منكما دبره لصاحبه حين يراه لأن
من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره بخلاف من أحب (ولا تباغضوا) بحذف إحدى التاءين
أي لا تتعاطوا أسباب البغض نعم إذا كان البغض لله عزّ وجل (وكونوا) يا (عباد الله إخوانًا)
باكتساب ما تصيرون به كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والنصيحة.
٦٠٦٥ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحاسَدُوا وَلا تَدابَرُوا وَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إِخْوانًا،
وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ)). [الحديث ٦٠٦٥ - طرفه في: ٦٠٧٦].
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أنس بن مالك رضي الله عنه أن
رسول الله وَالخير قال):
(لا تباغضوا) حقيقته أن يقع بين اثنين وقد يكون من واحد وكذا ما بعده وهو قوله (ولا
تحاسدوا ولا تدابروا) قيل معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر لأن المستأثر يولي دبره حين يستأثر
بشيء دون الآخر، وقال إمام الأئمة مالك في موطئه: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام
يدبر عنه بوجهه (وكونوا عباد الله إخوانًا) قال في شرح المشكاة: إخوانًا يجوز أن يكون خبرًا بعد
خبر وأن يكون بدلاً أو هو الخبر وقوله عباد الله منصوب على الاختصاص بالنداء وهذا الوجه

٨٦
کتاب الأدب/ باب ٥٨
أوقع يعني أنتم مستوون في كونكم عبيد الله وملتكم ملة واحدة فالتباغض والتحاسد والتدابر
مناف لحالكم، فالواجب عليكم أن تكونوا إخوانًا متواصلين متألفين (ولا يحل لمسلم أن يهجر
أخاه) في الإسلام (فوق ثلاثة أيام) تخصيص الأخ بالذكر إشعار بالعلية ومفهومه أنه إن خالف هذه
الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجرانه فوق ثلاثة فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على ممرّ
الأوقات ما لم تظهر التوبة والرجوع إلى الحق.
٥٨ - باب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الظَّنَّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ٢]
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية أبي ذر ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من
الظن﴾ يقال جنبه الشر إذا أبعده عنه وحقيقته جعله في جانب فيتعدى إلى مفعولين قال الله
تعالى: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] ومطاوعة اجتنب الشر فنقص مفعولاً
والمأمور باجتنابه هو بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا ترى إلى قوله: ﴿إن بعض
الظن إثم﴾ يستحق صاحبه العقاب. قال الفراء: هو ظنك بأهل الخير سوءًا فأما أهل الفسق فلنا
أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم، ويجوز أن يكون من مجاز الحذف تقديره اجتنبوا كثيرًا من
اتباع الظن إن اتباع بعض الظن كذب ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ٢] أي لا تتبعوا عورات
المسلمين ومعايبهم.
٦٠٦٦ - هذالنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِكْ، عَنْ أَبِي الزُنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا
تَحَسَّسُوا وَلا تَجَسَّسُوا وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَحاسَدُوا وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدابَرُوا، وَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ
إِخوانًا)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد)
عبد اللَّه بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله ◌َ﴾ قال):
(إياكم) كلمة تحذير (والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا) وقد فهم من
الآية السابقة. وهذا الحديث الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقديم النهي عن الخوض فيه
بالظن فإن قال: الظان: أبحث لأتحقق قيل له ﴿ولا تجسسوا﴾ فإن قال: تحققته من غير تجسس
قيل ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا﴾ (ولا تناجشوا) بالنون بعد الفوقية وبعد الألف جيم فشين معجمة
مضمومة من النجش وهو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها بل ليوقع غيره فيها (ولا
تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا).

٨٧
كتاب الأدب/ باب ٥٩ ٦٠٬
٥٩ - باب ما يَكُونُ مِنَ الظَّنِّ
(باب ما يكون) ولأبي ذر عن الكشميهني ما يجوز (من الظن).
٦٠٦٧ - حدثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((ما أَظُنُّ فُلانًا وَفُلانًا يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنا شَيْئًا)). قالَ اللَّيْثُ: كانا
رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنافِقِينَ. [الحديث ٦٠٦٧ - طرفه في: ٦٠٦٨].
وبه قال: (حدثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء هو سعيد بن
كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري مولاهم البصري قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن
عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري
(عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: قال النبي ◌َّ):
(ما أظن فلانًا وفلانًا) قال: الحافظ ابن حجر لم أقف على تسميتهما (يعرفان من ديننا) دين
الإسلام (شيئًا) (قال الليث) بن سعد (كانا رجلين من المنافقين) فالظن فيهما ليس من الظن المنهي
عنه لأنه في مقام التحذير من مثل من كان حاله كحال الرجلين والنهي إنما هو عن ظن السوء
بالمسلم السالم في دينه وعرضه فالنفي في الحديث لظن النفي لا لنفي للظن، وفي الترجمة إثبات
الظن فلا تنافي بينه وبين الترجمة.
٦٠٦٨ - حدّثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهِذا، وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ نَّهِ يَوْمًا
وَقالَ: ((يا عائِشَةُ ما أَظُنُّ فُلانًا وَفُلانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ)).
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) المخزومي المصري قال: (حدثنا الليث) بن سعد (بهذا)
الحديث المذكور (و) فيه (قالت) عائشة رضي الله عنها (دخل عليّ) بتشديد الياء (النبي) رفع فاعل
(مَ﴿ يومًا) نصب على الظرف (وقال):
(يا عائشة ما أظن فلانًا وفلانًا) بنفي الظن (يعرفان ديننا الذي نحن علينا) وهو دين
الإسلام.
٦٠ - باب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلى نَفْسِهِ
(باب ستر المؤمن على نفسه) إذا صدر منه ما يعاب.
٦٠٦٩ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنٍ
شِهابٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعاقَى، إِلا الْمُجَاهِرُونَ وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ

