Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
کتاب الطلاق/ باب ٢٧ و ٢٨
٢٧ - باب إِخْلاَفِ الْمُلاعِنِ
(باب إحلاف الملاعن) بكسر العين.
٥٣٠٦ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدْثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ
رَجُلاً مِن الأَنْصَارِ قَذَفَ آَمْرَأَتَهُ فَأَخْلَفَهُمَا النَّبِيُّ وَ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمْا.
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا جويرية)
بضم الجيم مصغرًا ابن أسماء (عن نافع عن عبد الله) بن عمر (رضي الله عنه) وعن أبيه (أن رجلاً
من الأنصار) هو عويمر العجلاني (قذف امرأته) بالزنا (فأحلفهما النبي (وَل) الإحلاف المخصوص
وهو اللعان وهو دليل على أن اللعان يمين وهو قول الشافعي ومالك. وقال أبو حنيفة: اللعان
شهادة. فعلى الأول كل من صح لعانه فلا لعان بقذف صبيّ ومجنون مكره ولا عقوبة عليهم، نعم
يعزز المميز من الصبي والمجنون ويسقط عنه ببلوغه وإفاقته لأنه كان للزجر عن سوء الأدب وقد
حدث له زاجر أقوى من ذلك وهو التكليف ويلاعن الذمي والرقيق، وعلى الثاني لا يصح إلا من
حزّين مسلمين واحتج بعض الحنفية بأنها لو كانت يمينًا لما تكررت. وأجيب: بأنها خرجت عن
القياس تغليظًا لحرمة الفروج كما خرجت القسامة لحرمة الأنفس وفي محاسن الشريعة للقفال
كررت أيمان اللعان لأنها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام عليها الحدّ ومن ثم سميت
شهادة. (ثم فرّق) عليه الصلاة والسلام (بينهما) أي بين المتحالفين المذكورين.
٢٨ - باب يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلاَعُنِ
هذا (باب) بالتنوين (يبدأ الرجل بالتلاعن) قبل المرأة.
٥٣٠٧ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشْامٍ بْنِ حَسَّانِ حَدَّثَنْا عِكْرِمَةُ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْا أَنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ آَمْرَأَتَهُ فَجَاءَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ نَّهُ يَقُولُ: ((إِنَّ
الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمْا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ))؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة ابن عثمان أبو بكر
العبديّ مولاهم الحافظ بندار قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد أبو عمرو البصري (عن هشام بن
حسان) الأزديّ مولاهم الحافظ قال: (حدّثنا عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن هلال بن أمية) أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (قذف امرأته) خولة بن عاصم
بشريك ابن سحماء (فجاء) إلى النبي وَّر (فشهد) أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به
من الزنا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به (والنبي وَّل يقول):
(إن الله يعلم أن أحدكما كاذب) ظاهره أن قوله أن أحدكما كاذب صدر منه وَّ في حال
إرشاد الساري/ ج ١٢ / م ٦
٨٢
كتاب الطلاق/ باب ٢٩
الملاعنة لتحقق الكذب حينئذ، وفي أحدكما تغليب المذكر على المؤنث (فهل منكما تائب)؟ وزاد
الطبري والحاكم من رواية جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة فقال: هلال والله إني لصادق (ثم
قامت) زوجته خولة (فشهدت) أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به الحديث. وسبق
بتمامه في تفسير سورة النور وهو ظاهر في تقدم الرجل على المرأة في اللعان وهو مذهب الشافعي
وأشهب من المالكية ورجحه ابن العربي وقال ابن القاسم: لو ابتدأت به المرأة صح واعتدّ به وهو
قول أبي حنيفة، واحتج لذلك بأن الله عطفه بالواو وهي لا تقتضي الترتيب. لنا: أن اللعان شرع
لدفع الحدّ عن الرجل فلو بدأ بالمرأة لكان دفعًا لأمر لم يثبت وبأن الرجل يمكنه أن يرجع بعد
أن يلتعن فيندفع عن المرأة بخلاف ما لو بدأت به فلو حكم حاكم بتقديم لعانها نقض حكمه.
٢٩ - باب اللِّعَانِ، وَمَنْ طَلَّقَ بَعْدَ اللُّغَانِ
(باب اللعان ومن طلّق بعد اللعان) سقط لأبي ذر بعد اللعان.
٥٣٠٨ - حدثنا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ
أخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلاً
وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يُا عَاصِمُ عَنْ ذُلِكَ، فَسَأَلَ عَاصِمْ
رَسُولَ اللهِ وَّهَ عَنْ ذُلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ الله ◌ِّرِ الْمَسْائِلَ وَغَابَها حَتى كَبُرَ عَلى عَاصِمِ مَا سَمِعَ
مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّرَ. فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرْ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ
رَسُولُ اللهِ وَ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعِوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْمَسْألَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ
عَنْهَا، فَقَالَ عُوَيْمِرُ: وَالله لا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَأَقْبَل عُوَيْمِرٌ حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَسَطَ
النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((قَدْ أُنْزِلَ فيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا))، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلأَعَنْا وَأَنَا
مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وََّ. فَلَمَّا فَرَغْا مِنْ تَلأَعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله
إِنْ أمْسَكْتُها. فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِّرِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةً
الْمُتَلاَعِنَيْنِ.
(حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ابن شهاب)
محمد بن مسلم الزهري (أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمرًا) بضم العين مصغر عامر
(العجلاني) بفتح العين وسكون الجيم (جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم
أرأيت رجلاً) أي أخبرني عن حكم رجل (وجد مع امرأته رجلاً) أجنبيًّا منها (أيقتله فتقتلونه)
قصاصًا (أم كيف) مفعول لقوله (يفعل)؟ أي أيّ شيء يفعل (سل لي يا عاصم عن ذلك) زاد أبو .
ذر رسول الله وَ﴾ (فسأل عاصم رسول الله وَ ر عن ذلك فكره رسول الله ويلفى المسائل) المذكورة لما
٨٣
كتاب الطلاق/ باب ٣٠
فيها من البشاعة وغيرها (وعابها حتى كبّر) بضم الموحدة عظم (على عاصم ما سمع من رسول
الله ◌َله، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله وَ لا؟
فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير قد كره رسول الله وَلقر المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر:
والله لا أنتهي) ولأبي ذر عن الكشميهني ما أنتهي بالميم بدل اللام (حتى أسأله) وَّر (عنها فأقبل
عويمر حتى جاء رسول الله وَ﴿ وسط الناس) بفتح السين (فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد
مع امرأته رجلاً أيقتله)؟ بهمزة الاستفهام الاستخباري (فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول
(قد أنزل) بضم الهمزة وكسر الزاي (فيك وفي صاحبتك) زوجتك خولة (فاذهب فآت بها،
قال سهل): فأتى بها فأمرهما رسول الله وَ ل﴿ بالملاعنة بما في القرآن (فتلاعنا) وكان ذلك منصرف
النبي وَّر من تبوك (وأنا مع الناس عند رسول الله وَّ ر، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر:
كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثًا) ظنًا منه أن اللعان لا يحرمها عليه فأراد
تحريمها بالطلاق فقال: هي طالق ثلاثًا (قبل أن يأمره رسول الله إنَّه) بطلاقها.
(قال ابن شهاب) بالسند المذكور (فكانت) أي الفرقة بينهما (سنة المتلاعين) فلا يجتمعان بعد
الملاعنة أبدًا فيحرم عليه بمجرد اللعان نكاحها تحريمًا مؤبدًا ظاهرًا وباطنًا سواء صدقت أم صدق
ووطؤها بملك اليمين لو كانت أمة فملكها لحديث البيهقي: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا لكن ظاهره
يقتضي توقف ذلك على تلاعنهما معًا وليس مرادًا هنا بل يقع بلعان الرجل، وقال مالك: بعد
فراغ المرأة، وتظهر فائدة هذا الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل وفيما إذا
علق طلاق امرأة بفراق أخرى ثم لاعن الأخرى، وقال الحنفية: لا تقع الفرقة حتى يوقعها
الحاكم.
٣٠ - باب التَّلاُعُنِ فِي الْمَسجِد
٥٣٠٩ - حدثنا يَخْيَى بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ
شِهَابٍ عَنِ الْمُلاَعَنَةِ وَعَنِ السُّنَّةِ فِيهَا عَنْ حَديثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ
الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ،
أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ الله في شَأْنِهِ مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِ الْمُتَلاعِنَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّرَ: ((قَدْ
قَضَى الله فيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ))، قَالَ فَتَلاَعَثْا فِي الْمَسْجِدٍ وَأَنَا شَاهِدٌ، فَلَمَّا فَرَغْا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها
يَا رَسُولَ الله إِنْ أَمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ فَرَغْا مِنَ التَّلاعُنِ،
فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ: (ذَاكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاَعِنَيْنٍ)). قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ، وَكَانَتْ حَامِلاً وَكَانَ آبْتُها يُذَّعِى لِأُمُّهِ قالَ: ثُمَّ
جَرَتِ السُّنَّةُ في مِيرَائِهَا أَنَّها تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ الله لَهُ قَالَ: ابن جُرَيْجٍ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ
٨٤
كتاب الطلاق/ باب ٣٠
سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ فِي هُذَا الْحَديثِ أنَّ النَّبِيِّ نَّرِ قَالَ: ((إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ
وَحَرَةٌ فَلأْ أُزْالها إلاَّ قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْها، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلا أُرَاهُ إِلاَّ قَدْ
صَدَقَ عَلَيْهَا، فَجَارَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذُلِكَ)).
وبه قال: (حدثنا یحیی بن جعفر) البخاري البیکندي قال: (أُخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا
(عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني)
بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن الملاعنة) بفتح العين (وعن السنة فيها عن
حديث سهل بن سعد أخي بني ساعدة أن رجلاً من الأنصار) اسمه عويمر العجلاني حليف بني
عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس (جاء إلى رسول الله وَ له، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً)
أي أخبرني عن حكم رجل (وجد مع امرأته رجلاً) يزني بها (أيقتله) أي فتقتلونه قصاصًا لتقدم
عمله بحكم القصاص من عموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وقد اختلف فيمن
وجد مع امرأته رجلاً فتحقق الأمر فقتله هل نقتله؟ فالجمهور على المنع والقصاص منه إلا إن أتى
ببينة على الزنا أو على المقتول بالاعتراف أو اعتراف ورثته فلا يقتل قاتله إذا كان الزاني محصنًا (أم
كيف يفعل)؟ أي أيّ شيء يفعل فكيف مفعول يفعل كقوله تعالى: ﴿كيف فعل ربك﴾
[الفيل: ١] إذ معناه أيّ فعل فعل ربك؟ ولا يتجه فيه أن يكون حالاً من الفاعل وعن سيبويه أن
كيف ظرف وعن السيرافي والأخفش أنها اسم غير ظرف ورتبوا على هذا الخلاف أمورًا.
أحدها: أن موضعها عند سيبويه نصب دائمًا وعندهما رفع مع المبتدأ نصب مع غيره.
الثاني: أن تقديرها عند سيبويه في أي حال أو على أي حال وعندهما تقديرهما في نحو
کیف زيد أصحیح زيد ونحوه وفي نحو كيف جاء زيد أراكبًا جاء زيد ونحوه.
الثالث: أن الجواب المطابق عند سيبويه أن يقال على خير ونحوه، وقال ابن مالك ما معناه
لم يقل أحد إن كيف ظرف إذ ليست زمانًا ولا مكانًا ولكنها لما كانت تفسر بقولك على أي حال
لكونها سؤالاً عن الأحوال العامة سميت ظرفًا لأنها في تأويل الجارّ والمجرور واسم الظرف يطلق
عليها مجازًا انتهى من المغني.
(فأنزل الله في شأنه) في شأن عويمر (ما ذكر في) ولأبي ذر عن الكشميهني من (القرآن من
أمر المتلاعنين) في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ إلى آخر
الآيات (فقال النبي ◌ِّ) له: (قد قضى الله فيك وفي امرأتك) خولة بنت قيس بما أنزله في قوله:
﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] (قال) سهل (فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد) وفيه
مشروعية تلاعن المسلم في المسجد الجامع وأما زوجته الذمية ففيما تعظمه من بيعة وكنيسة وغيرهما
فإن رضي زوجها بلعانها في المسجد وقد طلبته جاز والحائض تلاعن بباب المسجد الجامع لتحريم
مكثها فيه ومثلها النفساء والجنب والمتحيرة (فلما فرغا) من تلاعنهما (قال) عويمر: (كذبت عليها
٨٥
كتاب الطلاق/ باب ٣١
يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله وَله حين فرغا من التلاعن ففارقها
عند النبي ◌ّ(9) تمسك به من قال: إن الفرقة بين المتلاعنين تتوقف على تطليق الزوج، وأجاب
القائلون بأن الفرقة تقع بالتلاعن بقوله في حديث ابن عمر: فرّق النبي ◌ُّه بين المتلاعنين، وبقوله
في حديث مسلم: لا سبيل لك عليها (فقال) سهل أو ابن شهاب (ذاك تفريق) ولأبي ذر عن
المستملي فكان ذلك تفريقًا وللكشميهني فصار بدل فكان وتفريقًا نصب كالمستملي (بين كل
متلاعنين. قال ابن جريج) بالسند السابق (قال ابن شهاب فكانت السُّنّة بعدهما أن يفرق بين) كل
(المتلاعنين وكانت) خولة الملاعنة (حاملاً) حين الملاعنة (وكان ابنها يدعى لأمه) لا لزوجها الملاعن
إذ اللعان ينتفي به النسب عنه إن نفاه في لعانه وإذا انتفى منه ألحق بها لأنه متحقق منها (قال ثم
جرت السُّنّة في ميراثها) في ميراث الملاعنة (أنها ترثه) أي ترث الولد الذي لحقها ونفاه الرجل
(ويرث) الولد (منها ما فرض الله له) ولأبي ذر لها.
(قال ابن جريج) بالسند السابق (عن ابن شهاب) الزهري (عن سهل بن سعد الساعدي في
هذا الحديث أن النبي {َ*) في اليونينية بكسر همزة إن (قال) ثبت قال لأبي ذر (إن جاءت به)
بالولد المتلاعن بسببه (أحمر) اللون (قصيرًا) أي قصير القامة (كأنه وحرة) بفتح الواو والحاء المهملة
والراء دويبة تترامى على الطعام واللحم فتفسده وقال في القاموس: وزغة كسام أبرص أو ضرب
من العظاء لا تطأ شيئًا إلاّ سمته (فلا أراها) بضم الهمزة أي فلا أظنها (إلا وقد صدقت) والولد
منه (وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين) بفتح الهمزة وسكون المهملة أي واسع العين (ذا) أي
صاحب (إليتين) عظيمتين (فلا أراه) فلا أظنه (إلا قد صدق عليها) فهو لابن سحماء (فجاءت به)
بالولد (على) الوصف (المكروه من ذلك) وهو شبهه بمن رميت به.
٣١ - باب قَولِ النَّبِيِّ وَّهُ: (لَو كُنتَ راجِمًا بِغَيرِ بَيْنَةٍ))
(باب قول النبي ◌َّفي: لو كنت راجما) أحدًا أنكر (بغير بينة) لرجمته.