٨٨
كتاب الأدب/ باب ٦٠
عَمّلاً، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولُ: يا فُلانُ عَمِلْتُ الْبارِحَةَ كَذَا وَكَذا وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ
وَيُصبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».
وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه) الأويسي قال: (حدثنا إبراهيم بن سعد) بسكون
العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن أخي ابن شهاب) محمد بن عبد الله بن
مسلم الزهري (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن سالم بن عبد اللَّه) بن عمر بن الخطاب أنه
(قال: سمعت أبا هريرة) رضي الله عنه (يقول: سمعت رسول الله رَلجل يقول):
(كل أمتي) المسلمون (معافى) بضم الميم وفتح الفاء مقصورًا اسم مفعول من العافية أي يعفى
عن ذنبهم ولا يؤاخذون به (إلا المجاهرون) بكسر الهاء إلا المعلنون بالفسق لاستخفافهم بحق الله
تعالى ورسوله وصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم. وقوله: المجاهرون بالرفع وصحح
عليه بالفرع وهو رواية النسفي، وشرح عليها ابن بطال والسفاقسي، وأجازه الكوفيون في
الاستثناء المنقطع. وقال ابن مالك الأعلى هذا بمعنى لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون
فالمجاهرون مبتدأ والخبر محذوف. قال في المصابيح: هذا الباب الذي فتحه ابن مالك يؤدي إلى
جواز الرفع في كل مستثنى من كلام تام موجب مثل قام القوم إلاّ زيد إذ يكون الواقع بعد إلا
مرفوعًا بالابتداء والخبر محذوف وهو مقدر بنفي الحكم السابق وينقلب كل استثناء متصل منقطعًا
بهذا الاعتبار ومثله غير مستقيم على ما لا يخفى انتهى.
وفي نسخة إلا المجاهرين بالنصب، وعزاها الحافظ ابن حجر لأكثر رواة البخاري
ومستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم ومسلم وهو الصواب عند البصريين والمجاهر الذي يظهر
معصيته ويكشف ما ستر الله عليه فيحدث به (وإن من المجانة) بفتح الميم والجيم وبعد الألف نون
مخففة أي عدم المبالاة بالقول والفعل، ولأبي ذر عن الكشميهني: من المجاهرة بدل المجانة وقد
ضبب على المجانة في الفرع. وقال القاضي عياض: إنها تصحيف وإن كان معناها لا يبعد هنا لأن
الماجن هو الذي يستهتر في أموره وهو الذي لا يبالي بما قال وما قيل له، وتعقبه في فتح الباري
فقال الذي يظهر رجحانه لأن الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحد أنه من المجاهرة فليس في إعادة
ذكره كبير فائدة، وأما الرواية بلفظ المجانة والمجانة مذمومة شرعًا وعرفًا فيكون الذي يظهر المعصية
قد ارتكب محذورين إظهار المعصية وتلبسه بفعل المجان (أن يعمل الرجل بالليل عملاً) أي معصية
(ثم يصبح) يدخل في الصباح (وقد) أي والحال أن قد (ستره الله) ولأبي ذر عن الكشميهني: وقد
ستره الله عليه (فيقول) لغيره (يا فلان عملت) بضم التاء (البارحة) هي أقرب ليلة مضت من وقت
القول وأصلها من برح إذا زال (كذا وكذا) من المعصية (وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر
الله عنه).
وفي حديث ابن عمر مرفوعًا عند الحاكم: ((اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن
ألم بشيء منها فليستتر بستر الله)).

٨٩
كتاب الأدب/ باب ٦١
٦٠٧٠ - هذثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُخْرِزٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: «يَذْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ
كَتَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ
ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا فَأَنَا أَغْفِرُها لَكَ الْيَوْمَ)) .
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن
قتادة عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون المهملة بعدها راء مكسورة فزاي المازني البصري (أن
رجلاً) لم يسم نعم في الطبراني أن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر حدثني فذكر الحديث،
فيحتمل أن يكون هو الرجل المبهم (سأل ابن عمر) رضي الله عنه (كيف سمعت رسول الله اله
يقول في النجوى) بالنون والجيم وهي المسارة التي تقع بين الله عز وجل وبين عبده المؤمن يوم
القيامة وأصل ذلك أن يخلو في نجوة من الأرض أو من النجاة وهو أن تنجو بسرك من أن يطلع
عليه أحد وأصله المصدر وقد يوصف به فيقال هو نجوى وهم نجوى (قال) وَ لقر:
(يدنو) أي يقرب (أحدكم من ربه) قرب كرامة وعلو منزلة (حتى يضع كنفه) بفتح الكاف
والنون والفاء أي ستره (عليه فيقول) عز وجل له (عملت كذا وكذا) وفي رواية همام السابقة في
المظالم فيقول أتعرف ذنب كذا وكذا (فيقول: نعم، ويقول) عز وجل له (عملت كذا وكذا فيقول
نعم فيقرره) بذنوبه وفي رواية سعيد بن جبير المذكور فيلتفت يمنة ويسرة فيقول لا بأس عليك
إنك في ستري لا يطلع على ذنوبك غيري (ثم يقول: إني سترت عليك) سيئاتك (في الدنيا فأنا)
بالفاء ولأبي ذر وأنا (أغفرها لك اليوم) زاد همام وسعيد وهشام فيعطى كتاب حسناته. والمراد هنا
الذنوب التي بين الله وبين عبده دون مظالم العباد.
وسيكون لنا عودة إلى مبحث ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى بعون الله في موضعه.
واستشكل إيراد هذا الحديث هنا لعدم المطابقة لأن الترجمة لستر المؤمن على نفسه والذي في
الحديث ستر الله على المؤمن. وأجيب: بأن ستر الله مستلزم لستر المؤمن على نفسه.
والحديث سبق في المظالم والتفسير ويأتي إن شاء الله تعالى في التوحيد بعون الله.
٦١ - باب الْكِبْرِ وَقالَ مُجاهِدٌ:
﴿ثانِي عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] مُسْتَكْبِرًا فِي نَفْسِهِ. عِطْفِهِ: رَقَبَتِهِ
(باب) ذم (الكبر) بكسر الكاف وسكون الموحدة وهو ثمرة العجب وقد هلك بهما كثير من
العلماء والعباد والزهاد والكبر هو أن يرى نفسه خيرًا من غيره جهلاً بها وبقدر بارئها تعالى
وبوعده ووعيده والتكبر منع الحق كمن ينصر باطلاً رياءً وازدراءً لخلق الله فكل معجب أو متكبر
بنعمة يأنف ممن هو فقير منها كفرًا للنعمة والرحمة وأنفع شيء لدفعه التفكر في كونه لم یکون شيئًا