٥٣١٠ - حدثنا سَعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَن يَخْيَى بِنِ سَعيدٍ عَن عَبدِ الرَّحمُنِ بنِ القاسِمِ
عَنِ الْقُّاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ التَلاعُنُ عِندَ النَّبِّ وَّهِ فَقَالَ عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ في ذلِكَ
قَولاً ثُمَّ انَصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِن قَومِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَد وَجَدَ مَعَ آمَرَأَتِهِ رَجُلاً، فَقالَ عاصِمٌ: مَا
ابتُليتُ بِهِذا إِلاَّ لِقَولِي. فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ بَّرَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ آمرَأَتَهُ، وَكَانَ ذلِكَ
الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَليلَ اللَّحمِ سَبْطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي آذَّعىْ عَلَيهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِندَ أَهلِهِ خَدْلاً آدَمَ كَثِيرَ
اللَّحمِ، فَقالَ النِّّ نَّهَ: ((اللَّهُمَّ بَيْنْ))، فَجاءَت شَبِيهَا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوجُها أَنَّهُ وَجَدَهُ، فَلاعَنَ
النَّبِيُّ وَّرَ بَيْنَهُمَا قَالَ رَجُلٌ لايْنِ عَبَّاسٍ فِي المَجلِسِ: هِيَ الَّتي قالَ النَّبِيِّ نَّهِ: ((لَوَ رَجَمْتُ أَحَدًا
بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هذِهِ) فَقالَ: لا. تِلكَ آمرَأَةٌ كانَت تُظهِرُ فِي الإسلامِ السُّوءَ، قَالَ أَبُو صالِحٍ
٨٦
كتاب الطلاق/ باب ٣١
وَعَبدُ الله بنُ يُوسُفَ خَدِلاً. [الحديث ٥٣١٠ - أطرافه في: ٥٣١٦، ٦٨٥٥، ٦٨٥٦، ٧٢٣٨].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بالعين المهملة والفاء مصغرًا ونسبه لجده واسم أبيه كثير
بالمثلثة مولى الأنصار المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن يحيى بن سعيد)
الأنصاري (عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق فعبد الرحمن
يروي عن أبيه القاسم (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أنه) قال: (ذكر التلاعن) بضم الذال
المعجمة مبنيًّا للمجهول أي ذكر حكم الرجل الذي يرمي امرأته بالزنا فعبّر عنه بالتلاعن باعتبار ما
آل إليه الأمر بعد نزول الآية. (عند النبي وَ لير فقال عاصم بن عدي) الأنصاري (في ذلك قولاً) لا
يليق به نحو ما يدل على عجب النفس والنخوة والغيرة وعدم الحوالة إلى إرادة الله وحوله وقوّته
قاله الكرماني ونقل عن ابن بطال أنه قال لو وجد مع امرأته رجلاً يضربه بالسيف حتى يقتله (ثم
انصرف) عاصم بن عدي من عند النبي وَلّر (فأتاه رجل من قومه) هو عويمر لا هلال بن أمية
(يشكو إليه أنه قد وجد مع امرأته) خولة (رجلاً فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا) ولأبي ذر بهذا
الأمر إلا (لقولي) أي لسؤالي عما لم يقع فعوقبت بوقوع ذلك في رجل من قومي، وفي مرسل
مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون هذا والله سؤالي عن هذا
الأمر بين الناس فابتليت به (فذهب به) فذهب عاصم وعويمر (إلى النبي ◌ّ﴿ فأخبره بالذي وجد
عليه امرأته) خولة من خلوتها بالرجل الأجنبي (وكان) بالواو، ولأبي الوقت فكان (ذلك الرجل
مصفرًا) بتشديد الراء كثير الصفرة (قليل اللحم) نحيفًا (سبط الشعر) بسكون الموحدة وفتح العين
مسترسلة غير جعدة (وكان الذي ادّعى عليه أنه وجده عند أهله خدلاً) بفتح الخاء المعجمة وسكون
الدال المهملة وتخفيف اللام في اليونينية وللأصيلي مما ذكره في التوضيح بكسر الدال، وحكى
السفاقسي تخفيف اللام وتشديدها. قال في القاموس: الخدل الممتلىء والضخم وساق خدلة بينة
الخدل محركة والخدلة المرأة الغليظة الساق المستديرتها الجمع خدال أو ممتلئة الأعضاء كالخدلاء.
(آدم) بمد الهمزة من الأدمة وهي السمرة (كثير اللحم فقال النبي ◌َلّ).
(اللهم بيّن) لنا حكم هذه المسألة (فجاءت) ولدت ولدًا (شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه
وجده) معها (فلاعن النبي ( ﴿﴿ بينهما) ظاهره صدور الملاعنة بعد وضع الولد لكنه محمول على أن
قوله فلاعن معقب بقوله فذهب به إلى النبي بالقر فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، واعترض قوله:
وكان ذلك الرجل إلى آخره بين الجملتين، والحامل على ذلك أن رواية القاسم هذه موافقة حديث
سهل بن سعد، وفيه أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع (قال رجل) اسمه عبد الله بن شداد بن
الهاد وهو ابن خالة ابن عباس (لابن عباس في المجلس) هذه المرأة (هي التي قال النبي ◌َّ: لو
رجمت أحدًا بغير بينة رجمت هذه) أي امرأة عويمر (فقال) ابن عباس رضي الله عنهما (لا تلك
امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) تعلن بالفاحشة ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة ولا اعتراف
ولم يسمها (قال أبو صالح) عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد فيما أخرجه المؤلف في
٨٧
كتاب الطلاق/ باب ٣٢
المحاربين (وعبد الله بن يوسف) التنيسي مما وصله في الحدود (خدلاً) بفتح الخاء المعجمة وكسر
الدال للأصيلي وبسكونها للأكثر وهي الرواية السابقة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المحاربين ومسلم في اللعان والنسائي في الطلاق.
٣٢ - باب صَداقِ المُلاعَنَةِ
(باب) حكم (صداق) المرأة (الملاعنة) بفتح العين.
٥٣١١ - حدثني عَمرُو بِنُ زُرارَةَ أَخَبَرنا إسْماعيلُ عَن أَيُّوبَ عَن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: قُلْتُ
لابنِ عُمَرَ رَجُلٌ قَذَفَ أَمْرَأَتَهُ. فَقالَ: فَرَّقَ النَّبِيِّي ◌َّهَ بَيْنَ أَخَوَي بَنِي الْعَجْلانِ، وَقالَ: ((الله يَعْلَمُ
أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما تَائِبٌ))؟ فَأَبَيَا فَقَالَ: ((الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ))؟
فَأَبَيَا فَقالَ: ((الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ))؟ فَأَبَيَا. فَفَرَّقَ بَيْنَهُما قالَ أَيُّوبُ: فَقالَ
لي عَمْرُو بْنُ دينارٍ إِنَّ فِي الْحَديثِ شَيئًا لا أراكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ: قَالَ الرّجُلُ مَالِي قالَ: قيلَ لا مالَ
لَكَ إِنْ كُنْتَ صادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِها وإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ. [الحديث ٥٣١١- أطرافه
في: ٥٣١٢، ٥٣٤٩، ٥٣٥٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن زرارة) بفتح العين في الأول وضم الزاي وتكرير
الراء بينهما ألف قال: (أخبرنا إسماعيل) ابن علية (عن أيوب) السختياني (عن سعيد بن جبير) أنه
(قال: قلت لابن عمر) رضي الله عنهما: (رجل قذف امرأته) ما الحكم فيه؟ وزاد مسلم من وجه
آخر عن سعيد بن جبير قال: لم يفرق الصعب يعني ابن الزبير بين المتلاعنين أي حيث كان أميرًا
على العراق. قال سعيد: فذكرت ذلك لابن عمر (فقال: فرّق النبي ◌َّ ر بين أخوي) بفتح الواو
وسكون التحتية (بني العجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم من باب التغليب حيث جعل
الأخت كالأخ وأما إطلاق الإخوة فبالنظر إلى أن المؤمنين إخوة أو إلى القرابة التي بينهما بسبب أن
الزوجين كليهما من قبيلة عجلان (وقال) وَ الـ:
(الله يعلم أن أحدكما كاذب) وللمستملي لكاذب وجملة يعلم في محل الخبر وإن فتحت
لأنها سدت مسدّ مفعولي علم (فهل منكما تائب)؟ منكما خبر المبتدأ وهو تائب وسوّغ الابتداء
بالنكرة تقدم الخبر والاستفهام وهو في المعنى صفة لموصوف محذوف أي فهل منكما أحد تائب
أو شخص تائب ومن للبيان وتتعلق بالاستقرار المقدر وعرض التوبة لهما بلفظ الاستفهام الإبهام
الكاذب منهما (فأبيا) فامتنعا (فقال) عليه الصلاة والسلام ثانيًا (الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل)
أحد (منكما تائب فأبيا. فقال) وَّر ثانيًا: (الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل) أحد (منكما
تائب؟ فأبيا. ففرق) بتشديد الراء (بينهما) وَلقر فظاهره أن الفرقة لا تقع إلا بقضاء القاضي وهو
قول أبي حنيفة.
٨٨
كتاب الطلاق/ باب ٣٣
(قال أيوب) السختياني بالسند السابق: (فقال لي عمرو بن دينار: إن في الحديث) المذكور
(شيئًا) سمعته من سعيد بن جبير وحفظته منه (لا أراك تحدثه. قال: قال الرجل): الملاعن أين
(مالي) الذي دفعته إليها صداقًا أو مالي آخذه؟ فالخبر محذوف أو المعنى أطلب مالي منها فمنصوب
بمحذوف وإنما قال مالي مع أن المرأة ملكته لظن أنه قد رجع إليه فصار ماله بمجرد اللعان فردّ
عليه (قال: قيل: لا مال لك) لأنك (إن كنت صادقًا) فيما ادّعيت عليها (فقد دخلت بها)
واستحقت جميع الصداق (وإن كنت كاذبًا) فيما ادعيت عليها (فهو أبعد منك) لئلا يجتمع عليها
الظلم في عرضها ومطالبتها بمال قبضته قبضًا صحيحًا تستحقه. نعم اختلف في غير المدخول بها،
والجمهور على أن لها نصف الصداق كغيرها من المطلقات قبل الدخول وقيل بل لها الجميع، وقيل
لا شيء لها أصلاً.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في اللعان وأبو داود والنسائي في الطلاق.
٣٣ - باب قَولِ الإمام
لِلْمُتَلاعِنَيْنِ إِنَّ أحَدَكُما كَاذِبٌ فَهَلَّ مِنْكُما تائِبٌ
(باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب) ولأبي ذر: من تائب.