٩٠
كتاب الأدب/ باب ٦١
وليس أخس من العدم وحيث صار شيئًا صار جمادًا لا يحس وكان إيجاده من تراب وطين منتن
ونطفة بمكان قذر فأوجد بسمع وبصر وعقل ليعرف به أوصافه وأخرجه تعالى ضعيفًا عاجزًا فرباه
وقواه وعلمه إلى منتهاه ويلازمه مع ذلك مستقذرات كالبول والغائط والسقم والعجز لا يملك ضرًا
ولا نفعًا ولا شيئًا، ومع ذلك قد لا يشكر نعمه ولا يذكر عرض قبائحه وتفرده بقبر موحش عن
محابه وأحبابه فيصير جيفة والأحداق سالت والألوان حالت والرؤوس تغيرت ومالت مع فتان يأتيه
فيقعده يسأله عما كان يعتقده ثم يكشف له من الجنة أو النار مقعده ثم يقاسي أهوال القيامة ثم
يصير إلى النار إن لم يرحمه ربه ومن هذه حالته فمن أين يأتيه الكبر، فالكبرياء والعظمة للرب
القادر لا للعبد العاجز أشار إليه في قوت الأحياء.
(وقال مجاهد): هو ابن جبر فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿ثاني عطفه﴾) [الحج: ٩]
أي (مستكبرًا في نفسه عطفه) أي (رقبته) وقال غيره: أي لاويًا عنقه عن طاعة الله كبرًا وخيلاء.
٦٠٧١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خالِدِ الْقَيْسِيُّ، عَنْ
حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الْخُزَاعِيْ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضاعِفٍ،
لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُثُلٌ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)) .
وبه قال: (حدثنا محمد بن كثير) أبو عبد اللَّه العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال:
(حدثنا معبد بن خالد القيسي) الجدلي بجيم ودال مهملة مفتوحتين الكوفي العابد (عن حارثة بن
وهب الخزاعي) بتخفيف الزاي رضي الله عنه (عن النبي وَي) أنه (قال):
(ألا) بالتخفيف (أخبركم بـ) أغلب (أهل الجنة) هم (كل ضعيف) أي ضعيف الحال لا
ضعيف البدن (متضاعف) بألف بعد الضاد وكسر العين أي متواضع، ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي: متضعف بتشديد العين من غير ألف، ومعنى الكل يستضعفه الناس ويحتقرونه لضعف
حاله في الدنيا أو متواضع متذلل خامل الذكر (لو أقسم) ولأبي ذر لو يقسم (على الله) يمينًا طمعًا
في كرم الله بإبراره (لأبره) وقيل لو دعاه لأجابه (ألا أخبركم بـ) أغلب (أهل النار) هم (كل عتل)
بضم العين المهملة والفوقية وتشديد اللام غليظ جاف (جوّاظ) بفتح الجيم والواو المشددة وبعد
الألف معجمة المنوع أو المختال في مشيته (مستكبر) بكسر الموحدة.
والحديث سبق في تفسيره سورة ن.
٦٠٧٢ - وقال مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مالِكِ قالَ: كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِماءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ فَتَنْطَلِّقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.
(وقال محمد بن عيسى) بن أبي نجيح المعروف بابن الطباع بمهملة مفتوحة فموحدة مشددة
فألف فعين مهملة أبو جعفر البغدادي نزيل أذنة بفتح الهمزة والمعجمة والنون الثقة العالم. قال أبو

٩١
کتاب الأدب/ باب ٦٢
داود: كان يحفظ أربعين ألف حديث، ويشبه أن يكون البخاري أخذ عنه مذاكرة قال: (حدثنا
هشيم) بضم مصغرًا ابن بشير أبو معاوية الواسطي قال: (أخبرنا حميد الطويل) قال: (حدثنا
أنس بن مالك) رضي الله عنه (قال: كانت) ولأبي ذر عن الكشميهني: أن كانت بفتح الهمزة في
اليونينية (الأمة) غير الحرّة (من إماء أهل المدينة) أي أيّ أمة كانت (لتأخذ) بلام التأكيد (بيد
رسول الله (* فتنطلق به حيث شاءت) من الأمكنة ولو كانت حاجتها خارج المدينة. زاد أحمد في
حاجتها وفي أخرى له فيما ينزع يده حتى تذهب به حيث شاءت، والمراد بالأخذ باليد لازمه وهو
الانقياد وفيه غاية تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر وَلقر كثيرًا.
٦٢ - باب الْهِجْرَةِ وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ:
((لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ))
(باب) ذم (الهجرة) بكسر الهاء وسكون الجيم وهي مفارقة كلام أخيه المؤمن مع تلاقيهما
وإعراض كل واحد منهما عن الآخر عند اجتماعهما لا مفارقة الوطن (وقول رسول الله) ولأبي ذر
وقول النبي (مَ ﴿ لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث) ولأبي ذر: ثلاث ليال، وهذا وصله
في هذا الباب عن أبي أيوب.
٦٠٧٣ - ٦٠٧٤ - ٦٠٧٥ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي
عَوْفُ بْنُ مالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهْوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَِّ لأَمِّها أَنَّ عائِشَةَ
حُدْثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قالَ فِي بَيْعِ أَوْ عَطاءِ أَعْطَتْهُ عائِشَةُ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عائِشَةُ أَوْ لِأَحْجُرَنَّ
عَلَيْها فَقالَتْ: أَهُوَ قالَ هذا؟ قالُوا: نَعَّمْ. قالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا
فَأَسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْها حِينَ طالَتِ الْهِجْرَةُ، فَقالَتْ: لاَ وَاللَّهِ لا أُشَفْعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلا أَتَحَنَّثُ إلى
نَذْرِي فَلَمَّا طالَ ذلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ
يَغُوثَ، وَهُما مِنْ بَنِي زُهْرَةً وَقَالَ لَهُما: أَنْشُدُكُما بِاللَّهِ لَمَّا أَدْخَلْتُمانِي عَلى عائِشَةَ فَإِنَّها لا يَحِلُ
لَها أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ مُشْتَمِلَيْنٍ بِأَزْدِيَتِهِما حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلى عَائِشَةَ
فَقالا: السَّلامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا، قالُوا: كُلُّنا قالَتْ: نَعَم
آدْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمْ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ فَأَعْتَقَّ عائِشَةً
وَطَفِقَ يُناشِدُها وَيَبْكِي، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ يُناشِدانِها إِلاَّ ما كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ
وَيَقُولانِ: إِنَّ النَّبِيِّ وَِّ نَهِى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ
ثَلاثِ لَيالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّخْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكْرُهُماَ وَتَبْكِي وَتَقُولُ: إِنِّي
نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ فَلَمْ يَزالا بِها حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَغْتَقَتْ فِي نَذْرِها ذلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً،
وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَها بَعْدَ ذلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبْلَّ دُمُوعُها خِمارَها.