٥٣١٢ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ سَعيدَ بْنَ جُبِيرٍ قالَ:
سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْمُتَلاعِنَيْنِ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيِّ وَّ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ: ((حِسابُكُما عَلَى اللهِ أحَدُكُما
كاذِبٌ، لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيها)»، قالَ: مالي. قالَ: ((لا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيها فَهُوَ بِمَا
اسْتَخْلَلْتَ مِنْ فَرْجِها، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيها فَذاكَ أَبْعَدُ لَكَ)). قالَ سُفْيَانُ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو
وَقَالَ أيُّوبُ: سَمِعْتُ سَعيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ لاعَنَ آَمْرَأْتَهُ فَقالَ بِإِصْبَعَيْهِ،
وَفَرَّقَ سُفْيَانُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى: وَفَرَّقَ النَّبِيُّ نَّهَ بَيْنَ أخَوَيْ بَنِي الْعَجْلانِ، وَقَالَ: ((الله
يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُمَا كاذبٌ فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ سُفْيَانُ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ
كَما أُخْبَرْتُكَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو): بفتح
العين ابن دينار (سمعت سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر) رضي الله عنهما (عن المتلاعنين)
عن حكمهما أيفرّق بينهما؟ ولأبي ذر عن حديث المتلاعنين، ولمسلم من وجه آخر عن سعيد بن
جبير سئلت عن المتلاعنين في امرأة مصعب بن الزبير فما دريت ما أقول فمضيت إلى منزل ابن
عمر بمكة. الحديث. وفيه: فقلت يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرّق بينهما (فقال: قال النبي ◌َّه
للمتلاعنین):
٨٩
كتاب الطلاق/ باب ٣٤
(حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل) لا طريق (لك) على الاستيلاء (عليها) فلا تملك
عصمتها بوجه من الوجوه فيستفاد منه تأبيد الحرمة (قال) يا رسول الله (مالي) الذي أصدقتها إياه
آخذه منها؟ (قال) وَّ: (لا مال لك) لأنك استوفيته بدخولك عليها وتمكينها لك من نفسها ثم
أوضح له ذلك بتقسيم مستوعب فقال (إن كنت صدقت عليها) فيما نسبتها إليه (فهو بما
استحللت من فرجها) ما موصولة وجملة استحللت في موضع الصلة والعائد محذوف والصلة
والموصول في موضع جر بالياء وهي باء البدل والمقابلة (وإن كنت كذبت عليها فذاك) أي الطلب
لما أمهرتها (أبعد لك) اللام للبيان. قال علي بن عبد الله المديني (قال سفيان) بن عيينة (حفظته)
أي سمعت الحديث المذكور (من عمرو) أي ابن دينار. قال سفيان.
(وقال أيوب) السختياني بالسند السابق: (سمعت سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر)
رضي الله عنهما (رجل لاعن امرأته) أيفرّق بينهما؟ (فقال) فأشار ابن عمر (بإصبعيه) بالتثنية
(وفّق سفيان بين إصبعيه السبابة والوسطى) جملة معترضة أراد بها بيان الكيفية، وجواب السؤال
قوله: (فرّق النبي ◌َّر بين أخوي بني العجلان وقال: ((الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما
تائب)) ثلاث مرات) ظاهره كما قال القاضي عياض: أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك بعد الفراغ
من اللعان ففيه عرض التوبة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وقال الداودي: قاله قبل اللعان
تحذيرًا لهما قال ابن المديني: (قال) لي (سفيان: حفظته) أي الحديث (من عمرو) أي ابن دينار
(وأيوب) السختياني (كما أخبرتك). والحاصل أن الحديث رواه سفيان عن عمرو بن دينار وأيوب
السختياني كلاهما عن ابن عمر.
٣٤ - باب التَّفْرِيقَ بَينَ الْمُتلاعِنَينِ
(باب التفريق بين المتلاعنين). وهذه الترجمة ثابتة في رواية المستملي ساقطة لغيره، نعم ثبت
لفظ التبويب فقط للنسفي.
٥٣١٣ - حدثني إبراهيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنا أنَسُ بْنُ عِياضٍ عَنْ عُبَيدِ الله عَنْ نَافِعِ أنَّ ابْنَ
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أخَبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ فَرِّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأَةٍ قَذَفَها، وَأَحْلَفَهُمَا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي أحد الأعلام قال: (حدّثنا أنس بن
عياض) أبو ضمرة (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (أن
ابن عمر رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله ◌َّ﴿ فرّق بين رجل وامرأة) حال كون الرجل
(قذفها) بالزنا (وأحلفهما) بالحاء المهملة أي لاعن بينهما وقوله: فرّق أي حكم بأن يفترقا حسًّا
لحصول الافتراق شرعًا بنفس اللعان، واحتجوا لوقوع الفرقة بنفس اللعان بقوله وب لير في الرواية
الأخرى: ((لا سبيل لك عليها)). وتعقب بأن ذلك وقع جوابًا لسؤال الرجل عن ماله الذي أخذ
منه. وأجيب: بأن العبرة بعموم اللفظ وهو نكرة في سياق النفي فتشتمل المال والبدن وتقتضي
٩٠
كتاب الطلاق/ باب ٣٥
نفي تسليطه عليها بوجه من الوجوه؛ وفي حديث ابن عباس عند أبي داود: وقضى أن ليس عليه
نفقة ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها وظاهره أن الفرقة وقعت بينهما
بنفس اللعان.
٥٣١٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيى عَنْ عُبَيدِ الله أخْبَرَني نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لاعَنَ
النَّبِيُّ وَّرِ بَيْنَ رَجُلٍ وَأَمْرَأَةٍ مِنَ الأنْصَارِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُما.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد
القطان (عن عبيد الله) بن عمر العمري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر) رضي الله
عنهما أنه (قال: لاعن النبي ◌َّهه بين رجل وامرأة من الأنصار وفرّق بينما) تنفيذًا لما أوجب الله
بينهما من المباعدة بنفس الملاعنة وتمسك بظاهره الحنفية فقالوا: إنما يكون التفريق من الحاكم، وقد
سبق ما في ذلك والله الموفق والمعين.
٣٥ - باب يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِالْمُلَاعَنَّةِ
هذا (باب) بالتنوين (يلحق الولد بالملاعنة) إذا نفاه الزوج والملاعنة بفتح العين والذي في
اليونینیة کسرها.
٥٣١٥ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيرِ حَدَّثَنَا مالِكٌ قالَ: حَدَّثَني نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ◌َعود
لاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَأَمْرَأْتِهِ، فَانْتَفِى مِنْ وَلَدِها فَفَرَّقَ بَيْنَهُما، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأةِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدثنا مالك) الإمام (قال:
حذّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر) رضي الله عنهما (أن النبي (وَّر لاعن بين رجل) هو عويمر
(وامرأته) هي زوجته خولة (فانتفى) الرجل (من ولدها) قال في شرح المشكاة: الفاء سببية أي
الملاعنة كانت سببًا لانتفاء الرجل من ولد المرأة وإلحاقه بها، وتعقبه في الفتح بأنه أراد أن الملاعنة
سبب ثبوت الانتفاء فجيد وإن أراد أن الملاعنة سبب وجود الانتفاء فليس كذلك فإنه إن لم يتعرض
لنفي الولد في الملاعنة لم ينتفِ. قال إمامنا الشافعي: إن نفي الولد في الملاعنة انتفى وإن لم
يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة وإن أمكنه الرفع إلى حاكم فأخر بغير
عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه (ففرق) وَلجر (بينهما وألحق الولد بالمرأة) فترث منه ما فرض
الله لها ونفاه عن الزوج فلا توارث بينهما. وقال الدارقطني: تفرد مالك بهذه الزيادة، وأجيب:
بأنها قد جاءت من أوجه أخرى في حديث سهل بن سعد وغيره.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في الفرائض ومسلم في اللعان وأبو داود في الطلاق والترمذي
في النكاح والنسائي وابن ماجة في الطلاق.
٩١
كتاب الطلاق/ باب ٣٦
٣٦ - باب قَولِ الإمام اللَّهُمَّ بَيِّنْ
(باب قول الإمام) في اللعان (اللهم بيّن) أي أظهر.
٥٣١٦ - حدثنا إسماعيلُ قالَ: حَدَّثَنِ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعيدٍ قَالَ: أخْبَرَني
عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الْمُتَلاعِنانِ عِنْدَ رَسُولٍ
اللّهَ وَلِّ فَقَالَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٌّ في ذلِكَ قَوْلاً ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ
مَعَ امْرَأْتِهِ رَجُلاً فَقالَ عاصِمُ: مَا ابْتُليتُ بِهِذَا الأَمْرِ إلاَّ لِقَولِي. فَذَهَبَ بِهِ إلى رَسُولِ اللهَِ
فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ آمْرَأْتَهُ وَكَانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَليلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ، وَكانَ الَّذي
وَجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ آدَمَ خَدِلاً كَثِيرَ اللَّخم جَعْدًا قَطِطَا فَقالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ بَيِّنْ)). فَوَضَعتْ
شبيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوجُها أنَّهُ وَجَدَ عِنْدَها، فَلا عَنَ رَسُولُ اللهِوَّهِ بَيْنَهُما فَقالَ رَجُلٌ لايْنِ
عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: هِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيْنَةٍ لَرَجَمْتُ هذِهِ)).
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لا. تِلْكَ امْرَأةٌ كانَتْ تُظهِرُ السُّوءَ فِي الإسْلامِ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (سليمان بن بلال عن
يحيى بن سعيد) الأنصاري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن
محمد) أي ابن أبي بكر الصديق فعبد الرحمن يروي عن أبيه القاسم (عن ابن عباس) رضي الله
عنهما (أنه قال: ذكر) بضم الذال المعجمة (المتلاعنان عند رسول الله بَيرٍ، فقال عاصم بن عدي)
الأنصاري (في ذلك قولاً) وهو لو وجد الرجل مع امرأته رجلاً يضربه بالسيف حتى يقتله (ثم
انصرف) عاصم من عند النبي وَلَّ (فأتاه رجل من قومه) هو عويمر (فذكر له أنه وجد مع امرأته)
خولة (رجلاً فقال عاصم: ما ابتليت بهذا الأمر) في رجل من قومي (إلا لقولي) أي لسؤالي عما لم
يقع (فذهب به) فذهب عاصم بعويمر (إلى رسول الله ◌َّقر فأخبره بالذي وجد عليه امرأته) من
الخلوة بالأجنبي (وكان ذلك الرجل مصفرًا قليل اللحم) نحيفًا (سبط الشعر) غير جعدة ولأبي ذر:
الشعرة بسكون العين وبعد الراء هاء تأنيث (وكان) الرجل (الذي وجده عند أهله آدم) بالمد أسمر
اللون (خدلاً) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة وكسرها وتخفيف اللام وتشدد ممتلىء الساق
(كثير اللحم جعدًا) بفتح الجيم وسكون العين المهملة شعره (قططًا) بفتحات وبكسر الطاء الأولى
وفي الفرع كأصله شديد الجعودة (فقال رسول الله (صل﴿):
(اللهم بيّن) قال ابن العربي: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط بل
معناه أن تلد ليظهر الشبه ولا تمتنع ولادتها بموت الولد مثلاً فلا يظهر البيان والحكمة فيه ردع من
شاهد ذلك عن التلبّس بمثل ما وقع لما يترتب على ذلك من القبح ولو اندرأ الحدّ (فوضعت) ولدًا
(شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد) أي وجده (عندها فلاعن رسول الله وَ لقول بينهما) عقب
٩٢
كتاب الطلاق/ باب ٣٧
إخباره بالذي وجد عليه امرأته وحينئذ قوله وكان ذلك الرجل إلى آخره اعتراض (فقال الرجل)
اسمه عبد الله بن شداد بن الهاد (لابن عباس في) ذلك (المجلس) هذه المرأة (هي التي قال رسول
الله وَلجر: لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه) امرأة عويمر (فقال ابن عباس: لا تلك امرأة
كانت تظهر السوء) تعلن الفاحشة (في الإسلام) لكن لم تعترف ولا أقيمت عليها بيّنة بذلك.
٣٧ - باب إذا طَلَّقَها ثَلاثَا ثُمَّ
تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ زَوْجَا غَيرَهُ فَلَمْ يَمَسَّها
هذا (باب) بالتنوين (إذا طلقها) أي إذا طلق الرجل زوجته (ثلاثًا ثم تزوّجت بعد العدّة
زوجًا غيره فلم يمسها) أي هل تحل للأول إن طلّقها الثاني، وليس المراد طلاق الملاعن لأن
الملاعنة لا تعود للذي لاعن منها ولو تزوّجت عشرة سواء وطئها أم لم يطأها.
٥٣١٧ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنا يحيى حَدَّثَنَا هِشامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عَنْ عَائِشَةً عَنِ
النّبِيِّ مَلِّ ح.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عمرو بن علي) الفلاس بالفاء وتشديد اللام
آخره سين مهملة قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا هشام قال: حدثني) بالإفراد
(أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها (عن النبي ◌َّو ح).
١٠٠٠ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أبي شَيْبةَ حَدَّثَنا عَبْدَةُ عَنِ هِشَامِ عَنْ أبيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله
عَنْها أنْ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأةً ثُمَّ طَلَّقَها، فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فَأَتَّتِ النَّبِيَّ نَّهِ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لا
يأتيها، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلاَّ مِثْلُ هُذْبَةٍ فَقالَ: ((لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)).
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين
وسكون الموحدة لقب عبد الرحمن بن سليمان الكوفي (عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله
عنها أن رفاعة) بكسر الراء وتخفيف الفاء (القرظي) بالقاف المضمومة والظاء المعجمة من بني
قريظة (تزوّج امرأة) اسمها تميمة بنت وهب (ثم طلَّقها فتزوّجت) زوجًا (آخر) اسمه
عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الموحدة فلم يصل منها إلى شيء (فأتت النبي ◌َّ
فذكرت له أنها لا يأتيها) أي لا يجامعها (وأنه ليس معه) ذكر (إلا مثل هدية) بضم الهاء
وسكون الدال المهملة وفتح الموحدة أي هدية الثوب في الارتخاء وعدم الانتشار وطلبت أن تعود
لزوجها الأول رفاعة (فقال) لها القر:
(لا) ترجعين إليه (حتى تذوقي عسيلته) أي عبد الرحمن بن الزبير (ويذوق عسيلتك)
والعسيلة كناية عن الجماع وفي حديث عائشة عند أحمد العسيلة هي الجماع وأنّث العسيلة على
٩٣
کتاب الطلاق/ باب ٣٨ و٣٩
إرادة القطعة من العسل أو على إرادة اللذة لتضمنه ذلك، ولذا فسّر أبو عبيدة فيما نقله عنه
الماوردي العسيلة باللذة.
وهذا الحديث قد سبق في باب من أجاز الطلاق الثلاث.
٣٨ - باب ﴿وَاللَّ يَئِسْنَ مِنَ الْمَحيض مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾
قالَ مُجاهِدٌ: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا يَحِضْنَ أوْ لا يَحِضْنَ، ﴿وَاللَّئِي فَعَدْنَ عَنِ الْحيضِ وَاللَِّي لَمْ
يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ .
هذا (باب) بالتنوين. قال الحافظ ابن حجر: سقط لفظ باب لأبي ذر وكريمة وثبت للباقين،
ووقع عند ابن بطال كتاب العدد باب قول الله تعالى: والعدد جمع عدة مأخوذة من العدد
لاشتمالها عليه غالبًا وهي مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتعبد وشرعت صيانة
وتحصينًا لها من الاختلاط والأصل فيها قبل الإجماع الآيات الآتية.
منها قوله تعالى: (﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾. قال مجاهد): فيما
وصله الفريابي مفسرًا لإن ارتبتم أي (إن لم تعلموا يحضن أو لا يحضن ﴿واللائي قعدن عن
الحيض﴾) أي كبرن وصرن عجائز ولأبي ذر عن المحيض فحكمهن حكم اللائي يئسن (﴿واللائي
لم يحضن﴾) أصلاً وهن الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض (﴿فعدتهن ثلاثة أشهر﴾) [الطلاق: ٤]
وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس وهو اثنتان وستون سنة أهو دم حيض أو استحاضة
فعدّتهن ثلاثة أشهر وإذا كانت عدّة المرتابات بها فغير المرتابات أولى والأكثرون على أن المعنى إن
ارتبتم في الحكم لا في اليأس، وفي الآية حذف تقديره واللائي لم يحضن فعدتهن كذلك فإن
حاضت الصغيرة أو غيرها ممن لم يحضن أثناء العدة بالأشهر انتقلت إلى الحيض لقدرتها على الأصل
قبل فراغها من البدل كالماء في أثناء التيمم ولم يحسب الماضي قرأ لأنه لم يحتوش بدمين، أما من
حاضت بعد العدّة فلا يؤثر لأن حيضها حينئذ لا يمنع صدق القول بأنها عند اعتدادها بالأشهر
من اللائي لم يحضن.