٩٢
كتاب الأدب/ باب ٦٢
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (عوف بن مالك بن الطفيل) بالفاء
والطفيل بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها لام (هو ابن الحارث) وسقط لأبي ذر
لفظ ابن مالك ولفظ هو ابن الحارث كما في الفرع، وزاد في الفتح والنسفي أيضًا، وعند
الإسماعيلي من طريق علي بن المديني من رواية صالح بن كيسان عن الزهري حدثني عوف بن
الطفيل بن الحارث وفي رواية معمر عنده أيضًا عوف بن الحارث بن الطفيل قال ابن المديني:
والصواب عندي وهو المعروف عوف بن الحارث بن الطفيل بن سخبرة (وهو ابن أخي عائشة
زوج النبي وَّ ر لأمها) أم رومان بنت عامر الكنانية (أن عائشة) رضي الله عنها (حدثت) بضم الحاء
المهملة مبنيًا للمفعول وللأصيلي كما في الفتح حدثته قال: والأوَّل أصح ويؤيده أن في رواية
الأوزاعي أن عائشة بلغها (أن عبد الله بن الزبير) بن العوّام (قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة):
وللأوزاعي عند الإسماعيلي في دار لها باعتها فسخط عبد الله بن الزبير ببيع تلك الدار فقال: أما
(والله لتنتهين عائشة) عن بيع رباعها (أو لأحجرن عليها) وفي مناقب قريش مما سبق من طريق
عروة قال: كانت عائشة لا تمسك شيئًا فما جاءها من رزق الله تصدقت. قال في الفتح: وهذا لا
يخالف الذي هنا لأنه يحتمل أن تكون باعت الرباع لتتصدق بثمنها (فقالت) عائشة: (أهو) أي
عبد اللَّه (قال هذا) القول؟ (قالوا نعم) قاله (قالت: هو) أي الشأن الله علّ نذر أن لا أكلم ابن
الزبير أبدًا) وفي رواية الأوزاعي المذكورة بدل قوله أبدًا حتى يفرق الموت بيني وبينه قال السفاقسي
قولها أن لا أكلمه تقديره عليّ نذر إن كلمته (فاستشفع ابن الزبير إليها) بالمهاجرين كما في رواية
عبد الله بن خالد عند البخاري في الأدب المفرد (حين طالت الهجرة) منها له أن تعفو عنه
وتكلمه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: حتى بدل حين والأول هو الصواب كما قاله في الفتح
(فقالت: لا والله لا أشفع فيه أبدًا) بكسر الفاء المشددة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أحدًا بدل
أبدًا (ولا أتحنث) بالمثلثة (إلى نذري) أي لا أقبل الشفاعة فيه ولا أتحنث في نذري أي يميني منتهيًا
إليه (فلما طال ذلك) من هجرانها (على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة) بكسر الميم وسكون السين
المهملة وفتح ميم مخرمة وسكون الخاء المعجمة (وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بفتح
التحتية وضم المعجمة وبعد الواو مثلثة (وهما من بني زهرة قال لهما: أنشدكما) بفتح الهمزة وضم
المعجمة والمهملة أسألكما (بالله لما أدخلتماني على عائشة) بتشديد الميم في الفرع وتخفف وما زائدة
وهي بمعنى ألا أي لا أطلب إلا الإدخال عليها ولأبي ذر عن الكشميهني إلا بدل لما (فإنها) أي
الحال، ولأبي ذر عن الكشميهني: فإنه أي الشأن (لا يحل لها أن تنذر) بكسر المعجمة وضمها
(قطيعتي) أي قطع صلة رحمي لأنه كان ابن أختها وكانت تتولى تربيته غالبًا وللأوزاعي فسألهما أن
يشتملا عليه بأرديتهما (فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة)
رضي الله عنها (فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا:
كلنا: قالت: نعم ادخلوا كلكم و) هي (لا تعلم أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير

٩٣
کتاب الأدب/ باب ٦٢
الحجاب فاعتنق عائشة وطفق) بالواو ولأبي ذر فطفق (يناشدها) الله والرحم (ويبكي) وفي رواية
الأوزاعي فبكى إليها وبكت إليه وقبلها (وطفق) ولأبي ذر فطفق (المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا
ما كلمته وقبلت منه) بسكون الفوقية فيهما ويكسرها بعد سكون سابقها (ويقولان) لها (إن
النبي ◌َ﴿ نهى عما قد علمت) بكسر اللام وسكون الميم (من الهجرة فإنه) وفي نسخة وإنه بالواو
بدل الفاء (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه) المسلم (فوق ثلاث ليال) بأيامها والاعتبار بمضي الثلاث
ملفقة فإذا ابتدأت مثلاً من الظهر يوم السبت كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء أو يلغى الكسر ويكون
أوّلها من ابتداء اليوم أو الليلة لكن الأول أحوط. وقال النووي، قال العلماء: تحرم الهجرة بين
المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص ويباح في الثلاث بالمفهوم وإنما عفي عنه في ذلك لأن الآدمي
مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض عنه.
(فلما أكثروا على عائشة من التذكرة) أي من التذكير بما جاء في فضل صلة الرحم والعفو
وكظم الغيظ (والتحريج) بحاء مهملة آخره جيم أي الوقوع في الحرج لما ورد في القطيعة من
النهي (طفقت تذكرهما) بضم الفوقية وفتح المعجمة وكسر الكاف مشددة (وتبكي) ولأبي ذر:
تذكرهما نذرها وتبكي (وتقول) لهما: (إني نذرت) أن لا أكلمه (والنذر شديد فلم يزالا بها حتى
كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى
تبل دموعها خمارها) الذي يستر رأسها وهو بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الميم، واختلف في النذر
إذا خرج مخرج اليمين مثل إن قال: إن كلمت فلانًا فلله عليّ عتق رقبة، فهذا نذر خرج مخرج
اليمين لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل، فإذا فعل ذلك وجبت عليه كفارة اليمين كما ذهب إليه
الشافعي وأكثر السلف ويسمى نذر اللجاج، وقال المالكية: إنما ينعقد النذر إذا كان في طاعة كللّه
عليّ أن أعتق أو أصلي فإن كان في حرام أو مكروه أو مباح فلا، وحينئذٍ فنذر ترك الكلام الصادر
من عائشة في حق ابن الزبير رضي الله عنهما يفضي إلى التهاجر وهو حرام أو مكروه.
وأجيب: بأن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بقوله لأحجرن عليها أمرًا عظيمًا لما فيه من
تنقيصها ونسبته لها إلى التبذير الموجب لمنعها من التصرف مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم
المؤمنين وخالته أخت أمه فكأنها رأت الذي صدر منه نوع عقوق فهو في معنى نهيه وَّر المسلمين
عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر عقوبة لهم.
٦٠٧٦ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِكْ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((لا تَباغَضُوا وَلا تَحاسَدُوا وَلا تَدابَرُوا وَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إِخْوانًا، وَلا يَحِلُ
لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ لَيالٍ)) .
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي الدمشقي الأصل قال: (أخبرنا
مالك) الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أنس بن مالك) رضي الله
عنه سقط لأبي ذر ابن مالك (أن رسول الله وَ لفير قال):

٩٤
کتاب الأدب/ باب ٦٢
(لا تباغضوا) بأن تتعاطوا أسباب التباغض أو لا تفعلوا الأهواء المضلة المقتضية للتباغض
(ولا تحاسدوا) بأن يتمنى أحدكم زوال النعمة عن أخيه (ولا تدابروا) بإسقاط إحدى التاءين في
الثلاثة والتدابر التهاجر (وكونوا) يا (عباد الله إخوانًا) باكتساب ما تصيرون به إخوانًا (ولا يحل
لمسلم أن يهجر أخاه) المسلم (فوق ثلاث ليال) بأيامها.
والحديث سبق قريبًا في باب التحاسد.
٦٠٧٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ
اللَّيِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لا يَحِلُّ لِرَجُلِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ
ثَلاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذا وَيُعْرِضُ هذا وَخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلام)). [الحديث ٦٠٧٧ -
طرفه في: ٦٣٣٧].
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب)
الزهري (عن عطاء بن يزيد الليثي) المديني نزيل الشام (عن أبي أيوب) خالد بن زيد (الأنصاري)
رضي الله عنه (أن رسول الله وَالقر قال):
(لا يحل لرجل أن يهجر أخاه) في الإسلام (فوق ثلاث ليال) بأيامها وظاهره كما مرّ إباحة
ذلك في الثلاث لأن الغالب أن ما جبل عليه الإنسان من الغضب وسوء الخلق يزول من المؤمن أو
يقل بعد الثلاث والتعبير بأخيه فيه إشعار بالعلية (يلتقيان) ولأبي ذر عن الكشميهني: فيلتقيان
بزيادة فاء في أوّله (فيعرض هذا) عن أخيه المسلم (ويعرض هذا) الآخر كذلك ويعرض بضم
التحتية فيهما والجملة استئنافية بيان لكيفية الهجران ويجوز أن يكون حالاً من فاعل يهجر ومفعوله
معاً (وخيرهما الذي يبدأ) أخاه (بالسلام) عطف على الجملة السابقة من حيث المعنى لما يفهم منها
أن ذلك الفعل ليس بخبر وعلى القول بأن الأولى حال، فهذه الثانية عطف على قوله لا يحل، وزاد
الطبراني من طريق أخرى عن الزهري بعد قوله بالسلام يسبق إلى الجنة، ولأبي داود وبسند صحيح
عن أبي هريرة رضي الله عنه: فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلم عليه فإن ردّ فقد اشتركا في الأجر
وإن لم يرد فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة.
وقال في المصابيح: حاول بعض الناس أن يجعل هذا دليلاً على فرع ذكروا أنه مستثنى من
القاعدة المشهورة وهي أن الفرض أفضل من النفل وهذا الفرع المستثنى هو الابتداء بالسلام فإنه
سنة والرد واجب. قال بعض الناس: والابتداء أفضل لقوله وَلجر ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))
واعلم أنه ليس في الحديث أن الابتداء خير من الجواب وإنما فيه من المبتدىء خير من المجيب،
وهذا لأن المبتدىء فعل حسنة وتسبب إلى فعل حسنة وهي الجواب مع ما دل عليه الابتداء من
حسن طوية المبتدىء وترك ما يكرهه الشارع من الهجر والجفاء فإن الحديث ورد في المسلمين
يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وكان المبتدىء خيرًا من حيث إنه مبتدىء بترك ما كرهه الشارع
من التقاطع لا من حيث إنه یسلم انتهى.