٣٩ - باب ﴿وَأُولاتُ الأحمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
هذا (باب) بالتنوين، وهو ساقط لأبي ذر (﴿وأولات الأحمال﴾) الحبالى (﴿أجلهن﴾) عدتهن
(﴿أن يضعن حملهن﴾) [الطلاق: ٤] يتناول المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن.
٥٣١٨ - حدّثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيرٍ حَدَّثَنَا اللَّيثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
هُزْمُزَ الأَعْرَجِ قالَ: أخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنَّ زَينَبَ ابْنَةَ أبي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّها أُمْ
سَلَمَةَ زَوجِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّ أَمْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقالُ لَها سُبَيْعَةُ كانَتْ تَحْتَ زَوجِها تُوُفِّيَ عَنْها وَهِيَ
٩٤
كتاب الطلاق/ باب ٣٩
حُبْلِى، فَخَطَبَها أبُو السَّابِلِ بْنُ بَعْكَكِ، فَأَبَتْ أنْ تَنْكِحَهُ، فَقالَ: ((وَالله ما يَصْلُحُ أنْ تَتْكِحِيهِ حَتَّى
تَعْتَذِي آخِرَ الأَجَلَينِ))، فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمَّ جاءَتِ النَّبِيَّ نَِّ فَقالَ: ((أَنْكِحِي)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله المخزومي مولاهم المصري
قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن جعفر بن ربيعة) الكندي (عن عبد الرحمن بن هرمز
الأعرج) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن زينب ابنة) ولأبي
ذر: بنت (أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة زوج النبي ◌َّر أن امرأة من أسلم) بن أفصى بن
حارثة (يقال لها سبيعة) بضم السين المهملة بنت الحارث (كانت تحت زوجها) سعد بن خولة
المتوفى بمكة بعد أن هاجر منها (توفي عنها) ولأبي ذر عن الكشميهني منها (وهي) أي والحال أنها
(حبلى) منه في حجة الوداع، وعند ابن سعيد قبل الفتح، وعند الطبري سنة سبع؛ وزاد في تفسير
سورة الطلاق فوضعت بعد موته بأربعين ليلة (فخطبها أبو السنابل) بفتح السين والنون وبعد
الألف موحدة مكسورة فلام عمرو أو عامر أو حبة بمهملة وموحدة وقيل بنون وقيل أصرم وقيل
غير ذلك. (ابن بعكك) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة وفتح الكاف الأولى القرشي وزاد في
التفسير فيمن خطبها (فأبت أن تنكحه) أن مصدرية وكان كهلاً وخطبها أبو البشر بكسر الموحدة
وسكون المعجمة ابن الحارث وكان شابًّا (فقال) أبو السنابل لما رآها تجملت لغيره من الخطّاب (والله
ما يصلح أن تنكحيه) أي تتزوجيه (حتى تعتدي آخر الأجلين) أي أربعة أشهر وعشرًا ولو وضعت
قبل ذلك فإن مضت ولم تضع تتربص إلى أن تضع (فمكثت) بضم الكاف (قريبًا من عشر ليال)
بعد الوضع (ثم جاءت النبي ◌َّر فقال):
(انكحي) لأن عدّتك انقضت بوضع الحمل وهو مخصص كآية الطلاق لعموم قوله تعالى:
﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الطلاق.
٥٣١٩ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيرٍ عَنِ الَّليثِ عَنْ يَزِيدَ أنَّ ابْنَ شِهابٍ كَتَبَ إلَيهِ أنَّ
عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الله أخْبَرَهُ عَنْ أبيهِ أنَّهُ كَتَبَ إلَى الأرْقَمِ أنْ يَسْألَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ كَيفَ أَفْتَاهَا
النَّبِيِّ وََّ، فَقَالَتْ: أفْتاني إذا وَضَعْتُ أنْ أَنْكَح.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير عن الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد) بن أبي حبيب أبي
رجاء المصري واسم أبي حبيب سويد (أن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (كتب إليه أن
عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله أخبره عن أبيه) عبد الله بن عتبة بن مسعود (أنه كتب إلى ابن
الأرقم) عمر بن عبد الله وليس لعمر هذا في الصحيحين إلا هذا الحديث الواحد (أن يسأل سبيعة
الأسلمية) وهي من المهاجرات كما عند ابن سعد (كيف أفتاها النبي ◌ََّ) في العدةٌ لما توفي عنها
زوجها وهي حامل فأتاها فسألها (فقالت: أفتاني إذا وضعت أن أنكح) فكتب إليه الجواب.
٩٥
كتاب الطلاق/ باب ٤٠
وهذا قد أجمع عليه جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار وإلا ما روي عن
علي أنها تعتدّ آخر الأجلين يعني إن وضعت قبل الأربعة الأشهر والعشر تربصت إلى انقضائها ولا
تحل بمجرد الوضع وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع وبه قال ابن عباس لكن
روي أنه رجع عنه.
٥٣٢٠ - حدثنا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةً حَدَّثَنَا مالِكٌ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ
مَخْرَمَةَ أنَّ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفاةِ زَوجِها بِليالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيِّ وَ﴿ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أنْ تَنْكِحَ،
فَأَذِنَ لَها فَتَكحَتْ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين
المهملة قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن المسور بن
مخرمة أن سبيعة الأسلمية نفست) بضم النون وكسر الفاء أي ولدت (بعد وفاة زوجها) سعد بن
خولة (بليال). وفي رواية الزهري فلم تنشب أن وضعت، وعند أحمد فلم تمكث إلا شهرين حتى
وضعت، وفي تفسير الطلاق بعد زوجها بأربعين ليلة، وعند النسائي بعشرين ليلة وروي غير ذلك
مما يتعذر فيه الجمع لاتحاد القصة ولعل ذلك السر في إبهام من أبهم المدة (فجاءت النبي وَلا غير
فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت). واحتجوا للقائل بآخر الأجلين بأنهما عدتان مجتمعتان
بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها فلا تخرج من عدتها إلا بيقين واليقين آخر
الأجلين. وأجيب: بأنه لما كان المقصود الأصلي من العدة براءة الرحم ولا سيما فيمن تحيض
حصل المطلوب بالوضع.
٤٠ - باب قَولِ الله تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وَقالَ إبراهيمُ
فيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ فَحاضَتْ عِنْدَهُ ثَلاثَ حِيَضٍ: بانَتْ مِنَ الأَوَّلِ، وَلا تَخْتَسِبُ بِهِ
لِمَنْ بَعْدَهُ. وَقالَ الزُّهْرِيُّ: تَحْتَسِبُ وَهذا أحَبُّ إلى سُفْيانَ يَعْني قَولَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ
مَعْمَرٌ: يُقالُ أقْرَأْتِ الْمَرْأةُ إذا دَنا حَيضُها، وَأَقْرَأْتْ إذا دَنا طُهْرُها. وَيُقالُ ما قَرَأتْ
بِسَلَى قَطْ إذا لَمْ تَجْمَعْ وَلَدًا فِي بَطْنِها.
(باب قول الله تعالى: ﴿والمطلقات﴾) المدخول بهن من ذوات الحيض (﴿يتربصن﴾) ينتظرن
(﴿بأنفسهن ثلاثة قروء﴾) [البقرة: ٢٢٨]. بعد الطلاق وهو خبر بمعنى الأمر والأصل الكلام
ولتتربصن المطلقات وذكر الأمر بصيغة الخبر تأكيدًا للأمر وإشعارًا بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة
إلى امتثاله ونحوه قوله في الدعاء: رحمك الله أخرجه في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كإنما وجدت
الرحمة وهو خبر عنها، وفي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث لأن أنفس النساء
طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص، وقوله:
٩٦
كتاب الطلاق/ باب ٤٠
﴿يتربصن﴾ يتعدى بنفسه لأنه بمعنى انتظر، ويحتمل أن يكون مفعول التربص محذوفًا تقديره
يتربصن الأزواج وثلاثة قروء على هذا نصب على الظرف لأنه اسم عدد مضاف للظرف، والقروء
جمع كثرة ومن ثلاثة إلى عشرة يميز بمجموع القلة ولا يعدل عن القلة في ذلك إلا عند عدم
استعمال جمع القلة غالبًا وجمع القلة هنا موجود وهو إقراء فالحكمة في الإتيان بجمع الكثرة مع
وجود القلة أنه لما جمع المطلقات جمع القرء لأن لكل مطلقة تربص ثلاثة أقراء فصارت كثرة بهذا
الاعتبار، وسقط لفظ باب لأبي ذر.
(وقال إبراهيم) النخعي فيما وصله ابن أبي شيبة (فيمن تزوّج) امرأة (في العدّة) تزويجا فاسدًا
(فحاضت عنده) أي عند الثاني (ثلاث حيض بانت) بانقضاء هذه العدّة (من) الزوج (الأول ولا
تحتسب) بفتح الفوقيتين وكسر السين (به) بالحيض (لمن بعده) لمن بعد الأول بل تعتد أخرى للثاني
فلا تداخل لتعدد المستحق فتعتد لكل واحد منهما عدة كاملة، وروى المدنيون عن مالك إن كانت
حاضت حيضة أو حيضتين من الأول أنها تتم بقية عدتها منه ثم تستأنف عدة أخرى وهو قول
الشافعي وأحمد.
(وقال الزهري): محمد بن مسلم (تحتسب) بالحيض للثاني كالأوّل فيكفي لهما عدة واحدة
وهو قول الحنفية ورواية مالك (وهذا أحب إلى سفيان) الثوري (يعني: قول الزهري) لأن الأول لا
ينكحها في بقية العدة من الثاني فدلّ على أنها في عدة الثاني ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه.
(وقال معمر) هو أبو عبيد بن المثنى (يقال أقرأت المرأة إذا دنا) قرب (حيضها وأقرأت إذا
دنا) قرب (طهرها) فيستعمل في الضدين لكن المراد بالقرء عند الشافعية الطهر لقوله تعالى:
﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] أي في زمنها وهو زمن الطهر إذ الطلاق في الحيض محرم كما
سبق، ولأن القرء مأخوذ من قولهم قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه فالطهر أحق باسم القرء
لأنه زمن اجتماع الدم في الرحم والحيض زمن خروجه منه فينصرف إذن إلى زمن الطهر الذي هو
زمن العدة وزمنها يعقب زمن الطلاق والطهر ما احتوشه دمان أي دما حيضتين أو حيض ونفاس
لا مجرد الانتقال إلى الحيض فإن طلقها في الطهر ولو بقي منه لحظة أو جامعها فيه انقضت عدتها
بالطعن في الحيضة الثالثة ولا يبعد تسمية قرأين وبعض الثالث ثلاثة أقراء كما يقال خرجت من
البلد لثلاث مضين مع وقوع خروجه في الثالثة، وكما في قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾
[البقرة: ١٩٧] مع أن المراد شوّال وذو القعدة وبعض ذي الحجة ولأنا لو لم نعتد بالباقي قرأ لكان
أبلغ في تطويل العدّة عليها من الطلاق في الحيض أو طلقها في الحيض فبالطعن في الحيضة
الرابعة انقضت عدتها (ويقال: ما قرأت بسلا قط إذا لم تجمع ولدًا في بطنها) بكسر الباء الموحدة
وفتح السين والتنوين من غير همز في قوله: بسلا غشاء الولد.
وسبق في أوائل سورة النور.
٩٧
كتاب الطلاق/ باب ٤١
٤١ - باب قِصَّةٍ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ
بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلاَّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيْنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ الله وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَ الله فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَذْرِي لَعَلَّ الله يُحدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْرًا﴾. ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ
وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيَّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى
يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا﴾ .
(باب قصة فاطمة بنت قيس) أي ابن خالد الأكبر الفهرية أخت الضحاك من المهاجرات
الأول (وقوله عز وجل) ولأبي ذر وقول الله عز وجل: ((واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن﴾) أي لا
تخرجوا المطلقات طلاقًا بائنًا بخلع أو ثلاث حاملاً كانت أو حائلاً غضبًا عليهن وكراهية لمساكنتهن
أو لحاجة لكم إلى المساكن ولا تأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك إيذانًا بأن إذنهم لا أثر له في
رفع الحظر (﴿من بيوتهن﴾) مساكنهن التي يسكنها قبل العدّة وهي بيوت الأزواج وأضيفت إليهن
لاختصاصها بهن من حيث السكنى (﴿ولا يخرجن﴾) بأنفسهن إن أردن ذلك، ولو وافق الزوج
وعلى الحاكم المنع منه لأن في العدة حقًّا لله تعالى، وقد وجبت في ذلك المسكن. وفي الحاوي
والمهذب وغيرهما، من كتب العراقيين أن للزوج أن يسكنها حيث شاء لأنها في حكم الزوجة، وبه
جزم النووي في نكته، قال السبكي: والأول أولى لإطلاق الآية، والأذرعي أنه المذهب المشهور
والزركشي أنه الصواب (﴿إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة﴾) قيل: هي الزنا أي إلا أن يزنين فيخرجن
لإقامة الحدّ عليهن قاله ابن مسعود، وبه أخذ أبو يوسف وقيل خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة
في نفسه قاله النخعي، وبه أخذ أبو حنيفة، وقال ابن عباس: الفاحشة نشوزها وأن تكون بذيّة
اللسان على أحمائها. قال الشيخ كمال الدين بن الهمام: وقول ابن مسعود أظهر من جهة وضع
اللفظ له لأن إلا أن غاية والشيء لا يكون غاية لنفسه وما قاله النخعي أبدع وأعذب في الكلام
كما يقال في الخطابيات لا تزن إلا أن تكون فاسقًا ولا تشتم أمك إلا أن تكون قاطع رحم ونحوه
وهو بديع بليغ جدًّا (﴿وتلك حدود الله﴾) أي الأحكام المذكورة (﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظل
نفسه لا تدري﴾) أيها المخاطب (﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾) [الطلاق: ١] بأن يقلب قلبه
من بغضها إلى محبتها أو من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها أو من عزيمة الطلاق إلى الندم عليه
فيراجعها، والمعنى فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدّة ولا تخرجوهن من بيوتهن لعلكم تندمون
فتراجعون. ثم ابتدأ المصنف بآية أخرى من سورة الطلاق فقال:
(﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾) من للتبعيض حذف مبعضها أي أسكنوهن مكانًا من حين
سكنتم أي بعض مكان سكناكم (﴿من وجدكم﴾) عطف بيان لقوله: ﴿من حيث سكنتم﴾ وتفسير له
كأنه قيل أسكنوهن مكانًا من مسكنكم مما تطيقونه والوجد الوسع والطاقة (﴿ولا تضاروهن لتضيقوا
عليهن﴾) من المسكن ببعض الأسباب حتى تضطروهن إلى الخروج (﴿وإن كن﴾) أي المطلقات
إرشاد الساري/ ج ١٢ / م ٧
٩٨
كتاب الطلاق/ باب ٤١
(﴿أولات حمل﴾) ذوات الأحمال (﴿فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) - إلى قوله -) تعالى: (﴿بعد
عسر يسرًا﴾) [الطلاق: ٦، ٧] أي بعد ضيق في المعيشة سعة وهو وعد لذي العسر باليسر
والنفقة للحامل شاملة للأدم والكسوة إذ إنها مشغولة بمائه فهو مستمتع برحمها فصار كالاستمتاع
بها في حال الزوجية، إذ النسل مقصود بالنكاح كما أن الوطء مقصود به والنفقة للحامل بسبب
الحمل لا للحمل لأنها لو كانت له لتقدرت بقدر كفايته ومفهوم الآية أن غير الحمل لا نفقة لها،
وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى. والسياق يفهم أنها في غير الرجعية لأن نفقة الرجعية واجبة
ولو لم تكن حاملاً. وذهب الإمام إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة وإنما
وجبت السكنى لمعتدة وفاة وطلاق بائن وهي حائل دون النفقة لأنها لصيانة ماء الزوج وهي تحتاج
إليها بعد الفرقة كما تحتاج إليها قبلها والنفقة لسلطنته عليها، وقد انقطعت. وسياق هذه الآيات
كلها ثابت في رواية كريمة، وقال أبو ذر في روايته بعد قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾
الآية، وهو نصب بفعل مقدر.
٥٣٢١ - ٥٣٢٢ - حدثنا إسماعيلُ حَدَّثَنَا مالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
وَسُلَيمانَ بْنِ يَسارِ أَنَّهُ سَمِعَهُما يَذْكُرَانِ أنَّ يَحْيَى بْنَ سَعيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ
الْحَكَمِ، فَانْتَقَلَها عَبْدُ الرَّحْمُنِ، فَأَرْسَلْت عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إلى مَزْوانَ، وَهُوَ أميرُ الْمَدِينَةِ: أَتَّقِ
الله وَأَزْدُدْهَا إلى بَيْتِها. قالَ مَزْوانُ في حَديثِ سُلَيمانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الْحَكَمِ غَلَبَنِي. وَقَالَ
الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أوَ ما بَلَغَكِ شَأْنُ فاطِمَةَ بِئْتِ قَيْسٍ؟ قالَتْ: لا يَضُرُّكَ أنْ لَا تَذْكُرَ حَديثَ
فاطِمَةَ. فَقالَ مَرْوانُ بْنُ الْحَكَمِ: إنْ كانَ بِكِ شَرِّ فَحَسْبُكِ ما بَيْنَ هذَينٍ مِنَ الشَّرُ. [الحديث
٥٣٢١ - أطرافه في: ٥٣٢٣، ٥٣٢٥، ٥٣٢٧]. [الحديث ٥٣٢٢ - أطرافه في: ٥٣٢٤،
٥٣٢٦، ٥٣٢٨].