٩٥
كتاب الأدب/ باب ٦٣
وقال الأكثرون: تزول الهجرة بمجرد السلام وردّه، وقال الإمام أحمد: لا يبرأ من الهجرة
إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أوّلاً.
٦٣ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْهِجْرانِ لِمَنْ عَصی
وَقَالَ كَعْبٌ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِّ وَّهَ وَنَهَى النَّبِيُّ وَّرَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنا وَذَكَرَ خَمْسِينَ
لَيْلَةً .
(باب ما يجوز من الهجران لمن عصى) لينتهي عن عصيانه (وقال كعب) هو ابن مالك
الأنصاري كما سبق موصولاً في حديثه الطويل في أواخر المغازي (حين تخلف) في غزوة تبوك
(عن النبي ◌َّه: ونهى النبي ◌َّقر المسلمين عن كلامنا) زاد في غزوة تبوك أيها الثلاثة من بين من
تخلف عنه فاجتنبنا الناس الحديث وسمى الاثنين فيه وهما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية (وذكر)
أن زمان هجرة المسلمين عنهم كان (خمسين ليلة). قال الطبري: وهذه القصة أصل في هجران
أهل المعاصي أي نحو الفاسق والمبتدع وإنما لم يهجر الكافر مع كونه أشد جرمًا لأن الهجرة تكون
بالقلب واللسان فالكافر بالقلب وترك التودد والتعاون والتناصر ولم يشرع هجرانه بالكلام لعدم
ارتداعه به عن كفره بخلاف المسلم العاصي فإنه ينزجر بذلك غالبًا.
٦٠٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدَةُ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((إِنِّي لأَغْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضاكِ)). قالَتْ: قُلْتُ: وَكَيْفَ
تَعْرِفُ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((إِنَّكِ إِذا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى وَرَبِّ مُحَمَّد، وَإِذا كُنْتِ
سَاخِطَةٌ قُلْتِ: لا وَرَبِّ إِبْراهِيمَ)) قالَتْ: قُلْتُ أَجَلْ لا أَهْجُرُ إلَّ أَسْمَكَ.
وبه قال: (حدثنا محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن
سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت:
قال رسول الله وَالـ):
(إني لأعرف غضبك ورضاك قالت: قلت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وقلت (وكيف
تعرف ذاك) الغضب والرضا مني (يا رسول الله؟ قال) وَله: (إنك إذا كنت راضية قلت بلى) ولأبي
ذر لا (ورب محمد وإذا كنت ساخطة قلت لا ورب إبراهيم قالت: قلت أجل لست أهجر إلا
اسمك) بفتح الهمزة والجيم وتخفيف اللام كنعم وزنًا ومعنى إلا أن نعم أحسن في جواب
الاستفهام وأجل أحسن في التصديق قاله الأخفش.
فإن قلت: الغضب على النبي وَله معصية كبيرة. أجيب: بأن الحامل لعائشة على ذلك إنما
هو الغيرة التي جبلت عليها النساء وهي لا تنشأ إلا عن فرط المحبة فلما كان غضبها ذلك لا

٩٦
كتاب الأدب/ باب ٦٤
يستلزم البغض اغتفر وقد دل قولها رضي الله عنها لا أهجر إلا اسمك على أن قلبها مملوء
بمحبته ◌َلچر .
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل.
٦٤ - باب هَلْ يَزُورُ صاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (هل يزور) الشخص (صاحبه كل يوم أو) يزوره (بكرة) من
طلوع الشمس إلى زوالها (وعشيًا) من الزوال إلى العتمة، وقد قيل إلى الفجر وسقطت الهمزة من
قوله، أو لأبي ذر فالواو مفتوحة وهذا لا يعارض حديث: ((زر غبًا تزدد حبًا)) المروي عند الحاكم
في تاريخ نيسابور والخطيب في تاريخ بغداد وغيرهما من طرق لأن عمومه يقبل التخصيص فيحمل
على من ليست له خصوصية ومودة ثابتة فلا تنقص كثرة زيارته من منزلته كالصديق الملاطف كما
قال ابن بطال: لا تزيده كثرة الزيارة إلا محبة بخلاف غيره.
٦٠٧٩ - حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا هِشامٌ، عَنْ مَعْمْرٍ ح وَقَالَ اللَّيْتُ: حَدَّثَنِي
عُقَيْلٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزَّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ
إِلاَّ وَهُما يَدِينانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِما يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّهُ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً
وَعَشِيَّةً، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قالَ قَائِلٌ هذا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي
ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينا فِيها، قالَ أَبُو بَكْرٍ: ما جاءَ بِهِ هذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ أَمْرٌ؟ قَالَ: ((إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي
بِالْخُرُوجِ».
وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء أبو إسحاق
الرازي الصغير وسقط قوله ابن موسى لغير أبي ذر قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف (عن
معمر) هو ابن راشد (ح) لتحويل السند.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما سبق موصولاً في باب الهجرة إلى المدينة وسقطت حاء
التحويل من الفرع (حدثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين بن خالد الأيلي (قال ابن شهاب) محمد بن
مسلم الزهري (فأخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام (أن عائشة) رضي الله عنها (زوج
النبي ◌ّ*) سقط قوله زوج الخ لأبي ذر أنها (قالت: لم أعقل) بكسر القاف (أبويّ) أبا بكر وأم
رومان (إلا وهما يدينان الدين) بكسر الدال المهملة دين الإسلام (ولم يمر عليهما) على أبوي وفي
نسخة علينا (يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ( * طرفي النهار بكرة وعشية). ولأبي ذر عن
الكشميهني وعشيًا وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى وليس في الحديث ما يمنع أن أبا بكر رضي
الله عنه كان يجيء إلى النبي وسير في النهار والليل أكثر مما كان ◌َّ يأتيه، ولعل منزل أبي بكر كان
بين منزل النبي ◌ُّل وبين المسجد فكان يمر به والمقصود المسجد (فبينما) بالميم ولأبي ذر فبينا (نحن

٩٧
کتاب الأدب/ باب ٦٥
جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة) بالحاء المهملة الساكنة أول الزوال عند شدة الحر (قال
قائل): قيل مولى أبي بكر عامر بن فهيرة وفي الطبراني أسماء بنت أبي بكر (هذا رسول الله الخل
في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر) رضي الله عنه: (ما جاء به) وَّر (في هذه الساعة إلا
أمر) حدث (قال) وَل قر بعد أن دخل: (إني قد أذن لي) وسقط لفظ قد لأبي ذر (بالخروج) إلى المدينة
ولأبي ذر في الخروج بدل الباء الموحدة، وفي فتح الباري: إن هذا السياق كأنه سياق معمر قال:
وأما رواية عقيل فلفظه في باب الهجرة إلى المدينة عن ابن شهاب أخبرني عروة عن عائشة قالت:
لم أعقل الخ.
٦٥ - باب الزِّيارَةِ وَمَنْ زارَ قَوْمًا فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ
وَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْداءِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ نَِّ فَأَكَلَ عِنْدَهُ
(باب) مشروعية (الزيارة ومن زار قومًا فطعم) بكسر العين أي أكل (عندهم) ولو يسيرًا إذ
فيه زيادة المحبة وثبوت المودة (وزار سلمان) الفارسي (أبا الدرداء) عويمر الأنصاري (في عهد
النبي ◌َّ فأكل عنده) وهذا طرف من حديث أبي جحيفة السابق موصولاً في الصيام.
٦٠٨٠ - هقلنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلام، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ خالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الأَنْصَارِ فَطَعِمَ
عِنْدَهُمْ طَعامًا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَنُضِحَ لَهُ عَلى بِساطٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعا
لَهُمْ.
وبه قال: (حدثنا) بالجمع، ولأبي ذر: بالإفراد (محمد بن سلام) السلمي مولى البيكندي
بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الكاف بعدها نون ساكنة ودال مهملة مكسورة قال: (أخبرنا
عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن خالد الحذاء) بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة المشددة
ممدودًا (عن أنس بن سيرين) أخي محمد بن سيرين (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن
رسول الله (َّو زار أهل بيت في) ولأبي ذر من (الأنصار) هم أهل بيت عتبان مالك (فطعم) أكل
(عندهم طعامًا فلما أراد أن يخرج) ولأبي ذر عن الكشميهني أراد الخروج (أمر) عليه الصلاة
والسلام (بمكان من البيت فنضح) بضم النون وكسر الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة رش (له)
بالماء (على بساط) أي حصير كما في طريق أخرى (فصلى) عليه الصلاة والسلام (عليه ودعا لهم)
أي لأهل البيت، وفي الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه حديث أبي هريرة رفعه ((من عاد
مريضًا أو زار أخّا له في الله ناداه مناد طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً)).
والحديث سبق في صلاة الضحى من كتاب الصلاة.
إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٧

٩٨
كتاب الأدب/ باب ٦٦ و٦٧
٦٦ - باب مَنْ تَجَمَّلَ لِلْوُفُودِ
(باب من تجمل) بالجيم والميم المشددة أي تحسن بأحسن الثياب والزي الحسن المباح (للوفود)
بضم الواو أي لأجل الجماعة الواردين عليه.
٦٠٨١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي
يَحْيِى بْنُ أَبِي إِسْحَقَ قالَ: قَالَ لِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا الاسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ
وَخَشُنَ مِنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ عَلى رَجُلٍ حُلَّةً مِنْ اسْتَبْرَقِ فَأَتَى بِهَا
النَّبِيِِّنَ ◌ّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِ هذِهِ فَلْبَسْها لِوَفْدِ النَّاسِ إِذا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: ((إِنَّما يَلْبَسُ
الْحَرِيرَ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ)) فَمَضَى فِي ذلِكَ ما مَضى ثُمَّ إِنَّ النَّبِيِّ وَّهَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِحُلَّةٍ فَأَتَى النَِّيَّ وَّ
فَقالَ: بَعَثْتَ إلَيَّ بِهِذِهِ وَقَدْ قُلْتَ فِي مِثْلِها ما قُلْتَ قالَ: ((إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِها مالاً)) فَكانَ
ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ لِهذا الْحَدِيثِ.
وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا
عبد الصمد قال: حدثني) بالإفراد (أبي) عبد الوارث (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (يحيى بن أبي
إسحلق) الحضرمي البصري (قال: قال لي سالم بن عبد الله) بن عمر (ما الاستبرق؟ قلت: ما
غلظ من الديباج وخشن منه) بالخاء المفتوحة والشين المضمومة المعجمتين ولأبي ذر عن الكشميهني
وحسن بالمهملتين وفي الفرع بهامشه لعله وثخن بالمثلثة والخاء المعجمة فليحرر (قال: سمعت) أبي
(عبد الله) بن عمر (يقول: رأى عمر) رضي الله عنه (على رجل) هو عطارد بن حاجب التيمي
(حلة من استبرق فأتى بها النبي ◌َّه فقال: يا رسول الله اشتر هذه) الحلة (فالبسها) بهمزة وصل
وفتح الموحدة (لوفد الناس إذا قدموا عليك فقال) مثل:
(إنما يلبس الحرير) مستحلاً له (من لا خلاق) أي نصيب (له) في الآخرة (فمضى في)
ولأبي ذر من (ذلك ما مضى ثم إن النبي ◌ٍّ﴿ بعث إليه) إلى عمر (بحلة) من استبرق (فأتى) عمر
(بها النبي ◌َّي فقال: بعثت إلى بهذه) الحلة (وقد قلت في مثلها ما قلت قال) عليه الصلاة
والسلام: (إنما بعثت إليك) بها (لتصيب بها مالاً) بنحو البيع وثبت بها في قوله لتصيب بها
للحموي والمستملي (فكان ابن عمر يكره العلم) بفتح العين واللام الحرير (في الثوب لهذا الحديث)
ورعًا منه رضي الله عنه.
والحديث سبق في اللباس في باب الحرير للنساء.
٦٧ - باب الإِخاءِ وَالْحِلْفِ
وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: آخَى النَّبِيُّ وَِّ بَيْنَ سَلْمانَ وَأَبِي الدَّزداءِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ:
لَمَّا قَدِمْنا الْمَدِينَةَ آَخَى النَّبِيِّ نَّهَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ .

٩٩
كتاب الأدب/ باب ٦٧
(باب الإخاء) بكسر الهمزة أي المؤاخاة (والحلف) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام بعدها
فاء العهد يكون بين القوم.
(وقال أبو جحيفة) بتقديم الجيم المضمومة على المهملة المفتوحة وهب بن عبد الله السوائي
نزيل الكوفة (آخى النبي وَ ﴿ بين سلمان) الفارسي (و) بين (أبي الدرداء) عويمر الأنصاري أي
جعلهما أخوين.
وهذا التعليق طرف من حديث سبق في باب الهجرة إلى المدينة.
(وقال عبد الرحمن بن عوف: لما قدمنا المدينة آخى النبي (وَ ل﴿ بيني وبين سعد بن الربيع) هو
طرف من حديث سبق في فضائل الأنصار وذكر غير واحد أنه هو آخى بين أصحابه مرتين مرة
بين المهاجرين فقط وأخرى بين المهاجرين والأنصار.
٦٠٨٢ - هقلنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحيى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنا
عَبْدُ الرَّحْمْنِ فَآَخَى النَّبِيُّ وَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ وَّهِ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشاةٍ) .
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن حميد)
الطويل (عن أنس) رضي الله عنه أنه (قال: لما قدم علينا عبد الرحمن) بن عوف المدينة (فآخى
النبي ( 8* بينه وبين سعد بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة الأنصاري (فقال النبي (وَ﴿): لما
جاءه عبد الرحمن وعليه أثر صفرة وقال له النبي ◌ِّ: ((تزوجت))؟ قال: نعم.
(أولم) أي اتخذ وليمة للعرس ندبًا (ولو بشاة).
والحديث سبق تامًا في أوائل البيع.
٦٠٨٣ - حقّلنا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحِ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ زَكَرِيًّا، حَدَّثَنَا عاصِمٌ، قَالَ: قُلْتُ
لأَنَسِ بْنِ مالِكِ أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلام))؟ فَقالَ: قَدْ حالَفَ النَّبِيِّ وَهُ
بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنصارِ في دَارِي.
وبه قال: (حدثنا محمد بن صباح) بفتح الصاد المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف حاء
مهملة الدولابي أبو جعفر البغدادي قال: (حدثنا إسماعيل بن زكريا) بن مرة الخلقاني بضم الخاء
المعجمة وسكون اللام بعدها قاف الكوفي لقبه شقوصًا بفتح الشين المعجمة وضم القاف الخفيفة
وبعد الواو صاد مهملة فألف قال: (حدثنا عاصم) هو ابن سليمان الأحول (قال: قلت لأنس بن
مالك) رضي الله عنه (أبلغك) بهمزة الاستفهام (أن النبي بَّر قال):
(لا حلف في الإسلام) لأن الحلف للاتفاق والإسلام قد جمعهم وألف بين قلوبهم فلا حاجة
إليه وكانوا في الجاهلية يتعاهدون على نصر الحليف ولو كان ظالما وعلى أخذ الثأر من القبيلة بسبب

١٠٠
کتاب الأدب/ باب ٦٨
قتل واحد منها ونحو ذلك (فقال) أنس رضي الله عنه (قد حالف) أي آخى (النبي ◌َ له بين قريش
و) بين (الأنصار في داري) أن ينصروا المظلوم ويقيموا الدين، فالمنفي معاهدة الجاهلية والمثبت ما
عداها من نصر المظلوم وغيره مما جاء به الشرع. فلا تعارض، وحديث لا حلف في الإسلام
أخرجه مسلم في صحيحه عن جبير بن مطعم مرفوعًا بلفظ: ((لا حلف في الإسلام وأيما حلف
كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)».
وحديث الباب سبق في الكفالة.
٦٨ - باب التَّبَسُمِ وَالضَّحِكِ
وَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلامُ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِّ فَضَحِكْتُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ
أَضْحَكَ وَأَبْكى.
(باب) إباحة (التبسم) وهو ظهور الأسنان بلا صوت (والضحك) وهو ظهورها مع صوت
لا يسمع من بعد فإن سمع من بعد فقهقهة (وقالت فاطمة) الزهراء (عليها السلام: أسر إلي
النبي ( *) أي في مرض موته أني أوّل أهله لحوقًا به (فضحكت) وهذا طرف من حديث سبق في
الوفاة النبوية (وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله في الجنائز: (إن الله) عز وجل ﴿هو
أضحك وأبكى﴾ [النجم: ٤٣] لأنه المؤثر في الوجود لا غيره.
٦٠٨٤ - حدثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّ رِفاعَةَ الْقُرَظِيُّ طَلَّقَ آمْرَأَتَهُ طَلاقَها، فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ
عَبْدُ الرَّحْمْنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَجَاءَتِ النَّبِيَّ وَِّ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّها كانَتْ عِنْدَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَها
آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَوَّجَها بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ
مَثْلُ هذِهِ الْهُدْبَةِ، لِهُذْبَةٍ أَخَذَتْها مِنْ جِلْبابِها قالَ وَأَبُو بَكْرِ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ وَابْنُ سَعِيدِ بْنِ
العاصِ جالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ، لِيُؤْذَنَ لَهُ فَطَفِقَ خالِدٌ يُنادِي أَبَا بَكْرٍ يا أَبَا بَكْرٍ أَلا تَزْجُرُ هذِهِ عَمَّا
تَجْهُرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بَهَ؟ وَما يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَلَى النََّسُمِ ثُمَّ قالَ: ((لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ
تَرْجِعِي إِلى رِفاعَةَ، لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)).
وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد
الموحدة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن
الزهري) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن رفاعة القرظي) بكسر
الراء وتخفيف الفاء والقرظي بضم القاف وفتح الراء وكسر الظاء المعجمة نسبة إلى قريظة بن
الخزرج (طلق امرأته) تميمة بنت وهب وقيل سهيمة بالسين وقيل أميمة بنت الحارث وقيل
عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك (فبت) بالموحدة والفوقية المشددة أي قطع (طلاقها) أي قطع