وبه قال: (حدثنا) بالجمع (إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني
بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن محمد) أي ابن أبي
بكر الصديق (وسليمان بن يسار) بالتحتية والسين المهملة المخففة مولى ميمونة (أنه) أي أن
يحيى بن سعيد الأنصاري (سمعهما) أي القاسم بن محمد وسليمان بن يسار (يذكران أن يحيى بن
سعيد بن العاص) أخا عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق (طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم)
بفتحتين عمرة الطلاق البتة (فانتقلها) أي نقلها (عبد الرحمن) أبوها من مسكنها الذي طلقت فيه،
فسمعت عائشة بنقل عبد الرحمن ابنته من مسكنها الذي طلقت فيه (فأرسلت عائشة أم المؤمنين)
رضي الله عنها (إلى) عم عمرة بنت عبد الرحمن بن الحكم (مروان) ولأبي ذر زيادة ابن الحكم
(وهو أمير المدينة) يومئذٍ من قبل معاوية وولي الخلافة بعد تقول له (اتق الله) يا مروان (وارددها إلى
بيتها) الذي طلقت فيه (قال مروان) مجيبًا لعائشة كما (في حديث سليمان) بن يسار (أن
٩٩
كتاب الطلاق/ باب ٤١
عبد الرحمن بن الحكم) يعني أخاه والد عمرة (غلبني) فلم أقدر على منعه من نقلتها (وقال
القاسم بن محمد) في حديثه قال مروان مجيبًا لعائشة أيضًا: (أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس)؟
حيث لم تعتد في بيت زوجها وانتقلت إلى غيره (قالت) عائشة رضي الله عنها لمروان (لا يضرك أن
لا تذكر حديث فاطمة) لأنه لا حجة فيه لجواز انتقال المطلقة من منزلها بسبب قاله في الفتح،
وقال في الكواكب: كان لعلة وهو أن مكانها كان وحشًا مخوفًا عليه أو لأنها كانت لسنة استطالت
على أحمائها (فقال مروان بن الحكم) لعائشة (إن كان بك شر) أي إن كان عندك أن سبب خروج
فاطمة بنت قيس ما وقع بينها وبين أقارب زوجها من الشر (فحسبك) فيكفيك في جواز انتقال
عمرة (ما بين هذين) عمرة زوجها يحيى بن سعيد (من الشر). ومفهومه جواز النقلة من المسكن
الذي طلقت فيه بشرط وجود عارض يقتضي جواز خروجها منه، كأن يكون المنزل مستعارًا ورجع
المعير ولم يرض بإجارته بأجرة المثل، أو امتنع المكري من تجديد الإجارة بذلك، أو كان ملكًا لها
ولم تختر الاستمرار فيه بإجارة بل اختارت الانتقال منه إذ لا يلزمها بذله بإعارة ولا إجارة كما لو
كان المسكن خسيسًا وطلبت النقلة منه إلى اللائق بها، فإن كان نفيسًا فللزوج نقلها إلى غيره لائق
بها ويتحرى المنزل الأقرب إلى المنقول عنه بحسب الإمكان. وقال المرداوي من الحنابلة: تعتد بائن
حيث شاءت من البلد في مكان مأمون ولا تسافر ولا تبيت إلا في منزلها، وإن أراد إسكانها في
منزله أو غيره مما يحصل لها تحصينًا لفراشه ولا محذور فيه لزمها ذلك ولو لم تلزمه نفقة.
٥٣٢٣ - ٥٣٢٤ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدْثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِمِ عَنْ أبيهِ عَنْ عَائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما لِفاطِمَةَ، ألا تَتَّقِي الله؟ يَعْني في قَوْلِهِ لا سُكْنى وَلا
نَفَقَةً .
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بندار قال: (حدّثنا غندر)
محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة) رضي الله عنها (أنها قالت: ما لفاطمة) بنت قيس أي ما
شأنها (ألا) بالتخفيف (تتقي الله يعني في قوله) ولأبي ذر في قولها (لا سكنى ولا نفقة) للمطلقة
البائن على زوجها والحال أنها تعرف قصتها يقينًا من أنها إنما أمرت بالانتقال لعذر وعلة كانت بها
فأخبرت بما أباح لها الشارع من الانتقال ولم تخبر بالعلة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
٥٣٢٥ - ٥٣٢٦ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٌّ حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقاسِمِ عَنْ أبيهِ قالَ: قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْنَ إلى فُلانَةَ بِنْتِ
الْحَكَمْ طَلَّقَهَا زَوْجُها الْبَّةَ فَخَرَجثْ؟ فَقَالَتْ: بِئْسَ ما صَنَعَتْ. قالَ: أَلَم تَسْمَعي فِي قَوْلٍ فاطِمَةَ؟
قالَتْ: أما إنَّهُ لَيْسَ لَها خَيرٌ في ذِكْرِ هذَا الْحَديثِ وَزادَ ابْنُ أبي الزنادِ عَنْ هِشامٍ عَنْ أبيهِ: عابَتْ
١٠٠
كتاب الطلاق/ باب ٤٢
عائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيبِ وَقَالَتْ: إنَّ فاطِمَةَ كانَتْ في مَكانٍ وَخْشِ فَخِيفَ عَلى ناحِيَتِها فَلِذِلَك أرْخَصَ
لَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عباس) بفتح العين وعباس بالموحدة آخره سين مهملة البصري
قال: (حدّثنا ابن مهدي) عبد الرحمن قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الرحمن بن القاسم عن
أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنه (قال: قال عروة بن الزبير لعائشة) رضي الله عنها:
(ألم ترين) بالنون ولأبي ذر ألم تري (إلى فلانة) عمرة (بنت الحكم) نسبها لجدها وإلا فاسم أبيها
عبد الرحمن كما مرّ (طلّقها زوجها) يحيى بن سعيد بن العاص الطلاق (البتة فخرجت) من المنزل
الذي طلقها فيه إلى غيره (فقالت) عائشة: (بئسما صنعت) ولأبي ذر عن الكشميهني بئسما صنع
أي زوجها من تمكينه لها من ذلك أو بئسما صنع أبوها في موافقتها لذلك (قال) عروة لعائشة:
(ألم تسمعي في قول فاطمة) بنت قيس حيث أذن لها بالانتقال من المنزل الذي طلقت فيه (قالت)
عائشة (أما) بالتخفيف (أنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث) إذ هو موهم للتعميم وقد كان
خاصًّا بها لعذر كان بها ولما فيه من الغضاضة (وزاد ابن أبي الزناد) بالنون بعد الزاي عبد الرحمن
واسم أبي الزناد عبد الله فيما وصله أبو داود (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير أنه قال: (عابت
عائشة) على فاطمة بنت قيس (أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش) بفتح الواو
وسكون الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي خال ليس به أنيس (فخيف على ناحيتها فلذلك
أرخص لها النبي 9َّ) في الانتقال وعند النسائي من طريق ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة
فقلت لسعيد بن المسيب إن فاطمة بنت قيس خرجت عن بيتها فقال: إنها كانت لَسِنة، ولأبي ذر
من طريق سليمان بن يسار: إنما كان ذلك من سوء الخلق.
٤٢ - باب الْمُطَلَّقَةِ إذا خُشِيَ عَلَيها في
مَسْكَنِ زَوْجِها أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيها، أوْ تَبْذوَ عَلى أهْلِها بِفِحِشَةٍ
(باب) حكم المرأة (المطلقة إذا خشي عليها) بضم الخاء وكسر الشين المعجمتين (في مسكن
زوجها) في مدة عدتها منه (أن يقتحم) بضم التحتية وسكون القاف وفتح الفوقية والحاء المهملة أي
يهجم (عليها) بغير إذن إما مطلقها أو غيره من سارق ونحوه (أو تبذو) بالذال المعجمة من البذاء
وهو القول الفاحش (على أهلها) ولأبي ذر عن الكشميهني على أهله أي أهل المطلق (بفاحشة)
وجواب إذا محذوف والتقدير تنتقل إلى مسكن غير مسكن الطلاق.
٥٣٢٧ - ٥٣٢٨ - وحدثني حِبَّانُ أُخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ
عُزْوَةَ أنَّ عائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذلِكَ عَلى فاطِمَةَ.
وبه قال: (وحدّثني) بالإفراد وبالواو ولأبي ذر: حدّثنا (حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد